← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

(في عنقه السيف) تعليق السيف في العنق يحتاجه الفارس كثيرا، ليكون أعون له على مهامه الأخرى، وهو يشير إلى أنه لم يخرج أعزل مخاطرا، بل مسلحا مقداما. (وهو يقول: لم تراعوا. لم تراعوا) مرتين، وفي رواية مرة واحدة، و"تراعوا" بضم التاء، مبني للمجهول، مجزوم بحذف النون، يقال: راع، يروع، روعا بفتح الراء، فزع، وراع الأمر فلانا أفزعه، ثلاثي، وأراعه أفزعه أيضا من الرباعي. والمعنى لم يخفكم أحد، وليس في الأمر شيء يفزعكم، وفي الرواية الثانية "ما رأينا من فزع" أي من شيء يفزع، قال النووي: "لم تراعوا" أي روعا مستقرا، أو روعا يضركم. اهـ يجيب بذلك عما قد يقال: كيف، ينفى عنهم الروع، وقد حصل لهم الروع؟ وقد أجبنا بأن النفي موجه إلى سبب الروع، لا إلى الروع نفسه، حتى يجيب بما أجاب، وجوابنا أقرب إلى المراد. (قال: وجدناه بحرا - أو إنه لبحر - قال: وكان فرسا يبطأ) أي كان فرس أبي طلحة فرسا يتهم بالبطء، ويوصف بسوء السير، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: وكان فرس أبي طلحة فرسا يبطأ - بضم الياء وفتح الباء، وجدناه بعد أن ركبه النبي ﷺ بحرا، أي واسع الخطو، سريع الجري، قال الأصمعي: يقال للفرس: بحر، إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا ينفد، كما لا ينفد البحر، أي التشبيه بالبحر إما في السعة، وإما في الكثرة وعدم الانقطاع. وفي الرواية الثانية "وإن وجدنا لبحرا" قال الخطابي: "إن" هي النافية، واللام في "لبحرا" بمعنى "إلا" أي ما وجدناه إلا بحرا، قال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين "إن" مخففة من الثقيلة، واللام زائدة. وهذه الجملة من مقوله ﷺ ، ثناء على الفرس الذي كانوا يتندرون ببطئه، وفي رواية البخاري "فلما رجع قال: ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا" وفي روايتنا الثانية "ما رأينا من فزع، وإن وجدناه لبحرا". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - من شدة عجلته ﷺ في الخروج إلى العدو، قبل الناس كلهم، وتعريض نفسه لمواجهة العدو بمفرده، شجاعته ﷺ . ٢ - وفيه جواز سبق الإنسان وحده في الكشف عن أخبار العدو، ما لم يتحقق الهلاك. ٣ - واستحباب تقلد السيف في العنق. ٤ - واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف، وبث الاطمئنان فيهم إذا ذهب ما يخيف. ٥ - وفيه عظيم بركته ﷺ ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا، بعد أن كان يبطأ. ٦ - وفيه جواز ركوب الفرس العري. ٧ - وتواضعه ﷺ .

стр. 5077

٨ - وفيه ما كان عليه ﷺ من الفروسية البالغة، فإن الركوب المذكور، لا يفعله إلا من أحكم الركوب، وأدمن على الفروسية. ٩ - وأنه ينبغي للفارس أن يتعاهد الفروسية، ويروض طباعه عليها، لئلا يفجأه شدة، فيكون قد استعد لها. قاله الحافظ ابن حجر. ١٠ - وجواز استعارة الفرس ونحوه، والعارية بتشديد الياء ويجوز تخفيفها هي هبة المنافع، دون الرقبة، قال الحافظ ابن حجر: ويجوز توقيتها، وإذا تلفت في يد المستعير ضمنها، إلا فيما إذا كان ذلك من الوجه المأذون فيه. والله أعلم

стр. 5078

(٦١١) باب جوده ﷺ ٥٢٣٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير. وكان أجود ما يكون في شهر رمضان. إن جبريل ﵇ كان يلقاه، في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ. فيعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن. فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة. -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام لأحاديث باب في سخائه ﷺ الآتي بعد باب واحد. -[المباحث العربية]- (كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير) "أجود" بالنصب، خبر "كان" والمعنى كان أكثر الناس جودا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وقدم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، لئلا يتخيل من قوله "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان" أن الأجودية منه خاصة برمضان، فأثبت له الأجودية المطلقة أولا، ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان، وقوله "بالخير" أعم من الصدقة ومن المال، إذ الجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وعند الترمذي عن أنس، رفعه "أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علما، فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله". (وكان أجود ما يكون في شهر رمضان) برفع "أجود" في أكثر الروايات، على أنه اسم "كان" وخبره محذوف، وهو نحو أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة، أو هو مرفوع على أنه مبتدأ، مضاف إلى المصدر، وهو "ما يكون" فما مصدرية، وخبره "في شهر رمضان" والتقدير: أجود أكوان رسول الله ﷺ في رمضان. وفي رواية "أجود" بالنصب، على أنه خبر "كان" وتعقب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها، وأجيب بجعل اسم "كان" ضمير النبي ﷺ ، و"أجود" خبرها، والتقدير: كان رسول الله ﷺ مدة كونه

стр. 5079

في رمضان أجود منه في غيره. قال النووي: الرفع أشهر، والنصب جائز، قال الحافظ ابن حجر: ويرجح الرفع وروده بدون "كان" عند البخاري في الصوم. (إن جبريل ﵇ كان يلقاه) الجملة مستأنفة استئنافا تعليليا، لبيان سبب الأجودية المذكورة، ففي رواية للبخاري "لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان" وفي رواية أخرى له "وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل" وفي آخر روايتنا "فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة". (في كل سنة في رمضان، حتى ينسلخ) أي شهر رمضان، أي حتى ينقضي، قال النووي: هكذا في جميع النسخ "في كل سنة" ونقله القاضي عن عامة الروايات والنسخ، قال: وفي بعضها "كل ليلة" بدل "كل سنة" قال: وهو المحفوظ، لكنه بمعنى الأول، لأن قوله "حتى ينسلخ" بمعنى كل ليلة اهـ. فالمراد من الروايتين: في كل سنة في كل ليلة من رمضان، أي بالإضافة إلى لقاءات أخرى في السنة، لأسباب أخرى. (فيعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن) أي ما نزل منه، وفي هذه الرواية أن رسول الله ﷺ هو الذي كان يعرض، وفي رواية للبخاري "كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ " والمعنى يستعرضه ما أقرأه إياه، فيحمل الأمر على أن كلا منهما كان يعرض على الآخر، ويؤيده رواية للبخاري "فيدارسه القرآن". (فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) مبالغة في التشبيه، وذلك أنه أثبت له أولا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ في ذلك منها، لأن الريح قد تسكن، ووصفها بالمرسلة المبشرة بالخير، المطلقة ليحترس بذلك عن الريح العقيم الضارة، والمرسلة يستمر إرسالها مدة إرسالها، وكذا كان عمله ﷺ في رمضان، ديمة لا ينقطع، فشبهه بريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى، لإنزال الغيث العام، الذي يكون سببا لإصابة الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية، عموما أكثر من عموم الغيث الناشئ عن الريح المرسلة. واستعمل أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي، لأن الجود من النبي ﷺ حقيقة، والجود من الريح مجاز، فكأنه استعار للريح جودا، باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة من جاد، وفي تقديم معمول "أجود" وهو "بالخير" على المفضل عليه نكتة لطيفة، وهي أنه لو أخره، لظن تعلقه بالمرسلة، وهذا وإن كان صحيح المعنى، إلا أنه تفوت به المبالغة، لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح المرسلة مطلقا. قاله الحافظ ابن حجر. -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - استحباب زيارة الصلحاء وأهل الخير في رمضان.

стр. 5080

٢ - وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه. ٣ - واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، لأن رمضان موسم الخيرات، ونعم الله على عباده زائدة فيه، وفيه تضاعف الحسنات. ٤ - وأن قراءة القرآن أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا، لفعله رسول الله ﷺ وجبريل ﵇، فاجتمع بذلك أفضلية النازل، وأفضلية المنزول عليه، والمنزول به، والوقت. ٥ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه، من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح. ٦ - وفيه أن القرآن يطلق على بعضه، وعلى معظمه، كما يطلق على كلمه، لأن أول رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير، فكان قد نزل كله، إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور، وكان في سنة عشر، إلى أن مات رسول الله ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة قوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فإنها نزلت يوم عرفة، والنبي ﷺ في عرفة، بالاتفاق، وكأن الذي نزل في تلك الأيام لما كان قليلا بالنسبة لما تقدم اغتفر أمر معارضته، قال الحافظ ابن حجر: فيستفاد من هذا أن القرآن يطلق على البعض مجازا، ومن ثم لا يحنث من حلف: ليقرأن القرآن، فقرأ بعضه، إلا إن قصد الجميع، قال: ويحتمل أنه ﷺ كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأ كل ليلة جزءا في جزء من الليلة، ثم يشتغل في ليلة بسوى ذلك من تهجد بالصلاة ومن راحة بدن، ومن تعاهد أهل، ولعله كان يعيد الجزء مرارا، وبتعدد الحروف المأذون في قراءتها، لتستوعب بركة القرآن جميع الشهر، ولولا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة، وفي السنة الأخيرة عرضه مرتين، لجاز أنه كان يعرض جميع ما نزل عليه كل ليلة، ثم يعيده في بقية الليالي، وفي هذه المعارضة يحكم الله ما يشاء، وينسخ ما يشاء. ٧ - وفيه أن مداومة تلاوة القرآن توجب زيادة الخير. ٨ - وفيه المذاكرة مع الفاضل في القرآن والعلم، وإن كان الفاضل لا يخفى عليه ما يذاكره للعبادة، وزيادة الاتعاظ. ٩ - وفيه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة فيه. ١٠ - وأن ليل رمضان أفضل من نهاره. ١١ - وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك، لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية.

