Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
٤ - احتج بهذا بعضهم، فمنع كفاءة من مس أباه الرق ثم أعتق، بمن لم يمس أباها الرق، ومن مسه الرق بمن لم يمسها الرق أي بل مس أباها فقط.
٥ - وفيه أن الغيراء إذا خشي عليها أن تفتن في دينها كان لوليها أن يسعى في إزالة ذلك وذب الرجل عن ابنته في دفع الغيرة عنها والإنصاف لها، وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة كانت في أزواج النبي ﷺ ولم يخش عليهن ما خشي على فاطمة؟ وأجيب بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت بخلاف أمهات المؤمنين فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها ذلك على أن زوجهن ﷺ كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخواطر ما لم يكن عند غيره فكانت كل واحدة منهن ترضى منه جميع ما يصدر منه لحسن خلقه، بحيث لو وجد منها ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب.
٦ - وفيه إكرام من ينتسب إلى الخير أو الشرف أو الديانة.
٧ - وفي قصة المسور والسيف في الرواية الثالثة تبرك الصحابة بأدوات النبي ﷺ .
٨ - وأن النبي ﷺ لم يورث، ولم يبع ما ترك، بل ترك بيد من صار إليه، ولو كان ميراثا لبيع وقسم.
٩ - وفيه الأخذ بالعموم حتى يظهر خلافه فإن عليا ﵁ أخذ بعموم الجواز فخطب بنت أبي جهل فلما ظهر له خلافه ترك الخطبة.
١٠ - وفي الرواية الثالثة والرابعة منقبة للعاص بن الربيع.
١١ - وفضيلة الإحسان في المصاهرة.
١٢ - وفي الرواية الخامسة والسادسة والسابعة معجزة ظاهرة للنبي ﷺ بل معجزتان إذ أخبر ﷺ ببقاء فاطمة بعده، وبأنها أول أهله لحوقا به، ووقع كذلك.
١٣ - وفي ضحك فاطمة ﵂ إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها.
١٤ - وفيه فضيلة لفاطمة ﵂.
١٥ - وأنها أفضل بناته ﷺ ﵂ وعن الصحابة أجمعين.
стр. 5357
(٦٤٦) باب من فضائل أم سلمة ﵂
٥٤٩٣ - عن سلمان ﵁ قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته. قال: وأنبئت أن جبريل ﵇ أتى نبي الله ﷺ وعنده أم سلمة. قال: فجعل يتحدث ثم قام فقال نبي الله ﷺ لأم سلمة: "من هذا؟ " أو كما قال. قالت: هذا دحية. قال: فقالت أم سلمة: ايم الله ما حسبته إلا إياه. حتى سمعت خطبة نبي الله ﷺ يخبر خبرنا. أو كما قال. قال: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد.
-[المعنى العام]-
أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية أم المؤمنين واسمها على المشهور هند ويلقب أبوها بزاد الراكب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لا يترك أحدا يرافقه ومعه زاد بل يكفي رفقته من الزاد وكانت أم سلمة زوجا لابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد وكانت ممن أسلم قديما هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة فولدت له سلمة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة ولهجرتها قصة مشهورة فولدت له بالمدينة عمر ودرة وزينب.
مات عنها زوجها فتزوجها النبي ﷺ سنة أربع من الهجرة وكانت موصوفة بالجمال البارع والعقل البالغ، والرأي الصائب ولها مشورة مشهورة في غزوة الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها، أنقذت الأمة الإسلامية من الخلاف والضلال.
ماتت في شوال سنة تسع وخمسين على المشهور وقيل سنة ستين وكانت آخر أمهات المؤمنين موتا ﵂ وأرضاها.
-[المباحث العربية]-
(قال: لا تكونن -إن استطعت- أول من يدخل السوق) هذه وصية سلمان لفظا وفي كونها في حكم المرفوع خلاف.
(فإنها معركة الشيطان) المعركة بفتح الراء موضع القتال لمعاركة الأبطال بعضهم بعضا فيها ومصارعتهم فشبه السوق وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بالمعركة لكثرة ما يقع فيها من
стр. 5358
أنواع الباطل كالغش والخداع والأيمان الخائنة والعقود الفاسدة والنجش والبيع على بيع أخيه والشراء على شرائه وبخس المكيال والميزان والضمير في "فإنها" يعود على السوق وهي تذكر وتؤنث سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم.
(وبها ينصب رايته) كناية عن ثبوته هناك واجتماع أعوانه وتحريك جنده واستغلالهم حركتها في الإفساد فهي من أهم مواضع إيقاع البشر في الشر والسيئات.
(قال: وأنبئت أن جبريل ﵇ الفعل "أنبئت" مبني للمجهول محذوف الفاعل فهو من مراسيل الصحابة، إن كان القائل سلمان، لكن في آخر الرواية "فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد" يفيد أن القائل أبو عثمان فأصل الرواية: حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي. حدثنا عثمان عن سلمان قال: لا تكونن .. قال: وأنبئت أن جبريل ... إلخ.
(أتى نبي الله ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث ثم قام) أي انصرف.
(هذا دحية) بفتح الدال وكسرها وهو ابن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس ابن الخزرج صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق ولم يشهد بدرا ولا أحدا وكان يضرب به المثل في حسن الصورة شهد اليرموك ونزل دمشق وسكن المزة وعاش إلى خلافة معاوية.
والظاهر أن الرسول ﷺ سكت عند قول أم سلمة: هذا دحية ولم يخبرها بحقيقته حتى سمعته ﷺ يخطب الناس ويعلمهم أن جبريل ﵇ يأتيه أحيانا في صورة دحية.
(يخبر خبرنا) قال النووي: هكذا هو في نسخ بلادنا وكذا نقله القاضي عياض عن بعض الرواة والنسخ وعن بعضهم "يخبر خبر جبريل" قال: وهو الصواب وقد وقع في البخاري على الصواب.
-[فقه الحديث]-
فيه منقبة لأم سلمة ﵂ وأنها رأت جبريل ﵇.
وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك وأنهم يرونهم على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم وكان النبي ﷺ يرى جبريل على صورة دحية أحيانا قال النووي: ورآه مرتين على صورته الأصلية.
وفي الجزء الأول من الحديث أن الأسواق مجالس الشياطين وميدانهم.
والله أعلم
стр. 5359
(٦٤٧) باب من فضائل زينب أم المؤمنين ﵂
٥٤٩٤ - عن عائشة ﵂ أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا" قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا. قالت: فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق.
-[المعنى العام]-
السيدة زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وأمها أميمة عمة النبي ﷺ زوجها رسول الله ﷺ مولاه زيد بن حارثة وكان يدعى زيد بن محمد بالتبني فلما بطل التبني بقوله تعالى ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] ولم تستقم حالها مع زيد فطلقها تزوجها ﷺ كما حكى الله تعالى ذلك بقوله ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ بأنها ابنة عمته، وبأن الله زوجها له وهن زوجهن أولياؤهن، وكانت لرسول الله ﷺ معجبة وكان يستكثر منها وكانت صالحة صوامة قوامة صناعا تصنع بيدها تدبغ الجلود وتخرمها وتتكسب وتتصدق بذلك كله على المساكين وكانت أول نسائه ﷺ لحوقا به بعد موته كان عطاء عمر لها اثني عشر ألفا لم تأخذه إلا عاما واحدا قسمته كله في الفقراء وأهل رحمها فبلغ عمر ذلك فوقف عليها وأرسل بالسلام وقال: بلغني ما فرقت فأرسل بألف درهم تستبقيها فسلكت بها ذلك المسلك وقالت: اللهم لا يدركني هذا المال من قابل فإنه فتنة فتوفيت من عامها وكانت قد أعدت لنفسها كفنا، وأوصت بالتصدق به أو بالكفن الذي سيرسله عمر فأرسل لها عمر خمسة أثواب بخرها ثوبا ثوبا فكفنت منها وتصدقت عنها أختها حمنة بكفنها الذي كانت قد أعدته تزوجها النبي ﷺ وهي بنت خمس وثلاثين ماتت سنة عشرين من الهجرة وهي بنت خمسين وصلى عليها عمر ﵂ وعن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا) أي أولكن موتا بعدي ورواية البخاري صريحة في أن هذا كان جوابا لسؤالهن - أو سؤال إحداهن: ففيها "أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي ﷺ : أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: أطولكن يدا" وعند ابن حبان ما يفيد أن السائلة عائشة ﵂ فعنده
стр. 5360
"قالت: فقلت" وقد أخرجه النسائي بلفظ "فقلن" و"لحاقا" بفتح اللام وهو منصوب على التمييز وفي رواية البخاري "لحوقا" و"يدا" منصوب على التمييز أيضا وكان المناسب أن يقول "طولاكن" لكنه عبر بما يعبر عنه عن المذكر تعظيما.
(فكن يتطاولن. أيتهن أطول يدا) أي ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، فكن يذرعن أيديهن بقصبة أو على الحائط وفي رواية البخاري "فأخذوا قصبة يذرعونها" أي لترى أعينهن بالمقياس أيتهن أطول يدا.
(قالت: فكانت أطولنا يدا زينب) بنت جحش وفي الكلام طي وحذف والأصل وكانت سودة أطولنا يدا حقيقية فلما توفيت زينب وكانت أولنا لحوقا به ﷺ كانت هي أطولنا يدا أي أكثرنا عطاء أي علمنا أن مراده ﷺ طول اليد في الصدقة وفعل الخير وأهل اللغة يقولون: فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحا جوادا وضده قصر اليد وقصير الباع.
وقد فسرت رواية الحاكم هذا المراد ولفظها "قال رسول الله ﷺ لأزواجه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ أن أراد بطول اليد الصدقة وكانت زينب امرأة صناعة باليد وكانت تدبغ وتخرز - أي وتبيع - وتصدق في سبيل الله".
