Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
الرفيعة مأخوذ من السمو وهو الارتفاع والمراد أنها كانت تعتز بقرابتها من رسول الله ﷺ فهي ابنة عمته وأن الله هو الذي زوجها رسول الله ﷺ صراحة وأمرا بخلاف عائشة فإن كون تزويجها من الله كان رؤيا وإشارة وأنها كانت شابة وجميلة وكان رسول الله ﷺ يحبها وإن كان بالدرجة الثانية بعد عائشة فالمراد أنها كانت تنافس عائشة على حبه وتقديره ﷺ وفي الكلام قصر طريقه تعريف الطرفين "هي التي" أي دون غيرها من نسائه ﷺ .
(ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى) المفضل في كل تفضيل مقدر، أي أتقى لله من زينب وأصدق حديثا من زينب ... إلخ وأصل "تصدق" و"تقرب" تتصدق وتتقرب.
وهذا المدح والثناء من عائشة وفاء وشكر لجميل موقف زينب من عائشة في حديث الإفك إذ قالت: والله ما علمت عنها إلا خيرا.
(ما عدا سورة من حدة، كانت فيها، تسرع منها الفيئة) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "سورة من حد" بفتح الحاء بلا هاء وفي بعضها "من حدة" بكسر الحاء وبالهاء وقوله "سورة" هي بالسين المفتوحة ثم واو ساكنة ثم راء ثم تاء وهي الثوران وعجلة الغضب وأما الحدة فهي شدة الخلق وثورانه، قال: ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب والفيئة بفتح الفاء والهمزة الرجوع أي إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعا ولا تصر عليه وقد صحف صاحب التحرير في هذا الحديث تصحيفا قبيحا جدا فقال: "ما عدا سودة" بالدال، وجعلها سودة بنت زمعة وهذا من الغلط الفاحش نبهت عليه لئلا يغتر به.
(فاستأذنت على رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها) تشير بذلك إلى سرعة إرسالهن الرسل، وإلى طول مقام الرسول ﷺ معها في مرطها مضاجعا.
(فأذن لها رسول الله ﷺ في رواية "فذهبت زينب حتى استأذنت فقال: ائذنوا لها"
(قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت علي) في رواية "فقالت: حسبك إذا برقت لك بنت ابن أبي قحافة ذراعيها" أي إذا كشفت لك ذراعيها، مال قلبك نحوها، وانصرف قلبك عنا، ومعنى "وقعت بي" أي عابتني يقال: وقع بفلان ووقع في فلان إذا سبه وعابه، أو اغتابه، ومعنى "استطالت علي" أي تطاولت علي وتكبرت علي وترفعت علي وأصله من مد العنق ليراه غيره وليبدو أطول، وفي رواية البخاري "فأغلظت".
(وأنا أرقب رسول الله ﷺ ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها؟ ) "أرقب" أي ألاحظ وأرصد وأنتظر والطرف العين أي أرصد حركاته وإشاراته وما تعبر عنه عينه هل يأذن لي بالرد عليها؟ والوقوع فيها كما وقعت في؟ .
(فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر) أي فلم
стр. 5322
تغادر المكان، أو لم تتوقف عن مهاجمتي والإساءة إلي، حتى فهمت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أرد عليها.
قال النووي: وليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك، فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم ينهها. اهـ.
لكن روى النسائي وابن ماجه مختصرا، عن عائشة قالت: "دخلت على زينب بنت جحش، فسبتني، فرد عليها النبي ﷺ فأبت، فقال: سبيها فسببتها، حتى جف ريقها في فمها" قال الحافظ ابن حجر: فيمكن أن يحمل على التعدد اهـ قلت: وعلى أي حال فإنه يرد قول النووي ﵀ وانتصار المظلوم مشروع والإذن له بالانتصار مشروع وليس ذلك من قبيل خائنة الأعين، بل من أمينة الأعين، وعادلة الأعين.
(قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها) "لم أنشبها" أي لم أمهلها، وفي لسان العرب: يقال: لم ينشب أن فعل كذا، أي لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا اشتغل بسواه، ومثل بحديث عائشة وزينب، وبقول عائشة في رواية "لم أنشب أن أثخنت عليها" وفي ملحق راويتنا الخامسة "فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها" أي بالغت في جراحها وغلبتها.
قال النووي: "حين أنحيت عليها" في بعض النسخ "حتى أنحيت عليها، وهو صحيح، ورجح القاضي "حين" بالنون ومعنى أنحيت عليها بالنون والحاء، أي حتى قصدتها واعتمدتها بالمعارضة.
(فقال رسول الله ﷺ وتبسم: إنها ابنة أبي بكر) أي أنها شريفة، عاقلة، عارفة كأبيها، وفي رواية النسائي "فرأيت وجهه يتهلل".
(إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد) يومي، ويسأل عنه استبطاء له، وتشوقا إليه، و"إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والحال محذوف، وجملة "كان" خبرها.
(يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ ) أي يقول ذلك في مرضه لزوجاته، زاد في رواية البخاري "حرصا على بيت عائشة، فلما كان يومي سكن" وفي رواية للبخاري "كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدا. أين أنا غدا - يريد يوم عائشة - فأذن له أزواجه، يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها" وفي رواية له "لما ثقل على النبي ﷺ واشتد به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له" وعند أحمد "أنه ﷺ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإذا شئتن أذنتن لي" وعند ابن سعد بإسناد صحيح "أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف"
(فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري) أي فلما كان يومها الأصيل، بحسب الدور والقسم، وإلا فقد صارت جميع الأيام في بيتها والسحر بفتح السين وضمها، وإسكان الحاء هي الرئة وما تعلق بها، قيل والمراد به الصدر، قال القاضي: وقيل: إنما هو "شجري" بالشين والجيم، وشبك هذا القائل أصابعه وأومأ إلى أنها ضمته إلى نحرها، مشبكة يديها عليه. قال: والصواب
стр. 5323
المعروف الأول. اهـ. وفي رواية للبخاري عن عائشة ﵂: "أنها كانت تقول: مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي" والحاقنة ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نقرة الترقوة، وقيل: ما دون الترقوة من الصدر وقيل: هي تحت السرة، والذاقنة طرف الحلقوم قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها ﷺ ورضي عنها قال: وهذا لا يغاير حديثها الذي فيه "أن رأسه كان على فخذها" لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها.
قال الحافظ: وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق "أن النبي ﷺ مات ورأسه في حجر علي" وكل طريق منها لا يخلو من شيعي فلا يلتفت إليهم ثم ساق الأحاديث وبين ما فيها من ضعف أو توجيه.
(وهو مسند إلى صدرها) في الأصول "مسند" بكسر النون أي مسند رأسه إلى صدرها.
(ألحقني بالرفيق الأعلى) في الرواية الثامنة "وأخذته بحة يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" وفي الرواية التاسعة "فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: اللهم الرفيق الأعلى" قال النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة "رفيق" تطلق على الواحد والجمع قال تعالى ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩] وقيل: هو الله تعالى، يقال الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة فهو فعيل بمعنى فاعل وفي الحديث "إن الله رفيق يحب الرفق" وأنكر الأزهري هذا القول، مستشكلا برواية "مع الرفيق" ورواية "في الرفيق" قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه لتغليطه من هذه الجهة، لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ. اهـ. وقيل: أراد مرتفق الجنة. اهـ.
وعند النسائي وصححه ابن حبان "فقال: أسألك الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل" وظاهره المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين، وفي الرواية السابعة "قال: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق" وفي رواية "فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض" وقال الجوهري: الرفيق الأعلى الجنة.
قال السهيلي: والحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب وفي الرواية التاسعة "فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف" أي رفعه إلى السماء ولم يطرف "ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى".
(كان رسول الله ﷺ إذا خرج) أي من المدينة مسافرا.
(أقرع بين نسائه) أي ضرب القرعة بينهن بأن كتب اسم كل واحدة منهن على سهم فخلطها، فأخرج من السهام سهما، وإذا أراد خروج اثنتين معه أخرج سهمين.
(فتنظرين وأنظر) أي فتنظرين لما يعاملك به على أنك أنا وأنظر إلى ما يعاملني به على أنني أنت والظاهر أنها كانت تريد أن تطلع حفصة على الإدلال والرقة وعبارات الحب التي تعامل بها عائشة مغايرة لحفصة وكانت عائشة تريد أن تطلع هي على موضوع أحاديثه مع حفصة.
стр. 5324
(قالت: بلى) قبلت عائشة هذا الاقتراح مسرعة من غير روية اندفاعا بحب الاستطلاع فلما فكرت في الأمر ونفذت الفكرة أحست بآلامها وغيرتها.
(فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني) "جعلت" أي صارت "تجعل رجلها" أي تضع رجلها والإذخر نبات دقيق الساعد يكثر في الصحراء تختفي فيه الهوام غالبا، ودعاؤها هذا ليس مقصودا، فإجابته لن تدفع ما أصابها، وكأنها تقصد عقوبة نفسها على قبولها اقتراح حفصة، وإنما قالته من شدة الغيظ.
(رسولك. ولا أستطيع أن أقول له شيئا) "رسولك" خبر مبتدأ محذوف أي هذا رسولك بجوار حفصة، قريب مني، لا أتحمل بعده عني، لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أكشف الحيلة، خوفا من غضبه ﷺ .
(يا عائش) منادى على الترخيم وهو حذف آخر المنادى، وفيه لغتان، لغة من ينتظر فيبقى الحرف الذي قبل الآخر على حركته قبل الحذف، وعلامة إعرابه على الحرف المحذوف ولغة من لا ينتظر فيحرك الحرف الذي قبل الآخر بحركات الإعراب.
(هذا جبريل) يشير إليه، وهو حاضر.
(يقرأ عليك السلام، قالت: فقلت: وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو يرى ما لا أرى) أي ورسول الله ﷺ يرى جبريل ولا أراه وفي رواية البخاري "ترى ما لا أرى أريد رسول الله ﷺ ".
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من روايات الباب]-
١ - من الرواية الأولى فضيلة لعائشة ﵂.
٢ - واستدل به البخاري على جواز النظر إلى المرأة قبل التزويج قال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه قال الحافظ ابن حجر: كأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن عصمتهم في المنام كاليقظة.
قال ابن منير: واستدلال البخاري بهذا الحديث على ما استدل به فيه نظر لأن عائشة كانت إذ ذاك في سنة الطفولية، فلا عورة فيها البتة ولكن يستأنس به في الجملة على أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد.
قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقال الأوزاعي: يجتهد، وينظر إلى ما يريد منها، إلا العورة، وقال ابن حزم: ينظر إلى ما أقبل وما أدبر منها، وعن أحمد في رواية عنه: ينظر إلى ما يظهر غالبا وفي رواية عنه: ينظر إليها متجردة وقال الجمهور أيضا: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها وعن مالك في رواية: يشترط
стр. 5325
إذنها، ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال، لأنها حينئذ أجنبية ورد عليهم بالأحاديث الصحيحة.
٣ - واستدل البخاري بالرواية الثانية على غيرة النساء ووجدهن.
٤ - ومن قوله "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى ... إلخ" استقراء الرجل حال المرأة من فعلها وقولها، فيما يتعلق بالميل إليه، وعدمه.
٥ - والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك، لأنه ﷺ جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه وسكوتها، فبني على تغير الحالتين من الذكر والسكوت تغير الحالتين من الرضا والغضب.
٦ - وفي جواب عائشة ما يشهد لها بالأدب والذكاء والرقة وحسن العشرة قال الطيبي: الحصر في قولها "ما أهجر إلا اسمك" حصر لطيف جدا، لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة فهو كما قيل:
إني لأمنحك الصدود وإنني
قسما إليك مع الصدود لأميل
وقال ابن المنير: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة، مودة ومحبة.
وقال الحافظ ابن حجر: وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم ﵊، دون غيره من الأنبياء دلالة على فريد فطنتها، لأن النبي ﷺ أولى الناس به، كما نص عليه القرآن، فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة.
٧ - قال المهلب: يستدل بقول عائشة على أن الاسم غير المسمى إذ لو كان الاسم عين المسمى لكانت بهجره تهجر ذاته وليس كذلك اهـ. وقال النووي: هذا في حق المخلوقين وأما في حق الله تعالى فالاسم هو المسمى اهـ وفي هذا بحث طويل يطلب من محله.
٨ - مغاضبة الزوجة لزوجها معفو عنها، وإن كانت ذات قدر كبير قال القاضي: مغاضبة عائشة للنبي ﷺ هي مما سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام لعدم انفكاكهن منها، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة قال القاضي: ولولا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه، لأن الغضب على النبي ﷺ وهجره كبيرة عظيمة.
٩ - ومن الرواية الثالثة جواز اللعب بالبنات قال القاضي: وهو مخصص من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن قال: وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن روي عن مالك كراهة شرائهن وهذا محمول على كراهة الاكتساب بها، وتنزيه ذوي المروءات عن تولي بيع ذلك لا كراهة اللعب قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور.
стр. 5326
١٠ - من قولها: "وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ " حياء نساء الأنصار حتى الصغيرات منهن وهيبتهن رسول الله ﷺ .
١١ - ومن قولها "فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي" لطفه ﷺ وحسن خلقه ومعاشرته.
١٢ - واستدل به البخاري على استحباب الانبساط إلى الناس.
١٣ - ومن الرواية الخامسة من قولها "يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة" إلخ قال النووي: كان ﷺ يسوي بينهن في الأفعال والمبيت ونحوه أما محبة القلب فكان يحب عائشة أكثر منهن وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها ولا يلزمه التسوية فيها لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال.
قال: وقد اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء في أنه ﷺ هل كان يلزمه القسم بينهن في الدوام والمساواة في ذلك؟
قال الحافظ ابن حجر: في هذا الحديث أنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتحف وإنما اللازم العدل في المبيت والنفقة ونحو ذلك من الأمور اللازمة كذا قرره ابن بطال عن المهلب وتعقبه ابن المنير بأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك وإنما فعله الذين أهدوا له وهم باختيارهم لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرض الرجل إلى الناس بمثل ذلك لما فيه من التعرض لطلب الهدية وأيضا فالذي يهدي لأجل عائشة كأنه ملك الهدية بشرط والتمليك يتبع فيه تحجير المالك مع أن الذي يظهر أنه ﷺ كان يشركهن في ذلك وإنما وقعت المنافسة لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة.
١٤ - وفيه قصد الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها ليزيد ذلك في سرور المهدى إليه.
