Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
(فأدركنا رسول الله ﷺ بفتح الكاف، و"رسول الله" فاعل، وكان ﷺ كثيرا ما يكون في مؤخرة الجيش العائد، تواضعا، وحراسة، وكانت القصة في العودة من الغزوة، ففي رواية البخاري "أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة .... " الحديث، وكذا في الملحق الأول لروايتنا.
(في واد كثير العضاه) بكسر العين وفتح الضاد، آخره هاء، وهي كل شجرة ذات شوك، وقيل هو العظيم من السمر مطلقا، والسمرة الشجرة الكثيرة الورق.
(فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة) زاد في رواية "فاستظل بها" أي من حر الشمس في القائلة، وفي رواية "فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ".
(فعلق سيفه بغصن من أغصانها) وفرش فراشه، ونام تحتها، من التعب.
(وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر) المراد من الناس الجيش.
(فقال رسول الله ﷺ : إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت، وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده) "صلتا" بفتح الصاد وضمها وسكون اللام، أي مجردا من غمده، أي مسلولا، وهو منصوب على الحال، و"السيف" مبتدأ، و"في يده" خبر، وفي رواية للبخاري "فجاء رجل من المشركين، وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة، فاخترطه" أي استله من غمده، وفي رواية "فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس" وفي رواية "فإذا أعرابي قاعد بين يديه" وفي رواية "قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه" فهذا القدر من الرواية لم يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبي ﷺ ، بعد أن دعاهم واستيقظوا.
وهذا الرجل اسمه غورث على وزن جعفر، وقيل: بضم الغين، من الغرث، وهو الجوع، ووقع عند الخطيب "غورك" بالكاف بدل الثاء، وحكى الخطابي غويرث بالتصغير، وهو غورث بن الحارث، قال القاضي: وقد جاء حديث آخر مثل هذا الخبر، وسمي الرجل فيه "دعثورا".
(فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله. ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت الله) في رواية "فقال: تخافني؟ قال: لا" وفي رواية كرر "من يمنعك مني" ثلاث مرات، وهو استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا يمنعك مني أحد، لأن الأعرابي كان قائما، والسيف في يده، والنبي ﷺ جالس، لا سيف معه، ولفظ "الله" خبر لمبتدأ محذوف أي مانعي منك الله.
(فشام السيف) أي أعاده في غمده، وألقاه، وهذه الكلمة تستعمل في الأضداد، يقال: شامه إذا استله، وشامه إذا أغمده، وعند ابن إسحاق "فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ ، وقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد، قال: قم، فاذهب لشأنك، فلما ولى قال: أنت خير مني".
(فها هو ذا جالس. ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ في رواية البخاري "لم يعاقبه رسول الله ﷺ "فيجمع بين هذا، وبين رواية ابن إسحاق السابقة، بأن قوله "فاذهب" كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمن عليه، لشدة رغبة النبي ﷺ في استئلاف الكفار، ليدخلوا في الإسلام، وقد ذكر
стр. 5042
الواقدي أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير، وفي رواية للبخاري "فتهدده أصحاب النبي ﷺ " أي فمنعهم ﷺ .
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - جواز تفرق العسكر في نزولهم ونومهم، ومحله إذا لم يكن هناك من يخافون منه.
٢ - جواز الاستظلال بأشجار البوادي.
٣ - وتعليق السلاح وغيره فيها.
٤ - وجواز المن على الكافر الحربي، وإطلاقه.
٥ - وفرط شجاعة النبي ﷺ .
٦ - وقوة يقينه.
٧ - وصبره على الأذى.
٨ - وحلمه وعفوه عن الجهال.
٩ - ومقابلة السيئة بالحسنة.
١٠ - وفيه الحث على مراقبة الله تعالى، وحفظه في الرخاء ليحفظ في الشدة.
١١ - وفيه عصمته لرسوله من القتل.
والله أعلم
стр. 5043
(٦٠٦) باب بيان مثل ما بعث به ﷺ من الهدى والعلم
٥١٩٣ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا. فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا. وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
-[المعنى العام]-
البشرية منذ خلق الله آدم وحواء وأنزلهما إلى الأرض، يتبعها إبليس، ومنذ كثرت ذرية آدم، في حاجة بين الحين لتذكيرها بربها، لتتحقق الحكمة الإلهية التي نوه عنها جل شأنه بقوله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦].
وتلك حكمة إرسال الرسل ﵈، وإنزال الكتب والشرائع، وكلما تقدمت البشرية نحو الحضارة، وكلما كثر عددها على وجه البسيطة، وكلما اتسعت آفاقها وآفاق علمها، كلما كان التذكير والتوجيه والتشريع في دائرة أوسع، وكلما كانت حاجتها إلى التفصيل أشد وأعظم، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن كل رسول، كان يبعث إلى قومه خاصة، وإلى فترة زمنية مؤقتة كانت رسالة محمد ﷺ العامة الخاتمة، الصالحة لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، أكثر الرسالات شمولا للأحكام، وأوسعها في التعاليم والتشريعات، وقد جاءت في فترة زمنية وصلت البشرية فيها إلى انحدار وانحطاط، فكانت غيثا مغيثا، وعلاجا لأمراض انتشرت وتنوعت، وكانت كالنور في حالك الظلام، كانت كصيب من السماء، فيه غيث ونفع للأرض الطيبة الصالحة للزراعة، النقية من الحشائش والحجارة، ينبت به الزرع والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات والكلأ والأعشاب ويسقط على حجارة ملساء، أو أرض سبخة لا تنبت، فلا ينتفع به، وكذلك الناس بالنسبة لدعوة الإسلام، منهم من يسمع فيستجيب، ويتعلم فيتفقه، ويتعمق في العمل، ويعمل بما يعلم ثم يعلم غيره ما علم، فينفع نفسه، وينفع غيره، ومنهم من يسمع فيحفظ، ولا يعمل لكنه يعلم غيره فهو كالأرض المنخفضة، كالوديان، تحفظ الغيث
стр. 5044
والمطر، حتى يأخذه من ينتفع به ومنهم من يسمع فيعرض، فلا يحفظ ولا يعمل ولا يعلم غيره، فيكون كالأرض الملساء الجرداء، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ.
فالعاقل من انتفع ونفع، والويل لمن أعرض، ولم يرفع بذلك رأسا. ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها.
-[المباحث العربية]-
(إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم) "مثل" بفتح الميم والثاء، والمراد به الصفة العجيبة الشأن، وليس القول السائر، والمراد من "الهدى" الدلالة الموصلة إلى المطلوب، أي وسيلة الهداية، من الدعوة إلى الله بالحجة، والموعظة الحسنة، والمراد من العلم حصول المعلومات عنده ﷺ وإيصالها للأمة، ولذا ترجم البخاري للحديث بباب فضل من علم وعلم، "علم" الأولى بكسر اللام والثانية بفتحها وتشديدها.
(كمثل غيث أصاب أرضا) المراد من الغيث المطر، وتنكير "أرضا" لتنوعها، كما سيأتي.
(فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم "طائفة طيبة" ووقع في البخاري "فكان منه نقية قبلت الماء" بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء مشددة، وهو بمعنى طيبة، هذا هو المشهور في روايات البخاري، ورواه الخطابي وغيره "ثغبة" بالثاء والغين والباء، قال الخطابي: هو مستنقع الماء في الجبال والصخور. قال القاضي وصاحب المطالع: هذه الرواية غلط من الناقلين، وتصحيف، وإحالة للمعنى، لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلا لما ينبت، والثغبة لا تنبت، اهـ. وروي "بقعة" وهي بمعنى "طائفة" وروي "بقية" بالباء بدل النون، والمراد القطعة الطيبة، كما يقال: فلان بقية الناس، ومنه قوله تعالى ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ [هود: ١١٦] والمراد من قبول الماء قبوله سقيا لزرع بقدر الحاجة.
قال إسحاق بن راهويه، حين روي هذا الحديث "قيلت الماء" بفتح القاف وتشديد الياء المفتوحة، قيل: وهو تصحيف، من إسحق، وقيل: بل صواب، ومعناه شربت، والقيل شرب نصف النهار.
(فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) قال النووي: "الكلأ" بالهمز يقع على اليابس والرطب، وقال الخطابي وابن فارس: الكلأ يقع على اليابس، وهذا شاذ ضعيف، قال: والعشب والكلأ، مقصورا غير مهموز، مختصان بالرطب. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: "العشب" هنا من ذكر الخاص بعد العام، لأن الكلأ يطلق على النبت الرطب واليابس معا، و"العشب" للرطب فقط. اهـ.
والمقصود- على أي حال - أنبتت الزرع النافع على الأمد القريب والبعيد.
(وكان منها أجادب أمسكت الماء) قال النووي: بالجيم والدال، وهو الأرض التي تنبت كلأ، وقال الخطابي: هي الأرض التي تمسك الماء، فلا يسرع إليه النضوب، قال ابن بطال وصاحب المطالع وآخرون: هو جمع جدب على غير قياس: كما قالوا في حسن: جمعه محاسن، والقياس أن
стр. 5045
محاسن جمع محسن، وكذا قالوا: مشابه جمع شبه، وقياسه أن يكون جمع مشبه. قال الخطابي: وقال بعضهم: "أحادب" بالحاء والدال. قال: وليس بشيء. قال: وقال بعضهم "أجارد" بالجيم والراء والدال، قال: وهو صحيح المعنى، إن ساعدته الرواية، قال الأصمعي: الأجارد من الأرض ما لا ينبت الكلأ، معناه أنها جرداء هزرة، لا يسترها النبات، قال: وقال بعضهم: إنما هي "أخاذات" بالخاء والذال وبالألف، وهو جمع "أخاذة" وهي الغدير الذي يمسك الماء، وذكر صاحب المطالع هذه الأوجه الذي ذكرها الخطابي، فجعلها روايات منقولة، وقال القاضي في الشرح: لم يرد هذا الحرف في مسلم ولا في غيره إلا بالدال المهملة، من الجدب، الذي هو ضد الخصب، قال: وعليه شرح الشارحون.
(فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا، ورعوا) "سقوا" قال النووي: قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنى، لغتان، وقيل: سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيا، وأما "رعوا" فهو بالراء من الرعي، كذا هو في جميع نسخ مسلم، ووقع في البخاري "وزرعوا" وكلاهما صحيح.
(وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ) "قيعان" بكسر القاف، جمع قاع، وهو الأرض المستوية التي لا تنبت، والتي إذا أصابها الماء لا يستقر فيها، وجمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين، لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة، المذمومة- بقوله "وأصاب طائفة منها أخرى" لعدم النفع بها.
(فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) "من فقه" بضم القاف، أي صار فقيها، وقال ابن التين: رويناه بكسرها، والضم أشبه.
قال القرطبي وغيره: ضرب النبي ﷺ لما جاء به من الدين مثلا، بالغيث العام، الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين، تحيي القلب الميت، فتعاليم الإسلام، وما جاء به ﷺ مشبه، والغيث مشبه به. ثم شبه السامعين لتعاليم الدين بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم:
العالم العامل المعلم غيره: فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها، انتفعت في نفسها بالحياة بعد أن كانت ميتة، وكذلك علم العالم يحيي قلبه، وعمله بعلمه يبرزه بمظهر الجمال والزينة، وينفعه كالنبات للأرض، وينفع الناس بالقدوة، كما ينفعهم وينفعه تعليمه لهم.
