← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

إليه طلب البركة فيه، وصيانته من الفتنة بحيث لا يحصل بسببه ضرر ولا تقصير في حق ولا غير ذلك من الآفات التي تتطرق إلى سائر الأغنياء قال: وكان أنس وولده رحمة وخيرا ونفعا بلا ضرر بسبب دعائه ﷺ . ٤ - قال النووي: وفيه دليل لمن يفضل الغنى على الفقر. ٥ - وفيه حفظ السر وفضيلته. والله أعلم.

стр. 5427

(٦٦١) باب من فضائل عبد الله بن سلام ﵁ ٥٥٥٢ - عن عامر بن سعد قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لحي يمشي إنه في الجنة إلا لعبد الله بن سلام. ٥٥٥٣ - عن قيس بن عباد قال: كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي ﷺ فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة. هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين يتجوز فيهما ثم خرج فاتبعته فدخل منزله. ودخلت فتحدثنا فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم. وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه. رأيتني في روضة - ذكر سعتها وعشبها وخضرتها - ووسط الروضة عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة فقيل لي: ارقه فقلت له: لا أستطيع فجاءني منصف (قال ابن عون: والمنصف الخادم) فقال بثيابي من خلفي - وصف أنه رفعه من خلفه بيده - فرقيت حتى كنت في أعلى العمود فأخذت بالعروة فقيل لي: استمسك. فلقد استيقظت وإنها لفي يدي فقصصتها على النبي ﷺ فقال: "تلك الروضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة عروة الوثقى وأنت على الإسلام حتى تموت" قال: والرجل عبد الله بن سلام. ٥٥٥٤ - عن قيس بن عباد قال: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة فقمت فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا قال: سبحان الله! ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم إنما رأيت كأن عمودا وضع في روضة خضراء فنصب فيها وفي رأسها عروة وفي أسفلها منصف - والمنصف الوصيف - فقيل لي: ارقه فرقيت حتى أخذت بالعروة فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى".

стр. 5428

٥٥٥٥ - عن خرشة بن الحر قال: كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة قال: وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام قال: فجعل يحدثهم حديثا حسنا قال: فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا قال: فقلت: والله! لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته. قال: فتبعته. فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة. ثم دخل منزله قال: فاستأذنت عليه فأذن لي. فقال: ما حاجتك! يا ابن أخي؟ قال: فقلت له: سمعت القوم يقولون لك لما قمت: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فأعجبني أن أكون معك. قال: الله أعلم بأهل الجنة. وسأحدثك مم قالوا ذاك. إني بينما أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم فأخذ بيدي فانطلقت معه قال: فإذا أنا بجواد عن شمالي قال: فأخذت لآخذ فيها. فقال لي: لا تأخذ فيها فإنها طرق أصحاب الشمال. قال: فإذا جواد منهج على يميني فقال لي: خذ ها هنا. فأتى بي جبلا. فقال لي: اصعد. قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على استي. قال: حتى فعلت ذلك مرارا. قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودا رأسه في السماء وأسفله في الأرض في أعلاه حلقة. فقال لي: اصعد فوق هذا. قال: قلت: كيف أصعد هذا؟ ورأسه في السماء قال: فأخذ بيدي فزجل بي. قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة. قال: ثم ضرب العمود فخر. قال: وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت قال: فأتيت النبي ﷺ فقصصتها عليه فقال: أما الطرق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال قال: وأما الطرق التي رأيت عن يمينك فهي طرق أصحاب اليمين وأما الجبل فهو منزل الشهداء ولن تناله. وأما العمود فهو عمود الإسلام وأما العروة فهي عروة الإسلام ولن تزال متمسكا بها حتى تموت". -[المعنى العام]- عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف النبي ﵇ حليف الخزرج

стр. 5429

الإسرائيلي ثم الأنصاري كان حليفا لهم وكان من بني قينقاع يقال: كان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ . أسلم أول ما قدم النبي ﷺ المدينة وقد سبق حديثه وقوله: "لما قدم النبي ﷺ المدينة كنت ممن انجفل فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فسمعته يقول: "أفشوا السلام وأطعموا الطعام .. ". وفي البخاري عن أنس "أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفا قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإن سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي فجاءت اليهود فقال النبي ﷺ : أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا فقال النبي ﷺ : أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ قالوا: شرنا وابن شرنا وتنقصوه قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله". وفي البخاري أن قوله تعالى ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ [الأحقاف: ١٠] نزلت في عبد الله بن سلام وقد رأى الرؤيا الواردة في هذا الحديث وعبرها له رسول الله ﷺ بقوة إيمانه وإسلامه وبشره بأنه من أهل الجنة. توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين. ﵁ وأرضاه. -[المباحث العربية]- (ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لحي يمشي: إنه في الجنة إلا لعبد الله بن سلام) نفى السماع لقول ما لا يلزم منه وقوع هذا القول، فكثير من الأقوال لا نسمعها ويسمعها غيرنا وعلى هذا لا يقال: إن هذا يتعارض مع ما ثبت من أن النبي ﷺ قال: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة" إلى آخر العشرة وثبت أنه ﷺ أخبر بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن عكاشة من أهل الجنة وغير هؤلاء وقال الحافظ ابن حجر: يظهر أنه قال ذلك بعد موت المبشرين بالجنة لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد بن أبي وقاص وسعيد فكره سعد تزكية نفسه لأنه أحد العشرة وحديث عاصم بن مهجع عن مالك عن سعد "يقول لرجل حي" يؤيد ما قلته وكأن الحافظ ابن حجر جعل اللام بمعنى عن ويصبح المعنى: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول عن رجل هو حي الآن كذا وكذا إلا عبد الله بن سلام ثم قال الحافظ: لكن يعكر على هذا التأويل ما جاء عند الدارقطني بلفظ "سمعت

стр. 5430

النبي ﷺ يقول: لا أقول لأحد من الأحياء: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام" وبلغني أنه قال "وسلمان الفارسي" لكن هذا السياق منكر، فإن كان محفوظا حمل على أنه ﷺ قال ذلك قديما قبل أن يبشر غيره بالجنة. وجنح النووي إلى ترجيح أحاديث التبشير بالجنة على حديث نفي سعد فقال: ولو نفاه سعد كان الإثبات مقدما عليه. اهـ. لكن التوجيه أقعد وأكثر قبولا. (كنت في ناس فيهم بعض أصحاب النبي ﷺ ذكر بعضهم في الرواية الثالثة. (فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة) في الرواية الثالثة "فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة" وفي الرواية الرابعة "كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة وفيه شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام فجعل يحدثهم حديثا حسنا فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا". وللجمع بين الروايات يقال: إنه مر على الحلقة في المسجد فصلى ركعتين فجلس في الحلقة فجعل يحدثهم ثم قام فقالوا ما قالوا ... فذكر بعض الرواة من الأحداث ما لم يذكر الآخر. (فصلى ركعتين يتجوز فيهما ثم خرج) قال النووي: "فصلى ركعتين فيها ثم خرج" وفي بعض النسخ "فصلى ركعتين فيهما، ثم خرج" وفي بعضها "فصلى ركعتين ثم خرج" فهذه الأخيرة ظاهرة، وأما إثبات "فيها" أو "فيهما" فهو الموجود لمعظم رواة مسلم وفيه نقص وتمامه ما ثبت في البخاري "ركعتين تجوز فيهما". اهـ. والنسخة التي بين يدي لا نقص فيها ولله الحمد. وفي الرواية الرابعة "فقلت: والله لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته" (فاتبعته) وسرت خلفه ثم بجواره ثم أشعرته أنني بحاجة إليه فصحبته وصحبني وفي الرواية الرابعة "فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة". (فدخل منزله) ودعاني للدخول ودخلت وفي الرواية الرابعة "ثم دخل منزله فاستأذنت عليه فأذن لي". (فتحدثنا) في غير هذا الموضوع. (فلما استأنس) لي واستعد لإجابتي عما أريد وفي الرواية الرابعة "قال: ما حاجتك يا ابن أخي"؟ . (قلت له: إنك لما دخلت) المسجد فمررت بالحلقة فصليت ركعتين ثم جلست فيها وتكلمت ما تكلمت، ثم خرجت. (قبل) أي قبل قليل.

стр. 5431

(قال رجل كذا وكذا) "كذا وكذا" كناية عما قاله الرجل في المسجد وهو: "هذا رجل من أهل الجنة". (قال: سبحان الله؟ ) كلمة تقال عند التعجب ومعناها الأصلي أنزه الله تعالى عن النقائص. (ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم) أي ما يليق بأحد أن يقول هذا لأننا لا نعلم الخاتمة والغيب وفي الرواية الرابعة "الله أعلم بأهل الجنة" وفي الرواية الثالثة "سبحان الله: ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم" وقد استشكل هذا بأن الصادق المصدوق أخبر به فهو من المعلوم وليس مما لا يعلمه المسلمون وأجاب النووي عن هذا الإشكال باحتمال أن الذين قطعوا له بالجنة سمعوا ما سمع سعد أو بلغهم خبر سعد بأن ابن سلام من أهل الجنة ولم يسمع هو الخبر قال: ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعا وإيثارا للخمول وكراهة للشهرة. (وسأحدثك لم ذاك؟ ) أي لم قالوا هذا القول؟ وأنني من أهل الجنة وفي الرواية الرابعة "وسأحدثك مم قالوا ذاك" من أجل أي شيء قالوا هذا القول؟ (رأيتني في روضة - ذكر سعتها وعشبها وخضرتها) أي قال الراوي: ذكر عبد الله بن سلام أوصافها والجملة معترضة وهذا عن الجزء الثاني من الرؤيا أما الجزء الأول فتتحدث عنه الرواية الرابعة وتقول: (إني بينما أنا نائم إذ أتاني رجل) أي ملك في صورة رجل. (فقال لي: قم فأخذ بيدي فانطلقت معه فإذا أنا بجواد عن شمالي) أي بطرق عن شمالي بينة، مسلوكة و"جواد" بتشديد الدال ممنوع من الصرف جمع جادة بتشديد الدال قال القاضي وقد تخفف الدال. (قال: فأخذت لآخذ فيها) أي فبدأت أتجه نحوها. (فقال لي: لا تأخذ فيها فإنها طرق أصحاب الشمال) أي فلا تتجه نحوها ولا تقبل عليها. (فإذا جواد منهج على يميني) أي فإذا طرق واضحة بينة مستقيمة على جهة يميني والمنهج الطريق المستقيم ونهج الأمر وأنهج إذا وضح وطريق منهج ومنهاج ونهج أي بين واضح. (فقال لي: خذ ها هنا) أي اتجه إلى هذا الطريق فاسلكه فسلكته معه. (فأتى بي جبلا فقال لي: اصعد) إلى قمته.