١٥ - وفيه تنافس الضرائر وتغيرهن على الرجل.
١٦ - وأن الرجل يسعه السكوت إذ تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض.
١٧ - وفيه جواز التشكي والتوسل في ذلك.
١٨ - وما كان عليه أزواج النبي ﷺ من مهابته والحياء منه، حتى راسلنه بأعز الناس عنده فاطمة ﵂.
١٩ - وفيه سرعة فهمهن ورجوعهن إلى الحق والوقوف عنده.
٢٠ - وفيه إدلال زينب بنت جحش على النبي ﷺ لكونها ابنة عمته.
٢١ - وفيه عذر النبي ﷺ لزينب فقد سكت عن طلبها العدل مع أنه أعدل الناس ولم يؤاخذها وتناولت عائشة طويلا وهو ساكت وقالت عنها عائشة: "وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ".
стр. 5327
٢٢ - وفيه منقبة عظيمة لزينب بنت جحش.
٢٣ - وفيه حرص عائشة على الحق والتصريح به والثناء على صاحبته وإن كانت ضرة.
٢٤ - وفي قولها "وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه ... " جواز العمل بما يفهم من القرائن.
٢٥ - وفيه انتصار الظالم.
٢٦ - وفيه منقبة وفضيلة لعائشة.
٢٧ - ومن الرواية السادسة أن القسم يسقط بإذن الأزواج فكأنهن وهبن أيامهن.
٢٨ - افتخار عائشة بأن النبي ﷺ مات في يومها وفي بيتها وعلى صدرها وفي رواية البخاري "وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر لحظة من حياته".
٢٩ - ومن الرواية التاسعة تخيير الرسل بين الموت والحياة قبل موتهم.
٣٠ - من قوله في آخر كلامه "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" يستفاد الرخصة لغيره في أنه لا يشترط أن يكون ذكر الشهادتين باللسان لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرا بالذكر قاله السهيلي.
٣١ - ومن الرواية العاشرة صحة الإقراع في القسم بين الأزواج وفي الأموال وفي العتق ونحو ذلك مما هو مقرر في كتب الفقه مما في معنى هذا قال النووي: وبإثبات القرعة في هذه الأشياء قاله الشافعي وجماهير العلماء.
٣٢ - وفيه أن من أراد سفرا ببعض نسائه أقرع بينهن كذلك قال النووي: وهذا الإقراع عندنا واجب في حق غير النبي ﷺ وأما النبي ﷺ ففي وجوب القسم في حقه خلاف فمن قال بوجوب القسم جعل إقراعه واجبا ومن لم يوجبه يقول: إقراعه ﷺ من حسن عشرته ومكارم أخلاقه.
٣٣ - قال المهلب في قول حفصة لعائشة: ألا تركبين بعيري وأركب بعيرك"؟ وموافقة عائشة دليل على أن القسم لم يكن واجبا عليه ﷺ فلهذا تحيلت حفصة على عائشة بما فعلت ولو كان واجبا لحرم ذلك على حفصة. اهـ. قال النووي: وهذا الذي ادعاه ليس بلازم، فإن القائل بأن القسم واجب عليه لا يمنع حديث الأخرى في غير وقت عماد القسم قال: قال أصحابنا: يجوز أن يدخل في غير وقت عماد القسم إلى غير صاحبة النوبة فيأخذ المتاع أو يضعه أو نحو ذلك من الحاجات وله أن يقبلها ويلمسها من غير إطالة وعماد القسم في حق المسافر هو وقت النزول فحالة السير ليست منه سواء كان ليلا أو نهارا.
٣٤ - ومن الرواية الحادية عشرة فضيلة لعائشة وقد تقدم ما قيل في التفاضل بين الأزواج.
٣٥ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة فضيلة ظاهرة لعائشة ﵂.
٣٦ - واستحباب بعث السلام.
стр. 5328
٣٧ - وأنه يجب على الرسول به أن يبلغه.
٣٨ - وفيه بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة إذا لم يخف ترتب مفسدة قاله النووي.
٣٩ - وأن الذي يبلغه السلام يرد عليه قال النووي: قال أصحابنا: وهذا الرد واجب على الفور وكذا لو بلغه سلام في ورقة من غائب لزمه أن يرد السلام عليه باللفظ على الفور إذا قرأه.
٤٠ - وفيه أنه يستحب في الرد أن يقول: وعليك أو وعليكم السلام بالواو فلو قال: عليكم السلام أو عليكم أجزأه على الصحيح وكان تاركا للأفضل وقال بعض الشافعية: لا يجزيه. والله أعلم.
стр. 5329
(٦٤٤) تابع باب فضائل عائشة ﵂ حديث أم زرع
٥٤٨٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل. قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره إني أخاف أن لا أذره إن أذكره أذكر عجره وبجره قالت الثالثة: زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد ولا يسأل عما عهد قالت السادسة: زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف ولا يولج الكف ليعلم البث قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء كل داء له داء شجك أو فلك أو جمع كلا لك قالت الثامنة: زوجي الريح ريح زرنب والمس مس أرنب قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد طويل النجاد عظيم الرماد قريب البيت من النادي قالت العاشرة: زوجي مالك. وما مالك؟ مالك خير من ذلك له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح؟ إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني وملأ من شحم عضدي وبجحني فبجحت إلي نفسي وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق فعنده أقول فلا أقبح. وأرقد فأتصبح وأشرب فأتقنح أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح وبيتها فساح ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة ويشبعه ذراع الجفرة بنت أبي زرع؟ فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ جارتها. جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين. فطلقني ونكحها.
فنكحت بعده رجلا سريا ركب شريا وأخذ خطيا وأراح علي نعما ثريا وأعطاني من كل رائحة زوجا قال: كلي أم زرع وميري أهلك فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ : "كنت لك كأبي زرع لأم زرع".
стр. 5330
٥٤٨٥ - وفي رواية عن هشام بن عروة بهذا الإسناد غير أنه قال: عياياء طباقاء ولم يشك وقال: قليلات المسارح وقال: وصفر ردائها وخير نسائها وعقر جارتها وقال: ولا تنقث ميرتنا تنقيثا وقال: وأعطاني من كل ذابحة زوجا.
-[المعنى العام]-
عائشة وفاطمة ﵄ كانتا في سن متقاربة، وكانت غيرة النساء تدفع كلا منهما أن تنافس وتناقش الأخرى ودخل رسول الله ﷺ في يوم، فسمع عائشة تفخر بأبيها وبمال أبيها، فقد كان من أغنياء مكة، وتفخر بإنفاق أبيها ماله كله في سبيل الدعوة حتى نفقة الهجرة كانت من ماله دينا على رسول الله ﷺ ولم تجد فاطمة ما ترد به دعوى عائشة فوقعت في شبه إفحام وخجل ورأى رسول الله ﷺ أن يدفع عن ابنته وأن يبرز الحقيقة الساطعة وهي أن المنة لله ورسوله فقال مخاطبا عائشة: ما أنت بمنتهية يا حميراء عن ابنتي؟ إن مثلي ومثلك كأبي زرع لأم زرع وبسرعة وبذكاء مفرط وبخفة روح وبأدب ورقة حولت عائشة جو المناقشة إلى جو الحب والمرح والمداعبة، فقال: بأبي أنت وأمي أفديك يا رسول الله وما قصة أبي زرع وأم زرع؟ فبدأ يقص قصة حدثت منذ زمن بعيد في أرض بعيدة عن أرضه لا سبيل له بعلمها إلا عن طريق الوحي وعلام الغيوب قال: كان في الزمن الغابر في قرية من قرى اليمن اجتمع نساء من أهل القرية في بيت إحداهن - وكما هي عادة النساء إذا اجتمعن تحدثن عن أزواجهن وأحوالهن في معاشرتهم فاقترحت زعيمتهن أن تتكلم كل واحدة منهن بإيجاز شديد عن زوجها تصفه بما فيه بل بأبرز ما فيه من خير أو شر وتعاهدن وتعاقدن على أن لا يكتمن ولا يكذبن لكن لا عليهن أن يتكلمن بالكناية والإشارة إن خفن الإفصاح والتصريح بالتجريح.
قالت الأولى: زوجي لحم جمل، لا لحم ضأن بل لحم جمل غث رديء ومع ذلك فهو بعيد المنال صعب المعاملة ليس سهلا فتصل الزوجة إلى قلبه وتعمل على مرضاته ابتغاء خير ولو قل وليس فيه خير يطمع فيه فيسعى إليه ولو بمشقة فهو حقير بعيد المنال.
وقالت الثانية: زوجي لا حسن فيه، لا أجد ما أذكره به كله عجر وبجر وعيوب وأخاف إن فسرتها وبلغه قولي طلقني وأنا لا أستطيع العيشة بدونه.
وقالت الثالثة: زوجي مفرط في الطول المذموم، سيئ الخلق أنا معه بين نارين، إن نطقت بكلمة أطلب فيها حقي ضربني وطلقني وإن سكت على حقوقي وعلى إهانته واحتقاره لي أكن كالمعلقة لا هي زوجة ولا هي مطلقة.
وقالت الرابعة: زوجي سهل طيب مريح كالنسيم العليل في ليالي الصيف في منطقة تهامة لا أخاف شره ولا أسأم من جواره.
стр. 5331
وقالت الخامسة: زوجي حسن المعاشرة رقيق حنون حين يدخل بيتي خفيف الحركة كثير الوقاع، يتغافل عما لا يرضيه من أحوالي يتجاهل سوء تصرفي لا يسألني ماذا فعلت؟ ولا لماذا فعلت؟ ولا لم لم تفعلي؟ وليس ذلك فيه غفلة وضعفا واستكانة وذلة فهو مع الناس خارج البيت أسد جسور يحسب له كل حساب.
قالت السادسة: زوجي شره أكول كثير النوم قليل الوصال يأكل ويشرب ينام ولا يمد يده نحوي بالمداعبة ولا يحاول مداخلتي، ولا إرضائي، ولا معرفة همومي وأحزاني.
قالت السابعة: زوجي مظلم الأخلاق، ضال لا يهتدي، أموره كلها مغلقة عليه، لا يكاد يبين، فإن تكلم ظهر حمقه، يضربني فيكسر عظامي أو يشق لحمي أو يجمع بين الكسر والشق، كل داء عند الناس هو فيه.
قالت الثامنة: زوجي ناعم الملمس كالأرنب، رقيق المشاعر لين الخلق، طيب الريح.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، شجاع كريم، يقصده الناس فيكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الدهر ويسكن في أبرز مكان، وفي أقرب مكان للمحتاجين.
قالت العاشرة: زوجي اسمه مالك، وله من اسمه نصيب فهو غني مالك وهو خير من كل من مدحتن من أزواج، يملك من الإبل الكثير ويذبح منها للضيفان ذبح من لا يخشى الفقر حتى أصبحت إبله الحية تترقب الموت، وتنتظر النحر، لما رأت من ذبح أختها بين الحين والحين.
قالت الحادية عشرة: وهي أم زرع - وقد كنيت بزرع ابن زوجها - زوجي غني سخي حسن العشرة احتضنني وأكرمني ورفعني وأعزني كنت من قوم فقراء يعيشون على غنيمات بشق الأنفس أجسامهم نحيلة من الجوع، ثيابهم خلقة من الفقر لا يملكون زينة لنسائهم فأثقل أذني وصدري وساعدي بالذهب والحلي وأشبعني بأصناف المأكولات والمشروبات حتى سمنت واحترمني وعظمني فعظمت نفسي إلى نفسي وشعرت عنده بالعزة والكرامة إذا تكلمت سمع قولي ونفذ أمري وإذا نمت نمت نوم العروس نوم هناء لا إزعاج فيه، إذا أكلت أكلت ما أشتهي من ألوان الطعام حتى أشبع وإذا شربت شربت من أصناف المشروبات حتى أروى.
وهكذا شعرت أم زرع عند أبي زرع بالسعادة والحب وحب الشخص يسري إلى حب من حوله حتى الجماد الذي يحيط به وقديما قال الشاعر:
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وقال الآخر:
فأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري
لذا نجدها تصف حماتها أم زوجها بالغنى وكثرة الخير وتصف ابن زوجها بالرقة والحسن، وتصف ابنة زوجها بالجمال والحسن، ونقاء الطبع، حتى جارية أبي زرع تصفها بالأمانة والنظافة والطاعة.
стр. 5332
كل هذه الأوصاف تقولها على الرغم من أن أبا زرع طلقها وتزوج غيرها وتزوجت غيره من أهل الثراء لكن صدق القائل: وما الحب إلا للحبيب الأول.
وهكذا ذكر رسول الله ﷺ هذه القصة ليقول في آخرها ما قاله في أولها: كنت لك كأبي زرع لأم زرع فتقول عائشة ﵂ وعلى شفتيها ابتسامة الحب والاعتذار - بل أنت يا رسول الله خير لي من أبي زرع لأم زرع.
-[المباحث العربية]-
(عن عائشة ﵂ أنها قالت: جلس إحدى عشرة امرأة) ظاهر هذا أن الحديث موقوف غير مرفوع قال الحافظ ابن حجر: المرفوع منه في الصحيحين قوله ﷺ "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" وباقيه من قول عائشة وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله فعند النسائي بلفظ "قال لي رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع قالت عائشة بأبي وأمي يا رسول الله ومن كان أبو زرع؟ قال: اجتمع نساء ... " فساق الحديث كله.
وأما قوله "جلس إحدى عشرة امرأة" فهو هكذا في معظم نسخ مسلم قال ابن التين: التقدير: جلس جماعة إحدى عشرة امرأة وهو مثل قوله تعالى ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ [يوسف: ٣٠] اهـ. أي كان حق الفعل أن يؤنث لأن الفاعل حقيقي التأنيث وفي رواية أبي عوانة "جلست إحدى عشرة امرأة" وفي رواية "اجتمع إحدى عشرة امرأة" وفي بعض نسخ مسلم وفي رواية أبي يعلى "اجتمعن إحدى عشرة امرأة" قال القرطبي: زيادة النون على لغة "أكلوني البراغيث" وقد أثبتها جماعة من أئمة العربية، أي أثبتوا لحوق علامة الجمع والتثنية والتأنيث في الفعل إذا تقدم على الأسماء واستشهدوا لها بقوله تعالى ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [الأنبياء: ٣] وحديث "يتعاقبون فيكم ملائكة" وقد تكلف بعض النحاة رد هذه اللغة إلى اللغة المشهورة وهي أن لا يلحق علامة الجمع أو التثنية أو التأنيث في الفعل، إذا تقدم على الأسماء، وخرج لها وجوها وتقديرات في غالبها نظر ولا يحتاج إلى ذلك بعد ثبوتها نقلا وصحتها استعمالا.