ومنهم الجامع للعلم: الذي يشغل زمانه فيه، المعلم لغيره، لكنه لم يعمل بعلمه، فهو جمع العلم، وأداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء وتمسكه، ولا تنتفع به، فينتفع به الناس، فهي لم تشرب الماء، فتنتفع بشربها، وإن انتفعت بسقي الماء لغيرها.
وجعل النووي هذا التمثيل لناس لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل، ليستنبطوا به المعاني والأحكام، فهم يحفظونه، حتى يأتي طالب محتاج، متعطش لما عندهم من العلم، أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، اهـ. ويمكن أن يشار إلى هذا النوع بحديث
стр. 5046
"نضر الله امرأ سمع مقالتي، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع" ويمكن أن يراد الأمران: عدم العمل بالعلم، وعدم العمل في العلم.
والصنف الثالث: من يسمع العلم فلا يحفظه، ولا يعمل به، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء، أو تفسده على غيرها، فمعنى "من لم يرفع بذلك رأسا" أي أعرض عن العلم، فلم ينتفع به، ولم ينفع به، ومعنى "ولم يقبل هدى الله الذي جئت به" أي بلغه وكفر به.
قال الطيبي: بقي من أقسام الناس قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه، ولم يعلمه غيره، والثاني من لم ينتفع به في نفسه، وعلمه غيره، قال الحافظ ابن حجر: الأول داخل في الأول، لأن النفع حصل في الجملة، وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تنبته الأرض، فمنه ما ينتفع به الناس، ومنه ما يصير هشيما. اهـ.
قلت: والثاني داخل في الثاني، كما أوضحنا.
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - ضرب المثل تقريبا للمعقول وتشبيهه بالمحسوس.
٢ - فضل العلم والتعليم.
٣ - شدة الحث عليهما.
٤ - ذم الإعراض عن العلم.
والله أعلم
стр. 5047
(٦٠٧) باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم وإذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها
٥١٩٤ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء. فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا فانطلقوا على مهلتهم. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به. ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق".
٥١٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا. فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه. فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه" وحدثناه عمرو الناقد وابن أبي عمر قالا حدثنا سفيان عن أبي الزناد بهذا الإسناد، نحوه.
٥١٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ : "مثلي كمثل رجل استوقد نارا. فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها. قال فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار. هلم عن النار. فتغلبوني تقحمون فيها".
٥١٩٧ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها. وهو يذبهن عنها. وأنا آخذ بحجزكم عن النار. وأنتم تفلتون من يدي".
٥١٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل
стр. 5048
بنى بنيانا فأحسنه وأجمله. فجعل الناس يطيفون به، يقولون ما رأينا بنيانا أحسن من هذا، إلا هذه اللبنة. فكنت أنا تلك اللبنة".
٥١٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال أبو القاسم ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها. فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت ها هنا لبنة! فيتم بنيانك" فقال محمد ﷺ "فكنت أنا اللبنة".
٥٢٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
٥٢٠١ - وفي رواية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل النبيين" فذكر نحوه.
٥٢٠٢ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة. فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة! " قال رسول الله ﷺ : "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء".
٥٢٠٣ - وفي رواية بهذا الإسناد مثله وقال: بدل أتمها أحسنها.
٥٢٠٤ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده، قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها. وإذا أراد هلكة أمة، عذبها، ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره".
стр. 5049
-[المعنى العام]-
صدق الله العظيم، إذ يقول ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
نعم كل نبي يحرص على إجابة قومه لدعوته لمصلحتهم، ويبذل في سبيل ذلك جهده، ويتحمل من مكذبيهم وسفهائهم قدر الطاقة، لكن من الرسل من ضاق ذرعه بعصيانهم، ومنهم أولوا العزم الذين طال صبرهم، وعظم بلاؤهم، وعلى رأسهم محمد بن عبد الله ﷺ .
قد ينفد الصبر، فيدعو الرسول على العاصين، وقد يتمكن من أعدائه فينتقم منهم، بحكم الطبيعة البشرية، أما أن يقابل السيئة بالحسنة في عامة أحواله فهذه هي الخصوصية.
يذهب إلى الطائف، يدعو أهله، لصالحهم، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فيسخرون منه، ويهزءون به، ويغرون به سفهاءهم وصبيانهم يجرون خلفه، يسبونه ويقذفونه بالحجارة، حتى أدموا قدميه، ولما تعبوا رجعوا، فاستند إلى سور حديقة مجهدا متعبا مغتاظا، فينزل عليه ملك الجبال يعرض عليه أن يطبق عليهم الجبال، فيقول: لا. اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون.
يغتال وحشي الكافر أعز أعمامه، أسد الله حمزة بن عبد المطلب، وتبقر هند زوجة أبي سفيان بطنه، وتخرج كبده، تلوكها في فمها، فيقدر عليهما، فيعفو عنهما. يفتح مكة، فيمكنه الله ممن آذوه وآذوا أصحابه، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فيقول لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فيقولون أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول لهم: لا أقول لكم إلا كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم. اذهبوا فأنتم الطلقاء.
يذهب إليه أعرابي، يطلب إحسانه من بيت المال، فيمسك بخناق ثوبه، ويجذبه منه حتى يؤثر الثوب في رقبته، وهو يقول: يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك، فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك، ويثور عمر، فيجرد سيفه، ويقول لرسول ﷺ : دعني أدق عنق هذا المنافق، فيمنعه ﷺ ، ويدخل إلى بيت المال، فيخرج له ما شاء الله، ثم يقول له: أأحسنت؟ فيقول الأعرابي: ما أحسنت وما أجزلت. فيثور عمر ثانية، فيمنعه ﷺ ، ويدخل، فيزيد الرجل، ثم يقول له: أأحسنت؟ فيقول له: لا، ما أحسنت وما أجزلت، ويثور عمر حتى لا يكاد يملك نفسه فيمنعه ﷺ ، ويدخل، فيزيد الرجل، ويقول ﷺ : إن مثلي ومثلكم ومثل هذا كرجل شردت ناقته، فجرى الناس خلفها، يمسكونها، فكلما رأتهم يطاردونها زادت شرودا، فقال لهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي، ثم أخذ في يده شيئا من حشيش الأرض، وتقرب به إليها، فجاءت وبركت واستناخت. ﷺ ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ منع العصاة أن يقعوا في النار، يبذل جهده الخارق في الحيلولة بينهم وبين المعاصي، لكن كثيرا منهم، تغلبهم شهوتهم ونفسهم الأمارة بالسوء، فينهمكون في الشهوات، فيقعون في نار الآخرة، كالفراش الجاهل الذي يحارب النار بالوقوع فيها، ولقد كانت رسالته ﷺ خاتمة الرسالات، وقمتها، فكل نبي جاء بشرع، أصلح الإنسانية بعض الإصلاح، فكان الأنبياء السابقون كمن يبني جزءا من بيت، حتى كاد يكتمل
стр. 5050
البناء، إلا زاوية من زواياه، لو بنيت لاكتمل، فكان ﷺ ممثلا في البناء هذه الزاوية، محققا تمام البناء، واكتمال الشرائع، ووصول البشرية إلى أرقى عباداتها وصلاحها، بما جاء به من شرع حكيم، صالح لكل زمان ومكان إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(إن مثلي ومثل ما بعثني الله به) بفتح الميم والثاء، والمثل الصفة العجيبة الشأن، يوردها البليغ، على سبيل التشبيه، لإرادة التقريب والتفهيم.
(كمثل رجل أتى قومه) في رواية للبخاري "أتى قوما" والتنكير فيه للشيوع، وروايتنا أوضح، لأن قومه هم الأولى بقبول خبره، ولأنهم الذين يحرص عليهم بالدرجة الأولى.
(إني رأيت الجيش بعيني) تثنية عين، وذكر هذا اللفظ لزيادة التأكيد، فالرؤية إنما تكون بالعينين، أي تحقق عنده جميع ما أخبر عنه، تحقق من رأى شيئا بعينيه، لا يعتريه وهم، ولا يخالطه شك، وفي رواية "بعيني" بالإفراد، و"ال" في "الجيش" للعهد، أي جيش عدوكم.
(وإني أنا النذير العريان) مثل يضرب للناصح الأمين الحريص على مصلحة قومه، الخائف المشفق عليهم، والجملة من كلام الرجل، داخلة في المشبه به، وأكدها بإن واسمية الجملة، وإعادة الضمير "أنا" قال العلماء: وأصل المثل أن رجلا من خثعم حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة، فقطع يده ويد امرأته، فانصرف إلى قومه، فحذرهم من العدو، مقدما لهم نفسه وامرأته كدليل على تحقق الخبر، واستبعد أن يكون ذلك أصل المثل، لعدم اشتماله على العري، وقيل أصل المثل أن رجلا لقي جيشا، فسلبوه، وأسروه، فانفلت إلى قومه، فقال: إني رأيت الجيش، فسلبوني فرأوه عريانا، فتحققوا صدقه، لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة، ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا بصدقه لهذه القرائن.
وقال النووي: قال العلماء: أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه، وإعلامهم بما يوجب المخافة، نزع ثوبه، وأشار به إليهم، إذا كان بعيدا منهم، ليخبرهم بما دهمهم، وأكثر ما يفعل هذا طليعتهم ورقيبهم وعينهم، قالوا: وإنما يفعل ذلك، لأنه أبين للناظر، وأغرب، وأشنع منظرا، فهو أبلغ في استحثاثهم على التأهب للعدو، وقيل: معناه أنا النذير الذي أدركني جيش العدو، فأخذ ثيابي فأنا أنذركم عريانا. اهـ.
أما المشبه، فقد ضرب ﷺ لنفسه ولما جاء به مثلا بذلك، لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على صدقه، تقريبا لأفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه، وعند أحمد بسند جيد "خرج النبي ﷺ ذات يوم، فنادى ثلاث مرات: أيها الناس. مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا أن يأتيهم، فبعثوا رجلا يترايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو، فأقبل لينذر قومه، فخشي أن يدركه العدو، قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس، أتيتم. أتيتم. أتيتم." فالعريان على ما سبق من العري والتعري، وهو المعروف في
стр. 5051
الرواية، وحكى الخطابي أن بعضهم رواه بالباء الموحدة، فإن كان محفوظا فمعناه الفصيح بالإنذار، لا يكنى ولا يورى، بل يعرب ويبين، يقال: رجل عربان، أي فصيح اللسان.
(فالنجاء) بالمد مفعول مطلق، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: انجوا، أو الزموا واطلبوا، قال القاضي عياض: المعروف في النجاء، إذا أفرد، المد وحكى أبو زيد فيه القصر أيضا فإذا ما كرروه، فقالوا: النجاء. النجاء ففيه المد والقصر معا، وروايتنا بالإفراد، ورواية البخاري بالتكرار، قال الحافظ ابن حجر: بالمد فيهما، وبمد الأولى وقصر الثانية، وبالقصر فيهما تخفيفا، وفيه إشارة إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش.
(فأطاعه طائفة من قومه) في طلبه الفرار من وجه العدو، أي صدقوه، فأطاعوه، والتذكير في "فأطاعه" مع أن الفاعل مؤنث "طائفة" على تقدير بعض القوم، وفي رواية "فأطاعته" بالتأنيث.
(فأدلجوا) بهمزة قطع فسكون، أي ساروا أول الليل، أو ساروا الليل كله، على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة، قال الحافظ ابن حجر: وأما بالوصل والتشديد، على أن المراد به سير آخر الليل، فلا يناسب هذا المقام.