وقد أوهمت رواية البخاري خلاف الصواب ولفظها "فكانت سودة أطولهن يدا فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة وكانت أسرعنا لحوقا به وكانت تحب الصدقة"
قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة اهـ. وقد أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه فقوله عن سودة "وكانت أسرعنا لحوقا به" غير صواب والمعروف أن زينب ماتت سنة عشرين وأن عمر صلى عليها أما سودة فقد ماتت بعدها في آخر خلافة عمر على المشهور وحاول العلماء توجيه رواية البخاري فمنهم من وجهها بتقدير محذوفات أي قالت عائشة: فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا على الحقيقة فعلمنا بعد أنما المراد طول اليد بالصدقة أي بعد وفاة زينب، وكانت - أي زينب - أسرعنا لحوقا به، ففي الرواية حذف وقد خلفت الضمائر مع الحذف هذا الإيهام قال الزين بن المنير: قولها "فعلمنا بعد" يشعر إشعارا قويا أنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه وأنه كناية عن كثرة الصدقة والذي علمنه أخيرا خلاف ما اعتقدنه أولا. اهـ.
وقد جمع الطيبي بين الحديثين فقال: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري: المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب فلم تكن حاضرة وكانت سودة أولهن موتا قال الحافظ ابن حجر: لكن يعكر على هذا أن في رواية ابن حبان "أن نساء النبي ﷺ اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة" والتحقيق أن في رواية البخاري وهما من الرواة.
стр. 5361
-[فقه الحديث]-
١ - في الحديث منقبة جليلة لزينب بنت جحش ﵂.
٢ - وفيه فضل الصدقة.
٣ - وفيه معجزة لرسول الله ﷺ .
٤ - وفيه أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لا يلام وإن كان مراد المتكلم مجازه لأن النسوة حملن الكلام على الحقيقة فلم ينكر عليهن.
٥ - قال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. اهـ. لكن ما قاله لا يطرد.
والله أعلم.
стр. 5362
(٦٤٨) باب من فضائل أم أيمن ﵂
٥٤٩٥ - عن أنس ﵁ قال: انطلق رسول الله ﷺ إلى أم أيمن. فانطلقت معه فناولته إناء فيه شراب قال: فلا أدري أصادفته صائما أو لم يرده فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه.
٥٤٩٦ - عن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.
-[المعنى العام]-
أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته قالوا: كان النبي ﷺ ورثها عن أمه فأعتقها حين تزوج خديجة، وقالوا: كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعد ما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر، وتزوجها عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج قبل الإسلام فولدت له "أيمن" أسلم وصحب النبي ﷺ واستشهد في خيبر ولما تبنى الرسول ﷺ زيد بن حارثة وزوجه أم أيمن ولدت له أسامة وكان النبي ﷺ يزورها وكانت تدل عليه وترفع صوتها كما تفعل الأم وكان يعاملها معاملة الأم وقد روى البخاري وأحمد أن الرجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى فتحت عليه قريظة والنضير فجعل يرد بعد ذلك، فسأله أحدهم أن يرد عليه بعض الذي أخذه وكان أعطاه لأم أيمن - فأعطاه له فجاءت أم أيمن فجعلت تلوح بالثوب وتقول: كلا والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن فقال النبي ﷺ : لك كذا وكذا وتقول: كلا حتى أعطاها عشرة أمثاله.
وحفظ الصحابة مودتها كما حفظها رسول الله ﷺ فكان أبو بكر وعمر يزورانها بعد وفاته ﷺ وتوفيت في خلافة عثمان ﵂ وأرضاها.
стр. 5363
-[المباحث العربية]-
(انطلق رسول الله ﷺ إلى أم أيمن فانطلقت معه) الظاهر أن هذا الانطلاق كان لمجرد زيارتها فقد كان ﷺ يزورها كثيرا كما هو صريح الرواية الثانية وكان خادمه أنس يصحبه في أغلب الزيارات.
(فناولته إناء فيه شراب) أي فلم يأخذه ولم يشرب منه وكان قصدها إكرامه وتحيته وفي بعض الروايات "فقربت إليه لبنا".
(فلا أدري أصادفته صائما؟ أو لم يرده) أي لا يدري أنس سر إحجامه ﷺ عن الشرب لأنه ﷺ لم يبن عنه لأم أيمن ولم يكن يعلم أنس حاله إذ كان ﷺ كثير الصوم دون أن يخبر عن صومه والغالب أنه كان صائما ومن المستبعد أن يعاف شرابها فهي حاضنته ومربيته.
(فجعلت تصخب عليه) أي تصيح وترفع صوتها عليه تنكر عليه رفض الشراب وتلح عليه أن يشرب.
(وتذمر عليه) بفتح التاء والذال وتشديد الميم وأصله تتذمر حذفت إحدى التاءين تخفيفا والتذمر الكلام بغضب يقال: ذمر يذمر كقتل يقتل إذا غضب وإذا تكلم بالغضب، وكان هذا منها دلالا عليه ﷺ وكان يتقبل مثل هذا منها وفاء بحقها وكان يقول "أم أيمن أمي بعد أمي".
(قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها) هذا من قبيل الوفاء للميت، وإكرامه، فتكريم من كان يكرمه من باب الإحسان إليه.
(فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله ﷺ القائل واحد منهما وأسند القول إليهما لموافقة الثاني ورضاه وقد ظنا أن بكاءها أسفا على موت الرسول ﷺ وحزنا على فراقه فصبراها بما قالا.
(ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء) الكلام معطوف على محذوف والتقدير: لا أبكي أسفا وحزنا على فراقه ﷺ فأنا أعلم أنه فارقنا إلى ما هو خير له ولكن أبكي انقطاع الوحي من السماء إلى الأرض وكان في نزوله الرحمة ووصلنا بالسماء.
стр. 5364
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة لأم أيمن وتقدير الرسول ﷺ لها ومن بعده تقدير الصاحبين لها.
٢ - قال النووي: فيه أن للضيف الامتناع من الطعام والشراب الذي يحضره المضيف إذا كان له عذر من صوم أو غيره مما هو مقرر في كتب الفقه.
٣ - وفيه زيارة الصالحين وفضلها.
٤ - وزيارة الصالح لمن هو دونه.
٥ - وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره.
٦ - وزيارة المسلم لأهل ود صديقه.
٧ - وزيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة.
٨ - وسماع كلامها.
٩ - واستصحاب العالم والكبير صاحبا له في الزيارة والعيادة ونحوها.
١٠ - والبكاء حزنا على فراق الصالحين والأصحاب وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه
كذا قال النووي: وقد أنكرت في جوابها أن يكون البكاء للفراق وأفادت أن البكاء لفقد الخير الذي حصل بالحياة وانقطع بالموت.
١١ - وفي الرواية الأولى إدلال المحب وصاحب الحق.
١٢ - وتقبله ﷺ لما يصاحب ذلك من إساءة وعفوه وسماحته.
والله أعلم.
стр. 5365
(٦٤٩) باب من فضائل أم سليم وبلال ﵄
٥٤٩٧ - عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا أم سليم فإنه كان يدخل عليها فقيل له في ذلك فقال: "إني أرحمها قتل أخوها معي".
٥٤٩٨ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك".
٥٤٩٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أريت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال".
٥٥٠٠ - عن أنس ﵁ قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم. فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. قال: فجاء فقربت إليه عشاء. فأكل وشرب فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك. فوقع بها. فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني! فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان. فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لكما في غابر ليلتكما" قال: فحملت. قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا فدنوا من المدينة فضربها المخاض. فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله ﷺ قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب! إنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج وأدخل معه إذا دخل. وقد احتبست بما ترى قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة! ما أجد الذي كنت أجد انطلق فانطلقنا. قال: وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما. فقالت
стр. 5366
لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله ﷺ فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ قال: فصادفته ومعه ميسم فلما رآني قال: "لعل أم سليم ولدت؟ " قلت: نعم فوضع الميسم قال: وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة فلاكها في فيه حتى ذابت ثم قذفها في في الصبي. فجعل الصبي يتلمظها قال فقال رسول الله ﷺ : "انظروا إلى حب الأنصار التمر" قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله.
- بمثله.
٥٥٠١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الغداة: "يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة" قال بلال: ما عملت عملا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.
-[المعنى العام]-
أم سليم بنت ملحان الأنصارية أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار اتخذت خنجرا يوم حنين وقالت: إنا دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه عرضت ابنها أنسا على رسول الله ﷺ ليخدمه فقبله وكانت من عقلاء النساء ومن الصالحات يشهد لعقلها قولها في أحاديثنا: "يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا قالت: فاحتسب ابنك" ويشهد لصلاحها رؤية الرسول ﷺ لها في الجنة ويكفي أن الرسول ﷺ كان يدخل بيتها دون تكلف، بل ويقيل فيه سواء أكانت موجودة فيه أو غير موجودة ولزوجها أبي طلحة مناقب كثيرة ودعاؤه ربه - في حديثنا - وحرصه على صحبة الرسول ﷺ واستجابة الله لدعائه خير شاهد على بعض فضائله التي بلغت الذروة يوم دفاعه عن رسول الله ﷺ وبلائه البلاء الحسن في غزوة أحد ﵁.