وقال عياض: الأشهر ما وقع في الصحيحين، وهو توحيد الفعل مع الجمع.
ومن التوجيهات التي ذكروها في رواية "جلسن" أي يكون "إحدى عشرة" بدلا من الضمير في "جلسن"، والنون على هذا ضمير، لا حرف علامة، أو أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: من هن؟ فقيل: إحدى عشرة امرأة، أو مفعول به منصوب، بإضمار أعني.
وسميت أسماؤهن في روايات ضعيفة لا يعتد بها، ولم يسم - في رواية من الروايات - أزواجهن، ولا ابنة أبي زرع ولا أمه ولا الجارية ولا المرأة التي تزوجها أبو زرع ولا الرجل الذي تزوجته أم زرع.
وقد اختلف ترتيبهن في بعض الروايات في غير الصحيحين عنها في الصحيحين ولا ضير في ذلك ولا أثر للتقديم والتأخير.
وفي سبب سياق هذا الحديث أخرج أبو القاسم عبد الحكيم بن حيان بسند له مرسل "دخل
стр. 5333
رسول الله ﷺ على عائشة وفاطمة - وقد جرى بينهما كلام - فقال: ما أنت بمنتهية يا حميراء عن ابنتي؟ إن مثلي ومثلك كأبي زرع مع أم زرع فقالت: يا رسول الله حدثنا عنهما فقال: كانت قرية فيها إحدى عشرة امرأة وكان الرجال خلوفا فقلن: تعالين نتذاكر أزواجنا بما فيهم ولا نكذب".
وأخرج النسائي عن عائشة قالت: فخرت بمال أبي في الجاهلية وكان ألف ألف أوقية وفيه فقال ﷺ : "اسكتي يا عائشة فإني كنت لك كأبي زرع لأم زرع".
وفي رواية الزبير بن بكار عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي بعض نسائه فقال - يخضني بذلك - يا عائشة أنا لك كأبي زرع لأم زرع قلت: يا رسول الله ما حديث أبي زرع وأم زرع؟ قال: "إن قرية من قرى اليمن كان بها بطن من بطون اليمن وكان منهن إحدى عشرة امرأة وأنهن خرجن إلى مجلس فقلن: تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم ولا نكذب" لكن في رواية الهيثم أنهن كن بمكة والراجح الأول فقد أفاد أبو محمد بن حزم فيما نقله عياض أنهن كن من خثعم وهم من أهل اليمن ووقع في رواية عند النسائي أنهن كن في الجاهلية.
قال الحافظ ابن حجر: وحكى عياض ثم النووي قول الخطيب في المبهمات: لا أعلم أحدا سمى النسوة المذكورات في حديث أم زرع إلا من طريق الزبير بن بكار وهو غريب جدا وذكر أسماء لا فائدة من ذكرها هنا وترتيبهن في رواية الزبير غير ترتيبهن في روايات الصحيحين فالأولى فيها هي الرابعة في الصحيحين والثانية فيها هي الثامنة في الصحيحين والثالثة فيها هي العاشرة والرابعة فيها هي الأولى والخامسة فيها هي التاسعة والسادسة فيها هي السابعة والسابعة فيها هي الخامسة والثامنة فيها هي السادسة والتاسعة فيها هي الثانية والعاشرة فيها هي الثالثة وقد اختلف كثير من الرواة في ترتيبهن قال الحافظ: ولا ضير في ذلك ولا أثر للتقديم والتأخير فيه.
(فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا) أي ألزمن أنفسهن عهدا وعقدن على الصدق من ضمائرهن عقدا أن لا يكتمن من محاسن أو مساوئ أزواجهن شيئا من الأمور المهمة وفي رواية "أن يتصادقن بينهن ولا يكتمن" وفي رواية "أن ينعتن أزواجهن ويصدقن" وفي رواية "فتبايعن على ذلك".
(قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل) "الغث" بفتح الغين وتشديد الثاء الهزيل الذي يستغث من هزاله أي يستترك ويستكره، وكثر استعماله في مقابلة السمين، فيقال للحديث المختلط: فيه الغث والسمين و"غث" هنا يجوز جره صفة للجمل ورفعه صفة للحم والمشهور في الرواية الخفض والوعر الصعب في الوصول إليه لكثرة عوائق الصعود وفي رواية "وعث" بالثاء بدل الراء وهي أوفق للسجع أي صعب المرتقى بحيث توحل فيه الأقدام فلا يتخلص منه، ويشق فيه المشي ومنه وعثاء السفر وقولها "لا سهل" بالفتح بدون تنوين ويجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي لا هو سهل ويجوز الجر على أنه صفة جمل وجبل والأمر نفسه في قوله "ولا سمين" وعند النسائي "لا سهلا ولا سمينا" وعنده أيضا "لا بالسمين ولا بالسهل" قال القاضي عياض: أحسن الأوجه عندي الرفع في الكلمتين من جهة سياق الكلام وتصحيح المعنى لا من جهة تقديم اللفظ وذلك أنها أودعت كلامها تشبيه
стр. 5334
شيئين بشيئين، شبهت زوجها باللحم الغث وشبهت سوء خلقه بالجبل الوعر، ثم فسرت ما أجملت، فكأنها قالت: لا الجبل سهل فلا يشق ارتقاؤه لأخذ اللحم ولو كان هزيلا لأن الشيء المزهود فيه قد يؤخذ إذا وجد بغير نصب، ثم قالت: ولا اللحم سمين فتتحمل المشقة في صعود الجبل لأجل تحصيله. اهـ.
وقولها "ولا سمين فينتقل" من الانتقال أي أنه لهزاله لا يرغب أحد في الانتقال إليه وفي رواية "فينتقى" أي ليس له نقي يستخرج بكسر النون وسكون القاف والنقي المخ يقال: نقوت العظم ونقيته وانتقيته إذا استخرجت مخه وقد كثر استعماله في اختيار الجيد من الرديء قال القاضي عياض: أرادت أنه ليس له نقي، فيطلب لأجل ما فيه من النقى، وليس المراد أنه فيه نقي لا يطلب استخراجه، قالوا: آخر ما يبقى في الجمل مخ عظم المفاصل ومخ العين، وإذا نفدا لم يبق فيه خير، قالوا: وصفته بقلة الخير وبعده مع القلة فشبهته باللحم الذي صغرت عظامه عن النقى وخبث طعمه وريحه مع كونه في مرتقى يشق الوصول إليه فلا يرغب أحد في طلبه لينقله إليه مع توفر دواعي أكثر الناس على تناول الشيء المبذول مجانا.
وقال النووي: فالمعنى أنه قليل الخير من أوجه منها: كونه لحم جمل لا لحم ضأن - يقول بعضهم: ليس في اللحوم أشد غثاثة من لحم الجمل لأنه يجمع خبث الطعام وخبث الريح - ومنه أنه مع ذلك الغث المهزول الرديء من لحوم الجمال، ومنها أنه صعب التناول لا يوصل إليه إلا بمشقة شديدة وقال الخطابي: إن التشبيه بالجبل الوعر إشارة إلى سوء خلقه وأنه يترفع ويتكبر ويسمو بنفسه فوق موضعها، فيجمع البخل وسوء الخلق.
(قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره إن أذكره أذكر عجره وبجره) "لا أبث خبره" بالباء والثاء أي لا أنشر خبره ولا أشيعه وفي رواية "لا أنث خبره" بالنون بدل الباء أي لا أذيع شره وفي رواية "لا أنم خبره" من النميمة "إني أخاف أن لا أذره" قال النووي: فيه تأويلان: أحدهما لابن السكيت وغيره، أن الهاء عائدة على "خبره" أي إني أخاف - إن شرعت في تفصيل خبره - أن لا أقدر على إتمامه لطوله وكثرته، ثانيهما أن الهاء عائدة على الزوج وتكون "لا" زائدة كما في قوله تعالى ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] اهـ. ومعناه: إني أخاف أن يطلقني، فأذره كأنها خشيت - إذا ذكرت ما فيه - أن يبلغه فيفارقها وهي لا تقدر على تركه لعلاقتها به وبأولادها منه، فاكتفت بالإشارة إلى أن له معايب، وفاء لما التزمته من الصدق وسكتت عن تفسيرها للعذر الذي ذكرته "والعجر" بضم العين وفتح الجيم جمع عجرة وهي تعقد العصب والعروق في الجسد حتى تصير ناتئة وقال ابن الأعرابي: هي نفخة في الظهر وقال بعضهم: العجر العقد التي تكون في البطن واللسان وقيل: في الجنب والبطن أما "البجر" فبضم الباء وفتح الجيم وجمع بجرة بضم الباء وسكون الجيم وهي النفخة في السرة أو في البطن ثم استعملا في الهموم والأحزان وفيما يكتمه المرء ويخفيه عن غيره وقال الخطابي: أرادت عيوبه الظاهرة وأسراره الكامنة قال: ولعله كان مستور الظاهر رديء الباطن وقال بعضهم: عنت أن زوجها كثير المعايب متعقد النفس عن المكارم.
стр. 5335
(قالت الثالثة: زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق) "العشنق" بعين مفتوحة وشين مفتوحة ونون مشددة مفتوحة بعدها قاف وهو الطويل وقيل: هو المذموم الطول وقيل: هو طويل العنق قال الأصمعي: أرادت أنه ليس عنده أكثر من طوله، من غير نفع وقيل: ذمته بالطول لأن الطول في الغالب دليل السفه وعلل ببعد الدماغ عن القلب وأغرب من قال: مدحته بالطول لأن العرب تمتدح بذلك وتعقب بأن سياقها يقتضي أنها ذمته وأجيب عن التعقيب باحتمال أنها أرادت مدح خلقه وذم خلقه فكأنها قالت: له منظر بلا مخبر وهو محتمل.
وقيل: العشنق الطويل النجيب الذي يملك أمر نفسه ولا تتحكم النساء فيه بل يحكم فيهن بما يشاء فزوجته تهابه أن تنطق بحضرته فهي تسكت على مضض.
وقيل: هو المقدام على ما يريد الشرس في أموره وقيل: السيئ الخلق.
وقولها "إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق" معناه أنها إذا ذكرت عيوبه فيبلغه طلقها وإن سكتت عن ذكر عيوبه فهي عنده كالمعلقة ليست ذات زوج ولا خالية من الزوج أي لست ذات زوج فأنتفع به ولا مطلقة فأتفرغ لغيره قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون قولها "أعلق" مشتقا من علاقة الحب أو من علاقة الوصلة أي إن نطقت طلقني وإن سكت استمر بي زوجة وأنا لا أؤثر تطليقه لي، فلذلك أسكت.
(قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة) ما بعد "لا" بالفتح من غير تنوين مبني مع "لا" على الفتح وجاء الرفع مع التنوين فيها على أن "لا" عاملة عمل "ليس" وخبرها محذوف، أي ليس فيه حر، كذا في القراءات المشهورة في مثل قوله تعالى ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ [البقرة: ٢٥٤] و ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] وعند النسائي "ولا برد" بدل "ولا قر" وزاد في رواية الزبير بن بكار "والغيث غيث غمامة" وقد ضربوا المثل بليل تهامة في الطيب، لأنها بلاد حارة في غالب الزمان، وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل كان وهج الحر ساكنا فيطيب الليل لأهلها بالنسبة لما كانوا فيه من أذى حر النهار أما أن ليل تهامة لا مخافة فيه على أهلها فلأنهم محصنون بجبالها. فوصفت زوجها بجميل العشرة واعتدال الحال، وسلامة الباطن، فكأنها قالت: لا أذى عنده ولا مكروه وأنا آمنة منه فلا أخاف من شره ولا ملل عندي منه ولا عنده مني فأسأم عشرته أو يسأم عشرتي لأنه ليس بسيئ الأخلاق فأنا لذيذة العيش عنده كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل وقيل: أرادت بنفي الخوف وصف زوجها بأنه حامي الذمار مانع لداره وجاره ولا مخافة عند من يأوي إليه ثم أرادت وصفه بالجود بنفي سآمة من يأوي إليه ونفي سآمته من كثرة الأضياف واللاجئين.
قال النووي: وهذا مدح بليغ.
(قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد ولا يسأل عما عهد) "فهد" بفتح الفاء وكسر الهاء فعل ماض مشتق من الفهد شبهته بالفهد في كثرة النوم يقال: أنوم من فهد وفي كثرة الغفلة في منزله عن تعهد ما ذهب من متاعه وما بقي وقوله "أسد" بفتح الهمزة وكسر السين مشتق من الأسد أي يصير بين الناس مثل الأسد وكلاهما يحتمل المدح والذم وأكثر
стр. 5336
الشراح شرحوه على المدح فقال بعضهم وصفته بكثرة الجماع لها إذا دخل فهي محبوبة لديه بحيث لا يصبر عنها إذا رآها وإذا خرج كان في الإقدام مثل الأسد وبأنه شديد الكرم وكثير التغاضي لا يتفقد ما ذهب من ماله وإذا جاء بشيء لبيته لا يسأل عنه بعد ذلك أو لا يلتفت إلى ما يرى في البيت من المعايب بل يسامح ويغضي.
وقال بعضهم: شبهته بالفهد في دخوله بالرزق الوفير لأنهم قالوا في المثل: أكسب من فهد وأصله أن الفهود الهرمة تجتمع على فهد منها فتي فيتصيد عليها كل يوم حتى يشبعها فكأنها قالت: إذا دخل المنزل دخل بالكسب لأهله كما يجيء الفهد لمن يلوذ به من الفهود الهرمة ثم رفعت ما قد يحتمل الذم من جهة كثرة النوم بوصفها له بالأسد فأفصحت أن الأول سجية كرم ونزاهة شمائل ومسامحة في العشرة لا سجية جبن وخور في الطبع.
وزاد في رواية الزبير بن بكار "ولا يرفع اليوم لغد" يعني لا يدخر - لكرمه - ما حصل عنده اليوم من أجل غد فكنت بذلك عن غاية جوده، أو المراد وصفه بالحزم في جميع أموره فلا يؤخر ما يجب عليه اليوم إلى الغد.
وبعض الشراح شرحوه على الذم فقال بعضهم: شبهته بالفهد من جهة أنه غليظ الطبع ليست عنده مداعبة ولا ملاعبة قبل المواقعة بل يثب وثوبا كالوحش أو من جهة سوء الخلق، وأنه يبطش بها ويضربها وإذا خرج على الناس كان أمره في العنف أشد قسوة ولا يسأل عن أحوالها إذا دخل بعد غيبة حتى لو عرف أنها مريضة أو معوزة لا يسأل عن شيء من ذلك ولا يتفقد حال أهله ولا بيته.