(فانطلقوا على مهلتهم) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم "مهلتهم" بضم الميم وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام وفي الجمع بين الصحيحين "على مهلهم" بفتح الميم والهاء الأولى، وبحذف التاء، قال: وهما صحيحان، اهـ. والمعنى انطلقوا وساروا على هينة وراحة، ونجوا من عدوهم.
(وكذبت طائفة منهم) أي كذبت النذير في خبره عن جيش العدو، أي فلم يطيعوه، ولم يأخذوا حذرهم، ولم يهربوا من بطشه، وعبر عن الطائفة الأولى بالطاعة لأنها مسبوقة بالتصديق، مستلزمة له، فإثباتها إثبات له، وفي الثانية بالتكذيب، لأنه الأساس في عدم الطاعة، فاستتبع العصيان، والمراد الأمران في كل منهما، تصديق وطاعة في جانب، وتكذيب وعصيان في جانب، فحذف من كل لازمه.
(فأصبحوا مكانهم) تصريح بما دل عليه اللازم.
(فصبحهم الجيش فأهلكهم، واجتاحهم) معنى "صبحهم" أتاهم صباحا مبكرا وهم نائمون، ثم كثر استعماله، حتى استعمل فيمن طرق بغتة، في أي وقت كان، ومعنى "اجتاحهم" استأصلهم، من جحت الشيء، أجحته، إذا استأصله، والاسم الجائحة، وهي الهلاك، وأطلقت على الآفة، لأنها مهلكة، وذكر الاجتياح بعد الإهلاك لتأكيده وقوته.
قال الطيبي: شبه ﷺ نفسه بالرجل، وشبه ما جاء به من الوعد والوعيد بإنذار الرجل قومه بالجيش، وشبه من أطاعه من أمته بمن أطاع الرجل وصدقه، وشبه من عصاه من أمته بمن كذب الرجل في إنذاره، والنتيجة شبيهة بالنتيجة.
(إنما مثلي ومثل أمتي) من حيث موقف الأمة مما جاء به ﷺ ، والقصر بإنما قصر إضافي، لأن مثله ﷺ مع أمته ليس مقصورا على هذا، فقد سبق مثل، وسيأتي غيره.
стр. 5052
(كمثل رجل استوقد نارا) أي أوقد نارا، واستوقد أبلغ من أوقد، فزيادة المبني تفيد زيادة المعنى، زاد في الرواية الثالثة "فلما أضاءت ما حولها" والإضاءة فرط الإنارة، والمراد بذلك ظهور الحق ووضوحه، مما يرفع عذر المعتذر.
(فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه) أي في هذا الشيء الموقد، وفي الرواية الثالثة والرابعة "يقعن فيها" والدواب كل ما يدب على الأرض ولو لحظة، فيشمل الطير ويكون ذكر الفراش وغيره بعده من ذكر الخاص بعد العام، ويحتمل أن يراد بالدابة ما من شأنه يمشي على الأرض، فيكون عطف الطير عليه من العطف المغاير، وعلى كل فالمراد من الدواب التي تسقط في النار بعضها مما من شأنه أن يجري نحو النار يجهل عاقبتها، فيسقط فيها، كالخنافس والصرار وبعض الحشرات، أما الفراش فالمراد منه النوع المعروف من الطير، ذو الأجنحة التي هي أكبر كثيرا من جثته، وأنواعه مختلفة في الكبر والصغر، وكذا أجنحته، وأغرب ابن قتيبة فقال: المراد من الفراش ما يتهافت في النار من البعوض، وقال الخليل: الفراش كالبعوض، يلقي بنفسه في النار. وقال بعضهم: الفراش ما تراه كصغار البق، يتهافت في النار، وقال المازري: المراد من الفراش الجنادب. اهـ. ربما لأنه ورد في الرواية الرابعة، ولفظها "فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها" فجعله من عطف التفسير، وتعقب بأن الجنادب جمع جندب، وفيها ثلاث لغات، ضم الجيم مع ضم الدال وفتحها، وكسر الجيم مع فتح الدال، وهو الصرار الذي يشبه الجراد، وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجراد، له أربعة أجنحة، كالجرادة وأصغر منها، يطير ويصر بالليل صرا شديدا.
وفي الرواية الثالثة "جعل الفراش، وهذه الدواب التي في النار، يقعن فيها" ومعنى الموصول وصلته التي من شأنها الدخول في النار.
(وجعل يحجزهن، ويغلبنه، فيتقحمن فيها) "جعل" هنا للصيرورة، والحجز المنع، والتقحم أصله القحم والإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت، ويطلق على رمي الشيء بغتة، ومثله الاقتحام، يقال: اقتحم الدار هجم عليها، وفي الرواية الثانية "فأنا آخذ بحجزكم، وأنت تقحمون فيه" بفتح التاء والقاف، وتشديد الحاء، وحذف إحدى التاءين، أي تتقحمون، قال النووي: "آخذ" روي بوجهين، أحدهما اسم فاعل، بكسر الخاء، وتنوين الذال، والثاني فعل مضارع بضم الخاء والذال، وهما صحيحان، والأول أشهر. اهـ.
"وحجزكم" بضم الحاء وفتح الجيم وضمها جمع حجزة بضم الحاء وسكون الجيم، وهي معقد الإزرار من وسط الإنسان، ومن السراويل موضع التكة، وفي الرواية الرابعة "فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها- أي يدفعهن ويبعدهن عنها- وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي" قال النووي: روي بوجهين: أحدهما فتح التاء والفاء واللام المشددة، وأصله تتفلتون، حذفت إحدى التاءين، والثاني ضم التاء، وإسكان الفاء وكسر اللام، وكلاهما صحيح، يقال: أفلت مني، وتفلت مني، إذا نازعك الغلبة، والهرب، ثم غلب وهرب وفي الرواية الثالثة "أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار. هلم عن النار. هلم عن النار. فتغلبوني، تقتحمون فيها" و"هلم" اسم فعل أمر،
стр. 5053
تفرد على كل حال، تقول: هلم يا رجلان وهلم يا رجال وقد تلحقها علامات التثنية والجمع، والمعنى هنا تعالوا عن النار، أي تعالوا إلي، وابتعدوا عن النار.
ومقصود الحديث أنه ﷺ شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك، مع منعه إياهم، وقبضه على مواضع المنع منهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه، وكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساع في ذلك لجهله.
(مثلي ومثل الأنبياء) في الرواية السادسة والسابعة "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي".
(كمثل رجل بنى بنيانا، فأحسنه وأجمله) قيل: المشبه به واحد والمشبه جماعة، فكيف صح التشبيه؟ وأجيب بأنه جعل الأنبياء كرجل واحد، لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذلك الدار، لا تتم إلا باجتماع البنيان- أي فهو من تشبيه مفرد بمفرد، وقيل: هو من تشبيه التمثيل، بأن نجعل أوصاف المشبه به في حكم مفردات، يشبه بها أجزاء وأوصاف المشبه. فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس، ببيت أسست قواعده، ورفع بنيانه، وبقي منه موضع، به يتم صلاح ذلك البيت، وفي الرواية السادسة "كمثل رجل ابتنى بيوتا، فأحسنها وأجملها وأكملها".
(فجعل الناس يطيفون به، يقولون: ما رأينا بنيانا أحسن من هذا. إلا هذه اللبنة، فكنت أنا اللبنة) يقال: طاف حوله، وبه، وعليه، وفيه، يطوف، طوفا، بفتح الطاء وسكون الواو، وطوفانا، بفتح الواو، دار وحام، وأطاف به، وعليه، طاف، فيطيفون من أطاف، وفي الرواية السادسة والسابعة "يطوفون" من طاف. وفي الرواية السادسة "فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان، فيقولون: ألا وضعت ها هنا لبنة؟ فيتم بنيانك؟ " "فألا" بتشديد اللام للتحضيض، و"وضعت" بفتح الواو، والضاد وسكون العين وتاء المخاطب.
وفي الرواية السابعة "ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة"؟ فهلا بتشديد اللام للتحضيض أيضا والتاء للمخاطب، واللبنة بفتح اللام وكسر الباء، بعدها نون، وبكسر اللام، وسكون الباء، هي القطعة من الطين، تعد للبناء، ويقال لها ذلك ما لم تحرق، فإذا أحرقت فهي آجرة، وفي الرواية الثامنة، كما في البخاري "لولا موضع اللبنة" قال الحافظ ابن حجر: "موضع" بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي لولا موضع اللبنة، يوهم النقص لكان بناء الدار كاملا، ويحتمل أن تكون "لولا" تحضيضية، وفعلها محذوف، تقديره لولا أكمل موضع اللبنة؟ .
وزعم ابن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في رأس الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار. قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور، قال الحافظ ابن حجر: وهذا إن كان منقولا فهو حسن، وإلا فليس بلازم (ففي روايتنا السادسة والسابعة "إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها") نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها.
(فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها) الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط، هو الذي يتقدم الوارد، ليصلح له الحياض، والدلاء ونحوها من أمور الاستسقاء.
стр. 5054
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من أحاديث الباب]-
١ - ترجم البخاري للروايات الأربع بباب الانتهاء عن المعاصي، أي تركها أصلا ورأسا والإعراض عنها بعد الوقوع فيها.
٢ - وفيها إشارة إلى أن الإنسان في حاجة شديدة إلى النذير.
٣ - وفيها ما كان فيه ﷺ من الرأفة والرحمة والحرص على نجاة الأمة، كما قال تعالى: ﴿حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
٤ - وفيها مبالغة الرسول ﷺ في تحذير الأمة مما يضرهم.
٥ - ومن الرواية الخامسة والسادسة فضيلته ﷺ .
٦ - ومن الرواية السابعة والثامنة أنه خاتم النبيين.
٧ - ومن مجموع الروايات جواز ضرب الأمثال في العلم وغيره.
٨ - أن إهلاك الأمم واستئصال مكذبيها إنما يكون في حياة نبيهم.
٩ - تبشير الأمم التي يموت نبيها قبلها بشفاعته لأمته ووساطته لهم عند ربهم.
١٠ - وفي ذلك تبشير بشفاعة محمد ﷺ لأمة الإسلام.
والله أعلم
стр. 5055
(٦٠٨) باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته
٥٢٠٥ - عن جندب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض".
٥٢٠٦ - عن سهل ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض. من ورد شرب. ومن شرب لم يظمأ أبدا. وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني. ثم يحال بيني وبينهم" قال أبو حازم فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث. فقال: هكذا سمعت سهلا يقول؟ قال فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول "إنهم مني. فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك. فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي".
٥٢٠٧ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر. وزواياه سواء. وماؤه أبيض من الورق. وريحه أطيب من المسك. وكيزانه كنجوم السماء. فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا".
٥٢٠٨ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم. وسيؤخذ أناس دوني. فأقول: يا رب! مني ومن أمتي. فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم" قال: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن عن ديننا.
стр. 5056
٥٢٠٩ - عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وهو بين ظهراني أصحابه "إني على الحوض، أنتظر من يرد علي منكم. فوالله! ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي رب! مني ومن أمتي. فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك. ما زالوا يرجعون على أعقابهم".
٥٢١٠ - عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول الله ﷺ . فلما كان يوما من ذلك، والجارية تمشطني، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيها الناس" فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء. فقلت: إني من الناس. فقال رسول الله ﷺ : "إني لكم فرط على الحوض. فإياي! لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال. فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقا".