стр. 5081

١٢ - وفيه جواز قول "رمضان" من غير "شهر". ١٣ - وفيه الحث على الجود في كل وقت. ١٤ - واستحباب زيادة الجود في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح. ١٥ - وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، لتقريبه إلى الأذهان. ١٦ - وفيه جوده ﷺ . ١٧ - وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر. وسيأتي بعد باب واحد أمثلة ووقائع من جوده صلى الله عليه وسلم

стр. 5082

(٦١٢) باب حسن خلقه ﷺ ٥٢٣٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين. والله! ما قال لي: أفا قط. ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ زاد أبو الربيع ليس مما يصنعه الخادم ولم يذكر قوله والله. ٥٢٤٠ - عن أنس ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أنسا غلام كيس فليخدمك قال: فخدمته في السفر والحضر. والله! ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟ . ٥٢٤١ - عن أنس ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين. فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا؟ وكذا ولا عاب علي شيئا قط. ٥٢٤٢ - عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا. فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله! لا أذهب. وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه وهو يضحك: فقال "يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟ " قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول الله. - قال أنس: والله! لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا. ٥٢٤٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا.

стр. 5083

-[المعنى العام]- يقول ﷺ "خير ما أعطي الناس خلق حسن" ويقول "إن أفضل شيء في الميزان الخلق الحسن" ويقول "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء" ويقول "إن خياركم أحسنكم خلقا" ويقول "إن أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون" ويقول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وكان ﷺ على قمة مكارم الأخلاق حتى قال عنه ربه ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤] وأبرز المواطن التي تظهر فيها الأخلاق المحمودة والمذمومة مواطن التعامل مع الخلق وأبرز هذه المواطن معاملة السيد للخادم. ومن هنا ساق العلماء - دليلا على حسن خلقه ﷺ أحاديث معاملته ﷺ لخادمه أنس، فقد هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ولا خادم له، وأسلمت أم سليم أم أنس وهو ابن عشر سنين ومن حبها لرسول الله ﷺ ورغبة منها في توثيق العلاقة والصلة به قدمت ابنها هذا لرسول الله ﷺ خادما فكان نعم الخادم عند خير مخدوم خدم عشر سنين فرأى رسول الله ﷺ لم يضرب بيده الكريمة امرأة ولا خادما قط بل كان عف اللسان ليس فاحشا ولا متفحشا ولا سبابا ولا لعانا حتى عند الغضب وعند وقوع ما يستحق اللوم والعقاب وعند رؤيته ما يكره لدرجة أنه ما عاب طعاما قط بل كان إذا اشتهاه أكله وإن عافه تركه وما أنب خادمه يوما وما زجره أو عنفه بل ما قال له يوما عن شيء فعله وهو غير مرضي: لم فعلت كذا؟ وما قال له يوما عن شيء لم يفعله وهو مطلوب: لم لم تفعل كذا؟ بل كان يبتسم ويوجه ويألف ويؤلف ويحلم ويتواضع ويعفو ويحسن ﷺ . -[المباحث العربية]- (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين) في الرواية الثالثة وملحق الرابعة "خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين" ولا تعارض لأن ابتداء خدمته له ﷺ كان بعد قدومه المدينة وبعد تزويج أم سليم بأبي طلحة أي بعد قدومه ﷺ ببضعة أشهر فرواية العشر جبرت الكسر ورواية "التسع" ألغت الكسر، والحقيقة تسع سنين وبضعة أشهر. وفي الرواية الثانية "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيس" - بفتح الكاف وتشديد الياء المكسورة أو المخففة الساكنة بعدها سين أي عاقل فطن متوقد الذكاء ضد الأحمق - "فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر" وأشار بالسفر إلى ما حصل من أنه خرج معه ﷺ إلى خيبر يخدمه، ففي البخاري "أن النبي ﷺ طلب من أبي طلحة - لما أراد الخروج إلى خيبر - من يخدمه فأحضر له أنسا" أي طلب من أبي طلحة من يكون أسن من أنس وأقوى على الخدمة في السفر وكان أنس إذ ذاك ابن ست عشرة سنة فعرف أبو طلحة من أنس القوة على ذلك فأحضره له فخرج معه فلهذا

стр. 5084

قال: خدمته في الحضر والسفر، وفي رواية للبخاري أيضا عن أنس "كنت ابن عشر سنين، مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فكان أمهاتي - يقصد أمه وخالته ومن في معناهما - يواظبنني - أي يرغبنني ويحثثنني - على خدمة النبي ﷺ ، فقدمته أمه، أم سليم للنبي ﷺ . (والله ما قال لي: أفا قط) قال الراغب: أصل الأف كل مستقذر من وسخ، كقلامة الظفر وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال أيضا عند تكره الشيء، وعند التضجر من الشيء، واستعملوا منها الفعل، يقولون: أففت بفلان. وفي "أف" عدة لغات: الحركات الثلاث للهمزة مع تشديد الفاء، بغير تنوين، وبالتنوين، وهي في روايتنا "أفا" بالنصب والتنوين على المصدرية، وهي موافقة لبعض القراءات الشاذة، وهي هنا مع ضم الهمزة والتشديد، وعلى ذلك اقتصر بعض الشراح، وذكر أبو الحسن الرماني فيها لغات كثيرة، بلغها تسعا وثلاثين، ونقلها ابن عطية، وزاد واحدة، أكملها أربعين، ومنها الستة المتقدمة، وبتخفيف الفاء كذلك ستة أخرى، وبالسكون مشددا ومخففا، وبزيادة هاء ساكنة في آخره مشددا ومخففا، و"أفي" بالإمالة، وبين بين، وبلا إمالة ... إلخ. وساقها الحافظ ابن حجر، فمن أرادها فليطلبها. وأما "قط" ففيها لغات: بفتح القاف وضمها، مع تشديد الطاء المضمومة، وبفتح القاف وكسر الطاء المشددة، وبفتح القاف وإسكان الطاء، وبفتح القاف وكسر الطاء المخففة، وهي لتوكيد نفي الماضي. (ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ ليس مما يصنعه الخادم) أي هذا الذي صنعت ليس مما يقبل من الخادم وفي الرواية الثانية "والله ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟ وفي الرواية التالية "فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط" وفي الرواية الرابعة "فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط" وأما قوله في الرواية الثالثة "أذهبت حيث أمرتك"؟ فليس من قبيل ما نفاه، لأن الاستفهام هنا، وإن كان إنكاريا توبيخيا، ومعناه ما كان ينبغي أن لا تذهب، لكنه ظاهر في العتب برفق، ويحتمل أن المراد ما قال لي كذا وكذا بغضب. بخلاف ما في الرواية الثالثة، فقد قال وهو يضحك، فالمنفي اللوم والتأنيب كما يفعل مع الخادم، والمثبت الحض والعرض والتوجيه، كما يفعل مع الأبناء والأحبة. (كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا) بضم الخاء واللام، ويجوز إسكان اللام، قال الراغب: الخلق بفتح الخاء، والخلق بضمها، في الأصل بمعنى واحد، كالشرب والشرب، لكن خص الخلق بالفتح، بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق بالضم، بالقوى والسجايا، المدركة بالبصيرة اهـ. وقد كان النبي ﷺ يقول: "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي" وقال القرطبي في المفهم: الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمودة على

стр. 5085

الإجمال أن تكون مع غيرك على نفسك فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل العفو والحلم والجود والصبر وتحمل الأذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتوادد ولين الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك. (فأرسلني يوما لحاجة) أي لأقضي حاجة له. (فقلت: والله لا أذهب) الآن عاجلا، أي قلت في نفسي ذلك، رغبة مني في اللعب قليلا، فقد كان فوق العاشرة بقليل. (وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ أي لم يكن موقفي عصيان الأمر، وعدم تنفيذه، بل تأجيله قليلا وتأخيره، مع عزمي أن أنفذه. (فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق) أي فلعبت معهم، وانشغلت بلعبهم، وفي قوله "حتى أمر" تعبير عن الماضي بالمضارع، استحضارا للصورة، والأصل: حتى مررت وفي ذلك إشارة إلى أنه لم يقصد اللعب ابتداء، بل وقع ذلك مصادفة في مروره بهم، وهو في طريقه لقضاء الحاجة. (يا أنيس: أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول الله) الآن، فذهب و"أنيس" بضم الهمزة وفتح النون، تصغير "أنس" والجواب نعم تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب، والاستفهام التقريري خبر موجب، والمعنى هنا: أقر بأنك لم تذهب، فيكون الجواب نعم، أقر أنني لم أذهب، وسأذهب الآن، "وحيث" هنا ظرف مكان، مبني على الضم في محل نصب، كما في قوله تعالى ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في: هل حسن الخلق غريزة؟ أو مكتسب؟ فذهب جماعة إلى أنه غريزة، واستدلوا بحديث ابن مسعود "إن الله قسم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم" رواه البخاري، في الأدب المفرد، وقال القرطبي في المفهم: الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها، إن كان محمودا فحسن، وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه، حتى يصير محمودا، وكذا إن كان ضعيفا، فيرتاض صاحبه، حتى يقوى. اهـ. وذهب جماعة إلى أن الخلق مكتسب، لأنه يقوم، وهو بالسلوك والتعود يصبح سجية وذهب المحققون إلى أن منه ما هو غريزة، ومنه ما هو مكتسب، ويؤيدهم ما رواه أحمد والنسائي والبخاري في الأدب المفرد وصححه ابن حبان "أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس: إن فيك لخصلتين، يحبهما الله. الحلم والأناة، قال: يا رسول الله، قديما كانا في؟ أو حديثا؟ فقال: قديما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما" فترديده السؤال، وتقريره عليه، يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي، وما هو مكتسب.