قال عياض: وقد قلب الوصف بعض الرواة فقال "إذا دخل أسد وإذا خرج فهد" قال: فإن كان محفوظا فمعناه أنه إذا خرج إلى مجلسه كان على غاية من الرزانة والوقار وحسن السمت أو كان على غاية من تحصيل الكسب وإذا دخل كان متفضلا مواسيا لأن الأسد يوصف بأنه إذا افترس أكل من فريسته بعضا وترك الباقي لمن حوله من الوحوش ولم يهاوشهم عليها اهـ.
وفي الكلام مطابقة أو مقابلة لفظية بين "دخل" و"خرج" ومقابلة معنوية بين "فهد" و"أسد".
(قالت السادسة: زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف ولا يولج الكف ليعلم البث) قال النووي: قال العلماء: اللف في الطعام الإكثار منه، مع التخليط من صنوفه حتى لا يبقى منها شيء والاشتفاف في الشرب أن يستوعب جميع ما في الإناء مأخوذ من الشفافة بضم الشين وهي ما بقي في الإناء من الشراب فإذا شربها قيل اشتفها وتشافها وقولها "ولا يولج الكف ليعلم البث" قال أبو عبيد: أحسبه كان بجسدها عيب أو داء كنت به لأن البث الحزن فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك لئلا يشق عليها فوصفته بالمروءة وكرم الخلق وقد رد ابن قتيبة على أبي عبيد تفسيره وقال: كيف تمدحه بهذا وقد ذمته في صدر الكلام؟ ورد ابن الأنباري على ابن قتيبة بأن النسوة تعاقدن أن لا يكتمن شيئا من أخبار أزواجهن فمنهن من كانت أوصاف زوجها كلها حسنة فوصفتها ومنهن من كانت أوصاف زوجها قبيحة فذكرتها ومنهن من كانت أوصافه فيها حسن وقبيح فذكرتهما.
стр. 5337
وقال ابن الأعرابي: هذا ذم له أرادت: وإن اضطجع ورقد التف في ثيابه في ناحية ولم يضاجعها ليعلم ما عندها من محبته، قال: ولا بث هناك إلا محبتها الدنو من زوجها.
وقال آخرون: أرادت أنه لا يتفقد أموري ومصالحي.
وعند النسائي "إذا أكل اقتف" أي جمع واستوعب ومنه سميت القفة لجمعها ما وضع فيها وزاد "وإذا ربح اغتث" أي تحرى الغث الهزيل وفي رواية "استف" بالسين بدل الشين وهي بمعناها.
(قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء كل داء له داء شجك أو فلك أو جمع كلالك) قال النووي: هكذا وقع في هذه الرواية "غياياء" بالغين "أو عياياء" بالعين وفي أكثر الروايات بالغين وأنكرها أبو عبيدة وغيره وقالوا: الصواب بالعين وهو الذي لا يلقح وقيل: هو العنين الذي تعييه مباضعة النساء ويعجز عنها وقال القاضي وغيره: غياياء بالغين صحيح وهو مأخوذ من الغياية وهي الظلمة وكل ما أظل الشخص ومعناه لا يهتدي إلى مسلك أو أنها وصفته بثقل الروح وأنه كالظل المتكاثف المظلم الذي لا إشراق فيه أو أنها أرادت أنه غطيت عليه أموره أو يكون "غياياء" من الغي وهو الانهماك في الشر أو من الغي الذي هو الخيبة قال الله تعالى ﴿فسوف يلقون غيا﴾ [مريم: ٥٩] وأما "طباقاء" فمعناه المطبقة عليه أموره حمقا وقيل: هو الذي يعجز عن الكلام فتنطبق شفتاه وقيل: هو العيي الأحمق، وقال ابن فارس: "الطباقاء" الذي لا يحسن الضراب فعلى هذا يكون تأكيدا لاختلاف اللفظ كقولهم: بعدا وسحقا. وقولها "شجك" أي جرحك في الرأس فالشجاج جراحات الرأس وقيل: الجراحات فيه وفي الجسد والفل الكسر والضرب ومعناه أنها معه بين شج رأس وضرب وكسر عضو أو جمع بينهما زاد في رواية "أو بجك" بالباء والجيم، أي طعنك في جراحتك فشقها والبج شق القرحة ووقع في رواية الزبير "إن حدثته سبك وإن مازحته فلك وإلا جمع كلالك". وقيل: المراد بالفل هنا الخصومة، وقولها "كل داء له داء" أي جمع أدواء الناس وعيوبهم مجتمعة فيه. اهـ.
و"أو" في "غياياء" أو "عياياء" شك من الراوي و"أو" في شجك أو فلك، أو جمع كلالك للتقسيم، لا للتخيير.
(قالت الثامنة: زوجي الريح ريح زرنب والمس مس أرنب) في رواية البخاري "زوجي المس من أرنب والريح ريح زرنب" وزاد في رواية الزبير "وأنا أغلبه والناس يغلب".
والزرنب نبت طيب الريح وقيل: هو شجرة عظيمة بالشام بجبل لبنان لها ورق بين الخضرة والصفرة وقيل: هو حشيشة دقيقة طيبة الرائحة وليست ببلاد العرب وإن كانوا قد ذكروها في أشعارهم.
والأرنب دويبة معروفة لينة المس ناعمة الوبر جدا. واللام في "المس" و"الريح" نائبة عن الضمير أي مسه وريحه وصفته بأنه لين الجسد ناعمه، ويحتمل أن تكون كنت بذلك عن حسن خلقه ولين جانبه وبأنه طيب العرق لكثرة نظافته واستعماله الطيب تظرفا ويحتمل أن تكون كنت بذلك
стр. 5338
عن طيب حديثه أو طيب الثناء عليه لجميل معاشرته وأما قولها في رواية "وأنا أغلبه والناس يغلب" فقد وصفته بأنه مع جميل عشرته لها وصبره عليها وصفته بالشجاعة وهو كما قال معاوية: يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام.
(قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد طويل النجاد وعظيم الرماد قريب البيت من الناد) قال النووي: هكذا هو في النسخ "النادي" بالياء وهو الفصيح في العربية لكن المشهور في الرواية حذفها ليتم السجع و"العماد" بكسر العين أصله عماد البيت وجمعه عمد بضم العين والميم وهي العيدان التي تعتمد بها البيوت العربية - في المضارب والخيام - والبيت الرفيع ببنائه أو بأرضه وقاعدته يسكنه عادة الأشراف ومن لازم طول البيت غالبا أن يكون متسعا فيدل على كثرة الخدم والحشم والحاشية والغاشية كما يراه الضيفان وأصحاب الحوائج فيقصدونه فكأنها وصفته بالرفقة والشرف، وقيل: أرادت برفيع العماد أنه طويل الجسم فارتفاع الخيمة قد يكون لطول قامة أهلها وليس هذا بشيء فسيأتي مدح طول القامة في "طويل النجاد" و"النجاد" بكسر النون حمائل السيف وطولها يسلتزم طول حاملها قال بعضهم: وأشارت ضمن ذلك إلى أنه صاحب سيف وأنه شجاع وأما قولها "عظيم الرماد" أي كثير الرماد المتخلف عن كثرة النار التي يوقدها لطهي طعام الضيفان أو النار التي يوقدها الأجواد ليلا على التلال ومشارف الأرض لتهتدي بها الضيفان وأرادت بذلك وصفه بالكرم والجود وقولها "قريب البيت من الناد" تكنى به عن الكرم والسؤدد والمكانة لأنه لا يقرب البيت من النادي إلا إذا كان صاحبه أهلا للقاء القاصدين وإكرامهم وحل مشاكلهم وإصلاح أمورهم فالنادي مجلس القوم فهم إذا تفاوضوا وتشاوروا في أمر جلسوا قريبا من بيته فاعتمدوا على رأيه وامتثلوا أمره.
زاد الزبير بن بكار في روايته "لا يشبع ليلة يضاف ولا ينام ليلة يخاف" أي يجوع ليشبع الضيفان ويسهر حارسا وحاميا من يخاف.
ومحصل كلامها وصفه بالسيادة والكرم وحسن الخلق وطيب المعاشرة.
(قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك؟ مالك خير من ذلك له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك) "وما مالك"؟ الاستفهام للتفخيم والتعظيم والتعجب كقوله تعالى ﴿الحاقة * ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١ - ٢]؟ و ﴿القارعة - ما القارعة﴾ [القارعة: ١ - ٢]؟ أي شيء عظيم هائل أي ما أعظمه وما أكرمه وقولها "مالك خير من ذلك" زيادة في التعظيم وتفسير لبعض الإبهام والمعنى مالك خير مما أقوله عنه من ثناء أي هو خير مما سأقول عنه ومدحي قاصر عن حقيقته وواقعه ومهما قلت فلن أوفيه حقه فالإشارة إلى ما ستقوله من مدح وقيل: الإشارة إلى ما في ذهن المخاطب أي مالك خير مما يخطر ببالك من الثناء ويحتمل أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الثناء على الذين قبله أي مالك أجمع من الذين قبله لخصال السيادة والفضل و"المبارك" بفتح الميم والباء جمع مبرك وهو موضع راحة الإبل ومبيتها و"المسارح" جمع مسرح وهو الموضع الذي تطلق الإبل لترعى فيه والمعنى له إبل كثيرة والقليل منها الذي يخرج للمسارح والرعي، أما غالبها فيبقى في المبارك استعدادا للضيفان فإن
стр. 5339
فاجأه ضيف وجد عنده ما يقريه به من لحومها وألبانها ويحتمل أن قلة المسارح كناية عن كثرة الضيفان فاليوم الذي يكثر فيه الضيفان لا تسرح حتى يقضي الضيفان حاجتهم منها ويحتمل أن المراد من المبارك والمسارح أيام البروك وأيام السرح فاليوم الذي لا يطرقه فيه أحد أو يكون هو غائبا تسرح كلها فأيام الطروق أكثر من أيام عدمه فهي لذلك قليلات المسارح ويحتمل أن المراد بكثرة المبارك أنها كثيرات ما تثار لتحلب ثم تترك فتبرك ثم تثار فتحلب ثم تترك فتبرك فهي بذلك كثيرات المبارك وفي رواية "عظيمات المبارك" أي سمينة وجثتها عظيمة فتعظم مباركها وتتسع ويحتمل أن المراد بقلة مسارحها قلة الأمكنة التي ترعى فيها من الأرض وأنها لا تمكن من الرعي إلا بقرب المنازل لئلا يشق طلبها إذا احتيج إليها ويكون ما قرب
من المنزل كثير الخصب، لئلا تهزل.
و"المزهر" بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الهاء آلة من آلات اللهو وقيل هو العود وقيل: هو دف مربع. وأنكر بعضهم تفسير المزهر بالعود وقال: ما كانت العرب تعرف العود إلا من خالط منهم الحضر قال: وإنما هو بضم الميم وكسر الهاء وهو الذي يوقد النار فيزهرها للأضياف قال القاضي: وهذا خطأ منه لأنه لم يروه أحد بضم الميم ولأن المزهر- بكسر الميم - مشهور في أشعار العرب ولأنه لا يسلم له أن هؤلاء النسوة من غير الحاضرة فقد جاء في رواية أنهن من قرية من قرى اليمن اهـ قال الحافظ ابن حجر: و"أيقن أنهن هوالك" معناه أنه كثرت عادته بنحر الإبل لقرى الضيفان ومن عادته أن يسقيهم ويلهيهم، أو يتلقاهم بالغناء مبالغة في الفرح بهم فصارت الإبل إذا سمعت صوت الغناء عرفت أنها تنحر ويحتمل أن أم زرع لم ترد فهم الإبل لهلاكها ولكن لما كان ذلك يعرفه من يعقل أضيف إلى الإبل قال: والأول أولى.
(قالت الحادية عشرة) قال النووي: وفي بعض النسخ "الحادي عشر" وفي بعضها "الحادية عشر"
والصحيح الأول، اهـ وفي رواية الزبير "وهي أم زرع بنت أكميل بن ساعدة"
(زوجي أبو زرع) في رواية النسائي "نكحت أبا زرع".
(فما أبو زرع؟ ) في رواية "وما أبو زرع" قال الحافظ ابن حجر: وهو المحفوظ للأكثر زاد الطبري في رواية "صاحب نعم وزرع".
(أناس من حلي أذني) "حلي" بضم الحاء وكسرها اللام جمع حلية والياء في "أذني" مشددة تثنية أذن و"أناس" أي أثقل حتى تدلى واضطرب والنوس حركة كل شيء متدل يقال: ناس ينوس نوسا وأناسه غيره إناسة ووقع في رواية "أذني وفرعي" بالياء المشددة فيهما قال القاضي عياض: يحتمل أن تريد بالفرعين اليدين لأنهما كالفرعين من الجسد تعني أنه حلى أذنيها ومعصميها أو أرادت بالفرعين العنق واليدين وأقامت اليدين مقام فرع واحد أو أرادت بالفرعين اليدين والرجلين كذلك أو أرادت
стр. 5340
بالفرعين الغديرتين، وقرني الرأس - والغديرة الذؤابة المضفورة من شعر المرأة - فقد جرت عادة المترفات - بتنظيم غدائرهن وتحلية نواصيهن وقرونهن بالحلي وفي رواية "وفرعي" بالإفراد أي حلى رأسي فصار يتدلى من كثرته وثقله والعرب تسمي شعر الرأس فرعا.
(وملأ من شحم عضدي) بالتثنية والعضد ما بين المرفق والكتف قال العلماء: معناه أسمنني وملأ بدني شحما فهي لم ترد العضد وحده وإنما أرادت الجسد كله لأن العضد إذا سمنت سمن سائر الجسد وخصت العضد بالذكر من بين سائر الجسد لأنه أقرب ما يلي بصر الإنسان من جسده.
(وبجحني فبجحت إلي نفسي) أي فرحني ففرحت وقيل عظمني فعظمت إلي نفسي وقيل: فخرني ففخرت وقيل: وسع علي ومتعني وأترفني، يقال: بجح به يبجح بفتح الجيم فيهما وبجح به يبجح بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وأبجحه وبجحه وروايتنا "بجحني" بتشديد الجيم ورواية البخاري بتخفيفها "فبجحت" بكسر الجيم المخففة وسكون التاء، وفي رواية "فتبجحت إلي نفسي" بتشديد الجيم المفتوحة وسكون التاء وفي رواية النسائي "وبجح نفسي فبجحت إلي" بسكون التاء وفي أخرى له بضم التاء.