стр. 5432

(فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على استى) أي وقعت على عجزي والاست بهمزة وصل العجز وقد يراد به حلقة الدبر. (حتى فعلت ذلك مرارا) كلما حاولت الصعود سقطت على عجزي فلم أتمكن من الصعود. (ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودا رأسه في السماء وأسفله في الأرض) هذا العمود هو المذكور في الرؤيا في الرواية الثانية عن جزء الرؤيا الثاني إذ قال فيها: (ووسط الروضة عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء) وفي الرواية الثالثة "إنما رأيت كأن عمودا وضع في روضة خضراء فنصب فيها". (في أعلاه عروة) العروة من الثوب مدخل زره ومن الكوز والكوب مقبضه ومن الحبل دائرة في نهايته يستمسك بها، وفي الرواية الثالثة "في رأسها عروة - أي في رأس العمود باعتباره قطعة من حديد طويلة أو باعتباره دعامة وفي أسفلها منصف" قال النووي: هو بكسر الميم وفتح الصاد ويقال بفتح الميم أيضا وقد فسره الراوي في الحديث بالخادم والوصيف وهو صحيح قالوا: هو الوصيف الصغير المدرك للخدمة. (فقيل لي: ارقه) أي ارق العمود واصعده وفي رواية البخاري "ارق" وفي رواية "راقه" وفي الرواية الرابعة "فقيل لي: اصعد فوق هذا". (فقلت له: لا أستطيع) وفي الرواية الرابعة "قلت: كيف أصعد هذا؟ ورأسه في السماء"؟ . (فجاءني منصف، فقال بثيابي من خلفي - وصف أنه رفعه من خلفه بيده) وعبر عن الفعل بالقول في الرواية الرابعة. (فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا متعلق بالحلقة) "فزجل بي" أي رمى بي يقال: زجله وزجل به زجلا رفعه ورمى به والمعنى أن الوصيف أخذه من يده ومن ثوبه من خلفه وقذف به إلى أعلى العمود فأمسك بالعروة وفي الرواية الثانية "فرقيت حتى كنت في أعلى العمود فأخذت بالعروة" و"رقيت" بكسر القاف على اللغة المشهورة الصحيحة وحكي فتحها. (فقيل لي: استمسك فلقد استيقظت وإنها لفي يدي) في الرواية الرابعة "ثم ضرب العمود فخر قال: وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت" قال الحافظ ابن حجر: المعنى أن الاستيقاظ كان حال الأخذ بالحلقة من غير فاصل ولم يرد أنها بقيت في يده في حال يقظته ولو حمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله. لكن الذي يظهر خلاف ذلك، ويحتمل أن يريد أن أثرها بقي في يده بعد الاستيقاظ كأن يصبح فيرى يده مقبوضة.

стр. 5433

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - منقبة وفضيلة جليلة لعبد الله بن سلام ﵁ ٢ - قال القيرواني: الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها وتعبر أيضا بكل مكان فاضل وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدين وبالعمود الأركان الخمسة وبالعروة الوثقى الإيمان. ٣ - وفي الحديث معرفة اختلاف الطرق طرق أهل اليمين وطرق أهل الشمال. ٤ - تأويل الجبل بأنه الشهادة. ٥ - وفيه علم من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدا فوقع كذلك ومات على فراشه ﵁ وأرضاه. والله أعلم.

стр. 5434

(٦٦٢) باب من فضائل حسان بن ثابت ﵁ ٥٥٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه. فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة. فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني. اللهم! أيده بروح القدس"؟ قال: اللهم! نعم. ٥٥٥٧ - وفي رواية عن ابن المسيب أن حسان قال في حلقة فيهم أبو هريرة: أنشدك الله! يا أبا هريرة! أسمعت رسول الله ﷺ فذكر مثله. ٥٥٥٨ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة! أنشدك الله: هل سمعت النبي ﷺ يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ . اللهم! أيده بروح القدس"؟ قال أبو هريرة: نعم. ٥٥٥٩ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان بن ثابت "اهجهم أو هاجهم وجبريل معك". ٥٥٦٠ - عن أبيه أن حسان بن ثابت كان ممن كثر على عائشة. فسببته. فقالت: يا ابن أختي! دعه فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ . ٥٥٦١ - عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا. يشبب بأبيات له. فقال: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

стр. 5435

فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له يدخل عليك؟ وقد قال الله ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١] فقالت: فأي عذاب أشد من العمى؟ إنه كان ينافح. أو يهاجي عن رسول الله ﷺ . ٥٥٦٢ - وفي رواية عن شعبة في هذا الإسناد وقال: قالت: كان يذب عن رسول الله ﷺ ولم يذكر: حصان رزان. ٥٥٦٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال حسان: يا رسول الله! ائذن لي في أبي سفيان. قال: "كيف بقرابتي منه؟ " قال: والذي أكرمك! لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من الخمير. فقال حسان: وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد قصيدته هذه. ٥٥٦٤ - وفي رواية عن هشام بن عروة بهذا الإسناد قالت: استأذن حسان بن ثابت النبي ﷺ في هجاء المشركين ولم يذكر أبا سفيان وقال بدل - الخمير - العجين. ٥٥٦٥ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "اهجوا قريشا. فإنه أشد عليها من رشق بالنبل". فأرسل إلى ابن رواحة فقال: "اهجهم" فهجاهم فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك. ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه. فقال: والذي بعثك بالحق! لأفرينهم بلساني فري الأديم. فقال رسول الله ﷺ : "لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها. وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي فأتاه حسان. ثم رجع فقال: يا رسول الله! قد لخص لي نسبك. والذي بعثك بالحق! لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: "إن روح

стр. 5436

القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله" وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هجاهم حسان فشفى واشتفى" قال حسان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمد برا حنيفا ... رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء -[المعنى العام]- حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري الخزرجي النجاري وأمه الفريعة بنت خالد بن حبيش خزرجية أيضا. أدركت الإسلام فأسلمت وبايعت ويكنى حسان: أبا المضرب وأبا الحسام وأبا عبد الرحمن فضل على الشعراء بثلاثة كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي ﷺ في أيام النبوة وشاعر اليمن كلها في الإسلام. قيل: إنه لم يغز مع النبي ﷺ لجبنه وقصة جبنه مع صفية بنت عبد المطلب وهي في حصنه مشهورة. قدم رسول الله ﷺ المدينة وعمر حسان ستون سنة قيل: وعاش في الإسلام ستين سنة ومات

стр. 5437

وهو ابن مائة وعشرين سنة، توفي في خلافة علي ﵁، وقيل: توفي سنة خمسين أو أربع وخمسين. ﵁ وأرضاه. -[المباحث العربية]- (أن عمر مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد) أي المسجد النبوي في المدينة، وعمر آنذاك أمير المؤمنين. (فلحظ إليه) أي نظر إليه بمؤخر عينه، من أحد جانبيه، يقال: لحظه بالعين، ولحظ إليه لحظا ولحظانا، وكثيرا ما تستعمل هذه النظر في مؤاخذة الملحوظ، كما فهم منها حسان، وفي رواية "فقال عمر: أفي مسجد رسول الله ﷺ تنشد الشعر"؟ . (فقال: قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك) أي فقال حسان لعمر، ردا على لحظته: لم تؤاخذني؟ وقد أقرني على ذلك رسول الله ﷺ ؟ . (ثم التفت إلى أبي هريرة) أي التفت حسان إلى أبي هريرة - وكان بجواره - يستشهد به. (فقال: أنشدك الله. أسمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ قال: اللهم نعم) وفي رواية "فسكت عمر". و"أنشدك" بفتح الهمزة وضم الشين، أي أسألك الله، والنشد بفتح النون وسكون الشين التذكر، يقال: نشد فلانا قصده وسأله، ونشد فلانا بكذا، أي ذكره به واستعطفه، يقال: نشدتك الله، وبالله، ونشدتك الرحم، وبالرحم، والمراد بروح القدس هنا جبريل، يدل عليه ما في الرواية الثالثة "وجبريل معك". والمراد بالإجابة الرد على الكفار الذين هجوا رسول الله ﷺ وأصحابه، وفي الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرا في المسجد، فيقوم عليه، يهجو الكفار". (اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك) يقال: هجا فلانا، يهجوه، هجوا، وهجاء: ذمه، وعدد معايبه، ويقال: هاجاه مهاجاة، إذا هجا كل منهما صاحبه. و"أو" للشك من الراوي في أية اللفظتين قيلت. (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير، ابن أخت عائشة. (أن حسان بن ثابت كان ممن كثر على عائشة، فسببته) أي ذكر اسمه في مجلس عائشة، فسبه عروة، لأنه أكثر من نقل كلام الإفك عن عائشة، وقد صح عن عائشة أنها عدت العصبة التي جاءت وأذاعت الإفك، فعدت عبد الله بن أبي بن سلول، وحمنة بنت جحش، أخت أم المؤمنين زينب ﵂، وزوجة طلحة بن عبيد الله، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت. ومن الناس من برأ حسان، وهو خلاف ما في الصحيح، وما تشير إليه الروايتان الرابعة