٥٢١١ - وفي رواية عن أم سلمة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول، على المنبر، وهي تمتشط "أيها الناس" فقالت لماشطتها: كفي رأسي. بنحو حديث بكير عن القاسم بن عباس.
٥٢١٢ - عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت. ثم انصرف إلى المنبر. فقال "إني فرط لكم. وأنا شهيد عليكم. وإني، والله! لأنظر إلى حوضي الآن. وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض. وإني. والله! ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي. ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها".
٥٢١٣ - عن عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد. ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات. فقال: "إني فرطكم على الحوض. وإن عرضه كما بين
стр. 5057
أيلة إلى الجحفة. إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي. ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا، كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر.
٥٢١٤ - عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "أنا فرطكم على الحوض. ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم، فأقول: يا رب! أصحابي، أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ . نحو حديث الأعمش ومغيرة.
٥٢١٥ - عن حارثة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال: "حوضه ما بين صنعاء والمدينة" فقال له المستورد: ألم تسمعه قال "الأواني"؟ قال: لا. فقال المستورد "ترى فيه الآنية مثل الكواكب".
٥٢١٦ - وفي رواية عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وذكر الحوض. بمثله. ولم يذكر قول المستورد وقوله.
٥٢١٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أمامكم حوضا ما بين ناحيتيه كما بين جربا وأذرح".
٥٢١٨ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن أمامكم حوضا كما بين جرباء وأذرح" وفي رواية ابن المثنى "حوضي" وحدثنا ابن نمير.
стр. 5058
٥٢١٩ - وفي رواية عن عبيد الله، بهذا الإسناد، مثله. وزاد: قال عبيد الله: فسألته فقال: قريتين بالشأم. بينهما مسيرة ثلاث ليال. وفي حديث ابن بشر: ثلاثة أيام.
٥٢٢٠ - عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أمامكم حوضا كما بين جرباء وأذرح. فيه أباريق كنجوم السماء. من ورده فشرب منه، لم يظمأ بعدها أبدا".
٥٢٢١ - عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده! لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية. آنية الجنة، من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه. يشخب فيه ميزابان من الجنة. من شرب منه لم يظمأ. عرضه مثل طوله. ما بين عمان إلى أيلة. ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل".
٥٢٢٢ - عن ثوبان ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "إني لبعقر حوضي، أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم" فسئل عن عرضه فقال: "من مقامي إلى عمان" وسئل عن شرابه فقال: "أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل. يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة. أحدهما من ذهب، والآخر من ورق" وحدثنيه زهير بن حرب. حدثنا الحسن بن موسى. حدثنا شيبان عن قتادة. بإسناد هشام. بمثل حديثه. غير أنه قال: "أنا يوم القيامة، عند عقر الحوض".
٥٢٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لأذودن عن حوضي رجالا كما تذاد الغريبة من الإبل".
стр. 5059
٥٢٢٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن. وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء".
٥٢٢٥ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني. حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي، اختلجوا دوني. فلأقولن: أي رب! أصيحابي، أصيحابي. فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
٥٢٢٦ - وفي رواية عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : بهذا المعنى. وزاد "آنيته عدد النجوم".
٥٢٢٧ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة".
٥٢٢٨ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ . بمثله. غير أنهما شكا فقالا: أو مثل ما بين المدينة وعمان. وفي حديث أبي عوانة "ما بين لابتي حوضي".
٥٢٢٩ - عن قتادة قال: قال أنس: قال نبي الله ﷺ : "ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء".
٥٢٣٠ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال مثله، وزاد "أو أكثر من عدد نجوم السماء".
٥٢٣١ - عن جابر بن سمرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ألا إني فرط لكم على الحوض. وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة. كأن الأباريق فيه النجوم".
стр. 5060
٥٢٣٢ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ . قال فكتب إلي: إني سمعته يقول "أنا الفرط على الحوض".
-[المعنى العام]-
إن أفضل ما يقدم إلى العطشان الظمآن جرعة ماء، فإذا كان الظمأ شديدا لم يسبق له مثيل، وإذا كانت الشربة بما هو أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، في أباريق من ذهب وفضة، صافية لامعة كالنجوم في الليل، وإذا كان الساقي هو أحب حبيب كان في الدنيا، وإذا كان الشراب يروي ريا، لا يظمأ شاربه بعده أبدا، إذا كان الأمر كذلك كانت المنة أعظم منه، والفضل خير الفضل، والإحسان أفضل إحسان.
في الموقف العظيم يوم القيامة يشتد الحر، وتدنو الشمس من الرءوس، فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ عرقه نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبه، ومنهم من يبلغ فاه، ومنهم من يغطيه عرقه، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، تعطي الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تدنو من جماجم البشر، حتى تكون قاب قوسين، فيعرقون، حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ومن هذا الظمأ الشديد يتفرق الناس إلى الصراط، فيجد المؤمنون في طريقهم حوضا من شراب، مربع المساحة، طوله كعرضه، ضلعه مئات الأميال، يتسع لكل الواردين عليه، دون زحام، عليه أباريق وكيزان، كعدد النجوم في السماء الصافية التي لا غيم فيها ولا قمر، إذا مد المؤمن يده إلى الإبريق، أسرع الإبريق مملوءا إلى يده ثم إلى فمه، لا عناء، ولا مشقة، إذا نظر إلى مائه وجده أشد بياضا من اللبن، وإذا وصلت رائحة الشراب إلى أنفه أحس أنه أطيب من المسك، وإذا تذوقه وجده أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، متعة لم تخطر على قلب بشر، بعد حرمان وحاجة إليها لم تخطر على قلب بشر، ولمن هذا الحوض؟ ومن أين شرابه، إنه لمحمد ﷺ ، أكرمه ربه به، ليكرم به أمته، إن صاحبه الرءوف الرحيم واقف، يرحب بالواردين، وملائكة الله تحيط بهم في بهجة وسرور، تقول لهم: اشربوا هنيئا بما كنتم تعملون، محمد ﷺ يقف بجوار الحوض، وعلى قمته، وفي يده عصا صغيرة، أعظم من عصا موسى، بإشارتها يبتعد عن الحوض من لا يستحق الشرب، ويقرب من الحوض من هو أهل له، وبإشارتها يقدم إلى الحوض أناس على أناس، على أساس صالح أعمالهم وجهادهم في الدنيا، ينظمهم وينظم ورودهم بإشارة عصاه، وهو فرح بهم، مسرور بكثرتهم، لكن في غمرة هذا السرور يفاجأ بمنظر رهيب، جماعة ممن كانوا أصحابه، يعرفهم ويعرفونه، يردون نحو الحوض، ينادون: أنقذنا يا محمد.
عطاشى يا محمد. ويتجه الرسول ﷺ نحوهم ليساعدهم، فتحول الملائكة بينه وبينهم، فيقول للملائكة: هؤلاء
стр. 5061
أصحابي. هؤلاء أصحابي. هم مني ومن أمتي، إنني أعرفهم ويعرفونني؟ إلى أين تذهبون بهم، فتقول الملائكة: إلى النار، فيقول: ولماذا؟ فيقولون: إنك لا تدري ماذا أحدثوا في دينهم بعد موتك، إنهم بدلوا، وغيروا، وكفروا، وارتدوا، فيقول: سبحانك ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾ [المائدة: ١١٧].
ونرجع إلى المنظر البديع، منظر الحوض والشاربين، إن ماءه لا يغيض، ولا يفيض، لا يرتفع ولا يزيد ولا ينخفض عن مستواه، ولا ينقص رغم شرب الملايين وملايين الملايين، إن مدده من نهر الكوثر الذي يجري في الجنة، يصب فيه، فإذا رفعت بصرك إلى أعلى رأيت عجبا، ميزابين في الفضاء، أحدهما من ذهب، والآخر من فضة، يمسكهما الله، ما يمسكهما من أحد من بعده، إنهما يمتدان في السماء إلى الجنة، فيلقيان من شرابها في هذا الحوض قطعا قطعا، لا تسأل: كيف؟ ولا تعجب، فإنها أحوال الآخرة، فإنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سقانا الله من حوضه ﷺ ، شربة لا نظمأ بعدها أبدا.
-[المباحث العربية]-
(أنا فرطكم على الحوض) الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط هو الذي يتقدم الوارد، ليصلح له الحياض، والدلاء، ونحوها من أمور الاستسقاء، فمعنى: "أنا فرطكم على الحوض"، أي سابقكم لأهيئ وأعد لكم حوضي للشرب منه.
و"الحوض" "ال" فيه للعهد، أي حوض النبي ﷺ ، وجمع الحوض حياض وأحواض، وهو مجمع الماء، وهل للنبي ﷺ حوض واحد؟ أو أكثر؟ وهل للأنبياء أحواض؟ وأين مكان الحوض من أحداث يوم القيامة قبل الصراط؟ أو بعده؟ سيأتي تفصيل ذلك في فقه الحديث.
وقد تكلمت الروايات عن مساحته، وعن مائه، وعن أكوابه، وعمن يرده، وعمن يحال بينهم وبينه، فعن مساحته: تقول الرواية الثالثة "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء" وتقول الرواية الثامنة "إن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة" و"أيلة" بفتح الهمزة وسكون الياء. مدينة، كانت عامرة، بطرف بحر القلزم، من طرف الشام، قال الحافظ ابن حجر: وهي الآن خراب، يمر بها الحاج من مصر، فتكون شماليهم، ويمر بها الحاج من غزة وغيرها، فتكون أمامهم، وإليها تنسب العقبة المشهورة عند المصريين، وبينها وبين المدينة النبوية نحو الشهر، بسير الأثقال، إن اقتصروا كل يوم على مرحلة.
وهي من مصر على أكثر من النصف من ذلك، وهي دون الثلث بين مصر ومكة، وهي أقرب لمصر. وقد مر قريبا أن صاحب أيلة جاء إلى رسول الله ﷺ وصالحه، وقال النووي: بينها وبين المدينة نحو خمس عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق نحو اثنتي عشرة مرحلة، وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل، فهي متوسطة بين المدينة، ودمشق ومصر.
أما الجحفة فهي على نحو سبع مراحل من المدينة، في الطريق إلى مكة، أو ثلاث مراحل من مكة، والمسافة بالمراحل لم تكن محددة، لأن المقصود بها كان المسافة التي تتعب عندها الإبل في
стр. 5062
مسيرها، فينزل الركب ليستريح ويريح الرواحل، فبعضهم يقدرها بأربعة برد، وبعضهم يقدرها ببريدين، وحتى البريد بعضهم يقدره بفرسخين، وبعضهم يقدره بأربعة فراسخ، وحتى الفرسخ بعضهم يقدره بثلاثة أميال، وبعضهم يقدره بستة أميال، فما بين أيلة والجحفة يزيد على ثنتين وعشرين مرحلة، ولو قدرنا المرحلة بأربعة برد، والبريد بأربعة فراسخ، والفرسخ بثلاثة أميال، تصبح المسافة بين أيلة والجحفة ستة وخمسين ميلا وألف ميل، وإذا كان هذا عرض حوضه ﷺ ، وزواياه سواء، أي مربع الشكل كانت مساحته نحو مليون ومائة وخمسة عشر ألف ومائة وستة وثلاثين ميلا.