(وجدني في أهل غنيمة بشق) "غنيمة" بضم الغين مصغر للتقليل وأهل الغنم أقل شأنا وحالا من أهل الإبل والخيل والعرب لا تعتد بأهل الغنم وقولها "بشق" بكسر الشين وفتحها أي بشق جبل لقلتهم وقلة غنمهم وقيل: اسم موضع وقيل: بمشقة وشظف من العيش واختاره عياض وغيره ومنه قوله تعالى ﴿لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧]
(فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق) الصهيل صوت الخيل والأطيط أصوات الإبل، والدائس هو الذي يدوس الزرع ليخرج الحب من غلافه وقشوره و"منق" قال أبو عبيد: أظنه بالفتح من تنقى الطعام وحكى الهروي أن المنق بالفتح الغربال وعن بعض المغاربة أنه يجوز أن يكون بسكون النون وفتح القاف مخففة وقيل: هو من النقيق وهو أصوات المواشي.
تصفه بأنه نقلها من شظف العيش عند أهلها إلى الثروة الواسعة من الخيل والإبل والزرع وغير ذلك وأنه كان كريما معها حسن العشرة.
(فعنده أقول فلا أقبح) أي لا يقبح قولي ولا يرده بل يقبل مني ويستحسن قولي وفي رواية للنسائي "أنطق" وفي رواية "أتكلم".
(وأرقد فأتصبح) أرقد ليلي وأستمر نائمة دون إزعاج ودون إيقاظ حتى بعد الصباح وفي ذلك إشارة إلى أنها مكتفية بمن يخدمها وبمن يكفيها مؤنة بيتها ومهنة أهلها.
(وأشرب فأتقنح) قال النووي: هو بالنون بعد القاف هكذا هو في جميع النسخ قال القاضي: لم نروه في البخاري ومسلم إلا بالنون ورواه الأكثر في غيرهما بالميم قال أبو عبيد: "أتقمح" أي أروى حتى لا أحب الشرب قال: وأما بالنون فلا أعرفه اهـ وأثبت بعضهم أن معنى "أتقنح" بمعنى "أتقمح" لأن النون والميم يتعاقبان مثل: امتقع وانتقع وحكي عن بعضهم أن
стр. 5341
التقنح الشرب بعد الري وقيل: الشرب على مهل، وقيل: معناه لا يقطع على شرابي فتوارد هؤلاء كلهم على أن المعنى أنها تشرب حتى لا تجد مساغا أو أنها لا يقلل مشروبها ولا يقطع عليها حتى تتم شهوتها منه وقيل: كناية عن سمن جسمها.
ووقع في رواية "فأتفتح" بالتاء والفاء قال القاضي عياض: إن لم يكن وهما فمعناه التكبر والزهو. اهـ وفي رواية "وآكل فأتمنح" أي أطعم غيري يقال: منحه يمنحه إذا أعطاه أشارت بذلك إلى عزتها عنده وكثرة الخير لديها فهي تزهو لذلك والإتيان بالألفاظ كلها على وزن "أتفعل" للإشارة إلى تكرار الفعل وملازمته.
(أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح وبيتها فساح) "العكوم" بضم العين جمع عكم بكسرها وسكون الكاف وهي الأعدال والأحمال التي تجمع فيها الأمتعة وقيل: هي نمط تجعل المرأة فيها ذخيرتها و"رداح" بكسر الراء وفتحها أي عظام كثيرة الحشو أي ملأى وقيل: معناه ثقيلة ويقال: للكتيبة الكبيرة رداح إذا كانت بطيئة السير لكثرة ما فيها ويقال للمرأة إذا كانت عظيمة الكفل ثقيلة الورك: رداح والمراد وصف أوانيها وخزائنها بأنها مملوءة بالخيرات وقال الزمخشري: لو جاءت الرواية في "عكوم" بفتح العين لكان الوجه على أن يكون المراد بها الجفنة التي لا تزول عن مكانها إما لعظمها وإما لأن القرى متصل دائم أو التي كثر طعامها وتراكم
و"رداح" مفرد ويصح أن يكون خبر "عكوم" وهو جمع وأخبر بالمفرد عن الجمع وهو مسموع بقلة كقوله تعالى ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ [البقرة: ٢٥٧] ويحتمل أن يكون مصدرا يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع ويحتمل أنه على حذف مضاف أي عكومها ذات رداح ويحتمل أن يضبط "رداح" بكسر الراء جمع رادح كقائم وقيام فيخبر بالجمع عن الجمع ويصح أن يكون "رداح" خبر مبتدأ محذوف والجملة خبر المبتدأ الأول والتقدير: عكومها كلها رداح.
"وبيتها فساح" بفتح الفاء وتخفيف السين أي واسع ومثله فسيح ومثله "فياح" كما جاء في رواية وقد وصفت والدة زوجها بأنها كثيرة الآلات والأثاث واسعة المال كبيرة البيت إما حقيقة فيدل ذلك على عظم الثروة وإما كناية عن كثرة الخيرة ورغد العيش والبر بمن ينزل بها لأنهم يقولون: فلان رحب المنزل أي يكرم من ينزل عليه وفي هذا إشارة إلى أن زوجها كثير البر بأمه.
(ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة ويشبعه ذراع الجفرة) "المسل" بفتح الميم والسين بعدها لام مشددة و"شطبة" بفتح الشين وسكون الطاء ما شطب من جريد النخل أي ما شق من السعفة كالقضبان الرقاق ينسج منها الحصر قال ابن السكيت: الشطبة من سدى الحصير وقال ابن حبيب: هي العود المحدد كالمسلة وقال ابن الأعرابي: أرادت بمسل الشطبة سيفا سل من غمده فمضجعه الذي ينام فيه في الصغر كقدر مسل شطبة واحدة والمعنى على ما قاله الأولون: على قدر ما يسل من الحصير فيبقى مكانه فارغا وأما على ما قاله ابن الأعرابي فهو كغمد السيف.
وأما الجفرة بفتح الجيم وسكون الفاء فهي الأنثى من ولد المعز إذا كان ابن أربعة أشهر وفصل عن أمه وأخذ في الرعي وفي رواية "وترويه فيقة اليعرة" والفيقة بكسر الفاء وسكون الياء ما يجتمع
стр. 5342
في الضرع بين الحلبتين والفواق بضم الفاء الزمان الذي بين الحلبتين واليعرة بالياء المفتوحة وسكون العين بعدها راء العناق وفي رواية "ويميس في حلق النترة" و"يميس" أي يتبختر "والنترة" بفتح النون وسكون التاء الدرع اللطيفة وصفته بهيف القد وأنه ليس ببطين ولا جاف وأنه قليل الأكل والشرب ملازم لآلة الحرب يختال في موضع القتال قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي أنها وصفته بأنه خفيف الوطأة عليها لأن زوجة الأب غالبا تستثقل ولد الزوج من غيرها فكان هذا خفيفا عليها لا يحتاج إلى ما عندها بالأكل فضلا عن الأخذ بل لو طعم عندها لاقتنع باليسير الذي يسد الرمق من المأكول والمشروب.
(بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع) في بعض النسخ "وما بنت أبي زرع؟ ".
(طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ جارتها) أي أنها بارة بأبويها وعند النسائي "زين أبيها وزين أمها" وفي رواية "وزين أهلها ونسائها" وعند الطبراني "وقرة عين لأمها وأبيها" و"ملء كسائها" كناية عن كمال شخصها ونعمة جسمها وقيل: معناه ممتلئة الجسم سمينة وفي ملحق الرواية "وصفر ردائها" بكسر الصاد وسكون الفاء تصف رداءها بالخلو قال الهروي: أي ضامرة البطن وقال غيره: معناه أنها خفيفة أعلى البدن وهو موضع الرداء ممتلئة أسفله ويؤيد هذا رواية "وملء إزارها" قال القاضي: والأولى أن المراد امتلاء منكبيها وقيام نهديها بحيث يرفعان الرداء عن أعلى جسدها فلا يمسه فيصير خاليا بخلاف أسفلها ومعنى قولها "وغيظ جارتها" أن حالها يغيظ ضرتها من حيث الحسن والجمال والعفة والأدب وفي ملحق الرواية "وعقر جارتها" بفتح العين وسكون القاف أي وغيظ جارتها فتكون كالعقور وقيل: ودهشة جارتها من قولهم: عقر إذا دهش وضبطه بعضهم "وعبر جارتها" بضم العين وسكون الباء أي ترى جارتها من حسنها وعفتها وعقلها ما تعتبر به وقيل: هو من العبرة وهي البكاء أي ترى من ذلك ما يبكيها لغيظها وحسدها.
زاد في رواية "قباء هضيمة الحشا" يقال: امرأة قباء بفتح القاف وتشديد الباء أي دقيقة الخصر ضامرة البطن والهضيم من النساء اللطيفة الكشحين والحشا ما دون الحجاب مما يلي البطن كله من الكبد والطحال والكرش أي ضامرة الخصر والبطن لطيفة العجز وفي الرواية نفسها "جائلة الوشاح" الوشاح نسيج عريض يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها وجولانه تحركه واضطرابه لسعته وفي الرواية نفسها "عكناء، فعماء، نجلاء، دعجاء، رجاء، قنواء، مؤنقة، مفنقة" والعكناء التي صارت ذات عكن بضم العين وفتح الكاف أي ذات طيات في لحم البطن سمنا والفعماء الممتلئة الأعضاء والنجلاء متسعة العينين حسنتهما والدعجاء الشديدة سواد العين والرجاء بفتح الراء وتشديد الجيم أي كبيرة الكفل ترتج من عظمه وقيل ذات رجاء وأمل والقنواء بفتح القاف وسكون النون الطويلة والمؤنقة بفتح النون المشددة أي رائعة الحسن يعجب بها من يراها ويحبها يقال: أنق بكسر النون يأنق بفتحها أنقا وأناقة راع حسنه وأعجب فهو أنيق وآنقة الشيء وأنق الشيء فلانا بتشديد النون أعجبه.
стр. 5343
وقوله "مفنقة" بفتح الفاء وفتح النون المشددة بعدها قاف أي منعمة يقال: فنقه بفتح النون المشددة يفنقه إذا نعمه فهو منفق أي منعم اسم مفعول.
(جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا) عند الطبراني "خادم أبي زرع" وفي رواية "وليد أبي زرع" والوليد الخادم يطلق على الذكر والأنثى و"لا تبث" بضم الباء بعدها ثاء أي لا تشيع أحوالنا وتظهر أخبارنا بل تكتم سرنا وحديثنا كله وفي رواية "لا تنث" بالنون بدل الباء وهي بمعناها والنثاث المغتاب وفي رواية "ولا تخرج ... " و"لا تنفث" بضم التاء وفتح النون وكسر القاف المشددة بعدها ثاء أي لا تسرع بالخيانة وتذهب مالنا بالسرقة و"الميرة" بكسر الميم الزاد والطعام وأصله ما يحصله البدوي من الحضر ويحمله إلى منزله لينتفع به أهله وقال ابن حبيب: لا تفسد ميرتنا وفي ملحق الرواية "لا تنفث ميرتنا تنفيثا" قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن تكون إحدى الروايتين بالقاف والأخرى بالفاء وفي رواية "ولا تنقل" وفي رواية "ولا تفث" أي لا تفسد وفي رواية "ولا تفش ميرتنا تفشيشا" بالفاء من الإفشاش ومعنى "ولا تملأ بيتنا تعشيشا" بالعين أي لا تترك الكناسة والقمامة فيه مفرقة كعش الطائر بل هي مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه وقيل: معناه لا تخوننا في طعامنا في زوايا البيت كأعشاش من الطير وفي رواية "تغشيشا" بالغين من الغش.
(خرج أبو زرع والأوطاب تمخض) "الأوطاب" جمع وطب بفتح الواو وسكون الطاء وهو جمع قليل النظير وفي رواية في غير مسلم "والوطاب" وهو الجمع الأصلي وفي رواية "الأطاب" بغير واو قال عياض: فإن كان مضبوطا فهو على إبدال الواو همزة كما قالوا في "إكاف" "وكاف" والمراد من الأوطاب الأسقية التي يمخض فيها اللبن أي يحرك تحريكا شديدا ليخرج زبده أرادت أنه بكر بخروجه من منزلها وقت قيام الخدم والعبيد لأشغالهم وفي خبرها هذا إشارة إلى كثرة خير داره وغزارة لبنه وأن عندهم منه ما يكفيهم ويفيض عنهم حتى يمخضوه ويستخرجوا زبده ويحتمل أنها أرادت بهذه العبارة أن الوقت الذي خرج فيه كان في زمن الخصب وطيب الربيع قال الحافظ ابن حجر: وكأن سبب ذكر ذلك التوطئة للباعث على رؤية أبي زرع للمرأة على الحالة التي رآها عليها أي أنها من مخض اللبن تعبت فاستلقت لتستريح فرآها على ذلك.
(فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين فطلقني ونكحها) في رواية الطبراني "فأبصر امرأة لها ابنان كالفهدين" وفي رواية "كالصقرين" وفي رواية "كالشبلين" وعند النسائي "فإذا هو بأم غلامين" والغرض من ذكر الولدين ووصفهما بما وصفا به التنبيه على بعض الأسباب الداعية لتزوج أبي زرع بها لأنهم كانوا يرغبون في أن يكون لهم أولاد وأن تكون أولادهم من النساء المنجبات وفي وصفهما إشارة إلى صغر سنهما واشتداد خلقتهما وخفة حركاتهما هذا بالإضافة إلى ما وصفت به المرأة قال أبو عبيد: وصفت بأنها ذات كفل عظيم فإذا استلقت على ظهرها رفع خصرها عن الأرض حتى يصير تحتها فجوة تجري فيها الرمانة اهـ.
وكان مع الولدين رمانتان كل واحد يرمي واحدة للآخر أو هي رمانة واحدة ثنيت باعتبار تناول
стр. 5344
كل من الولدين لها ويؤيده ما وقع في رواية أبي معاوية "وهي مستلقية على قفاها ومعها رمانة يرميان بها من تحتها فتخرج من الجانب الآخر من عظم إليتيها".