стр. 5086

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - بيان كمال خلقه ﷺ . وحسن عشرته، وحلمه وصفحه. ٢ - وترك العقاب على ما فات، لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به، إذا احتيج إليه. ٣ - وتنزيه اللسان عن الزجر واللوم والذم. ٤ - واستئلاف خاطر الخادم. قال الحافظ ابن حجر: وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعا، فلا يتسامح فيها، لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله أعلم

стр. 5087

(٦١٣) باب في سخائه ﷺ ٥٢٤٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط، فقال: لا. ٥٢٤٥ - عن موسى بن أنس ﵁ عن أبيه قال: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه. قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين. فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا. فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة. ٥٢٤٦ - عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين. فأعطاه إياه. فأتى قومه فقال: أي قوم، أسلموا. فوالله! إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر. فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا. فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. ٥٢٤٧ - عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة. ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين. فاقتتلوا بحنين. فنصر الله دينه والمسلمين. وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب، أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. ٥٢٤٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ وزاد أحدهما على الآخر قال: قال رسول الله ﷺ : "لو قد جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" وقال بيديه جميعا. فقبض النبي ﷺ قبل أن يجيء مال البحرين. فقدم على أبي بكر بعده. فأمر مناديا

стр. 5088

فنادى: من كانت له على النبي ﷺ عدة أو دين فليأت. فقمت فقلت: إن النبي ﷺ قال: "لو قد جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" فحثى أبو بكر مرة. ثم قال لي: عدها. فعددتها فإذا هي خمسمائة. فقال: خذ مثليها. ٥٢٤٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي: فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله عدة، فليأتنا. بنحو حديث ابن عيينة. -[المعنى العام]- الجود والكرم والسخاء، خلق أصيل من أخلاق العرب قبل الإسلام، كانوا يتفاخرون به، ويتنافسون فيه، حتى قال شاعرهم: أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا غلام ريح صر لعل أن يبصرها المعتر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر لكنهم كانوا يتخلقون بهذا الخلق للرياء والسمعة والفخر والثناء الجميل، لا بقصد الثواب الأخروي، ولا بقصد رفعة الإسلام، لذلك يقول الطائي. أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حل في مالي الدهر وقد ضرب رسول الله ﷺ المثل الأعلى في السخاء والعطاء، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، لأنه معتمد متوكل على ربه، يجيئه الكثير، فلا يبقي منه شيئا بل يخاف أن يبيت عنده ثلاثة دنانير للغد، تنتظر الإنفاق فيخشى أن يموت في ليلة وهي في بيته، فينصرف من صلاة العشاء، فزعا لينفقها على الفقراء، كان معطاء للمستحقين من الأمة، حاشا أهله الذين كانوا يمر عليهم الشهر والشهران، ثلاثة أهلة في شهرين، وما توقد في بيت من بيوته نار، لعدم وجود ما يطهى بالنار، بينما يعطي بالمائة بعير، والمائتي بعير، وبالثلاثمائة بعير، هل رأيتم من يستدين ليتصدق ويعطي؟ كان محمد ﷺ يستدين ليتصدق ويعطي، هل رأيتم من يخنقه السائل ليعطيه ويأمره بغلظة وجفاء وقلة أدب، فيبتسم للسائل ويعطيه؟ كان محمد ﷺ يفعل ذلك، يروي البخاري عن أنس ﵁ قال: "كنت أمشي مع النبي ﷺ ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ ، قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه ﷺ ، فضحك، ثم أمر له بعطاء".

стр. 5089

ويروي البخاري أيضا عن جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله ﷺ ، ومعه الناس، مقبلا من حنين، تعلقت الأعراب برسول الله ﷺ ، يسألونه أن يعطيهم، حتى اضطروه إلى أن يحتمي بشجرة، فخطفوا رداءه، فوقف رسول الله ﷺ ، فقال: أعطوني ردائي، فلو كان عندي عدد هذه الأشجار إبلا لقسمته بينكم، ثم لا تجدونني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا". ويروي البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة، فقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ ، محتاجا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه. فاكسنيها. فقال نعم، فأعطاها له، فلما قام النبي ﷺ لامه أصحابه، فقالوا ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ ، لعلي أكفن فيها" صلى الله وسلم وبارك على هذا الجواد الكريم. -[المباحث العربية]- (سخاؤه ﷺ قال أهل اللغة: السخاوة والسخاء والجود، والسخي الجواد، يقال: سخا يسخو، وسخي بكسر الخاء وفتح الياء، يسخى بفتح الخاء، وسخو الرجل بضم الخاء وفتح الواو يسخو سخاء. وعلى هذا فذكر باب سخائه ﷺ بعد باب جوده تفنن، وكأنه ذكر في الباب الأول إثبات صفة الجود، وفي الباب الآخر أمثلة لهذا الجود، وقال الحافظ ابن حجر: والسخاء بمعنى الجود، وهو بذل ما يقتنى بغير عوض، وضده البخل، وهو منع ما يطلب مما يقتنى، وشره ما كان طالبه مستحقا، ولا سيما إن كان من غير مال المسئول. (ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال: لا) في رواية للبخاري "ما سئل النبي ﷺ عن شيء قط فقال: لا" قال الكرماني: معناه ما طلب منه شيء من أمر الدنيا، فمنعه، قال الحافظ ابن حجر: وليس المراد أنه يعطي ما يطلب منه جزما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده أعطاه، إن كان الإعطاء سائغا، وإلا سكت، فعند ابن سعد "إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت" وهو قريب من حديث أبي هريرة، الماضي في الأطعمة "ما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله، وإلا تركه". وقال العز بن عبد السلام: معناه لم يقل: لا، منعا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى قلت ﴿لا أجد ما أحملكم عليه﴾ [التوبة: ٩٢] ولا يخفى الفرق بين قوله ﴿لا أجد ما أحملكم عليه﴾ وبين لا أحملكم. اهـ. وقول الفرزدق: ما قال: لا. قط إلا في تشهده - أي في قوله: أشهد أن لا إله إلا الله - من مبالغات للشعراء. قال الحافظ ابن حجر: وفهم بعضهم من لازم عدم قول "لا" إثبات "نعم" وليس كذلك، وسيأتي مزيد لهذه المسألة في فقه الحديث، عند الكلام على حكم البخل.

стр. 5090

(ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه) أي ما سئل في مقابل الإسلام مالا إلا أعطاه، تأليفا لقلوب الضعفاء، الذين يهمهم المال فوق أي شيء، وقد كان يعلم - بعلم من الله - أن هذا الذي يعطى من أجل أن يسلم سيشرح الله صدره للإسلام بعد أن يسلم، وهذا معنى قول أنس في الرواية الثالثة "إن كان الرجل ليسلم، ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" أي فما يلبث بعد إسلامه إلا يسيرا، حتى يكون الإسلام أحب إليه، والمراد أنه يظهر الإسلام أولا للدنيا، لا بقصد صحيح بقلبه، ثم من بركة النبي ﷺ ، ونور الإسلام، لا يلبث إلا قليلا، وينشرح صدره بحقيقة الإيمان، ويتمكن من قلبه، فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها. قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "فما يسلم" وفي بعضها "فما يمسي" وكلاهما صحيح. اهـ. وتصديقا لهذا يصرح صفوان - في الرواية الرابعة - بأن إعطاء رسول الله ﷺ له، بدأ ومحمد أبغض الناس إليه، ولم ينته حتى كان محمد أحب الناس إليه. (فجاءه رجل، فأعطاه غنما بين جبلين) أي فجاءه رجل ليسلم في مقابل غنم، فأعطاه غنما كثيرا، تشغل وتملأ ما بين جبلين، فالكلام كناية عن الكثرة، وفي الرواية الثالثة "أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين، فأعطاه إياه" كان الظاهر أن يقول "إياها" لأن الغنم اسم مؤنث، موضوع للجنس يقع على الذكور، وعلى الإناث، وعليهما جميعا، فإذا صغرتها أدخلت الهاء، فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، يقال: له خمس من الغنم ذكور، فيؤنث العدد، وإن قصدت الكباش، إذا كان يليه "من الغنم" لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ، لا على المعنى، والإبل كالغنم في جميع ما ذكر، كذا في لسان العرب، فتذكير الضمير في الحديث باعتباره قطيعا، فالغنم القطيع من العنز والضأن. (فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء، لا يخشى الفاقة) في الرواية الثالثة "فأتى قومه، فقال: أي قوم، أسلموا، فوالله. إن محمدا ليعطي عطاء، ما يخاف الفقر". (وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية .... ) كانت غنيمة حنين أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأربعين ألفا من الغنم، وكان صفوان بن أمية ممن خرج إلى حنين وهو لم يسلم بعد، وأعطاه رسول الله ﷺ من الفيء تأليفا لقلبه، ليسلم، كما أعطى بعض كبراء قريش، قريبي عهد بكفر، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة وأعطى العباس بن مرداس مائة. وصفوان بن أمية بن خلف. قتل أبوه يوم بدر كافرا، قالوا: إنه هرب يوم فتح مكة، وأسلمت امرأته، فأخذ له ابن عمه أمانا من النبي ﷺ ، فحضر، وحضر وقعة حنين قبل أن يسلم، قال يوم حنين: لأن يريني رجل من قريش أحب إلي من أن يريني رجل من هوازن، وكان صفوان أحد العشرة الذين انتهى إليهم شرف الجاهلية، ووصله لهم الإسلام من عشر بطون، ونزل صفوان - بعد حنين - على العباس بالمدينة، ثم أذن له النبي ﷺ في الرجوع إلى مكة، فأقام بها، حتى مات بها، مقتل عثمان ﵁.