стр. 5438

والخامسة، والظاهر أنه ﵁ اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة في أبيات سنذكرها، فقبلت اعتذاره، وعطفت عليه بعد أن أصيب بالعمى. (فقالت: يا بن أختي، دعه) أي دع سبه وشتمه. (فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ أي كان يدافع بشعره عن رسول الله ﷺ ، وفي الرواية الخامسة "إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ " وفي ملحقها "كان يذب عن رسول الله ﷺ ". (يشبب بأبيات له، فقال: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل) "يشبب" يعني يتغزل، يذكر محاسن النساء، وهو هنا يذكر محاسن عائشة ﵂، ويصفها بأنها "حصان" بفتح الحاء والصاد المخففة، أي محصنة عفيفة، "رزان" بفتح الراء والزاي، أي كاملة العقل، يقال: رجل رزين، و"ما تزن بريبة" أي ما تتهم بريبة، يقال: زننته وأزننته إذا ظننت به خيرا أو شرا، و"غرثى" بفتح الغين وسكون الراء وفتح الثاء، أي جائعة، ورجل غرثان، وامرأة غرثى، معناه لا تغتاب الناس، لأنها لو اغتابتهم شبعت من لحومهم. والمعنى أن عائشة ﵂ محصنة عاقلة، لا تتهم بريبة، ولا تأكل لحوم الناس بالغيبة. في الرواية الخامسة أنها قالت له، بعد سماعها هذا البيت: "لكنك لست كذلك". وبعد هذا البيت قال: حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبي الهدى ذي المكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي، مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمو ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل "قد طيب الله خيمها" أي قد طيب ريحها، "سورة المتطاول" بفتح السين وسكون الواو، أي وثبة مدعي الطول، و"ليس بلائط" أي ليس بلاصق بي على الحقيقة، "بي ماحل" أي بي واش وساع بي إلى ذي السلطان.

стр. 5439

(قال حسان: يا رسول الله، ائذن لي في أبي سفيان) المراد بأبي سفيان هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي ﷺ وكان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه. أي ائذن لي أن أهجوه وأذمه، وفي ملحق الرواية "استأذن حسان بن ثابت النبي ﷺ في هجاء المشركين" ولم يذكر أبا سفيان. (قال: كيف بقرابتي منه؟ ) أي كيف لا يصيبني الذم، وهو ابن عمي؟ إذا ذممته؟ (قال: والذي أكرمك لأسلنك منهم، كما تسل الشعرة من الخمير) المراد من الخمير العجين، وصرح به في الرواية السابعة، لأنه يتخمر غالبا، ومعناه لأتلطفن في تخليص نسبك من هجوه، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة، إذا سلت من العجين، لا يبقى منها شيء فيه، بخلاف ما لو سلت من شيء صلب، فإنها ربما انقطعت، فبقيت منها فيه بقية. (فقال حسان: وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد) ولم يذكر مسلم البيت الثاني، وبه تتم الفائدة، وهو المراد المقصود، وهو: ومن ولدت أبناء زهرة منهمو ... كرام، ولم يقرب عجائزك المجد والمراد ببنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، أم عبد الله والزبير وأبي طالب، وقوله "ومن ولدت أبناء زهرة منهمو" مراده هالة بنت وهب بن عبد مناف، أم حمزة وصفية، وأما قوله "ووالدك العبد" فهو سب لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه أن أم الحارث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا، هي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث، كانت كذلك، وهو مراده بقوله: "ولم يقرب عجائزك المجد". (قصيدته هذه) بالنصب، مفعول به لفعل محذوف، أي اقرأ، أو راجع قصيدته هذه. (اهجوا قريشا، فإنه أشد عليها من رشق بالنبل) الخطاب للمسلمين، أو للشعراء المسلمين، وهو رفع للحظر، وإذن بالهجاء، بعد أن اشتد هجاء المشركين للإسلام ورسول الله ﷺ وللمسلمين، فأراد محاربتهم بنفس سلاحهم، وكان الشعر مدحا أو هجاء يرفع القبيلة أو يخفضها، فكان أثره في العرب بعامة أشد من الرمي بالسهام، و"الرشق" بفتح الراء هي الرمي، وأما الرشق بكسرها فهو اسم للنبل التي ترمى دفعة واحدة، وفي بعض النسخ "رشق النبل". (فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فهجاهم، فلم يرض) أي فلم يشف ما في صدر النبي ﷺ وما في صدر أصحابه من الغيظ.

стр. 5440

(فأرسل إلى كعب بن مالك) فقال له: اهجهم، فهجاهم، فكان شأنه شأن ابن رواحة. (ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه) أي على رسول الله ﷺ ، وقد بلغه ما كان من ابن رواحة وكعب. (قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه) يصف نفسه بالأسد بين الشعراء، قال العلماء: ومراد حسان من "ذنبه" لسانه، فشبه نفسه بالأسد في انتقامه وبطشه إذا اغتاظ، وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه. (ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه) أي ثم أخرج لسانه عن الشفتين، يحركه يمنة ويسرة، كما يفعل الأسد بذنبه، يقال: دلع لسانه، وأدلع لسانه، ودلع اللسان. (فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم فري الأديم) أي لأمزقن أعراضهم تمزيق الجلد. سأسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قال: أنت غير عليم بالأنساب، فيخشى من ذم نسب أتصل به، ولكن عليك أولا بأبي بكر. (فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا، حتى يلخص لك نسبي) ويخلصه من أنساب تتناولها بالهجاء. (قالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان، فشفى، واشتفى) أي فشفى صدري وشفى صدور المؤمنين، وشفى نفسه، وأذهب غيظنا وغيظه. (قال حسان: هجوت محمدا، فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء) يخاطب من هجا رسول الله ﷺ ، ويتوعده بأنه سيجيب ويدافع عن رسول الله ﷺ ، إجابة ودفاعا لا يدافعه مدافع، لأن أجره عند أعظم مجاز، وأكرم معط. (هجوت محمدا، برا، تقيا ... رسول الله شيمته الوفاء) وفي بعض النسخ "برا حنيفا" والبر بفتح الباء واسع الخير، وهو مأخوذ من البر، بكسر الباء، وهو الاتساع في الإحسان، وهو اسم جامع للخير، وقيل: البر هنا بمعنى المتنزه عن المآثم، وأما الحنيف فقيل: هو المستقيم، والأصح أنه المائل إلى الخير، وقيل: الحنيف التابع ملة إبراهيم ﵇ وقوله "شيمته الوفاء" أي خلقه الوفاء، وكلها منصوبة على الحال. (فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء) قال النووي: هذا مما احتج به ابن قتيبة لمذهبه، أن عرض الإنسان هو نفسه، لا أسلافه، لأنه ذكر عرضه وأسلافه بالعطف، وقال غيره: عرض الرجل أموره كلها، التي يحمد بها ويذم من نفسه، وأسلافه، وكل ما لحقه نقص بعيبه، وأما قوله "وقاء" فبكسر الواو، وبالمد، وهو ما وقيت به الشيء.

стр. 5441

(ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء) "كنفا كداء" جانبا كداء، وهي ثنية على باب مكة، وفي بعض النسخ "غايتها كداء" وفي بعضها "موعدها كداء" يهدد قريشا والمشركين بمكة بأن خيل المسلمين ستثير الغبار في جبال مكة، فتغزوهم. وتهاجمهم، ويزيد في وصف الخيل والفرسان، فيقول: (يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء) ويروى "يبارعن الأعنة" وفي رواية "يبارين الأسنة" و"مصعدات" أي مقبلات إليكم ومتوجهات، دون تراجع "على أكتافها الأسل الظماء" أي فوق ظهورها الرماح العطشى إلى الدماء، وفي بعض الروايات "الأسد الظماء" أي الرجال المشبهون للأسد العطاش إلى دمائكم "تظل جيادنا متمطرات" أي تظل خيولنا مسرعات، يسبق بعضها بعضا، كسيل المطر "تلطمهن بالخمر النساء" أي تمسحهن النساء بخمرهن، جمع خمار، أي يزلن عنهن الغبار بخمرهن، لعزتها وكرامتها عندهم، وحكى القاضي أنه روي "بالخمر" بفتح الميم، جمع خمرة، وهو صحيح المعنى، لكن الأول هو المعروف، وهو الأبلغ في إكرامها. (فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار، عرضتها اللقاء يلاقى كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء) "قد يسرت جندا" أي هيأتهم، وأرصدتهم لقتال المشركين "عرضتها اللقاء" بضم العين، أي مقصودها ومطلوبها "ليس له كفاء" أي ليس له مماثل، ولا مقاوم. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - فضيلة لحسان بن ثابت ﵁ في دفاعه بشعره عن رسول الله ﷺ ، وعلى الرغم من موقفه من الإفك نرى عائشة ﵂ تغفر له هذا الموقف، وتقدر له هجاء المشركين، ومدحه لرسول الله ﷺ ، وتكرمه وتذكره بخير، وتدافع عنه بل كانت تأذن له بالدخول، وتدعو له بالوسادة، وتقول: لا

