← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

أي تقبلا البشارة ووعد الخير، وقوله - كهيئة الغضبان - لما رأوا على وجهه ﷺ من أعراض انفعال الغضب، وعبر بالكاف لأن الغضب انفعال داخلي لا يجزم به لمجرد أعراضه. (ثم دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء، فغسل يده ووجهه فيه، ومجه فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا، فأخذا القدح، ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ ، فنادتهما أم سلمة، من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما، فأفضلا لها منه طائفة) "أم سلمة" زوج النبي ﷺ ، أم المؤمنين، ولهذا قالت "لأمكما" وفضلة النبي ﷺ مقصود بها هنا البركة والتبرك، وكأنها عوض عن البشرى بالأمور الدنيوية، أو مضافة إليها. (لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس) أي لما فرغ من حنين أمر بالغنائم تجمع في الجعرانة، وكانت هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرا إلى من مضى إلى أوطاس، على رأسهم أبو عامر الأشعري، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف، و"أوطاس" واد قريب من وادي حنين. (فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه) "الصمة" بكسر الصاد وتشديد الميم، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، فالصمة لقب لأبيه، واسمه الحارث. قال الحافظ ابن حجر: وقوله: "فقتل" رويناه على البناء للمجهول، واختلف في قاتله، فقيل: ابن الدغنة، وقيل: الزبير بن العوام، وكان ابن الصمة في ستمائة نفس على أكمة، وكان من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية. ويقال: إنه يوم قتل كان ابن عشرين ومائة. (قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر) أي إلى من التجأ إلى أوطاس، وقيل: بعثه كمدد لأبي عامر والأول هو المعتمد، فعند الطبراني في الأوسط "لما هزم المشركين يوم حنين، بعث رسول الله ﷺ على خيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه". (فرمي أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم بسهم، فأثبته في ركبته) "جشم" بضم الجيم وفتح الشين، واختلف في اسم هذا الجشمي، فقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة بن دريد بن الصمة هو الذي رمى أبا عامر بسهم، فأصاب ركبته، فقتله، وقال ابن هشام: إن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جشم، وهما أوفى والعلاء ابنا الحارث، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعري، وذكر ابن إسحاق أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين، إخوة، فقتلهم واحدا واحدا، حتى كان العاشر فحمل عليه، وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول: اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي، فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد وحسن إسلامه، وكان النبي ﷺ يسميه: شهيد أبي عامر. وهذا يخالف ما في الصحيح من أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر. (قال أبو موسى: فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي

стр. 5462

موسى، فقال: إن ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني) أي أشار أبو عامر إلى شخص، وقال لأبي موسى: إنه هو هذا الذي رماني، وأعتقد أنه هو الذي قتلني. فقوله "تراه" بفتح التاء. (قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته، فلحقته) أي وكان يمشي الهوينى، غير خائف، لبعده عن الميدان. (فلما رآني ولى عني ذاهبا) مفعول مطلق من معنى الفعل. (فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحيي؟ ألست عربيا) والعربي غير جبان، لا يجري؟ . (ألا تثبت) وتقاتل؟ . (فكف) عن الجري، ووقف للقتال. (فالتقيت أنا وهو) يضرب كل منا الآخر. (فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسيف، فقتلته) هو ضربني ضربة، وضربته ضربة، فقتلته. (ثم رجعت إلى أبي عامر. فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال. فانزع هذا السهم) من ركبتي، وكان السهم ثابتا فيها، يسد السائل والدم. (فنزعته، فنزا منه الماء) أي ظهر الدم السائل من الجرح، وجرى، ولم ينقطع. (واستعملني أبو عامر على الناس) أي أعطاه الراية، واستخلفه قائدا على العسكر، فنصره الله. (فلما رجعت إلى النبي ﷺ دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه) في رواية "فلما رآني رسول الله ﷺ معي اللواء، قال: يا أبا موسى، قتل أبو عامر؟ ". السرير المرمل بضم الميم وفتح الراء، وفتح الميم الثانية مشددة، أي معمول بالرمال، وهو حبال الحصر، التي تضفر بها الأسرة، وقوله "عليه فراش" أنكره بعضهم، وقال: الصواب "ما عليه فراش" فسقطت "ما" وتعقبه الحافظ ابن حجر، بأنه لا يلزم من كونه على غير فراش - كما في قصة عمر - أن لا يكون على سريره دائما فراش. اهـ. وفي هذا التعقيب نظر لأن من أنكر عبارة "عليه فراش" وصوبها بعبارة "ما عليه فراش" لم يقصد مشابهة هذه الحالة بحالة لقاء عمر ﵁، في قصة اعتزال الرسول ﷺ نساءه، وإنما قصد أن تأثير السرير المرمل في الظهر والجنبين إنما يناسبه أن لا يكون بينه وبين الرمال فراش، إذ لو كان هناك فراش ما أثر غالبا، والهدف إظهار تأثير رمال السرير، وعبارة "عليه فراش" تصبح مناقضة للمطلوب، والعبارة المناسبة "ما عليه فراش".

стр. 5463

(فأخبرته بخبرنا) أي بخبر الجيش والنصر. (وخبر أبي عامر) من إصابته بالسهم، ووصيته عند موته. (وقلت له: قال: قل له يستغفر لي) .... اللهم اغفر لعبيد أبي عامر. اختلف في اسمه، فقيل: إن اسمه هانئ بن قيس، وقيل عبد الرحمن، وقيل: عباد، وقيل: عبيد. وهذا الحديث يرجح القول الأخير. (حتى رأيت بياض إبطيه) من شدة رفع اليدين. (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس) أي في المرتبة، وفي رواية "في الأكثرين يوم القيامة". (إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن) الرفقة الجماعة المترافقون، والراء مثلثة، والأشهر ضمها، و"بالقرآن" يتعلق بأصوات. (حين يدخلون بالليل) "يدخلون" بالدال والخاء، لجميع رواة البخاري ومسلم، وحكى عياض عن بعض رواة مسلم "يرحلون" بالراء والحاء، وصوبها الدمياطي في البخاري، وهو عجيب منه، فإن الرواية بالدال والخاء، والمعنى صحيح، فلا معنى للتغيير، وقد نقل عياض عن بعض الناس اختيار الرواية التي بالراء والحاء، قال النووي: والرواية الأولى صحيحة أو أصح، والمراد يدخلون منازلهم عائدين من المسجد، أو من شغل آخر. (ومنهم حكيم) قيل: هو صفة لرجل منهم، أي ومن الأشعريين رجل حكيم، وقيل: هو اسم على رجل من الأشعريين، أي ومن الأشعريين رجل اسمه حكيم. (إذا لقي الخيل - أو قال: العدو - قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) أي تنتظروهم من الانتظار، ومنه قوله تعالى ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣] ومعناه أنه لفرط شجاعته كان لا يفر من العدو، بل يواجههم، ويقول لهم - إذ أرادوا الانصراف مثلا - انتظروا الفرسان حتى يأتوكم، ليثبتهم على القتال، فكأنه لا يتمنى انصراف العدو، بل يتمنى انتظاره ولقاءه، فهو يحرض العدو على الثبات والبقاء، لا على الانصراف، هذا على رواية "العدو" أما على رواية "الخيل" فيحتمل أن يراد به خيل العدو، فيكون المعنى كالسابق، ويحتمل أن يريد بها خيل المسلمين، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رجالة، فكان هو يأمر بالفرسان أن ينتظروا المشاة، ليسيروا إلى العدو جميعا، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالصواب، قال ابن التين: معنى كلامه أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله، ولا يبالون بما يصيبهم. (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة) "إذا أرملوا" أي فنى زادهم وأصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل من القلة، كما قيل في الرواية "ذا متربة" وقوله