стр. 5091

(لو قد جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه جميعا) أي وأشار بكفيه، وهو يقول: هكذا، والمقصود من مال البحرين مال الجزية، فقد كان رسول الله ﷺ قد صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وكان من أهل حضرموت، وكان ذلك سنة الوفود، سنة تسع، وبعث ﷺ أبا عبيدة بن الجراح، فأتى بمال الجزية، فوزعه ﷺ ، ثم وعد جابرا أن يعطيه من جزية العام القابل. (فقبض رسول الله ﷺ قبل أن يجيء مال البحرين) الموعود به. (فقدم على أبي بكر بعده) أي فقدم مال البحرين على أبي بكر، بعد وفاة رسول الله ﷺ من أميرها العلاء بن الحضرمي. (فأمر مناديا فنادى: من كانت له على النبي ﷺ عدة أو دين فليأت) العدة الوعد، وفي الرواية السادسة "من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله" بكسر القاف وفتح الباء، أي جهته "عدة فليأتنا". (فقمت فقلت ... إلخ) أي قال جابر: فذهبت إلى أبي بكر، فقلت له كذا وكذا. (فحثى أبو بكر مرة) أي حثوه، يقال: حثا التراب يحثوه، حثوا، وحثى التراب يحثيه حثيا، والحثوة والحثية الغرفة والحفنة. (خذ مثليها) عدا، لا حفنا وحثيا، فيكون مجموع ما أعطى جابر ألف وخمسمائة، وفي رواية للبخاري "قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة". -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - جود النبي ﷺ وسخاؤه، وعدم رده للسائل، قال الحافظ ابن حجر: لكن يشكل عليه أن في حديث الأشعري، لما سأل الأشعريون الحملان، قال النبي ﷺ "والله لا أحملكم" قال: فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، بما إذا سئل ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك أو حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت، من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن يكون لم يعرف العادة، فلو اقتصر في جوابه على السكوت، مع حاجة السائل، لتمادى على السؤال مثلا، ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل. ٢ - استنبط بعضهم من الحديث تحريم البخل، لأنه من لازم عدم قول لا: إثبات نعم، ومن القواعد أنه ﷺ إذا واظب على شيء، أن ذلك علامة وجوبه، فواظب على قول نعم، أو على عدم "لا" فالبخل حرام، لكن هذا الاستنباط لا يتم، لأن الذي يحرم من البخل ما يمنع الواجب، ولو سلمنا أنه يدل على الوجوب، فلنا أن نقول: إنه يختص بالنبي ﷺ ، والتحقيق أن من البخل ما يحرم، ومنه ما يكره، ومنه ما يباح بل منه ما يستحب، بل ما قد يجب. والله أعلم.

стр. 5092

٣ - ومن الرواية الثانية والثالثة والرابعة إعطاء المؤلفة قلوبهم، وقد سبق، قال النووي: ولا خلاف في إعطاء مؤلفة المسلمين، لكن هل يعطون من الزكاة؟ فيه خلاف، والأصح عندنا أنهم يعطون من الزكاة، ومن بيت المال، والثاني: لا يعطون من الزكاة، بل من بيت المال خاصة، أما مؤلفة الكفار فلا يعطون من الزكاة، وفي إعطائهم من غيره خلاف، الأصح عندنا لا يعطون، لأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن التألف، بخلاف أول الأمر، ووقت قلة المسلمين. ٤ - ومن الرواية الخامسة أخذ البخاري أن من تكفل عن ميت دينا، فليس له أن يرجع عن الكفالة، وقد استقر الحق في ذمته، وذلك أن أبا بكر لما قام مقام النبي ﷺ تكفل لما كان عليه، من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدة، وكان ﷺ يحب الوفاء بالوعد، فنفذ أبو بكر ذلك. وقد وعد بعض الشافعية من خصائصه ﷺ وجوب الوفاء بالوعد، أخذا من هذا الحديث، قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به، مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض. وقال ابن عبد البر: أجل من قال بوجوبه عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب، وجب الوفاء به، وإلا فلا. فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا. فتزوج لذلك وجب الوفاء به، وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك، بالقبض، أو قبله؟ ٦ - وفيه قبول خبر الواحد المعدل من الصحابة، ولو جر ذلك نفعا لنفسه، لأن أبا بكر لم يطلب من جابر شاهدا على صحة دعواه. ٧ - قد يستدل به على جواز حكم الحاكم بعلمه، على احتمال أن أبا بكر كان يعلم هذه العدة، فحكم بعلمه. ٨ - وفيه فضيلة عظمى لأبي بكر، لتحمله ما تحمل ﷺ ، ووفائه بالوعد الذي وعده ﷺ . والله أعلم

стр. 5093

(٦١٤) باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال، وتواضعه وفضل ذلك ٥٢٥٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له أبو سيف فانطلق يأتيه واتبعته فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخانا فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول فقال أنس لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون. ٥٢٥١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ قال كان إبراهيم مسترضعا له في عوالي المدينة فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن وكان ظئره قينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع قال عمرو فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة. ٥٢٥٢ - عن عائشة ﵂ قالت قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا أتقبلون صبيانكم فقالوا نعم فقالوا لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله ﷺ وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة وقال ابن نمير من قلبك الرحمة. ٥٢٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبل

стр. 5094

الحسن فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال رسول الله ﷺ إنه من لا يرحم لا يرحم. ٥٢٥٤ - عن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ من لا يرحم الناس لا يرحمه الله . -[المعنى العام]- أنجب ﷺ من خديجة ﵂ سبعة، ثلاثة ذكور، وأربع إناث، أما الذكور فهم القاسم، وبه كان يكنى، والطاهر والطيب، وقيل: إن الطاهر هو الطيب، وأما الإناث فهن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وقد مات الذكور صغارا بمكة في عهد أمهم، ومات الإناث كلهن قبله، إلا فاطمة، التي عاشت بعده ستة أشهر، ولما أهديت إليه مارية القبطية أسكنها عوالي المدينة وضواحيها بعيدة عن نسائه، ولم يقسم لها، بل كان يأتيها بدون قسم، فهي مملوكة، وشاء الله أن لا تلد له امرأة من التسع، مع أن بعضهن كانت ولودا عند غيره، وشاء الله أن تلد الأمة ولدا، قبل وفاته ﷺ بعامين، وكأي بشر كبير السن، ليس له ولد حي، فرح بالولد الجديد، فرحا كفرح زكريا بيحيى، أو كفرح إبراهيم بإسماعيل، وفي أول ليلة بشر به سماه إبراهيم، واختار له مرضعة بجوار سكن أمه، وكانت المرضعة زوجة حداد، يملأ بيته دائما بالدخان، ونفخ الكير، وأخذ رسول الله ﷺ يزور ابنه هذا بين الحين والحين، فيأخذه، فيشمه ويضمه ويقبله، ثم يسلمه لمرضعته، ويعود إلى المدينة، وكثيرا ما كان يأخذ معه أنس بن مالك خادمه، أو بعض الصحابة كعبد الرحمن بن عوف. وشاء القدر أن لا تطول فرحة الأب بابنه، فقد مرض الطفل وعمره ثمانية عشر شهرا، وشق على الوالد مرض ولده، فذهب إليه وهو يحتضر، فأخذه وضمه وشمه وقبله، ونفسه في حشرجة الموت، يعلو في صدره وينخفض، إن قلب الأب يتقطع، فهو بشر، ولا يملك لفلذة كبده شيئا، وهو أرحم الناس بالناس، فكيف بابنه الوليد، لقد سقطت دمعتان من عينيه أمام أصحابه، وكان عبد الرحمن بن عوف قد سمعه ينهى عن البكاء عند الميت، فقال له: رسول الله. ما هذا الذي أرى؟ أنت تبكي؟ وكنت تنهى عن البكاء؟ فأتبع رسول الله ﷺ الدمعتين بدمعتين أخريين، وقال: إنما هذه رحمة، وشفقة، لا سخط ولا اعتراض على قدر، لكنه حزن الإنسان، الذي لا يملك دفعه أو كتمانه، وحزني على موت

стр. 5095

إبراهيم شديد، وعاش ﷺ بعده ثلاثة أشهر، وكان ﷺ عطوفا رحيما بالأطفال، لدرجة تلفت النظر، في البيئة العربية، يصحب معه في المسجد أمامة بنت أبي العاص، ابنة ابنته زينب، تقام الصلاة، فيحملها ويقف، ويقرأ فإذا ركع وضعها على أرض المسجد، يخشى عليها أن تقع منه عند الركوع، ويسجد بجوارها، فإذا قام للركعة الثانية حملها، وهكذا حتى يكمل صلاته، وابنة ابنته على كتفه وصدره، وأمام الوفود، وأكابر القوم يقبل الحسن والحسين، ابني فاطمة، فيعجب الكبراء ويقولون: أهكذا تقبلون أطفالكم؟ فيقول: نعم, فيقول أحدهم: إن لي عشرة من الأبناء، ما قبلت واحدا منهم، فيقول ﷺ : وماذا أفعل؟ وما ذنبي، إذا كان الله قد نزع من قلوبكم الرحمة؟ أما نحن فقد غرس الله الرحمة في قلوبنا. ﷺ . -[المباحث العربية]- (ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم) وكان إبراهيم من مارية القبطية، قال الحافظ ابن حجر: على أنه ولد في ذي الحجة، سنة ثمان. (ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين، يقال له: أبو سيف) في الكلام مجاز المشارفة أي أراد أن يدفعه إلى مرضعة، تسمى أم سيف، وزوجها يقال له: أبو سيف، وكان حدادا، ينفخ للحديد في كير، والقين بفتح القاف، وسكون الياء بعدها نون، هو الحداد، ويطلق على كل صانع، ولكن المراد هنا الحداد، وأم سيف اسمها أم بردة خولة بنت المنذر، من بني عدي بن النجار، وعند ابن سعد في الطبقات "لما ولد إبراهيم للنبي ﷺ تنفاست فيه نساء الأنصار، أيتهن ترضعه؟ فدفعه ﷺ إلى أم بردة". (فانطلق يأتيه، واتبعته) الظاهر أن جارية حملته، وسارت مع رسول الله ﷺ ومعهما أنس بن مالك. (فانتهيا إلى أبي سيف) أي قربنا من بيت أبي سيف. (وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخانا) هكذا رأوه قبل أن يدخلوا. (فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ لأوقف أبا سيف عن العمل، ليخف الدخان، حتى يدخل رسول الله ﷺ . (فقلت: يا أبا سيف، أمسك) عن نفخ الكير، وإثارة الدخان. (فدعا النبي ﷺ بالصبي) من حاملته. (فضمه إليه) أي سلمه لأبي سفيان، لترضعه أم سيف، وليبقى في بيتها مدة إرضاعه. وفي الرواية الثانية "كان إبراهيم مسترضعا له في عوالي المدينة" وهي قرى على مشارف المدينة، وكانت مارية تسكنها "فكان ينطلق" ﷺ من المدينة إلى هذه العوالي بين الحين والحين، ليرى ابنه "ونحن معه، فيدخل البيت، وإنه ليدخن، وكان ظئره قينا" أي وكان زوج