стр. 5367
أما بلال بن رباح الحبشي فقد كان مملوكا لأمية بن خلف فآمن بالله وبرسول الله ﷺ فأخذ أمية يعذبه ويخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة توضع على صدره فضلا عن ضربه بالسوط وأخذوا يطوفون به والحبل في عنقه في طرقات مكة وهو يقول: أحد أحد فمر به أبو بكر فاشتراه من أمية وأعتقه فلزم النبي ﷺ وكان مؤذنه وخازنا له شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ قال له رسول الله ﷺ إني دخلت الجنة فسمعت خشفا فقلت: من؟ قالوا: بلال فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى وأذن لأبي بكر بعد رسول الله ﷺ ولم يؤذن لعمر، فقال له عمر: ما يمنعك أن تؤذن؟ قال: إني أذنت لرسول الله ﷺ حتى قبض، ثم أذنت لأبي بكر حتى قبض، لأنه كان ولي نعمتي ويقال: إنه أذن لعمر مرة إذ دخل الشام فبكى عمر وغيره من المسلمين.
يقال: إنه أراد في آخر حياة أبي بكر أن يخرج إلى الشام مجاهدا، فقال له أبو بكر: بل تكون عندي فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إلى الله فقال: اذهب. فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات، سنة عشرين، ودفن بحلب ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(كان النبي ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليم، فإنه كان يدخل عليها) أي لا يدخل على أحد من النساء الأجنبيات غير المحارم، وقد سبقت ترجمة أم سليم وزوجها أبي طلحة وابنها أنس في كتاب الأشربة والأطعمة باب تكثير الطعام ببركة دعائه ﷺ في المباحث العربية.
كما سبق دخوله ﷺ على أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم مع ترجمتها في المباحث العربية في باب الغزو في البحر كما سبق توجيه هذا الدخول شرعا في فقه الحديث في الباب المذكور فيما يؤخذ من الحديث المأخذ الثالث عشر.
وفي قوله "إلا على أزواجه، إلا أم سليم" استثناء من الاستثناء ومثله في قوله تعالى ﴿إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته﴾ [الحجر: ٥٨ - ٦٠] وقد رتب عليه الفقهاء مسائل في الطلاق والإقرار.
(فقيل له في ذلك) أي سئل عن سر ذلك.
(فقال: إني أرحمها قتل أخوها معي) يعني حرام بن ملحان وكان قد قتل يوم بئر معونة وما ذكر لعله جزء علة وقد عقبنا عليه في فقه الحديث في كتاب الفضائل - باب عرق النبي ﷺ في المأخذ الثالث عشر.
стр. 5368
(دخلت الجنة فسمعت خشفة) بفتح الخاء وسكون الشين وهي حركة المشي وصوته ويقال أيضا بفتح الشين.
(فقلت: من هذا؟ ) الذي يمشي بصوت؟ .
(قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك) القائلون هم الملائكة والغميصاء بضم الغين وبالصاد مع المد ويقال لها أيضا: الرميصاء بالصاد وبالسين قال ابن عبد البر: أم سليم هي الرميصاء والغميصاء والمشهور فيه الغين وأختها أم حرام الرميصاء ومعناهما متقارب والرمص والغمص قذى يابس وغير يابس يكون في أطراف العين.
(أريت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة) هي أم سليم، أم أنس، والرؤية منامية.
(ثم سمعت خشخشة أمامي، فإذا بلال) هذه الجملة هي التي جعلت النووي ﵀ يجمع هنا بين أم سليم وبلال في باب واحد وقد تبعناه، والخشخشة صوت المشي اليابس إذا حك بيابس.
(مات ابن لأبي طلحة من أم سليم) سبقت قصة هذا الولد، وشبه هذا الحديث في كتاب اللباس والزينة باب وسم الحيوان وفي كتاب الأدب باب تحنيك المولود.
(فقالت لأهلها) أي للمقيمين معها في البيت والذين علموا بموته.
(ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك) أصله أحسن ما كانت تتصنع له أي أحسن ما كانت تتزين له فتجملت وتعرضت له ليجامعها.
(فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري التوبيخي أي ما كان ينبغي أن تفعلي ذلك والمراد من التلطخ الجنابة.
(بارك الله لكما في غابر ليلتكما) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي في ليلتكما الغابرة، أي الماضية.
(فحملت) من أبي طلحة في تلك الليلة.
(فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه) شروع في قصة ولادتها بعد الحمل، وكانت تسافر معه ﷺ في غزواته تسقي العطشى وتداوي المرضى وتحرس وتعين وكان زوجها أبو طلحة لا يتخلف عن الغزو أيضا وفي عودتهم من غزوة وقرب المدينة حصل لها المخاض.
(إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا) أي لا يطرقها ولا يدخلها مفاجئا وبخاصة في الليل، بل كان يضرب الخيام وينزل قريبا منها حتى يصل خبر العودة للنساء.
стр. 5369
(فضربها المخاض) أي جاءها طلق الولادة وآلامها.
(فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ أي تحرك رسول الله ﷺ ومن معه نحو المدينة ولم يستطع أبو طلحة أن يتحرك معهم لمرافقتها وعدم قدرتها على السير فرفع الله عنها الطلق استجابة لدعوة زوجها، فرافقا رسول الله ﷺ .
(وضربها المخاض حين قدما) أي حين وصلا المدينة.
(فولدت غلاما ... ) هذه القصة سبق شرحها في كتاب اللباس والزينة - باب وسم الحيوان وفي كتاب الأدب - باب تحنيك المولود.
(عند صلاة الغداة) أي صلاة الصبح.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - منقبة ظاهرة لأم سليم ولها مناقب كثيرة وقد اشتركت في كثير من الغزوات
٢ - ومنقبة لبلال ﵁ وشهادة له بأنه من أهل الجنة.
٣ - قال النووي: قال العلماء عن الرواية الأولى: فيه جواز دخول المحرم على محارمه. اهـ.
وهذا على ثبوت كونها محرما له وفيه نظر ذكرناه في باب الغزو في البحر.
٤ - وفيه إشارة إلى منع دخول الرجل على الأجنبية وإن كان صالحا.
٥ - وفيه بيان ما كان عليه ﷺ من الرحمة والتواضع وملاطفة الضعفاء.
٦ - وفيه صحة الاستثناء من الاستثناء.
٧ - ومن الرواية الرابعة كثير من الفوائد ذكرناها في كتاب اللباس والزينة - باب وسم الحيوان وفي كتاب الأدب - باب تحنيك المولود.
٨ - وفي الرواية الخامسة فضل الطهور والصلاة به.
والله أعلم.
стр. 5370
(٦٥٠) باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه ﵄
٥٥٠٢ - عن عبد الله ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ إلى آخر الآية. قال لي رسول الله ﷺ : "قيل لي أنت منهم".
٥٥٠٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت أنا وأخي من اليمن. فكنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ من كثرة دخولهم ولزومهم له.
٥٥٠٤ - وفي رواية عن أبي إسحاق أنه سمع الأسود يقول: سمعت أبا موسى يقول: لقد قدمت أنا وأخي من اليمن فذكر بمثله.
٥٥٠٥ - عن أبي موسى ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أرى أن عبد الله من أهل البيت أو ما ذكر من نحو هذا.
٥٥٠٦ - عن أبي الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين مات ابن مسعود فقال أحدهما لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذاك. إن كان ليؤذن له إذا حجبنا. ويشهد إذا غبنا.
٥٥٠٧ - عن أبي الأحوص قال: كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد الله وهم ينظرون في مصحف فقام عبد الله فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم فقال أبو موسى: أما لئن قلت ذاك لقد كان يشهد إذا غبنا. ويؤذن له إذا حجبنا.
стр. 5371
٥٥٠٨ - وفي رواية عن أبي الأحوص قال: أتيت أبا موسى، فوجدت عبد الله وأبا موسى. ح وحدثنا أبو كريب. حدثنا محمد بن أبي عبيدة حدثنا أبي عن الأعمش عن زيد بن وهب. قال: كنت جالسا مع حذيفة وأبي موسى وساق الحديث. وحديث قطبة أتم وأكثر.
٥٥٠٩ - عن عبد الله ﵁ أنه قال: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ فلقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة. ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله. ولو أعلم أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه. قال: شقيق فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه.
٥٥١٠ - عن عبد الله ﵁ قال: والذي لا إله غيره! ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت. ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه.
٥٥١١ - عن مسروق قال: كنا نأتي عبد الله بن عمرو فنتحدث إليه - وقال ابن نمير: عنده - فذكرنا يوما عبد الله بن مسعود فقال: لقد ذكرتم رجلا لا أزال أحبه بعد شيء سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة. من ابن أم عبد - فبدأ به - ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة".
٥٥١٢ - عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن عمرو فذكرنا حديثا عن عبد الله بن مسعود. فقال: إن ذاك الرجل لا أزال أحبه بعد شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله. سمعته يقول: "اقرءوا القرآن من أربعة نفر: من ابن أم عبد - فبدأ به - ومن أبي بن
стр. 5372
كعب، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل" وحرف لم يذكره زهير. قوله: يقوله.
٥٥١٣ - وفي رواية عن أبي معاوية قدم معاذا قبل أبي. وفي رواية أبي كريب، أبي قبل معاذ.
٥٥١٤ - عن مسروق قال: ذكروا ابن مسعود عند عبد الله بن عمرو فقال: ذاك رجل لا أزال أحبه. بعد ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول: "استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب! ومعاذ بن جبل.
- قال شعبة: بدأ بهذين. لا أدري بأيهما بدأ.
