Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
(٦٥٥) باب من فضائل جليبيب ﵁
٥٥٣١ - عن أبي برزة ﵁ أن النبي ﷺ كان في مغزى له. فأفاء الله عليه فقال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا. فاطلبوه" فطلب في القتلى. فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فأتى النبي ﷺ فوقف عليه فقال: "قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه" قال: فوضعه على ساعديه. ليس له إلا ساعدا النبي ﷺ قال: فحفر له ووضع في قبره ولم يذكر غسلا.
-[المعنى العام]-
رجل دميم الخلقة قصير لا يؤبه له حضر أو غاب لكنه عند الله عظيم وعند رسول الله ﷺ عزيز عظيم سأله رسول الله ﷺ يوما: لم لم تتزوج يا جليبيب؟ فقال: إذن تجدني يا رسول الله كاسدا في سوق الرجال فقال: إنك عند الله لست بكاسد وذكر له ابنة أنصاري، فلما علم الأنصاري وزوجته كأنهما كرها ذلك فسمعت ابنتهما بما أراد رسول الله ﷺ فقرأت قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦] ثم قالت: رضيت وسلمت لما يرضى لي به رسول الله ﷺ فدعا لها رسول الله ﷺ وقال: اللهم اصبب عليها الخير صبا ولا تجعل عيشها كدا، وتزوجته، وجاهد في سبيل الله، وغنم وغنم وغنم ونفله رسول الله ﷺ لبطولته فلما افتقده رسول الله ﷺ في نهاية غزوة وفي تصفية مكاسبها وخسائرها سأل أصحابه، سؤال توجيه وتعليم: من فقدتم من الأبطال في هذه المعركة؟ قالوا: فقدنا فلانا وفلانا وفلانا، يذكرون من يؤبه لهم إذا حضروا ويسأل عنهم إذا غابوا، وأعاد الرسول ﷺ السؤال، فذكروا فلانا وفلانا وفلانا، غير من ذكروا أولا، فكرر الرسول ﷺ السؤال فلم يذكروا فيمن ذكروا جليبيبا، فقال: أما أنا فأفتقد جليبيبا، ابحثوا عنه وقام معهم يبحث عنه بين القتلى فوجده بين سبعة من المشركين قتلهم قبل أن يستشهد، فقال: هكذا تكون البطولة، وهكذا يكون الجندي المجهول وهكذا يكون الجهاد في سبيل الله هو يشبهني في الشجاعة وأنا أشبهه، ثم حمله رسول الله ﷺ على ساعديه لم يسمح للصحابة أن يحملوه إلى قبره بل حمله هو بنفسه حتى وضعه في حفرته، أما زوجته فكانت بعده من أكثر النساء مالا ونفقة.
стр. 5392
مثل أعلى في تكريم الأعمال قبل تكريم الهيئات، والأجسام، وطوبى لعبد يجاهد في سبيل الله، لا يهتم بتقدير الناس إن كان في المقدمة أو كان في الساقة هو يتعامل لله ومع الله ولدين الله. ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(جليبيب) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: اسم غير منسوب، أي لم يذكر له نسب من أهل النسب، وهو على هيئة تصغير جلباب.
(كان في مغزى له) أي في سفر غزو من أسفار غزواته، ولم أر من حدد هذه الغزوة.
(هذا مني وأنا منه) قال النووي: معناه المبالغة في اتحاد طريقتهما واتفاقهما في طاعة الله.
-[فقه الحديث]-
فيه منقبة عظيمة لجليبيب وتقدير النبي ﷺ للكفايات وتكريمهم، وفيه أن الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه.
والله أعلم.
стр. 5393
(٦٥٦) باب من فضائل أبي ذر ﵁
٥٥٣٢ - عن أبي ذر ﵁ قال: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا. فنزلنا على خال لنا. فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا. فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له. فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها. وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي. فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن. فخير أنيسا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها قال: وقد صليت، يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي. أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء. حتى تعلوني الشمس فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك. يزعم أن الله أرسله قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي، أنه شعر. والله! إنه لصادق وإنهم لكاذبون قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر قال فأتيت مكة. فتضعفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي فقال: الصابئ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم. حتى خررت مغشيا علي. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر. قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها. ولقد لبثت يا ابن أخي! ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضرب على أسمختهم. فما يطوف بالبيت أحد وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة.
قال: فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى قال: فما تناهتا عن قولهما قال: فأتتا علي فقلت: هن مثل الخشبة. غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا! قال فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر. وهما هابطان قال: "ما
стр. 5394
لكما؟ " قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: "ما قال لكما؟ " قالتا: إنه قال لنا كلمة تملا الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر. وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى. فلما قضى صلاته (قال أبو ذر) فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فقال: "وعليك ورحمة الله" ثم قال: "من أنت؟ " قال: قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبه. وكان أعلم به مني ثم رفع رأسه ثم قال: "متى كنت ها هنا؟ " قال: قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال: "فمن كان يطعمك؟ " قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع قال: "إنها مباركة إنها طعام طعم" فقال أبو بكر: يا رسول الله: ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر. وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا. فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. وكان ذلك أول طعام أكلته بها. ثم غبرت ما غبرت. ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال: "إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم" فأتيت أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك. فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا. فقالت: ما بي رغبة عن دينكما. فإني قد أسلمت وصدقت فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا. فأسلم نصفهم. وكان يؤمهم أيماء بن رحضة الغفاري. وكان سيدهم.
وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة. فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله! إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله".
٥٥٣٣ - وفي رواية عن حميد بن هلال بهذا الإسناد، وزاد بعد قوله - قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر - قال: نعم. وكن على حذر من أهل مكة. فإنهم قد شنفوا له وتجهموا.
٥٥٣٤ - وفي رواية عن أبي ذر قال: يا ابن أخي! صليت سنتين قبل مبعث النبي ﷺ قال: قلت: فأين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله. واقتص الحديث بنحو حديث سليمان
стр. 5395
بن المغيرة. وقال في الحديث: فتنافرا إلى رجل من الكهان قال: فلم يزل أخي أنيس يمدحه حتى غلبه قال: فأخذنا صرمته فضممناها إلى صرمتنا. وقال أيضا في حديثه: قال: فجاء النبي ﷺ فطاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام. قال: فأتيته. فإني لأول الناس حياه بتحية الإسلام. قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله! قال: "وعليك السلام. من أنت؟ " وفي حديثه أيضا: فقال: "منذ كم أنت ها هنا؟ " قال: قلت: منذ خمس عشرة. وفيه: فقال أبو بكر أتحفني بضيافته الليلة.
٥٥٣٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي. فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء. فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الآخر حتى قدم مكة. وسمع من قوله. ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق. وكلاما ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت. فتزود وحمل شنة له فيها ماء. حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه. وكره أن يسأل عنه. حتى أدركه - يعني الليل - فاضطجع. فرآه علي فعرف أنه غريب. فلما رآه تبعه. فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى أصبح. ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد فظل ذلك اليوم. ولا يرى النبي ﷺ حتى أمسى. فعاد إلى مضجعه. فمر به علي. فقال: ما أنى للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه. فذهب به معه. ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك. فأقامه علي معه. ثم قال له: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني، فعلت. ففعل فأخبره فقال: فإنه حق وهو رسول الله ﷺ . فإذا أصبحت فاتبعني. فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه. فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري" فقال والذي نفسي بيده! لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد. فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه. فأتى
стр. 5396
العباس فأكب عليه. فقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشام عليهم. فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها. وثاروا إليه فضربوه. فأكب عليه العباس فأنقذه.
-[المعنى العام]-
أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور، الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن، وقيل: اسم جده سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار وأمه اسمها رملة بنت الوقيعة، غفارية أيضا، والحديث يحكي قصة إسلامه وأنه من السابقين الأوائل يقال: إن إسلامه كان بعد أربعة، وانصرف إلى بلاده، فأقام بها، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة ومضت بدر وأحد، ولم يتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان طويلا نحيفا أسمر اللون وكان ﷺ يبتدئ أبا ذر إذا حضر، ويفتقده إذا غاب، وقد روي عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري" فكان زاهدا واشتهر عنه مذهب يقول: المال مال الله، وأن كل فضل زائد عن الحاجة من مال هو مال المسلمين وهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥] كان يرى أن هذه الآية نزلت في ذلك وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة.
سكن الشام بعد النبي ﷺ ، وكان يعظ الناس في المسجد، ويقول: هلم لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم، إلا ما ينفقه في سبيل الله. فضاق به معاوية ذرعا، وكان واليا على الشام من قبل عثمان فكتب إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر فكتب إليه عثمان: أن أقدم علي، فقدم المدينة، وأخذ يقول في مسجد المدينة ما كان يقوله في مسجد الشام، وتذمر المسلمون إلى عثمان من قول أبي ذر، وأخذوا ينفرون إذا رأوا أبا ذر بل يفرون من وجهه إذا رأوه في الطريق، أو يتجمعون حوله، يسألونه عن سبب إخراجه من الشام، فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام، فقال له: تنح قريبا عن المدينة، أو دع ما تقول.
فقال: والله لا أدع ما كنت أقوله، فاختار الربذة - بفتح الراء والباء قرية بين مكة والمدينة - فنزل بها حتى مات سنة إحدى وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده" ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(خرجنا من قومنا غفار) سيأتي قريبا من فضائل هذه القبيلة.
стр. 5397
(وكانوا يحلون الشهر الحرام) جملة معترضة ولعلها لبيان الدافع على خروجهم من قومهم، إذ كان أبو ذر وأخوه من المحافظين على الأمور الدينية.
(فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فنزلنا على خال لنا) تفصيل للمجمل في قوله سابقا "خرجنا" و"أنيس" بضم الهمزة مصغرا، كان أكبر من أبي ذر، وأمهما رملة بنت الوقيعة غفارية أيضا والظاهر أن هذا الخروج كان هجرة ولم يكن زيارة ويحتمل أن خالهما قد تزوج من قوم آخرين فأقام عندهم، واعتبروا قومه، لأننا قلنا: إن أمه غفارية، فخاله كذلك.
(فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه) أي وحقدوا علينا حياتنا معه حياة هنيئة ونحن من قوم لا يحبونهم، فأوقعوا فتنة بيننا وبينه.
(فقالوا) أي قال الواشون منهم لخالي وفي رواية "فأتاه رجل فقال له".
(إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس) كانوا قد أقاموا لهم منزلا بجوار منزل خالهم وكانت لهم شياههم وإبلهم التي خرجوا بها فكانت الوشاية أن أنيسا يستغل خروج خاله من منزله، ليدخل على زوجة خاله.
(فجاءنا خالنا، فنثا علينا الذي قيل له) "نثا" نون ثم ثاء مخففة، أي أفشى وأذاع، يقال: نثا الحديث، ينثوه، نثوا، بثه.
(فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته) أي فقلت لخالي: كان معروفك دينا في رقابنا صافيا جليلا لكن بهذا الاتهام كدرته وعكرته.
(ولا جماع لك فيما بعد) أي ولا نجتمع معك في مكان بعد ذلك، وفي رواية "فبلغ أخي، فقال: والله لا أساكنك، فارتحلنا"
(فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها) الصرمة بكسر الصاد القطعة من الإبل وتطلق أيضا على القطعة من الغنم، والمعنى فجمعنا إبلنا من مرعاها فارتحلنا عليها يقال: احتمل القوم إذا ارتحلوا.
(وتغطى خالنا ثوبه، فجعل يبكي) على هذه النتيجة المحزنة، يقال: تغطى بثوبه ففي الكلام حذف وإيصال.
(فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة) أي حتى وصلنا حمى مكة وأرضها وواديها وحيازتها فضربنا منزلنا بعيدا عن مبانيها.
(فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن، فخير أنيسا، فأتانا أنيس بصرمتنا، ومثلها معها) أصل المنافرة: المفاخرة والمحاكمة فيفخر كل واحد
стр. 5398
من الرجلين على الآخر، ثم يتحاكمان إلى رجل، ليحكم أيهما خير، وكانت هذه المفاخرة بالشعر، وكان أنيس شاعرا، كما صرح بذلك في الرواية، فغلب الآخر والمعنى فراهن أنيس رجلا، أيهما خير شعرا وكان الرهن صرمة ذا، وصرمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى كاهن، فحكم بأن أنيسا أفضل، وخير أنيسا أي جعله الخيار والأفضل، فرجع أنيس من رحلته ومن مرعاه بصرمتهم وبمثلها، وفي الملحق الثاني للرواية الأولى "فتنافرا إلى رجل من الكهان، فلم يزل أخي أنيس يمدحه حتى غلبه" أي يمدح الكاهن بالشعر حتى غلب الآخر قال أبو ذر "فأخذنا صرمته، فضممناها إلى صرمتنا".
(قال: وقد صليت يابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين) قلت: لمن؟ "أي لمن كنت تصلي؟ " قال: "لله. قلت: فأين توجه؟ " أي فإلى أي جهة تتوجه في صلاتك قال: "أتوجه حيث يوجهني ربي" أي كيفما تيسر، وفي ملحق الرواية "صليت سنتين" فيحتمل أن المدة سنتان وأشهر فجبر الكسر تارة، وألغى الكسر تارة أخرى.
وهذه المقاولة كانت بين أبي ذر وبين عبد الله بن الصامت، راوي الحديث عن أبي ذر، وليس ابن أخيه على الحقيقة، فقوله "يابن أخي" جرى على عادة العرب في التراحم.
(أصلي عشاء، حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس) الخفاء - بكسر الخاء - الكساء، وجمعه أخفية ككساء وأكسية قال القاضي: ورواه بعضهم "جفاء" بجيم مضمومة، وهو غثاء السيل، قال: والصواب المعروف الأول، والمعنى أنه كان يصلي من أول الليل حتى يقرب آخره، فينام من السهر والإعياء كثوب لا حراك به ولا إحساس، حتى ترتفع الشمس، أما كيف كان يصلي؟ فالظاهر أنها كانت مطلق عبادة ودعاء وثناء على الله.
(فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني) أي إن لي رغبة في النزول إلى البلدة، فقم مقامي في رعاية الشئون وفي ملحق الرواية "فاكفني حتى أذهب فأنظر" أي فأنظر أمر هذا الرجل الذي تكلمنا عنه، ففي الرواية الثانية "فلما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي - أي وادي مكة، أي دورها - فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله، ثم ائتني" وفي ملحق الرواية الأولى "وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له، وتجهموا" "شنفوا" بفتح الشين وكسر النون أي أبغضوه والتجهم المقابلة بغلظة وكراهية.
(فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي ثم جاء) أي أبطأ علي ثم جاء في الرواية الثانية "فانطلق الآخر حتى قدم مكة وسمع من قوله ثم رجع إلى أبي ذر" قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ وفي بعضها "الأخ" بدل "الآخر" وهو هو، فكلاهما صحيح.
(قال: لقيت رجلا بمكة على دينك) أي على شبه عقيدتك وعبادتك.
(يزعم أن الله أرسله) الظاهر أن أنيس لقيه، وسمع منه ففي الرواية الثانية "رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر" و"كلاما" منصوب بفعل محذوف أي ويقول كلاما كقولهم: علفتها تبنا وماء باردا، والتقدير وسقيتها ماء باردا.
(لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم) أي فما يشبه قوله قولهم فليس بكاهن.
(ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر) "أقراء الشعر" بسكون القاف، طرقه وأنواعه وقوافيه وبحوره، جمع قرء بضم القاف وسكون الراء، فهو مشترك لفظي بين الحيض والطهر والقافية. والمعنى: لقد قلبت قوله على أصناف الشعر، فما هو بنوع منه، ولا يقبل على لساني ولا على لسان غيري أنه شعر.
(قلت: فاكفني، حتى أذهب فأنظر) أي فقم هنا بالشئون، حتى أذهب إلى مكة وأقابله وأنظر أمره وأتدبره، وفي الرواية الثانية "رأيته يأمر
стр. 5399
بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني فيما أردت". قال النووي: كذا في جميع نسخ مسلم "فيما" بالفاء، وفي رواية البخاري "مما" بالميم، وهو أجود، أي ما بلغتني غرضي وما أزلت عني هم كشف هذا الأمر.
(قال: فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم) أي نظرت إلى أضعف رجل لاقيته، فسألته.
واختار الضعيف لأنه مأمون الغائلة غالبا وفي رواية "فتضيفت" بالياء وأنكرها القاضي وغيره، قالوا: لا وجه له هنا.
(فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ ) يقال: صبأ من شيء إلى شيء إذا انتقل، وصبأ الرجل ترك دينه، ودان بآخر، والظاهر أن الرجل أحس أن أبا ذر يميل إلى محمد ﷺ ، ويرغب في لقائه حبا فيه، لقوله "تدعونه" لأنهم كانوا يمنعون الغريب أن يلتقي به.
(فأشار إلي فقال: الصابئ) "الصابئ" منصوب بفعل محذوف، والمعنى، فأغرى بي أصحابه السفهاء والصبية، وأشار إلي، يقول لهم: اضربوا الصابئ.
(فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي) المدر الطين المتماسك وما يعرف بالطوب اللبن، أي تجمع حولي أهل المنطقة يقذفونني بالحجارة والعظم حتى سقطت على الأرض مغشيا علي.
(قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر) أي فانصرفوا عني فلما أفقت قمت ووقفت لا حراك بي تغطيني الدماء التي سالت مني، كأني تمثال أحمر من حجر، والنصب بضم الصاد وإسكانها الصنم والحجر الذي كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده، قال تعالى ﴿وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣].
(فسمنت، حتى تكسرت عكن بطني) "العكن" بضم العين وفتح الكاف جمع عكنة بسكون الكاف وهي طيات البطن من السمن.
стр. 5400
(وما وجدت على كبدي سخفة جوع) بفتح السين وضمها مع إسكان الخاء رقة الجوع وضعفه وهزاله. يقال: سخف الشيء بضم الخاء، يسخف، سخفا بضم السين وسكون الخاء وسخفة وسخافة رق وضعف وسخف العقل ضعف ورأي سخيف أي ضعيف والمعنى ثلاثون يوما لا آكل فيها ولا أشرب إلا ماء زمزم لم أحس فيها بضعف ولا بجوع.
(قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أسمختهم فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتان منهم تدعوان إسافا ونائلة) الليلة القمراء التي ينيرها القمر، "والإضحيان" بكسر الهمزة والحاء وسكون الضاد هي المضيئة يقال: ليلة إضحيان وإضحيانة وضحياء ويوم ضحيان والإضحيان من الأيام الصحو الذي ليس فيه غيم، و"الأسمخة" جمع سماخ وهو الخرق الذي في الأذن المفضي إلى الرأس ويقال له: صماخ بالصاد، وهو الأفصح والأشهر، والضرب على الآذان كناية عن النوم، قال تعالى ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا﴾ [الكهف: ١١] والمعنى: في ليلة مقمرة من الليالي الثلاثين نام أهل مكة، فلم يطف بالبيت منهم أحد، ولكن كان من أهل مكة امرأتان تدعوان الصنمين المسميين إسافا ونائلة، وتتضرعان إليهما، وكانا صنمين لقريش، إساف على هيئة رجل، ونائلة على هيئة امرأة وضعهما عمرو بن لحي على الصفا والمروة، قال النووي: "وامرأتين" هكذا هو في معظم النسخ بالياء وفي بعضها "وامرأتان" بالألف والأول منصوب بفعل محذوف أي ورأيت امرأتين.
(قال فأتتا علي في طوافهما) كان بجوار الكعبة فجاءتا من دعائهما إسافا ونائلة لتطوفا.
(فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى) أي قلت لهما، استهزاء وسخرية بالصنمين، وبدعائهما لهما: زوجا إسافا لنائلة، أو ركبا إسافا على نائلة، يجامعها.
(قال: فما تناهتا عن قولهما، فأتتا علي) أي ما انتهتا عن عملهما وعقيدتهما، ولم تكترثا بقولي، وأتتا بجواري، مستخفتين بقولي.
(فقلت: هن مثل الخشبة- غير أني لا أكنى) الهن والهنة بتخفيف نونهما كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج والذكر، و"أكنى" أي لم أتكلم بلفظ الكناية ولفظ الهن، بل صرحت لهما باللفظ المستقبح، فقال مثلا: ذكر مثل الخشبة، وكان لإساف الصنم ذكر ظاهر بارز، وأراد بذلك سب إساف ونائلة والسخرية منهما، وإغاظة المرأتين.
(فانطلقتا تولولان) الولولة الدعاء بالويل.
(وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا) الأنفار جمع نفر أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة قال النووي: ورواه بعضهم "أنصارنا" وهو بمعناه، و"لو" شرطية جوابها محذوف أي لانتصر لنا.