стр. 5442

تؤذوا حسانا، فإنه كان ينصر رسول الله ﷺ بلسانه، وتقول: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة. ولما قيل لها: تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله تعالى ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١] قالت: وأي عذاب أشد من العمى، وفي رواية "أليس أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره، وكسع بالسيف"، تعني ضربة السيف التي ضربه إياها صفوان، حين بلغه أنه يتكلم في ذلك. ٢ - وفي الحديث جواز هجو الكفار، ما لم يكن أمان، ولا غيبة فيه، فقد أمر ﷺ بهجائهم، وطلبه من أصحابه، واحدا بعد واحد، وكان القصد النكاية في الكفار، وقد أمر الله تعالى بالجهاد في الكفار، والإغلاظ عليهم، وكان هذا الهجو أشد عليهم من الرمي بالنبال، فكان مندوبا لذلك، مع ما فيه من كف أذاهم، وبيان نقصهم، والانتصار للمسلمين بهجائهم. قال النووي: قال العلماء: ينبغي ألا يبدأ المسلمون المشركين بالسب والهجاء، مخافة من سبهم الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله، فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨] ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة لابتدائهم به، ككف أذاهم، كما فعل النبي ﷺ . ٣ - قال النووي: وفيه جواز إنشاد الشعر في المسجد، إذا كان مباحا، واستحبابه إذا كان في مدح الإسلام وأهله، أو في هجاء الكفار، والتحريض على قتالهم، أو تحقيرهم ونحو ذلك. وأما حديث "نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد" فهو وإن رواه الترمذي وحسنه فيجمع بينه وبين حديثنا بأن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك، وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبا على المسجد، حتى يتشاغل به من فيه. والله أعلم. ٤ - وفيه استحباب الدعاء لمن قال شعرا من هذا النوع. ٥ - وفيه جواز الانتصار من الكفار، ويجوز الانتصار أيضا من غير الكفار بشروطه. والله أعلم

стр. 5443

(٦٦٣) باب من فضائل أبي هريرة ﵁ ٥٥٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي. فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره. فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ . فلما جئت فصرت إلى الباب. فإذا هو مجاف. فسمعت أمي خشف قدمي. فقالت: مكانك: يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء. قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها. ففتحت الباب. ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال: قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا. قال: قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني. ٥٥٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ . والله الموعد. كنت رجلا مسكينا. أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني. وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق. وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم. فقال رسول الله ﷺ : "من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني". فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه. ثم ضممته إلي. فما نسيت شيئا سمعته منه. ٥٥٦٨ - وفي روية عن أبي هريرة ﵁، بهذا الحديث. غير أن مالكا انتهى

стр. 5444

حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة. ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي ﷺ : "من يبسط ثوبه" إلى آخره. ٥٥٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتي. يحدث عن النبي ﷺ . يسمعني ذلك. وكنت أسبح. فقام قبل أن أقضي سبحتي. ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم. ٥٥٧٠ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد. ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم. وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني. فأشهد إذا غابوا. وأحفظ إذا نسوا. ولقد قال رسول الله ﷺ يوما: "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئا سمعه" فبسطت بردة علي. حتى فرغ من حديثه. ثم جمعتها إلى صدري. فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا أبدا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ [البقرة/ ١٥٩، ١٦٠] إلى آخر الآيتين. -[المعنى العام]- أبو هريرة الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، قال النووي: اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا، وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا، مذكورة في الكنى للحاكم وفي الاستيعاب وفي تاريخ ابن عساكر. قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره. كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرا، وسكن الصفة، وصحب النبي ﷺ أربع سنين، وقيل ثلاث سنين، قيل: كان سنه يوم أسلم ثلاثين عاما.

стр. 5445

كان يبتدئ حديثه بقوله: قال رسول الله ﷺ الصادق المصدوق أبو القاسم: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطية تتابعت، وخراج رفيق لي، فنظر، فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرا منك، قال: إنه يوسف ﵇، نبي الله، وابن نبي الله، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، ويضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي. توفي بقصره بالعقيق، سنة ثمان وخمسين فحمل إلى المدينة، بعد أن عاش ثمانيا وسبعين سنة، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان أميرا يومئذ على المدينة، وكتب الوليد إلى معاوية يخبره بموته، فكتب إليه: انظر من ترك؟ فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، فإنه كان ممن نصر عثمان يوم الدار ﵁ وأرضاه. -[المباحث العربية]- (فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة) كان الأصل أن يقول: أمي، ولكنه آثر التجريد، ليطابق المدعو به، فإنه لن يقول: اللهم اهد أمك. (فلما جئت فصرت إلى الباب) أي فوصلت إلى باب بيتي. (فإذا هو مجاف) أي مغلق، يقال: أجاف الباب إذا رده، وفي حديث الحج أنه ﷺ دخل البيت، وأجاف الباب. (فسمعت أمي خشف قدمي) بفتح الخاء وسكون الشين، أي صوت قدمي في الأرض. (فقالت: مكانك) ظرف لفعل محذوف، أي قف مكانك. (وسمعت خضخضة الماء) أي صوت تحريكه وصبه. (ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب) درع المرأة قميصها، وخمارها الثوب الذي تغطي به رأسها، وعجل عن كذا إلى كذا، أي أسرع إلى كذا متجاوزا كذا، والمعنى أنها لبست القميص، وأسرعت إلى الباب تفتحه، تاركة خمارها. (فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني) هذا في اعتقاد أبي هريرة وعلمه، وما يحسه من الناس، وليس بلازم، فحب جميع المؤمنين غاية لا تدرك. (إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ الزعم مطية الكذب،

стр. 5446

وتستعمل المادة - غالبا - فيما ليس له أصل. و"يكثر الحديث" أي يكثر ذكر الأحاديث والتحديث والرواية والخطاب في "إنكم" لبعض الصحابة، أي إن بعض الصحابة يقولون ... ، وفي الرواية الرابعة "يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر" وفي ملحقها "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ " وفي رواية للبخاري "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة". (والله الموعد) بفتح الميم، وفيه حذف، تقديره: وعند الله الموعد، لأن الموعد إما مصدر، وإما ظرف زمان، أو ظرف مكان، وكل ذلك لا يخبر به عن الله تعالى، ومراده أن الله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذبا، ويحاسب من ظن بي ظن السوء. (كنت رجلا مسكينا، أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني) أي ألازمه من أجل قوتي اليومي، ولا أجمع مالا أدخره، وليس المراد الخدمة بالأجرة، و"ملء" بكسر الميم، أي إن السبب الأولى الذي اقتضى له كثرة الحديث عن رسول الله ﷺ أمران، ملازمته له، ليجد ما يأكله، لأنه لم يكن له شيء يتجر فيه، ولا أرض يزرعها، ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه، خشية أن يفوته القوت، فحصل له بهذه الملازمة كثرة سماعه الأقوال، ورؤيته الأفعال، مما لا يحصل لغيره، ممن لم يلازمه ملازمته، الأمر الثاني ما سيذكره من دعاء النبي ﷺ له، وفي رواية للبخاري "وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون". (وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم) "يشغلهم" بفتح الياء، وحكي ضمها، والصفق في الأسواق كناية عن التبايع، وكانوا يصفقون بالأيدي من المتبايعين، بعضها على بعض، والسوق مؤنثة، وقد تذكر، سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم، وفي الرواية الرابعة "ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك. إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق". (فقال رسول الله ﷺ : من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني، فبسطت ثوبي، حتى قضى حديثه، ثم ضممته إلي، فما نسيت شيئا مما سمعته منه) هذا هو السبب الثاني، وفي الرواية الرابعة "ولقد قال رسول الله ﷺ يوما: أيكم يبسط ثوبه، فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئا سمعه، فبسطت بردة علي، حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا، حدثني به". (أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟ ) الخطاب من عائشة لابن أختها، عروة بن الزبير، والمعنى: تعجب من أبي هريرة، فعند أبي داود "ألا أعجبك من أبي هريرة". (جاء، فجلس إلى جنب حجرتي، يحدث عن النبي ﷺ ، يسمعني ذلك) أي يسمعني أحاديث ليأخذ موافقتي على صحتها، أو ليسمع مني اعتراضا على بعضها.

стр. 5447

(وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي) أي كنت أصلي نافلة الضحى. (ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم) وكأن عائشة لم توافق أبا هريرة على سرعة تحديثه، ومتابعة الحديث للحديث، والاستعجال في رواية الحديث، وكانت لو لحقته لنصحته أن يروي ما يروي فصلا، فهما، تفهمه القلوب، ولو لحقته لأنكرت عليه الإسراع، وبينت له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد، وأن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كما يسرده أبو هريرة. واعتذر بعضهم عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، من تزاحم المعلومات. (لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه، ما حدثت شيئا أبدا) وفي رواية البخاري "ما حدثت حديثا" أي لولا أن الله ذم الكاتمين للعلم، ما حدث أصلا، لكن لما كان الكتمان حراما، وجب الإظهار. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - استجابة دعاء الرسول ﷺ على الفور بعين المسئول، بخصوص هداية أم أبي هريرة. ٢ - وهو من أعلام نبوته ﷺ . ٣ - واستحباب حمد الله عند حصول النعم. ٤ - فضيلة أبي هريرة. ٥ - فضيلة حفظ العلم، قالوا: ولم يحدث أبو هريرة بجميع محفوظاته، ومع ذلك فالموجود من حديثه أكثر من الموجود من حديث غيره من المكثرين. ٦ - أخذ من قوله في الرواية الثانية "فما نسيت شيئا سمعته منه" ومن قوله في الرواية الرابعة "فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به" أن أبا هريرة لم ينس شيئا من الأحاديث التي سمعها، وأن عدم النسيان عنده خاص بالحديث، فإن قيل: قد أخرج ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو ابن أمية، قال: تحدثت عند أبي هريرة بحديث، فأنكره، فقلت: إني سمعته منك؟ فقال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي". فهذا يدل على وقوع نسيانه في الحديث، ويحمل عدم النسيان على عدم نسيان تلك المقالة، يستأنس لذلك برواية شعيب "فما نسيت من مقالته تلك من شيء" مما يخص عدم النسيان بتلك المقالة، ويلتحق بهذا حديث أبي سلمة عنه "لا عدوى" فإنه قال فيه: إن أبا هريرة أنكره، قال: "فما رأيته نسي شيئا غيره". قال الحافظ ابن حجر: سند حديث

