← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

والزبير، لانشغال الآخرين بالحركة ومتابعة الكافرين، وأحيانا ترى العدد الكبير الذي عاد حول قيادته بعد الفرار. لكن الزبير بن العوام امتاز بميزة أخرى يوم الأحزاب، وكان يهود بني قريظة قد نقضوا العهد وتعاونوا مع الأحزاب وطلب الرسول ﷺ من صحابته أن يتطوع أحدهم بالدخول في بني قريظة يتحسس أخبارهم وتحركاتهم، قال: من يأتيني بخبر القوم وله الجنة؟ فسكتوا خوفا من غدر اليهود والوقت وقت حرب فقال الفارس الشجاع الزبير بن العوام: أنا يا رسول الله وأعاد الرسول ﷺ الطلب: من يأتيني بخبر القوم وله الجنة؟ فسكتوا إلا الزبير فقال: أنا يا رسول الله. وأعاد الرسول ﷺ الطلب ثالثا فلم يجب إلا الزبير قال: أنا يا رسول الله. قال له ﷺ : توكل على الله، فداك أبي وأمي، وأخذ الفارس الشجاع يتجول بين المسلمين وبين بني قريظة يتظاهر بالحراسة وهو يتجسس للمسلمين ويتحسس تحركات اليهود ويأتي رسول الله ﷺ بأخبارهم، حينئذ قال ﷺ "لكل نبي حواري" أي ناصر ومخلص "وحواري الزبير". -[المباحث العربية]- (لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام، التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد) أي طلحة بن عبيد الله وستأتي قصته وسعد بن أبي وقاص وقد سقت قصته في الباب السابق والمراد ببعض تلك الأيام هنا يوم أحد وهو يوم من أيام القتال مع الكفار، أي غزوة من الغزوات. (عن حديثهما) هذا قول أبي عثمان يعني به أن طلحة وسعدا هما اللذان حدثاه بذلك وهو تابعي لم يشهد الواقعة فمن أين له علم ذلك؟ يوضح ذلك ما عند أبي نعيم في المستخرج في هذا الحديث "قال سليمان (الراوي عن أبي عثمان) فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما". (ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق) أي دعاهم للجهاد، وحرضهم عليه. (فانتدب الزبير) أي أجاب الزبير، فالزبير فاعل، يقال: ندبته فانتدب، أي دعوته فأجاب. (ثم ندبهم فانتدب الزبير) أي طلب منهم، فأجاب الزبير، وتشرح رواية البخاري الواقعة فتقول: عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال إن لكل نبي حواريا وإن حواريي الزبير" وكان بنو قريظة قد نقضوا العهد، وأيدوا الأحزاب فأراد ﷺ أن يعلم أخبارهم وتحركاتهم فطلب من الصحابة من يقوم بهذه المهمة فخاف الصحابة من غدر اليهود، فسكتوا وأجاب الزبير وقام بفرسه يجوب المنطقة ويدرس التحركات فيها، وتحكي الرواية الثالثة هذه الطليعة. (لكل نبي حواري، وحواري الزبير) "لكل نبي حواري" بفتح الحاء والواو وكسر

стр. 5287

الراء وضم الياء مشددة. و"حواري الزبير" قال القاضي: اختلف في ضبطه، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء مشددة كمصرخي وضبطه أكثرهم بكسرها أي مشددة وعن الضحاك: الحواري هو الغسال، وعن قتادة: الذي يصلح للخلافة وقيل: هو الوزير وقيل: هو الناصر وقيل: هو الخالص، وقيل: هو الخليل. (كنت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة) في ملحق الرواية "يعني نسوة النبي ﷺ ". (في أطم حسان) الأطم بضم الهمزة والطاء الحصن وجمعه آطام كعنق وأعناق قال القاضي: ويقال في الجمع أيضا إطما بكسر الهمزة "وكان عبد الله بن الزبير وعمر بن أبي سلمة صبيين صغيرين حول الرابعة. (فكان يطئ لي مرة، فأنظر، وأطأطئ له مرة فينظر) أي فكان باب الحصن ضيقا، لئلا يرى من بداخله وفتحته للطريق منخفضة وكان الصبيان على بابه، بحيث لا يرى أحدهما المار بالطريق إلا إذا طأطأ الآخر ظهره وخفض رأسه. (فكنت أعرف أبي إذا مر على فرسه في السلاح إلى بني قريظة) يعرفه بفرسه ولباسه وسلاحه، حيث يكون ملثما في هذه الحالة وفي رواية للبخاري "فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه، يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا". (قال: فذكرت ذلك لأبي، فقال: ورأيتني يا بني؟ ) في رواية البخاري "فلما رجعت قلت: يا أبت. رأيتك تختلف. قال: أو هل رأيتني يا بني؟ " (كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة) هذا التواجد غير تواجده عليه ﷺ مع أبي بكر وعمر وعثمان. قال النووي: وقع في معظم النسخ بتقديم علي على عثمان وفي بعضها تقديم عثمان على علي، كما في الرواية الخامسة، وترتيبها باتفاق النسخ. (اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد) "اهدأ" بهمز آخره أي اسكن وفي الرواية الخامسة "اسكن حراء" وفيها ذكر سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو ليس صديقا ولا شهيدا، وأجاب القاضي بقوله: إنما سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة. (أبواك - والله - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) في ملحق الرواية "تعني أبا بكر والزبير" لأن أم عروة أسماء بنت أبي بكر فأطلقت على الجد أبا، ويحتمل أنه من قبيل التغليب، كقولهم القمران للشمس والقمر والآية (١٧٢) من سورة آل عمران وقبلها ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٢].

стр. 5288

-[فقه الحديث]- طلحة بن عبيد الله بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يكنى أبا محمد ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض، من المهاجرين الأولين بعثه رسول الله ﷺ وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار، قبيل بدر، فلم يشهدا بدرا، وجاءا عقبها فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: وأجرك، وشهد أحدا والمشاهد بعدها وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، وقى رسول الله ﷺ بنفسه واتقى النبل عنه بيده حتى قطعت إصبعه، وكان يقول له لا تظهر يا رسول الله، تصبك سهامهم، صدري دون صدرك، ونحري دون نحرك ولما نهض رسول الله ﷺ ليستقل صخرة ولم يستطع حمله طلحة على ظهره حتى استقلها وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة الذين جعل عمر الخلافة فيهم قيل: إنه بايع عليا بعد عثمان، ثم خرج عليه ليحاربه مع عائشة في موقعة الجمل، لكنه اعتزل المعركة هو والزبير عند الصفوف فرماه مروان بن الحكم بسهم وكان في حزبه فقتله وفيما زعموا أنه كان ممن حاصر عثمان. وقتل طلحة ﵀ وهو ابن ستين سنة، سنة ست وثلاثين ويقال: إن طلحة تزوج أربع نسوة عند النبي ﷺ أخت كل منهن، أم كلثوم بنت أبي بكر، أخت عائشة وحمنة بنت جحش أخت زينب، والفارعة بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة ورقية بنت أبي أمية أخت أم سلمة وكان بكفاحه غنيا، قال عنه سفيان بن عيينة: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألف دينار كل يوم ﵁ وأرضاه. أما الزبير بن العوام بن خولد بن أسد بن عبد العزى بني قصي بن كلاب القرشي أبو عبد الله فهو حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى. أسلم وله اثنتا عشرة سنة وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد وكان في جيش عائشة يوم الجمل، فالتقى به علي فذكره فانصرف فلقيه ابن حرموز فقتله غدرا، سنة ست وثلاثين وله سبع وستون سنة، بمكان يقال له: وادي السباع. وقد أوضح البخاري ثروة الزبير في حديث طويل، تحت باب بركة الغازي في ماله، حيا وميتا، مع النبي ﷺ حيا وميتا قال عبد الله بن الزبير "فقتل الزبير ﵁ ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه على أنه سلف مأذون له في التصرف فيه، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قسم باقي التركة على الورثة وأنفذ وصيته، وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف.

стр. 5289

ولوضوح الرؤية، وأن هذه الثروة الهائلة كانت نتيجة سعي وكفاح لبناء الحياة الدنيا متوازنة مع السعي والكفاح الأخروي نسوق حديث البخاري عن زوجته أسماء بنت أبي بكر ﵄ وكانت قد تزوجها بمكة وهاجرت إلى المدنية وهي حامل بابنها عبد الله قالت: "تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء، غير ناضح" أي جمل لسقي الماء "وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه" أي دلوه "وأعجن وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ قال: حتى أرسل لي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني". (فائدة) جمع النووي في تبويب شرحه لصحيح مسلم بين طلحة والزبير ﵄ تحت باب واحد، وتبعناه في ذلك ولعله لاحظ ما جاء من أن النبي ﷺ لما آخى بين أصحابه بمكة قبل الهجرة آخى بين طلحة والزبير ولعله لاحظ اشتراكهما في كثير من الفضائل فكل منهما أحد العشرة وأحد الستة، وأحد السابقين وأحد أصحاب الدور البارز في الجهاد، وفي الدفاع عن رسول الله ﷺ ، بل وفي دورهما مع عثمان ومع علي، وفي طريقة وأسباب مقتلهما ﵄ وكان من المقبول ضم طلحة إلى سعد بن أبي وقاص، لجمعهما في الرواية الأولى، كما كان من المقبول تخصيص باب لكل منهما. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - فضيلة طلحة لدوره في غزوة أحد. ٢ - فضيلة الزبير لدوره في غزوة الخندق. ٣ - من الرواية الثالثة قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لحصول ضبط الصبي وتمييزه، وهو ابن أربع سنين فإن ابن الزبير ولد عام الهجرة في المدينة وكان الخندق سنة أربع من الهجرة على الصحيح فيكون له وقت ضبطه لهذه القضية دون أربع سنين وفي هذا رد على ما قاله جمهور المحدثين أنه لا يصح سماع الصبي حتى يبلغ خمس سنين، والصواب صحته، متى حصل التمييز، وإن كان ابن أربع أو دونها. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: المقصود أن البلوغ ليس شرطا في التحمل وقال يحيى بن معين: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة فبلغ ذلك أحمد فقال: بل إذ عقل ما يسمع وهذا هو المعتمد فالتحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكفار. ٤ - وفي ضبط ابن الزبير وجودته لهذه القضية مفصلة، في هذا السن منقبة لابن الزبير. ٥ - وفي الرواية الرابعة إثبات التمييز في الجماد. ٦ - وجواز التزكية والثناء على الإنسان في وجهه، إذا لم يخف عليه فتنة، بإعجاب ونحوه. ٧ - وفي الرواية السادسة جواز التعبير عن الجد بالأب. والله أعلم