-[المعنى العام]-
عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي كان أبوه قد حالف في الجاهلية عبد الله بن الحارث بن زهرة وأمه أم عبد، وذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة "أم عبيد" بنت عبدود، من بني زهرة أيضا، أسلمت وبايعت وروي أنها باتت عند النبي ﷺ ليلة لترى صلاته بالليل أما ابنها عبد الله فقد أسلم قديما قيل: كان سادس من أسلم وكان سبب إسلامه أنه كان يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمر به رسول الله ﷺ فقال له: يا غلام هل من لبن؟ فقال: نعم ولكني مؤتمن قال: فهل من شاة حائل؟ فأتاه بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء وشرب وسقى أبا بكر ثم قال للضرع: اقلص فقلص فأتاه فأسلم ودعا له، ثم ضمه إليه رسول الله ﷺ فكان يدخل عليه بكثرة ويلبسه نعليه، ويمشي أمامه ومعه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام وقال له رسول الله ﷺ "إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك" وكان يعرف في الصحابة بصاحب الوساد وصاحب النعلين وصاحب السواك شهد بدرا والحديبية وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وصلى للقبلتين، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة في حديث العشرة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود) وروي أن رسول الله ﷺ قال: "لو كنت مؤمرا أحدا من غير مشورة لأمرت ابن أم عبد" كان ينسب إلى أبيه "مسعود" كما كان ينسب إلى أمه "أم عبد" كان قصيرا نحيفا يكاد طوال الرجال جالسا يوازيه وهو قائم وكان لا يغير شيبه، اشترك في قتل أبي جهل في غزوة بدر ذلك أنه لما ضربه ابنا عفراء فخر على الأرض صريعا صعد ابن مسعود على صدره فقال له: حتى أنت يا رويع الغنم؟ بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة مع
стр. 5373
عمار بن ياسر وكتب إليهم: إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء وإني قد
آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي ومع خلافه مع عثمان على المصحف ما تناوله بسوء، بل لما دعاه عثمان إلى المدينة أجابه وقال لأصحابه الذين حاولوا منعه: إن له علي حق الطاعة، توفي بالمدينة على المشهور سنة ثنتين وثلاثين ﵁.
-[المباحث العربية]-
(لما نزلت هذه الآية ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾ [المائدة: ٩٣] قال لي رسول الله ﷺ : قيل لي: أنت منهم) القائل لرسول الله ﷺ إن ابن مسعود منهم هو الله تعالى عن طريق الوحي لأن صفة الإيمان والتقوى والإحسان على الحقيقة لا يعلمها إلا الله وفرق بين أن تنطبق الآية على فرد وبين سبب النزول فقد قال المفسرون في سبب النزول إنه لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة ﵃ كيف بمن شربها من إخواننا الذين ماتوا وهم قد شربوا الخمر وأكلوا الميسر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعناها على هذا أن من مات ممن أكل محرما، أو شرب محرما قبل أن يحرم هذا المأكول والمشروب فلا إثم عليه إذا كان قد آمن، واتقى المحرمات المعلومة له وأحسن العمل ودخول ابن مسعود في الآية وفي الموصوفين بذلك بعيد اللهم إلا إذا أدخلناه في بعض الصفات وهي التقوى والإيمان والعمل الصالح والإحسان.
وقيل: إنها نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم ملاذ الحياة الدنيا وسلكوا طريق الترهب ولم يثبت أن ابن مسعود كان منهم بل الثابت غيره.
وبغض النظر عن سبب النزول يدخل ابن مسعود وكثير غيره في مضمونها وهو رفع الجناح عنهم فيما طعموا إذ ما اتقوا الحرام واتقوا الإسراف والتقتير واستمروا على إيمانهم وعملهم الصالحات وإحسانهم عبادة الله.
(عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت أنا وأخي من اليمن) إلى المدينة مهاجرا وكان ذلك بعد فتح خيبر.
(فكنا حينا) أي فعشنا ومكثنا في المدينة زمنا قال الشافعي وأصحابه ومحققو أهل العلم وغيرهم الحين يقع على القطعة من الدهر طالت أم قصرت.
(وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ "وما نرى" بضم النون بمعنى نظن أي وما كنا نظن ابن مسعود وأمه إلا من أهل البيت.
(من كثرة دخولهم ولزومهم له) أي من كثرة دخولهم بيوت رسول الله ﷺ وطول إقامتهم
стр. 5374
في داخلها، وكان حقه يقول "من كثرة دخولهما ولزومهما له" أي هو وأمه قال النووي: الاثنان يجوز جمعهما بالاتفاق لكن الجمهور يقولون: أقل الجمع ثلاثة فجمع الاثنين عندهم مجاز وغير الجمهور يقولون: أقل الجمع اثنان فجمعهما عند غير الجمهور حقيقة.
(فقال أحدهما لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله؟ ) "أتراه" بضم التاء، أي أتظن ابن مسعود بعد موته ترك على الأرض حيا في درجته وعلمه؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا أظن أنا ولا أنت أن يوجد الآن مثله أو حقيقي والجواب مطوي دل عليه ما قاله الآخر.
(إن قلت ذاك، إن كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا) "إن" الأولى شرطية، حذف جوابها، أي إن قلت ذلك القول لم تكن مبالغا، ولا مجاوزا الحقيقة و"إن" الثانية مخففة من الثقيلة واسمها ضمير محذوف والجملة مستأنفة استئنافا تعليليا، أي فإنه كان يأذن له رسول الله ﷺ في الدخول عليه إذا حجب ومنع الصحابة ومعنى يشهد يحضر أي يحضر مجلس رسول الله ﷺ إذا غاب عنه الآخرون.
قال القسطلاني: وكان ابن مسعود ﵁ يلج على النبي ﷺ ويلبسه نعليه، ويمشي أمامه ومعه ويستره إذا اغتسل، وقال: قال لي رسول الله ﷺ "إذنك علي، أن ترفع الحجاب" كانت الستارة على حجر النبي ﷺ وبعد باب الدار فكأنه أذن له أن لا يطرق الباب- "وأن تسمع سوادي" أي وأن تسمع صوتي، وتعلم وجودي وعدم المانع من دخولك "حتى أنهاك" أي حتى أسلبك هذه الخصوصية.
(كنا في دار أبي موسى، مع نفر من أصحاب عبد الله) ابن مسعود أي وعبد الله معهم وهذه واقعة أخرى وإن كانت قولة أبي موسى في كل من الجلستين واحدة فما في الرواية الرابعة كان بعد موت ابن مسعود وما في الرواية الخامسة كان في حياته وقد بين ملحق الرواية الخامسة بعض هؤلاء الأصحاب منهم زيد بن وهب وحذيفة بن اليمان.
(وهم ينظرون في مصحف) لعله مصحف عبد الله بن مسعود وكان به بعض اختلاف عن مصحف الجماعة كما سيأتي.
(فقام عبد الله) ابن مسعود، أي منصرفا من المجلس.
(أعلم بما أنزل الله من هذا القائم) أي من هذا الذي قام وانصرف.
(عن عبد الله ﵁ أنه قال: ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) هذه الجملة جزء الآية (١٦١) من سورة آل عمران وصدرها ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ قال النووي: معناه أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه فأنكر عليه الناس وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور وطلبوا مصحفه ليحرقوه كما فعلوا بغيره فامتنع وقال لأصحابه: غلوا مصاحفكم أي اكتموها وخبئوها ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ يعني: فإذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة وكفى لكم بذلك شرفا. اهـ.
стр. 5375
فكأن ابن مسعود نقل الآية من معناها الأصلي وهو الأخذ سرقة من الغنيمة قبل القسمة ونقل التهديد بالوعيد الذي يلحق الغال وهو أن يحمل الغال على رقبته يوم القيامة ما سرق جملا أو بقرة أو شاة تشهيرا به ونكالا نقلها إلى معنى: من يكتم شيئا من الخير جاء يحمله متشرفا به يوم القيامة وفي رواية أنه قال لأصحابه: إني غال مصحفي وحابسه عن أن يحرق فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغلل.
(ثم قال: على قراءة من؟ تأمرني أن أقرأ) هكذا هو في بعض النسخ "تأمرني" أي أيها الذي تأمرني وفي بعض النسخ "على قراءة من تأمرونني" أي أيها الآمرون والاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن تأمروني أن أقرأ بقراءة فلان وأترك قراءتي وقصده من "فلان" هذا زيد بن ثابت فقد أثار ابن مسعود أنه لم يحظ بشرف جمع القرآن ونسخه ضمن اللجنة التي ألفها لذلك عثمان بن عفان ﵁ واعتمد فيها على زيد بن ثابت عز عليه إهماله وهو إمام القراءة في الكوفة، ومن السابقين الماهرين في حفظ القرآن، وهو أول أربعة أمر المسلمون بأخذ القرآن عنهم كما سيأتي في الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة ويقال: إنه خطب في الناس فقال: يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة المصاحف، ويتولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب كافر - يريد زيد بن ثابت - ولابن مسعود عذره في هذا الغضب ولعثمان عذره في هذا الاختيار فإبعاده عن هذا العمل المشرف - مع كفاءته له - يغضب دون مراء وفي هذا الغضب جزء لله لكنه جاوز ما يليق! إذ هاجم زيد بن ثابت، من غير ذنب إلا أنه وقع عليه الاختيار، وما كان اختيار زيد إلا عن كفاءة ممتازة، مجمع عليها من المنصفين فهو كاتب الوحي لرسول الله ﷺ وهو الذي قام بجمع القرآن لأبي بكر، ثم هو أكتب القوم بشهادة الصحابة، فالطعن في اختياره لهذا العمل افتئات واعتداء.
وعذر عثمان في عدم ضم ابن مسعود للجنة أن ابن مسعود كان متميزا بقراءة متمسكا بها فخشي من تحيزه لقراءته على أن عثمان ﵁ كان متعجلا الأمر منزعجا من الاختلاف في القراءة حريصا على الإسراع بحسم الداء وهو بالمدينة وعبد الله بن مسعود بالكوفة فاكتفى بمن هم في المدينة ولم يشتهر عنهم التحيز لقراءة معينة.