стр. 5401
(فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطان) الحرم في المنخفض، والمباني على سفح الجبل المحيط بالحرم، فالذاهب إلى الحرم هابط، أي وأبو بكر مع رسول الله ﷺ داخلان الحرم، والمرأتان خارجتان صاعدتان منه.
(قال: مالكما) تولولان؟ وتقولان: لو كان معنا رجل لانتصرنا؟
(قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها) أي الذي بدل دينه وسفه آلهتنا واقف بين الكعبة وأستارها وهو الذي آذانا.
(قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم) أي كلمة عظيمة لا شيء أقبح منها، كالشيء الذي يملأ الشيء، ولا يسع غيره، كما نقول: تملأ سمع الدنيا، فالكلام كناية عن عظمها وفظاعتها، وقيل: معناه كلمة لا يمكن ذكرها وحكايتها كأنها تسد فم حاكيها وتملؤه لاستعظامها أي كلمة تجعل الفم مملوءا بغيرها لا يستطيع ذكرها.
(وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى) وفي ملحق الرواية "فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام".
(قال أبو ذر: فكنت أول من حياه تحية الإسلام. فقلت: السلام عليك يا رسول الله) إذ كان أبو ذر خامس أربعة آمنوا.
(قال: وعليك ورحمة الله) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "وعليك" من غير ذكر "السلام" وفيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا قال في رد السلام: وعليك يجزئه لأن العطف يقتضي كونه جوابا والمشهور من أحواله ﷺ وأحوال السلف رد السلام بكماله فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله. اهـ. والحق أن الحديث لا يصلح دليلا فقد كان هذا أول الإسلام والعبرة بما كان من تشريع في أخريات الرسالة، على أن لفظ الحديث في ملحق الرواية "قال: وعليك السلام".
(ثم قال: من أنت؟ قال: قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته) أي كالمتعجب أو كالمندهش أو كالمفكر كيف لهذا الرجل بتحية الإسلام؟ وكيف ومتى أسلم؟ وهو من غفار بينما أهله في مكة لم يسلموا؟ وكيف وصل إليه وحصار المشركين له شديد؟
(فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه وكان أعلم به مني) وإنما ظن أنه كره انتماءه إلى غفار، لأنهم قد اشتهر عنهم أنهم يسرقون الحاج، و"قدعني صاحبه" أي كفني ومنعني أن آخذ بيده، يقال: قدعه وأقدعه إذا كفه ومنعه وقوله "وكان أعلم به مني" إشارة إلى أنه استجاب للمنع.
стр. 5402
(ثم رفع رأسه) أي ورفع أصابعه عن جبهته.
(ثم قال: متى كنت ها هنا؟ قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم) في ملحق الرواية "مذ كم أنت ها هنا؟ قلت: منذ خمس عشرة) والجمع بين الروايتين صعب.
(إنها طعام طعم) قال النووي: هو بضم الطاء وإسكان العين، أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.
(فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة) أي فأذن له، وفي ملحق الرواية "وقال أبو بكر: ألحقني بضيافته الليلة" وفي بعض النسخ "أتحفني بضيافته الليلة".
(فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا) لعله باب خزن الزبيب والتمر.
(فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف) أي ويعطينا، ونأكل.
(وكان ذلك أول طعام أكلته بها) أي بمكة.
(ثم غبرت ما غبرت) أي ثم بقيت ما بقيت عند أبي بكر، ألتقى برسول الله ﷺ سرا.
(ثم أتيت رسول الله ﷺ لأستأذنه في العودة، وأتزود بنصحه.
(فقال: إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب) "وجهت" بضم الواو وتشديد الجيم المكسورة أي أريت جهتها، و"أراها" بضم الهمزة، أي أظنها.
(فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم) أسلوب عرض وتحضيض وطلب برفق، أي بلغ عني قومك.
(فأتيت أنيسا) في المنزل الذي نزلناه بقرب مكة.
(فقال: ما صنعت) مع هذا الرجل؟ .
(قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت) يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يرده، فنفي الرغبة عنه تثبت الرغبة فيه، أي لا أكرهه، بل أدخل فيه.
(فاحتملنا) أي فرحلنا.
(حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم) بدعوتنا لهم وشرحنا للإسلام.
стр. 5403
(وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم) "إيماء" بكسر الهمزة في أوله على المشهور وحكى القاضي فتحها أيضا، وأشار إلى ترجيحه، قال النووي: ذكر الزبير بن بكار أن إيماء بن رحضة حضر بدرا مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك، وذكر ابن سعد أنه أسلم قريبا من الحديبية، وهذا يعارض رواية مسلم وفي رواية "خفاف بن إيماء أو أبوه إيماء بن رحضة" فيمكن أن يكون إسلام خفاف تقدم على إسلام أبيه.
(وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا) فقدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم نصفهم الباقي وجاءت أسلم - قبيلة قريبة من قبيلة غفار - فقالوا: يا رسول الله إخوتنا - الغفاريون - أسلموا نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا فكان إسلام أبي ذر سببا في إسلام قومه جميعا، وسببا في إسلام قبيلة أخرى.
(غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله) سيأتي الكلام عن ذلك في باب فضائل غفار وأسلم.
(فتزود وحمل شنة له، فيها ماء) الشنة بفتح الشين القربة البالية ومعنى "تزود" حمل زادا.
(فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه) أي أراد مقابلته لكنه لا يعرفه إن قابله.
(وكره أن يسأل عنه) الناس مخافة أن يؤذوه إن كان المسئول من محاربي محمد ﷺ .
(حتى أدركه) "يعني الليل" يقصد أن الضمير يعود على غير مذكور معلوم من المقام كقوله تعالى ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] وفي رواية للبخاري "حتى أدركه بعض الليل".
(فاضطجع) في المسجد الحرام.
(فرآه علي، فعرف أنه غريب) عرف ذلك من هيئته ولباسه، ومعرفة علي بأهل المنطقة.
وفي رواية قال: "كأن الرجل غريب، قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل" أي فانطلق معي إلى منزلي، قال الحافظ ابن حجر: هذا يدل على أن قصة أبي ذر وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعلي أن يستقل بمخاطبة الغريب، ويضيفه، فإن الأصح في سن علي حين المبعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وهذا الخبر يقوي القول الصحيح في سنه. اهـ.
قلت: لا دلالة فيه على ما استدل به فيمكن للصبي المميز أن يصحب ضيفا وربما كان أبوه أبو طالب في سفر.
(فلما رآه تبعه) أي فلما رأى أبو ذر عليا على هذه الحالة من الاستئلاف والرفق ودعوته إلى منزله سار وراءه، حتى وصل إلى منزله، فاستضافه، وأكرمه، وأعد له مبيتا، فنام.
стр. 5404
(فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح) أي عن شيء مما يعنيه السؤال عنه.
(ثم احتمل قربته، وزاده إلى المسجد الحرام) يأكل من زاده ويشرب من قربته، وفي بعض النسخ "قريبته" بالتصغير وهي الشنة المذكورة من قبل.
(فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي ﷺ أي ظل ذلك اليوم يرقب مجيء النبي ﷺ ولا يجيء.
(حتى أمسى فعاد إلى مضجعه) أي إلى المكان الذي اضطجع فيه بالأمس فاضطجع.
(فمر به علي فقال: ما آن للرجل أن يعلم منزله؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري، بمعنى النفي، دخل على نفي فصار إثباتا والمعنى آن للرجل أن يعلم منزله الذي نزله بالأمس، وأن يأتي إليه بدون دعوة فإضافة المنزل إليه مجازية، ويكون ذلك من علي ﵁ دعوة مهذبة إلى بيته ثانيا. وقيل: المعنى أما آن للرجل أن يصرح بمقصده؟ ويؤيده ما جاء في بعض الروايات "قلت: لا" وفي رواية البخاري "أما نال للرجل أن يعلم منزله"؟ أي أما حان يقال: نال له، بمعنى آن له، ويروى "أما أنى" بالقصر وهي بنفس المعنى.
(فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء) أي حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد.
(فلما كان يوم الثالث) من إضافة الموصوف إلى صفته، كقولهم: مسجد الحرام، ومسجد الجامع، والأصل اليوم الثالث، و"كان" تامة، و"يوم" فاعل.
(فعل مثل ذلك) أي مثل ما فعل في اليوم الثاني، ظل لا يرى النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه في المسجد، فاضطجع.
(فأقامه علي معه) في رواية البخاري "حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك فأقام معه".
(ثم قال له: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ ) أسلوب عرض وطلب برفق أي حدثني، وهكذا يستبين علي ويسأل ضيفه بعد ثلاث كما هي عادة العرب.
(قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت) العهد الوعد، والميثاق اليمين، أي إن وعدتني وعدا مؤكدا باليمين أن تخبرني عما أريد حدثتك بما في نفسي.
(فأخبره فقال: فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ أي فأخبر أبو ذر عليا بمقصده، فقال علي: فإن ما سمعت عنه حق وهو رسول الله ﷺ وفي رواية البخاري "فأخبره قال: فإنه حق وهو رسول الله ﷺ " فيحتمل أن المعنى: فأعطاه على العهد والميثاق، فحكى أبو ذر ما في نفسه، فأخبر علي أبا ذر بالحقيقة قال: كذا وكذا ويؤيد الأول قول أبي ذر، في رواية "فأخبرته".
стр. 5405
(فإذا أصبحت فاتبعني) وكأنك لا تعرفني ولا علاقة بيني وبينك.
(فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء) كأني أتبول على جانب الطريق، وحينئذ عليك بالفرار والبعد عن الخطر وفي رواية "كأني أصلح نعلي" ويحتمل أنه قالهما جميعا.
(فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي) أي فإذا مضيت ولا خطر فادخل ورائي، حيث أدخل.
(ففعل فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه) "ففعل" أي فمضى علي فانطلق أبو ذر يتبعه حتى دخل علي على النبي ﷺ فدخل أبو ذر في إثره كأنه معه.
(فسمع من قوله وأسلم مكانه) أي وأسلم في الحال وكأنه كان يعرف علامات النبي ﷺ فلما رآها لم يتردد في الإسلام.
(فقال له النبي ﷺ : ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري) وفي رواية "اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك، فأخبرهم فإذا بلغك ظهورنا فأقبل" وفي روايتنا الأولى "إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ ".
(فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم) "بها" أي بشهادة - أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، و"ظهرانيهم" بفتح النون تثنيه ظهر، يقال: أقام بين ظهريهم وظهرانيهم وأظهرهم، أي بينهم والمراد من الصرخ هنا رفع الصوت والمعنى والله لأرفعن صوتي بالشهادة بينهم، ولا أخفي إسلامي ولا أخافهم.
(فخرج حتى أتى المسجد) الحرام والمشركون مجتمعون فيه.
(فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وثار القوم) جماعة المشركين الموجودين في الحرم.
(فضربوه حتى أضجعوه) أي حتى أسقطوه على الأرض من شدة الضرب والإعياء وظلوا يضربونه وهو منبطح على الأرض.
(فأتى العباس، فأكب عليه) أي انحنى عليه، يفرق بينه وبينهم ليحول بينهم وبين ضربه وكان العباس يومئذ مشركا، وإنما حماه خوفا من قومه.
(فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟ ) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، أي اعلموا أنه من غفار.
стр. 5406
(وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم) فاحسبوا حسابا لعصبية قومه له، وتعرضهم في الطريق لتجارتكم.
(فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها) عاد أبو ذر في اليوم الثاني ففعل مثل ما فعل بالأمس وثاروا إليه مثل الأمس، وأنقذه منهم العباس كالأمس.
-[فقه الحديث]-
نجد أنفسنا أمام روايتين عن إسلام أبي ذر، الأولى وملحقاها عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، والثانية عن ابن عباس، واقتصر عليها البخاري، وبينهما تعارض وتعارض أو تغاير كثير قال عنه القرطبي: في التوفيق بين الروايتين تكلف شديد وقال الحافظ ابن حجر: حديث عبد الله بن الصامت أكثره مغاير لما في حديث ابن عباس ويمكن التوفيق بينهما اهـ.
والعلماء إذا صح حديثان ظاهرهما التعارض حاولوا - قدر إمكانهم - التوفيق والجمع بينهما قبل أن يرجحوا أحدهما على الآخر، لأن في الجمع بينهما عملا بهما معا بوجه من الوجوه أما الترجيح فيعمل بأحدهما ويهمل الآخر والعمل بهما أولى من إهمال أحدهما. وسنحاول بيان أوجه المغايرة ونحاول الجمع والتوفيق، والله المستعان.
أولا: في الرواية الأولى أن لقاء أبي ذر ﵁ بالنبي ﷺ كان بعد قصة المرأتين وبعد أن استلم النبي ﷺ الحجر وطاف البيت هو وصاحبه ثم صلى ركعتين خلف المقام.
وهذا لا يلتئم مع ما جاء في الرواية الثانية من أن لقاء أبي ذر بالنبي ﷺ كان عن طريق دخوله عليه مع علي، بعد ضيافته ثلاثة أيام.
ثانيا: أن الذي استضافه في الرواية الأولى أبو بكر ﵁ بإذن من النبي ﷺ بعد لقائه وكان الزبيب الذي قدمه له أول طعام أكله بمكة وهذا لا يلتئم مع ما جاء في الرواية الثانية من أن الذي استضافه علي ﵁ وكانت ضيافته له قبل لقائه بالنبي ﷺ .
ثالثا: في الرواية الأولى أن أبا ذر حينما وصل مكة استضعف رجلا، فسأله عن النبي ﷺ ، فأغرى به السفهاء فضربوه، حتى علاه الدم ثم قضى أياما لا يأكل ولا يشرب إلا ماء زمزم وهذا لا يلتئم مع ما جاء في الرواية الثانية من أن أبا ذر حين قدم مكة أتى المسجد وكره أن يسأل عن النبي ﷺ حتى أدركه الليل فاضطجع فرآه علي فاستضافه.
رابعا: في الرواية الأولى أن أبا ذر لم يكن له طعام في الأيام الأولى من وصوله إلى مكة سوى زمزم وهذا لا يلتئم مع ما جاء في الرواية الثانية من أن أبا ذر عند سفره إلى مكة حمل معه زاده وقربة ماء وكان يحمل معه قربته وزاده كلما غدا إلى المسجد في الصباح، بعد مبيته عند علي.
خامسا: ذكرت قصة المرأتين في الرواية الأولى دون الثانية وذكرت قصة العباس في الرواية الثانية دون الأولى.
стр. 5407
سادسا: هناك مغايرة بين الرواية الأولى وفيها "قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم" وبين ما جاء في ملحقها الثاني "قلت: منذ خمس عشرة"
هذا: وإذا سهل الجمع في بعض هذه المغايرات، بشيء من التأويل فإنه لا يسهل في بعض آخر، وأحسن طريق نجمع به بين الحديثين أن نحملهما على سفرين ولقاءين فقد قلنا: إن منزل أبي ذر وأخيه وأمه كان قريبا من مكة في واد من وديانها، فمن المحتمل أن يصل مكة فيسأل السفيه فيضرب فيلتقي بالمرأتين ثم بالرسول ﷺ في الحرم، ويستضيفه أبو بكر، بعد أن أمضى أياما على ماء زمزم حيث لم يأخذ في رحلته هذه زادا ولا ماء.
وبعد فترة قد تكون شهرا أو أقل من شهر يذهب إلى مكة ويحمل معه زاده وماءه لئلا يقع فيما وقع فيه في المرة الأولى، ويتحرز من سؤال أحد حيث لم يتحرز في المرة الأولى ويدخل المسجد، مترقبا وصول النبي ﷺ ويكون معنى "ولا يعرفه" أي ولا يعرف وصوله متى يكون؟ فيمر به اليوم حتى يمسي فيراه علي فيستضيفه فيكاشفه فيدخله على النبي ﷺ فيخرج من عنده فيشهد الشهادتين في الحرم فيضرب فيحميه العباس والإشكال الخفيف في هذا في سؤال النبي ﷺ له: من أنت؟ في المرة الثانية والمفروض أنه عرفه في المرة الأولى ويمكن أن يجاب عنه بأن الرسول ﷺ كان قد نسي الاسم، فسأله عن اسمه مرة أخرى وكثيرا ما يحصل مثل هذا مع تعدد اللقاء ويؤيده ما جاء في رواية أن الرسول ﷺ قال له: "أنت أبو نملة؟ قال: أبو ذر". والنملة والذرة يلتقيان وتفسر الذرة بالنملة مما يرشح أن الرسول ﷺ قد سبق له ذكر اسمه.
أما المغايرة بين الرواية الأولى وملحقها، فيحتمل أن المدة في الحقيقة خمسة عشر يوما بلياليها ومجموعها ثلاثون، بين يوم وليلة كما نقول: عندي ثلاثون بين ذكر وأنثى فهذه الثلاثون فيها خمس عشرة ليلة وخمسة عشر يوما. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - من قوله في الرواية الأولى: "لا أراها إلا يثرب" جواز تسمية المدينة بيثرب من غير كراهة وكره جماعة ذلك وقالوا: كان ذلك قبل تسميتها "طابة وطيبة" وجاء النهي عن ذلك في حديث أو أنه ﷺ سماها باسمها المعروف عند الناس حينئذ.
٢ - من قوله في الرواية الأولى: "وعليك ورحمة الله". قال النووي: فيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا قال في رد السلام: وعليك من غير ذكر السلام يجزئه، والمشهور من أحواله ﷺ وأحوال السلف رد السلام بكماله فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله.
٣ - في صلاة أبي ذر ﵁ قبل المبعث فضيلة له، وأن الله هداه إلى الحق.
٤ - وفي سبقه إلى الإسلام فضيلة أيضا.
٥ - وفي تحمله الأذى في سبيل الجهر بالدعوة قوة إيمان، وقوة عقيدة ويؤخذ منه جواز قول الحق، لمن يخشى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزا.
стр. 5408
قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب الجزاء.
٦ - من أمره ﷺ أبا ذر بالكتمان وقول أبي ذر: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، وسكوت النبي ﷺ دليل على أن المأمور إذا أحس أن الأمر شفقة عليه، وأن به قوة جاز له أن لا يعمل بالأمر.
٧ - فيه صورة حية لبدء الدعوة الإسلامية، وما لاقى المسلمون الأوائل، وحكمة الرسول ﷺ في نشرها.
والله أعلم.
стр. 5409
(٦٥٧) باب من فضائل جرير بن عبد الله ﵁
٥٥٣٦ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت. ولا رآني إلا ضحك.
٥٥٣٧ - عن جرير ﵁ قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي زاد ابن نمير في حديثه عن ابن إدريس: ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل. فضرب بيده في صدري وقال: "اللهم ثبته. واجعله هاديا مهديا".
٥٥٣٨ - عن جرير ﵁ قال: كان في الجاهلية بيت يقال له ذو الخلصة. وكان يقال له الكعبة اليمانية والكعبة الشامية فقال رسول الله ﷺ : "هل أنت مريحي من ذي الخلصة والكعبة اليمانية والشامية؟ " فنفرت إليه في مائة وخمسين من أحمس. فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده. فأتيته فأخبرته قال: فدعا لنا ولأحمس.
٥٥٣٩ - عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا جرير! ألا تريحني من ذي الخلصة" بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب يده في صدري فقال: "اللهم! ثبته واجعله هاديا مهديا" قال: فانطلق فحرقها بالنار ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلا يبشره، يكنى أبا أرطاة، منا فأتى رسول الله ﷺ فقال له: ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب. فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها، خمس مرات.
٥٥٤٠ - وفي رواية عن إسماعيل بهذا الإسناد. وقال في حديث مروان: فجاء بشير جرير، أبو أرطاة، حصين ابن ربيعة يبشر النبي ﷺ .
стр. 5410
-[المعنى العام]-
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي، نسبة إلى بجيلة أم قبيلته وكان سيد قومه، أسلم في عام الوفود وقيل: أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بأربعين يوما كان طويلا طولا مفرطا وكان جميل الخلقة، حتى قال عنه عمر: جرير يوسف هذه الأمة كان رسول الله ﷺ يهش لقدومه، ويبتسم في وجهه، ويكرمه، وكان يقول فيه: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه". روى الإمام أحمد وابن حبان عن جرير قال: "لما دنوت من المدينة أنخت ثم لبست حلتي فدخلت فرماني الناس بالحدق، فقلت: هل ذكرني رسول الله ﷺ ؟ قالوا: نعم. ذكرك بأحسن ذكر فقال: يدخل عليكم رجل من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك" وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيله .. وكان له أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة وأرسله علي ﵄ إلى معاوية رسولا فحبسه معاوية مدة طويلة ثم رده بورقة مختومة غير مكتوب فيها شيء وبعث معه من يخبر عليا بمنابذة معاوية، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا، حتى مات سنة إحدى وخمسين وقد بعثه رسول الله ﷺ إلى ذي الخلصة، فهدمها بجيشه، كما جاء في الحديث.