стр. 5448

ابن وهب ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فهو نادر، وسياق الكلام في روايتنا يقتضي ترجيح العموم، لأن أبا هريرة نبه بذلك على كثرة محفوظه من الحديث، والوثوق منها، فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها. ٧ - وعدم نسيان أبي هريرة معجزة واضحة، من علامات النبوة، لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة بأنه كان يكثر من النسيان، ثم تخلف عنه ببركة دعاء النبي ﷺ ، وفي المستدرك للحاكم، من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: "كنت أنا وأبو هريرة وآخر، عند النبي ﷺ ، فقال: ادعوا، فدعوت أنا وصاحبي، وأمن النبي ﷺ ، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علما لا ينسى، فأمن النبي ﷺ ، فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله. فقال: سبقكما الغلام الدوسي". ٨ - وفي عمل أبي هريرة فضيلة التقليل من الدنيا، وأنه أمكن لحفظ العلم. ٩ - وفي انشغال المهاجرين والأنصار، وتقريرهم على ذلك فضيلة التكسب لمن له عيال. ١٠ - وفيه جواز تحديث الإنسان بما فيه من فضائل، إذا اضطر إلى ذلك، وأمن من الإعجاب. ١١ - وفي الحديث دلالة على حرصهم على التوثيق بالرواية، لقولهم: "أكثر أبو هريرة". ١٢ - وأن كثيرا من أكابر الصحابة كان يغيب عنه بعض ما يقوله النبي ﷺ أو يفعله من الأعمال التكليفية. ١٣ - وفيه الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي ﷺ وسننه منقولة .. عنه بالتواتر، وأنه لا يجوز العمل بما لم ينقل متواترا، وقد انعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد. والله أعلم

стр. 5449

(٦٦٤) باب من فضائل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ ٥٥٧١ - عن علي ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد. فقال: "ائتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب. فخذوه منها" فانطلقنا تعادى بنا خيلنا. فإذا نحن بالمرأة. فقلنا أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "يا حاطب! ما هذا؟ " قال: لا تعجل علي يا رسول الله! إني كنت امرأ ملصقا في قريش (قال سفيان: كان حليفا لهم ولم يكن من أنفسها) وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم. فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي. ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني. ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي ﷺ : "صدق" فقال عمر. دعني يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرا. وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة] وليس في حديث أبي بكر وزهير ذكر الآية. وجعلها إسحق في روايته، من تلاوة سفيان. ٥٥٧٢ - وفي رواية عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام. وكلنا فارس. فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ. فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب إلى المشركين" فذكر بمعنى حديث عبيد الله بن أبي رافع عن علي. ٥٥٧٣ - عن جابر ﵁ أن عبدا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا. فقال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ : "كذبت لا يدخلها. فإنه شهد بدرا والحديبية".

стр. 5450

-[المعنى العام]- حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي، حليف بني أسد بن عبد العزى، وقيل: كان عبدا لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه، فأدى مكاتبته، وقيل: كان رجلا من أهل اليمن، شهد بدرا والحديبية، ومات سنة ثلاثين من الهجرة، وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه عثمان ﵁. وكان رسول الله ﷺ قد بعث حاطب بن أبي بلتعة في سنة ست من الهجرة إلى المقوقس، صاحب مصر والإسكندرية، فأتاه من عنده بهدية، منها مارية القبطية وسيرين أختها، فاتخذ رسول الله ﷺ مارية لنفسه، فولدت له إبراهيم ابنه، ووهب سيرين لحسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن. وبعث أبو بكر الصديق حاطب بن أبي بلتعة أيضا إلى المقوقس بمصر، فصالحهم، فلم يزالوا كذلك حتى دخلها عمرو بن العاص، وقاتلهم، وافتتح مصر سنة إحدى وعشرين، في خلافة عمر بن الخطاب، روي عن حاطب بن أبي بلتعة أنه قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى المقوقس، ملك الإسكندرية، فجئته بكتاب رسول الله ﷺ ، فأنزلني في منزله، وأقمت عنده ليالي، ثم بعث إلي، وقد جمع بطارقته، فقال: إني سأكلمك بكلام، أحب أن تفهمه مني. قال: قلت: هلم. قال: أخبرني عن صاحبك. أليس هو نبي؟ قال: قلت: بلى. هو رسول الله ﷺ . قال: فما له؟ حيث كان هكذا، لم يدع على قومه، حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم، أتشهد أنه رسول الله؟ قال: نعم. قال: فما باله؟ حيث أخذه قومه، فأرادوا صلبه، فما له لم يكن دعا عليهم بأن يهلكهم الله، حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ قال: أحسنت. أنت حكيم، جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، وأرسل معك من يبلغك إلى مأمنك". ﵁ وأرضاه. -[المباحث العربية]- (بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد) وفي ملحق الرواية عن علي ﵁ "بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام، وكلنا فارس" قال العلماء: لا منافاة، بل بعث الأربعة، عليا والزبير والمقداد وأبا مرثد، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، بل لم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدا، وساق الخبر بالتثنية، قال: "فخرجا حتى أدركاها، فاستنزلاها" ويحتمل سبق اثنين من الأربعة إليها. (فقال ائتوا روضة خاخ) قال النووي: هي بخاءين. هذا هو الصواب الذي قاله العلماء كافة في جميع الطوائف وفي جميع الروايات، والكتب، ووقع في البخاري من رواية أبي عوانة "حاج"

стр. 5451

بالحاء والجيم، واتفق العلماء على أنه غلط، وإنما اشتبه على أبي عوانة بذات حاج، وهي موضع بين المدينة والشام، على طريق الحجيج، وأما روضة خاخ فبين مكة والمدينة، بقرب المدينة. (فإن بها ظعينة، معها كتاب، فخذوه منها) في ملحق الرواية "فقال: انطلقوا، حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب إلى المشركين .... " والمراد بالظعينة هنا المرأة وأصلها الراحلة أو الهودج، وذكر ابن إسحاق أن اسمها سارة، وذكر الواقدي أن اسمها كنود، وفي رواية أم سارة، وذكر الواقدي أن حاطبا جعل لها عشرة دنانير على ذلك، وقيل: دينارا واحدا، وهو أقرب، وقيل: إنها كانت مولاة العباس. (فانطلقنا تعادى بنا خيلنا) بفتح التاء وحذف إحدى التاءين، والأصل تتعادى بنا خيلنا، أي تجري بنا وتتبارى، وتتسابق، يقال: عدا يعدو عدوا، وتعادوا أي تباروا في العدو. (فإذا نحن بالمرأة) في رواية للبخاري "فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، إذا نحن بالظعينة" أي فأنزلوها عن راحلتها، ففي رواية للبخاري "فأدركناها تسير على بعير لها، فأنخناها". (فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب) "لتخرجن" بالتاء وكسر الجيم، أمر لها مؤكد بالنون، أو "لتلقين" ضبطت بالتاء خطاب لها، قال الحافظ ابن حجر: والوجه حذف الياء، وضبطت، بالنون وكسر القاف وفتح الياء بعدها نون التوكيد على أنه للمتكلمين، في رواية للبخاري "فالتمسنا، فلم نر كتابا، فقنا: ما كذب رسول الله ﷺ ، لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد، أهوت إلى حجزتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجته" والحجزة بضم الحاء وسكون الجيم معقد الإزار والسراويل. (فأخرجته من عقاصها) بكسر العين، أي شعرها المضفور، جمع عقصة، بكسر العين وسكون القاف، وهي الخصلة من الشعر معقوصة، والعقاص أيضا بكسر العين خيط تشد به أطراف الذوائب، وجمعه عقص بضم العين والقاف، وجمع بين إخراج الكتاب من عقاصها أو حجزتها، بأنها أخرجته أولا من حجزتها، فأخفته في عقاصها، ثم اضطرت إلى إخراجه، أو بالعكس، أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته في عقيصتها، وغرزته بحجزتها. (فأتينا به رسول الله ﷺ ظاهره أنهم رجعوا بالكتاب وتركوها، لكن في رواية للبخاري في باب فضل من شهد بدرا "فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ " فيحتمل أنهم أخذوها معهم، فأطلقها رسول الله ﷺ ، فهي غير مذنبة إذ لم تكن مسلمة، أو كانت مسلمة ولم تعلم ما في الكتاب. (فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة) لم تذكر أسماء المرسل إليهم في الصحيح، لكن روى الواقدي بسند له مرسل "أن حاطبا كتب إلى سهيل بن عمرو، وصفوا بن أمية، وعكرمة: أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد".

стр. 5452

(يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ هذا الأمر هو التهيؤ للغزو، ولم يكن يعلم الحقيقة علما، بل استنبط هو من قبله، فقد كان رسول الله ﷺ يخفي أمر الغزوة لأهميتها، حتى قال لعائشة: جهزيني، ولا تعلمي بذلك أحدا، فدخل عليها أبو بكر، فأنكر بعض شأنها، فقال: ما هذا؟ قالت له. فقال: والله ما انقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فذكر له أنهم أول من غدر، ثم أمر بالطرق، فحبست، ليعمي على أهل مكة، لا يأتيهم الخبر، فيستعدون ويجمعون الأحلاف. وذكر بعض أهل المغازي أن لفظ الكتاب "أما بعد. يا معشر قريش، فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وأنجز له وعده. انظروا لأنفسكم. والسلام". (فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب، ما هذا؟ ) معطوف على محذوف، ظهر في رواية للبخاري وهو "فأرسل إلى حاطب" فجاء، فقال له ... وفي رواية "ما حملك على هذا"؟ وفي رواية للبخاري "ما حملك على ما صنعت"؟ . (قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا في قريش) قال الراوي: "كان حليفا لهم، ولم يكن من أنفسها". (وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون بها أهليهم، فأحببت - إذا فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدا، يحمون بها قرابتي) وفي رواية للبخاري "أردت أن تكون لي عند القوم يد، يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته، من يدفع الله به عن أهله وماله" وفي رواية أخرى للبخاري "كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم" أي كنت منهم بالحلف، وحليف القوم منهم، وعند أحمد "كنت غريبا" قال السهيلي: كان حاطب حليفا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى. وعند ابن إسحاق "وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه" يقال: كان له بمكة أولاده وإخوته وأمه. (ولم أفعله كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام) وفي رواية للبخاري "والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله ﷺ ". (فقال النبي ﷺ : صدق) وفي رواية للبخاري "أنه قد صدقكم" بتخفيف الدال، أي قال الصدق، وفي رواية أخرى للبخاري "أما إنه قد صدقكم" وفي أخرى للبخاري أيضا "صدق، ولا تقولوا له إلا خيرا" وفي رواية "فصدقه النبي ﷺ ". (فقال عمر: دعني يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم) ما سبق من ذنوبكم، وسأغفر لكم ما يلحق منها.