وترتب على غضبة ابن مسعود هذه غضبة أخرى، يوم أرسل مصحف عثمان إلى الكوفة ليجمع عليه الناس ويحرقوا ما عداه، فرفض أن يحرق مصحفه ودعا أصحابه إلى ذلك الرفض.
(فلقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة) أي وأخذت بقية القرآن عن أصحابه وفي رواية "لقد أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان".
(قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه) "شقيق" هو الراوي عن ابن مسعود يحكي أنه جلس في حلقات الصحابة العلمية، فيذكرون ابن مسعود وقوله هذا، فلا يعترض على هذا القول و"الحلق" بفتح الحاء واللام
стр. 5376
ويقال بكسر الحاء وفتح اللام وقال الحربي بفتح الحاء وإسكان اللام وهو جمع حلقة، بإسكان اللام على المشهور، وحكي فتحها واتفقوا على أن فتحها ضعيف.
(ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت) أي في أي مكان نزلت.
(من ابن أم عبد) كانت أمه تكنى "أم عبد" و"أم عبد الله" بنت عبدود.
(ومن أبي بن كعب) سيأتي الكلام عنه في الباب التالي.
(ومن سالم مولى أبي حذيفة) وكان من أهل فارس أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة فتبناه أبو حذيفة ولذلك يعد من المهاجرين ولما كانت معتقته أنصارية عد من الأنصار ويعد في العجم وهو من خيار الصحابة وكان يؤم المهاجرين بقباء وفيهم عمر، قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة وروي أنه هاجر مع عمر بن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة وكان يؤمهم إذا سافر معهم لأنه كان أكثرهم قرآنا وروي أن عمر لما طعن قال: لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى شهد بدرا وقتل يوم اليمامة شهيدا هو ومولاه أبو حذيفة وجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر سنة اثنتي عشرة من الهجرة.
(ومن معاذ بن جبل) الأنصاري الخزرجي الإمام المقدم في علم الحلال والحرام كان من أجمل الرجال شهد بدرا وهو ابن إحدى وعشرين سنة وأمره النبي ﷺ على اليمن وقدم منها في خلافة أبي بكر وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة وعمره أربع وثلاثون سنة روي أن عمر ﵁ قال: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث]-
١ - فيه منقبة من مناقب عبد الله بن مسعود ففي الرواية الثانية والثالثة ملازمته للنبي ﷺ وذلك يستلزم فضله وفي الرواية الرابعة والخامسة أنه كان يؤذن له يوم لا يؤذن لغيره ويسمح له يوم لا يسمح لغيره وفي الرواية الثامنة والتاسعة تقديمه في القراءة على غيره.
٢ - وفي الرواية السادسة والسابعة استحباب الرحلة في طلب العلم والذهاب إلى الفضلاء حيث كانوا.
٣ - قال النووي: فيه جواز ذكر الإنسان نفسه بالفضيلة والعلم ونحوه للحاجة وأما النهي عن تزكية النفس فإنما هو لمن زكاها ومدحها لغير حاجة بل للفخر والإعجاب وقد كثرت تزكية النفس من الأماثل عند الحاجة كدفع شر عنه بذلك أو تحصيل مصلحة للناس أو ترغيب في أخذ العلم عنه أو نحو ذلك فمن المصلحة قول يوسف ﵇ ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ
стр. 5377
عليم﴾ [يوسف: ٥٥] ومن دفع الشر قول عثمان ﵁ في وقت الحصار "إنه جهز جيش العسرة وحفر بئر رومة" ومن الترغيب قول ابن مسعود وقول سهل بن سعد: ما بقي أحد أعلم بذلك مني وقول بعضهم: على الخبير وقعت.
٤ - وفيه أن ابن مسعود أعلم الصحابة بكتاب الله قال النووي: ولا يلزم منه أن يكون أعلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم بالسنة ولا يلزم من ذلك أيضا أن يكون أفضل منهم عند الله تعالى فقد يكون واحد أعلم من آخر بباب من العلم أو بنوع من العلم والآخر أعلم من حيث الجملة وقد يكون واحد أعلم من آخر وذاك أفضل عند الله بزيادة تقوى وخشية وورع وزهد وطهارة قلب، قال: ولا شك أن الخلفاء الراشدين الأربعة كل منهم أفضل من ابن مسعود.
٥ - وأن قراءة ابن مسعود معتمدة وكذا الثلاثة المذكورون معه قال النووي: قال العلماء: سببه أن هؤلاء أكثر ضبطا لألفاظه وأتقن لأدائه وإن كان غيرهم أفقه في معانيه منهم أو لأن هؤلاء الأربعة تفرغوا لأخذه منه ﷺ مشافهة وغيرهم اقتصروا على أخذ بعضهم من بعض، أو لأن هؤلاء تفرغوا لأن يؤخذ عنهم أو أنه ﷺ أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته ﷺ من تقدم هؤلاء الأربعة وتمكنهم وأنهم أقعد من غيرهم في ذلك فليؤخذ عنهم. والله أعلم.
стр. 5378
(٦٥١) باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار ﵃
٥٥١٥ - عن أنس ﵁ قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، أربعة كلهم من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد قال قتادة: قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
٥٥١٦ - عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعة. كلهم من الأنصار أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ورجل من الأنصار يكنى أبا زيد.
٥٥١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأبي: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك" قال: آلله سماني لك؟ قال: "الله سماك" لي قال: فجعل أبي يبكي.
٥٥١٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ قال: وسماني؟ قال: "نعم" قال: فبكى.
-[المعنى العام]-
أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي شهد العقبة الثانية وبايع النبي ﷺ فيها ثم شهد بدرا وروي أن رسول الله ﷺ قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
كان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ قبل زيد بن ثابت وكتب لرسول الله ﷺ مع زيد بن ثابت وكان زيد ألزم الصحابة لكتاب الوحي وكان يكتب كثيرا من رسائله ﷺ قال الواقدي: أول من كتب لرسول الله ﷺ أول قدومه المدينة أبي بن كعب وكان إذا لم يحضر دعا رسول
стр. 5379
الله ﷺ زيد بن ثابت فكتب، وكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يديه ﷺ ويكتبان كتبه إلى الناس، وما يقع، وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد، ورجع إلى مكة، وكان الكاتب لعهوده ﷺ إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب ﵁ وممن كتب لرسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص وحنظلة الأسيدي والعلاء ابن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وجهيم بن الصلت ومعيقيب بن أبي فاطمة وشرحبيل بن حسنة.
ومات أبي بن كعب في أواخر حياة عمر سنة ثنتين وعشرين على المشهور روى أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وابن حبان وصححه الطبراني أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: "كفارات" فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ قال: "وإن شوكة فما فوقها" فدعا أبي بن كعب أن لا يفارقه الوعك حتى يموت وأن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مس إنسان جسده إلا وجد حره حتى مات" ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة) أي جمعه حفظا في الصدور قال المازري: ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه فقد يكون مراده: الذين علمهم من الأنصار أربعة وأما غيرهم من المهاجرين والأنصار الذين لا يعلمهم، فلم ينفهم، ولو نفاهم كان المراد نفي علمه ومع هذا فقد روى غير مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﷺ وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابيا وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن وكانت اليمامة قريبا من وفاة النبي ﷺ فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها، ومن لم يحضرها وبقي بالمدينة أو بمكة أو غيرها؟ ولم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات وكيف نظن هذا بهم ونحن نرى في أهل عصرنا حفظة منهم في كل بلدة ألوف مع بعد رغبتهم في الخير عن درجة الصحابة مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة يعتمدونها في سفرهم وحضرهم إلا القرآن وما سمعوه من النبي ﷺ فكيف نظن بهم إهمالا؟ فكل هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن في نفس الأمر أحد يجمع القرآن إلا الأربعة المذكورون.
هذا جواب عن شبهة بعض الملاحدة في عدم تواتر القرآن. قال: الجواب الثاني أنه لو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة لم يقدح في تواتره فإن أجزاءه حفظت، حفظ كل جزء منها خلائق لا يحصون
стр. 5380
يحصل التواتر ببعضهم وليس من شرط التواتر أن ينقل جميعهم جميعه، بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك ولم يخالف في هذا مسلم ولا ملحد. اهـ.
(معاذ بن جبل) سبقت نبذة عنه في الحديث السابق.
(وأبي بن كعب) ذكرنا نبذة عنه في المعنى العام.
(وزيد بن ثابت) بن الضحاك، الأنصاري الخزرجي استصغر يوم بدر ويقال: إنه شهد أحدا ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان معه راية بني النجار يوم تبوك كتب الوحي للنبي ﷺ وكان من علماء الصحابة وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر وكان أحد أصحاب الفتوى والفرائض والقراءة بالمدينة واستخلفه عمر على المدينة ثلاث مرات في حجتين وفي خروجه إلى الشام وكان عثمان يستخلفه أيضا على المدينة إذا حج مات سنة اثنتين وأربعين بالمدينة على المشهور وصلى عليه مروان.
(وأبو زيد) قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي قال النووي: أبو زيد هذا هو سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي، بدري يعرف بسعد القارئ، استشهد بالقادسية سنة خمس عشرة، في أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁، قال ابن عبد البر: هذا هو قول أهل الكوفة وخالفهم غيرهم فقالوا: هو قيس بن السكن الخزرجي من بني عدي بن النجار بدري وقال موسى بن عقبة: استشهد يوم جيش أبي عبيد بالعراق سنة خمس عشرة. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: قال ابن نمير في تاريخه: مات سعد بن عبيد القارئ بالقادسية شهيدا، وهو أبو زيد الذي جمع القرآن روي أنه كان يؤم في مسجد قباء في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر.
(إن الله أمرني أن أقرأ عليك) في الرواية الرابعة "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ قال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان الجنة والنار مع وجازتها. اهـ.