стр. 5464

"تربت يداك" وأصل الشركة في الطعام تكون غالبا في السفر، لكن قد تتفق رفقة فيقيمونها في الحضر بالمدينة. (جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية) قال النووي: ليس المراد بهذا القسمة المعروفة في كتب الفقه بشروطها، حتى تمنع في الربويات، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضا، ومواساتهم بالموجود. (فهم مني، وأنا منهم) "من" هذه تسمى الاتصالية، أي هم متصلون بي، وأنا متصل بهم، أي هم فعلوا فعلى في هذه المواساة، وأنا أفعل مثل ما يفعلون، وقال النووي: معناه المبالغة في اتحاد طريقهما، واتفاقهما في طاعة الله. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - من الرواية الأولى سماحة النبي ﷺ ورأفته بالأعراب، وتقديره لغلظتهم، حيث لم يعنف الأعرابي على سوء أدبه، واكتفى بالإعراض عنه، والتوجه لغيره، قال القاضي: لو صدر هذا من مسلم - أي غير معذور - كان ردة، لأن فيه تهمة للنبي ﷺ ، واستخفافا بصدق وعده، وإنما صدر ممن لم يتمكن الإسلام من قلبه، ممن كان يستألف من أشراف العرب، وجاء أنه من بني تميم، وهم الذين نادوا الرسول ﷺ من وراء الحجرات، ونزل فيهم ﴿أكثرهم لا يعقلون﴾ [الحجرات: ٤] ٢ - وفي الحديث فضيلة ظاهرة لأبي موسى وبلال وأم سلمة ﵃. ٣ - وفيه استحباب البشارة. ٤ - واستحباب الازدحام فيما يتبرك به، وطلبه ممن هو معه، والمشاركة فيه. ٥ - ومن الرواية الثانية فضيلة ظاهرة لأبي عامر الأشعري، وكفاءته للقيادة، ولم يكن مضى على إسلامه أكثر من عام. ٦ - وطلب الدعاء من الصالحين. ٧ - واستحباب الدعاء لمن طلبه، بما طلب. ٨ - واستحباب التطهر لإرادة الدعاء. ٩ - ورفع اليدين عند الدعاء، قال النووي: أما الحديث الذي رواه أنس، وأنه لم يرفع يديه، إلا في ثلاث مواطن، فهو محمول على أنه لم يره، وإلا فقد ثبت الرفع في مواطن كثيرة، فوق ثلاثين موطنا. ١٠ - وفيه ما كان عليه ﷺ من الزهادة في الدنيا، والعيش الخشن، حتى إن سريره المصنوع من حبال الليف لم يكن عليه فراش، حتى إن الحبال تؤثر في ظهره وجنبيه.

стр. 5465

١١ - وفي الرواية الثالثة فضيلة ظاهرة للأشعريين، وجهرهم بالقرآن. ١٢ - وفيها أن الجهر بالقرآن في الليل فضيلة، قال النووي: إذا لم يكن فيه إيذاء لنائم أو لمصل أو غيرهما، ولم يكن هناك رياء. ١٣ - ومن الرواية الرابعة فضيلة أخرى للأشعريين. ١٤ - وفضيلة الإيثار والمواساة. ١٥ - وفضيلة خلط الأزواد في السفر. ١٦ - وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها في الحضر، ثم تقسم. ١٧ - وبوب له البخاري بباب الشركة في الطعام والنهد - بكسر النون وبفتحها - وهو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن أصله في السفر، وقد تتفق رفقة، فيضعونه في الحضر، كفعل الأشعريين. قال وهل يجوز قسمته مجازفة، أو لا بد من الكيل في المكيل، والوزن في الموزون؟ . وعن الحسن: أخرجوا نهدكم، فإنه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم. ١٨ - وفي تحديث أبي موسى بهذه الأحاديث جواز تحديث الرجل بمواهبه ومفاخره. والله أعلم

стр. 5466

(٦٦٧) باب من فضائل أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ ٥٥٧٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله! ثلاث أعطنيهن. قال: "نعم" قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها. قال: "نعم" قال: ومعاوية، تجعله كاتبا بين يديك. قال: "نعم" قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم" قال: أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ، ما أعطاه ذلك. لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال: "نعم". -[المعنى العام]- أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، مشهور باسمه، وكنيته، وكان يكنى أيضا أبا حنظلة، اسم ابن له قتله علي يوم بدر كافرا، وأمه صفية بنت حرب الهلالية، عمة ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوجة رسول الله ﷺ ، وكان أسن من النبي ﷺ بعشر سنين، وهو والد معاوية، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان قبل ذلك رأس المشركين يوم أحد والخندق، وتزوج النبي ﷺ ابنته أم حبيبة، وكانت قد أسلمت قديما وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها الذي مات هناك. كان أبو سفيان رجلا يحب الفخر، وفي فتح مكة قال رسول الله ﷺ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، وفي يوم الطائف أصيبت عينه، فأصبح بعين واحدة، ويقال: إنه فقد عينه الثانية في غزوة اليرموك. أعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية، كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية، فقال له أبو سفيان: والله إنك لكريم، فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك، فنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك، فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا. وتوفى بالمدينة سنة ثلاثين، وفي الصحيحين حديثه مع هرقل، يشهد للنبي ﷺ صادقا قبل أن يسلم. ﵁ وأرضاه.

стр. 5467

-[المباحث العربية]- (كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان) أي لا ينظرون إليه نظرة رضا، أي بعد إسلامه، لما لابس تاريخه في الكفر من عداوة للإسلام ورسوله. (ولا يقاعدونه) نفورا من مجالسته، استصحابا لماضيه. (ثلاث أعطنيهن) أي تكرم علي بثلاث مكرمات. (قال: نعم) أي سأتكرم عليك بما تطلب. فاسأل. (عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها. قال: نعم) كان الأصل أن يقول: وأجملهم، لكن العرب يتكلمون بها مفردا، قال النحويون: معناه: وأجمل من هناك. قال النووي: اعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة، سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور، لا خلاف فيه، وكان النبي ﷺ قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل، قال الجمهور: تزوجها سنة ست، وقيل: سنة سبع، قال القاضي عياض: واختلفوا أين تزوجها؟ فقيل: بالمدينة، بعد قدومها من الحبشة، وقال الجمهور: بأرض الحبشة، قال: واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك، فقيل: عثمان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص بإذنها، وقيل: النجاشي، لأنه كان أمير الموضع وسلطانه، قال القاضي: والذي في مسلم هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جدا، وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور. وقال ابن حزم: هذا الحديث وهم من بعض الرواة، لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر، وفي رواية عن ابن حزم أيضا أنه قال: هذا الحديث موضوع، قال: والآفة فيه عن عكرمة بن عمار، الراوي عن أبي زميل، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله تعالى - هذا على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته، فإنه كان هجوما على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم. قال: ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة، قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة، لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح، تطييبا لقلبه، لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه، أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، وقد خفي أوضح من هذا على من هو أكبر مرتبة من أبي سفيان، ممن كثر علمه، وطالت صحبته. هذا كلام أبي عمرو ﵀ وليس في الحديث أن النبي ﷺ جدد العقد، ولا قال لأبي سفيان: أنه يحتاج إلى تجديده، فلعله ﷺ أراد بقوله: نعم. أن مقصودك يحصل، وإن لم يكن بحقيقة عقد. اهـ.