стр. 5290

(٦٣٨) باب من فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ٥٤٤١ - عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن لكل أمة أمينا. وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح". ٥٤٤٢ - عن أنس ﵁ أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ . فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة". ٥٤٤٣ - عن حذيفة ﵁ قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلا أمينا. فقال: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين. حق أمين" قال فاستشرف لها الناس. قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح. -[المعنى العام]- أبو عبيدة بن الجراح أحد السابقين الأولين الذين حظوا بحب الرسول ﷺ ولهم دور بارز في قيادات الحروب والفتوح. له مساجلة في القضاء والقدر مع عمر بن الخطاب ﵄ ذكرناها في باب الطاعون. ﵁ وأرضاه. -[المباحث العربية]- (إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح) "أيتها الأمة" صورته صورة النداء، لكن المراد فيه الاختصاص، أي أمتنا مخصوصون من بين الأمم، وعلى هذا فهو بالنصب على الاختصاص، ويجوز الرفع، والأمين هو الثقة الرضي وهذه الصفة، وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدا في ذلك وقد خص النبي ﷺ كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك وقد

стр. 5291

أورد الترمذي، وابن حبان "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم كتاب الله أبي وأفرضهم زيد وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أمينا ... " الحديث. (أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ في الرواية الثالثة "جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ "قال الحافظ ابن حجر: أهل نجران هم أهل بلد قريب من اليمن وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد، ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبي ﷺ في سنة تسع، وفي الرواية الثانية "إن أهل اليمن قدموا على النبي ﷺ فقالوا" قال الحافظ: فإن كان الراوي تجوز عن أهل نجران، بقوله "أهل اليمن" لقرب نجران من اليمن فذاك وإلا فهما واقعتان والأول أرجح. اهـ. (لأبعثن إليكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين) التكرير للتأكيد، و"حق أمين" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي أمين أمانة حقة، أي كاملة. (فاستشرف لها الناس) أي من حضر من الصحابة، ففي رواية "فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ "أي تطلعوا للولاية ورغبوا فيها، حرصا على تحصيل صفة الأمين الحق، لا حرصا على الولاية من حيث هي. (فبعث أبا عبيدة بن الجراح) في الرواية الثانية "فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة". -[فقه الحديث]- (أبو عبيدة) عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، القرشي، مشهور بكنيته وبالنسبة إلى جده وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيد بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة، قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهو أحد العشرة السابقين إلى الإسلام وهاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها ويقال: إنه هو الذي قتل أباه كافرا يوم بدر فقد أخرج الطبري "جعل والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه فلما أكثر قصده فقتله" فتح كثيرا من بلاد الشام وتولى جندا من أجنادها ومات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، عن عمر يناهز ثمانيا وخمسين سنة. والله أعلم.

стр. 5292

(٦٣٩) باب من فضائل الحسن والحسين ﵄ ٥٤٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لحسن: "اللهم إني أحبه. فأحبه وأحبب من يحبه". ٥٤٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار. لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف. حتى أتى خباء فاطمة فقال: "أثم لكع؟ أثم لكع؟ " يعني حسنا فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا. فلم يلبث أن جاء يسعى. حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أحبه. فأحبه وأحبب من يحبه. ٥٤٤٦ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي ﷺ وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه". ٥٤٤٧ - عن البراء ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ واضعا الحسن بن علي على عاتقه وهو يقول: "اللهم إني أحبه. فأحبه". ٥٤٤٨ - عن إياس، عن أبيه قال: لقد قدت بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء. حتى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قدامه وهذا خلفه. ٥٤٤٩ - عن عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها. ثم جاء علي فأدخله. ثم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾

стр. 5293

-[المعنى العام]- الحسن والحسين عاشا حياة الطفولة بين يدي ألطف الناس وأرحم الناس بالناس كان إذا سجد في صلاته ﷺ وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أراد الصحابة أن يمنعوهما أشار إليهم: أن دعوهما فإذا قضى صلاته وضعهما في حجره فقال: من أحبني فليحب هذين. عاش الحسن بالمدينة حتى دعاه معاوية بعد أن قتل علي ﵁ وكان الحسن يكره القتال فتنازل لمعاوية وبايعه وأعطاه معاوية من المال أربعمائة ألف وأجرى عليه كل عام ألف ألف درهم وأعطاه عهدا، إن حدث لمعاوية حدث والحسن حي ليجعلن هذا الأمر إليه فجمع الحسن رءوس أهل العراق في قصر المدائن فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا فكانوا يقولون: يا عار أمير المؤمنين فيقول: العار خير من النار وأقنع أخاه الحسين بذلك وعادا إلى المدينة وعاشا فيها عاش الحسن بعد ذلك نحو عشر سنين، ثم مات مسموما سنة خمسين على المشهور. أما الحسين فقد استمر في المدينة مع أخيه حتى مات معاوية فخرج إلى مكة فأتته كتب أهل العراق أن بايعوه فتوجه إليهم وكان يزيد بن معاوية قد عين عبيد الله بن زياد على الكوفة والبصرة فقتل بالشبهة، وذبح بالظنة وأرهب أهل العراق والحسين لا يعلم ذلك حتى كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال وكان عبيد الله قد جهز الجيش لملاقاته، على رأسه عمر بن سعد بن أبي وقاص، فالتقيا عند كربلاء، فقتل الحسين وأصحابه وفيهم سبعة عشر شابا من أهل بيته وأتى برأس الحسين إلى عبيد الله، فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى يزيد بن معاوية ومنهم علي بن الحسين فأدخلهم على عياله ثم جهزهم إلى المدينة. -[المباحث العربية]- (أنه قال لحسن: اللهم إني أحبه) اللام بمعنى "عن" أي قال عن حسن (فأحبه وأحبب من يحبه) وفي الرواية الثالثة والرابعة "فأحبه" وليس فيهما "وأحبب من يحبه". (وفي طائفة من النهار) طائفة الشيء جزؤه والمراد في ساعة من نهار، وفي رواية "صائفة" بالصاد أي في حر النهار. (حتى جاء سوق بني قينقاع) السوق اسم لكل مكان يقع فيه التبايع بين من يتعاطى البيع والشراء، و"قينقاع" بفتح القاف وسكون الياء وضم النون وضبط بكسرها وحكي فتحها اسم لقبيلة من اليهود نسب إليها السوق فإذا أريد القبيلة منع من الصرف للعلمية والتأنيث وإذا أريد الحي صرف وهو أحد أسواق المدينة المشهورة والظاهر أنه كان في طريقه إلى بيت فاطمة فمر به ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

стр. 5294

(ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة) في رواية البخاري "حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة" قال الراوي سقط في رواية البخاري بعض الحديث، لأن بيت فاطمة ليس في سوق بني قينقاع، فرواية مسلم تثبت ما سقط والفناء بكسر الفاء بعدها نون ممدودة، الموضع المتسع أمام البيت وفي مسلم "خباء فاطمة" بالخاء المكسورة بعدها باء والمراد به بيتها. (فقال: أثم لكع؟ أثم لكع؟ يعني حسنا) الهمزة للاستفهام و"ثم" بفتح الثاء وتشديد الميم بمعنى "هنا" واللكع بضم اللام وفتح الكاف يراد به الصغير يقال: لكع فلان بفتح اللام والكاف يلكع بفتح الكاف لكعا، بسكونها، أي أكل وشرب، ولكع الصبي إذا نهز في الرضاع ويقال: لكع بكسر الكاف يلكع بفتحها، ولكع يلكع بضم الكاف فيهما لكعا بفتحها ولكاعة إذا لؤم وحمق فهو ألكع، وهي لكعاء، ويقال في سب المرأة بالحمق لكع، بضم اللام وفتح الكاف، فقوله "لكع" في الحديث إن كان من فتح الكاف فهو الصغير وإن كان من كسرها أو ضمها فالمراد منه المداعبة والتلميح بهذا الوصف، غير المراد حقيقته. (فظننا أنه إنما تحبسه أمه، لأن تغسله وتلبسه سخابا) الفاء عاطفة على محذوف، أي فتأخر الجواب أو فتأخر مجيئه، فظننا أن أمه تؤخره، لتنظيفه، وإلباسه ما يجمله وتغسله بضم التاء وفتح الغين وكسر السين من غسل المشدد "وتلبسه" بضم التاء من ألبس، والسخاب بكسر السين وبالخاء مفرد سخب بضمتين قال النووي: والسخاب قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب، يعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيان والجواري، وقيل: هو خيط فيه خرز، سمي بذلك لصوت خرزه عند حركته، من السخب، بفتح السين والخاء ويقال: صخب بالصاد وهو اختلاط الأصوات. (فلم يلبث أن جاء يسعى) أي فلم يمكث مجيئه ولم يتأخر بل جاء يجري نحو جده. (حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه) تعلق الحسن برقبة جده واحتضنه جده، وفي رواية البخاري "فجاء يشتد حتى عانقه وقبله" وفي رواية "فقال النبي ﷺ بيده هكذا - أي مدها، والمراد يديه- فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه". (رأيت رسول الله ﷺ واضعا الحسن بن علي على عاتقه) العاتق ما بين المنكب والعنق. (لقد قدت بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء) يقال: قاد البغلة يقودها، إذا أمسك بلجامها وسار بها والشهباء ما خالط بياض شعرها سواد، وهذه البغلة هي التي أهداها له المقوقس وكانت له ﷺ بغلة بيضاء أهداها له صاحب أيلة. (خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) الغداة أول النهار والمرط بكسر الميم، وسكون الراء كساء وجمعه مروط والمرحل بضم الميم وفتح الراء وتشديد الحاء المفتوحة الموشى المنقوش عليه صور رحال الإبل ووقع لبعض رواة كتاب مسلم "مرجل" بالجيم، أي المنقوش عليه صور المراجل وهي القدور.