стр. 5096

المرأة التي ترضعه حدادا، والظئر بكسر الظاء وسكون الهمزة بعدها راء هو المرضع، وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر من ظأرت الناقة، إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها، لأنه يشاركها في تربيته غالبا، فلفظة "الظئر" تطلق على الأنثى والذكر "فيأخذه، فيقبله، ثم يرجع" إلى المدينة. (قال أنس: لقد رأيته - أي رأيت إبراهيم - وهو يكيد بنفسه، بين يدي رسول الله ﷺ في رواية للبخاري "قال أنس: ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه" أي يموت، أي يخرج نفسه، ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله، ومعنى "وهو يكيد بنفسه" أي يسوقها. (فدمعت عينا رسول الله ﷺ في رواية للبخاري "فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان" أي يجري دمعهما، وعند البخاري "فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ "أي الناس لا يصبرون على المصيبة، وأنت تفعل كفعلهم؟ كأنه تعجب من ذلك، مع عهده منه أنه يحث على الصبر، وينهى عن الجزع. (فقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا والله - يا إبراهيم - إنا بك لمحزونون) "ما يرضى" بفتح الياء وسكون الراء وفتح الضاد، و"ما" موصولة، والعائد مفعول "يرضى" محذوف، أي ما يرضاه ربنا وفي رواية للبخاري "فقال يا ابن عوف، إنها رحمة - أي الحالة التي شاهدتها مني هي رقة القلب على الولد، لا ما توهمته من الجزع - "أي أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى" وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة، وهي قوله "إنها رحمة" بكلمة أخرى مفصلة، وهي قوله "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" وفي رواية "قال عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول الله؟ أولم تنه عن البكاء؟ وزاد فيها" قال ﷺ : إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين. صوت عند نغمة لهو، ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة، خمشة وجوه، وشق جيبوب، ورنة شيطان" قال: إنما هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم" وفي رواية "إنما أنا بشر" وفي رواية "أنهى الناس عن النياحة، أن يندب الرجل بما ليس فيه" وفي رواية "ولا نقول ما يسخط الرب" في رواية "لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وسبيل نأتيه، وإن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا". (فيدخل البيت وإنه ليدخن) بضم الياء وتشديد الدال المفتوحة وفتح الخاء، يقال: ادخنت النار البيت، بهمزة وصل وتشديد الدال المفتوحة وفتح الخاء والنون أي ملأته دخانا. (إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين، تكملان رضاعه في الجنة) مات إبراهيم وهو ابن ثمانية عشر شهرا، وجزم الواقدي بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حزم: مات قبل النبي ﷺ بثلاثة أشهر، ومعنى "وإنه مات في الثدي" أي في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيه بلبن الثدي، ومعنى "وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة" أي إن له مرضعتين تتمان رضاعه سنتين، فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن، قال صاحب التحرير: وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم ﵁ يكون عقب موته، فيدخل الجنة، متصلا بموته، فيتم رضاعه، كرامة له ولأبيه ﷺ .

стр. 5097

(قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ ، فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم، فقالوا: لكنا - والله - ما نقبل) وفي الرواية الرابعة "أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبل الحسن. فقال: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت واحدا منهم" وعند البخاري "قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم واحدا" وفي رواية للبخاري "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم" قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد بالأعرابي الأقرع المذكور في الحديث الذي قبله، ويحتمل أن يكون المراد به قيس ابن عاصم التميمي السعدي، فقد أخرج أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ما يشعر بذلك، ووقع نحو ذلك لعيينه بن حصن بن حذيفة الفزاري، أخرجه أبو يعلى في مسنده بسند رجاله ثقات، ويحتمل أن يكون قد وقع ذلك لجميعهم - فرادى أو مجتمعين - فقد روى مسلم "قدم ناس من الأعراب، فقالوا ... " (وأملك؟ إن كان الله نزع منكم الرحمة) الكلام على الاستفهام الإنكاري، بمعنى النفي، وحذفت أداة الاستفهام، وأصلها: أو أملك؟ بفتح الواو والهمزة الأولى، كما هي في رواية البخاري، أي ماذا أملك لك؟ أي لا أملك لك شيئا، وقد نزع الله الرحمة من قلبك، أي لا أقدر أن أجعل الرحمة تملأ قلبك، بعد أن نزعها الله منه، وفي رواية "وما أملك"؟ وفي رواية "ما ذنبي إن كان .. "؟ وفي روايتنا "إن كان الله نزع منكم الرحمة" بكسر همزة "إن" وهي أداة شرط، وما بعدها فعل الشرط، وجوابه محذوف، دل عليه ما قبله، أي إن كان الله قد نزع منكم الرحمة فلا أملك لكم شيئا. وفي رواية للبخاري "أن نزع الله من قلبك الرحمة" بفتح همزة "أن" مصدرية، والمصدر مفعول "أملك". (من لا يرحم لا يرحم) وفي الرواية الخامسة "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " قال القاضي عياض: هو للأكثر بالرفع فيهما على الخبر، فمن موصولة، وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون شرطية، فيقرأ بالجزم فيهما، قال السهيلي: جعله على الخبر أشبه بسياق الكلام، لأنه سيق للرد على من قال: إن لي عشرة من الولد ... إلخ" أي الذي يفعل هذا لا يرحم، ولو كانت شرطية لكان في الكلام بعض انقطاع، لأن الشرط وجوابه كلام مستأنف، قال الحافظ ابن حجر: لكن الشرط أولى من جهة أخرى، لأنه يصير من نوع ضرب المثل، ورجح بعضهم كونها موصولة، لكون الشرط إذا أعقبه نفي ينفى غالبا بلم، قال الحافظ: وهذا لا يقتضي ترجيحا إذا كان المقام لائقا لكونها شرطية. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - من الرواية الأولى جواز تسمية المولود يوم ولادته. ٢ - وجواز التسمية بأسماء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. ٣ - ومن الأولى والثانية استتباع العالم الكبير بعض أصحابه، إذا ذهب إلى منزل قوم ونحوه.

стр. 5098

٤ - من قول أنس "واتبعته" الأدب مع الكبار. ٥ - ومن قوله في الرواية الثانية "فيأخذه فيقبله" مشروعية تقبيل الأطفال الرضع. ٦ - ومن الروايتين مشروعية الرضاع بغير الأم. ٧ - وعيادة الصغير. ٨ - والحضور عند المحتضر. ٩ - والرحمة بالعيال. ١٠ - قال ابن بطال وغيره: هذا الحديث يفسر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى. ١١ - وفيه جواز الإخبار عن الحزن، وإن كان الكتمان أولى. ١٢ - ومن مخاطبة الرسول ﷺ ولده، مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب، لصغره واحتضاره مخاطبة الإنسان وإرادة غيره بذلك الخطاب. ١٣ - قال بعضهم: فيه دليل على تقبيل الميت، ورده ابن التين بأن القصة إنما وقعت قبل الموت. ١٤ - وفيه فضيلة وخاصة لإبراهيم ﵁، لتكملة إرضاعه في الجنة بمرضعتين. ١٥ - ومن الرواية الثالثة وما بعدها جواز تقبيل الولد الصغير في كل عضو منه، قال ابن بطال: كذا الكبير عند أكثر العلماء، ما لم يكن عورة، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقبل فاطمة، وكذا كان أبو بكر يقبل عائشة ﵃. ١٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفي جواب النبي ﷺ للأقرع إشارة إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل والمحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة، لا للذة والشهوة، وكذا الضم والشمة والمعانقة اهـ. أي إن كان للشفقة والرحمة جاز، وإلا منع. والله أعلم

стр. 5099

(٦١٥) باب حيائه ﷺ ٥٢٥٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. ٥٢٥٦ - عن مسروق قال دخلنا على عبد الله بن عمرو حين قدم معاوية إلى الكوفة فذكر رسول الله ﷺ فقال لم يكن فاحشا ولا متفحشا وقال قال رسول الله ﷺ إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا قال عثمان حين قدم مع معاوية إلى الكوفة. -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام لأبواب الحياء في كتاب الإيمان. -[المباحث العربية]- (كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها) العذراء البكر، وجمعه عذارى بفتح الراء، وعذار، ويقال: درة عذراء، أي لم تثقب، ورملة عذراء، أي لم توطأ، والعذرة بضم العين وسكون الذال البكارة، وعذر الطبيب الغلام والجارية عذرا بفتح العين وسكون الذال ختنها، والخدر بكسر الخاء، وسكون الدال الستر يجعل للبكر جنب البيت، وقوله "في خدرها" من باب التتميم لما قبلها، لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها، أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها في خدرها، لا حيث تكون منفردة فيه. (وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه) أي لا يتكلم به لحيائه، بل يتغير وجهه، فنفهم نحن كراهيته. وقد ساق البخاري هذه الجملة كحديث مستقل، وهي إشارة إلى تصحيح أنه لم يكن يواجه أحدا بما يكرهه، بل يتغير وجهه، وعند أبي داود "كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء، لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولونه؟ "

стр. 5100

هذا وللحياء باب، بل أبواب مضت في كتاب الإيمان. (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا، ولا متفحشا) أي ناطقا بالفحش، وهو الزيادة على الحد في الكلام السيئ، والمتفحش المتكلف لذلك، أي لم يكن الفحش له خلقا، ولا مكتسبا، وعند الترمذي "سئلت عائشة عن خلق النبي ﷺ ؟ فقالت: لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" وللبخاري في الأدب المفرد "لم يكن رسول الله ﷺ سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا". (إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا) في رواية البخاري "أحسنكم أخلاقا" وحسن الخلق اختيار الفضائل، وترك الرذائل، وقد سبق قبل ثلاثة أبواب باب حسن خلقه ﷺ . -[فقه الحديث]- سبق في كتاب الإيمان شرح الحياء اللغوي والشرعي والممدوح منه والمذموم بما يغني عن الشرح والإعادة. والله أعلم

стр. 5101

(٦١٦) باب تبسمه ﷺ وحسن عشرته ٥٢٥٧ - عن سماك بن حرب قال قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله ﷺ قال نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم ﷺ . -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ [النجم: ٤٣] أي خلق في الإنسان الضحك والبكاء، فالضحك خاصة من خواص الإنسان، قد يشاركه فيه بقدر ضعيف بعض الحيوانات، وهو تعبير عن وجدان داخلي بالسرور أو الإعجاب أو الدهشة أو الرضا. وكلما كان تعبيرا دقيقا عن درجة هذا الوجدان، وكلما كان صادقا مطابقا لهذا الشعور الداخلي كان مقبولا شرعا وعرفا فإن زاد، أو انحرف، بأن تكرر من غير سبب، كان علامة على قلة الأدب وإن كثر وزاد - ولو بسبب - أمات القلب، وصار عادة تغلب صاحبها عند عدم السبب. وللضحك والابتسامة آداب وحدود، يحكم بها العرف والشرع، فالضحك استهزاء وسخرية ذميم، وضحك المرأة وابتسامتها للأجنبي مطمع فيها، والضحك في وقت الجد وأمام الكبراء غير حميد، والضحك في مواقف الحزن كريه ومعيب وزيادة الضحك عن حدودها، برفع الصوت واستمرار القهقهة كما يفعل الحشاشون والسكارى أمر مشين. وما أحسن ما كان عليه ﷺ ، إذ كان يضحك في المناسبة وبقدر الحاجة، ولا يزيد على التبسم. -[المباحث العربية]- (قال: نعم. كثيرا) صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير: كنت أجالسه جلوسا كثيرا. (وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية) الضمير للصحابة الجالسين معه بعد الصلاة، والمراد بأمر الجاهلية أخبارها وأحوالها التي يمجها العقل، كمن صنع إلها له من عجوة فلما جاع أكله.