стр. 5468

والحق أن الدفاع عن الرواية ضعيف وبعيد عن المعقول، سواء في ذلك توجيه أبي عمرو ﵀ أو توجيه النووي ﵀، وتغليط الرواية أخف من تأويل ظاهر التمحل، والله أعلم. (قال: ومعاوية، تجعله كاتبا بين يديك) للوحي وغيره، "قال: نعم". وجعله فعلا كاتبا له. (وتؤمرني) بضم التاء وفتح الهمزة وكسر الميم المشددة، أي تعينني أميرا وقائدا لجيش المسلمين. (كما كنت أقاتل المسلمين) أي كما كنت قائدا لجيش الشرك ضد المسلمين. (لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال: نعم) أي لأن النبي ﷺ إنما أجاب أبا سفيان لطلبه لأن سجية رسول الله ﷺ نعم، لا يرد أحدا، فأجاب بذلك على سجيته، لا حبا، ولا تقديرا لأبي سفيان. -[فقه الحديث]- فيه فضيلة لأبي سفيان ﵁. وفيه كرم خلقه ﷺ ، وعفوه عمن آذاه، بل فيه تكريم من كان يؤذيه. ﷺ . والله أعلم

стр. 5469

(٦٦٨) باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس ﵄ ٥٥٨٠ - عن أبي موسى ﵁ قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن. فخرجنا مهاجرين إليه. أنا وأخوان لي. أنا أصغرهما. أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال: بضعا وإما قال: ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي - قال: فركبنا سفينة. فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة. فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ها هنا. وأمرنا بالإقامة. فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا. قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر. فأسهم لنا، أو قال أعطانا منها. وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا. إلا لمن شهد معه. إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه. قسم لهم معهم. قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة -: نحن سبقناكم بالهجرة. قال: فدخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم: فقال عمر: سبقناكم بالهجرة. فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت. وقالت كلمة: كذبت. يا عمر! كلا. والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنا في دار، أو في أرض، البعداء البغضاء في الحبشة. وذلك في الله وفي رسوله. وايم الله: لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ . ونحن كنا نؤذى ونخاف. وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله. ووالله! لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ : "ليس بأحق بي منكم. وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم، أهل السفينة، هجرتان" قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا. يسألوني عن هذا الحديث. ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ . قال أبو بردة: فقالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد هذا الحديث مني.

стр. 5470

-[المعنى العام]- جعفر بن أبي طالب، ابن عم النبي ﷺ ، كان أشبه الناس خلقا وخلقا برسول الله ﷺ ، وكان أكبر من علي أخيه بعشر سنين، وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين. كان جعفر من المهاجرين الأولين، هاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، وقدم منها على رسول الله ﷺ عقب انتصار خيبر، فتلقاه رسول الله ﷺ ، واعتنقه، وقال: "ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا؟ بقدوم جعفر؟ أم بفتح خيبر؟ " ثم غزا غزوة مؤتة قائدا لها، في سنة ثمان من الهجرة، فقتل. قاتل حتى قطعت يداه، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله أبدله بيديه جناحان يطير بهما في الجنة، حيث شاء" فمن هنا قيل له: جعفر ذو الجناحين، روي أنه وجد في صدره تسعون جراحة، ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح، ولما بكى أهله عليه، قال ﷺ : "على مثل جعفر فلتبك البواكي". أما أسماء بنت عميس بن معد - على وزن سعد - أسلمت قديما، قبل دخول دار الأرقم، وبايعت وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، فولدت له هناك عبد الله ومحمدا وعونا، ثم هاجرت مع زوجها إلى المدينة، فلما استشهد جعفر في غزوة مؤتة تزوجها أبو بكر الصديق ﵁ يوم حنين، فولدت له محمدا، ثم مات عنها، فتزوجها علي بن أبي طالب ﵁، فولدت له يحيى بن علي بن أبي طالب. ﵂. -[المباحث العربية]- (بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ، ونحن باليمن) أي خروجه من مكة إلى المدينة، أي هجرته ﷺ ، وليس المراد: بلغنا مبعثه، إذ يبعد كل البعد أن يتأخر علم مبعثه إلى مضي نحو عشرين سنة، ومع الحمل على مخرجه إلى المدينة، فلا بد من زيادة: واستقراره فيها، وانتصافه ممن عاداه، ونحو ذلك، لأن هجرة أبي موسى المتحدث عنها كانت بعد اطمئنان المهاجرين في إقامتهم بالمدينة. وبعد ست سنين من هجرته ﷺ ، ويبعد أيضا أن يخفى عنهم أحوال المؤمنين في هذه المدة، وقوله "ونحن باليمن" أي في ديارنا باليمن. (فخرجنا مهاجرين إليه) الضمير لأبي موسى ومن خرج معه، وأبدل من هذا الضمير. (أنا وأخوان لي، أنا أصغرهما، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم) قال النووي: هكذا هو في النسخ "أصغرهما" والوجه "أصغر منهما" وفي رواية للبخاري "أنا أصغرهم"، وأبو بردة اسمه عامر، وأبو رهم بضم الراء وسكون الهاء، اسمه مجدي بفتح الميم وسكون الجيم، وقيل: اسمه محمد، وقيل: اسمه مجيلة، بكسر الجيم.

стр. 5471

(إما قال: بضعا - وإما قال: ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلا من قومي) شك الراوي في خبر أبي موسى. هل قال: بضعا وخمسين رجلا من قومي؟ أو قال: ثلاثة وخمسين؟ أو قال: اثنين وخمسين؟ وفي رواية للبخاري "أنهم كانوا خمسين"، فلعل الزائد على ذلك هو وأخواه، وأخرج البلاذري أنهم كانوا أربعين رجلا، ويجمع بين الروايات بالحمل على الأصول مرة، وعلى الأصول والأتباع أخرى. (فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة) الحبشة واليمن متقابلان، بينهما البحر الأحمر، وكانوا يقصدون بسفينتهم "ينبع" أو شاطئا قريبا من المدينة، لكن الرياح والعواصف ألجأت السفينة إلى ساحل الحبشة، على غير رغبة منهم. (فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده) أي عند النجاشي، فشرحنا له حالنا ومقصودنا. (فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ها هنا، وأمرنا بالإقامة) هنا، حتى يأذن لنا بالهجرة إلى المدينة. (فأقيموا معنا فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعا) ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث عمرو ابن أمية إلى النجاشي، يطلب منه أن يجهز إليه جعفر بن أبي طالب، ومن معه، فجهزهم، وأكرمهم، وقدم بهم عمرو بن أمية. وذكر ابن إسحاق أسماء من قدم مع جعفر، وهم ستة عشر، منهم امرأة جعفر، أسماء بنت عميس وخالد ابن سعيد بن العاص وامرأته، وأخوه عمرو بن سعيد، ومعيقيب بن أبي فاطمة. (فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر) أي وصلوا بعد انتصار المسلمين في خيبر، وبعد حوز الغنائم، وقبل قسمتها. (فأسهم لنا، أو قال: أعطانا منها، وما قسم لأحد، غاب عن فتح خيبر، منها شيئا، إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم) سيأتي في فقه الحديث بيان كون هذا الإعطاء من الغنيمة، أو من الخمس، بإذن الغانمين، أو بدون إذنهم. (قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - نحن سبقناكم بالهجرة) سمي من الناس في الرواية نفسها عمر بن الخطاب ﵁، وفي رواية للبخاري "وكان أناس من الناس". (قال: فدخلت أسماء بنت عميس - وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة) لحفصة، أيام أن أكثر الناس من قولهم إننا تأخرنا في الهجرة، وأنهم سبقونا بالفضل.