وقال بعضهم: المراد بالرمانتين هنا ثدياها والمعنى أن لها نهدين حسنين صغيرين كالرمانتين يداعبهما الولدان قال القاضي عياض: وهذا أرجح لا سيما وقد روي "من تحت صدرها" و"من تحت درعها" ولأن العادة لم تجر برمي الصبيان الرمان تحت ظهور أمهاتهم ولم تجر العادة أيضا باستلقاء النساء كذلك حتى يشاهده منهن الرجال وردت رواية أبي معاوية بأن سياقها هذا لا يشبه كلام أم زرع فلعله من كلام بعض رواتها أورده على سبيل التفسير الذي ظنه فأدرج في الخبر وفسر القاضي قولها في روايتنا "يلعبان من تحت خصرها برمانتين" بقوله إن ذلك كان إشارة إلى مكان الولدين منها أي يلعبان وهما تحت خصرها أي أنهما كانا في حضنها أو جنبيها قال: وفي تشبيه النهدين بالرمانتين إشارة إلى صغر سنها وأنها لم تترهل حتى تنكسر ثدياها وتتدلى. اهـ.
وفي رواية "فأعجبته فطلقني" وقد يقال "لم طلق أبو زرع أم زرع؟ وكان راغبا فيها ويحبها؟ وكان يمكن أن يتزوج المرأة مع استبقاء أم زرع؟ وقد فسرت رواية أبي معاوية السر في ذلك ولفظها "فخطبها أبو زرع فتزوجها فلم تزل به حتى طلق أم زرع".
(فنكحت بعده رجلا سريا) بالسين على المشهور ومعناه سيدا شريفا وقيل: سخيا وسراة الناس كبراؤهم في حسن الصورة والهيئة والسري من كل شيء خياره.
(ركب شريا) بفتح الشين وكسر الراء وتشديد الياء صفة لموصوف محذوف أي ركب فرسا شريا والشري الذي يستشري في سيره أي يمضي ويلح دون فتور ولا انكسار وقال ابن السكيت: هو الفرس الفائق الخيار.
(وأخذ خطيا) بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة بعدها ياء مشددة صفة لموصوف محذوف أي أخذ رمحا خطيا قالوا: والخطي الرمح منسوب إلى الخط قرية من سيف البحر أي ساحله عند عمان والبحرين ونسبت الرماح إليها لأنها تحمل إلى هذا الوضع وتثقف فيه.
(وأراح علي نعما ثريا) قال النووي: أي أتى بها إلى مراحها بضم الميم أي موضع مبيتها وقيل: معناه أنه غزا فغنم فأتى بالنعم الكثيرة وفي رواية "وأراح على بيتي نعما" والنعم بفتح النون والعين الإبل والبقر والغنم ويحتمل أن المراد هنا بعضها وهي الإبل والثري بالثاء وتشديد الياء الكثير المال وغيره، ومنه الثروة في المال وهي كثرته. اهـ.
و"ثريا" صفة لنعما أي إبلا كثيرة والتذكير فيه مع الموصوف المؤنث لمراعاة السجع وفي رواية حكاها القاضي عياض: "نعما" بكسر النون جمع نعمة والأشهر الأول.
(وأعطاني من كل رائحة زوجا) أي وأعطاني من كل ما يروح من الإبل والبقر والغنم اثنين أو صنفا فإن الزوج قد يطلق على الصنف ومنه قوله تعالى ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة﴾ وفي ملحق الرواية "وأعطاني من كل ذابحة زوجا" قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "ذابحة" بالذال وبالباء أي من كل ما يجوز ذبحه من الإبل والبقر والغنم وغيرها وهي فاعلة بمعنى مفعولة اهـ. مثل "عيشة
стр. 5345
راضية" أي مرضية وفي رواية الطبراني "من كل سائمة" والسائمة الراعية والرائحة الآتية وقت الرواح وهو آخر النهار وقد أرادت بذلك كثرة ما أعطاها.
(وقال: كلي أم زرع وميري أهلك) "أم زرع" منادى بحذف حرف النداء و"ميري أهلك" بكسر الميم من الميرة أي صليهم وأوسعي عليهم بالميرة وهي الطعام.
والحاصل أنها وصفته بالسؤدد في ذاته "رجلا سريا" والشجاعة في فعاله "ركب شريا وأخذ خطيا وأراح على نعما ثريا" وبالتفضل عليها وإكرامها و"أعطاني من كل رائحة زوجا" وزاد في إكرامها فأباح لها أن تأكل ما شاءت من ماله وتهدي منه ما شاءت لأهلها.
(فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع) في رواية البخاري "أعطانيه" وفي رواية "ما ملأ إناء من آنية أبي زرع" وعند الطبراني "فلو جمعت كل شيء أصبته منه فجعلته في أصغر وعاء من أوعية أبي زرع ما ملأه" وهذا الأسلوب كناية عن استصغار ما أصابته من زوجها الثاني بالنسبة لما أصابته من أبي زرع لأنه كان أول أزواجها فسكنت محبته في قلبها.
(كنت لك كأبي زرع لأم زرع) قال النووي: قال العلماء: هو تطييب لنفسها وإيضاح لحسن عشرته إياها ومعناه: أنا لك كأبي زرع و"كان" زائدة أو للدوام كقوله تعالى ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ أي كان فيما مضى وهو باق كذلك. اهـ. فأصل الفعل الماضي يدل على حصول حدث في زمن مضى قبل التكلم ومقتضاه أنه لا يدل على استمرار الحدث في الحال ولا في الاستقبال ومقصود الحديث كنت لك في الماضي وأنا لك في الحال، وسأظل لك في المستقبل كأبي زرع لأم زرع ووجه الشبه في هذه القضية الألفة والوفاء لأن المشبه به له صفات لا يليق التشبه بها ولذلك زاد في رواية الهيثم ابن عدي "في الألفة والوفاء لا في الفرقة والجلاء" وزاد الزبير في آخره "إلا أنه طلقها وإني لا أطلقك" زاد النسائي والطبراني في رواية له "قالت عائشة: يا رسول الله. بل أنت خير من أبي زرع" وفي رواية "قالت: بأبي وأمي لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع" قال النووي: وكأنه ﷺ قال ذلك تطيبا لها وطمأنينة لقلبها ودفعا لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع إذ لم يكن فيه ما تذمه النساء به سوى طلاقه أم زرع وأجابت هي عن ذلك جواب مثلها في فضلها وعلمها.
-[فقه الحديث]-
هذا الحديث مسوق على أنه منقبة وفضيلة لعائشة ﵂.
ويؤخذ منه
١ - فضيلة حسن عشرة المرء أهله بالتأنيس والمحادثة بالأمور المباحة ما لم يفض ذلك إلى ما يمنع.
٢ - وفيه المزاح أحيانا وبسط النفس به.
٣ - ومداعبة الرجل أهله وإعلامه بمحبته لها ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة تترتب على ذلك من تجنيها عليه وإعراضها عنه.
стр. 5346
٤ - وفيه منع الفخر بالمال فقد ركز ﷺ على حسن العشرة وأهمل فخر أم زرع بالمال.
٥ - وفيه جواز ذكر الفضل بأمور الدين فقد ذكر لها حبه وحسن عشرته وهو من الدين.
٦ - وفيه إخبار الرجل أهله بصورة حاله معهم وتذكيرهم بذلك لا سيما عند وجود ما طبعن عليه من كفر الإحسان.
٧ - وفيه ذكر المرأة إحسان زوجها.
٨ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه إكرام الرجل بعض نسائه بحضور ضرائرها بما يخصها به من قول أو فعل (هذا على احتمال حضور بعض الضرائر عند سياق القصة والأولى أن يقال: فيه تخصيص بعض نسائه بذكر حبه وحسن عشرته لها من بين ضرائرها) قال: ومحله عند السلامة من الميل المفضي إلى الجور.
٩ - وفيه جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها. قاله الحافظ ابن حجر. وهو غير واضح.
١٠ - وفيه الحديث عن الأمم الخالية وضرب الأمثال بهم اعتبارا.
١١ - وفيه جواز الانبساط بذكر طرف الأخبار ومستطابات النوادر تنشيطا للنفوس.
١٢ - وفيه حض النساء على الوفاء لبعولتهن وقصر الطرف عليهم والشكر لجميلهم أخذا من تقريره ﷺ لأم زرع.
١٣ - وفيه جواز وصف المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء قاله الحافظ ابن حجر. وفيه نظر.
١٤ - وجواز المبالغة في الأوصاف ومحله إذا لم يصر ذلك ديدنا لأنه يفضي إلى خرم المروءة قاله الحافظ ابن حجر ويحمل على أن شرع من قبلنا شرع لنا وهو أيضا غير ظاهر فعمل هؤلاء النساء وقولهم لا يؤخذ منه شرع وسيأتي ما يؤيده ذلك.
١٥ - ومن طلب عائشة ذكر قصة أبي زرع وجواب الرسول ﷺ لها تفسير ما يجمله المخبر من الخبر إما بالسؤال عنه وإما ابتداء من تلقاء نفسه.
١٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن ذكر المرء بما فيه من العيب جائز إذا قصد التنفير عن ذلك الفعل ولا يكون ذلك غيبة أشار إلى ذلك الخطابي وتعقبه التميمي شيخ عياض بأن الاستدلال بذلك إنما يتم أن لو كان النبي ﷺ سمع المرأة تغتاب زوجها فأقرها وأما الحكاية عمن ليس بحاضر فليس كذلك.
وقال المازري: قال بعضهم: ذكر بعض هؤلاء النسوة أزواجهن بما يكرهون ولم يكن ذلك غيبة لكونهم لا يعرفون بأعيانهم وأسمائهم قال المازري: وإنما يحتاج إلى هذا الاعتذار لو كان من تحدث عنده بهذا الحديث سمع كلامهن في اغتياب أزواجهن فأقرهن على ذلك أما والواقع خلاف ذلك وهو أن عائشة حكت قصة عن نساء مجهولات غائبات فلا ولو أن امرأة وصفت زوجها بما يكرهه لكان غيبة محرمة على من يقوله ويسمعه إلا إن كانت في مقام الشكوى منه
стр. 5347
عند الحاكم وهذا في حق المعين فأما المجهول الذي لا يعرف فلا حرج في سماع الكلام فيه لأنه لا يتأذى إلا إذا عرف أن من ذكر عنده يعرفه ثم إن هؤلاء الرجال مجهولون لا تعرف أسماؤهم ولا أعيانهم فضلا عن أسمائهم ولم يثبت للنسوة إسلام حتى يجري عليهن الغيبة فبطل الاستدلال به على ما ذكر. اهـ. ونحن مع التميمي والمازري ولا نسلم بالمأخذ: [١٣، ١٤، ١٦]. والله أعلم.
١٧ - وفيه تقوية لمن كره نكاح من كان لها زوج سابق لما ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام زوجها الثاني لها بقدر الطاقة ومع ذلك حقرته وصغرته بالنسبة إلى الزوج الأول. وذاك طبع لغالب النساء.
١٨ - وفيه أن الحب يستر الإساءة لأن أبا زرع مع إساءته لها بتطليقها لم يمنعها ذلك من المبالغة في وصفه إلى أن بلغت حد الإفراط والغلو.
١٩ - وفيه جواز وصف النساء ومحاسنهن للرجل لكن محله إذا كن مجهولات والذي يمنع من ذلك وصف المرأة المعينة بحضرة الرجل أو أن يذكر من وصفها ما لا يجوز للرجال تعمد النظر إليه. قاله الحافظ ابن حجر وفيه نظر.
٢٠ - وفيه أن التشبيه لا يستلزم مساواة المشبه بالمشبه به من كل جهة.
٢١ - وفيه أن كناية الطلاق لا توقعه إلا مع مصاحبة النية فإنه ﷺ تشبه بأبي زرع وأبو زرع قد طلق فلم يستلزم ذلك وقوع الطلاق لكونه لم يقصره.
٢٢ - وفيه جواز التأسي بأهل الفضل من كل أمة لأن أم زرع أخبرت عن أبي زرع بجميل عشرته فامتثله النبي ﷺ كذا قال المهلب واعترضه القاضي عياض فأجاد وهو أنه ليس في السياق ما يقتضي أنه تأسى به بل فيه أنه أخبر أن حاله معها مثل حال أبي زرع مع أم زرع قال الحافظ ابن حجر: نعم ما استنبطه صحيح باعتبار أن الخبر إذا سيق وظهر من الشارع تقريره مع الاستحسان له جاز التأسي به.
٢٣ - قيل: وفيه قبول خبر الواحد لأن أم زرع أخبرت بحال أبي زرع فامتثله النبي ﷺ وتعقبه عياض.
٢٤ - وفيه مدح الرجل في وجهه إذا علم أن ذلك لا يفسده.
٢٥ - وفيه أن شأن النساء إذا تحدثن أن لا يكون حديثهن غالبا إلا في الرجال.
٢٦ - وفيه جواز استعمال الألفاظ الغريبة.
٢٧ - واستعمال السجع في الكلام إذا لم يكن متكلفا.
والله أعلم
стр. 5348
(٦٤٥) باب من فضائل فاطمة ﵂
٥٤٨٦ - عن المسور بن مخرمة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: "إن بني هشام ابن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم. ثم لا آذن لهم. إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها".
٥٤٨٧ - عن المسور بن مخرمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما فاطمة بضعة مني. يؤذيني ما آذاها".
٥٤٨٨ - عن علي بن الحسين ﵁ أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل الحسين بن علي ﵄ لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ قال: فقلت له: لا قال له: هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ ؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه وايم الله! لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدا حتى تبلغ نفسي إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة فسمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: "إن فاطمة مني وإني أتخوف أن تفتن في دينها: " قال: ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن. قال: "حدثني فصدقني. ووعدني فأوفى لي. وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا".
٥٤٨٩ - عن المسور بن مخرمة ﵁ أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل
стр. 5349
وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي ﷺ فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحا ابنة أبي جهل. قال المسور: فقام النبي ﷺ فسمعته حين تشهد. ثم قال: "أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني وإن فاطمة بنت محمد مضغة مني وإنما أكره أن يفتنوها. وإنها والله! لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا" قال: فترك علي الخطبة.
٥٤٩٠ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دعا فاطمة ابنته فسارها فبكت: ثم سارها فضحكت. فقالت عائشة: فقلت لفاطمة: ما هذا الذي سارك به رسول الله ﷺ فبكيت ثم سارك فضحكت؟ قالت: سارني فأخبرني بموته فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت.
٥٤٩١ - عن عائشة ﵂ قالت: كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئا. فلما رآها رحب بها فقال: "مرحبا بابنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها. فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله ﷺ سألتها ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سره قالت: فلما توفي رسول الله ﷺ قلت عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين "وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب. فاتقي الله واصبري. فإنه نعم السلف أنا لك" قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت. فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: "يا فاطمة! أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" قالت: فصحكت ضحكي الذي رأيت.