стр. 5295

(فجاء الحسن بن علي، فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي، فأدخله) وإنما دخل الحسين بنفسه دون إدخال لصغره وتغايرا من أخيه وإدلالا على جده بخلاف غيره. (ثم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾) "الرجس" في الأصل الشيء القذر، وأريد به هنا الذنب مجازا وقيل: الإثم، وقيل: الفسق وقيل: الشرك وقيل: الشيطان وقيل: الشك، وقيل: البخل والطمع وقيل الأهواء والبدع وقيل: ما يعم كل ذلك والمعنى: إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس ويصونكم من المعاصي صونا بليغا، فيما أمر ونهى، ونصب "أهل البيت" على النداء، و"أل" في "البيت" للعهد أي بيت النبي ﷺ ، وجمهور المفسرين على أن المراد من "أهل البيت" أزواجه المطهرات وتوحيد البيت لأن بيوتهن باعتبار إضافتها إلى النبي ﷺ بيت واحد وباعتبار إضافتها إليهن متعددات، كما في قوله تعالى ﴿وقرن في بيوتكن﴾ وأورد ضمير جمع المذكر "عنكم ... ويطهركم" رعاية للفظ الأهل، والعرب كثيرا ما يستعملون صيغ المذكر في مثل ذلك، فقد قال موسى لامرأته ﴿امكثوا إني ءانست نارا﴾ [طه: ١٠، القصص: ٢٩] والتذكير أدخل في التعظيم وسابق الآية ولاحقها يؤيد ذلك. وقيل: المراد من البيت بيت النسب، وقيل: المراد بهم جميع بني هاشم ذكورهم وإناثهم أي المؤمنون من بني هاشم عند الحنفية وبنو المطلب عند الشافعية وفي المسألة كلام كثير. -[فقه الحديث]- ولد الحسن في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة على المشهور ومات مسموما، ودفن بالبقيع سنة خمسين. أما الحسين فولد في شعبان سنة أربع من الهجرة على الصحيح وقتل بكربلاء يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقد أخرج البخاري بالإضافة إلى بعض أحاديث الباب - عن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر - والحسن إلى جنبه - ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين". وعن أنس بن مالك ﵁ أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي فجعل في طست فجعل ينكت - في رواية "بقضيب له في أنفه" وفي رواية في عينه وأنفه" - وقال في حسنه شيئا فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ وفي رواية للطبراني "فقلت: ارفع قضيبك فقد رأيت فم رسول الله ﷺ في موضعه" وعن عقبة بن الحارث قال: "رأيت أبا بكر ﵁ وحمل الحسن وهو يقول: بأبي. شبيه بالنبي، ليس بعلي، وعلي يضحك". وعن أنس "لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي".

стр. 5296

وعن عبد الله بن عمر - وسأله سائل عن المحرم يقتل الذباب - فقال: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ وقال النبي ﷺ : "هما ريحانتاي من الدنيا". وعند الترمذي من حديث أنس "أن النبي ﷺ كان يدعو الحسن والحسين، فيشمهما ويضمهما إليه". وعند الطبراني عن أبي أيوب "دخلت على رسول الله ﷺ والحسن والحسين يلعبان بين يديه فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: وكيف لا؟ وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما" -[ويؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - من الرواية الثانية جواز إلباس الصبيان القلائد والسخب ونحوها من الزينة، قاله النووي ٢ - واستحباب تنظيفهم، لا سيما عند لقائهم أهل الفضل واستحباب النظافة مطلقا ٣ - استحباب ملاطفة الصبي ومداعبته رحمة له ولطفا. ٤ - استحباب التواضع مع الأطفال وغيرهم. ٥ - أن مماسة الأطفال وأن رطوبات وجههم ونحوها طاهرة حتى تتحقق نجاستها قال النووي: ولم ينقل عن السلف التحفظ منها، ولا يخلون منها غالبا. ٦ - ومن الرواية الخامسة جواز ركوب ثلاثة على دابة واحدة إذا كانت مطيقة قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة وحكى القاضي عن بعضهم منع ذلك مطلقا وهو فاسد. والله أعلم.

стр. 5297

(٦٤٠) باب من فضائل زيد بن حارثة، وابنه أسامة، ﵄ ٥٤٥٠ - عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد. حتى نزل في القرآن ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ قال الشيخ أبو أحمد محمد بن عيسى: أخبرنا أبو العباس السراج ومحمد بن عبد الله بن يوسف الدويري. قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد بهذا الحديث حدثني أحمد بن سعيد الدارمي حدثنا حبان حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة حدثني سالم عن عبد الله بمثله. ٥٤٥١ - عن ابن عمر ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا. وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمرته فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل. وايم الله! إن كان لخليقا للإمرة. وإن كان لمن أحب الناس إلي. وإن هذا لمن أحب الناس إلي، بعده". ٥٤٥٢ - عن سالم عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر: "إن تطعنوا في إمارته - يريد أسامة بن زيد - فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله. وايم الله! إن كان لخليقا لها. وايم الله! إن كان لأحب الناس إلي وايم الله! إن هذا لها لخليق - يريد أسامة بن زيد - وايم الله! إن كان لأحبهم إلي، من بعده. فأوصيكم به فإنه من صالحيكم". -[المعنى العام]- كان رسول الله ﷺ يحب في الله ويبغض في الله وهكذا شريعة الإسلام تجعل صلة الدين أقوى من قرابة النسب قانونها قوله تعالى ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ [المجادلة: ٢٢] ومن هنا أحب رسول الله ﷺ زيد بن حارثة أعتقه ثم تبناه ثم زوجه حاضنته أم أيمن ثم زوجه ابنة عمته زينب بنت جحش، ثم أمره على جيوش، من جنودها أبو بكر وعمر وما بعثه في بعث إلا أمره عليهم فكان حقا عند حسن ظن رسول الله ﷺ به وكان حقا جديرا بالإمارة وكيف لا؟ وهو تربية محمد بن عبد الله؟ .

стр. 5298

كان آخر عهده بإمرة الجهاد غزوة مؤتة من أرض الشام في جمادى سنة ثمان من الهجرة وفيها أمره رسول الله ﷺ على الجيش، وقال: إن قتل زيد فالإمارة لجعفر بن أبي طالب وإن قتل جعفر تولى الإمارة عبد الله بن أبي رواحة فقتل زيد هناك شهيدا. وقد اشتهر زيد بحب - أي حبيب - رسول الله ﷺ كما اشتهر ابنه أسامة بالحب ابن الحب أي الحبيب ابن الحبيب لدرجة أن بني مخزوم لما أرادوا أن يوسطوا في قضية سرقة امرأتهم لم يجدوا في الصحابة من يجرؤ أن يكون وسيطا له من الإدلال ما ليس لغيره مثل أسامة فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة أبوه حب رسول الله ﷺ وأمه حاضنة رسول الله ﷺ وكان ﷺ يقول: "هي أمي بعد أمي" وكان يجلسه على فخذه، حتى بعد أن كبر ﵁ وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (بعث النبي ﷺ بعثا، وأمر عليهم أسامة بن زيد) هذا هو البعث الذي أمر النبي ﷺ بتجهيزه في مرض وفاته وقال في وصيته "أنفذوا بعث أسامة" فأنفذه أبو بكر بعده. (فطعن الناس في إمرته) على أنه صغير إذ كان لا يتجاوز الثامنة عشرة. (فقال: إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل) قيل: طعن يطعن بفتح العين إذا كان في العرض والنسب وبضم العين فيهما إذا كان بالرمح واليد وقيل: هما لغتان فيهما ويشير بذلك إلى طعنهم في إمارة زيد بن حارثة وقد جمع له الحافظ ابن حجر سبع غزوات كان أميرا فيها وأولها في جمادى الآخرة سنة خمس قبل نجد في مائة راكب والثانية في ربيع الآخر سنة ست، إلى بني سليم والثالثة في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين فتلقى عيرا لقريش وأسروا أبا العاص بن الربيع والرابعة في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة والخامسة إلى حسمى - بضم الحاء وسكون السين آخره ألف مقصور - في خمسمائة إلى أناس من بني خدام، بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل والسادسة إلى وادي القرى والسابعة إلى ناس من بني فزارة. (وايم الله! إن كان لخليقا للإمرة) أي ويمين الله قسمي، إن الحال والشأن كان زيد خليقا وجديرا بالإمرة. "إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الحال، والشأن محذوف والجملة بعدها خبرها. (وإن كان لمن أحب الناس إلي) أي وإن الحال والشأن كان زيد من أحب الناس إلي. (وإن هذا لمن أحب الناس إلي) يشير إلى أسامة بن زيد وفي الرواية الثالثة "وايم الله! إن هذا" أي أسامة "لها لخليق" وايم الله! إن كان (أسامة) لأحبهم إلي من بعده" أي من بعد أبيه زيد فأوصيكم به" أي بأسامة "فإنه من صالحيكم".

стр. 5299

-[فقه الحديث]- زيد بن حارثة بن شرحبيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس حب رسول الله ﷺ وأمه سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر، من بني معن بن طيء، زارت قومها، وزيد معها، فأغارت خيل لبني القيس بن جسر في الجاهلية على أبيات من بني معن فاحتملوا زيدا وهو غلام فأتوا به إلى سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له فحج ناس من قومه فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فأبلغوا أهله فخرج أبوه حارثة وأخوه كعب بفدائه فقدما مكة ودخلا على رسول الله ﷺ فقالا: يا بن عبد المطلب يا بن سيد قومه أنتم أهل حرم الله تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ولدنا، عبدك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه قال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة فقال: أوغير ذلك. ادعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم من غير فداء، وإن اختارني فوالله! ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء قالوا: زدتنا على النصف فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء: قال: نعم هذا أبي وهذا عمي قال: فأنا من قد علمت قد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والعم فقالا: ويحك يا زيد؟ ؟ ؟ أتختار العبودية على الحرية؟ وعلى أبيك وعمك؟ وأهل بيتك؟ قال: نعم. إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك قال: اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه (كان ذلك جائزا قبل أن ينزل قوله تعالى ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾ [الأحزاب: ٤ - ٥]) فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما، وانصرفا فكان من ذلك الحين يدعى زيد بن محمد وزوجه رسول الله ﷺ مولاته أم أيمن حاضنته، فولدت له أسامة، ثم زوجه رسول الله ﷺ ابنة عمته زينب بنت جحش، فلم تحسن العشرة بينهما فطلقها وتزوجها بعده رسول الله ﷺ بأمر ربه تأكيدا لإبطال التبني، وبعد أن طلق زينب زوجه رسول الله ﷺ أم كلثوم بنت عقبة، أم أمها البيضاء بنت عبد المطلب فولدت له زيد بن زيد ورقية ثم طلق أم كلثوم، وتزوج درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلقها وتزوج هندا بنت العوام أخت الزبير. وشهد زيد بن حارثة بدرا وما بعدها، وقتل في غزوة مؤتة، وهو أمير واستخلفه رسول الله ﷺ في بعض أسفاره على المدينة وعن ابن عمر ﵄ أن عمر فرض لأسامة أكثر مما فرض لابن عمر، قال: فسألته فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك وإن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. وأما أسامة بن زيد فقد ولد في الإسلام بمكة، ومات النبي ﷺ وله ثماني عشرة سنة واعتزل أسامة الفتنة بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية وكان قد سكن المزة من أعمال دمشق ثم رجع فسكن وادي القرى ثم نزل إلى المدينة فمات بها سنة أربع وخمسين على الصحيح.