وفي الرواية الحادية عشرة "إن أمامكم حوضا، ما بين ناحيتيه، كما بين جربا وأذرح" وجرباء بفتح الجيم وسكون الراء، تأنيث أجرب، جاءت في البخاري ممدودة، وقال النووي: الصواب أنها مقصورة، قال: والمد خطأ، وأثبت صاحب التحرير المد، وجوز القصر، وأما "أذرح" فبهمزة مفتوحة، ثم ذال ساكنة، ثم راء مضمومة، بعدها حاء، قال النووي: هذا هو الصواب المشهور، ورواه بعضهم بالجيم، وهو تصحيف، وهي مدينة في طرف الشام، في قبلة الشوبك، بينها وبينه نحو نصف يوم، وهي في طرف الشراط - بفتح الشين - في طرفها الشمالي، و"تبوك" في قبلة "أذرح" بينهما نحو أربع مراحل، وبين "تبوك" ومدينة النبي ﷺ نحو أربع عشرة مرحلة.
يقول الراوي عن هاتين المدينتين (جربا وأذرح) "قريتين بالشام، بينهما مسيرة ثلاث ليال" وقد غلطه الحافظ صلاح الدين العلائي، وقال: ليس كما قال، بينهما غلوة سهم، وهما معروفتان بين القدس والكرك، قال: وقد ثبت القدر المحذوف عند الدارقطني وغيره، بلفظ "ما بين المدينة، وجرباء وأذرح"، اهـ. فالمسافة نحو أربع عشرة مرحلة.
وفي الرواية الثالثة عشرة "عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة" قال النووي: وأما عمان فبفتح العين وتشديد الميم، وهي بلدة بالبلقاء من الشام، والمعروف في روايات الحديث وغيرها ترك صرفها. وتنسب إلى البلقاء لقربها منها، والبلقاء بلدة معروفة في فلسطين، والظاهر أن فيه مقدرا محذوفا، كسابقه أي ما بينهما وبين المدينة، ففي الرواية المتممة للعشرين "مثل ما بين المدينة وعمان"، وفي الرواية السادسة عشرة "قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن" وكذا في الرواية الثانية والعشرين، وقوله "من اليمن" احتراز من صنعاء التي بالشام، وفي رواية "مثل عدن وأيلة" وفي أخرى "أبعد من أيلة إلى عدن" وفي رواية "ما بين عمان إلى أيلة" و"عمان" هذه بضم العين وفتح الميم مخففة، بلد معروف على ساحل البحر من جهة البحرين، وفي رواية كما بين صنعاء إلى المدينة وفي رواية ما بين بصرى إلى صنعاء أو ما بين أيلة إلى مكة وبصرة بضم الباء وسكون الصاد بلد معروف بطرف الشام من جهة الحجاز وفي رواية ما بين "مكة وعمان" وفي رواية "ما بين صنعاء ومكة" وفي رواية "كما بين البيضاء إلى بصرى" والبيضاء بالقرب من الربذة، البلد المعروف بين مكة والمدينة.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه المسافات متقاربة، وكلها ترجع إلى نحو نصف شهر، أو تزيد قليلا
стр. 5063
أو تنقص، وقد جمع العلماء بين هذا الاختلاف، فقال عياض: هذا من اختلاف التقدير، لأن ذلك لم يقع في حديث واحد، حتى يعد اضطرابا من الرواة، وإنما جاء في أحاديث مختلفة، عن غير واحد من الصحابة، سمعوه في مواطن مختلفة.
وكان النبي ﷺ يضرب في كل منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته، بما يسنح له من العبارة، ويقرب ذلك، للعلم ببعد بين البلاد النائية، بعضها عن بعض، لا على إرادة المسافة المحققة. قال: فبهذا يجمع بين الألفاظ المختلفة من جهة المعنى، وتعقبه الحافظ ابن حجر، من جهة أن ضرب المثل والتقدير إنما يكون فيما يتقارب، وأما هذا الاختلاف المتباعد، الذي يزيد تارة على ثلاثين يوما، وينقص إلى ثلاثة أيام، فلا.
وقال القرطبي: ظن بعض الجاهلين أن الاختلاف في قدر الحوض اضطراب، وليس كذلك، ثم نقل كلام القاضي عياض، وزاد: وليس اختلافا، بل كلها تفيد أنه كبير، متسع، متباعد الجوانب، ثم قال: ولعل ذكره للجهات المختلفة بحسب من حضره، ممن يعرف تلك الجهة، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها.
وأجاب النووي بأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكبيرة، والأكثر ثباتا بالحديث الصحيح، فلا معارضة، قال الحافظ ابن حجر: وحاصله أنه يشير إلى أنه أخبر أولا بالمسافة اليسيرة، ثم أعلم بالمسافة الطويلة، فأخبر بها، كأن الله تفضل عليه باتساعه، شيئا بعد شيء، فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة، والله أعلم.
وعن مائه وأكوابه تقول الرواية الثالثة "ماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء" قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "الورق" بكسر الراء، وهو الفضة، قال: والنحويون يقولون: إن فعل التعجب الذي يقال فيه: هو أفعل من كذا (يقصد أفعل التفضيل فهو هنا أفعل تفضيل، وليس أفعل تعجب، وإن كان هذا الشرط واحدا فيهما) إنما يكون فيما كان ماضيه على ثلاثة أحرف، فإن زاد لم يتعجب من فاعله - أي ولم يصغ منه أفعل التفضيل إلا بواسطة - وإنما يتعجب من مصدره، فلا يقال: ما أبيض زيدا، ولا زيد أبيض من عمر، وإنما يقال: ما أشد بياضه، وهو أشد بياضا من كذا، وقد جاء في الشعر أشياء من هذا الذي أنكروه، فعدوه شاذا، لا يقاس عليه، وهذا الحديث يدل على صحته، وهي لغة، وإن كانت قليلة الاستعمال، ومنها قول عمر: ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
وفي الرواية الثانية عشرة "فيه أباريق كنجوم السماء" وفي الرواية الثالثة عشرة "لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل" وفي الرواية الرابعة عشرة "وسئل عن شرابه فقال: أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من الورق" وفي الرواية السادسة عشرة "وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" وفي الرواية الواحدة والعشرين "ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء" زاد في ملحق الرواية "أو أكثر من عدد نجوم السماء" وفي الرواية الثانية والعشرين "كأن الأباريق فيه النجوم".
стр. 5064
فتحصل لنا من أوصاف أوانيه:
من حيث العدد: هي أكثر من عدد نجوم السماء، زاد في الرواية الثالثة عشرة "ألا في الليلة المظلمة المصحية" و"ألا" للتنبيه والتأكيد، ورؤية النجوم في الليلة المظلمة التي لا قمر فيها أكثر وضوحا ولمعانا، وأكثر عددا. قال النووي: المختار والصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددا من نجوم السماء، ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا، كما قال ﷺ "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء" كذا في الرواية الثالثة عشرة - وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايته الكثرة، من باب قوله ﷺ "لا يضع العصا عن عاتقه" - كناية عن كثرة السفر - وهو من باب المبالغة، معروف في الشرع واللغة، ولا يعد كذبا إذا كان المخبر عنه في حيز الكثرة والعظم ومبلغ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، قال: ومثله "كلمته ألف مرة" و"لقيته مائة كرة" فهذا جائز إذا كان كثيرا، وإلا فلا، قال النووي: هذا كلام القاضي، الصواب الأول.
من حيث الجنس: الذهب والفضة.
من حيث النوع والشكل: آنية. إبريق. كوز، وكلها إناء له عروة، وكأن اختياره هنا لأن الشارب سيغمسه في الحوض بيده، فناسبه ما له عروة، بخلاف الشراب في الجنة، فإنه في كأس أو كوب، يملأ من غيب إلى عبد.
من حيث اللون: أشد بياضا من اللبن، وأبيض من الفضة اللامعة.
من حيث الطعم: أحلى من العسل.
من حيث الرائحة: أطيب من المسك.
من حيث البرودة: عند أحمد "أبرد من الثلج" وعند البزار، والترمذي "وماؤه أشد بردا من الثلج".
من حيث الليونة: عند ابن أبي عاصم وابن أبي الدنيا "وألين من الزبد".
من حيث مصدر مائه: في روايتنا الرابعة عشرة "يغت فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما ذهب، والآخر من الورق" ومعنى "يغت" بفتح الياء وضم الغين وكسرها، وتشديد التاء، أي يدفقان فيه من أعلى، وقيل: يصبان فيه دائما صبا شديدا، ووقع في بعض النسخ "يعب" بضم العين، بعدها باء والعب الشرب بسرعة في نفس واحد، ووقع في رواية "يثعب" بثاء وعين وباء، أي ينفجر.
و"ميزابان" تثنية ميزاب، وأصله "مئزاب" بهمز، فخففت إلى ياء، وهو أنبوب أو قناة يصرف بها الماء من سطح بناء إلى وضع عال، وفي الرواية الثالثة عشرة "آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة" يشخب بضم الخاء وفتحها، والشخب السيلان وأصله ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمرة، وعصرة لضرع الشاة.
وقال الحافظ ابن حجر: الكوثر نهر داخل الجنة، ماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر، لأنه يمد منه، فهو مادة الحوض، كما جاء صريحا في حديث البخاري "بينما أن أسير في
стр. 5065
الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه - أو طينه - مسك أزفر".
وأما عمن يرده، ويشرب منه، ومن يحال بينهم وبينه: فتقول الرواية الثانية "من شرب لم يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني؟ فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقا. سحقا لمن بدل بعدي" وتقول الرواية الرابعة "إني على الحوض، حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول: يا رب. مني ومن أمتي؟ فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم" وفي الرواية الخامسة "إني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم، فوالله، ليتقطعن دوني رجال فلأقولن: أي رب مني ومن أمتي؟ فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم" وفي الرواية السادسة "إني لكم فرط على الحوض، فإياي، لا يأتين أحدكم فيذب عني، كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا" وفي الرواية التاسعة "أنا فرطكم على الحوض، ولأنازعن أقواما، ثم لأغلبن عليهم، فأقول: يا رب. أصحابي؟ أصحابي؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" وفي الرواية الرابعة عشرة "إني لبعقر حوضي" أي لواقف في قاعدته "أذود الناس لأهل اليمين" أي أدفع الناس، لأوسع لأهل اليمين أن يشربوا "أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم" بفتح الياء وسكون الراء وفتح الفاء وتشديد الدال، أي حتى يتفرقوا عنهم، ويخلص لهم، وفي الرواية الخامسة عشرة "لأذودن عن حوضي رجالا، كما تذاد الغريبة من الإبل" وفي الرواية السابعة عشرة "ليردن علي الحوض رجال، ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إلي، اختلجوا دوني" بضم التاء وكسر اللام وضم الجيم، أي جذبوا وانتزعوا بعيدا عني "فلأقولن: أي رب.
أصيحابي؟ أصيحابي؟ ، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" وفي رواية للبخاري "إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام، أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم" وفي رواية له "يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض" بضم الياء وسكون الجيم وفتح اللام، أي يطردون ويبعدون وفي رواية "فيحلئون عنه" بضم الياء وفتح الحاء، وتشديد اللام المفتوحة، بعدها همزة مضمومة، أي يطردون "فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى" وفي رواية له "بينا أنا قائم، فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم. فقلت: أين؟ قال: إلى النار. والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار، والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل الغنم" أي لا يخلص من هؤلاء الذين وفدوا من الحوض، وكادوا يردونه فصدوا عنه، والهمل بفتحتين الإبل بلا راع أو الضالة، أي لا يرد منها إلا القليل، لأن الهمل في الإبل قليل بالنسبة لغيره.