وقال أبو عبيد: المراد بالعرض على أبي أن يتعلم أبي منه ﷺ القراءة، ويتثبت فيها وليكون عرض القرآن سنة وللتنبيه على فضيلة أبي بن كعب وتقدمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبي ﷺ شيئا بذلك العرض. اهـ.
وفي رواية أن النبي ﷺ دعا أبيا فقال: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك" وفي رواية "لما نزلت ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ إلى آخرها، قال جبريل للنبي ﷺ : إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا، فقال النبي ﷺ لأبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة".
(قال: آلله سماني لك؟ قال: الله سماك لي) في الرواية الرابعة "قال: وسماني؟ قال:
стр. 5381
نعم". والكلام على الاستفهام التعجبي، والواو في "وسماني"؟ عاطفة على جملة محذوفة، أي أمرك أن تقرأ علي؟ وسماني باسمي؟ أي هل نص علي باسمي؟ أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك؟ فاخترتني أنت؟ وعند الطبراني "قال: نعم. باسمك ونسبك في الملأ الأعلى" قال القرطبي: تعجب أبي من ذلك. لأن في تسمية الله له، ونصه عليه، ليقرأ عليه النبي ﷺ تشريف عظيم.
(فجعل أبي يبكي) أي أخذ يبكي واستمر في البكاء، سرورا، واستصغارا لنفسه عن تأهيله لهذه النعمة وإعطائه هذه المنزلة قال النووي: والنعمة فيها من وجهين. أحدهما كونه منصوصا عليه بعينه، والثاني قراءة النبي ﷺ فإنها منقبة عظيمة له، لم يشاركه فيها أحد من الناس، وقيل: إنما بكى خوفا من تقصيره في شكر هذه النعمة.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة ظاهرة لأبي بن كعب ﵁.
٢ - مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله.
٣ - تعلق به بعض الملاحدة، ليقول: إن القرآن غير متواتر، إذ لم يجمعه من الصحابة في عهد النبي ﷺ إلا أربعة، وهم دون عدد التواتر، وقد أجبنا على هذه الشبهة في المباحث العربية.
٤ - استحباب عرض القرآن على حفاظه البارعين فيه، المجيدين لأدائه.
٥ - وفيه حث للصحابة على الأخذ من أبي ﵁، قال النووي: وكان كذلك فكان بعد النبي ﷺ رأسا وإماما مقصودا في ذلك، مشهورا به.
والله أعلم.
стр. 5382
(٦٥٢) باب من فضائل سعد بن معاذ ﵁
٥٥١٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: "اهتز لها عرش الرحمن".
٥٥٢٠ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ".
٥٥٢١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال وجنازته موضوعة يعني - سعدا - "اهتز لها عرش الرحمن".
٥٥٢٢ - عن البراء ﵁ قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير. فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها فقال: "أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين" حدثنا أحمد بن عبدة الضبي.
٥٥٢٣ - وفي رواية عن البراء بن عازب ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ بثوب حرير. فذكر الحديث. ثم قال ابن عبدة: أخبرنا أبو داود حدثنا شعبة حدثني قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ . بنحو هذا أو بمثله.
٥٥٢٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه أهدي لرسول الله ﷺ جبة من سندس. وكان ينهى عن الحرير. فعجب الناس منها. فقال: "والذي نفس محمد بيده! إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".
٥٥٢٥ - وفي رواية عن أنس ﵁، أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلة. فذكر نحوه ولم يذكر فيه. وكان ينهى عن الحرير.
стр. 5383
-[المعنى العام]-
سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، الأنصاري، يكنى أبا عمرو أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يد مصعب بن عمير، وشهد بدرا، وأحدا والخندق، ورمي يوم الخندق بسهم فقطع وريده من وسط الذراع، فأمر رسول الله ﷺ بضرب فسطاط له في المسجد، يتمرض فيه، وكان يعوده في كل يوم، وكوي على جرحه، لكن يده انتفخت، ونزف الدم فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني في بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطرت منه قطرة حتى نزل بنو قريظة على حكمه فلما حكم فيهم بحكم الله - وقد ذكرت القصة في غزوة بني قريظة - انفتق عرقه، فمات شهيدا بعد شهر من الخندق وبعد ليال من حكمه على بني قريظة.
بشره رسول الله ﷺ بالجنة، فقال: "لمناديل سعد في الجنة خير منها" أي من حلة الحرير التي تعجب الصحابة من نعومتها وجمالها واهتز لموته عرش الرحمن فخرج رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه فوجد سعدا قد قبض، ولما شيعت جنازته، وكانت خفيفة جدا على حامليها، مع أنه كان رجلا طوالا ضخما تعجب المنافقون، فقال رسول الله ﷺ : "إن الملائكة حملته" فقال رجل من الأنصار:
وما اهتز عرش الله من موت هالك
علمنا به إلا لسعد أبي عمرو
﵁ وأرضاه
-[المباحث العربية]-
(اهتز لها عرش الرحمن) كذا في الرواية الأولى والثالثة، فالضمير يعود على الجنازة الحاضرة، أي لجنازة سعد، أي لسعد الميت على خشبة وفي الرواية الثانية "لموت سعد بن معاذ" والظاهر أن الاهتزاز - على اختلاف المراد منه - للموت السابق على الجنازة ففي الكلام مضافان محذوفان، أي اهتز لموت صاحبها عرش الرحمن - وعرش الرحمن مخلوق يحيط بالسماوات والأرض كما يحيط به الكرسي، أو يملؤه الكرسي وهو من أوائل المخلوقات، قال تعالى ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]، فهو جرم من الأجرام، ومخلوق كبقية العالم، وقد سمي بما يفهمه المخاطبون عنه، على أنه مقر الحكم وقاعة الملك، وسريره، ففي سورة يوسف ﴿ورفع أبويه على العرش﴾ [يوسف: ١٠٠] وفي سورة النمل ﴿وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم﴾ [النمل: ٢٣] وفيها ﴿قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون﴾ [النمل: ٤١].
وفي القرآن الكريم آيات تتحدث عن عرش الرحمن، كمظهر من مظاهر الهيمنة والجبروت، منها قوله تعالى ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ [المؤمنون: ٨٦]؟ ﴿فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم
стр. 5384
مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف: ٥٤] ﴿وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر: ٧] ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم﴾ [الزمر: ٧٥].
واهتزاز هذا الجرم بإرادة الله تعالى أمر ممكن عقلا وشرعا، وقد فسرت طائفة اهتزازه لموت سعد بتحركه فرحا بقدوم روح سعد، سواء بالإرادة الإلهية التسخيرية، أو بإدراك وتمييز خلقه الله فيه، قال المازري: ولا مانع منه، كما قال الله تعالى ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤] قال: وهذا القول هو ظاهر الحديث، فالاهتزاز على حقيقته وأن العرش تحرك لموته، وهذا لا ينكر من جهة العقل لأن العرش جسم من الأجسام، يقبل الحركة والسكون. قال: وهذا القول هو المختار اهـ وعندي أنه مستبعد جدا، إذ لم يحصل مثل هذا لنبي ولا لرسول، ولا لسيد المرسلين محمد ﷺ ، وقد قال ﷺ هذا القول إظهارا لفضيلة سعد، وهو لا تحصل به فضيلة سعد كما يقول ذلك المازري نفسه، حتى وإن جعل الله حركته علامة للملائكة على موته.
الرأي الثاني: أنا المراد اهتزاز أهل العرش وهم حملته من الملائكة، ففي الكلام مضاف محذوف واهتزازهم حقيقة فرحا بقدومه، وهو مستبعد أيضا بما استبعد به سابقه.
الرأي الثالث: كالثاني، إلا أن اهتزاز حملة العرش كناية عن استبشارهم بقدومه وهو كثير في لغة العرب ومنه قولهم: اهتز طربا للخبر وللمكارم لا يريدون اضطراب الجسم وحركته وإنما يريدون الارتياح والإقبال ويؤيده ما أخرجه الحاكم "إن جبريل قال: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها؟ "، وهذا الرأي قريب من الرأي الذي سنختاره.
الرأي الرابع: أن المراد اهتزاز سرير الجنازة على أكتاف حملته، أي اهتز عرش سعد فعند الحاكم "اهتز العرش فرحا به" وأوله البراء بن عازب فقال: اهتز العرش فرحا بلقاء الله سعدا، حتى تفسخت أعواده على عواتقنا، وقال ابن عمر: يعني عرش سعد الذي حمل عليه وعند الترمذي عن أنس قال: "لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته فقال النبي ﷺ : إن الملائكة كانت تحمله".
قال النووي: وهذا القول باطل ويرده صريح هذه الروايات التي ذكرها مسلم اهتز لموته عرش الرحمن" قال: وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي في مسلم، وقال الحاكم: الأحاديث التي تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في الصحيحين، وليس لمعارضها في الصحيح ذكر.
الرأي الخامس: قريب من الرابع: إلا أنه جعل الاهتزاز لحملة السرير فرحا بقدومه على ربه.
الرأي السادس: وهو الذي نختاره أن اهتزاز عرش الرحمن كناية عن تعظيم أمر وفاة سعد والعرب تنسب الشيء المعظم إلى أعظم الأشياء فيقولون: أظلمت الأرض لموت فلان وقامت القيامة لموت فلان وبكت عليه السماء والأرض، والله أعلم.
(أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير) في ملحق الرواية "أتي رسول الله ﷺ بثوب حرير"
стр. 5385
وفي الرواية الخامسة "أهدي لرسول الله ﷺ جبة من سندس" وفي ملحقها "أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلة" والأكثرون على أن الحلة - بضم الحاء وتشديد اللام المفتوحة - لا تكون إلا ثوبين، يحل أحدهما على الآخر، والبعض يقول: الحلة ثوب واحد جديد، قريب العهد بحله من طيه، ولما كان الثابت أن المهدي من أكيدر دومة الجندل كان قباء وأنه صاحب القصة كان قول غير الأكثرين هنا هو الصحيح ويئول على قول الأكثرين.