كان حكيما في إشارته، مهذبا في قوله، روي أن عمر ﵁ وجد في مجلسه رائحة من بعض جلسائه، فقال: عزمت على صاحب هذه الرائحة إلا قام فتوضأ، فقال جرير بن عبد الله: علينا كلنا يا أمير المؤمنين فاعزم. قال: عليكم كلكم عزمت ثم قال: يا جرير: ما زلت سيدا في الجاهلية والإسلام.
﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت) أي ما منعني من الدخول عليه في بيته في وقت من الأوقات إذا استأذنت عليه وقيل: إن معنى "ما حجبني" أي ما منعني طلبي وفيه بعد.
وقوله "منذ أسلمت" أي إلى أن توفي ﷺ ، وكان إسلام جرير سنة تسع من الهجرة على الصحيح.
(ولا رآني إلا ضحك) في الرواية الثانية "ولا رآني إلا تبسم في وجهي" وكان ﷺ يفعل ذلك مع جرير تكريما له ولطفا به، وبشاشة له.
(ولقد شكوت له أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال: اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا) في الرواية الرابعة "وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب يده في صدري فقال: اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا" وعند البخاري "وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب على صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري" وعند الحاكم "فشكا جرير
стр. 5411
إلى رسول الله ﷺ القلع" بفتح القاف واللام، وهو عدم الثبوت على السرج، وقيل: بكسر أوله، قال الجوهري: رجل قلع القدم بكسر أوله، إذا كانت قدمه لا تثبت عند الحرب، وفلان قلعة بكسر القاف وفتح اللام، إذا كان يتقلع عن سرجه والمعنى أنه لخفته يرتفع عن السرج كلما ارتفع الحصان ويهبط بهبوطه "فقال: ادن مني فدنا منه فوضع يده على رأسه، ثم أرسلها على وجهه وصدره حتى بلغ عانته ثم وضع يده على رأسه" مرة ثانية "وأرسلها إلى ظهره، حتى انتهت إلى إليته". ولا تعارض فإن اليد ضربت الصدر عند مرورها به كما جاء في حديث الحاكم أنه قال في حالة إمراره يده عليه في المرتين: "اللهم اجعله هاديا مهديا، وبارك فيه، وفي ذريته" زاد في رواية البخاري "فما وقعت عن فرس بعد" قال الحافظ ابن حجر: قوله: "واجعله هاديا مهديا" فيه تقديم وتأخير لأنه لا يكون هاديا حتى يكون مهديا، وقيل: معناه كاملا مكملا. اهـ. يعني أن المطلوب الأول للمسلم أن يكمل نفسه ثم بعد ذلك يكمل غيره، ويمكن حمل "هاديا" على معنى داعيا نفسه وغيره للهدى، و"مهديا" أي مستجيبا للدعوة بالفعل.
(كان في الجاهلية بيت يقال له: ذو الخلصة) والخلصة في الأصل نبات له حب أحمر كخرز العقيق قال النووي: بفتح الخاء واللام هذا هو المشهور وحكى القاضي أيضا بضم الخاء مع فتح اللام وحكى أيضا فتح الخاء وسكون اللام، وهو بيت في اليمن كان فيه أصنام يعبدونها. اهـ. ومن المعلوم أن الكعبة كانت مظهرا من مظاهر عزة العرب بصفة عامة ورفعة قريش بصفة خاصة وكانت القبائل تحاول أن تتخذ لنفسها بيوتا، تصنع فيها أصناما يعبدونها، لمنافسة قريش في كعبتها، فكان ذو الخلصة أكبر بيت ينافس الكعبة وكان بيتا لقبيلة خثعم كما جاء في الرواية الرابعة ولقبيلة بجيلة كما جاء في رواية البخاري.
(وكان يقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية) قال النووي: وفي بعض النسخ "الكعبة اليمانية الكعبة الشامية" بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام والمراد أن ذا الخلصة كانوا يسمونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تسمى الكعبة الشامية ففرقوا بينهما للتمييز. هذا هو المراد فيتأول اللفظ عليه وتقديره: يقال له: الكعبة اليمانية ويقال للتي بمكة: الشامية.
أما من رواه "الكعبة اليمانية الكعبة الشامية" بحذف الواو فمعناه كأن يقال: هذان اللفظان، أحدهما لموضع والآخر لموضع آخر.
قال: وأما قوله "هل أنت مريحي من ذي الخلصة، والكعبة اليمانية والشامية" فقال القاضي عياض: ذكر "الشامية" وهم وغلط من بعض الرواة والصواب حذفه وقد ذكره البخاري بهذا الإسناد وليس فيه هذه الزيادة والوهم هذا كلام القاضي وليس بجيد بل يمكن تأويل هذا اللفظ ويكون التقدير: هل أنت مريحي من قولهم: الكعبة اليمانية والشامية؟ ووجود هذا الموضع الذي يلزم منه هذه التسمية؟ اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب وأنها كان يقال لها: اليمانية باعتبار كونها باليمن، والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام وقال بعضهم:
стр. 5412
قوله: "والكعبة الشامية" مبتدأ، محذوف الخبر تقديره: هي التي بمكة وقيل: الكعبة مبتدأ، والشامية خبره والجملة حال والمعنى: والكعبة هي الشامية لا غير وحكى السهيلي عن بعض النحويين أن كلمة "له" زائدة وأن الصواب كان يقال: "الكعبة الشامية" أي لهذا البيت الجديد، و"الكعبة اليمانية" أي للبيت العتيق - أو بالعكس قال السهيلي: وليست فيه زيادة وإنما اللام بمعنى من أجل، أي كان يقال من أجله: الكعبة الشامية والكعبة اليمانية أي إحدى الصفتين للعتيق والأخرى للجديد.
(هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟ ) وفي الرواية الرابعة "يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة" بتخفيف اللام طلب يتضمن الأمر برفق وخص جريرا بذلك لأنها كانت في بلاد قومه وكان هو من أشرافهم والمراد من الراحة راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب رسول الله ﷺ من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى وروى الحاكم في الإكليل، من حديث البراء بن عازب قال: "قدم على النبي ﷺ مائة رجل من بني بجيلة وبني قشير وفيهم جرير بن عبد الله فسأله عن بني خثعم فأخبره أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأن يسير إلى خثعم فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم، وهدم صنمهم ذا الخلصة وإلا وضع فيهم السيف.
(فنفرت إليه في مائة وخمسين من أحمس) الضمير في "إليه" يعود على ذي الخلصة البيت الذي فيه الأصنام والنفر الخروج للقتال مع السرعة وفي رواية البخاري "فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس - بفتح الهمزة وسكون الحاء وفتح الميم - وكانوا أصحاب خيل" وفي رواية ضعيفة للطبراني أنهم كانوا سبعمائة وفي كتاب الصحابة لابن السكن أن قيس بن غربة الأحمسي وفد في خمسمائة وقدم جرير في قومه وقدم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين وضم رسول الله ﷺ إليهم ثلاثمائة من الأنصار وغيرهم فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير من قبيلة واحدة.
(فكسرناه، وقتلنا من وجدناه عنده) الضمير المذكر للبيت، والضمير المؤنث في قوله في الرواية الرابعة "فانطلق فحرقها بالنار" للكعبة، وعند البخاري "فانطلق إليها فكسرها وحرقها" أي بناءها، ورمى النار فيما فيها من الخشب.
(فأتيته فأخبرته) ظاهر هذه الرواية أن الذي بشر النبي ﷺ بنتيجة الغزوة هو جرير ولكن الرواية الرابعة أن الذي أخبر النبي ﷺ بذلك رسول أرسله جرير من قبيلته، فكأن نسبة الإخبار لجرير مجازية، وفي الرواية الرابعة. قال رسول جرير للنبي ﷺ : "ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب" كناية عن نزع زينتها وإذهاب بهجتها وقال الخطابي: المراد أنها صارت مثل الجمل المطلي بالقطران من جربه إشارة إلى أنها صارت سوداء لما وقع فيها من التحريق وفي رواية "أجوف" بدل "أجرب" أي صارت صورة بغير معنى والأجوف الخالي الجوف مع كبره في الظاهر وأنكره عياض، وقال: هو تصحيف وإفساد للمعنى.
стр. 5413
(فدعا لنا ولأحمس) "أحمس" على وزن أحمر وهم إخوة بجيلة بفتح الباء وكسر الجيم رهط جرير وفي الرواية الرابعة "فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات" أي دعا لهم بالبركة وفي رواية "فدعا لأحمس بالبركة" وقد قيل في حكمة الخمس أنها مبالغة مع الاحتفاظ بالوتر وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون دعا للخيل والرجال أو لهما معا ثم أراد التأكيد في تكرير الدعاء ثلاثا، فدعا للرجال مرتين أخريين وللخيل مرتين أخريين ليكمل لكل من الصنفين ثلاثا فكان مجموع ذلك خمس مرات.
(يكنى أبا أرطاة) في ملحق الرواية "أبو أرطاة حصين بن ربيعة" "أرطاة" بفتح الهمزة وسكون الراء وقلبه بعضهم فقال: ربيعة بن حصين ومنهم من سماه أرطاة والصواب أبو أرطاة ومنهم من سماه حصن بكسر الحاء وسكون الصاد وعند بعض الرواة "حسين" بدل "حصين" وهو تصحيف.
(إضافة) زاد البخاري في رواية: قال "ولما قدم جرير اليمن، كان بها رجل يستقسم بالأزلام فقيل له: إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك قال: فبينما هو يضربها - أي بالأزلام - إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها - أي الأزلام - ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك فكسرها وشهد ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي ﷺ يبشره بذلك".
قال الحافظ ابن حجر: هذا يشعر باتحاد قصة غزوة ذي الخلصة بقصة ذهابه إلى اليمن، وكأنه لما فرغ من أمر ذي الخلصة، وأرسل رسوله مبشرا، استمر ذاهبا إلى اليمن.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث: ]-
١ - فيه مناقب عظيمة لجرير وقومه، ونصرهم للإسلام، ومحاربتهم القوم الذين هم منهم
٢ - وبركة يد رسول الله ﷺ ودعائه.
٣ - وأنه كان يدعو وترا، وقد يجاوز الثلاث، فيكون فيه تخصيص لحديث أنس "كان إذا دعا دعا ثلاثا" فيحمل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك.