стр. 5472

(وقد كانت هاجرت إلى النجاشي، فيمن هاجر إليه) الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكانوا يزيدون على ثمانين رجلا، سوى نسائهم وأبنائهم. (فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر - حين رأى أسماء - من هذه؟ ) أي قال لابنته، فيما بينه وبينها، وأسماء تسمع: من هذه؟ . (قالت: أسماء بنت عميس) وكان يعرفها، ويعرف بعض حياتها. (قال عمر: الحبشية هذه؟ ) نسبها إلى الحبشة لسكناها فيهم، وفي رواية للبخاري "آلحبشية هذه؟ " بهمزة الاستفهام. (البحرية هذه؟ ) بهمزة الاستفهام أيضا عند البخاري، ونسبها إلى البحر، لركوبها إياه، وفي رواية "البحيرية هذه"؟ بالتصغير، للتمليح. (فقالت أسماء: نعم) تفخر بأنها هاجرت بدينها إلى الحبشة. (فقال عمر: سبقناكم بالهجرة) إلى المدينة، فلنا فضل السبق. يرد على فخرها بفخر. (فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم) أي فنحن أقرب من رسول الله ﷺ منكم دينا ومكانة في الإسلام. (فغضبت، وقالت كلمة) أي ظهر عليها الغضب والانفعال، والمراد من الكلمة الكلام الكثير الآتي فيما بعد، بداية من قولها: (كذبت يا عمر. كلا والله) قال النووي: "كذبت" أي أخطأت، وقد استعملوا "كذب" بمعنى أخطأ أي أقسم بالله أنكم لستم أحق برسول الله ﷺ منا، وفي رواية "فقالت" أي لعمر. لقد صدقت. كنتم مع رسول الله ﷺ .. " إلخ تقول ذلك على سبيل التهكم، وبدأت تعلل لماذا هي ومن كان معها أحق. فقالت: (كنتم مع رسول الله ﷺ ، يطعم جائعكم) وكنا نجوع في سبيل الله، ولا نجد من يطعمنا. (ويعظ جاهلكم) وكنا نتشوف لمعرفة ديننا، ونحتاج المواعظ والتشريعات، ونفتقدها في سبيل الله، وكنت متمتعين به، ونحن محرومون من المصدر الإلهي. (وكنا في دار - أو في أرض - البعداء البغضاء في الحبشة) "البعداء" بضم الباء وفتح العين جمع بعيد، و"البغضاء" بضم الباء وفتح الغين، جمع بغيض، وفي رواية "البعداء أو البغضاء" بأو، وفي رواية "البعد" بضم الباء والعين، وفي رواية "وكنا البعداء والطرداء". (وذلك في الله وفي رسوله) أي في جميع ما تحملنا من مشاق ابتغاء وجه الله تعالى.

стр. 5473

(وايم الله) الواو للاستئناف، و"ايم" بألف الوصل، وأصلها "ايمن" حذفت النون لغة، وأضيفت إلى لفظ الجلالة. وهو مرفوعة على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير "ايمن الله قسمي" وليست جمع يمين، فذاك همزته همزة قطع. (لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ المقصود بهذه الجملة حتمية تحقيق المقسم عليه، وسرعته. (ونحن كنا نؤذى، ونخاف) بضم النون فيهما، مبني للمجهول، ولم تقل: وأنتم كنتم في سلامة وأمن، لأنهم كانوا كذلك يؤذون ويخافون، وكأنها تقول: وشاركناكم الأذى والخوف، بعد أن زدنا عنكم الجوع والجهل والبعد عن مصدر السعادة والعلم. (وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، وأسأله) عن الحق، أهو في قولك؟ أو في قولي؟ . (والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك) أي ووالله لن أكذب عليك وأدعي عليك خلاف ما قلت، ولن أحرف ما قلت، ولن أزيد شيئا على ما قلت. (فلما جاء النبي ﷺ الظاهر أنها ظلت مع حفصة حتى جاءها رسول الله ﷺ في مروره على كل واحدة من نسائه كل يوم، حتى يصل إلى صاحبة الليلة، فيقيم عندها، أو صادفت زيارة أسماء ليلة حفصة. (قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا) الظاهر أن عمر كان قد انصرف، ولم يحضر الشكوى، وفي رواية للبخاري "قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له كذا وكذا". (قال: ليس بأحق بي منكم) لم يقل: كذب، صيانة للسانه من العيب، ونفي الأحقية يحتمل إثباتها لأسماء وأصحابها، أي أنتم أحق بي منهم، ويحتمل المساواة، أي وأنتم وهم في أحقيتكم بي سواء، لكن ظاهر التعليل أن المراد الأول. (له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان) "أهل" منصوب على الاختصاص، أو على النداء بحذف أداته، ويجوز جره على البدل من الضمير، والمقصود من "أهل السفينة" ركابها الذين هاجروا من الحبشة إلى المدينة بواسطتها، زاد في رواية "هاجرتم مرتين، هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إلي" وعند ابن سعد "قالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن رجالا يفخرون علينا، ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين؟ فقال: بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك". (قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة، يأتوني أرسالا، سألوني عن هذا الحديث) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون هذا من رواية أبي موسى عنها، فيكون من رواية

стр. 5474

صحابي عن مثله، ويحتمل أن يكون من رواية أبي بردة عنها. ومعنى "أرسالا" بفتح الهمزة، أي أفواجا، أي يجيئون إليها ناسا بعد ناس، يستعيدون منها هذا الحديث، سرورا به. (ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم، مما قال لهم رسول الله ﷺ أي هذا الحديث كان أعظم شيء في نفوسهم، لم يعادله شيء يسرهم في الدنيا. -[فقه الحديث]- قال ابن المنير: ظاهر الحديث أنه ﵊ قسم لهم من أصل الغنيمة، لا من الخمس، إذ لو كان من الخمس لم يكن لهم بذلك خصوصية، والحديث ناطق بها، إذ يجوز للإمام أن يجتهد، وينفذ اجتهاده في الأخماس الأربعة، المختصة بالغانمين، فيقسم منها لمن لم يشهد الوقعة. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أعطاهم من الغنيمة برضا بقية الجيش، قال النووي: وفي رواية البيهقي ما يؤيده، إذ فيها التصريح "بأن النبي ﷺ ، كلم المسلمين، فشركوهم في سهمانهم" وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون إنما أعطاهم من الخمس، وبهذا جزم أبو عبيد في كتاب الأموال. ثم قال الحافظ: وأما قول ابن المنير: لو كان من الخمس لم يكن هناك تخصيص فظاهر، لكن يحتمل أن يكون من الخمس، وخصهم بذلك، دون غيرهم، ممن كان من شأنه أن يعطى من الخمس، ويحتمل أن يكون أعطاهم من جميع الغنيمة، لكونهم وصلوا قبل قسمة الغنيمة، وبعد حوزها، وهو أحد القولين للشافعي، وهذا الاحتمال يترجح بقوله "أسهم لنا" لأن الذي يعطى من الخمس، لا يقال في حقه "أسهم له" إلا تجوزا، ولأن سياق الكلام يقتضي الافتخار، ويستدعي الاختصاص بما لم يقع لغيرهم. والله أعلم. وفي الحديث مناقب جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب هجرة الحبشة وأصحاب السفينة. وفي الحديث قوة المرأة العربية في ردها على من ينال منها. والله أعلم