стр. 5102

(فيضحكون، ويبتسم ﷺ قال أهل اللغة: التبسم مبادئ الضحك، والضحك انبساط الوجه، وانفراج الفم حتى تظهر الأسنان، فإن كان بصوت بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم الضواحك، وهي الثنايا والأنياب وما يليها، وتسمى النواجذ جمع ناجذة، وهي الأضراس. فالضحك يطلق على مراحل إظهار السرور في الوجه، وتبدأ بانبساط الأسارير، وانبساط الشفتين دون فتحهما، وبدون صوت يسمعه من بجوارك، المرحلة الثانية تزيد على الأولى انفتاح الشفتين دون ظهور الأسنان، المرحلة الثالثة كالثانية مع ظهور الرباعيات، أي الأسنان الأربع الأمامية علويا وسفليا، المرحلة الرابعة ظهور الأنياب، المرحلة الخامسة ظهور الأضراس، المرحلة السادسة ظهور اللهوات، جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، وتطلق على الجزء الأخير من سقف الحلق، المطبق على الفك الأسفل، وكل هذه المراحل الست تدخل في التبسم، ما دامت بلا صوت يسمع، فإن صاحبها صوت ضحك فهي القهقهة، ولو كانت بدون فتح الشفتين، فكل ابتسامة ضحك، وليس كل ضحك ابتساما. وكل ما حصل منه ﷺ ابتسام بمراحله الست، كما سنوضح ذلك في فقه الحديث، ولم يحصل منه قهقهة أصلا، ففي البخاري "وما يزيد رسول الله ﷺ على التبسم". -[فقه الحديث]- كان الأغلب في أحواله ﷺ التبسم بالمراحل الثلاث الأوليات، وقلما استعمل المرحلة الرابعة والخامسة وندر استعماله للمرحلة السادسة، ويحمل وصفه ﷺ بالضحك أو التبسم على المرحلة الأولى والثانية والثالثة، كل حسب المقام، كما في حديث الأعرابي الذي جذبه من ثوبه، حتى أثر الجذب في صفحة عنقه ﷺ ، وقال له: أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه ﷺ ، فضحك، ثم أمر له بعطاء" وكما في حديثنا، وحين المبالغة في التبسم تذكر المرحلة، وينص عليها غالبا، ففي حديث الرجل الذي جامع في رمضان، حين قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، "ضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه" وفي رواية "حتى بدت أنيابه" نعم في حديث لعائشة ﵂ قالت: ما رأيه ﷺ مستجمعا قط ضاحكا، حتى أرى منه لهواته" فنفت عنه المرحلة السادسة، لكن قال ابن بطال: المثبت مقدم على النافي. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم - أي في مراحله الثلاث الأخيرة - قال: والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الإفراط فيه، لأنه يذهب الوقار، قال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من فعله، ما واظب عليه من ذلك، فقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه من وجهين عن أبي هريرة، رفعه "لا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب"

стр. 5103

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - استحباب الذكر بعد صلاة الصبح. ٢ - وملازمة مجلس صلاة الصبح ما لم يكن عذر، قال القاضي: هذه سنة، كان السلف وأهل العلم يفعلونها، ويقتصرون في ذلك الوقت على الذكر والدعاء، حتى تطلع الشمس. ٣ - جواز الحديث بأخبار الجاهلية وغيرها من الأمم. ٤ - وجواز الضحك المحدود، فقد أقر ﷺ صحابته على ضحكهم، والمكروه إكثاره، وهو في أهل المراتب والعلم أقبح. ٥ - حسن عشرته ﷺ . والله أعلم

стр. 5104

(٦١٧) باب رحمته ﷺ بالنساء، والرفق بهن ٥٢٥٨ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له: أنجشة يحدو، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أنجشة، رويدك، سوقا بالقوارير". ٥٢٥٩ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى على أزواجه، وسواق يسوق بهن يقال له: أنجشة. فقال: "ويحك يا أنجشة! رويدا سوقك بالقوارير" قال: قال أبو قلابة: تكلم رسول الله ﷺ بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه. ٥٢٦٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت أم سليم مع نساء النبي ﷺ ، وهن يسوق بهن سواق. فقال نبي الله ﷺ : "أي أنجشة! رويدا سوقك بالقوارير". ٥٢٦١ - عن أنس ﵁ قال: كان لرسول الله ﷺ حاد حسن الصوت. فقال له رسول الله ﷺ : "رويدا يا أنجشة! لا تكسر القوارير! يعني ضعفة النساء". ٥٢٦٢ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ . ولم يذكر: حاد حسن الصوت. -[المعنى العام]- يقول ﷺ "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" ويقول "اتقوا الله في النساء، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا". ومن مسلمات الحياة أن المرأة ضعيفة البنية، ناعمة الصوت والملمس، رقيقة الحس، مرهفة العواطف، كالزجاجة الرقيقة، بل كزجاجة المصباح، فائدتها في شفافيتها وصفائها، وفي وقايتها والحفاظ عليها، وفي صيانتها وحمايتها من أدناس البيئة وعواصف الأهواء، ولذا شبهوها بالزجاجة

стр. 5105

والقارورة، يقول ﷺ في الوصاية بها "رفقا بالقوارير" والقوارير يضرب بها المثل في سرعة الكسر، وعدم قبول الإصلاح والجبر، يقول الشاعر: ارفق بعمرو إذا حركت نسبته ... فإنه عربي من قوارير والإسلام يعتز بالمرأة، ويصونها، ويعتبر حصانتها أساس حياتها، من هنا أحاطها بسياج من وسائل الحفظ والتكريم، حتى في الجنة، وصفها القرآن الكريم بقوله ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢]، ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين* كأنهن بيض مكنون﴾ [الصافات: ٤٨ - ٤٩]، ﴿وحور عين* كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣] حرص الإسلام على راحتها إن هي أقامت، فأوجب لها على الرجل السكنى والنفقة والكسوة والمعاشرة بالمعروف وإن هي سافرت، حتى لا تسافر مسافة قصر بدون زوج أو محرم، نركب ويمشي الرجل، وعليه أن يهيئ لها في مركبها ما يريحها من هودج وفراش وثير، ومشي وئيد، بل وأن يحدو لها الحادي، ويغني لها لينعشها في سفرها، كالطفل تغني له أمه، وتحننه، وتهدهده، وها هو رسول الله ﷺ يسافر ببعض نسائه، فيهيئ لهن الركائب، ويعد لهن الهوادج، ويخصص لهن عبدا خادما، يقودهن، ويراعي مصالحهن، ويحدو لهن، ولا يكتفي ﷺ بذلك، بل يرعى بنفسه شئونهن، ويتعهد أحوالهن، فيذهب إلى رحلهن بنفسه، يطمئن عليهن، ويوصي بهن وبراحتهن، فيقول للخادم: يا أنجشة، ارفق بهن في سوقك، وارفق بهن في حدوك وغنائك، فإنهن كالقوارير، فهل رأيت حنانا ورقة وعطفا على النساء مثل هذا؟ ﷺ . -[المباحث العربية]- (كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وغلام أسود، يقال له: أنجشة، يحدو) في الرواية الثانية "أن النبي ﷺ أتى على أزواجه، وسواق يسوق بهن، يقال له: أنجشة" وفي الرواية الثالثة "كانت أم سليم مع نساء النبي ﷺ ، وهن يسوق بهن سواق" وفي الرواية الرابعة "كان لرسول الله ﷺ حاد حسن الصوت" وفي رواية البخاري "أتى النبي ﷺ على بعض نسائه" وفي رواية "وكان معهم سائق وحاد" وفي أخرى "كان أنجشة يحدو بالنساء، وكان البراء يحدو بالرجال" وفي رواية "وأنجشة غلام النبي ﷺ يسوق بهن" وفي رواية "وكان يحدو بأمهات المؤمنين ونسائهم" أي نساء المؤمنين. فمن هذه الروايات يتبين أن الرحلة كانت رحلة سفر، وفيها رجال ونساء، من غير اختلاط، فللرجال حاد، وللنساء حاد، وكان في ركب النساء بعض أزواج النبي ﷺ ، كل واحدة في هودج على بعير، وأن أنجشة كان سائق ركب النساء وحاديه، وكان غلاما أسود، حبشيا حسن الصوت، قيل: كان يكنى أبا مارية، وأنه كان ممن نفاهم النبي ﷺ من المخنثين. وأن أم سليم، أم أنس، كانت مع نساء النبي ﷺ وأن النبي ﷺ أراد أن يطمئن على ركب النساء، فأتى عليهن، والظاهر أنه أحس بركبهن ما يشغله عليهن، ففي رواية "فاشتد عليهن السياق" أي أسرع بركبهن بسبب انسجام الإبل بالحداء، وفي رواية "فإذا أعنقت الإبل" أي أسرعت.