стр. 5300

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - قال النووي: فيه جواز إمارة العتيق. ٢ - وجواز تقديمه على العرب. ٣ - وجواز تولية الصغار على الكبار. ٤ - وجواز تولية المفضول على الفاضل، للمصلحة. ٥ - فيه فضائل ظاهرة لزيد وأسامة ﵄. ٦ - وجواز الحلف من غير استحلاف. والله أعلم

стр. 5301

(٦٤١) باب من فضائل عبد الله بن جعفر ﵁ ٥٤٥٣ - عن عبد الله بن مليكة. قال عبد الله بن جعفر ﵁ لابن الزبير: أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم. فحملنا وتركك. حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو أسامة عن حبيب بن الشهيد بمثل حديث ابن علية وإسناده. ٥٤٥٤ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه. فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه. قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة. ٥٤٥٥ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بنا. قال: فتلقي بي وبالحسن أو بالحسين قال: فحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى دخلنا المدينة. ٥٤٥٦ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس. -[المعنى العام]- إن الرحمة كلمة صغيرة ولكن معناها وأثرها كبير في نفس من تلحقه هذه الرحمة والرسول الكريم ﷺ كان من أبرز خلاله الرحمة وقد وصفه الله تعالى ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] وقد يأنف بعض الكبراء من مداعبة الصبيان، والتلطف معهم، والتعاطف عليهم ترفعا وتكبرا ولكن رسول الله ﷺ كان يفعل كل ذلك تواضعا وشفقة، يحمل الصبي، ويركبه خلفه، وأمامه بين يديه على الراحلة، ويمسح على رأسه، حتى أحب الصبية لقاءه وترقبوا قدومه ليستقبلوه بكل الحب والبشر والسرور وكان الصبي الذي يحظى بشيء من ذلك يزهو ويفخر، ويعد من مناقبه وفضائله أن حمله رسول الله ﷺ أو أردفه خلفه، أو حمله أمامه بين يديه ونعمت المنقبة ونعمت الفضيلة.

стр. 5302

-[المباحث العربية]- (قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير) أي لعبد الله بن الزبير وكانا في سن متقاربة وكان هذا القول في كبرهما وكانت الحادثة المحكية في صباهما وسنهما نحو سبع سنين. (أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ كان الصبية يتلقون رسول الله ﷺ فرحا به وتبركا إذا قدم من سفر وكان ﷺ يتباسط منهم ويمسح برءوسهم ويلاطفهم. (أنا وأنت وابن عباس) سبق أن ذكرنا بعض فضائل الزبير وسيأتي باب خاص بابن عباس. (قال: نعم فحملنا وتركك) ظاهر العبارة أن قوله "فحملنا وتركك" من كلام ابن الزبير وهكذا توهم القاضي عياض فخطأ الرواية ووصفها بالخلط لأن الذي وقع أن الرسول ﷺ حمل في هذه الحادثة ابن جعفر وابن عباس وترك ابن الزبير لأن الدابة حينئذ كان يشق عليها حمل الثلاثة والتحقيق أن الرواية لا وهم فيها ولا خلط وكل ما فيها أن لفظ "قال: نعم" مقدمة من تأخير وأن قوله "فحملنا وتركك" من تتمة كلام ابن جعفر قال النووي: معناه: قال ابن جعفر: فحملنا وتركك" اهـ. فقدر النووي: "قال ابن جعفر" بعد "نعم" ثم قال النووي: وتوضحه الروايات بعده. اهـ. وليس في الروايات بعده ما يوضح أن المتروك ابن الزبير فالروايتان الثانية والثالثة. ليس في أيهما ذكر لابن الزبير ولا لابن عباس بل هما في حادثة أخرى أفرادها ابن جعفر وأحد ابني فاطمة، وإنما الذي يوضح ذلك واقع القصة. (إذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته) وبغيرهم من الصبيان و"تلقى" بضم التاء مبني للمجهول للإشارة إلى أن أهليهم هم الذين كانوا يدفعونهم لذلك، ولذلك بني للمجهول أيضا قوله "فسبق بي إليه" ولم يقل: فسبقت إليه وقوله "ثم جيء" ولم يقل: ثم جاء. (فحملني بين يديه) أي حملني على الدابة التي يركبها ووضعني أمامه عليها. (فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة) الرسول ﷺ وابن جعفر وأحد ابني فاطمة ولم يحددهما كما ورد بينهما في الرواية الثالثة فقال "وبالحسن أو بالحسين". -[فقه الحديث]- عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ابن ابن عم الرسول ﷺ كنيته أبو محمد، وأبو جعفر والثانية أشهر، أمه أسماء بنت عميس أخت ميمونة بنت الحارث لأمها ولد بأرض الحبشة، لما هاجر أبواه إليها، وهو أول من ولد بها من المسلمين وقدم مع أبيه من الحبشة إلى المدينة مرجع رسول الله ﷺ من خيبر وكان الرسول ﷺ يحبه، كما كان يحب أباه، وبعد أن استشهد أبوه زاد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 5303

له وكان يدعو "اللهم اخلف جعفرا في ولده" وأخباره في الكرم كثيرة ومشهورة مات رسول الله ﷺ وهو ابن عشر سنين وكان أحد أمراء علي في حرب صفين ومات بالمدينة سنة ثمانين على الصحيح. -[ما يؤخذ من الحديث]- استحباب تلقي الصبيان للعلماء وأهل الفضل عند عودتهم من سفر أو غيبة وأن يتلطف بهم وأن يركب الصبيان معه ولا نقص في ذلك وأنه لا بأس بركوب ثلاثة على دابة إذا كانت مطيقة وفي ذلك فضل ومنقبة لعبد الله بن جعفر. والله أعلم

стр. 5304

(٦٤٢) باب من فضائل خديجة ﵂ ٥٤٥٧ - عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران. وخير نسائها خديجة بنت خويلد" قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض. ٥٤٥٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". ٥٤٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب. فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب قال أبو بكر في روايته عن أبي هريرة ولم يقل سمعت ولم يقل في الحديث ومني. ٥٤٦٠ - عن إسماعيل قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أكان رسول الله ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة؟ قال: نعم بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية. ٥٤٦١ - عن عائشة ﵂ قالت: بشر رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة

стр. 5305

٥٤٦٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة. ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين لما كنت أسمعه يذكرها ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها. ٥٤٦٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة" قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني قد رزقت حبها". ٥٤٦٤ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد نحو حديث أبي أسامة إلى قصة الشاة ولم يذكر الزيادة بعدها. ٥٤٦٥ - عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت للنبي ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها وما رأيتها قط. ٥٤٦٦ - عن عائشة ﵂ قالت: لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت. ٥٤٦٧ - عن عائشة ﵂ قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال: "اللهم! هالة بنت خويلد" فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها! . -[المعنى العام]- خديجة بنت خويلد ﵂ أول من تزوجها ﷺ ﵂ تزوجها سنة

стр. 5306

خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، وكانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي، وله منها ولد اسمه "هند" ومات أبو هالة في الجاهلية وكانت خديجة قبله عند عتيق بن عائذ المخزومي. وكان النبي ﷺ قبل أن يتزوج خديجة قد سافر في مالها مقارضا إلى الشام وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة. وصدقت النبي من أول وهلة مما يدل على قوة يقينها ووفور عقلها وصحة عزمها، شاركته الحصار الاقتصادي وكانت حصنا له ﷺ حتى قال: ما نالت مني قريش ما نالت مني بعد موت خديجة وأبي طالب. وكان جميع أولاده ﷺ منها إلا إبراهيم والمتفق عليه من أولاده منها: القاسم وبه كان يكنى مات صغيرا قبل المبعث أو بعده، وبناته الأربع: زينت ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة وقيل: كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة وعبد الله ولد بعد المبعث، فكان يقال له: الطاهر والطيب ويقال: وهما أخوان له، ومات الذكور صغارا باتفاق. وماتت خديجة بعد المبعث بعشر سنين على الصحيح فأقامت معه خمسا وعشرين سنة لم يتزوج في حياتها غيرها. ﵂ وأرضاها. -[المباحث العربية]- (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض) قال القرطبي: الضمير في "خير نسائها" عائد على غير مذكور لكنه يفسره المقام والمشاهدة يعني خير نساء الدنيا وقال الطيبي: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم والثاني على هذه الأمة - أي خير نساء عصر مريم مريم وخير أمة محمد ﷺ خديجة - قال: ولهذا كرر الكلام "خير نسائها" - تنبيها على أن حكم كل واحدة منها غير حكم الأخرى اهـ. لكن لا يساعد هذا التفسير إشارة وكيع إلى السماء والأرض مما يرجح أن المراد بالضميرين نساء الدنيا. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أن قوله "خير نسائها" خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال: مريم خير نسائها، أي خير نساء زمانها وكذا في خديجة. وقال النووي: الأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير من نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه. وقال القاضي: يحتمل أن الكلام على تقدير "من" أي أنهما من خير نساء الأرض والصحيح الأول. (كمل من الرجال كثير) فكانوا أنبياء ورسلا و"كمل" بفتح الكاف والميم مفتوحة ومضمومة ومكسورة ثلاث لغات مشهورات والكسر ضعيف.

стр. 5307

(ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون) ﴿إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين﴾ [التحريم: ١١] وذكر بعضهم أنها كانت عمة موسى ﵇ وأنها آمنت به حين سمعت بتلقف العصا إفك السحرة فعذبها فرعون. وأخرج أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة "أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها فكانت إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة ﵈ وقالت: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فيكشف لها عن بيتها في الجنة" وفي رواية عند عبد بن حميد "أنه وتد لها أربعة أوتاد وأضجعها على ظهرها وجعل على صدرها رحى واستقبل بها عين الشمس" وعن الحسن "فنجاها الله تعالى أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها" قال المفسرون: وظاهر هذه الرواية أنها رفعت بجسدها وهو لا يصح. أما مريم ابنة عمران - ولها سورة باسمها في القرآن الكريم - فصدقت وآمنت بكلمات ربها وصحفه وبجميع كتبه من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وإن لم يكن قد نزل ﴿وكانت من القانتين﴾ ومن عداد المواظبين على الطاعة. وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى ﵇". ولفظة الكمال تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه والمراد هنا التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى. (وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) يقال: ثرد الرجل الخبز بفتح الثاء والراء يثرده بضم الراء ثردا بسكونها أي فته ثم بله بمرق. قال النووي: قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقة بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه - ومعنى هذا تقييد "سائر الطعام" وجعل "أل" فيه وفي "الثريد" للعهد، أي الثريد من أي نوع أفضل من سائر طعامه ومرقه من غير فتات الخبز معه قال: والمراد بالفضيلة نفعه، والشبع منه، وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك. قال: فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة أي فضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة اهـ وفي هذه العبارة الأخيرة نظر لأن من الأطعمة ما هو أفضل من الثريد في كل ما ذكره إلا أن يقال: إنه لم يكن ميسورا لهم، فالكلام جرى على حسب عادتهم وعرفهم. وما ذكر من صفات الثريد المشبه به يقابله من صفات عائشة ﵂ ما أعطيت من حسن الخلق وحلاوة المنطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب للبعل وحسبك أنه عقلت من النبي ما لم يعقل غيرها من النساء وروت عنه ما لم يرو مثله كثير من الرجال.