стр. 5475

(٦٦٩) باب من فضائل سلمان وبلال وصهيب ﵃ ٥٥٨١ - عن عائذ بن عمرو، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله! ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك". فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي. -[المعنى العام]- سلمان الفارسي ﵁، أبو عبد الله، يقال: إنه مولى رسول الله ﷺ ، كان ابن ملك من ملوك فارس، وكان من هرمز، وقيل: كان أصله من أصبهان، وكان من صغره يطلب دين الله، ويتبع من يرجو ذلك عنده، فدان بالنصرانية وغيرها، وقرأ الكتب، وصبر في ذلك على مشقات، وخرج من بلاده يطلب الدين الحق ويسأل عنه، انتقل من عابد إلى عابد، حتى وصل المدينة، وأخذ رقيقا، وانتقل من سيد إلى سيد، حتى تداوله بضعة عشر سيدا، واشتراه ﷺ وأعتقه، وكان ولاؤه لأهل بيت النبي ﷺ ، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي الدرداء، وكان زاهدا، له عباءة، يفترش بعضها، ويلبس بعضها، وكان يعمل الخوص بيده، فيبيعه، فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئا، وكان عطاؤه في زمن عمر خمسة آلاف، فكان إذا خرج عطاؤه تصدق به كله، وأكل من عمل يده، عمل الخوص الذي تعلمه عن بعض مواليه بالمدينة، وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، وقيل: إنه شهد بدرا وأحدا، إلا أنه كان عبدا يومئذ وكانوا يشبهونه بلقمان، علما وحكمة، ويعرف بسلمان الخير، وكان إذا قيل له: ابن من أنت؟ قال: أنا سلمان ابن الإسلام من بني آدم، وقال النبي ﷺ : "أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه سبحانه يحبهم، علي، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان". توفي بالمدائن في خلافة عثمان. سنة خمس وثلاثين. ﵁ وأرضاه. أما بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله ﷺ ، كان عبدا، فأسلم، يقال: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، كان المشركون - وعلى رأسهم أمية بن خلف، يخرجونه، إذا حميت الظهيرة، فيطرحونه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمرون بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقولون: لا يزال هذا بك حتى تموت أو تكفر بمحمد، فلا يزيد على قوله: أحد. أحد. وكانوا يعطونه للولدان يطوفون به في شعاب مكة والسلسلة في رقبته،

стр. 5476

فاشتراه أبو بكر بسبع أواق، وأعتقه، ثم كان مؤذن رسول الله ﷺ ، وخازن بيت المال وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، ولما مات رسول الله ﷺ كان مؤذن أبي بكر وخازن بيت ماله، لكنه استأذنه في أن يخرج للجهاد، وروى لأبي بكر حديث رسول الله ﷺ ، وأنه قال له: "يا بلال، ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله"، فقال أبو بكر: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله ، فذرني أذهب إلى الله ، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، وطلبه عمر أن يؤذن له، فاعتذر، فقال له: ما يمنعك أن تؤذن لي؟ قال: إني أذنت لرسول الله ﷺ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر لأنه ولي نعمتي، وأريد الجهاد في سبيل الله، فتركه، وبقي في الشام حتى مات بها في طاعون عمواس سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن بحلب. وأما صهيب بن سنان: من العرب، من النمر بن قاسط، كان أبوه سنان بن مالك عاملا لكسرى على الأيلة، وكانت منازلهم بأرض الموصل، في قرية على شط الفرات، فأغارت الروم على تلك الناحية، فسبت صهيبا، وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فاشترته منهم قبيلة كلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، فأعتقه، فأقام معه بمكة، حتى هلك عبد الله بن جدعان، وبعث النبي ﷺ ، فأسلم هو وعمار في يوم واحد، بعد بضعة وثلاثين رجلا، يروى عن عمار بن ياسر أنه قال: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له، ما تريد؟ فقال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردت الدخول إلى محمد ﷺ ، فأسمع كلامه، قال: فأنا أريد ذلك، قال: فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا، حتى أمسينا، ثم خرجنا مستخفين، ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة لحقه صهيب، فتبعه نفر من قريش: ليردوه فقال: يا معشر قريش إني من أرماكم، ولا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، قالوا: لا تفجعنا بنفسك ومالك. قال: إن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، فرضوا، وتعاهدوا، فدلهم، فرجعوا، فأخذوا ماله، فلما جاء إلى النبي ﷺ ، وهو ما زال بقباء، أخبره الخبر، فقال له النبي ﷺ : "ربح البيع أبا يحيى". فأصبح يكنى أبا يحيى، وأنزل الله تعالى في أمره ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] وقال ﷺ : "صهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة". وروي عن صهيب أنه قال: "لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزوة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدو قط، حتى توفي". وكان عمر ﵁ يحبه، ويداعبه، ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس، حتى يجتمع الناس على إمام بعده، ومات صهيب بالمدينة، ودفن بالبقيع، في شوال سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة على المشهور.

стр. 5477

-[المباحث العربية]- (أن أبا سفيان) صخر بن حرب. (أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر) أي مر بهم، وهم جلوس في مجلس، وكان هذا المرور، وهو كافر، فقد زار المدينة، وزار ابنته أم حبيبة زوجة الرسول ﷺ بعد صلح الحديبية، أثناء الهدنة. (فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها) أسلوب يفيد التحسر على أن سيوف حزب الله لم تقتل هذا الكافر، ولم تنل منه في الحروب السابقة بين المسلمين والمشركين، ويحمل التمني أن تنال هذه السيوف من هذا العدو في المستقبل. (فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ ) الظاهر أن أبا بكر كان جالسا معهم، وإن لم يذكر في الجالسين، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن تقولوا هذا، ووصفه بأوصاف السيادة استنكارا لتمنيهم القتل له، والمؤمن يسأل الله العافية والهداية أولى من أن يسأل للعدو القتل. (فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم) وزدت في الإنكار على هذا القول. آمل أن لا تكون فعلت ذلك. (لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) لأنهم لم يقولوا نكرا ولا هجرا، بل هي منهم كلمة حق وصدق، وفيها تحمس للإسلام وعز أهله، وكبت أعدائه وقد دعا رسول الله ﷺ على صناديد قريش. (فأتاهم أبو بكر) ليتأكد منهم أنه لم يغضبهم، وليستسمحهم إن كانوا قد غضبوا، ولا يلزم من إتيانه إياهم أن يكونوا كما كانوا في مجلسهم، فقد يأتيهم واحدا واحدا، ويسأله، ويجيب، لكن ظاهر سؤاله وجوابهم أنهم كانوا مجتمعين في جلستهم، أو في جلسة أخرى. (يا إخوتاه) لغة في: يا إخوتي، قال ابن مالك واجعل منادى صح إن يضف ليا ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا وناداهم بهذا النداء الرقيق استعطافا لهم أن يتسامحوا. (أغضبتكم؟ ) بقولي لكم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ . (قالوا: لا يغفر الله لك) البلاغة لا تستحسن هذا الأسلوب، لأن صورته صورة نفي الدعاء، حيث لا فاصل بين "لا" وبين الدعاء، وإن كانت "لا" هنا نفي لجملة سابقة، أي لا. لم تغضبنا،

стр. 5478

والمستحسن عندهم عدم ذكر "لا" أو ذكر جملتها: لم تغضبنا، أو ذكر واو الاستئناف بينها وبين الدعاء، فيقال: لا، ويغفر الله لك، وتسمى واوات الأصداغ على خدود الملاح، أي هذه الواو في حسنها تشبه ما تعمله الجميلات من لي شعيرات على الخد تشبه الواو لإبراز جمالهن. (يا أخي) كان المناسب أن يقولوا: يا أخانا، لأنهم جمع، لكن روعي أن كل واحد منهم قال هذا القول على الاستقلال. قال النووي: "يا أخي" ضبطوه بضم الهمزة على التصغير، وهو تصغير تحبيب وترقيق وملاطفة، وفي بعض النسخ بفتح الهمزة. -[فقه الحديث]- ١ - في الحديث فضيلة ظاهرة لسلمان وصهيب وبلال ورفقتهم هؤلاء. ٢ - وفيه مراعاة قلوب الضعفاء وأهل الدين، وإكرامهم، وملاطفتهم. ٣ - وفيه رقة قلب أبي بكر، وحرصه على دوام المودة بينه وبين جميع المسلمين. ٤ - وفيه التلطف في النداء، واستخدام لفظ "يا أخي" و"يا إخوتي" تمهيدا للطلب. ٥ - وفيه الصفح والتسامح، والرد بالدعاء بالخير. وقد أخرج البخاري في مناقب بلال بن رباح قول النبي ﷺ لبلال: "سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة". وكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا - يعني بلالا. وقد قدمت في المعنى العام من فضائل سلمان وصهيب وبلال ما يغني عن الإعادة. والله أعلم