من هذه الروايات يتبين:
- أن من شرب من الحوض لا يظمأ أبدا. قال القاضي: ظاهره أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، فهذا هو الذي لا يظمأ بعده، قال: وقيل: لا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من
стр. 5066
النار، قال: ويحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة، وقدر عليه دخول النار، لا يعذب فيها بالظمأ، بل يكون عذابه بغير ذلك، لأن ظاهر هذا الحديث أن جميع الأمة يشرب منه، إلا من ارتد، وصار كافرا، وسيأتي مزيد لهذه المسألة في فقه الحديث.
(من ورد شرب) أي من ورد حوضي، وفي الكلام قيد ملاحظ، أي من ورد الحوض ومكن من الشرب، ففي الأحاديث السابقة أن قوما يردون، فيذادون، فلا يشربون، ففي الرواية السابعة عشرة "ليردن علي الحوض رجال" وفي روايتنا الثانية عشرة "من ورد فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا" أو المراد من الورود الورود المفضي إلى الشرب الموصل إليه فعلا، والمراد من الورود مع الذود، والطرد، القرب والدنو منه.
(ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني) بعلامات، وليست المعاصرة والرؤية الدنيوية شرطا للمعرفة، ففي الرواية الرابعة والخامسة "مني ومن أمتي" لكن في الرواية السابعة عشرة "ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني" وفي الرواية التاسعة "فأقول: يا رب، أصحابي، أصحابي؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" فالظاهر أن المراد المعرفة بالرؤية والصحبة الشرعية، ويكونون ممن قتلوا في حروب الردة مثلا.
(ثم يحال بيني وبينهم) بينت رواية البخاري السابقة أحداث هذه الحيلولة، وإلى أين يذهبون، وفي الرواية التاسعة "ولأنازعن أقواما، ثم لأغلبن عليهم".
(إنك لا تدري ما عملوا بعدك) في الرواية الرابعة "أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم" كناية عن الردة والرجوع عن الإسلام، وفي الرواية السادسة والتاسعة "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
(فأقول: سحقا. سحقا. لمن بدل بعدي) "سحقا" بسكون الحاء، ويجوز ضمها، ومعناه بعدا، بعدا، ونصب بتقدير فعل، أي ألزمهم الله سحقا، يقال: سحقه الله وأسحقه، أي أبعده، وسحقته الريح، أي طردته، وأبعدته، والجملة خبرية.
(فقالت لماشطتها: كفي رأسي) بضم الكاف وتشديد الفاء، أي اجمعي شعري وضميه بعضه إلى بعض، لأغطيه، وأخرج.
(صلى على أهل أحد صلاته على الميت) قال النووي: أي دعا لهم بدعاء صلاة الميت.
(وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "مفاتيح" في اللفظين، بالياء، قال القاضي: وروي "مفاتح" بحذف الياء، فمن أثبتها فهو جمع مفتاح، ومن حذفها فهو جمع مفتح، وهما لغتان فيه.
وفي الرواية الثامنة "ثم صعد المنبر، كالمودع للأحياء والأموات" أي خرج إلى قتلى أحد، ودعا لهم، دعاء مودع، ثم دخل المدينة، فصعد المنبر، فكانت خطبته هذه آخر ما خطب، خطبة مودع، حتى قال النواس بن سمعان: قلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع.
وتوديع الأحياء ظاهر، لأن سياقه يشعر بأن ذلك كان في آخر حياته ﷺ ، وأما
стр. 5067
توديع الأموات، فيحتمل أن يكون الصحابي أراد بذلك انقطاع زيارته الأموات بجسده، لأنه بعد موته - وإن كان حيا - فهي حياة أخروية، لا تشبه الحياة الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد بتوديع الأموات، استغفاره لهم.
(فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر) أي فكانت هذه الخطبة آخر خطبه ﷺ على المنبر، واكتفى بنفي الرؤية ليكون صادقا، إذ يحتمل أنه ﷺ لم يره.
(فقال له المستورد: ألم تسمعه قال: الأواني؟ قال: لا) أي قال المستورد لشيخه: ألم تسمع شيخك يذكر في الحديث وصف أواني الحوض؟ قال الشيخ: لا. لم أسمع.
(فقال المستورد: ترى فيه الآنية مثل الكواكب) "ترى" بضم التاء، مبني للمجهول، بمعنى "تظن" و"الآنية" نائب فاعل، وهي للجنس، فما صدقها متعدد، و"مثل" مفعول منصوب، والمعنى تظن الأواني في الحوض مثل الكواكب، يخيل لرائيها أنها كواكب في الكثرة والصفاء واللمعان.
(إن أمامكم حوضا) بفتح الهمزة، أي قدامكم زمنا، وفي رواية "حوضي".
(والذي نفسي بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة، من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه) أي آخر حياته، أي أبدا، قال النووي: وأما قوله ﷺ "آنية الجنة" فضبطه بعضهم برفع "آنية" وبعضهم بنصبها، وهما صحيحان فمن رفع فخبر مبتدأ محذوف، أي هي آنية الجنة، ومن نصب فبإضمار "أعني" أو نحوه.
(إني لبعقر حوضي) العقر بضم العين وفتحها، مع سكون القاف، وهو أصل كل شيء، وعقر الدار وسطها.
(أذود الناس لأهل اليمن) أي أدفعهم بعيدا، لأخلي الحوض أو أوسع لشرب أهل اليمن، لسبقهم إلى الإسلام، وتمسكهم به، وإخلاصهم له، ورقة قلوبهم فيه.
(أضرب بعصاي، حتى يرفض عليهم) أي حتى يسيل عليهم، ويتمكنوا منه، قال القاضي: وعصاه المذكورة في هذا الحديث هي المكنى عنها بالهراوة في وصفه ﷺ في كتب الأوائل بصاحب الهراوة، قال أهل اللغة: الهراوة بكسر الهاء العصا، قال: ولم يأت لمعناها في صنعه ﷺ تفسير إلا ما يظهر في هذا الحديث، قال النووي: وهذا الذي قال في تفسير الهراوة بهذه العصا بعيد أو باطل، لأن المراد بوصفه بالهراوة تعريفه بصفته، يراها الناس معه، فيستدلون بها على صدقه، وأنه المبشر به، المذكور في الكتب السابقة، فلا يصح تفسيرها بعصا تكون في الآخرة، والصواب في تفسير صاحب الهراوة ما قاله الأئمة المحققون أنه ﷺ كان يمسك القضيب بيده كثيرا، وقيل: لأنه كان يمشي والعصا بين يديه، وتغرز له، فيصلي إليها، وهذا مشهور في الصحيح.
стр. 5068
(لأذودن عن حوضي رجالا، كما تذاد الغريبة من الإبل) قال النووي: معناه كما يذود الساقي الناقة الغريبة عن إبله، إذا أرادت الشرب مع إبله. اهـ. والحكمة في الذود المذكور، أنه ﷺ يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه، على ما تقدم أن لكل نبي حوضا، وبأنهم يتباهون بكثرة من يتبعهم، فيكون ذلك من جملة إنصافه، ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه يطردهم بخلا عليهم بالماء، ويحتمل أنه يطرد من لا يستحق الشرب من الحوض. كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، فليس في الحديث إشارة إلى الدلالة على حوض آخر، وكل ما فيه الإبعاد عن حوضه، والاحتمال الثاني صحيح، ولا شيء فيه، والظاهر أن هؤلاء الرجال من أمم أخرى غير الإسلام، لتشبيههم بالإبل الغريبة.
(حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إلي اختلجوا دوني) "ورفعوا إلي" بالبناء للمجهول، أي أظهرهم الله حتى أعرفهم اقتطعوا وانتزعوا بعيدا عني.
(ما بين لابتي حوضي) أي ما بين ناحيتي حوضي، كما جاء في الرواية الثامنة عشرة، وأصلها الأرض ذات الحجارة السود، فأطلقت على مطلق شاطئ الحوض.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال القاضي عياض ﵀: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول، ولا يختلف فيه، قال القاضي: وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن عمرو بن العاص وعائشة وأم سلمة، وعقبة بن عامر وابن مسعود وحذيفة وحارثة بن وهب، والمستورد وأبي ذر، وثوبان وأنس وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصديق وزيد بن أرقم وأبي أمامة وعبد الله بن زيد، وأبي برزة وسويد بن جبلة، وعبد الله بن الصنابحي والبراء بن عازب وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم، قال النووي: ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية أبي هريرة، ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمر وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور، بأسانيده وطرقه المتكاثرات، قال القاضي: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا، اهـ وزاد الحافظ ابن حجر طرقا أخرى، ثم قال:
فجميع من ذكرهم عياض خمسة وعشرون نفسا، وزاد عليه النووي ثلاثة، وزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه، فزادت العدة على الخمسين، ولكثير من هؤلاء الصحابة زيادة على الحديث الواحد، كأبي هريرة وأنس وابن عباس وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو، وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض، وفي صفته قال: وبلغني أن بعض المتأخرين وصلها إلى رواية ثمانين صحابيا.
وقال القرطبي في المفهم: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه، ويصدق به أن الله تعالى قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، وقد أجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة، وأحلوه عن ظاهره، وغالوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية، تلزم من
стр. 5069
حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف، قال الحافظ ابن حجر: أنكره الخوارج وبعض المعتزلة.
وقد اختلف العلماء في موقع الحوض والشرب منه من أحداث الآخرة، فبعضهم يرى أنه بعد الصراط، وبعضهم يرى أنه قبل الصراط، وبعضهم يرى أن للنبي ﷺ حوضين أحدهما قبل الصراط والآخر بعد الصراط في الجنة.
قال الحافظ ابن حجر: وإيراد البخاري لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة، وبعد نصب الصراط إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، وقد أخرج أحمد والترمذي عن أنس قال: "سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان، قلت فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض".
وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط، بما جاء في بعض أحاديث الباب من أن جماعة يدفعون عن الحوض، بعد أن يكادوا يردون، ويذهب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أن الذي يمر على الصراط إلى أن يصل إلى الحوض، يكون قد نجا من النار، فكيف يرد إليها؟ قال الحافظ: ويمكن أن يحمل على أنهم يقربون من الحوض، بحيث يرونه ويرون النار، فيدفعون إلى النار، قبل أن يخلصوا من بقية الصراط، اهـ. وهذا احتمال بعيد مستبعد.
وذهب القرطبي إلى أن الحوض يكون قبل الصراط، فإن الناس يردون الموقف عطاشى، فيرد المؤمنون الحوض، وتتساقط الكفار في النار، بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا؟ فترفع لهم جهنم، كأنها سراب، فيقال: ألا ترون؟ فيظنونها ماء، فيتساقطون فيها، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر بأن الصراط جسر جهنم، وأنه بين الموقف والجنة، وأن المؤمنين يمرون عليه، لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر في الحوض، وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة، لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها.
قال القرطبي: والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين، أحدهما في الموقف، قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرا.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من قوله في الرواية السابعة "وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن" قال النووي: هذا تصريح بأن الحوض حوض حقيقي، على ظاهره، وأنه مخلوق موجود الآن.
٢ - وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، لتفخيم الشيء وتوكيده.
٣ - ومن قوله "أعطيت مفاتيح خزائن الأرض" معجزة لرسول الله ﷺ ، فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض، وقد وقع ذلك والحمد لله.