٥٤٩٢ - عن عائشة ﵂ قالت: اجتمع نساء النبي ﷺ فلم يغادر منهن
стр. 5350
امرأة فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ فقال "مرحبا بابنتي" فأجلسها عن يمينه أو عن شماله. ثم إنه أسر إليها حديثا. فبكت فاطمة. ثم إنه سارها، فضحكت أيضا فقلت لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن. فقلت لها حين بكت: أخصك رسول الله ﷺ بحديثه دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ حتى إذا قبض سألتها. فقالت: إنه كان حدثني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرة وإنه عارضه به في العام مرتين "ولا أراني إلا قد حضر أجلي. وإنك أول أهلي لحوقا بي. ونعم السلف أنا لك" فبكيت لذلك. ثم إنه سارني فقال: "ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ " فضحكت لذلك.
-[المعنى العام]-
السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ كانت تكنى أم أبيها أصغر بنات النبي ﷺ وأحبهن إليه ولدت والكعبة تبنى والنبي ﷺ ابن خمس وثلاثين على المشهور وقيل سنه إحدى وأربعين من مولد الرسول ﷺ تزوجها علي ﵁ أوائل المحرم سنة ثنتين وأصدقها درعه التي أعطاه إياها رسول الله ﷺ يوم بدر. وفي زواجها بعث معها رسول الله ﷺ بخميلة ووسادة من جلد حشوها ليف ورحاءين وسقاءين وانقطع نسل النبي ﷺ إلا من فاطمة عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر ودفنت بالبقيع، وقيل: في زاوية في دار عقيل وبين قبرها وبين الطريق سبعة أذرع كانت في تشييعها أول من غطي نعشها من النساء في الإسلام فقد روي أنها قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء إني استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء: يا بنت رسول الله ﷺ ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجريد رطب فوقسته ثم طرحت عليه ثوبا فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله فإذا أنا مت فاجعلوا علي هذا.
كانت ﵂ أشبه الناس كلاما ومشية برسول الله ﷺ وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها كما كانت تصنع هي به ﷺ .
وهو ﷺ القائل: فاطمة بضعة مني: يقلقني ما يقلقها ويؤذيني ما يؤذيها، ويرضيني ما يرضيها ويبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها وقد حماها ﷺ من أن يتزوج عليها زوجها حماية لها من تغاير النساء بإذن من الله تعالى فقال لعلي حين علم رغبته في الزواج من ابنة أبي جهل قال لعلي: لا آذن لك ولا آذن لك ولا آذن لك أن تجمع بين ابنة رسول الله وبين ابنة عدو الله فصرف علي نظره عن الزواج عليها حتى ماتت ﵂.
ولم يكن أحد من أولاد النبي ﷺ حيا حين وفاته إلا فاطمة وأحس ﷺ وهو في مرض الموت جزع فاطمة عليه وحسرتها وآلامها عند موته فأراد تخفيف الصدمة عليها وتهيئتها
стр. 5351
لاستقبال الفجيعة وإعلامها بالمصيبة قبل حصولها فأسر إليها أنه يتوقع حضور الأجل في هذا المرض فبكت بكاء شديدا فأسر إليها أنها أول أهله لحوقا به فسرت كثيرا وضحكت ﵂ وأرضاها.
-[المباحث العربية]-
(إن بني هاشم بن المغيرة) كذا وقع عند مسلم "بني هاشم" وعند البخاري "بني هشام" قال الحافظ ابن حجر: والصواب "هشام" لأنه جد المخطوبة. اهـ.
وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح وحسن إسلامهما وقد خطب علي ﵁ بنت أبي جهل من عمها الحارث بن هشام فقال له: لا نزوجك على فاطمة إلا أن يأذن رسول الله ﷺ والظاهر أن الرسول ﷺ لم يأذن له ثم خطب الناس يبين سبب عدم إذنه لئلا تذهب النفوس مذاهب غير سليمة فسبب الخطبة استئذان بني هشام وقيل: إن سبب الخطبة ما أشيع عن خطبة علي ابنة أبي جهل قبل أن يستأذن بنو هشام ففي روايتنا الرابعة عن الزهري عن علي بن الحسين "أن علي خطب بنت أبي جهل على فاطمة فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي ﷺ فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك" وفي رواية ابن حبان "إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك" "وهذا علي ناكحا ابنة أبي جهل" كذا في مسلم "ناكحا" بالنصب على الحال وأطلقت عليه وصف "ناكح" مجازا على سبيل مجاز المشارفة أي مشرف على النكاح وقيل: على سبيل تنزيل غير الواقع المصمم على وقوعه منزلة الواقع فقام النبي ﷺ فخطب على المنبر"
(استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب) وقد أخرج الحاكم أن عليا ﵁ استشار النبي ﷺ بشأنها بعد أن خطبها من عمها سأله عنها فقال له ﷺ : أعن حسبها تسألني؟ فقال: لا ولكن أتأمرني بها؟ قال: لا. فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع فقال علي: لا آتي شيئا تكرهه" قال الحافظ ابن حجر: ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خطبة النبي ﷺ بما خطب ولم يحضر على الخطبة المذكورة فاستشار فلما قال له: لا لم يتعرض بعد ذلك لطلبها ولهذا جاء في رواية "فترك علي الخطبة" وفي رواية "فسكت علي عن ذلك" اهـ. قلت: ولا مانع من كون الخطبة بعد استشارة علي ﵁ وبعد وعده بعدم الزواج منها إذ لم تكن الخطبة لمنع علي وإنما كانت لبيان الحكم والحكمة قطعا لنشر الخبر وتأويلاته. والله أعلم.
واختلف في اسم ابنة أبي جهل فقيل جويرية وهذا الأشهر وقيل العوراء وقيل" الحنفاء وقيل جرهمة وقيل: جميلة.
(فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم) كرر ذلك ثلاثا للتأكيد أو لرفع المجاز وأن يكون عدم الإذن مؤقتا و"لا" نافية والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا كانوا يستأذنون فلا آذن.
(إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم) الاستثناء مفرغ من
стр. 5352
عموم الأحوال أو الأزمنة، أي لا آذن في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات، إلا في حال طلاقه ابنتي أو في وقت طلاقه ابنتي فآذن حيث لا يحتاج شرعا إلى إذني حينئذ، وليس المراد تعلق الإذن بحب علي ذلك بل بوقوعه، أي إلا أن يقع من ابن أبي طالب طلاق ابنتي.
(فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها) "بضعة" بفتح الباء قال النووي: لا يجوز غيره وقال الحافظ ابن حجر: وحكي ضمها وكسرها أيضا وسكون الضاد أي قطعة وفي الرواية الرابعة "وإن فاطمة بنت محمد مضغة مني" والمضغة في الأصل قطعة اللحم قدر ما يمضغ و"يريبني" بفتح الياء، "ما رابها" من "راب" الثلاثي ووقع في رواية البخاري "يريبني ما أرابها" بضم الياء من "أراب" الرباعي، والريب ما دخلك من شيء خفت عقباه قال الفراء وغيره: راب وأراب بمعنى وقيل: رابني الأمر تيقنت منه الريبة وأرابني شككني وأوهمني وأما قوله "ويؤذيني ما آذاها" أي يؤلمني ما يؤلمها وفي رواية للبخاري "فمن أغضبها أغضبني" وفي رواية "فمن آذاها فقد آذاني" وفي رواية "يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها" من النصب وهو التعب وعند الحاكم "يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها".
(لقيه المسور بن مخرمة، فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ قال: فقلت له: لا) تقدير الكلام: قال علي بن الحسين: لقيني المسور فقال لي: هل لك إلي من حاجة ومساعدة، فقلت له: لا والمسور من شيعة علي.
(قال له: هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه وايم الله! لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدا حتى تبلغ نفسي) "معطي" بضم الميم وسكون العين وكسر الطاء وتشديد الياء والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور "ذو القفار" وكان عند علي بن الحسين وأراد المسور أنه لو أودع عنده السيف لا يمكن أحدا منه حتى تزهق روحه يبالغ بذلك في تعصبه لعلي بن الحسين وأنه مستعد لبذل نفسه دون السيف رعاية لود ابن فاطمة فأراد بذلك صيانة سيف النبي ﷺ وحفظه لعلي بن الحسين لئلا يأخذه منه أعداؤه.
(إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة) إلخ ومناسبة هذا الكلام لقصة السيف من جهة أن رسول الله ﷺ كان يحترز عما يوجب التكدير بين الأقرباء أي فكذلك كان ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة بسببه، أو كما أن رسول الله ﷺ كان يحب رفاهية خاطر فاطمة ﵂ فأنا أيضا أحب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها فأعطني السيف حتى أحفظه لك وهذا الأخير هو المعتمد.
(فسمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم) قال ابن سيد الناس: هذا غلط والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ "كالمحتلم" قال: لأن المسور لم يحتلم في حياة النبي ﷺ لأنه ولد بعد ابن الزبير فيكون عمره عند وفاة النبي ﷺ ثماني سنين قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر أي في ادعاء الغلط نظر إذ يمكن حملها على المبالغة والمراد التشبيه بالمحتلم، فتلتئم رواية "محتلم" مع رواية "كالمحتلم" أي إنه كالمحتلم في الحذق والفهم والحفظ.
стр. 5353
(وإني أتخوف أن تفتن في دينها) فتقع منها المعصية بسبب الغيرة، يعني أنها لا تصبر على الغيرة فيقع منها في حق زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدين وفي الرواية الرابعة "وإني أكره أن يفتنوها".
(ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس) هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة تزوج زينب بنت رسول الله ﷺ وكان من رجال مكة المعدودين مالا، وأمانة وتجارة أسلمت زينب ولم يسلم حارب في صفوف الكفار يوم بدر فكان من الأسرى ولما بعثت قريش فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ بقلادة لها، كانت أمها خديجة أدخلتها بها على أبي العاص فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها؟ ففعلوا فاشترط عليه رسول الله ﷺ أن يرسل زينب إلى المدينة وأن يخلي سبيلها فوفي وفعل.
وفي جمادى سنة ست من الهجرة خرج أبو العاص بن الربيع في عير لقريش إلى الشام فبعث النبي ﷺ زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب فلقوا العير بناحية العيص وفيهم أبو العاص فقالوا له: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت صهر رسول الله ﷺ فهل لك أن تسلم فتغنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: بئسما أمرتموني به أن أنسخ ديني بغدرة، فأسروه وجماعة وأخذوا العير وعادوا إلى المدينة وربط الأسرى بالمسجد وعلمت به زينب فلما صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح نادت زينب: إني أجرت أبا العاص بن الربيع فقال رسول الله ﷺ : هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: والذي نفس محمد بيده ما علمت شيئا مما كان حتى سمعت وإنه يجير على المسلمين أدناهم وقد أجرنا من أجارت ثم أمرها أن لا يقربها، فطلبت أن يرد على أبي العاص ما كان في القافلة ففعل فمضى أبو العاص إلى مكة فأدى الحقوق لأهلها ثم قام فقال: يا أهل مكة هل أوفيت ذمتي لكم؟ قالو: اللهم نعم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم قدم المدينة مهاجرا قبل الفتح بقليل فدفع إليه رسول الله ﷺ زوجته.
رزق أبو العاص من زينب ولدا يسمى عليا مات في حياة أبيه وقد ناهز الاحتلام وبنتا تسمى أمامة كان رسول الله ﷺ يحملها في صلاته وعاشت حتى تزوجها علي ﵁ بعد وفاة خالتها فاطمة وتوفي أبو العاص في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة من الهجرة.
(فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال: حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي) الصهر يطلق على الزوج وأقاربه وأقارب المرأة وهو مشتق من صهرت الشيء وأصهرته إذا قربته والمصاهرة مقاربة بين الأجانب والمتباعدين وقوله "فأحسن" أي أحسن الثناء عليه، وكان مما قال في ثنائه: حدثني فصدقني، يشير بذلك إلى ما مضى في القصة عند فك أسره ببدر وأنه لن يسلم حتى يعتقد ويصدق، ومع ذلك أحسن عشرة زينب وأحبها وأرادت قريش منه أن يطلقها فأبى ومما قاله ﷺ في ثنائه "ووعدني فأوفى لي" إشارة إلى ما سبق في القصة من وفائه بإخلاء سبيل زينب، ووفائه بالإسلام بعد أن يؤدي لقريش حقوقها.
(وإني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما) بعدم إذني لعلي أن يتزوج على فاطمة أي لا
стр. 5354
أقول شيئا يخالف حكم الله فإذا أحل شيئا لم أحرمه وإذا حرم شيئا لم أحلله فعدم إذني لعلي ليس تحريما عليه ما أحل وسيأتي في فقه الحديث مزيد إيضاح لذلك.
(ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا) وفي رواية "ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل أبدا" وفي الرواية الرابعة "عند رجل واحد أبدا".
(أن رسول الله ﷺ دعا فاطمة ابنته) أي فأتت، وكان ذلك في مرضه الأخير وفي الرواية السادسة "كن أزواج النبي ﷺ عنده" في التعبير الجمع بين الضمير الفاعل والاسم الظاهر، كقوله "يتعاقبون فيكم ملائكة" لم يغادر منهن واحدة" أي كن كلهن مجتمعات "فأقبلت فاطمة تمشي" ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئا فلما رآها رحب بها فقال: مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله" في الرواية السابعة "فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ " (فسارها فبكت ثم سارها فضحكت) وفي الرواية السادسة "ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت" وفي الرواية السابعة "ثم إنه أسر إليها حديثا، فبكت فاطمة، ثم إنه سارها فضحكت أيضا".
(قالت عائشة: فقلت لفاطمة: ما هذا الذي سارك به رسول الله ﷺ فبكيت؟ ثم سارك فضحكت؟ قالت: سارني فأخبرني بموته فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهل فضحكت) سألت عائشة فاطمة عقب المسارتين فامتنعت عن الإجابة فلما قام رسول الله ﷺ سألتها السؤال نفسه مرة ثانية فاعتذرت عن الإجابة فلما مات رسول الله ﷺ سألتها مرة ثالثة فأجابت فالجواب المذكور هنا جواب السؤال في المرة الثالثة ففي الرواية السادسة "فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟ فلما قام رسول الله ﷺ سألتها: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سره، فلما توفي رسول الله ﷺ قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ فقالت: أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين (كذا في الرواية السادسة قال النووي: وذكر المرتين شك من بعض الرواة والصواب حذفها كما في باقي الرواية) وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى (بضم الهمزة أي لا أظن الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري وإنه نعم السلف أنا لك (والسلف المتقدم) قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة أما ترضي (قال النووي: هكذا هو في النسخ "ترضي" وهو لغة والمشهور "ترضين") أن تكوني سيدة نساء المؤمنين؟ أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكت الذي رأيت" وفي الرواية السابعة قريب من ذلك.