стр. 5479

(٦٧٠) باب من فضائل الأنصار ﵃ ٥٥٨٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: فينا نزلت ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما﴾ [آل عمران/ ١٢٢] بنو سلمة وبنو حارثة. وما نحب أنها لم تنزل لقول الله ﴿والله وليهما﴾ ٥٥٨٣ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم! اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار". ٥٥٨٤ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ استغفر للأنصار. قال: وأحسبه قال: "ولذراري الأنصار، ولموالي الأنصار" لا أشك فيه. ٥٥٨٥ - عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ رأى صبيانا ونساء مقبلين من عرس. فقام نبي الله ﷺ ممثلا. فقال: "اللهم! أنتم من أحب الناس إلي. اللهم! أنتم من أحب الناس إلي" يعني الأنصار. ٥٥٨٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ . قال: فخلا بها رسول الله ﷺ . وقال: "والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي" ثلاث مرات.

стр. 5480

٥٥٨٧ - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الأنصار كرشي وعيبتي. وإن الناس سيكثرون ويقلون. فاقبلوا من محسنهم، واعفوا عن مسيئهم. ٥٥٨٨ - عن أبي أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير" فقال سعد: ما رأى رسول الله ﷺ إلا قد فضل علينا. فقيل: قد فضلكم على كثير. ٥٥٨٩ - عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: سمعت أبا أسيد ﵁ خطيبا عند ابن عتبة فقال: قال رسول الله ﷺ : "خير دور الأنصار دار بني النجار، ودار بني عبد الأشهل، ودار بني الحارث بن الخزرج، ودار بني ساعدة" والله! لو كنت مؤثرا بها أحدا لأثرت بها عشيرتي. ٥٥٩٠ - عن أبي أسيد الأنصاري يشهد أن رسول الله ﷺ قال: خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير" قال أبو سلمة: قال أبو أسيد: أتهم أنا على رسول الله ﷺ ؟ لو كنت كاذبا لبدأت بقومي، بني ساعدة. وبلغ ذلك سعد بن عبادة فوجد في نفسه. وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع. أسرجوا لي حماري آتي رسول الله ﷺ . وكلمه ابن أخيه، سهل، فقال: أتذهب لترد على رسول الله ﷺ ؟ ورسول الله ﷺ أعلم. أوليس حسبك أن تكون رابع أربع. فرجع وقال: الله ورسوله أعلم. وأمر بحماره فحل عنه.

стр. 5481

٥٥٩١ - وفي رواية عن أبي أسيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ : "يقول خير الأنصار، أو خير دور الأنصار" بمثل حديثهم. في ذكر الدور. ولم يذكر قصة سعد بن عبادة رضي اللهم عنه. ٥٥٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، وهو في مجلس عظيم من المسلمين: "أحدثكم بخير دور الأنصار؟ " قالوا: نعم: يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ : "بنو عبد الأشهل" قالوا: ثم من؟ يا رسول الله! قال: "ثم بنو النجار" قالوا: ثم من؟ يا رسول الله! قال: "ثم بنو الحارث بن الخزرج" قالوا: ثم من؟ يا رسول الله! قال: "ثم بنو ساعدة" قالوا: ثم من؟ يا رسول الله! قال: "ثم في كل دور الأنصار خير". فقام سعد ابن عبادة مغضبا. فقال: أنحن آخر الأربع؟ حين سمى رسول الله ﷺ دارهم. فأراد كلام رسول الله ﷺ . فقال له رجال من قومه: اجلس ألا ترضى أن سمى؟ رسول الله ﷺ داركم في الأربع الدور التي سمى. فمن ترك فلم يسم أكثر ممن سمى فانتهى سعد بن عبادة عن كلام رسول الله ﷺ . ٥٥٩٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر. فكان يخدمني. فقلت له: لا تفعل. فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئا، آليت أن لا أصحب أحدا منهم إلا خدمته. زاد ابن المثنى وابن بشار في حديثهما: وكان جرير أكبر من أنس. وقال ابن بشار: أسن من أنس. -[المعنى العام]- الأنصار اسم للأوس والخزرج من أهل المدينة ومواليهم وحلفائهم، سماهم بهذا اللقب رسول الله ﷺ ، لأنهم آووه ونصروه، وهم ﴿والذين تبوءوا الدار﴾ (المدينة) ﴿والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩].

стр. 5482

لقد كانوا قبل الإسلام في فرقة وحروب، وآخر حروبهم قبل قدوم النبي ﷺ إلى مدينتهم بخمس سنين، فيما عرف بيوم بعاث، وكانت معارك ضارية، قتل فيها رؤساء كل من الفريقين وعدد كبير جدا من أشرافهم. فلما هداهم الله بالإسلام صاروا أحبة كالجسد الواحد، بل صاروا يؤثرون غيرهم على أنفسهم، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقد ساق الإمام مسلم مجموعة من الأحاديث في مناقبهم وفضائلهم، سنعرض لها بالشرح، وساق الإمام البخاري مجموعة أخرى نضمها إلى مجموعة مسلم، لتكتمل صورة الفضائل، أو لنقدم طائفة أكبر منها. ١ - أخرج البخاري موقف الأنصار من المهاجرين، وأنهم نزلوا لهم عن نصف أموالهم، قال: "لما قدم المسلمون المدينة آخى النبي ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي، فأطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك. أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو" أي حتى صار من الأغنياء. ٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا المهاجرين مثلها، قال: إما لا، فاصبروا حتى تلقوني وموعدكم الحوض، فإنكم ستلقون بعدي أثرة". ٣ - وكانت الأنصار يوم الخندق تقول: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما حيينا أبدا ٤ - وأخرج قصة رجل من الأنصار انطلق بضيف إلى امرأته، فقال لها: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، وجعلا يريان الضيف أنهما يأكلان في الظلام، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: ضحك الله الليلة من فعالكما". ٥ - وأخرج قصة توزيع غنائم حنين، وموقف الأنصار، وقول رسول الله ﷺ لهم: "لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا - وفي رواية "لو شئتم لقلتم، فصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك. قالوا: المنة علينا لله ورسوله، فقال: ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار. قالوا: يا رسول الله. قد رضينا". ٦ - وقال النبي ﷺ : "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار".