والجبة بضم الجيم وتشديد الباء ثوب سابغ، واسع الكمين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب، والقباء بفتح القاف ثوب يلبس فوق الثياب، و"أكيدر" بضم الهمزة تصغير "أكدر" وهو أكيدر بن عبد الملك، و"دومة الجندل" بضم الدال وسكون الواو، بلد بين الحجاز والشام. مدينة قرب تبوك بها نخل وزرع وحصن، على عشر مراحل من المدينة، وثمان مراحل من دمشق، وكان أكيدر ملكها، وكان نصرانيا، وكان النبي ﷺ أرسل إليه خالد بن الوليد في سرية، فأسره وقدم به المدينة، فصالحه النبي ﷺ على الجزية وأطلقه، وروي أنه لما قدم المدينة أخرج قباء من ديباج منسوجا بالذهب وقد سبق الموضوع في كتاب اللباس، وفي باب حكم لبس الحرير.
(فجعل أصحابه يلمسونها، ويعجبون من لينها) "يلمسونها" بضم الميم وكسرها وفي رواية البخاري "فجعل أصحابه يمسونها" وفي الرواية الخامسة "فعجب الناس منها".
(أتعجبون من لين هذه؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي بمعنى لا ينبغي أن تعجبوا، يعني لا تعجبوا.
(لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها، وألين) وفي الرواية الخامسة "والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" فاللام في "لمناديل سعد" في جواب قسم محذوف وفي رواية البخاري "خير منها أو ألين" والمناديل جمع منديل بكسر الميم في المفرد وهو هذا الذي يحمل في اليد قال أهل اللغة: هو مشتق من الندل، وهو النقل، لأنه ينقل من واحد إلى واحد، وقيل: من الندل وهو الوسخ لأنه يندل به، يقال: تندلت بالمنديل.
-[فقه الحديث]-
في الحديث إشارة إلى عظيم منزلة سعد بن معاذ.
وتبشير له بأنه من أهل الجنة.
وأن أدنى ثيابه فيها خير من حرير الدنيا لأن المنديل أدنى الثياب لأنه معد للوسخ والامتهان فغيره أفضل. والله أعلم.
стр. 5386
(٦٥٣) باب من فضائل أبي دجانة: سماك بن خرشة ﵁
٥٥٢٦ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ سيفا يوم أحد فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا أنا قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فأحجم القوم فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين.
-[المعنى العام]-
أبو دجانة، سماك بن خرشة، ويقال: سماك بن أوس بن خرشة بن لوزان بن عبد ود بن ثعلبة الأنصاري، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج.
شهد بدرا مع رسول الله ﷺ وكان من الأبطال الذين دافعوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، هو ومصعب بن عمير، أما هو فقد كثرت فيه الجراح وأما مصعب فقد استشهد.
عاش أبو دجانة حتى استشهد يوم اليمامة وهو ممن اشترك في قتل مسيلمة الكذاب يومئذ مع عبد الله بن زيد بن عاصم ووحشي بن حرب ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(أبو دجانة) بضم الدال.
(أخذ سيفا يوم أحد) أي أمسك بسيف من سيوفه ﷺ وعرضه على أصحابه يوم أحد قبل المعركة.
(فقال: من يأخذ مني هذا) ليقاتل به.
(فبسطوا أيديهم) أي بسط كثير منهم يده، ليأخذه.
(كل إنسان منهم يقول: أنا أنا) أي أنا آخذه، لأقاتل به.
(قال: فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم) أي تأخروا وكفوا أيديهم، لما فهموا من أن حقه كبير، قد لا يوفونه، قال النووي: هكذا هو في معظم نسخ بلادنا "فأحجم" بتقديم الحاء على الجيم،
стр. 5387
وفي بعضها بتقديم الجيم على الحاء، قال: وادعى القاضي أن الرواية بتقديم الجيم ولم يذكر غيره، قال: فهما لغتان، ومعناهما تأخروا، وكفوا. اهـ.
(فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه) وعند الدولابي في الكنى "فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: أنا. فما حقه؟ قال: لا تقتل به مسلما، ولا تفر به من كافر".
(فأخذه، ففلق به هام المشركين) أي شق رءوسهم، و"هام" بتخفيف الميم جمع هامة، وهي الرأس أو أعلاه أو وسطه.
-[فقه الحديث]-
فيه فضيلة كبيرة لأبي دجانة، وأنه كان من الأبطال الشجعان.
وفيه ما كان عليه الصحابة من توقير الرسول ﷺ وخوفهم من مخالفته.
وما كان عليه ﷺ من التشجيع على القتال، واستخدام الأساليب المهيجة النافعة.
والله أعلم.
стр. 5388
(٦٥٤) باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر ﵄
٥٥٢٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما كان يوم أحد، جيء بأبي مسجى وقد مثل به. قال: فأردت أن أرفع الثوب، فنهاني قومي. ثم أردت أن أرفع الثوب. فنهاني قومي فرفعه رسول الله ﷺ أو أمر به فرفع فسمع صوت باكية أو صائحة فقال: "من هذه؟ " فقالوا: بنت عمرو، أو أخت عمرو، فقال: "ولم تبكي؟ فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع".
٥٥٢٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أصيب أبي يوم أحد. فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني. قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه فقال رسول الله ﷺ "تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها، حتى رفعتموه".
٥٥٢٩ - وفي رواية عن جابر ﵁ بهذا الحديث. غير أن ابن جريج ليس في حديثه ذكر الملائكة وبكاء الباكية.
٥٥٣٠ - وفي رواية عن جابر ﵁ قال: جيء بأبي يوم أحد مجدعا فوضع بين يدي النبي ﷺ فذكر نحو حديثهم.
-[المعنى العام]-
عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا جابر كان نقيبا يوم العقبة الثانية ويقال: إن ابنه جابرا كان معه في العقبة وهو صغير وشهد بدرا وأحدا وقتل يوم أحد شهيدا ومثل به المشركون فقطعوا أنفه وأذناه وكان أول قتيل من المسلمين يوم
стр. 5389
أحد، جاءوا به مغطى فحاول ابنه أن يكشف وجهه فمنعوه لئلا يزداد حزنا وغيظا حين يراه ممثلا به وبكت عليه أخته بصوت وبكى ابنه جابر وبكى فقال ﷺ : "ابكوا عليه أو لا تبكوا عليه فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى دفنتموه" يقول جابر: فجعلت أبكي وجعل القوم ينهوني ورسول الله ﷺ لا ينهاني ودفن هو وعمرو بن الجموح في قبر واحد، وكان عمرو بن الجموح زوجا لأخته هند بنت عمرو بن حرام، وكان القبر في جانب السيل فجرف السيل القبر وانكشف ما فيه، فحفر جابر لأبيه قبرا آخر، ونقله إليه بعد ستة أشهر من دفنه يقول جابر: فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد وضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت يقول جابر: فما أنكرت من أبي شيئا إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض.
وظل جابر منكسرا، فقد ترك له أبوه دينا وعيالا أخوات بنات قام عليهن بعد أبيه مما اضطره إلى أن يتزوج ثيبا، ترعى شئونهن، وكان رسول الله ﷺ يحبه، ويعطف عليه، ويسامره، قال له يوما: "أفلا أبشرك يا جابر؟ أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ " قال جابر: بلى يا رسول الله. قال: "إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا وما كلم أحد قط إلا من وراء حجاب فقال لأبيك: عبدي تمن أعطك. قال: يا رب. تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب تعالى ذكره: إنه سبق مني ﴿أنهم إلينا لا يرجعون﴾ [القصص: ٣٩] قال: يا رب، فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ " [آل عمران: ١٦٩].
شهد جابر مع النبي ﷺ ثماني عشرة غزوة، ولم يشهد بدرا، ولا أحدا مقاتلا، لصغره فقد روي عنه أنه قال: لم أشهد بدرا ولا أحدا، منعني أبي فلما قتل لم أتخلف وقيل: إنه كان ينقل الماء لأصحابه يوم بدر.
واشترى منه رسول الله ﷺ جمله الضعيف، ونقده ثمنه وأعاده إليه في قصة سبقت في باب بيع البعير واستثناء ركوبه وشهد صفين مع علي ﵄ وكف بصره في آخر عمره وتوفي سنة ثمان وسبعين بالمدينة وكان من المكثرين من رواية الحديث وكان له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم، ﵁ وعن أبيه عبد الله وعن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(جيء بأبي مسجى) أي مغطى، يقال: سجا الشيء يسجو سجوا سكن، وسجا الليل وسجا البحر وسجت الريح، وسجا الناس الميت، بتخفيف الجيم، وسجى الناس الميت بتشديدها غطوه.
(وقد مثل به) بضم الميم وتشديد الثاء المكسورة، مبني للمجهول وبضم الميم وكسر الثاء مخففة والاسم المثلة، أما مثل بتشديد الثاء فهو للمبالغة، قال النووي: والرواية هنا بتخفيف الثاء المكسورة، ومثل بالقتيل إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو نحو ذلك، وفي رواية حماد
стр. 5390
"قتل أبي يوم أحد وجدع أنفه، وقطعت أذناه" وفي ملحق الرواية الثانية "جيء بأبي يوم أحد مجدعا" قال الخليل: الجدع قطع الأنف والأذن.
(فأردت أن أرفع الثوب، فنهاني قومي) أي أردت أن أرفع الثوب عن وجهه لأرى ما فعل به وفي الرواية الثانية "فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني" أي جعلت أحاول كشف الثوب وهم يمنعونني.