стр. 5453

وسيأتي تفصيل لذلك في فقه الحديث، وفي رواية للبخاري "اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة". والروايات في أكثر النسخ بصيغة الترجي "لعل" والترجي من الله واقع. وإنما قال عمر ذلك، مع تصديق رسول الله ﷺ لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر من القوة في الدين، وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله ﷺ استحق القتل، لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقا، لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولا أن لا ضرر فيه، وعند الطبري "فقال: أليس قد شهد بدرا؟ قال: بلى، ولكنه نكث، وظاهر أعداءك عليك" وفي رواية للبخاري "فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم". (فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾) [الممتحنة: ١]. (أن عبدا لحاطب، جاء رسول الله ﷺ ، يشكو حاطبا) كان حاطب ﵁ شديدا على الرقيق، وفي الموطأ أن عمر ﵁ قال لحاطب - حين نحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة - أراك تجيعهم، وأضعف عليه القيمة، على جهة الأدب والردع له. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - فضيلة عظيمة لأهل بدر، من قوله: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وقد اتفق العلماء على أن هذا الوعد الكريم يشمل كل ما سبق لهم من ذنوب قبل يوم بدر، والخلاف فيما يحصل منهم من ذنوب بعد بدر، هل تدخل في هذا الوعد؟ فتقع منهم مغفورة؟ أو يلهمون بعدها التوبة فتغفر؟ أو لا تدخل؟ وشأنهم في ذنوبهم اللاحقة لبدر شأن غيرهم؟ قولان: الأول قال ابن الجوزي: ليس هذا على الاستقبال، وإنما هو على الماضي، لأنه لو كان للمستقبل كان جوابه: فسأغفر لكم، ولو كان كذلك لكان إطلاقا في الذنوب - أي إذنا ودعوة للذنوب - ولا يصح. اهـ ويؤيده اتفاق العلماء على أنهم لا يعفون من الحد، إذا وقع من أحدهم ما يوجب الحد، فلو كانت ذنوبهم مغفورة ما حدوا، فإقامة الحد دليل قيام الذنب، وعدم مغفرته. الثاني: قول الجمهور، يقول القرطبي: "اعملوا" صيغة أمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضعها

стр. 5454

العرب صيغة للماضي، لا بقرينة ولا بغيرها، لأنها بمعنى الإنشاء والابتداء، وقوله: "اعملوا ما شئتم" يحمل على طلب الفعل، ولا يصح أن يكون معنى الماضي، ولا يمكن أن يحمل على الإيجاب، فتعين الحمل على الإباحة، قال: وقد ظهر لي أن هذا الخطاب خطاب تشريف وإكرام، تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة، غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا أن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه، وقد ظهر أن الله صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة، إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة، ولازم الطريق المثلى، ويعلم ذلك من أحوالهم بالقطع من اطلع على سيرهم. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "فقد غفرت لكم" أن ذنوبكم تقع مغفورة، لا أن المراد أنه لا يصدر منهم ذنب، وقد شهد مسطح بدرا، ووقع في إفك عائشة، فكأن الله لكرامتهم عليه، بشرهم على لسان نبيه أنهم مغفور لهم، ولو وقع منهم ما وقع. اهـ. ويجيب الجمهور على شبهة الآخرين بأن التعبير بالماضي قد يكون على المستقبل مبالغة في تحققه، كما في قوله تعالى ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١] أي سيأتي أمر الله، فمعنى "غفرت لكم" أي سأغفر لكم، على أن الطبري أخرجه بلفظ "فإني غافر لكم" وفي مغازي ابن عائذ، من مرسل عروة "اعملوا ما شئتم فسأغفر لكم". أما شبهة أن الأمر بقوله: "اعملوا ما شئتم" فيه إطلاق للذنوب، ولا يصح، فإنه معقول مع المكثرين من الذنوب، أما هؤلاء الصفوة الذين وهبوا حياتهم لله، فإن فتح باب المعصية لهم لا يدفع بهم إليها، بل في ذلك ما يزيد امتناعهم وبعدهم عنها، وكلما قرب الله عبدا منه كلما ازداد خوفه وخشيته وتقواه، ورسول الله ﷺ ، حين قيل له: إنك قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "إنما أنا أخشاكم لله وأتقاكم له. أفلا أكون عبدا شكورا؟ ". أما أنهم لا يعفون من الحد إذا أتوا ما يوجب الحد، فهذا في حكم الدنيا، وموطن النزاع هو المغفرة في الآخرة، فلا تعارض. يضاف إلى ذلك أنه لو كانت البشارة للماضي فقط لما حسن الاستدلال بالبشارة في قصة حاطب لأنه ﷺ خاطب به عمر، منكرا عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل هذا الاستدلال على أن المراد مغفرة ما سيأتي والله أعلم. ٢ - وقد أثار هذا الحديث حكم الجاسوس، فقد استدل باستئذان عمر لقتل حاطب لمشروعية قتل الجاسوس، ولو كان مسلما وإن تاب، وهو قول بعض المالكية، ومن وافقهم، ووجه الدلالة أنه ﷺ أقر عمر على إرادة القتل، لولا المانع، وبين أن المانع هو كون حاطب شهد بدرا، وهذا منتفى في غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعا من قتله، لما علل بأخص منه، وقال بعض المالكية: يقتل، إلا أن يتوب، وقال مالك: يجتهد فيه الإمام، ومذهب الشافعي وطائفة أن الجاسوس المسلم يعزر، ولا يجوز قتله.

стр. 5455

٣ - وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ في إخباره بالظعينة. ٤ - وفيه هتك أستار الجواسيس، بقراءة كتبهم، سواء كان رجلا أو امرأة. ٥ - وفيه هتك ستر المفسدة، إذا كان فيه مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وتحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر على ما إذا لم يكن فيه مفسدة، ولا تفوت به مصلحة. ٦ - وفيه أن الجاسوس وغيره من أصحاب الذنوب الكبائر، لا يكفرون بذلك، وهذا التجسس كبيرة قطعا، لأنه يتضمن إيذاء النبي ﷺ ، وهو كبيرة ولا شك، لقوله تعالى ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله﴾ [الأحزاب: ٥٧] ٧ - وفيه أنه لا يحد العاصي، ولا يعذر إلا بإذن الإمام. ٨ - وفيه إشارة جلساء الإمام والحاكم بما يرونه، كما أشاره عمر بضرب عنق حاطب. ٩ - وفي الرواية الثانية فضيلة أهل الحديبية، وسيأتي باب من فضائل أصحاب الشجرة، أهل بيعة الرضوان في الباب التالي. ١٠ - وفيها أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدا كان أو سهوا، سواء كان الإخبار عن ماض أو مستقبل، وخصته المعتزلة بالعمد، وهذا يرد عليهم، وقال بعض أهل اللغة: لا يستعمل الكذب إلا في الإخبار عن الماضي، بخلاف ما هو مستقبل، وهذا الحديث يرد عليهم. والله أعلم

стр. 5456

(٦٦٥) باب من فضائل أصحاب الشجرة، أهل بيعة الرضوان، ﵃ ٥٥٧٤ - عن أم مبشر ﵂، أنها سمعت النبي ﷺ يقول، عند حفصة: "لا يدخل النار، إن شاء الله من أصحاب الشجرة، أحد. الذين بايعوا تحتها" قالت بلى. يا رسول الله! فانتهرها. فقالت حفصة ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم/ ٧١] فقال النبي ﷺ : "قد قال الله ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ [مريم/ ٧٢] -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح: ١٨] هذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة، وقصتها أن النبي ﷺ في سنة ست من الهجرة رأى في المنام أنه والمسلمين يدخلون المسجد الحرام آمنين، محلقين رءوسهم، ومقصرين، لا يخافون، فأخبر أصحابه، واستعدوا للعمرة، وفي مستهل ذي القعدة خرج في ألف وأربعمائة من المسلمين قاصدين العمرة ومعهم الهدي، حتى وصلوا إلى مشارف مكة عند الحديبية، وعندها صدهم المشركون، ومنعوهم من دخول مكة، وبعث رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة، وحمله على جمل له، يقال له: الثعلب، يعلمهم أنه ما جاء لقتال، وأنه إنما جاء معتمرا، ثم يعود، فلما أتاهم وكلمهم عقروا جمله، وأرادوا قتله، ثم خلوا سبيله، حتى أتى رسول الله ﷺ ، فدعا عمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله، إن القوم قد عرفوا عداوتي لهم، وغلظتي عليهم، وإني لا آمن، وليس بمكة أحد من بني عدي، يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وهم يحبونه، فيبلغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان، فأرسله إلى قريش، وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره ﷺ أن يبشر رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله تعالى سيظهر دينه بمكة قريبا، فذهب عثمان ﵁ إلى قريش، فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت فطف بالبيت، وأما دخولكم علينا فلا سبيل له، فقال ﵁: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله ﷺ ، فاحتبسوه، فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل، فقال ﵊: "لا نبرح حتى نناجز القوم" ونادى مناديه ﵊: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ ،