стр. 5308

(عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ قال النووي: هذا الحديث من مراسيل الصحابة لأن أبا هريرة لم يدرك أيام خديجة فهو محمول على أنه سمعه من النبي ﷺ أو من صحابي ولم يذكر أبو هريرة أنه سمعه من النبي ﷺ ومراسيل الصحابة حجة عند الجماهير. (هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام - أو طعام - أو شراب - فإذا هي أتتك) قال النووي: معنى "أتتك" الأولى توجهت إليك ومعنى "أتتك" الثانية وصلت إليك. اهـ والمعنى هذه خديجة أراها ولا تراها أعدت لك طعاما وحملته متوجهة به نحوك وعند الطبراني كان حيسا، بفتح الحاء وسكون الياء وهو تمر وأقط وسمن تخلط وتعجن وتسوى كالثريد فإذا وصلت عندك. (فاقرأ ﵍، من ربها ، ومني) زاد في رواية الطبراني أنها لما بلغت قالت: "هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام" وعند النسائي "قال جبريل للنبي ﷺ : إن الله يقرئ خديجة السلام" يعني فأخبرها "فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته" زاد ابن السني "وعلى من سمع السلام، إلا الشيطان" قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن جبريل كان حاضرا عند جوابها فردت عليه وعلى النبي ﷺ مرتين مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم. قيل: إنما بلغها جبريل ﵇ من ربها بواسطة النبي ﷺ احتراما للنبي ﷺ وكذلك وقع له لما سلم على عائشة، ولم يواجهها بالسلام بل راسلها مع النبي ﷺ لكن قد واجه مريم بالخطاب، قيل: لأنها لم يكن معها زوج ويحترم معه مخاطبتها. يقال: قرأ ﵇ قراءة أبلغه إياه وكذا أقرأه السلام أبلغه إياه ولا يقال: يقرؤك السلام بفتح الياء. (وبشرها ببيت في الجنة من قصب) قال جمهور العلماء: المراد به قصب اللؤلؤ المجوف، والقصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف ويقال لكل مجوف قصب وقال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف وعند الطبراني في الأوسط "يعني قصب اللؤلؤ" وعنده في الكبير "بيت من لؤلؤة مجوفة" وعنده في الأوسط، من حديث فاطمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب قلت: أمن هذا القصب؟ "تقصد النبات المعروف الحلو؟ تخيلته منسوجة حوائطه بعيدان القصب، بدلا من أعواد الحطب والجريد التي يقيمونها حوائط ويغلفونها بالطين "قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت". والمراد بهذا البيت بيت وقصر زائد على ما أعده الله لها من ثواب عملها أي بيت صفته كذا وكذا هدية خالصة لا دخل لعملها في تحصيله وعلى هذا فسر قوله. (لا صخب فيه ولا نصب) أي لا نصب ولا تعب منها في تحصيله، والصخب بفتح الصاد والخاء الصياح والمنازعة برفع الصوت، وأغرب الداودي، فقال: الصخب العيب والنصب العوج وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة، والنصب بفتحتين وبضم النون وسكون الصاد، كالحزن والحزن، لغتان، والفتح أشهر وأفصح.

стр. 5309

(ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة) "ما" مصدرية أي ما غرت على رسول الله ﷺ من امرأة من نسائه غيرتي عليه من خديجة، وفي الرواية السابعة "ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة" (ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين) جملة معترضة بين الخبر، وبين بيان سببه، جيء بها للإشارة إلى أنها لو كانت اجتمعت معها في عصمته ﷺ في زمن واحد لكانت غيرتها منها أشد، والمراد من الهلاك الموت، قال النووي: تعني قبل أن يدخل بها، لا قبل العقد، وإنما ماتت قبل أن يعقد عليها بنحو سنة ونصف سنة، وفي الرواية السابعة "وإني لم أدركها" أي لم أدرك حياتها زوجة مشاركة لي رسول الله ﷺ أي وإن أدركتها ووعيتها زوجة له، قبل أن يتزوجني، وفي الرواية الثامنة "وما رأيتها قط" أي وأنا زوجة لرسول الله ﷺ . (لما كنت أسمعه يذكرها) اللام للتعليل، و"ما" موصولة، أو مصدرية، والمراد لكثرة سماعي ذكرها على لسانه ﷺ ، أي ذكرها بالمدح والخير والثناء، وفي الرواية الثامنة "لكثرة ذكره إياها" ومن هذا الذكر تبشيرها. ببيت في الجنة وكونه إذا ذبح الشاة يقول: أرسلوا بها - أي بجزئها - إلى أصدقاء خديجة، ولإشعاره بأنه لم يتزوج عليها حتى ماتت كما في الرواية التاسعة، ولحبه وارتياحه وسروره بلقاء أهلها وصاحباتها بعدها كما في الرواية العاشرة وعند البخاري "ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها ... فيقول: إنها كانت وكانت .. وكان لي منها ولد" أي فهي أم أولادي الذين أحبهم، إذ كان جميع أولاده من خديجة، إلا إبراهيم "وكان إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها". (وإن كان ليذبح الشاة، ثم يهديها إلى خلائلها) "ثم يهديها" أي يهدي الكثير منها والخلائل جمع خليلة، وهي الصديقة، و"إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والحال، محذوف وفي رواية للبخاري "وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة" وفي الرواية السابعة "وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة" والفاء عاطفة على محذوف جوابه "إذا" أي إذا ذبح الشاة اهتم بأصدقائها، فيقول: .... وهذا الأسلوب وإن كان يفيد العادة والشأن مراد به هنا الكثرة، ففي رواية للبخاري "ربما ذبح الشاة" بلفظ "ربما" وفي رواية أخرى للبخاري "وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن" أي ما يكفيهن وفي رواية "ما يشبعهن". (قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟ ) وفي رواية "خديجة؟ خديجة؟ " بالتكرير أي في كل وقت تذكر بالثناء خديجة؟ وفي رواية للبخاري "كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ " وفي روايتنا العاشرة "ما تذكر من عجوز من عجائز قريش؟ حمراء الشدقين" بالجر، وقال أبو البقاء: جوز في "حمراء" الرفع على القطع، والنصب على الحال، وحكى في بعضهم رواية "حمراء" بالجيم والزاي، ولا معنى لها، بل هي تصحيف قال القرطبي: قيل: معنى "حمراء الشدقين" بيضاء الشدقين والعرب تطلق على الأبيض الأحمر قال: والذي عندي أن المراد بذلك نسبتها إلى كبر السن لأن من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه يغلب على لونه غالبا الحمرة المائلة إلى السمرة كذا قال:

стр. 5310

قال الحافظ ابن حجر: والذي يتبادر أن المراد بالشدقين ما في باطن الفم، فالكلام كناية عن سقوط أسنانها، حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللثة وغيرها، وبهذا جزم النووي وغيره. (هلكت في الدهر) أي ماتت في الزمن الماضي، وعفا على آثارها الزمان. (استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة على رسول الله ﷺ كانت "هالة" زوج الربيع بن عبد العزى، والد العاصي بن الربيع زوج زينب بنت النبي ﷺ فهي "حماة" زينب، وكان رسول الله ﷺ يثني على معاملتها ومعاملة ابنها لزينب، قبل أن يسلما، وبعد أن أسلما، وقد ذكروها في الصحابة، وهو ظاهر هذا الحديث وقد هاجرت إلى المدينة، لأن استئذانها للدخول كان بالمدينة ويحتمل أن تكون قد دخلت على النبي ﷺ بمكة حيث كانت عائشة معه في بعض سفره. (فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللهم. هالة بنت خويلد) أي هذا صوت هالة بنت خويلد عرفه لشبهه بصوت خديجة أختها، فتذكر خديجة بذلك، و"ارتاع" من الروع بفتح الراء وهو الفزع، والمراد من الفزع لازمه، وهو التغير، والمقصود التغير فرحا وبهجة وشوقا، ووقع في بعض الروايات "ارتاح" بالحاء، أي اهتز لذلك سرورا، قال الحافظ ابن حجر: وقوله "اللهم هالة" فيه حذف تقديره: اجعلها هالة فعلى هذا فهو منصوب - أي كما نقول: يا رب تكون هالة - قال: ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هذه هالة. (فأبدلك الله خيرا منها) تعني نفسها، فعند أحمد والطبراني في هذه القصة "قالت عائشة: فقلت: أبدلك الله بكبيرة السن حديثة السن" وفي رواية لأحمد والطبراني "فقال ﷺ ما أبدلني الله خيرا منها. آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء" وفي روايتنا السابعة "إني رزقت حبها". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - عن الرواية الثانية قال القاضي: هذا الحديث يستدل به من يقول بنبوة النساء، ونبوة آسية ومريم والجمهور على أنهما ليستا نبيتين، بل هما صديقتان، ووليتان من أولياء الله تعالى، ثم قال: فإن قلنا: هما نبيتان فلا شك أن غيرهما لا يلحق بهما، وإن قلنا: وليتان لم يمتنع أن يشاركهما من هذه الأمة غيرهما. اهـ. قال النووي: وهذا الذي نقله من القول بنبوتها غريب ضعيف، وقد نقل جماعة الإجماع على عدمها. اهـ. وقد استدل بعضهم على نبوة مريم بقوله تعالى ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ [آل عمران: ٤٢] ورد بأنه ليس بصريح في ذلك. كما استدل على نبوتها بذكرها مع الأنبياء في سورة مريم ورد بأن دلالة الاقتران ليست دلالة شرعية قيل: ووصفها بصديقة يبعد كونها نبية ورد بأن يوسف ﵇ قد وصف بالصديق وهو نبي.