(فرفعه رسول الله ﷺ ، أو أمر به فرفع) الظاهر أن "أو" للإضراب، وأن الواقع أن الرسول ﷺ أمر به فرفع، وإسناد الرفع إلى الرسول ﷺ في قوله "فرفعه" مجاز عقلي.
(فقالوا: بنت عمرو، أو أخت عمرو) الشك من القائلين، وكان لعمرو بن الجموح بنت وأخت واستشهد يوم أحد، حين انكشف المسلمون، شهد العقبة، ثم بدرا ودفن مع عبد الله بن عمرو بن حرام في قبر واحد، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، فعبد الله بمنزلة عمه، وكان زوجا لأخت عبد الله، فبنت عمرو تبكي أباها وخالها، وأخت عمرو تبكي أخاها وعمها وفي الرواية الثانية "وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه" بدون شك والمراد: تبكي عمرا أو تبكي خالها عبد الله وهو الأولى لتناسق الضمائر وعودها على مصدر واحد.
(فقال: ولم تبكي؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي أي لا ينبغي أن تبكي لحسن خاتمته التي يسر لها أحبابه، وفي الرواية الثانية "تبكيه أو لا تبكيه" أي يستوي بكاؤها وعدمه فقد أكرمه الله بالشهادة التي تخفف حزن الحزين قال النووي: معناه سواء بكت عليه أم لا فما زالت الملائكة تظله أي فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره، فلا ينبغي البكاء على مثل هذا.
(فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع) قال القاضي: يحتمل أن ذلك لتزاحمهم عليه لبشارته بفضل الله ورضاه عنه وما أعد له من الكرامة، أو ازدحموا عليه إكراما وتكريما له، وفرحا به، أو أظلوه من حر الشمس لئلا يتغير ريحه أو جسمه اهـ. وهذا الأخير مستبعد لما سبق في المعنى العام أنه لم يتغير بعد أشهر في قبره.
-[فقه الحديث]-
فيه فضيلة عبد الله بن عمرو وتكريم الله له عند موته وبشارة النبي ﷺ لأهله ومواساته لهم وجواز البكاء على الميت والكشف عن وجهه.
والله أعلم.
стр. 5391
(٦٥٥) باب من فضائل جليبيب ﵁
٥٥٣١ - عن أبي برزة ﵁ أن النبي ﷺ كان في مغزى له. فأفاء الله عليه فقال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا. فاطلبوه" فطلب في القتلى. فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فأتى النبي ﷺ فوقف عليه فقال: "قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه" قال: فوضعه على ساعديه. ليس له إلا ساعدا النبي ﷺ قال: فحفر له ووضع في قبره ولم يذكر غسلا.
-[المعنى العام]-
رجل دميم الخلقة قصير لا يؤبه له حضر أو غاب لكنه عند الله عظيم وعند رسول الله ﷺ عزيز عظيم سأله رسول الله ﷺ يوما: لم لم تتزوج يا جليبيب؟ فقال: إذن تجدني يا رسول الله كاسدا في سوق الرجال فقال: إنك عند الله لست بكاسد وذكر له ابنة أنصاري، فلما علم الأنصاري وزوجته كأنهما كرها ذلك فسمعت ابنتهما بما أراد رسول الله ﷺ فقرأت قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦] ثم قالت: رضيت وسلمت لما يرضى لي به رسول الله ﷺ فدعا لها رسول الله ﷺ وقال: اللهم اصبب عليها الخير صبا ولا تجعل عيشها كدا، وتزوجته، وجاهد في سبيل الله، وغنم وغنم وغنم ونفله رسول الله ﷺ لبطولته فلما افتقده رسول الله ﷺ في نهاية غزوة وفي تصفية مكاسبها وخسائرها سأل أصحابه، سؤال توجيه وتعليم: من فقدتم من الأبطال في هذه المعركة؟ قالوا: فقدنا فلانا وفلانا وفلانا، يذكرون من يؤبه لهم إذا حضروا ويسأل عنهم إذا غابوا، وأعاد الرسول ﷺ السؤال، فذكروا فلانا وفلانا وفلانا، غير من ذكروا أولا، فكرر الرسول ﷺ السؤال فلم يذكروا فيمن ذكروا جليبيبا، فقال: أما أنا فأفتقد جليبيبا، ابحثوا عنه وقام معهم يبحث عنه بين القتلى فوجده بين سبعة من المشركين قتلهم قبل أن يستشهد، فقال: هكذا تكون البطولة، وهكذا يكون الجندي المجهول وهكذا يكون الجهاد في سبيل الله هو يشبهني في الشجاعة وأنا أشبهه، ثم حمله رسول الله ﷺ على ساعديه لم يسمح للصحابة أن يحملوه إلى قبره بل حمله هو بنفسه حتى وضعه في حفرته، أما زوجته فكانت بعده من أكثر النساء مالا ونفقة.
стр. 5392
مثل أعلى في تكريم الأعمال قبل تكريم الهيئات، والأجسام، وطوبى لعبد يجاهد في سبيل الله، لا يهتم بتقدير الناس إن كان في المقدمة أو كان في الساقة هو يتعامل لله ومع الله ولدين الله. ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(جليبيب) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: اسم غير منسوب، أي لم يذكر له نسب من أهل النسب، وهو على هيئة تصغير جلباب.
(كان في مغزى له) أي في سفر غزو من أسفار غزواته، ولم أر من حدد هذه الغزوة.
(هذا مني وأنا منه) قال النووي: معناه المبالغة في اتحاد طريقتهما واتفاقهما في طاعة الله.
-[فقه الحديث]-
فيه منقبة عظيمة لجليبيب وتقدير النبي ﷺ للكفايات وتكريمهم، وفيه أن الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه.
والله أعلم.
стр. 5393
(٦٥٦) باب من فضائل أبي ذر ﵁
٥٥٣٢ - عن أبي ذر ﵁ قال: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا. فنزلنا على خال لنا. فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا. فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له. فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها. وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي. فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن. فخير أنيسا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها قال: وقد صليت، يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي. أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء. حتى تعلوني الشمس فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك. يزعم أن الله أرسله قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي، أنه شعر. والله! إنه لصادق وإنهم لكاذبون قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر قال فأتيت مكة. فتضعفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي فقال: الصابئ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم. حتى خررت مغشيا علي. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر. قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها. ولقد لبثت يا ابن أخي! ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضرب على أسمختهم. فما يطوف بالبيت أحد وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة.
قال: فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى قال: فما تناهتا عن قولهما قال: فأتتا علي فقلت: هن مثل الخشبة. غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا! قال فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر. وهما هابطان قال: "ما
стр. 5394
لكما؟ " قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: "ما قال لكما؟ " قالتا: إنه قال لنا كلمة تملا الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر. وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى. فلما قضى صلاته (قال أبو ذر) فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فقال: "وعليك ورحمة الله" ثم قال: "من أنت؟ " قال: قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبه. وكان أعلم به مني ثم رفع رأسه ثم قال: "متى كنت ها هنا؟ " قال: قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال: "فمن كان يطعمك؟ " قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع قال: "إنها مباركة إنها طعام طعم" فقال أبو بكر: يا رسول الله: ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر. وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا. فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. وكان ذلك أول طعام أكلته بها. ثم غبرت ما غبرت. ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال: "إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم" فأتيت أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك. فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا. فقالت: ما بي رغبة عن دينكما. فإني قد أسلمت وصدقت فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا. فأسلم نصفهم. وكان يؤمهم أيماء بن رحضة الغفاري. وكان سيدهم.
وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة. فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله! إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله".
٥٥٣٣ - وفي رواية عن حميد بن هلال بهذا الإسناد، وزاد بعد قوله - قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر - قال: نعم. وكن على حذر من أهل مكة. فإنهم قد شنفوا له وتجهموا.
٥٥٣٤ - وفي رواية عن أبي ذر قال: يا ابن أخي! صليت سنتين قبل مبعث النبي ﷺ قال: قلت: فأين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله. واقتص الحديث بنحو حديث سليمان
стр. 5395
بن المغيرة. وقال في الحديث: فتنافرا إلى رجل من الكهان قال: فلم يزل أخي أنيس يمدحه حتى غلبه قال: فأخذنا صرمته فضممناها إلى صرمتنا. وقال أيضا في حديثه: قال: فجاء النبي ﷺ فطاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام. قال: فأتيته. فإني لأول الناس حياه بتحية الإسلام. قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله! قال: "وعليك السلام. من أنت؟ " وفي حديثه أيضا: فقال: "منذ كم أنت ها هنا؟ " قال: قلت: منذ خمس عشرة. وفيه: فقال أبو بكر أتحفني بضيافته الليلة.
٥٥٣٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي. فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء. فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الآخر حتى قدم مكة. وسمع من قوله. ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق. وكلاما ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت. فتزود وحمل شنة له فيها ماء. حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه. وكره أن يسأل عنه. حتى أدركه - يعني الليل - فاضطجع. فرآه علي فعرف أنه غريب. فلما رآه تبعه. فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى أصبح. ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد فظل ذلك اليوم. ولا يرى النبي ﷺ حتى أمسى. فعاد إلى مضجعه. فمر به علي. فقال: ما أنى للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه. فذهب به معه. ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك. فأقامه علي معه. ثم قال له: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني، فعلت. ففعل فأخبره فقال: فإنه حق وهو رسول الله ﷺ . فإذا أصبحت فاتبعني. فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه. فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري" فقال والذي نفسي بيده! لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد. فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه. فأتى
следующие страницы →