стр. 5483

٧ - وقال ﷺ : "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله". ﵃ أجمعين. -[المباحث العربية]- (فينا نزلت ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾) هذه الآية (١٢٢) من سورة آل عمران، والطائفتان هم بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد، ومعنى ﴿تفشلا﴾ تجبنا، والفشل في الرأي العجز، وفي البدن الإعياء، وفي الحرب الجبن، وهمهم بالفشل كان بعد الخروج من المدينة، حين رجع عبد الله بن أبي بمن معه من المنافقين، إذ خرج رسول الله ﷺ بألف، فرجع عنه عبد الله بن أبي بثلاثمائة رجل، مغاضبا، بحجة أنه لم يؤخذ برأيه، حين أشار بالقعود في المدينة، والقتال فيها إن نهض إليهم العدو، وكان رأيه هذا قد وافق رأي رسول الله ﷺ ، وأبى ذلك أكثر الأنصار، لما رجع ابن أبي بثلث الجيش، حدث في نفس الطائفتين، وخطر ببالهم أن يرجعوا، فعصمهم الله، وذم بعضهم بعضا، ونهضوا مع النبي ﷺ . ﴿والله وليهما﴾ أي حافظ قلوبهما عن تحقيق هذا الهم. (بنو سلمة وبنو حارثة) بالرفع، خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، وفي رواية "نحن الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة"، وفي رواية للبخاري "بني سلمة وبني حارثة" بالجر على البدلية من الضمير في "فينا" أي في قومه، بني سلمة وفي أقاربهم بني حارثة. والأوس والخزرج أمهما واحدة، تدعى قيلة، وأبوهم واحد، يدعى حارثة بن عمرو بن عامر، الذي تجتمع إليه أنساب الأزد، و"سلمة" بفتح السين وكسر اللام. (وما نحب أنها لم تنزل، لقول الله تعالى ﴿والله وليهما﴾) ونفي النفي إثبات، أي نحب أنها نزلت، ولا نكره، أن وصفنا بالهم بالفشل، أي إن الآية وإن كان ظاهرها غضا من الطائفتين، لكن في آخرها غاية الشرف لهما، إذ الولي هنا الناصر، ومن ينصره الله، ويدفع عنه ما وقع منه من الهم بالمعصية فهو من حزب الله وأوليائه، ولا يضره ما وقع له من وسوسة لم تستقر. (اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) وفي الرواية الثالثة "أن رسول الله ﷺ استغفر للأنصار، ولذراري الأنصار، ولموالي الأنصار" وعند البخاري "قالت الأنصار: يا رسول الله، لكل نبي أتباع، وإنا قد اتبعناك، فادع الله أن يجعل أتباعنا منا، قال النبي ﷺ : اللهم اجعل أتباعهم منهم" قال العلماء: يدخل في أتباع الأنصار ذراريهم ومواليهم وحلفاؤهم. "والأنصار" اسم إسلامي، سمى به النبي ﷺ الأوس والخزرج وحلفاءهم، وفي البخاري عن غيلان ابن جرير "قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار. كنتم تسمون به؟ أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله" وهم المقصودون بقوله تعالى ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا﴾

стр. 5484

(أن النبي ﷺ رأى صبيانا ونساء مقبلين من عرس) غلب الذكور على الإناث، فقال "مقبلين". (فقام النبي ﷺ ممثلا) بضم الميم الأولى وسكون الثانية وكسر الثاء من أمثل الرباعي، ومعناه قائما منتصبا، والذي ذكره أهل اللغة: مثل الرجل، بفتح الميم وضم الثاء، ثلاثي، مثولا، إذا انتصب قائما، قال النووي: وبفتح الثاء مع ضم الميم الأولى وسكون الثانية. كذا روي بالوجهين وهما مشهوران. قال القاضي: جمهور الرواة بالفتح، قال: وصححه بعضهم، قال: ولبعضهم هنا وفي البخاري بالكسر، قال: وعند بعضهم "مقبلا" وللبخاري في كتاب النكاح "ممتنا" بضم الميم الأولى وسكون الثانية وفتح التاء بعدها نون، من المنة، أي متفضلا عليهم، قال: واختار بعضهم هذا، وضبطه بعض المتقنين "ممتنا" بضم الميم الأولى وسكون الثانية وكسر التاء وتخفيف النون، أي قياما طويلا، قال القاضي: والمختار ما قدمناه عن الجمهور. (اللهم. أنتم من أحب الناس إلي) "اللهم" منادى قصد به الدعاء، أي يا رب. هؤلاء وقومهم من أحب الناس إلي، لما قدموه خدمة للإسلام، فأحبهم. (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، فخلا بها) قال النووي: هذه المرأة إما محرم له، كأم سليم وأختها، وإما المراد من الخلوة خلوة صوت وكلام، بمعنى أنها سألته سؤالا بحضرة ناس، ولم تكن خلوة مطلقة، حتى تشمل الخلوة المنهي عنها. اهـ. وقال المهلب: لم يرد أنس أنه خلا بها، بحيث غاب عن أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام، فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما، لأنه لم يسمعه. وفي البخاري "جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، ومعها صبي لها" وفي رواية له "معها أولادها" وفي رواية له "معها أولاد لها". (وقال: والذي نفسي بيده، إنكم لأحب الناس إلي) الظاهر أن "وقال ... " معطوف على محذوف، أي أجابها على سؤالها وقال ... " والظاهر أن سؤالها كان يستدعي تطييب قلبها، والخطاب في "إنكم" لها ولقومها الأنصار، وهو على طريق الإجمال، أي مجموعكم أحب إلي من مجموع غيركم، فلا يعارض حديث "من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر". (ثلاث مرات) معمول لقال، وكررها للتأكيد، ولزيادة التطييب، وفي رواية للبخاري "مرتين". (إن الأنصار كرشي وعيبتي) الكرش بكسر الكاف وسكون الراء، وبفتح الكاف وكسر الراء، وهو بالأخير في الرواية، معدة الإنسان، وما هو بمنزلتها لكل مجتر، والعيبة بفتح العين، وعاء من خوص أو جلد، أو نحوهما، منه ما يعد لنقل الزرع والمحصول، ومنه ما يعد لحفظ المتاع النفيس، وهو المراد هنا، قال النووي: قال العلماء: معناه جماعتي وخاصتي الذين أثق بهم، وأعتمدهم في أموري،

стр. 5485

قال الخطابي: ضرب مثلا بالكرش، لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، وبالعيبة لأنهم أهل سره وخفي أحواله. اهـ، وقال بعضهم: الكرش أمر باطن، والعيبة أمر ظاهر، فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنة والظاهرة. وفي البخاري أن رسول الله ﷺ قال ذلك على المنبر في مرضه الذي مات فيه، وأنه لم يصعد المنبر بعد ذلك اليوم، ولفظه "فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم" يشير إلى ما وقع منهم ليلة العقبة من المبايعة، فإنهم بايعوا على أن يؤوا رسول الله ﷺ ، وينصروه، فوفوا بذلك "وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" وفي رواية له "فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد. أيها الناس. إن الناس يكثرون، وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا، يضر فيه أحدا، أو ينفعه، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم". (وإن الناس سيكثرون، ويقلون) فيه عود الضميرين على مرجعين مختلفين، مذكور أحدهما، والمراد من الناس غير الأنصار، أي فإن غير الأنصار سيكثرون، فتدخل قبائل العرب والعجم في الإسلام، فيكونون أبدا مهما كثر تناسلهم قليلين بالنسبة إلى غيرهم. (فاقبلوا من محسنهم، واعفوا عن مسيئهم) أي فاقبلوا من محسنهم إحسانه، واشكروه عليه، وجازوه الإحسان بالإحسان، واعفوا عن إساءة المسيء منهم، فلا تعاقبوه على إساءته، اللهم إلا إذا اقتضت الإساءة حدا من حدود الله. (خير دور الأنصار) أي خير قبائل الأنصار، وكانت كل قبيلة منهم تسكن محلة، فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات بنو فلان، من غير ذكر الدار. وفي الرواية العاشرة أنه ﷺ قال ذلك وهو في مجلس عظيم من المسلمين. (بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير) "بنو النجار" هم من الخزرج، والنجار هو تيم الله، وسمي بذلك لأنه ضرب رجلا، فنجره، فقيل له النجار، وهو ابن ثعلبة بن عمرو من الخزرج، وهم أخوال جد رسول الله ﷺ ، لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل ﷺ لما قدم المدينة، فلهم مزية على غيرهم. (ثم بنو عبد الأشهل) وهم من الأوس، وهو عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصفر، ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، وهم رهط سعد بن معاذ. بهذا الترتيب في الرواية السابعة والتاسعة، وبالتعبير بـ "ثم" أما في الرواية الثامنة وفي رواية للبخاري فبالترتيب نفسه، لكن بالواو، فاستنبط منه بعضهم أن الواو قد تأتي للترتيب، والحق أن الترتيب هنا يؤخذ من التقديم والتأخير، لا من الواو، ولا إشكال في هذه الرواية، لكن الإشكال في الرواية العاشرة، ولفظها "بنو عبد الأشهل. قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: ثم بنو النجار" وقد رجح