стр. 5106

(فقال له رسول الله ﷺ : يا أنجشة. رويدك، سوقا بالقوارير) في الرواية الثانية "فقال: ويحك يا أنجشة، رويدا، سوقك بالقوارير" وفي الرواية الثالثة "أي أنجشة: رويدا، سوقك بالقوارير" وفي الرواية الرابعة "رويدا يا أنجشة، لا تكسر القوارير" يعني ضعفة النساء. وفي رواية " يا أنجش" على الترخيم، وفي رواية "ارفق" وفي رواية "رويدك ارفق" وفي رواية "كذلك سوقك" أي كفاك سوقك، وفي رواية "رويدك سوقك، ولا تكسر القوارير" والقوارير جمع قارورة، وهي الزجاجة، قيل: سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها، كنى عن النساء بالقوارير، لرقتهم وضعفهن عن الحركة، والنساء يشبهن بالقوارير في الرقة واللطافة وضعف البنية، والكناية لفظ أطلق، وأريد منه لازم معناه، فكأنه قال: رفقا بالضعيفات المحمولات على الإبل، وقيل: شبهن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا، وقلة دوامهن على الوفاء، كالقوارير، يسرع إليها الكسر ولا تقبل الجبر، والأول أولى في هذا المقام، وقيل: أراد بالقوارير الإبل، وكان في سوق أنجشة لها عنف، فأمر أن يرفق بالمطايا، وهذا أبعد من سابقه، والهدف من الأمر بالرفق أحد احتمالين أو هما معا، الأول أن الحداء دفع الإبل إلى الإسراع، أو أن سوقه العنيف دفع الإبل إلى الإسراع، مما يقلق الراكبات، ويزعزعهن، ويحول دون راحتهن، فأمر بالعمل على راحة الراكبات، والرفق بهن، والثاني أن أنجشة كان حسن الصوت، وأكثر من الحداء، وحسن صوته يحرك نفوس النساء، ويضعف عزائمهن، فخشي من سماعهن النشيد أن يقع بقلوبهن منه شيء، فأمر بالكف عن الحداء. قال عياض: وقوله "رويدا" منصوب على أنه صفة لمحذوف، دل عليه اللفظ السابق، أي سق سوقا رويدا، أو احد حدوا رويدا، أو منصوب على المصدر، أي أورد رويدا، مثل ارفق رفقا، أو على الحال، أي سر رويدا، و"رويدك" منصوب على الإغراء، أو مفعول بفعل مضمر، أي الزم رفقك، وقيل: "رويدك" إما مصدر، والكاف في محل خفض، وإما اسم فعل والكاف حرف خطاب، وقال الراغب: يقال: أورد، يورد كأمهل يمهل لفظا ومعنى، وهو من الرود بفتح الراء، وسكون الواو، وهو التردد في طلب الشيء برفق ويقال: راد، وارتاد، والرائد طالب الكلأ، ورادت المرأة، ترود إذا مشت على هنيتها، وقال الرامهرمزي: رويدا تصغير رود، وهو مصدر فعل الرائد، وهو المبعوث في طلب الشيء، ولم يستعمل في طلب المهلة، إلا مصغرا، وقال السهيلي: قوله "رويدا" أي أرفق، جاء بلفظ التصغير لأن المراد التقليل، أي ارفق قليلا. و"سوقك" منصوب على نزع الخافض، أي ارفق في سوقك، أو سقهن كسوقك، وقال القرطبي في المفهم: "سوقك" مفعول به، وفي الرواية الأولى "سوقا" وهو منصوب على الإغراء، أو على المصدر. وجاء في الرواية الثانية "ويحك يا أنجشة، رويدا سوقك بالقوارير" قال النووي: هكذا وقع في مسلم "ويحك" ووقع في غيره "ويلك" قال سيبويه "ويل" كلمة تقال لمن وقع في هلكة، و"ويح" زجر لمن أشرف على الوقوع في هلكة، وقال الفراء: ويح، وويك، وويس بمعنى، وقيل: "ويح" كلمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها، أي فيرثى له، ويترحم عليه، و"ويل" ضده، قال القاضي: قال بعض أهل اللغة" لا يراد بهذه الألفاظ حقيقة الدعاء، وإنما يراد بها المدح والتعجب، اهـ. ولا يصلح هذا القول في هذا المقام.

стр. 5107

(قال أبو قلابة: تكلم رسول الله ﷺ بكلمة، لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه) كذا ورد في الرواية الثانية، وأبو قلابة الراوي عن أنس، وأراد بالكلمة، قوله ﷺ "بالقوارير" وهي كلمة تشبه النساء بالقوارير، وقد يفهم منها الغزل والهزل، وقد تعاب على قائلها عند المتنطعين، وكان أهل العراق كذلك في زمن أبي قلابة، يميلون إلى التكلف وكثرة الجدل والمراء ومعارضة الحق بالباطل، فلو قال كبير مثلها لعابوها عليه، وقيل: مراد أبي قلابة أن هذه الكلمة غير واضحة الدلالة على المراد، لأن وجه الشبه بين القارورة والمرأة ليس جليا، فلو قالها أحد من أهل العراق، لعابها العراقيون، معترضين عليها من حيث البلاغة، وقيل: إن مراد أبي قلابة أن هذا التعبير مثل في البلاغة، ومن أرقى أساليبها التي لا يمسها أهل العراق، ولا يفهمونها، فيدفعهم جهلهم إلى عيبها، لو صدرت من أحدهم. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - جواز الحداء، والحداء شعر، يجري عليه من الأحكام ما يجري على الشعر، وقد بوب البخاري لهذا الحديث بباب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء، والشعر في الأصل اسم لما دق، واستعمل في الكلام المقفي الموزون قصدا، والرجز بفتح الراء والجيم نوع من الشعر عند الأكثر، والحداء بضم الحاء، وتخفيف الدال، يمد، ويقصر، سوق الإبل بضرب مخصوص من الغناء، ويكون في الغالب بالرجز، وقد يكون بغيره من الشعر، وقد جرت عادة الإبل أنها تسرع السير، إذا حدي بها. ونقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه، قال الحافظ ابن حجر: ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد، أقول: ومثله غناء عمال البناء وملاحي السفن الشراعية وغيرهم، وأخرج الطبري من طريق ابن جريج، قال: سألت عطاء عن الحداء والشعر والغناء؟ فقال: لا بأس به ما لم يكن فاحشا. ٢ - وفيه جواز السفر بالنساء. ٣ - واستعمال المجاز. ٤ - وفيه مباعدة النساء من الرجال، قال النووي: ومن سماع كلامهم إلا الوعظ ونحوه. ٥ - ذكر البخاري هذا الحديث تحت باب: المعاريض مندوحة عن الكذب، والمعاريض جمع معراض من التعريض بالقول، وهو خلاف التصريح، وهو التورية بالشيء عن الشيء، قال الراغب: التعريض كلام له وجهان في صدق وكذب، أو باطن وظاهر، قال الحافظ ابن حجر: والأولى أن يقال: كلام له وجهان، يطلق أحدهما ويراد لازمه، والمراد هنا قوله "رفقا بالقوارير" فإنه كنى بذلك عن النساء. والله أعلم

стр. 5108

(٦١٨) باب قربه ﷺ من الناس، وتبركهم به، وتواضعه لهم ٥٢٦٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها. فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها. ٥٢٦٤ - عن أنس ﵁ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه. وأطاف به أصحابه. فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل. ٥٢٦٥ - عن أنس ﵁، أن امرأة كان في عقلها شيء. فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجة. فقال: "يا أم فلان، انظري أي السكك شئت. حتى أقضي لك حاجتك" فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. -[المعنى العام]- كان ﷺ متواضعا، قريبا من الناس، يمشي بين أصحابه كواحد منهم، ويجلس بينهم لا يكاد يعرف عنهم، يدخل الداخل الغريب فيقول: أيكم محمد؟ يضع يده في يد رفيقه في الطريق، ويردف على ناقته هذا تارة، وهذا تارة، يأكل معهم من إناء واحد، ويشرب معهم من كوب واحد، بل كان يشرب بعد أن يشرب الناس، إذا صافح مسلما لم ينزع يده من يده حتى ينزع صاحبه، إذا طلب منه شيء أجاب، ولم يقل: لا، مهما شق عليه المطلب، لقد كان الصحابة يتبركون بالماء الذي يلامس أصابعه ﷺ ، فكانوا في الفجر يبعثون بمائهم في أوانيهم مع خدمهم إلى رسول الله ﷺ ، ليضع يده في مائهم، فما تذمر، ولا تكبر على الخدم، ولا رفض لهم مطلبهم، بل لم يتأفف، ولم يتضجر من برد الماء في شدة الشتاء. ولقد كانوا يتبركون بالاحتفاظ بشعره ﷺ ، فإذا جاءه الحلاق أسرعوا إليه، يحيطون به، يتلقفون شعره قبل أن يسقط على الأرض، ويحتفظون بما يلتقطون من شعره تبركا به في بيوتهم.