стр. 5457

فأمره بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وبايعوه على أن لا يفروا، وعلى الموت أو النصر، كانت هذه البيعة تحت شجرة، فأنزل الله تعالى فيها ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: ١٠] ونزل ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ ولما علمت قريش بالبيعة خافوا، وأرسلوا عثمان ﵁. وكان بعد ذلك صلح الحديبية المشهور. ولما كان الله قد وعد المؤمنين بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ولما كان هؤلاء المبايعون قد باعوا أنفسهم كانت لهم الجنة، وكان قوله ﷺ "لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، أي الذين بايعوا تحتها". ﵃ أجمعين. -[المباحث العربية]- (لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد) قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا، كما صرح به في حديث حاطب السابق، وإنما قال: "إن شاء الله" للتبرك، لا للشك. (قالت حفصة: بلى يا رسول الله) قال أهل اللغة: "بلى" حرف جواب، وتختص بالنفي، وتفيد إبطاله، سواء كان مجردا. نحو ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى﴾ [التغابن: ٧] أو مقرونا بالاستفهام، حقيقيا، أو توبيخا، أو تقديريا. فمعنى جواب حفصة، ﵂، هنا أن أصحاب الشجرة يدخلون النار، ولو تحله .. القسم، لقوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]. (فانتهرها) لأن ظاهر جوابها أنها ترد الخبر، فأبانت أنها لا ترد الخبر، فإنهم لا يدخلونها وإن وردوها، فبين ﷺ أن ورودهم ليس دخولا، وإنما هو قرب، ينجي عنده من ينجي، لقوله تعالى ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ [مريم: ٧٢]. -[فقه الحديث]- ١ - فيه منقبة عظيمة لأصحاب شجرة الرضوان. ٢ - وفيه جواز المناظرة والاعتراض على وجه الاسترشاد. ٣ - وفيه أن ورود النار غير دخولها. قال النووي: والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون. والله أعلم

стр. 5458

(٦٦٦) باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين ﵄ ٥٥٧٥ - عن أبي موسى ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ . وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة. ومعه بلال. فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابي. فقال: ألا تنجز لي، يا محمد! ما وعدتني؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أبشر" فقال له الأعرابي: أكثرت علي من "أبشر" فأقبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال، كهيئة الغضبان. فقال: "إن هذا قد رد البشرى. فاقبلا أنتما" فقالا: قبلنا يا رسول الله! ثم دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء. فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه. ثم قال: "اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. وأبشرا" فأخذا القدح. ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ . فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما. فأفضلا لها منه طائفة. ٥٥٧٦ - عن أبي بردة عن أبيه قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس. فلقي دريد بن الصمة. فقتل دريد وهزم الله أصحابه. فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر. قال: فرمي أبو عامر في ركبته. رماه رجل من بني جشم بسهم. فأثبته في ركبته. فانتهيت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى. فقال: إن ذاك قاتلي. تراه ذلك الذي رماني. قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته. فلما رآني ولى عني ذاهبا. فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحيي؟ ألست عربيا؟ ألا تثبت؟ فكف. فالتقيت أنا وهو. فاختلفنا أنا وهو ضربتين. فضربته بالسيف فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء: فقال يا ابن أخي! انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام. وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي. قال: واستعملني أبو عامر على الناس. ومكث يسيرا ثم إنه مات. فلما رجعت إلى النبي ﷺ دخلت عليه. وهو في بيت على سرير مرمل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر. وقلت له: قال: قل له:

стр. 5459

يستغفر لي. فدعا رسول الله ﷺ بماء. فتوضأ منه. ثم رفع يديه. ثم قال: "اللهم! اغفر لعبيد، أبي عامر" حتى رأيت بياض إبطيه. ثم قال: "اللهم! اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس" فقلت: ولي. يا رسول الله! فاستغفر. فقال النبي ﷺ : "اللهم! اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه. وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما". قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر. والأخرى لأبي موسى. ٥٥٧٧ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن، حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم، بالقرآن بالليل. وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار. ومنهم حكيم إذا لقي الخيل - أو قال العدو - قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم". ٥٥٧٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأشعريين، إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد، بالسوية. فهم مني وأنا منهم". -[المعنى العام]- أراد أبو موسى والأشعريون معه - وكانوا نحو خمسين رجلا - أن يخرجوا من بلادهم باليمن إلى المدينة، فركبوا سفينة فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم قدموا المدينة صحبته. وأبو موسى هو عبد الله بن قيس، مشهور باسمه وكنيته معا، وأمه طيبة بنت وهب، أسلمت وماتت بالمدينة، واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن، واستعمله عمر بن الخطاب على البصرة، والأهواز، ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، إلى أن مات عثمان، فعزله علي عنها، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، ومات بالكوفة في داره بها، وقيل: إنه مات بمكة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وهو ابن ثلاث وستين. وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، قال فيه رسول الله ﷺ : "لقد أوتي أبو موسى مزمارا من

стр. 5460

مزامير آل داود"، وهو الذي فقه أهل البصرى وأقرأهم، وكان عمر إذا رآه قال له: "ذكرنا بربنا يا أبا موسى"، وفي رواية "شوقنا إلى ربنا" فيقرأ عنده. أما عمه أبو عامر فقد أسلم معه، وقدم المدينة معه، وقاد حملة أوطاس، واستشهد بها. أما الأشعريون قبيلة أبي موسى وعمه فلهم فضائل كثيرة، وهم قبيلة من أهل اليمن، وقد قال رسول الله ﷺ في وفدهم: "أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية". وقد ذكرت أحاديثنا نبذة من فضائلهم، ﵃ وأرضاهم. وسيأتي بعد باب مزيد عن أبي موسى والأشعريين. -[المباحث العربية]- (كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة) بكسر الجيم وكسر العين وتشديد الراء، وقد تسكن العين، وهي بين الطائف ومكة، وإلى مكة أقرب، قيل: بينها وبين مكة ثمانية عشر ميلا. وكان نزوله ﷺ الجعرانة مرتين. الأولى بعد أن نصره الله يوم حنين، وغنم المسلمون الغنائم الكثيرة أودع رسول الله ﷺ هذه الغنائم في الجعرانة، ولم يقسمها، حتى يؤدب ثقيفا بالطائف، فلما حاصرهم، قفل راجعا إلى الجعرانة لقسمة الغنائم. (فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابي، فقال: ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني؟ ) لم يقف العلماء على اسم الأعرابي، جريا على عادتهم في الستر على المسيئين، والظاهر أن إتيان الأعرابي للرسول ﷺ كان بعد عودته من الطائف، وقد استبطأ حديثو العهد بالإسلام قسمة الغنيمة، ومنهم هذا الأعرابي، والظاهر أن الرسول ﷺ كان قد وعده شيئا من الغنيمة قبل أن يذهب إلى الطائف، فلما رجعوا تعجله وطلب إنجازه، ويحتمل أن يكون قد تعجل الوعد العام بقسمة الغنيمة، وقال: ألا تنجز ما وعدتني بقسمة الغنيمة، وإعطائي نصيبي منها عقب العودة من الطائف. (فقال له رسول الله ﷺ : أبشر) بفتح الهمزة وسكون الباء وكسر الشين، أي أبشر بقرب إنجاز وعدك، أو بقرب القسمة، أو بالثواب الجزيل من الله على الصبر. (فقال: قد أكثرت علي من أبشر) "أبشر" هنا مقصود حكايتها في محل جر بحرف "من" أي قلت لي هذه الكلمة كثيرا، دون إنجاز، وربما كان الأعرابي قد ألح في الطلب أثناء هذه المدة، وكان الجواب "أبشر" فقال: قد أكثرت علي منها، والمعنى أنه لا يقبلها، ويريد العمل، لا البشرى. والتعبير بالأعرابي لالتماس العذر في خشونته وجفائه، وبعده عن الأدب، وحسن التعبير. (فأقبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال - كهيئة الغضبان - فقال: إن هذا قد رد البشرى، فاقبلا أنتما) "أقبل الأولى معناها وجه وجهه نحوهما، مجانبا الأعرابي، و"اقبلا"

стр. 5461

أي تقبلا البشارة ووعد الخير، وقوله - كهيئة الغضبان - لما رأوا على وجهه ﷺ من أعراض انفعال الغضب، وعبر بالكاف لأن الغضب انفعال داخلي لا يجزم به لمجرد أعراضه. (ثم دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء، فغسل يده ووجهه فيه، ومجه فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا، فأخذا القدح، ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ ، فنادتهما أم سلمة، من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما، فأفضلا لها منه طائفة) "أم سلمة" زوج النبي ﷺ ، أم المؤمنين، ولهذا قالت "لأمكما" وفضلة النبي ﷺ مقصود بها هنا البركة والتبرك، وكأنها عوض عن البشرى بالأمور الدنيوية، أو مضافة إليها. (لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس) أي لما فرغ من حنين أمر بالغنائم تجمع في الجعرانة، وكانت هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرا إلى من مضى إلى أوطاس، على رأسهم أبو عامر الأشعري، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف، و"أوطاس" واد قريب من وادي حنين. (فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه) "الصمة" بكسر الصاد وتشديد الميم، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، فالصمة لقب لأبيه، واسمه الحارث. قال الحافظ ابن حجر: وقوله: "فقتل" رويناه على البناء للمجهول، واختلف في قاتله، فقيل: ابن الدغنة، وقيل: الزبير بن العوام، وكان ابن الصمة في ستمائة نفس على أكمة، وكان من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية. ويقال: إنه يوم قتل كان ابن عشرين ومائة. (قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر) أي إلى من التجأ إلى أوطاس، وقيل: بعثه كمدد لأبي عامر والأول هو المعتمد، فعند الطبراني في الأوسط "لما هزم المشركين يوم حنين، بعث رسول الله ﷺ على خيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه". (فرمي أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم بسهم، فأثبته في ركبته) "جشم" بضم الجيم وفتح الشين، واختلف في اسم هذا الجشمي، فقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة بن دريد بن الصمة هو الذي رمى أبا عامر بسهم، فأصاب ركبته، فقتله، وقال ابن هشام: إن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جشم، وهما أوفى والعلاء ابنا الحارث، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعري، وذكر ابن إسحاق أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين، إخوة، فقتلهم واحدا واحدا، حتى كان العاشر فحمل عليه، وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول: اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي، فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد وحسن إسلامه، وكان النبي ﷺ يسميه: شهيد أبي عامر. وهذا يخالف ما في الصحيح من أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر. (قال أبو موسى: فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي

стр. 5462

موسى، فقال: إن ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني) أي أشار أبو عامر إلى شخص، وقال لأبي موسى: إنه هو هذا الذي رماني، وأعتقد أنه هو الذي قتلني. فقوله "تراه" بفتح التاء. (قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته، فلحقته) أي وكان يمشي الهوينى، غير خائف، لبعده عن الميدان. (فلما رآني ولى عني ذاهبا) مفعول مطلق من معنى الفعل. (فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحيي؟ ألست عربيا) والعربي غير جبان، لا يجري؟ . (ألا تثبت) وتقاتل؟ . (فكف) عن الجري، ووقف للقتال. (فالتقيت أنا وهو) يضرب كل منا الآخر. (فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسيف، فقتلته) هو ضربني ضربة، وضربته ضربة، فقتلته. (ثم رجعت إلى أبي عامر. فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال. فانزع هذا السهم) من ركبتي، وكان السهم ثابتا فيها، يسد السائل والدم. (فنزعته، فنزا منه الماء) أي ظهر الدم السائل من الجرح، وجرى، ولم ينقطع. (واستعملني أبو عامر على الناس) أي أعطاه الراية، واستخلفه قائدا على العسكر، فنصره الله. (فلما رجعت إلى النبي ﷺ دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه) في رواية "فلما رآني رسول الله ﷺ معي اللواء، قال: يا أبا موسى، قتل أبو عامر؟ ". السرير المرمل بضم الميم وفتح الراء، وفتح الميم الثانية مشددة، أي معمول بالرمال، وهو حبال الحصر، التي تضفر بها الأسرة، وقوله "عليه فراش" أنكره بعضهم، وقال: الصواب "ما عليه فراش" فسقطت "ما" وتعقبه الحافظ ابن حجر، بأنه لا يلزم من كونه على غير فراش - كما في قصة عمر - أن لا يكون على سريره دائما فراش. اهـ. وفي هذا التعقيب نظر لأن من أنكر عبارة "عليه فراش" وصوبها بعبارة "ما عليه فراش" لم يقصد مشابهة هذه الحالة بحالة لقاء عمر ﵁، في قصة اعتزال الرسول ﷺ نساءه، وإنما قصد أن تأثير السرير المرمل في الظهر والجنبين إنما يناسبه أن لا يكون بينه وبين الرمال فراش، إذ لو كان هناك فراش ما أثر غالبا، والهدف إظهار تأثير رمال السرير، وعبارة "عليه فراش" تصبح مناقضة للمطلوب، والعبارة المناسبة "ما عليه فراش".

стр. 5463

(فأخبرته بخبرنا) أي بخبر الجيش والنصر. (وخبر أبي عامر) من إصابته بالسهم، ووصيته عند موته. (وقلت له: قال: قل له يستغفر لي) .... اللهم اغفر لعبيد أبي عامر. اختلف في اسمه، فقيل: إن اسمه هانئ بن قيس، وقيل عبد الرحمن، وقيل: عباد، وقيل: عبيد. وهذا الحديث يرجح القول الأخير. (حتى رأيت بياض إبطيه) من شدة رفع اليدين. (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس) أي في المرتبة، وفي رواية "في الأكثرين يوم القيامة". (إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن) الرفقة الجماعة المترافقون، والراء مثلثة، والأشهر ضمها، و"بالقرآن" يتعلق بأصوات. (حين يدخلون بالليل) "يدخلون" بالدال والخاء، لجميع رواة البخاري ومسلم، وحكى عياض عن بعض رواة مسلم "يرحلون" بالراء والحاء، وصوبها الدمياطي في البخاري، وهو عجيب منه، فإن الرواية بالدال والخاء، والمعنى صحيح، فلا معنى للتغيير، وقد نقل عياض عن بعض الناس اختيار الرواية التي بالراء والحاء، قال النووي: والرواية الأولى صحيحة أو أصح، والمراد يدخلون منازلهم عائدين من المسجد، أو من شغل آخر. (ومنهم حكيم) قيل: هو صفة لرجل منهم، أي ومن الأشعريين رجل حكيم، وقيل: هو اسم على رجل من الأشعريين، أي ومن الأشعريين رجل اسمه حكيم. (إذا لقي الخيل - أو قال: العدو - قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) أي تنتظروهم من الانتظار، ومنه قوله تعالى ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣] ومعناه أنه لفرط شجاعته كان لا يفر من العدو، بل يواجههم، ويقول لهم - إذ أرادوا الانصراف مثلا - انتظروا الفرسان حتى يأتوكم، ليثبتهم على القتال، فكأنه لا يتمنى انصراف العدو، بل يتمنى انتظاره ولقاءه، فهو يحرض العدو على الثبات والبقاء، لا على الانصراف، هذا على رواية "العدو" أما على رواية "الخيل" فيحتمل أن يراد به خيل العدو، فيكون المعنى كالسابق، ويحتمل أن يريد بها خيل المسلمين، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رجالة، فكان هو يأمر بالفرسان أن ينتظروا المشاة، ليسيروا إلى العدو جميعا، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالصواب، قال ابن التين: معنى كلامه أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله، ولا يبالون بما يصيبهم. (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة) "إذا أرملوا" أي فنى زادهم وأصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل من القلة، كما قيل في الرواية "ذا متربة" وقوله

стр. 5464

"تربت يداك" وأصل الشركة في الطعام تكون غالبا في السفر، لكن قد تتفق رفقة فيقيمونها في الحضر بالمدينة. (جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية) قال النووي: ليس المراد بهذا القسمة المعروفة في كتب الفقه بشروطها، حتى تمنع في الربويات، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضا، ومواساتهم بالموجود. (فهم مني، وأنا منهم) "من" هذه تسمى الاتصالية، أي هم متصلون بي، وأنا متصل بهم، أي هم فعلوا فعلى في هذه المواساة، وأنا أفعل مثل ما يفعلون، وقال النووي: معناه المبالغة في اتحاد طريقهما، واتفاقهما في طاعة الله. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - من الرواية الأولى سماحة النبي ﷺ ورأفته بالأعراب، وتقديره لغلظتهم، حيث لم يعنف الأعرابي على سوء أدبه، واكتفى بالإعراض عنه، والتوجه لغيره، قال القاضي: لو صدر هذا من مسلم - أي غير معذور - كان ردة، لأن فيه تهمة للنبي ﷺ ، واستخفافا بصدق وعده، وإنما صدر ممن لم يتمكن الإسلام من قلبه، ممن كان يستألف من أشراف العرب، وجاء أنه من بني تميم، وهم الذين نادوا الرسول ﷺ من وراء الحجرات، ونزل فيهم ﴿أكثرهم لا يعقلون﴾ [الحجرات: ٤] ٢ - وفي الحديث فضيلة ظاهرة لأبي موسى وبلال وأم سلمة ﵃. ٣ - وفيه استحباب البشارة. ٤ - واستحباب الازدحام فيما يتبرك به، وطلبه ممن هو معه، والمشاركة فيه. ٥ - ومن الرواية الثانية فضيلة ظاهرة لأبي عامر الأشعري، وكفاءته للقيادة، ولم يكن مضى على إسلامه أكثر من عام. ٦ - وطلب الدعاء من الصالحين. ٧ - واستحباب الدعاء لمن طلبه، بما طلب. ٨ - واستحباب التطهر لإرادة الدعاء. ٩ - ورفع اليدين عند الدعاء، قال النووي: أما الحديث الذي رواه أنس، وأنه لم يرفع يديه، إلا في ثلاث مواطن، فهو محمول على أنه لم يره، وإلا فقد ثبت الرفع في مواطن كثيرة، فوق ثلاثين موطنا. ١٠ - وفيه ما كان عليه ﷺ من الزهادة في الدنيا، والعيش الخشن، حتى إن سريره المصنوع من حبال الليف لم يكن عليه فراش، حتى إن الحبال تؤثر في ظهره وجنبيه.

стр. 5465

١١ - وفي الرواية الثالثة فضيلة ظاهرة للأشعريين، وجهرهم بالقرآن. ١٢ - وفيها أن الجهر بالقرآن في الليل فضيلة، قال النووي: إذا لم يكن فيه إيذاء لنائم أو لمصل أو غيرهما، ولم يكن هناك رياء. ١٣ - ومن الرواية الرابعة فضيلة أخرى للأشعريين. ١٤ - وفضيلة الإيثار والمواساة. ١٥ - وفضيلة خلط الأزواد في السفر. ١٦ - وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها في الحضر، ثم تقسم. ١٧ - وبوب له البخاري بباب الشركة في الطعام والنهد - بكسر النون وبفتحها - وهو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن أصله في السفر، وقد تتفق رفقة، فيضعونه في الحضر، كفعل الأشعريين. قال وهل يجوز قسمته مجازفة، أو لا بد من الكيل في المكيل، والوزن في الموزون؟ . وعن الحسن: أخرجوا نهدكم، فإنه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم. ١٨ - وفي تحديث أبي موسى بهذه الأحاديث جواز تحديث الرجل بمواهبه ومفاخره. والله أعلم
следующие страницы →