стр. 5311

وقد نقل عن الأشعري أن في النساء عدة نبيات، حصرهن ابن حزم في ست: حواء وسارة وهاجر، وأم موسى، وآسية ومريم وأسقط القرطبي سارة وهاجر ونقله في التمهيد عن أكثر الفقهاء وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية قال عياض: والجمهور على خلافه وعن الحسن ليس في النساء نبية ولا في الجن. وقد استدل على عدم نبوة النساء بروايتنا الأولى وبحديث البخاري "خير نسائها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة" فقد استويا في الخيرية، وخديجة ليست نبية باتفاق، فمريم كذلك، وإذا لم تكن مريم نبية، لم تكن غيرها من النساء كذلك، ورد بأنه لا يلزم من التسوية في الخيرية التسوية في جميع الصفات. ٢ - واستدل بقوله في الرواية الثانية "وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" على تفضيل عائشة على نساء النبي ﷺ وقال ابن التين: في سكوت النبي ﷺ على عائشة حين قالت: قد أبدلك الله خيرا منها" دليل على أفضلية عائشة على خديجة إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا حسن الصورة وصغر السن، ورد بما جاء في الروايات الأخرى من أنه لم يسكت وبأنها صرحت في بعض الروايات بأن الخيرية التي تعنيها خيرية الصورة وحداثة السن. ٣ - ومن الرواية الأولى والثالثة والرابعة وما بعدهما فضل خديجة، ففي الأولى "خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة" فخديجة خير من عائشة. قال ابن التين: ويحتمل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك، لأنها كانت لها عند موت خديجة ثلاث سنين (كذا قال) فلعل المراد النساء البوالغ، قال الحافظ ابن حجر: وهو ضعيف، فإن المراد بلفظ النساء أعم من البوالغ، ومن لم تبلغ أعم ممن كانت موجودة وممن ستوجد، وعند البزار والطبراني "فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين" وهو حديث حسن الإسناد وعند النسائي بإسناد صحيح والحاكم "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية" قال: وهذا نص صريح، لا يحتمل التأويل. ٤ - ومن الرواية الثالثة، من قوله "اقرأ ﵍ من ربها ومني" أفضلية خديجة على عائشة لأن عائشة سلم عليها جبريل من قبل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربها. وزعم ابن العربي: أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة قال الحافظ: ورد بأن الخلاف ثابت قديما، وإن كان الراجح أفضلية خديجة. قال السبكي الكبير: لعائشة من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة اهـ. قال السبكي: ونساء النبي ﷺ بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل وهن أفضل النساء لقول الله تعالى ﴿لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ [الأحزاب: ٣٢] وظاهر كلام السبكي تفضيلهن على فاطمة، لكن قوله الأول المختار عنده تفضيل فاطمة، حتى على خديجة وعائشة وقد نقل عنه أنه سئل: هل قال أحد: إن أحدا من نساء النبي ﷺ غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: قال به من لا يعتد بقوله وهو من فضل نساء النبي ﷺ على جميع الصحابة لأنهن في درجته في الجنة قال: وهو قول ساقط مردود اهـ. وقائله هو أبو محمد بن حزم وفساده ظاهر.

стр. 5312

وعندي أن التفضيل بحث غير علمي، لا طائل تحته وعلمه عند الله فمقادير الفضائل وتقدير كل فضيلة مرجعه إلى الله تعالى وحده وواجبنا الاعتراف بالفضائل وتعظيم أصحابها والله أعلم. ٥ - ومن غيرة عائشة ﵂ ثبوت غيرة النساء وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلا عمن دونهن. ٦ - وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي ﷺ لكن كانت تغار من خديجة أكثر. ٧ - وأن الغيراء قد تعذر لما يصدر منها، قال الطبري: وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء ما يقع فيها، ولا عقوبة عليهن في تلك الحالة، لما جبلن عليه منها اهـ. وهذا فيما صدر من توافه الأمور أو كان لها عذر ظاهر وقد اعتذروا عن عائشة في موقفها من ذكر خديجة بأنها قد اجتمع فيها حينئذ الغيرة، مع صغر السن مع الإدلال فلا يقال على الإطلاق بالصفح عن الغيراء فيما تأتي بسبب الغيرة وحدها ثم إن عائشة لم تأت محرما وإنما صدر منها في وقت الغيرة ما لا يصدر منها في حال عدم الغيرة. ٨ - وفي هذه الأحاديث مزيد حب رسول الله ﷺ لخديجة ﵂، وفي قوله ﷺ في الرواية السابعة "إني قد رزقت حبها" أن حب الرسول ﷺ فضيلة لمن يحبه. ٩ - وفي موقف الرسول ﷺ من خديجة بعد موتها دليل لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير، في حياته، وبعد وفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب. ١٠ - وفي إخبار عائشة ﵂ بغيرتها من خديجة، وبما قد ينقص عند البعض من رفعتها ومكانتها زيادة إيمان، وفرط إنصاف. والله أعلم.

стр. 5313

(٦٤٣) باب فضائل عائشة ﵂ ٥٤٦٨ - عن عائشة ﵂، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "أريتك في المنام ثلاث ليال. جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك. فإذا أنت هي. فأقول: إن يك هذا من عند الله، يمضه". ٥٤٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى" قالت: فقلت ومن أين تعرف ذلك؟ قال "أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد! وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم" قالت: قلت أجل والله! يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك. ٥٤٧٠ - وفي رواية عن هشام بن عروة بهذا الإسناد إلى قوله: "لا ورب إبراهيم" ولم يذكر ما بعده. ٥٤٧١ - عن عائشة ﵂ أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ قالت: وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ قالت: فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي. ٥٤٧٢ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد. وقال في حديث جرير: كنت ألعب بالبنات في بيته. وهن اللعب. ٥٤٧٣ - عن عائشة ﵂ أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ .

стр. 5314

٥٤٧٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي. فأذن لها. فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. وأنا ساكتة. قالت: فقال لها رسول الله ﷺ : "أي بنية! ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى. قال: فأحبي هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة: والله! لا أكلمه فيها أبدا. قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة قالت: فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها. فأذن لها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي. وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها. قالت: فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر". ٥٤٧٥ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد مثله في المعنى غير أنه قال: فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها غلبة. ٥٤٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ " استبطاء ليوم عائشة. قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري.

стр. 5315

٥٤٧٧ - عن عائشة ﵂ أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها وأصغت إليه وهو يقول: "اللهم! اغفر لي وارحمني. وألحقني بالرفيق". ٥٤٧٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أسمع أنه لن يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة قالت: فسمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بحة يقول ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ قالت: فظننته خير حينئذ. ٥٤٧٩ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده في الجنة ثم يخير" قالت عائشة فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى" قالت عائشة قلت إذا لا يختارنا قالت عائشة: وعرفت الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح في قوله: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير" قالت عائشة: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: "اللهم الرفيق الأعلى". ٥٤٨٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه. فطارت القرعة على عائشة وحفصة. فخرجتا معه جميعا. وكان رسول الله ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر؟ قالت: بلى فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة

стр. 5316

على بعير عائشة فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ثم سار معها. حتى نزلوا فافتقدته عائشة فغارت. فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب! سلط علي عقربا أو حية تلدغني رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا. ٥٤٨١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٥٤٨٢ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "إن جبريل يقرأ عليك السلام" قالت: فقلت وعليه السلام ورحمة الله. ٥٤٨٣ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا عائش! هذا جبريل يقرأ عليك السلام" قالت: فقلت وعليه السلام ورحمة الله قالت: وهو يرى ما لا أرى. -[المعنى العام]- الصديقة بنت الصديق عائشة ابنة أبي بكر وأمها أم رومان كانت قبل أبي بكر تحت عبد الله بن الحارث الأزدي وكان قد قدم بها مكة فحالف أبا بكر قبل الإسلام وتوفي عن أم رمان بمكة بعد أن ولدت له الطفيل فتزوجها أبو بكر فولدت له عبد الرحمن وعائشة أسلمت وبايعت وهاجرت وتوفيت في حياة النبي ﷺ سنة ست من الهجرة على المشهور. ولدت عائشة بعد المبعث بأربع سنين أو خمس، وخطبها النبي ﷺ وهي بنت ست وبعد أن جاءه جبريل ﵇ بصورتها في ثوب من حرير يحمله على كفه ويقول له: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة فكان ﷺ يكشف الثوب عن وجهها فيرى عائشة بنت أبي بكر فيعجب

стр. 5317

إنها طفلة يراها صباح مساء وكان في هذه الفترة يذهب ﷺ إلى بيت أبي بكر مرة أو مرتين في اليوم إنها في هذه السن وفي هذا الجسم النحيل لا تصلح للزواج فكيف يفهم كلام جبريل؟ أهي بشرى سابقة لما سيقع بعد سنين؟ لكنها حق من عند الحق. فكان يقول: إن كان هذا قدر الله فسيقع. وفي يوم من أيام الحزن على خديجة جاءته الخاطبة خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ فتخرج من هذا الحزن؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا؟ قال: فمن البكر؟ قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك واتبعتك قال: فاذهبي فاخطبيهما لي. خطبها ﷺ على أساس الانتظار بدخولها حتى تنضج وتصلح ثم هاجر وهاجرت من بعده وبعد سنة من الهجرة دخل بها وهي بنت تسع سنين، وعاشت في بيته تسع سنين، تعطيه من عذوبة البنت، وحنان الأم وهي الصبية الصغيرة، وعواطف الزوجة الشابة الحبيبة، حتى كانت أحب الناس إليه. روى ابن سعد أنها قالت: "فضلت بعشر أتاه الملك بصورتي في كفه لينظر إليها - تشير بذلك إلى روايتنا الأولى - ولم ينكح بكرا غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي" تشير إلى روايتنا الثالثة عشرة وما سيأتي في المباحث العربية، في رده ﷺ على أم سلمة، كما جاء في البخاري "وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، وقبض بين سحري ونحري، في بيتي وفي ليلتي" تشير إلى روايتنا السادسة والسابعة، "ودفن في بيتي" زاد في رواية "ورأيت جبرائيل، وكنت أحب نسائه إليه، ومرضته، فقبض ولم يشهده غيري والملائكة". عاشت ﵂ بعد وفاة رسول الله ﷺ طويلا إذ ماتت سنة ثمان وخمسين في رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا فدفنت بعد التراويح والوتر بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها خمسة: عبد الله وعروة، ابنا أختها، ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد، ابنا محمد أخيها، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر. قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. ﵂ وأرضاها بقدر ما خدمت الشريعة وبلغت حديث رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (أريتك في المنام ثلاث ليال) أي ثلاث مرات في ثلاث ليال أراه الله إياها أو أراه الملك إياها. (جاءني بك الملك في سرقة من حرير) "سرقة" بفتح السين والراء وهي الشقق، أي