٤ - ومن قوله "وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي" أن الأمة لا ترتد جملة، وقد عصمها الله تعالى من ذلك.
стр. 5070
٥ - ومن قوله "ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها" أن الأمة ستتنافس في الدنيا، وقد وقع ذلك أيضا.
٦ - وأنها ستتقاتل من أجل الدنيا، ويهلك بعضها بعضها، وقد وقع.
٧ - ومن قوله في الرواية السابعة أيضا "وأنا شهيد عليكم" أن الرسول ﷺ شهيد على أمته.
٨ - ومن حديث أم سلمة، روايتنا السادسة، من قولها "إني من الناس" دليل لدخول النساء في خطاب الناس، وهذا متفق عليه، وإنما اختلفوا في دخولهن في خطاب الذكور، قال النووي: ومذهبنا أنهن لا يدخلن فيه.
٩ - وفيه إثبات القول بالعموم.
١٠ - قال الحافظ ابن حجر: وقد اشتهر اختصاص نبينا ﷺ بالحوض، لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة، رفعه "إن لكل نبي حوضا" وقد أشار الترمذي إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصح، قال الحافظ ابن حجر: والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ "إن لكل نبي حوضا، وهو قائم على حوضه، بيده عصا، يدعو من عرف من أمته، إلا أنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا" وعند ابن أبي الدنيا، من حديث أبي سعيد، رفعه "وكل نبي يدعو أمته، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام" - الجماعة الكثيرة فوق الأربعين - "ومنهم من يأتيه العصبة" - من العشرة إلى الأربعين - "ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإني لأكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة" قال الحافظ ابن حجر: فإن ثبت فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر، الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في السورة المذكورة.
١١ - ومن الرواية الرابعة عشرة كرامة لأهل اليمن، في تقديمهم للشرب منه.
١٢ - ومن قوله "أصحابي؟ أصحابي؟ " في الرواية التاسعة، وقوله في الرواية الثانية "أعرفهم ويعرفوني" دليل لصحة تأويل من تأول أنهم أهل الردة، ولهذا قال فيهم: "سحقا. سحقا" ولا يقول ذلك في مذنبي الأمة بل يشفع لهم، ويهتم لأمرهم.
١٣ - ومن حديث أم سلمة، روايتنا السادسة الخطبة عند الأمر الهام.
والله أعلم
стр. 5071
(٦٠٩) باب إكرامه ﷺ بقتال الملائكة معه
٥٢٣٣ - عن سعد ﵁ قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله، يوم أحد، رجلين عليهما ثياب بياض. ما رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل ﵉.
٥٢٣٤ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض. يقاتلان عنه كأشد القتال. ما رأيتهما قبل ولا بعد.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧]
إن كفار قريش في غزوة بدر لم يكونوا يتجاوزون الألف، ولم تكن هزيمتهم في حاجة إلى مثل هذا العدد من الآدميين، فضلا عن الملائكة، ولكنه التكريم، وزف البشرى للنبي ﷺ والمؤمنين، وزيادة اطمئنان لهم بالنصر منذ الضربة الأولى، وليعلم المؤمنون أن النصر من عند الله.
لكن تكريما آخر من نوع جديد، ليس له مثيل في تاريخ البشرية، ينهزم جيش المسلمين في أحد، ويولون الأدبار، وقد أعلن أعداء الإسلام أن محمدا قتل، فر بعضهم حتى وصل إلى المدينة، وفر بعضهم في شعاب الجبال، لينجو بنفسه، ويقف رسول الله ﷺ وليس معه، أو حوله سوى سبعة من الأنصار، وسبعة من قريش، أربعة عشر أمام جيش الكفر، كل أمنيتهم أن يقتلوا محمدا، كيف لم يصلوا إليه؟ كيف لم يقتلوه؟ أين رماتهم؟ ونبالهم؟ وسيوفهم؟ ورماحهم؟ لقد روى عبد الرزاق أنهم ضربوا وجه النبي ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة" كيف طاشت هذه الضربات؟ أو من الذي حماه منها؟ جواب كل ذلك في هذا الحديث.
يقول سعد بن أبي وقاص ﵁ لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﷺ ، وعن يساره
стр. 5072
رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل هذا اليوم، وما رأيتهما بعد انتهاء المعركة.
إنهما جنديان من جنود الله ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر﴾ [المدثر: ٣١] وأي تكريم لمحمد ﷺ يفوق هذا التكريم؟ وأي حماية تعلو هذه الحماية؟ وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] صلى الله وسلم وبارك عليه.
-[المباحث العربية]-
(رأيت عن يمين رسول الله ﷺ ، وعن شماله يوم أحد رجلين) الكلام على التوزيع، أي عن يمينه رجل، أي ملك في صورة رجل، وعن شماله رجل، أو كانا يتبادلان المواقع، فكل منهما عن يمينه وشماله والظاهر الأول.
(ما رأيتهما قبل ولا بعد) كناية عن كونهما غريبين، وجبريل وميكائيل بالنسبة له كذلك.
(يقاتلان عنه، كأشد قتال) فرق بين "يقاتلان عنه" أي يدافعان عنه، ويصدان ضربات الكفار الموجهة إليه، ويحميانه ويعصمانه، وبين يقاتلان معه، أي يضربان الكفار، ويحاربونهم معه ومع أصحابه، وقوله "كأشد قتال" صفة لمصدر محذوف، أي قتالا مشبها أشد القتال.
-[فقه الحديث]-
ترجم النووي ﵀ لهذا الحديث بباب إكرامه ﷺ بقتال الملائكة معه ﷺ ، ولا يؤخذ هذا من الحديث، إذ لفظه "يقاتلان عنه" وفرق بين اللفظين، كما ذكرنا في المباحث العربية.
وقتال الملائكة أو نزول الملائكة في المعارك ثابت بنص القرآن الكريم، إذ يقول ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧] قال الحافظ ابن حجر: اختلف أهل التأويل في متعلق قوله ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ فمنهم من قال: هي متعلقة بقوله ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ فهي في قصة بدر، وعليه عمل البخاري، وهو في قول الأكثر، وبه جزم الداودي، وقيل: هي متعلق بقوله: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: ١٢١] فعلى هذا هي متعلقة بغزوة أحد، وهو قول عكرمة وطائفة. اهـ.
وعلى كل. هل قاتلت الملائكة؟ أو نزلت للتثبيت والمدد وتكثير العدد؟ فقيل: إنها لم تقاتل أصلا، إذ لو قاتلت ما كانت هناك موازنة بين جيش المسلمين والكفار، ولما حصلت الهزيمة في أحد، ولما
стр. 5073
كان للمجاهدين فضل، بل كان يكفي قتال ملك واحد، فجبريل ﵇ قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، وقيل: "قاتلت قتالا يحفظ التوازن في الصورة، ليكون الفعل في الظاهر للنبي ﷺ وأصحابه، وقيل: قاتلت في بدر، وكانت مددا في أحد، وقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "قال النبي ﷺ يوم أحد: هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب" قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث وهم من وجهين، أحدهما أن هذا الحديث تقدم بسنده ومتنه في باب شهود الملائكة بدرا، ولهذا لم يذكره هنا أبو ذر ولا غيره من متقني رواة البخاري، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، ثانيهما أن المعروف في هذا المتن "يوم بدر" لا يوم أحد.
قال القرطبي في تفسيره: فإن قيل: قد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "رأيت عن يمين رسول الله ﷺ يوم أحد، رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما من قبل ولا بعد" قيل: لعل هذا مختص بالنبي ﷺ ، وخصه بملكين يقاتلان عنه، لا يقاتلان عن الصحابة، اهـ.
وقيل: إن في حديث سعد بن أبي وقاص وهما، ففي بعض النسخ "يوم بدر" لا يوم أحد، على أن الغرض من نزول هذين الملكين في "أحد" حماية الرسول ﷺ من الكفار، كما أوضحنا، والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة الثياب البيض.
٢ - وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء.
٣ - ومنقبة لسعد بن أبي وقاص، الذي رأى الملائكة.
٤ - وفيه كرامة للنبي ﷺ على الله تعالى، وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل عنه.
٥ - وبيان أن الملائكة تقاتل.
٦ - وأن الملائكة تنزل في صورة الرجال.
والله أعلم
стр. 5074
(٦١٠) باب من شجاعته ﷺ
٥٢٣٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس. وكان أجود الناس. وكان أشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت. فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: "لم تراعوا، لم تراعوا" قال: "وجدناه بحرا. أو إنه لبحر" قال وكان فرسا يبطأ.
٥٢٣٦ - عن أنس ﵁ قال: كان بالمدينة فزع. فاستعار النبي ﷺ فرسا لأبي طلحة يقال له مندوب. فركبه فقال "ما رأينا من فزع. وإن وجدناه لبحرا".
٥٢٣٧ - وفي رواية عن شعبة، بهذا الإسناد. وفي حديث ابن جعفر قال: فرسا لنا. ولم يقل: لأبي طلحة. وفي حديث خالد: عن قتادة، سمعت أنسا.
-[المعنى العام]-
الشجاعة صفة محمودة، ما لم تصل إلى حد التهور، والإقدام بدون حكمة، والجبن صفة مذمومة كان الرسول ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجبن.
وللرسول ﷺ مواقف تشهد له بالشجاعة، بل مواقف شجاعة انفرد بها من بين أصحابه، وهذا الحديث صورة من صور شجاعته ﷺ ، يسمع ويسمع أصحابه أصواتا خارج المدينة، وهم يتوقعون أن يهاجمهم الأعداء في أي لحظة، فيظنون الأصوات هجوما، فيبادر ﷺ بسيفه نحو مصدر الصوت، ويسبق إليه جميع الصحابة، حتى إنه ليكتشف الأمر ثم يعود، قبل أن يصل إليه السابقون من الصحابة، فيقابلهم، هو في طريق العودة، وهم في طريق الذهاب، برغم أن الفرس الذي ركبه لهذه المهمة كان مستعارا مشهورا بالبطء في سيره، لكن الله أكرمه، فحول الفرس من بطء إلى سرعة وجودة سير.
ومواقف شجاعته ﷺ لا تحصى، ويكفينا مثلا عليها ما رواه البخاري في غزوة
стр. 5075
حنين، فقد ولى المسلمون وفروا حين رشقتهم هوازن بالنبال، عشرة الآف أو يزيدون، يفرون ويقف ﷺ وحده على بغلته البيضاء، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ويضرب بالسيف، ويبعث من ينادي على الفارين، فيعودون، ويقاتلون، فينتصرون.
لقد سأل رجل البراء بن عازب سؤالا خبيثا، فقال له: يا أبا عامر، أوليتم مع النبي ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، لقد كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وهو يقول أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(أحسن الناس) خلقا وخلقا.
(وأشجع الناس) الشجاعة وسط بين التهور والجبن، بضم الجيم وسكون الباء.
(ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة) الفزع الخوف الشديد المفاجئ، وكان خوفهم من إغارة أعدائهم الكفار من حولهم، الذين يتربصون بهم، وكان فزعهم لسماعهم أصواتا خارج المدينة، ظنوها جيش أعداء، وفي الرواية الثانية "كان بالمدينة فزع" أي وجد بالمدينة فزع.
(فانطلق ناس قبل الصوت) بكسر القاف وفتح الباء، أي جهة الصوت، لاستطلاع الخبر، ولرد الاعتداء.
(فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت) إلى مكان مصدر الصوت، فلم يجد ما يخيف، فرجع إلى المدينة سريعا، ليطمئنهم، فالتقى في طريق عودته بالناس المنطلقين نحوه.
(وهو على فرس لأبي طلحة عري) بضم العين وسكون الراء، أي ليس عليه سراج ولا أداة، قالوا: ولا يقال في الآدميين: رجل عري إنما يقال: عريان، قال الحافظ ابن حجر: وحكى ابن التين أنه ضبط في الحديث بكسر الراء وتشديد الياء، وليس في كتب اللغة ما يساعده، اهـ. وفي رواية "استقبلهم على فرس عري، ما عليه سرج" بضم السين والراء، وأبو طلحة هو أبو زيد بن سهل، زوج أم سليم، أم أنس، وفي الرواية الثانية "فاستعار النبي ﷺ فرسا لأبي طلحة، يقال له: مندوب، فركبه" وفي ملحق الرواية الثانية يقول أنس "استعار فرسا لنا" وهو كذلك، فأبو طلحة زوج أمه. والظاهر أن رسول الله ﷺ لم يكن عنده فرس ولا بغلة حينئذ، وهو في حاجة إلى الإسراع.
قال النووي: وقع في هذا الحديث تسمية هذا الفرس مندوبا، قال القاضي: وقد كان في أفراس النبي ﷺ "مندوب" فلعله صار إليه، بعد أبي طلحة. هذا كلام القاضي، قلت: ويحتمل أنهما فرسان، اتفقا في الاسم
стр. 5076
(في عنقه السيف) تعليق السيف في العنق يحتاجه الفارس كثيرا، ليكون أعون له على مهامه الأخرى، وهو يشير إلى أنه لم يخرج أعزل مخاطرا، بل مسلحا مقداما.
(وهو يقول: لم تراعوا. لم تراعوا) مرتين، وفي رواية مرة واحدة، و"تراعوا" بضم التاء، مبني للمجهول، مجزوم بحذف النون، يقال: راع، يروع، روعا بفتح الراء، فزع، وراع الأمر فلانا أفزعه، ثلاثي، وأراعه أفزعه أيضا من الرباعي. والمعنى لم يخفكم أحد، وليس في الأمر شيء يفزعكم، وفي الرواية الثانية "ما رأينا من فزع" أي من شيء يفزع، قال النووي: "لم تراعوا" أي روعا مستقرا، أو روعا يضركم. اهـ يجيب بذلك عما قد يقال: كيف، ينفى عنهم الروع، وقد حصل لهم الروع؟ وقد أجبنا بأن النفي موجه إلى سبب الروع، لا إلى الروع نفسه، حتى يجيب بما أجاب، وجوابنا أقرب إلى المراد.
(قال: وجدناه بحرا - أو إنه لبحر - قال: وكان فرسا يبطأ) أي كان فرس أبي طلحة فرسا يتهم بالبطء، ويوصف بسوء السير، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: وكان فرس أبي طلحة فرسا يبطأ - بضم الياء وفتح الباء، وجدناه بعد أن ركبه النبي ﷺ بحرا، أي واسع الخطو، سريع الجري، قال الأصمعي: يقال للفرس: بحر، إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا ينفد، كما لا ينفد البحر، أي التشبيه بالبحر إما في السعة، وإما في الكثرة وعدم الانقطاع.
وفي الرواية الثانية "وإن وجدنا لبحرا" قال الخطابي: "إن" هي النافية، واللام في "لبحرا" بمعنى "إلا" أي ما وجدناه إلا بحرا، قال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين "إن" مخففة من الثقيلة، واللام زائدة. وهذه الجملة من مقوله ﷺ ، ثناء على الفرس الذي كانوا يتندرون ببطئه، وفي رواية البخاري "فلما رجع قال: ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا" وفي روايتنا الثانية "ما رأينا من فزع، وإن وجدناه لبحرا".
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - من شدة عجلته ﷺ في الخروج إلى العدو، قبل الناس كلهم، وتعريض نفسه لمواجهة العدو بمفرده، شجاعته ﷺ .
٢ - وفيه جواز سبق الإنسان وحده في الكشف عن أخبار العدو، ما لم يتحقق الهلاك.
٣ - واستحباب تقلد السيف في العنق.
٤ - واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف، وبث الاطمئنان فيهم إذا ذهب ما يخيف.
٥ - وفيه عظيم بركته ﷺ ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا، بعد أن كان يبطأ.
٦ - وفيه جواز ركوب الفرس العري.
٧ - وتواضعه ﷺ .
стр. 5077
٨ - وفيه ما كان عليه ﷺ من الفروسية البالغة، فإن الركوب المذكور، لا يفعله إلا من أحكم الركوب، وأدمن على الفروسية.
٩ - وأنه ينبغي للفارس أن يتعاهد الفروسية، ويروض طباعه عليها، لئلا يفجأه شدة، فيكون قد استعد لها. قاله الحافظ ابن حجر.
١٠ - وجواز استعارة الفرس ونحوه، والعارية بتشديد الياء ويجوز تخفيفها هي هبة المنافع، دون الرقبة، قال الحافظ ابن حجر: ويجوز توقيتها، وإذا تلفت في يد المستعير ضمنها، إلا فيما إذا كان ذلك من الوجه المأذون فيه.
والله أعلم
стр. 5078
(٦١١) باب جوده ﷺ
٥٢٣٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير. وكان أجود ما يكون في شهر رمضان. إن جبريل ﵇ كان يلقاه، في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ. فيعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن. فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
-[المعنى العام]-
يراجع المعنى العام لأحاديث باب في سخائه ﷺ الآتي بعد باب واحد.
-[المباحث العربية]-
(كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير) "أجود" بالنصب، خبر "كان" والمعنى كان أكثر الناس جودا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وقدم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، لئلا يتخيل من قوله "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان" أن الأجودية منه خاصة برمضان، فأثبت له الأجودية المطلقة أولا، ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان، وقوله "بالخير" أعم من الصدقة ومن المال، إذ الجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وعند الترمذي عن أنس، رفعه "أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علما، فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله".
(وكان أجود ما يكون في شهر رمضان) برفع "أجود" في أكثر الروايات، على أنه اسم "كان" وخبره محذوف، وهو نحو أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة، أو هو مرفوع على أنه مبتدأ، مضاف إلى المصدر، وهو "ما يكون" فما مصدرية، وخبره "في شهر رمضان" والتقدير: أجود أكوان رسول الله ﷺ في رمضان.
وفي رواية "أجود" بالنصب، على أنه خبر "كان" وتعقب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها، وأجيب بجعل اسم "كان" ضمير النبي ﷺ ، و"أجود" خبرها، والتقدير: كان رسول الله ﷺ مدة كونه
стр. 5079
في رمضان أجود منه في غيره. قال النووي: الرفع أشهر، والنصب جائز، قال الحافظ ابن حجر: ويرجح الرفع وروده بدون "كان" عند البخاري في الصوم.
(إن جبريل ﵇ كان يلقاه) الجملة مستأنفة استئنافا تعليليا، لبيان سبب الأجودية المذكورة، ففي رواية للبخاري "لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان" وفي رواية أخرى له "وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل" وفي آخر روايتنا "فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة".
(في كل سنة في رمضان، حتى ينسلخ) أي شهر رمضان، أي حتى ينقضي، قال النووي: هكذا في جميع النسخ "في كل سنة" ونقله القاضي عن عامة الروايات والنسخ، قال: وفي بعضها "كل ليلة" بدل "كل سنة" قال: وهو المحفوظ، لكنه بمعنى الأول، لأن قوله "حتى ينسلخ" بمعنى كل ليلة اهـ. فالمراد من الروايتين: في كل سنة في كل ليلة من رمضان، أي بالإضافة إلى لقاءات أخرى في السنة، لأسباب أخرى.
(فيعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن) أي ما نزل منه، وفي هذه الرواية أن رسول الله ﷺ هو الذي كان يعرض، وفي رواية للبخاري "كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ " والمعنى يستعرضه ما أقرأه إياه، فيحمل الأمر على أن كلا منهما كان يعرض على الآخر، ويؤيده رواية للبخاري "فيدارسه القرآن".
(فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) مبالغة في التشبيه، وذلك أنه أثبت له أولا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ في ذلك منها، لأن الريح قد تسكن، ووصفها بالمرسلة المبشرة بالخير، المطلقة ليحترس بذلك عن الريح العقيم الضارة، والمرسلة يستمر إرسالها مدة إرسالها، وكذا كان عمله ﷺ في رمضان، ديمة لا ينقطع، فشبهه بريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى، لإنزال الغيث العام، الذي يكون سببا لإصابة الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية، عموما أكثر من عموم الغيث الناشئ عن الريح المرسلة.
واستعمل أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي، لأن الجود من النبي ﷺ حقيقة، والجود من الريح مجاز، فكأنه استعار للريح جودا، باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة من جاد، وفي تقديم معمول "أجود" وهو "بالخير" على المفضل عليه نكتة لطيفة، وهي أنه لو أخره، لظن تعلقه بالمرسلة، وهذا وإن كان صحيح المعنى، إلا أنه تفوت به المبالغة، لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح المرسلة مطلقا. قاله الحافظ ابن حجر.
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - استحباب زيارة الصلحاء وأهل الخير في رمضان.
стр. 5080
٢ - وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه.
٣ - واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، لأن رمضان موسم الخيرات، ونعم الله على عباده زائدة فيه، وفيه تضاعف الحسنات.
٤ - وأن قراءة القرآن أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا، لفعله رسول الله ﷺ وجبريل ﵇، فاجتمع بذلك أفضلية النازل، وأفضلية المنزول عليه، والمنزول به، والوقت.
٥ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه، من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح.
٦ - وفيه أن القرآن يطلق على بعضه، وعلى معظمه، كما يطلق على كلمه، لأن أول رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير، فكان قد نزل كله، إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور، وكان في سنة عشر، إلى أن مات رسول الله ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة قوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فإنها نزلت يوم عرفة، والنبي ﷺ في عرفة، بالاتفاق، وكأن الذي نزل في تلك الأيام لما كان قليلا بالنسبة لما تقدم اغتفر أمر معارضته، قال الحافظ ابن حجر: فيستفاد من هذا أن القرآن يطلق على البعض مجازا، ومن ثم لا يحنث من حلف: ليقرأن القرآن، فقرأ بعضه، إلا إن قصد الجميع، قال: ويحتمل أنه ﷺ كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأ كل ليلة جزءا في جزء من الليلة، ثم يشتغل في ليلة بسوى ذلك من تهجد بالصلاة ومن راحة بدن، ومن تعاهد أهل، ولعله كان يعيد الجزء مرارا، وبتعدد الحروف المأذون في قراءتها، لتستوعب بركة القرآن جميع الشهر، ولولا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة، وفي السنة الأخيرة عرضه مرتين، لجاز أنه كان يعرض جميع ما نزل عليه كل ليلة، ثم يعيده في بقية الليالي، وفي هذه المعارضة يحكم الله ما يشاء، وينسخ ما يشاء.
٧ - وفيه أن مداومة تلاوة القرآن توجب زيادة الخير.
٨ - وفيه المذاكرة مع الفاضل في القرآن والعلم، وإن كان الفاضل لا يخفى عليه ما يذاكره للعبادة، وزيادة الاتعاظ.
٩ - وفيه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة فيه.
١٠ - وأن ليل رمضان أفضل من نهاره.
١١ - وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك، لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية.
следующие страницы →