٤ - وفيه مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس، من بناء وغيره سواء كان إنسانا أو حيوانا أو جمادا.
٥ - وفيه استمالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم.
٦ - والاستمالة بالدعاء والثناء.
٧ - والبشارة في الفتوح.
стр. 5414
٨ - وفضل ركوب الخيل في الحرب.
٩ - وقبول خبر الواحد.
١٠ - والمبالغة في نكاية العدو.
١١ - وفيه استحباب التلطف والتبسم في وجه القادم.
١٢ - استدل بعضهم بقوله: "ما حجبني" على جواز الدخول بدون إذن للخاصة ولا يصح فعدم الذكر ليس دليل العدم.
والله أعلم.
стр. 5415
(٦٥٨) باب من فضائل عبد الله بن عباس ﵄
٥٥٤١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أتى الخلاء فوضعت له وضوءا. فلما خرج قال: "من وضع هذا؟ " في رواية زهير قالوا، وفي رواية أبي بكر - قلت: ابن عباس قال: "اللهم! فقهه".
-[المعنى العام]-
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولد في الشعب الذي حوصر فيه بنو هاشم. أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية كان أبيض طويلا جسيما وسيما صبيح الوجه حج بالناس سنة قتل عثمان بأمر من عثمان ولاه على البصرة وحارب مع علي الجمل وصفين والنهروان وظل واليا على البصرة حتى قتل علي فمضى إلى الحجاز وكان يغشى الناس في رمضان وهو أمير البصرة فما ينقضي الشهر حتى يفقههم.
وفي سبب نفي ابن الزبير له إلى الطائف روي أن عبد الله بن صفوان بن أمية مر يوما بدار عبد الله بن عباس بمكة فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه ومر بدار عبيد الله بن عباس فرأى فيها جماعة جاءوها للطعام فدخل على ابن الزبير فقال له: أصبحت - والله - كما قال الشاعر:
فإن تصبك من الأيام قارعة
لم تبك منك على دنيا ولا دين
قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذان ابنا عباس أحدهما يفقه الناس والآخر يطعم الناس فما أبقيا لك مكرمة فدعا عبد الله بن مطيع وقال: انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين: اخرجا عني - أي اخرجا من مكة إلى بلد آخر - أنتما ومن انضوى إليكما من أهل العراق وإلا فعلت وفعلت فقال عبد الله بن عباس لابن الزبير: والله ما يأتينا من الناس إلا رجلان رجل يطلب فقها ورجل يطلب فضلا فأي هذين نمنع؟ فنفاهما ابن الزبير إلى الطائف.
وعمي ابن عباس في آخر عمره ومات بالطائف في أيام ابن الزبير سنة خمس وستين على المشهور وصلى عليه ابن الحنفية وقال: مات والله اليوم حبر هذه الأمة.
﵁ وأرضاه
стр. 5416
-[المباحث العربية]-
(أتى الخلاء) أي موضع البول والغائط.
(فوضعت له وضوءا) بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به وقد فهم ابن عباس أن النبي ﷺ لم يكن معه ماء وأنه يحتاج إليه فوضعه له بجواره دون أن يشعر به ﷺ .
(من وضع هذا؟ ) استفهام حقيقي.
(قالوا -قلت- ابن عباس) الظاهر أن القائل ابن عباس وأسند إليهم في الرواية الأخرى لتقريرهم له وقولهم ذلك في أنفسهم وعند أحمد وابن حبان أن ميمونة ﵂ هي التي أخبرته بذلك وأن ذلك كان في بيتها ليلا ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس في بيتها ليرى صلاة النبي ﷺ والتي وقف فيها خلف النبي ﷺ في صلاة الليل فقال له النبي ﷺ : "ما بالك؟ أجعلك حذائي - أي بجواري - فتخلفني - أي فتقف خلفي؟ " فقال: لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله فدعا له أن يزيده الله فهما وعلما.
(اللهم فقهه) وعند البخاري "ضمني رسول الله ﷺ وقال: اللهم علمه الكتاب" وعند النسائي والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: "دعا لي رسول الله ﷺ أن أوتي الحكمة مرتين" وفي رواية "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" وفي رواية "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
والفقه هو الفهم قال تعالى ﴿لا يكادون يفقهون حديثا﴾ [النساء: ٧٨] يقال: فقه بفتح الفاء وضم القاف إذا صار الفقه له سجية وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم وفقه بالكسر إذا فهم وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿ولكن كونوا ربانيين﴾ [آل عمران: ٧٩] قال: كونوا حكماء فقهاء ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ويقال: لا يقال للعالم: رباني حتى يكون عالما معلما عاملا.
فالفقه هو الفهم، والفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل واختلف في المراد بالحكمة في دعوة ابن عباس فقيل: القرآن وهو المراد بالكتاب الوارد في بعض الروايات أي فهم المراد من آياته وقيل: العمل بالقرآن وقيل: السنة وقيل: الإصابة في القول وقيل: الخشية وقيل: الفهم عند الله وقيل: العقل وقيل: ما يشهد العقل بصحته وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة الفقه، والعلم بالأحكام الشرعية.
٢ - واستحباب الدعاء بظهر الغيب.
٣ - واستحباب الدعاء لمن عمل خيرا مع الإنسان.
٤ - وإجابة دعاء النبي ﷺ فقد كان ابن عباس في الفقه بالمحل الأعلى.
والله أعلم.
стр. 5417
(٦٥٩) باب من فضائل عبد الله بن عمر ﵄
٥٥٤٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق. وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه. قال: فقصصته على حفصة فقصته حفصة على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "أرى عبد الله رجلا صالحا".
٥٥٤٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ . إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ قال: وكنت غلاما شابا عزبا. وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان كقرني البئر. وإذا فيها ناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار. قال: فلقيهما ملك فقال لي: لم ترع فقصصتها على حفصة. فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "نعم الرجل عبد الله! لو كان يصلي من الليل" قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا.
٥٥٤٤ - وفي رواية عن ابن عمر ﵄ قال كنت أبيت في المسجد ولم يكن لي أهل فرأيت في المنام كأنما انطلق بي إلى بئر فذكر عن النبي ﷺ بمعنى حديث الزهري عن سالم عن أبيه.
-[المعنى العام]-
عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نوفل القرشي العدوي يكنى أبا عبد الرحمن أمه زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحي وشقيقته حفصة أم المؤمنين ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي وأسلم صغيرا وهاجر مع أبيه عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره وكانت سنه ثلاث عشرة ثم بأحد فاستصغره ثم أجازه يوم الخندق وسنه خمس عشرة سنة وحضر بيعة الرضوان وفتح مكة وكان لا
стр. 5418
يتخلف عن السرايا على عهد رسول الله ﷺ ثم كان بعد موته مولعا بالحج قبل الفتنة وفي الفتنة التي اعتزلها روي أن مروان بن الحكم دخل عليه في نفر بعد ما قتل عثمان ﵁ فعرضوا عليه أن يبايعوا له قال: وكيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم ونقاتلهم معك - فقال: والله لو اجتمع علي أهل الأرض إلا أهل فدك ما قاتلتهم فخرجوا من عنده ومروان يقول:
والملك بعد ابن ليلى لمن غلبا
ويقال إنه ندم بعد ذلك أن لم يقاتل مع علي إذ روي أنه قال حين حضرته الوفاة: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب ﵁ وروي أنه كان يقول: كففت يدي فلم أقدم والمقاتل على الحق أفضل.
كان رحمه الله تعالى من أهل الورع والعلم والتقوى، وروي عن مالك أنه قال: بلغ عبد الله بن عمر ستا وثمانين سنة وأفتى في الإسلام ستين سنة ونشر نافع عنه علما جما ويقولون: إنه كان من أعلم الصحابة بمناسك الحج وكان شديد التوقي في فتواه وفي كل ما يأخذ به نفسه شديد التحري والتأسي والاقتداء بأفعال النبي ﷺ حتى إنه كان يتحرى المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول ﷺ ليبرك ناقته فيه وكان يحفظ ما سمع من رسول الله ﷺ ويسأل من حضر إذا غاب عن قوله وفعله لذا كان من المكثرين عن النبي ﷺ وكان في الحج يتتبع آثار النبي ﷺ ويتقدم إلى المواقف التي وقف بها ﷺ ليقف بها فكان ذلك يعز على الحجاج وخطب الحجاج يوما فأخر الصلاة فقال له ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك فقال له الحجاج: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك فقال ابن عمر في نفسه: قد يفعل إنه سفيه مسلط.
فأمر الحجاج رجلا فسم حديدة رمحه وزحمه في الطريق وغرس الحديدة في ظهر قدمه وهو على راحلته فمرض منها أياما فدخل عليه الحجاج يعوده فقال له: من فعل بك هذا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: وما تصنع به؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله قال: ما أراك فاعلا أنت الذي أمرت الذي نخسني بالحربة المسمومة قال: لا تقل هذا يا أبا عبد الرحمن ومات بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر أو نحوها ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين. ﵁. وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق) الإستبرق ما غلظ من الحرير أو من الديباج وفي رواية للبخاري "كأن في يدي سرقة من حرير" بفتح السين وكسر الراء أي قطعة وفي رواية "قطعة من إستبرق" وفي رواية "سرقة من إستبرق" وعبر بلفظ "كأن" بالتشبيه لأن ما يحصل في المنام شبيه بالواقع وليس واقعا بالفعل.
стр. 5419
(وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه) فهي توصلني إلى أي مكان أريده من الجنة وفي رواية للبخاري "لا أهوي بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه" وفي رواية "فكأني لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت بي إليه".
(فقصصته على حفصة) أي قصصت المنام على حفصة أختي أم المؤمنين.
(أرى عبد الله رجلا صالحا) "أرى" بفتح الهمزة أي أعلمه وأعتقده صالحا والصالح هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد وفي رواية للبخاري "إن أخاك رجل صالح أو إن عبد الله رجل صالح" بالشك من الراوي وفي الرواية الثانية "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" قال ابن عمر: وكنت إذا نمت لم أقم حتى أصبح.
وزاد في روايتنا الثانية "قال سالم: فكان عبد الله - بعد ذلك - لا ينام من الليل إلا قليلا" وفي رواية "قال الزهري: وكان عبد الله - بعد ذلك - يكثر الصلاة من الليل" وفي رواية "وكان عبد الله يكثر الرقاد" وفيها أيضا "إن الملك الذي قال له: لم ترع قال له: لا تدع الصلاة نعم الرجل أنت لولا قلة الصلاة".
(كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ اللام في "الرجل" للجنس ولا مفهوم له والحكم للمرأة كذلك وإنما ذكر للغالب.
(فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ في رواية "أنى أرى" وفي رواية للبخاري "فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء".
(وكنت غلاما شابا عزبا) بفتح العين والزاي وهو من لا زوجة له ويقال له: الأعزب مع قلة في الاستعمال.
(وكنت أنام في المسجد) في ملحق الرواية "كنت أبيت في المسجد ولم يكن لي أهل" أي لم يكن لي زوجة وفي رواية للبخاري "وأنا غلام حديث السن وبيتي المسجد قبل أن أنكح" يعني أنه كان يأوي إليه قبل أن يتزوج.
(فرأيت في النوم) في ملحق الرواية "فرأيت في المنام" وفي رواية للبخاري "فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم في خيرا فأرني رؤيا فبينما أنا كذلك إذ ... "
(كأن ملكين أخذاني) في رواية للبخاري "جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم" والمقمعة بكسر الميم الأولى والجمع مقامع وهي كالسياط من حديد رءوسها معوجة.
(فذهبا بي إلى النار) في رواية للبخاري "يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم إني أعوذ بك من جهنم" وفي رواية للبخاري "حتى وقفوا بي على شفير جهنم".
стр. 5420
(فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر) في رواية للبخاري "له قرون" البئر المطوية هي المبنية والبئر قبل أن تبنى تسمى قليبا وقرون البئر جوانبها التي تبنى من حجارة ترتفع فتوضع عليها الخشبة التي تعلق فيها البكرة والعادة أن لكل بئر قرنين وفي رواية للبخاري "بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد"
(وإذا فيها ناس قد عرفتهم) وفي رواية "فإذا فيها ناس عرفت بعضهم" وفي رواية للبخاري (وأرى فيها رجالا معلقين بالسلاسل رءوسهم أسفلهم عرفت فيها رجالا من قريش" قال الشارحون: لم نقف على اسم أحد منهم.
(فلقيهما ملك فقال لي: لم ترع) بضم التاء وفتح الراء أي لم تفزع وفي رواية "لن تراع" فعلى الأول ليس المراد أنه لم يقع له فزع فقد فزع فعلا ولكن لما كان الذي فزع منه لن يستمر فكأنه لم يفزع أو هو من قبيل تنزيل القليل منزلة العدم وعلى الثاني فالمراد أنك لا روع عليك بعد ذلك قال ابن بطال: إنما قال له ذلك لما رأى منه من الفزع فعند ابن أبي شيبة "فلقيه ملك وهو يرعد فقال: لم ترع" ووقع عند كثير من الرواة "لن ترع" بحرف "لن" ووجهه ابن مالك بأنه سكن العين للوقف ثم شبهه بسكون الجزم فحذف الألف ثم أجرى الوصل مجرى الوقف قيل: ويجوز أن يكون جزمه بلن وهي لغة قليلة حكاها الكسائي وفي رواية للبخاري "فتلقاهما ملك فقال: لم ترع خليا عنه" وفي رواية للبخاري "فانصرفوا بي عن ذات اليمين" قال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عرض على النار ثم عوفي منها وقيل له: لا روع عليك وذلك لصلاحه غير أنه لم يكن يقوم الليل فحصل له من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك وأشار المهلب إلى أن السر في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد ومن حق المسجد أن يتعبد فيه فنبه على ذلك بالتخويف بالنار.
(فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ في الروايتين اللتين ساقهما مسلم هنا رؤيا قطعة الحرير وفيها "فقصصته على حفصة فقصته حفصة على النبي ﷺ " ورؤيا جهنم وفيها "فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ " ولا إشكال في ذلك سواء رآهما عبد الله في ليلة وأخبر بهما معا حفصة فأخبرت بهما حفصة رسول الله ﷺ على مرتين أو رآهما في ليلتين وأخبر بهما حفصة متفرقتين فأخبرت بهما حفصة متفرقتين والمستبعد أن تكون حفصة قد أخبرت بهما مجتمعتين لقوله في رواية للبخاري "فقصت حفصة على النبي ﷺ إحدى رؤياي" أي قصت إحدى رؤياي أولا ثم قصت الأخرى.
(نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) "لو" للتمني لا للشرط فلا تحتاج إلى جواب لأن مدحه لا يتوقف على صلاة الليل.
стр. 5421
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة ظاهرة لعبد الله بن عمر ﵄.
٢ - جواز نوم الرجال في المسجد وهو قول الجمهور وروي عن ابن عباس كراهيته إلا لمن يريد الصلاة وعن ابن مسعود كراهيته مطلقا وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيكره وبين من لا مسكن له فيباح وحديثنا يدل على إباحته لمن لا مسكن له
٣ - أن أصل التعبير إنما يكون من الأنبياء ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا فيعبرها له الرسول ﷺ كما يعبر للناس، وقد صرح الأشعري بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم قال ابن بطال: وهو كما قال لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلا لكنه لا يعم جميع المرائي فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى ما نص عليه ويجعل النص أصلا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه اهـ.
٤ - وفيه تمني الخير والعلم.
٥ - وأن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها غالبا.
٦ - وفيه مشروعية النيابة في قص الرؤيا.
٧ - وأدب ابن عمر مع النبي ﷺ ومهابته له حيث لم يقص رؤياه عليه بنفسه وكأنه لما هالته الرؤيا لم يؤثر أن يقصها بنفسه فقصها على أخته لإدلاله عليها.
٨ - وأن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير.
٩ - وأن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لأن النبي ﷺ لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك الذي جاء في بعض الروايات أن الملك وصف ابن عمر بالرجل الصالح.
١٠ - وأن المعبر الحاذق يفسر من الرؤيا ما هو ممدوح ويسكت ويعرض عما هو كريه فقد رأى الفزع ولم يفسره.
١١ - وفي الحديث الخوف والأمن في المنام لكن قال أهل التعبير: من رأى أنه خائف من شيء أمن منه ومن رأى أنه قد أمن من شيء فإنه يخاف منه.
١٢ - وفي الرواية الأولى رؤيا الإستبرق في المنام، وقد يعبر بالحرير عن شرف الدين والعلم لأن الحرير أشرف ملابس الدنيا، وكذلك العلم بالدين أشرف العلوم.
١٣ - ومن قوله في الرواية الثانية "كأن ملكين أخذاني" يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله
стр. 5422
الاستدلال لأن ابن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفا على جهنم ووعظاه بها والشيطان لا يعظ، ولا يذكر بالخير.
١٤ - وفي الحديث فضل قيام الليل.
١٥ - وفيه الوعيد على ترك السنن وجواز وقوع العذاب على ذلك قال الحافظ ابن حجر: وهو مشروط بالمواظبة على الترك رغبة عنها فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرم وهو الترك بقصد الإعراض.
والله أعلم.
стр. 5423
(٦٦٠) باب من فضائل أنس بن مالك ﵁
٥٥٤٥ - عن أم سليم ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! خادمك أنس. ادع الله له فقال: "اللهم! أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته".
٥٥٤٦ - وفي رواية عن أنس ﵁ قال: قالت أم سليم: يا رسول الله! خادمك أنس فذكر نحوه.
٥٥٤٧ - عن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ علينا وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي فقالت أمي: يا رسول الله! خويدمك. ادع الله له. قال: فدعا لي بكل خير. وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: "اللهم! أكثر ماله وولده. وبارك له فيه".
٥٥٤٨ - عن أنس ﵁ قال: جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول الله ﷺ وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه فقالت: يا رسول الله! هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له فقال: "اللهم! أكثر ماله وولده" قال أنس: فوالله! إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم.
٥٥٤٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ فسمعت أمي أم سليم صوته فقالت: بأبي وأمي! يا رسول الله! أنيس فدعا لي رسول الله ﷺ ثلاث دعوات قد رأيت منها اثنتين في الدنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة.
٥٥٥٠ - عن أنس ﵁ قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان قال: فسلم علينا. فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي. فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة قالت ما حاجته قلت: إنها سر. قالت: لا تحدثن بسر رسول الله ﷺ أحدا قال أنس: والله! لو حدثت به أحدا لحدثتك يا ثابت!
стр. 5424
٥٥٥١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: أسر إلي نبي الله ﷺ سرا. فما أخبرت به أحدا بعد ولقد سألتني عنه أم سليم فما أخبرتها به.
-[المعنى العام]-
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام أنصاري خزرجي من بني النجار خادم رسول الله ﷺ وأحد المكثرين من الرواية عنه ﷺ .
صح عنه أنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين وخدمته ﷺ عشر سنين فما قال لي على شيء فعلته: لم فعلته؟ ولا على شيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ وأمه أم سليم - سبق الحديث عنها وعن فضائلها - كان النبي ﷺ يمازحه ويقول له: يا ذا الأذنين.
خرج مع النبي ﷺ إلى بدر يخدمه وهو غلام ولم يذكر في البدريين لأنه لم يكن في سن من يقاتل وغزا مع النبي ﷺ ثماني غزوات.
وكانت إقامته بعد النبي ﷺ بالمدينة ثم شهد الفتوح ثم قطن البصرة ومات بها في قصره على فرسخين منها وكان آخر الصحابة موتا بالبصرة سنة ثنتين وتسعين وله من العمر مائة سنة وستة أشهر.
قال ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله ﷺ فضعها تحت لساني عند موتي فوضعتها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(عن أم سليم) بضم السين وفتح اللام وقد سبقت فضائلها قبل تسعة أبواب.
(أنها قالت: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له) في الرواية الثانية بيان ظروف قولها ذلك، ففيها "دخل النبي ﷺ علينا - أي في بيتنا - وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي فقالت أمي: يا رسول الله خويدمك - تصغير خادمك - ادع الله له" وفي الرواية الرابعة ما يشبه الثانية في أن قولها ذلك وطلبها الدعاء لأنس كان في بيتها ففيها "مر رسول الله ﷺ " - أي على بيتنا - "فسمعت أمي أم سليم صوته" - أي فدعته فدخل - "فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله أنيس" أي ادع له.