стр. 5318

ملفوفة في أثواب وشرائح من حرير أبيض وفي كتب اللغة: السرق بفتح السين والراء شقق الحرير، أو أجوده، الواحدة سرقة. معرب. (فيقول: هذه امرأتك) أي زوجتك في المستقبل. (فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي) كأنها كانت ملفوفة بالحرير مغطاة الوجه وقول "أنت هي" مبتدأ وخبر، أو خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، أي فإذا صورتك هي التي كانت في اللفافة أو فإذا التي كانت في اللفافة تشبهك وفي رواية "لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني" ويجمع بينهما بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة والخرقة في راحته ويحتمل أن تكون نزل بالكيفيتين في مرتين. (فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه) أي فأقول بعد اليقظة تفسيرا للرؤيا، و"إن يك" بحذف نون "يكن" تخفيفا وبأن التي للشك، وقد استشكل بأن الرسول ﷺ لا يشك في رؤياه، فهي وحي وأجيب باحتمال أن تكون قبل النبوة وقبل تخليص أحلامه ﷺ من الأضغاث والمعنى إن كانت رؤيا حق فسيمضيها الله. وعلى فرض أنها بعد النبوة فالمراد: إن تكن الرؤيا على ظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير فسيمضيها الله تعالى وينجزها فالشك في كونها على ظاهرها لا تحتاج إلى تعبير. وقيل: إن قوله "هذه امرأتك" يحتمل أن المراد هذه امرأتك في الآخرة أو هذه امرأتك في الدنيا فالشك في كونها زوجة في الآخرة فقط أو هي ستكون زوجة في الدنيا. ويحتمل أنه لم يشك ولكن الخبر على التحقيق أي هو من عند الله وسيمضيه وأتى بصورة الشك كقوله ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى﴾ [سبأ: ٢٤] وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة ويسمونه تجاهل العارف وسماه بعضهم مزج الشك باليقين. (إني لأعلم إذا كنت عني راضية) أكد الكلام بإن واللام لتنزيل عائشة منزلة المنكر للحكم وسبب هذا التنزيل إخفاؤها غضبها عنه ﷺ و"إذا" ظرف لمفعول "أعلم" المحذوف والتقدير: إني لأعلم شأنك وحالك وقت رضاك عني وقد استدل ابن مالك بمثل هذا الحديث على خروج "إذا" عن الظرفية، وإعرابها مفعول "أعلم" والجمهور على خلافه. (ومن أين تعرف ذلك؟ ) أصل "أين" للمكان، والمراد هنا السببية، فكأنها قالت: بأي شيء تعرف ذلك؟ والمشار إليه مفعول "أعلم". (أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا. ورب محمد) "لا" حرف نفي وقعت جوابا عن كلام سابق وجواب القسم محذوف والتقدير: ورب محمد لم أفعل. (قلت: أجل) بفتح الهمزة والجيم حرف جواب بمعنى "نعم" يكون تصديقا للمخبر وإعلانا للمستخبر، ووعدا للطالب. (والله - يا رسول الله - ما أهجر إلا اسمك) عبرت بالقسم والقصر لتأكيد مضمون

стр. 5319

الجملة وزيادة تقديره في ذهن الرسول ﷺ وإنما كان غضبها من شدة غيرتها عليه وقوة حبها له ﵊. (أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ المراد بالبنات هنا لعب الأطفال التي في شكل البنات والآدميين والحيوانات وغيرها، وقيل: المعنى أنها كانت تلعب مع البنات، أي مع الجواري والقرينات القريبات منها في السن، فالباء بمعنى "مع" ويرده ما جاء في رواية بلفظ "ولكن جواري يأتين فيلعبن بها معي" وما جاء في ملحق روايتنا بلفظ "كنت ألعب بالبنات، وهن اللعب" بضم اللام جمع لعبة. وعند أبي داود والنسائي عن عائشة، قالت: "قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر. فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي قالت: ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان فقال: ما هذا؟ قلت: فرس قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك". (عند رسول الله) أي في بيته كزوجة له وفي ملحق روايتنا "كنت ألعب بالبنات في بيته". (وكانت تأتيني صواحبي) جمع صاحبة، أي يأتين ليلعبن معي. (فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ "ينقمعن" بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم، أي يتغيبن ويستخفين منه حياء منه وهيبة فيدخلن في حجرة أخرى أو يتسترن في زاوية أو وراء ستر حتى يمر، وأصله من قمع الثمرة أي يدخلن في الستر كما تدخل الثمرة في قمعها وفي رواية للبخاري "يتقمعن" بفتح التاء وتشديد الميم المفتوحة. (فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي) "يسربهن" بضم الياء وفتح السين وكسر الراء المشددة بعدها باء أي يرسلهن ويرجعهن إلي ويطلب منهن أن يعدن إلى اللعب معي. (أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ هذه الرواية مقدمة أو جزء من الرواية الخامسة جمعها البخاري وأوضح قصتها، فروي عن عائشة ﵂ "أن نساء رسول الله ﷺ كن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ أي بقيتهن وهن زينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجويرية وميمونة، ﵅". "وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله ﷺ عائشة فإذا كان عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ أخرها حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية هديته إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة". يقصدون بذلك اختيار وقت المسرة ومكان المسرة ليزيد ذلك في سرور المهدى إليه ومع أن رسول الله ﷺ كان يشركهن في الهدايا إلا أن خروج الهدية من بيت عائشة ومن يدها يوحي بفضل لها وتميز في وضعها على قريناتها مما كان يؤلمهن لدرجة أن بعضهم كان يرفض الهدية ويردها أنفة وإباء وكان الأمر في نظرهن يتنافى مع العدل بين الزوجات ذاك شأن الحزب المقابل أما حزب عائشة فلم يكن عندهن غضاضة لذلك كان التجمع والتظاهر والتضرر والشكوى من حزب أم سلمة.

стр. 5320

وعند ابن سعد "كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول الله ﷺ سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وعمارة بن حزم وأبو أيوب وذلك لقرب جوارهم من رسول الله ﷺ ". والتحري دقة القصد يقال: تحرى الشيء إذا قصده دون غيره. (أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ في رواية البخاري "فكلم حزب أم سلمة أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله ﷺ يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ هدية فليهدها حيث كان من بيوت نسائه فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، أي حتى يجيبك على طلبك "فكلمته حين دار إليها أيضا" أي حين جاءها في ليلتها "فلم يقل لها شيئا فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك فدار إليها فكلمته، فقال لها: لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة قالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلتها إلى رسول الله ﷺ ". (فاستأذنت عليه، وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها) أي ولم يغير من وضعه مع عائشة والتحافه وإياها في لحاف واحد مضطجعا، والمرط كساء من خز أو صوف أو كتان يؤتزر به وتتلفع به المرأة. (فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة) أي وظلت ساكتة لم تتكلم عن فاطمة بشيء وعائشة ابنة ابن أبي قحافة فأضافتها إلى جدها وحذفت أباها وعند ابن سعد أن النبي ﷺ سألها "أرسلتك زينب؟ قالت: هي وغيرها قال: أهي التي وليت ذلك؟ قالت: نعم". وفي رواية للبخاري "إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر" أي يطلبن منك العدل، وفي رواية "يناشدنك الله العدل: أي يسألنك بالله العدل". (أي بنية) يعني يا بنية والتصغير للتمليح والتلطف. (ألست تحبين ما أحب؟ ) التعبير بما، دون "من" ليشمل العاقل وغير العاقل والاستفهام تقريري أي قري بأنك تحبين ما أحب. (قالت: بلى. قال: فأحبي هذه فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ أي إلى الفريق الذي أرسلها. (فأخبرتهن بالذي قالت: وبالذي قال لها رسول الله ﷺ فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدا) وفي رواية البخاري "فأبت أن ترجع". (فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ أي تعادلني وتضاهيني في الحظوة والمنزلة

стр. 5321

الرفيعة مأخوذ من السمو وهو الارتفاع والمراد أنها كانت تعتز بقرابتها من رسول الله ﷺ فهي ابنة عمته وأن الله هو الذي زوجها رسول الله ﷺ صراحة وأمرا بخلاف عائشة فإن كون تزويجها من الله كان رؤيا وإشارة وأنها كانت شابة وجميلة وكان رسول الله ﷺ يحبها وإن كان بالدرجة الثانية بعد عائشة فالمراد أنها كانت تنافس عائشة على حبه وتقديره ﷺ وفي الكلام قصر طريقه تعريف الطرفين "هي التي" أي دون غيرها من نسائه ﷺ . (ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى) المفضل في كل تفضيل مقدر، أي أتقى لله من زينب وأصدق حديثا من زينب ... إلخ وأصل "تصدق" و"تقرب" تتصدق وتتقرب. وهذا المدح والثناء من عائشة وفاء وشكر لجميل موقف زينب من عائشة في حديث الإفك إذ قالت: والله ما علمت عنها إلا خيرا. (ما عدا سورة من حدة، كانت فيها، تسرع منها الفيئة) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "سورة من حد" بفتح الحاء بلا هاء وفي بعضها "من حدة" بكسر الحاء وبالهاء وقوله "سورة" هي بالسين المفتوحة ثم واو ساكنة ثم راء ثم تاء وهي الثوران وعجلة الغضب وأما الحدة فهي شدة الخلق وثورانه، قال: ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب والفيئة بفتح الفاء والهمزة الرجوع أي إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعا ولا تصر عليه وقد صحف صاحب التحرير في هذا الحديث تصحيفا قبيحا جدا فقال: "ما عدا سودة" بالدال، وجعلها سودة بنت زمعة وهذا من الغلط الفاحش نبهت عليه لئلا يغتر به. (فاستأذنت على رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها) تشير بذلك إلى سرعة إرسالهن الرسل، وإلى طول مقام الرسول ﷺ معها في مرطها مضاجعا. (فأذن لها رسول الله ﷺ في رواية "فذهبت زينب حتى استأذنت فقال: ائذنوا لها" (قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت علي) في رواية "فقالت: حسبك إذا برقت لك بنت ابن أبي قحافة ذراعيها" أي إذا كشفت لك ذراعيها، مال قلبك نحوها، وانصرف قلبك عنا، ومعنى "وقعت بي" أي عابتني يقال: وقع بفلان ووقع في فلان إذا سبه وعابه، أو اغتابه، ومعنى "استطالت علي" أي تطاولت علي وتكبرت علي وترفعت علي وأصله من مد العنق ليراه غيره وليبدو أطول، وفي رواية البخاري "فأغلظت". (وأنا أرقب رسول الله ﷺ ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها؟ ) "أرقب" أي ألاحظ وأرصد وأنتظر والطرف العين أي أرصد حركاته وإشاراته وما تعبر عنه عينه هل يأذن لي بالرد عليها؟ والوقوع فيها كما وقعت في؟ . (فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر) أي فلم