стр. 5109

والعجب أن توقفه امرأة في الطريق تسأله، فيقف دون مصاحبيه ويناديها بكنيتها، ويستمع لها، فتطلب منه أن تختلي به بعيدا عن مسامع أصحابه، لتسر إليه بمسألتها، فلا يختار المكان، بل يطلب إليها أن تختار هي المكان الذي تحبه، فيذهب معها إليه، ويقف معها طويلا، لا يمل، ولا يتضجر، وهو يعلم أن في عقلها ضعفا، ومع ذلك يظل يتكلم معها في حاجتها حتى تكتفي هي، وتنصرف راضية شاكرة، وصدق الله العظيم إذ يقول فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. -[المباحث العربية]- (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة) أي إذا صلى الفجر، وهذا الأسلوب يفيد التكرار والاستمرار والشأن والعادة والغالب. (جاء خدم المدينة بآنيتهم) في الكلام حذف مضافين، والأصل: خدم أهل المدينة، بآنية أسيادهم، والمراد من الآنية الجنس، الصادق بالجمع، فالمراد بأوانيهم، فيتقابل الجمع بالجمع، فيقتضي القسمة أحادا، فيئول المعنى إلى: جاء خدم المدينة كل واحد بإناء سيده، والمراد المجموع والكثيرون، وليس كل خادم. (فيها الماء) جملة حالية. (فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها) أعاد الضمير مؤثنا باعتبار أن الإناء والآنية شيء واحد، و"يؤتى" بضم الياء، بالبناء للمجهول، والمعنى فما يطلب منه وضع يده في إناء به ماء تبركا بيده، إلا وأجاب. (فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها) أي في الأواني، وهذه الجملة تصوير للمبالغة في الإجابة، أي حتى ولو صاحبت الإجابة مشقة شديدة، والغداة الباردة وقت الفجر والصبح في الشتاء. (وأطاف به أصحابه) يقال: طاف به، وأطاف به أصحابه، أي أحاطوا به، والجملة حال بتقدير "قد" عند من يشترطها. (فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل) أي فيسارعون إلى التقاط شعره ﷺ الذي يتساقط من الحلاق، قبل أن يصل إلى الأرض، ونفى الإرادة، ولم ينف وقوع شعرة إلى الأرض، لأن الموجود الكائن فعلا الحرص، وقد يفلت من حرصهم شعرات، تقع فيرفعونها. (أن امرأة كان في عقلها شيء) من الخفة والضعف، يقصد بذلك بيان عذرها في مطلبها من رسول الله ﷺ . (فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة) أي أريدك في خلوة، بعيدا عن الناس وعن أصحابك الذين هم معك الآن.

стр. 5110

(فقال: يا أم فلان) منطوقه ﷺ كنيتها الحقيقية، وهو ظاهر في أنه كان يعرفها جيدا. (انظري أي السكك شئت) أي اختاري مكانا في أي طريق من الطرق. (حتى أقضي لك حاجتك) أي حتى أجيبك إلى طلبك بعيدا عن سماع الناس. (فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها) معطوف على محذوف، أي فاختارت مكانا، فوافقها عليه، فخلا معها، والتعبير بـ "معها" فيه إشارة أنه لم يقصد الخلوة بها. -[فقه الحديث]- قال النووي في هذه الأحاديث ١ - بيان بروزه ﷺ للناس، وقربه منهم، ليصل إليه أهل الحقوق، ويرشد مسترشدهم، وليشاهدوا أفعاله وحركاته، فيقتدى بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور. ٢ - وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين، وإجابته من سأله حاجة، أو تبريكا بمس يده، وإدخالها في الماء. ٣ - وفيه التبرك بآثار الصالحين. ٤ - وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره ﷺ . ٥ - وتبركهم بإدخال يده الكريمة في أوانيهم. ٦ - وتبركهم بشعره الكريم. ٧ - وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا في يد رجل منهم. ٨ - وبيان تواضعه ﷺ ، بوقوفه مع المرأة الضعيفة، ليقضي لها حاجتها، قال: ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها كانت مما لا تظهرها الناس. هذا، ومن التبرك بآثاره حديث أبي أيوب الأنصاري (رقم/ ٢١) في باب أكل التمر والثوم. ومن التبرك بشعره ﷺ حديث حلقه ﷺ في الحج وتوزيع شعره على الصحابة وقد سبق في كتاب الحج. والله أعلم

стр. 5111

(٦١٩) باب مباعدته ﷺ للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله تعالى عند انتهاك حرماته . ٥٢٦٦ - عن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما. فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله . ٥٢٦٧ - عن عائشة ﵂ قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين، أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. ٥٢٦٨ - عن هشام بهذا الإسناد، إلى قوله: أيسرهما. ولم يذكرا ما بعده. ٥٢٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده. ولا امرأة ولا خادما. إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله . -[المعنى العام]- نعم، دين الإسلام يسر، قال تعالى ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] ويقول ﷺ "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" وقال لمعاذ ﵁ لما أطال القراءة في الصلاة، وهو إمام: قال له: أفتان أنت يا معاذ؟ من أم الناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة،

стр. 5112

ولما أراد جماعة التشديد على أنفسهم في العبادة وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم الدهر أبدا، وقال الثالث: وأما أنا فسأتبتل، وأعتزل النساء غضب ﷺ ، وخطب في الناس، وقال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. ومن هذا المنطلق كان ﷺ في عباداته ومعاملاته يميل إلى اليسر، ويتباعد عن العسر، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن هذا الأيسر إثما، أو يؤدي إلى الإثم، فإن كان إثما أو يؤدي إلى الإثم بعد عنه، بل كان أبعد الناس عنه، وعمل بغير اليسر مهما كان صعبا وشاقا. وكان ﷺ من باب التخفيف على الأمة، والتسامح معها- يعفو عمن ظلمه، ولا ينتقم ممن أذاه حين القدرة عليه، ولقد قال لأهل مكة بعد أن فتحها ونصره الله عليهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فما انتقم لنفسه ﷺ ممن آذاه، وما ضرب بيده الكريمة امرأة ولا خادما قط، وما آذى إلا لله، وإلا ما انتهكت حرمات الله، ﷺ . -[المباحث العربية]- (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين) "خير" بضم الخاء وكسر الياء المشددة، مبني للمجهول، وأبهم الفاعل، ليعم ما كان من قبل الله، وما كان من قبل المخلوقين، والأمران إما أن يكونا من أمور الدنيا، وإما أن يكونا من أمور الآخرة، وإما أن يكون أحدهما من أمور الدنيا، والثاني من أمور الآخرة. (إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما) أي ما لم يكن الأيسر إثما. (فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) أي فإن كان الأيسر إثما تركه وبعد عنه، وأخذ الأصعب الذي لا إثم فيه، وعند الطبراني في الأوسط "إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط". قال العلماء: وقوع التمييز بين ما فيه إثم، وبين ما لا إثم فيه من العباد واضح وواقع كثيرا، وخصوصا إذا وقع من الكفار، كما وقع في الحديبية، بين أن يرجع من عام، ثم يعود العام القابل معتمرا، وبين القتال، فاختار الأول، وبين أن يمحو من الوثيقة كلمة "رسول الله" وبين أن يرفض الصلح، فاختار الأول. أما وقوع التمييز من الله فلا يكون بين ما فيه إثم، وما لا إثم فيه، وإنما يكون التمييز منه تعالى بين جائزين، ويصير المعنى ما خيره الله بين أمرين جائزين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فالمستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فالاستثناء منقطع، ومثل له بعضهم بالفطر للصائم المسافر، وصلاة الفرض قاعدا للعاجز الذي يشق عليه القيام، وبول الأعرابي في المسجد، صب ذنوب

стр. 5113

من ماء، أو إزالة التراب المتنجس، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم، أمكن أن يخير الشارع بين ما لا يفضي إلى الإثم وبين ما يفضي إلى الإثم غالبا، ومثلوا له بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض، وما يخشى من الاشتغال به عن العبادة مثلا، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف، فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي، لا يراد منه معنى الخطيئة، لثبوت العصمة له ﷺ ، بل هو من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ويكون المراد ما لم يكن إثما أو يخشى منه أن يفضي إلى خلاف الأولى، فيختار الأشق حينئذ، ويترك الأيسر، والاستثناء على هذا متصل، فالمستثنى من جنس المستثنى منه. وقال ابن التين: المراد التمييز بين أمرين من أمور الدنيا، وأما أمر الآخرة، فكلما صعب كان أكثر ثوابا، كذا قال، وفيه نظر، فإنه ﷺ كان يصوم ويفطر ويصلي ويرقد، ويتزوج النساء. (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه) في بعض الروايات "ما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه" و"نيل" بكسر النون، مبني للمجهول، أي ما أصيب بأذى من قول أو فعل، وقد استشكل عليه أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل، وغيرهما ممن كان يؤذيه، ولتفادي هذا الإشكال وضع بعضهم قيدا، فقال: وما انتقم لنفسه خاصة، أما هؤلاء فقد كانوا ينتهكون محارم الله مع إيذائه، أو أن إيذاءه كان من حيث هو رسول الله، فهو انتهاك لمحارم الله، لذا لم ينتقم لنفسه من الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، ولا من الذي جذبه بردائه، حتى أثر في كتفه. وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه، قال: واقتص ممن لده في مرضه، بعد نهيه عن ذلك، حيث أمر بلدهم، مع أنهم كانوا في ذلك متأولين، بأنه إنما نهاهم بسبب كراهة النفس للدواء، بحكم العادة البشرية. كذا قال: وفيه نظر. -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على ترك الأخذ بالعسير من الأمور. ٢ - والاقتناع باليسير. ٣ - وترك الإلحاح فيما لا يضطر إليه. ٤ - والندب إلى الأخذ بالرخص، ما لم يظهر الخطأ. ٥ - والحث على العفو، إلا في حقوق الله تعالى. ٦ - والندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الحافظ ابن حجر: ومحل ذلك ما لم يفض إلى ما هو أشد منه.

стр. 5114

٧ - وفيه ترك الحكم للنفس، وإن كان الحاكم متمكنا من ذلك، بحيث يؤمن منه الحيف على المحكوم عليه، لكن لحسم المادة. ٨ - وفيه الحث على الحلم واحتمال الأذى. ٩ - والانتصار لدين الله تعالى ممن فعل محرما أو نحوه. ١٠ - ومن الرواية الثالثة أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحا للأدب، فتركه أفضل. والله أعلم

стр. 5115

(٦٢٠) باب طيب رائحته ﷺ ، ولين مسه وطيب عرقه، والتبرك به ٥٢٧٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى. ثم خرج إلى أهله وخرجت معه. فاستقبله ولدان. فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار. ٥٢٧١ - عن أنس ﵁ قال: ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ . ولا مسست شيئا قط ديباجا ولا حريرا ألين مسا من رسول الله ﷺ . ٥٢٧٢ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون. كأن عرقه اللؤلؤ. إذا مشى، تكفأ. ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ . ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ . ٥٢٧٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل علينا النبي ﷺ فقال عندنا. فعرق وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها. فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "يا أم سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ " قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب. ٥٢٧٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم، فينام على فراشها، وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم، فنام على فراشها، فأتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك، على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم، على الفراش. ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها. ففزع النبي ﷺ : "فقال ما تصنعين يا أم سليم؟ " فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا. قال: "أصبت".
следующие страницы →