стр. 5425
لكن في الرواية الثالثة ما يفيد أن طلب الدعاء لأنس كان في بيت رسول الله ﷺ إذ فيها "جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول الله ﷺ وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه" أي جعلت لي نصف خمارها إزارا ونصفه رداء والخمار هنا ما كانت تستر به المرأة رأسها، يقرب مما يعرف بالشال الكبير "فقالت: يا رسول الله هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له" ولا مانع من تعدد طلب الدعاء والاستجابة لهذا الطلب مرة حين ذهبت به تعرضه عليه خادما له فقبله ومرة في زيارته ﷺ لها وقد مر أنه كان كثير الزيارة لها قبل تسعة أبواب ويحتمل أن طلب الدعاء حصل مرة واحدة في بيتها وجاءت به من الداخل بإزار ورداء تعرضه للخدمة وتطلب له الدعاء.
(فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته) وفي الرواية الرابعة "دعا لي رسول الله ﷺ ثلاث دعوات قد رأيت منها اثنتين في الدنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة" وفي الرواية الثانية "فدعا لي بكل خير وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه" قال العيني: الأولى بكثرة المال والثانية بكثرة الولد والثالثة بطول العمر وهي المقصودة بالبركة له فيما أعطي ومن أبرك ما أعطي له طول عمره. اهـ.
لكن هذا التفسير لا يتفق مع قوله "وأنا أرجو الثالثة في الآخرة" والأولى حملها على ما جاء عنه في الصحيح "اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة قال: قد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة" وذكر عدد المدعو به في رواية لا ينافي ذكر عدد آخر في رواية أخرى فالرواية الثانية تشير إلى كثرة ما دعا له به.
(قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون نحو المائة اليوم) "ليتعادون" بتشديد الدال يقال: تعاد القوم عد بعضهم بعضا وثبت عن ماله أنه كان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك لما حوله وكان من أكثر الأنصار مالا وعن أولاده روي أنه قال: لقد دفنت من صلبي ومن صلب ولدي مائة وخمسة وعشرين ويقال: إنه ولد لأنس بن مالك ثمانون ولدا منهم ثمانية وسبعون ذكرا وابنتان إحداهما تسمى حفصة والثانية تكنى أم عمر وعن عمره فقد عاش مائة سنة على المشهور.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - في الحديث فضائل لأنس ﵁.
٢ - وفيه علم من أعلام النبوة في إجابة دعوته ﷺ .
٣ - قال النووي: فيه هذا الأدب البديع وهو أنه إذا دعا بشيء له تعلق بالدنيا ينبغي أن يضم
стр. 5426
إليه طلب البركة فيه، وصيانته من الفتنة بحيث لا يحصل بسببه ضرر ولا تقصير في حق ولا غير ذلك من الآفات التي تتطرق إلى سائر الأغنياء قال: وكان أنس وولده رحمة وخيرا ونفعا بلا ضرر بسبب دعائه ﷺ .
٤ - قال النووي: وفيه دليل لمن يفضل الغنى على الفقر.
٥ - وفيه حفظ السر وفضيلته.
والله أعلم.
стр. 5427
(٦٦١) باب من فضائل عبد الله بن سلام ﵁
٥٥٥٢ - عن عامر بن سعد قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لحي يمشي إنه في الجنة إلا لعبد الله بن سلام.
٥٥٥٣ - عن قيس بن عباد قال: كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي ﷺ فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة. هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين يتجوز فيهما ثم خرج فاتبعته فدخل منزله. ودخلت فتحدثنا فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم. وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه. رأيتني في روضة - ذكر سعتها وعشبها وخضرتها - ووسط الروضة عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة فقيل لي: ارقه فقلت له: لا أستطيع فجاءني منصف (قال ابن عون: والمنصف الخادم) فقال بثيابي من خلفي - وصف أنه رفعه من خلفه بيده - فرقيت حتى كنت في أعلى العمود فأخذت بالعروة فقيل لي: استمسك. فلقد استيقظت وإنها لفي يدي فقصصتها على النبي ﷺ فقال: "تلك الروضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة عروة الوثقى وأنت على الإسلام حتى تموت" قال: والرجل عبد الله بن سلام.
٥٥٥٤ - عن قيس بن عباد قال: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة فقمت فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا قال: سبحان الله! ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم إنما رأيت كأن عمودا وضع في روضة خضراء فنصب فيها وفي رأسها عروة وفي أسفلها منصف - والمنصف الوصيف - فقيل لي: ارقه فرقيت حتى أخذت بالعروة فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى".
стр. 5428
٥٥٥٥ - عن خرشة بن الحر قال: كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة قال: وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام قال: فجعل يحدثهم حديثا حسنا قال: فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا قال: فقلت: والله! لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته. قال: فتبعته. فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة. ثم دخل منزله قال: فاستأذنت عليه فأذن لي. فقال: ما حاجتك! يا ابن أخي؟ قال: فقلت له: سمعت القوم يقولون لك لما قمت: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فأعجبني أن أكون معك. قال: الله أعلم بأهل الجنة. وسأحدثك مم قالوا ذاك. إني بينما أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم فأخذ بيدي فانطلقت معه قال: فإذا أنا بجواد عن شمالي قال: فأخذت لآخذ فيها. فقال لي: لا تأخذ فيها فإنها طرق أصحاب الشمال. قال: فإذا جواد منهج على يميني فقال لي: خذ ها هنا. فأتى بي جبلا. فقال لي: اصعد. قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على استي. قال: حتى فعلت ذلك مرارا. قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودا رأسه في السماء وأسفله في الأرض في أعلاه حلقة. فقال لي: اصعد فوق هذا. قال: قلت: كيف أصعد هذا؟ ورأسه في السماء قال: فأخذ بيدي فزجل بي. قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة. قال: ثم ضرب العمود فخر. قال: وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت قال: فأتيت النبي ﷺ فقصصتها عليه فقال: أما الطرق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال قال: وأما الطرق التي رأيت عن يمينك فهي طرق أصحاب اليمين وأما الجبل فهو منزل الشهداء ولن تناله. وأما العمود فهو عمود الإسلام وأما العروة فهي عروة الإسلام ولن تزال متمسكا بها حتى تموت".
-[المعنى العام]-
عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف النبي ﵇ حليف الخزرج
стр. 5429
الإسرائيلي ثم الأنصاري كان حليفا لهم وكان من بني قينقاع يقال: كان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ .
أسلم أول ما قدم النبي ﷺ المدينة وقد سبق حديثه وقوله: "لما قدم النبي ﷺ المدينة كنت ممن انجفل فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فسمعته يقول: "أفشوا السلام وأطعموا الطعام .. ". وفي البخاري عن أنس "أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفا قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإن سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي فجاءت اليهود فقال النبي ﷺ : أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا فقال النبي ﷺ : أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ قالوا: شرنا وابن شرنا وتنقصوه قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله".
وفي البخاري أن قوله تعالى ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ [الأحقاف: ١٠] نزلت في عبد الله بن سلام وقد رأى الرؤيا الواردة في هذا الحديث وعبرها له رسول الله ﷺ بقوة إيمانه وإسلامه وبشره بأنه من أهل الجنة.
توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين. ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لحي يمشي: إنه في الجنة إلا لعبد الله بن سلام) نفى السماع لقول ما لا يلزم منه وقوع هذا القول، فكثير من الأقوال لا نسمعها ويسمعها غيرنا وعلى هذا لا يقال: إن هذا يتعارض مع ما ثبت من أن النبي ﷺ قال: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة" إلى آخر العشرة وثبت أنه ﷺ أخبر بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن عكاشة من أهل الجنة وغير هؤلاء وقال الحافظ ابن حجر: يظهر أنه قال ذلك بعد موت المبشرين بالجنة لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد بن أبي وقاص وسعيد فكره سعد تزكية نفسه لأنه أحد العشرة وحديث عاصم بن مهجع عن مالك عن سعد "يقول لرجل حي" يؤيد ما قلته وكأن الحافظ ابن حجر جعل اللام بمعنى عن ويصبح المعنى: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول عن رجل هو حي الآن كذا وكذا إلا عبد الله بن سلام ثم قال الحافظ: لكن يعكر على هذا التأويل ما جاء عند الدارقطني بلفظ "سمعت
стр. 5430
النبي ﷺ يقول: لا أقول لأحد من الأحياء: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام" وبلغني أنه قال "وسلمان الفارسي" لكن هذا السياق منكر، فإن كان محفوظا حمل على أنه ﷺ قال ذلك قديما قبل أن يبشر غيره بالجنة.
وجنح النووي إلى ترجيح أحاديث التبشير بالجنة على حديث نفي سعد فقال: ولو نفاه سعد كان الإثبات مقدما عليه. اهـ. لكن التوجيه أقعد وأكثر قبولا.
(كنت في ناس فيهم بعض أصحاب النبي ﷺ ذكر بعضهم في الرواية الثالثة.
(فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة) في الرواية الثالثة "فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة" وفي الرواية الرابعة "كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة وفيه شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام فجعل يحدثهم حديثا حسنا فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا". وللجمع بين الروايات يقال: إنه مر على الحلقة في المسجد فصلى ركعتين فجلس في الحلقة فجعل يحدثهم ثم قام فقالوا ما قالوا ... فذكر بعض الرواة من الأحداث ما لم يذكر الآخر.
(فصلى ركعتين يتجوز فيهما ثم خرج) قال النووي: "فصلى ركعتين فيها ثم خرج" وفي بعض النسخ "فصلى ركعتين فيهما، ثم خرج" وفي بعضها "فصلى ركعتين ثم خرج" فهذه الأخيرة ظاهرة، وأما إثبات "فيها" أو "فيهما" فهو الموجود لمعظم رواة مسلم وفيه نقص وتمامه ما ثبت في البخاري "ركعتين تجوز فيهما". اهـ. والنسخة التي بين يدي لا نقص فيها ولله الحمد.
وفي الرواية الرابعة "فقلت: والله لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته"
(فاتبعته) وسرت خلفه ثم بجواره ثم أشعرته أنني بحاجة إليه فصحبته وصحبني وفي الرواية الرابعة "فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة".
(فدخل منزله) ودعاني للدخول ودخلت وفي الرواية الرابعة "ثم دخل منزله فاستأذنت عليه فأذن لي".
(فتحدثنا) في غير هذا الموضوع.
(فلما استأنس) لي واستعد لإجابتي عما أريد وفي الرواية الرابعة "قال: ما حاجتك يا ابن أخي"؟ .
(قلت له: إنك لما دخلت) المسجد فمررت بالحلقة فصليت ركعتين ثم جلست فيها وتكلمت ما تكلمت، ثم خرجت.
(قبل) أي قبل قليل.
следующие страницы →