стр. 5322

تغادر المكان، أو لم تتوقف عن مهاجمتي والإساءة إلي، حتى فهمت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أرد عليها. قال النووي: وليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك، فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم ينهها. اهـ. لكن روى النسائي وابن ماجه مختصرا، عن عائشة قالت: "دخلت على زينب بنت جحش، فسبتني، فرد عليها النبي ﷺ فأبت، فقال: سبيها فسببتها، حتى جف ريقها في فمها" قال الحافظ ابن حجر: فيمكن أن يحمل على التعدد اهـ قلت: وعلى أي حال فإنه يرد قول النووي ﵀ وانتصار المظلوم مشروع والإذن له بالانتصار مشروع وليس ذلك من قبيل خائنة الأعين، بل من أمينة الأعين، وعادلة الأعين. (قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها) "لم أنشبها" أي لم أمهلها، وفي لسان العرب: يقال: لم ينشب أن فعل كذا، أي لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا اشتغل بسواه، ومثل بحديث عائشة وزينب، وبقول عائشة في رواية "لم أنشب أن أثخنت عليها" وفي ملحق راويتنا الخامسة "فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها" أي بالغت في جراحها وغلبتها. قال النووي: "حين أنحيت عليها" في بعض النسخ "حتى أنحيت عليها، وهو صحيح، ورجح القاضي "حين" بالنون ومعنى أنحيت عليها بالنون والحاء، أي حتى قصدتها واعتمدتها بالمعارضة. (فقال رسول الله ﷺ وتبسم: إنها ابنة أبي بكر) أي أنها شريفة، عاقلة، عارفة كأبيها، وفي رواية النسائي "فرأيت وجهه يتهلل". (إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد) يومي، ويسأل عنه استبطاء له، وتشوقا إليه، و"إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والحال محذوف، وجملة "كان" خبرها. (يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ ) أي يقول ذلك في مرضه لزوجاته، زاد في رواية البخاري "حرصا على بيت عائشة، فلما كان يومي سكن" وفي رواية للبخاري "كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدا. أين أنا غدا - يريد يوم عائشة - فأذن له أزواجه، يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها" وفي رواية له "لما ثقل على النبي ﷺ واشتد به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له" وعند أحمد "أنه ﷺ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإذا شئتن أذنتن لي" وعند ابن سعد بإسناد صحيح "أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف" (فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري) أي فلما كان يومها الأصيل، بحسب الدور والقسم، وإلا فقد صارت جميع الأيام في بيتها والسحر بفتح السين وضمها، وإسكان الحاء هي الرئة وما تعلق بها، قيل والمراد به الصدر، قال القاضي: وقيل: إنما هو "شجري" بالشين والجيم، وشبك هذا القائل أصابعه وأومأ إلى أنها ضمته إلى نحرها، مشبكة يديها عليه. قال: والصواب

стр. 5323

المعروف الأول. اهـ. وفي رواية للبخاري عن عائشة ﵂: "أنها كانت تقول: مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي" والحاقنة ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نقرة الترقوة، وقيل: ما دون الترقوة من الصدر وقيل: هي تحت السرة، والذاقنة طرف الحلقوم قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها ﷺ ورضي عنها قال: وهذا لا يغاير حديثها الذي فيه "أن رأسه كان على فخذها" لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها. قال الحافظ: وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق "أن النبي ﷺ مات ورأسه في حجر علي" وكل طريق منها لا يخلو من شيعي فلا يلتفت إليهم ثم ساق الأحاديث وبين ما فيها من ضعف أو توجيه. (وهو مسند إلى صدرها) في الأصول "مسند" بكسر النون أي مسند رأسه إلى صدرها. (ألحقني بالرفيق الأعلى) في الرواية الثامنة "وأخذته بحة يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" وفي الرواية التاسعة "فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: اللهم الرفيق الأعلى" قال النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة "رفيق" تطلق على الواحد والجمع قال تعالى ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩] وقيل: هو الله تعالى، يقال الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة فهو فعيل بمعنى فاعل وفي الحديث "إن الله رفيق يحب الرفق" وأنكر الأزهري هذا القول، مستشكلا برواية "مع الرفيق" ورواية "في الرفيق" قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه لتغليطه من هذه الجهة، لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ. اهـ. وقيل: أراد مرتفق الجنة. اهـ. وعند النسائي وصححه ابن حبان "فقال: أسألك الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل" وظاهره المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين، وفي الرواية السابعة "قال: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق" وفي رواية "فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض" وقال الجوهري: الرفيق الأعلى الجنة. قال السهيلي: والحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب وفي الرواية التاسعة "فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف" أي رفعه إلى السماء ولم يطرف "ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى". (كان رسول الله ﷺ إذا خرج) أي من المدينة مسافرا. (أقرع بين نسائه) أي ضرب القرعة بينهن بأن كتب اسم كل واحدة منهن على سهم فخلطها، فأخرج من السهام سهما، وإذا أراد خروج اثنتين معه أخرج سهمين. (فتنظرين وأنظر) أي فتنظرين لما يعاملك به على أنك أنا وأنظر إلى ما يعاملني به على أنني أنت والظاهر أنها كانت تريد أن تطلع حفصة على الإدلال والرقة وعبارات الحب التي تعامل بها عائشة مغايرة لحفصة وكانت عائشة تريد أن تطلع هي على موضوع أحاديثه مع حفصة.

стр. 5324

(قالت: بلى) قبلت عائشة هذا الاقتراح مسرعة من غير روية اندفاعا بحب الاستطلاع فلما فكرت في الأمر ونفذت الفكرة أحست بآلامها وغيرتها. (فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني) "جعلت" أي صارت "تجعل رجلها" أي تضع رجلها والإذخر نبات دقيق الساعد يكثر في الصحراء تختفي فيه الهوام غالبا، ودعاؤها هذا ليس مقصودا، فإجابته لن تدفع ما أصابها، وكأنها تقصد عقوبة نفسها على قبولها اقتراح حفصة، وإنما قالته من شدة الغيظ. (رسولك. ولا أستطيع أن أقول له شيئا) "رسولك" خبر مبتدأ محذوف أي هذا رسولك بجوار حفصة، قريب مني، لا أتحمل بعده عني، لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أكشف الحيلة، خوفا من غضبه ﷺ . (يا عائش) منادى على الترخيم وهو حذف آخر المنادى، وفيه لغتان، لغة من ينتظر فيبقى الحرف الذي قبل الآخر على حركته قبل الحذف، وعلامة إعرابه على الحرف المحذوف ولغة من لا ينتظر فيحرك الحرف الذي قبل الآخر بحركات الإعراب. (هذا جبريل) يشير إليه، وهو حاضر. (يقرأ عليك السلام، قالت: فقلت: وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو يرى ما لا أرى) أي ورسول الله ﷺ يرى جبريل ولا أراه وفي رواية البخاري "ترى ما لا أرى أريد رسول الله ﷺ ". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من روايات الباب]- ١ - من الرواية الأولى فضيلة لعائشة ﵂. ٢ - واستدل به البخاري على جواز النظر إلى المرأة قبل التزويج قال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه قال الحافظ ابن حجر: كأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن عصمتهم في المنام كاليقظة. قال ابن منير: واستدلال البخاري بهذا الحديث على ما استدل به فيه نظر لأن عائشة كانت إذ ذاك في سنة الطفولية، فلا عورة فيها البتة ولكن يستأنس به في الجملة على أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد. قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقال الأوزاعي: يجتهد، وينظر إلى ما يريد منها، إلا العورة، وقال ابن حزم: ينظر إلى ما أقبل وما أدبر منها، وعن أحمد في رواية عنه: ينظر إلى ما يظهر غالبا وفي رواية عنه: ينظر إليها متجردة وقال الجمهور أيضا: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها وعن مالك في رواية: يشترط

стр. 5325

إذنها، ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال، لأنها حينئذ أجنبية ورد عليهم بالأحاديث الصحيحة. ٣ - واستدل البخاري بالرواية الثانية على غيرة النساء ووجدهن. ٤ - ومن قوله "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى ... إلخ" استقراء الرجل حال المرأة من فعلها وقولها، فيما يتعلق بالميل إليه، وعدمه. ٥ - والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك، لأنه ﷺ جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه وسكوتها، فبني على تغير الحالتين من الذكر والسكوت تغير الحالتين من الرضا والغضب. ٦ - وفي جواب عائشة ما يشهد لها بالأدب والذكاء والرقة وحسن العشرة قال الطيبي: الحصر في قولها "ما أهجر إلا اسمك" حصر لطيف جدا، لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة فهو كما قيل: إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل وقال ابن المنير: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة، مودة ومحبة. وقال الحافظ ابن حجر: وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم ﵊، دون غيره من الأنبياء دلالة على فريد فطنتها، لأن النبي ﷺ أولى الناس به، كما نص عليه القرآن، فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة. ٧ - قال المهلب: يستدل بقول عائشة على أن الاسم غير المسمى إذ لو كان الاسم عين المسمى لكانت بهجره تهجر ذاته وليس كذلك اهـ. وقال النووي: هذا في حق المخلوقين وأما في حق الله تعالى فالاسم هو المسمى اهـ وفي هذا بحث طويل يطلب من محله. ٨ - مغاضبة الزوجة لزوجها معفو عنها، وإن كانت ذات قدر كبير قال القاضي: مغاضبة عائشة للنبي ﷺ هي مما سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام لعدم انفكاكهن منها، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة قال القاضي: ولولا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه، لأن الغضب على النبي ﷺ وهجره كبيرة عظيمة. ٩ - ومن الرواية الثالثة جواز اللعب بالبنات قال القاضي: وهو مخصص من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن قال: وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن روي عن مالك كراهة شرائهن وهذا محمول على كراهة الاكتساب بها، وتنزيه ذوي المروءات عن تولي بيع ذلك لا كراهة اللعب قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور.
следующие страницы →