стр. 5355
-[فقه الحديث]-
الروايات الأربع الأوليات في رغبة علي الزواج من ابنة أبي جهل على زوجته فاطمة بنت محمد ﷺ وعنها يقول النووي:
أعلم ﷺ بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي بقوله ﷺ في روايتنا الثالثة "لست أحرم حلالا" ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى إيذاء فاطمة فيتأذى حينئذ النبي ﷺ فيهلك من أذاه فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة (والنص على هذه العلة قوله في الرواية الأولى والثانية "فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها") والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة. اهـ. والنص على هذه العلة قوله في الرواية الرابعة "وإنما أكره أن يفتنوها" وسواء أراد النووي أن العلة مجموع الأمرين وأن كلا منهما جزء علة أو أراد أن كلا منهما علة مستقلة توجب المعلول، فإن المعنى أن النهي عن الجمع بين فاطمة وبين بنت أبي جهل حينئذ ليس لذاته، وإنما لما يؤدي إليه والشيء قد يكون مباحا في ذاته لكنه يمنع وينهى عنه إذا كان وسيلة لمحرم، من قبيل إعطاء الوسيلة حكم الغاية، كالخطوات فإنها إن كانت للصلاة كان لها الأجر وإن كانت لفاحشة كان عليها الوزر قال ابن التين: أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي ﷺ حرم على علي أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل لأنه علل بأن ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله "لا أحرم حلالا" أي هي حلال له لو لم تكن عنده فاطمة وأما الجمع بينهما الذي يستلزمه تأذي النبي ﷺ لتأذي فاطمة به فلا اهـ. ومعنى هذا أن فاطمة لو رضيت بذلك، لم يمنع علي من التزويج بها أو بغيرها.
ثم قال النووي: وقيل: ليس المراد به النهي عن جمعهما، بل معناه أنه ﷺ يعلم أن من فضل الله أنه قضى أنهما لا تجتمعان (فكأن قوله "والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا" ليس نهيا ولكنه إخبار عما سيحصل، لوثوق المخبر بالخبر).
ثم قال: ويحتمل أن المراد النهي وتحريم جمعهما ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله ويكون معنى "لا أحرم حلالا" أي لا أقول شيئا يخالف حكم الله فإذا أحل شيئا لم أحرمه وإذا حرمه لم أحلله ولم أسكت عن تحريمه لأن سكوتي تحليل له. اهـ. أي هذا الجمع حرام من عند الله فأنا لا أحلل ولا أحرم من عند نفسي.
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أنه لا يبعد أن يعد في خصائص النبي ﷺ أن لا يتزوج على بناته، ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بفاطمة ﵍.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - تحريم أذى من يتأذى النبي ﷺ بتأذيه لأن أذى النبي ﷺ حرام اتفاقا قليله وكثيره.
٢ - وفيه حجة لمن يقول بسد الذرائع.
٣ - وفيه بقاء عار الآباء في أعقابهم لقوله "بنت عدو الله" فإن فيه إشعارا بأن للوصف تأثيرا في المنع مع أنها كانت مسلمة، حسنة الإسلام.
стр. 5356
٤ - احتج بهذا بعضهم، فمنع كفاءة من مس أباه الرق ثم أعتق، بمن لم يمس أباها الرق، ومن مسه الرق بمن لم يمسها الرق أي بل مس أباها فقط.
٥ - وفيه أن الغيراء إذا خشي عليها أن تفتن في دينها كان لوليها أن يسعى في إزالة ذلك وذب الرجل عن ابنته في دفع الغيرة عنها والإنصاف لها، وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة كانت في أزواج النبي ﷺ ولم يخش عليهن ما خشي على فاطمة؟ وأجيب بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت بخلاف أمهات المؤمنين فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها ذلك على أن زوجهن ﷺ كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخواطر ما لم يكن عند غيره فكانت كل واحدة منهن ترضى منه جميع ما يصدر منه لحسن خلقه، بحيث لو وجد منها ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب.
٦ - وفيه إكرام من ينتسب إلى الخير أو الشرف أو الديانة.
٧ - وفي قصة المسور والسيف في الرواية الثالثة تبرك الصحابة بأدوات النبي ﷺ .
٨ - وأن النبي ﷺ لم يورث، ولم يبع ما ترك، بل ترك بيد من صار إليه، ولو كان ميراثا لبيع وقسم.
٩ - وفيه الأخذ بالعموم حتى يظهر خلافه فإن عليا ﵁ أخذ بعموم الجواز فخطب بنت أبي جهل فلما ظهر له خلافه ترك الخطبة.
١٠ - وفي الرواية الثالثة والرابعة منقبة للعاص بن الربيع.
١١ - وفضيلة الإحسان في المصاهرة.
١٢ - وفي الرواية الخامسة والسادسة والسابعة معجزة ظاهرة للنبي ﷺ بل معجزتان إذ أخبر ﷺ ببقاء فاطمة بعده، وبأنها أول أهله لحوقا به، ووقع كذلك.
١٣ - وفي ضحك فاطمة ﵂ إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها.
١٤ - وفيه فضيلة لفاطمة ﵂.
١٥ - وأنها أفضل بناته ﷺ ﵂ وعن الصحابة أجمعين.
стр. 5357
(٦٤٦) باب من فضائل أم سلمة ﵂
٥٤٩٣ - عن سلمان ﵁ قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته. قال: وأنبئت أن جبريل ﵇ أتى نبي الله ﷺ وعنده أم سلمة. قال: فجعل يتحدث ثم قام فقال نبي الله ﷺ لأم سلمة: "من هذا؟ " أو كما قال. قالت: هذا دحية. قال: فقالت أم سلمة: ايم الله ما حسبته إلا إياه. حتى سمعت خطبة نبي الله ﷺ يخبر خبرنا. أو كما قال. قال: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد.
-[المعنى العام]-
أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية أم المؤمنين واسمها على المشهور هند ويلقب أبوها بزاد الراكب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لا يترك أحدا يرافقه ومعه زاد بل يكفي رفقته من الزاد وكانت أم سلمة زوجا لابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد وكانت ممن أسلم قديما هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة فولدت له سلمة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة ولهجرتها قصة مشهورة فولدت له بالمدينة عمر ودرة وزينب.
مات عنها زوجها فتزوجها النبي ﷺ سنة أربع من الهجرة وكانت موصوفة بالجمال البارع والعقل البالغ، والرأي الصائب ولها مشورة مشهورة في غزوة الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها، أنقذت الأمة الإسلامية من الخلاف والضلال.
ماتت في شوال سنة تسع وخمسين على المشهور وقيل سنة ستين وكانت آخر أمهات المؤمنين موتا ﵂ وأرضاها.
-[المباحث العربية]-
(قال: لا تكونن -إن استطعت- أول من يدخل السوق) هذه وصية سلمان لفظا وفي كونها في حكم المرفوع خلاف.
(فإنها معركة الشيطان) المعركة بفتح الراء موضع القتال لمعاركة الأبطال بعضهم بعضا فيها ومصارعتهم فشبه السوق وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بالمعركة لكثرة ما يقع فيها من
стр. 5358
أنواع الباطل كالغش والخداع والأيمان الخائنة والعقود الفاسدة والنجش والبيع على بيع أخيه والشراء على شرائه وبخس المكيال والميزان والضمير في "فإنها" يعود على السوق وهي تذكر وتؤنث سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم.
(وبها ينصب رايته) كناية عن ثبوته هناك واجتماع أعوانه وتحريك جنده واستغلالهم حركتها في الإفساد فهي من أهم مواضع إيقاع البشر في الشر والسيئات.
(قال: وأنبئت أن جبريل ﵇ الفعل "أنبئت" مبني للمجهول محذوف الفاعل فهو من مراسيل الصحابة، إن كان القائل سلمان، لكن في آخر الرواية "فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد" يفيد أن القائل أبو عثمان فأصل الرواية: حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي. حدثنا عثمان عن سلمان قال: لا تكونن .. قال: وأنبئت أن جبريل ... إلخ.
(أتى نبي الله ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث ثم قام) أي انصرف.
(هذا دحية) بفتح الدال وكسرها وهو ابن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس ابن الخزرج صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق ولم يشهد بدرا ولا أحدا وكان يضرب به المثل في حسن الصورة شهد اليرموك ونزل دمشق وسكن المزة وعاش إلى خلافة معاوية.
والظاهر أن الرسول ﷺ سكت عند قول أم سلمة: هذا دحية ولم يخبرها بحقيقته حتى سمعته ﷺ يخطب الناس ويعلمهم أن جبريل ﵇ يأتيه أحيانا في صورة دحية.
(يخبر خبرنا) قال النووي: هكذا هو في نسخ بلادنا وكذا نقله القاضي عياض عن بعض الرواة والنسخ وعن بعضهم "يخبر خبر جبريل" قال: وهو الصواب وقد وقع في البخاري على الصواب.
-[فقه الحديث]-
فيه منقبة لأم سلمة ﵂ وأنها رأت جبريل ﵇.
وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك وأنهم يرونهم على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم وكان النبي ﷺ يرى جبريل على صورة دحية أحيانا قال النووي: ورآه مرتين على صورته الأصلية.
وفي الجزء الأول من الحديث أن الأسواق مجالس الشياطين وميدانهم.
والله أعلم
стр. 5359
(٦٤٧) باب من فضائل زينب أم المؤمنين ﵂
٥٤٩٤ - عن عائشة ﵂ أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا" قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا. قالت: فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق.
-[المعنى العام]-
السيدة زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وأمها أميمة عمة النبي ﷺ زوجها رسول الله ﷺ مولاه زيد بن حارثة وكان يدعى زيد بن محمد بالتبني فلما بطل التبني بقوله تعالى ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] ولم تستقم حالها مع زيد فطلقها تزوجها ﷺ كما حكى الله تعالى ذلك بقوله ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ بأنها ابنة عمته، وبأن الله زوجها له وهن زوجهن أولياؤهن، وكانت لرسول الله ﷺ معجبة وكان يستكثر منها وكانت صالحة صوامة قوامة صناعا تصنع بيدها تدبغ الجلود وتخرمها وتتكسب وتتصدق بذلك كله على المساكين وكانت أول نسائه ﷺ لحوقا به بعد موته كان عطاء عمر لها اثني عشر ألفا لم تأخذه إلا عاما واحدا قسمته كله في الفقراء وأهل رحمها فبلغ عمر ذلك فوقف عليها وأرسل بالسلام وقال: بلغني ما فرقت فأرسل بألف درهم تستبقيها فسلكت بها ذلك المسلك وقالت: اللهم لا يدركني هذا المال من قابل فإنه فتنة فتوفيت من عامها وكانت قد أعدت لنفسها كفنا، وأوصت بالتصدق به أو بالكفن الذي سيرسله عمر فأرسل لها عمر خمسة أثواب بخرها ثوبا ثوبا فكفنت منها وتصدقت عنها أختها حمنة بكفنها الذي كانت قد أعدته تزوجها النبي ﷺ وهي بنت خمس وثلاثين ماتت سنة عشرين من الهجرة وهي بنت خمسين وصلى عليها عمر ﵂ وعن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا) أي أولكن موتا بعدي ورواية البخاري صريحة في أن هذا كان جوابا لسؤالهن - أو سؤال إحداهن: ففيها "أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي ﷺ : أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: أطولكن يدا" وعند ابن حبان ما يفيد أن السائلة عائشة ﵂ فعنده
стр. 5360
"قالت: فقلت" وقد أخرجه النسائي بلفظ "فقلن" و"لحاقا" بفتح اللام وهو منصوب على التمييز وفي رواية البخاري "لحوقا" و"يدا" منصوب على التمييز أيضا وكان المناسب أن يقول "طولاكن" لكنه عبر بما يعبر عنه عن المذكر تعظيما.
(فكن يتطاولن. أيتهن أطول يدا) أي ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، فكن يذرعن أيديهن بقصبة أو على الحائط وفي رواية البخاري "فأخذوا قصبة يذرعونها" أي لترى أعينهن بالمقياس أيتهن أطول يدا.
(قالت: فكانت أطولنا يدا زينب) بنت جحش وفي الكلام طي وحذف والأصل وكانت سودة أطولنا يدا حقيقية فلما توفيت زينب وكانت أولنا لحوقا به ﷺ كانت هي أطولنا يدا أي أكثرنا عطاء أي علمنا أن مراده ﷺ طول اليد في الصدقة وفعل الخير وأهل اللغة يقولون: فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحا جوادا وضده قصر اليد وقصير الباع.
وقد فسرت رواية الحاكم هذا المراد ولفظها "قال رسول الله ﷺ لأزواجه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ أن أراد بطول اليد الصدقة وكانت زينب امرأة صناعة باليد وكانت تدبغ وتخرز - أي وتبيع - وتصدق في سبيل الله".
وقد أوهمت رواية البخاري خلاف الصواب ولفظها "فكانت سودة أطولهن يدا فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة وكانت أسرعنا لحوقا به وكانت تحب الصدقة"
قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة اهـ. وقد أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه فقوله عن سودة "وكانت أسرعنا لحوقا به" غير صواب والمعروف أن زينب ماتت سنة عشرين وأن عمر صلى عليها أما سودة فقد ماتت بعدها في آخر خلافة عمر على المشهور وحاول العلماء توجيه رواية البخاري فمنهم من وجهها بتقدير محذوفات أي قالت عائشة: فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا على الحقيقة فعلمنا بعد أنما المراد طول اليد بالصدقة أي بعد وفاة زينب، وكانت - أي زينب - أسرعنا لحوقا به، ففي الرواية حذف وقد خلفت الضمائر مع الحذف هذا الإيهام قال الزين بن المنير: قولها "فعلمنا بعد" يشعر إشعارا قويا أنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه وأنه كناية عن كثرة الصدقة والذي علمنه أخيرا خلاف ما اعتقدنه أولا. اهـ.
وقد جمع الطيبي بين الحديثين فقال: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري: المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب فلم تكن حاضرة وكانت سودة أولهن موتا قال الحافظ ابن حجر: لكن يعكر على هذا أن في رواية ابن حبان "أن نساء النبي ﷺ اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة" والتحقيق أن في رواية البخاري وهما من الرواة.
следующие страницы →