стр. 5486

العلماء الرواية السابعة والتاسعة على الرواية العاشرة بأن العاشرة اختلف على ابن أبي سلمة في إسناده، هل شيخه فيها أبو أسيد أو أبو هريرة، واختلف في متنه. هل قدم عبد الأشهل على بني النجار؟ أو بالعكس. قاله: الحافظ ابن حجر. "ثم بنو الحارث بن الخزرج" أي الأكبر، أي ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة. "ثم بنو ساعدة" وهم الخزرج أيضا، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج الأكبر. "وفي كل دور الأنصار خير" "خير" الأولى، التي في قوله "خير دور الأنصار" اسم تفضيل بمعنى أفضل، و"خير" الثانية، التي في قوله "وفي كل دور الأنصار خير" اسم، أي فضل، وتتفاوت مراتبه. (فقال سعد) بن عبادة، كما صرح به في الرواية التاسعة، وهو من بني ساعدة. (ما أرى رسول الله ﷺ إلا قد فضل علينا) "أرى" بضم الهمزة، بمعنى أظن، وفي بعض النسخ بفتح الهمزة، من الرأي والفكر، و"فضل" بفتح الفاء، والمفعول محذوف، أي فضل علينا ثلاث قبائل، وفي الرواية التاسعة "وبلغ ذلك سعد بن عبادة، فوجد في نفسه" أي غضب في نفسه "وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع؟ أسرجوا لي حماري، آتي رسول الله ﷺ ، وكلمه ابن أخيه سهل، فقال: أتذهب لترد على رسول الله ﷺ ؟ ورسول الله ﷺ أعلم؟ أوليس حسبك أن تكون رابع أربع، فرجع، وقال: الله ورسوله أعلم، وأمر بحماره، فحل عنه". ومعنى "وجد في نفسه" بفتح الواو والجيم، يجد بكسر الجيم، وجدا، حزن، و"خلفنا" بضم الخاء وكسر اللام المشددة، مبني للمجهول، أي جعلنا خلف الناس وآخرهم، وفي الرواية العاشرة "فقام سعد بن عبادة مغضبا" أي قام من مجلسه الذي بلغه الخبر فيه "فقال: أنحن آخر الأربع؟ حين سمى رسول الله ﷺ دارهم"؟ أي دار الأربع؟ والاستفهام إنكاري "فأراد كلام رسول الله ﷺ " في ذلك، أي أراد الذهاب إليه وكلامه "فقال له رجال من قومه: اجلس. ألا ترضى أن سمى رسول الله ﷺ داركم في الأربع الدور التي سمى؟ فمن ترك، فلم يسم أكثر ممن سمى" أي فمن ترك ذكرها من دور الأنصار أكثر ممن ذكرهم منها، "فانتهى سعد بن عبادة عن كلام رسول الله ﷺ " أي رجع عن عزيمته التي كان قد عزم عليها، وأمر بحل حماره، ولا تعارض بين ما في هذه الرواية، من أن الذين ردوه عن عزمه رجال من قومه، وبين ما في الرواية التاسعة من أن الذي رده سهل ابن أخيه، فقد يضاف القول للحاضرين مع القائل، لرضاهم به، وموافقتهم عليه، لكن الإشكال بين هاتين الروايتين، وفيهما أن سعدا رجع عن كلام رسول الله ﷺ ، وبين ما في البخاري عن أبي حميد، وفي رواية عن أبي حميد أو أبي أسيد قال "فلحقنا سعد بن عبادة، فقال: أبا أسيد. ألم تر أن نبي الله ﷺ خير الأنصار، فجعلنا أخيرا؟ فأدرك سعد النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله. خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخرا؟ فقال: أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار"؟ قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قصد رسول الله ﷺ لذلك خاصة، ثم إنه لما لقي رسول الله ﷺ في وقت آخر، ذكر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه كان قد أراد أن يورده مورد الإنكار، والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة، ولهذا قال له ابن

стр. 5487

أخيه في الأول: "أترد على رسول الله أمره؟ " ومعنى "بحسبكم أن تكونوا من الخيار" أي يكفيكم أن تكونوا من الأفاضل، لأنهم بالنسبة لمن دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك. و"أبو حميد" و"أبو أسيد" كلاهما ساعدي من قبيلة سعد بن عبادة، لكنهما لم يغضبا غضبته، بل رويا الحديث على الرغم من أنه يؤخر قبيلتهم، بل يقول أبو أسيد في الرواية الثامنة: "والله. لو كنت مؤثرا بها أحدا لآثرت بها عشيرتي". ويقول في الرواية التاسعة: "أتهم أنا على رسول الله ﷺ ؟ لو كنت كاذبا لبدأت بقومي، بني ساعدة". ولعل سعدا يرى أنه رئيس وزعيم بني ساعدة، وعليه أولا تقع مسئولية الدفاع عنهم. (عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر) سبق الكلام عن جرير في باب خاص من فضائله، قبل اثني عشر بابا، وهو يمني، وأنس أنصاري، من بني النجار. (فكان يخدمني) حبا في الأنصار، وتقديرا لهم، لما لهم من فضائل في الإسلام. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - من الروايات جواز تفضيل القبائل والأشخاص، لكن بغير مجازفة ولا هوى، ولا يكون هذا من قبيل الغيبة المحرمة. ٢ - ومن الرواية الأولى أنه لا غضاضة من ذكر تقصير الإنسان في جانب الله، ما دام قد عفي عنه. ٣ - وأن التقصير لا يمنع من ولاية الله للمقصر. ٤ - وأن القرآن كان ينزل استجابة لبعض الأحداث. ٥ - وفيها فضيلة ظاهرة لقبيلتي بني سلمة وبني حارثة من الأنصار. ٦ - ومن الرواية الثانية أن صلاح الآباء ينفع الذرية والأتباع. ٧ - ومن الرواية الرابعة إخبار من تحبه أنك تحبه. ٨ - والقيام والاهتمام بمن تحب. ٩ - وفي الرواية الخامسة جواز أن يخلو المسلم بالمرأة عن الناس، بحيث لا يسمع كلامهما، إذا كان مما يخافت به، كالشيء الذي تستحي المرأة من ذكره بينهم، وقد سبق عند مسلم عن أنس "أن امرأة كان في عقلها شيء، قالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان، انظري أي السكك شئت، حتى أقضي لك حاجتك".

стр. 5488

١٠ - وفيه سعة حلمه وتواضعه ﷺ ، وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير. ١١ - وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرا لا يقدح في الدين، عند أمن الفتنة، قال الحافظ ابن حجر: يفضل البعد عن ذلك: ولكن الأمر كما قالت عائشة: "وأيكم يملك أربه، كما كان النبي ﷺ يملك أربه". ١٢ - ومن قوله "والذي نفسي بيده" كيف كانت يمين النبي ﷺ ؟ . ١٣ - وجواز الحلف من غير استحلاف، وقال قوم: يكره، لقوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] ويحمل ما ورد من ذلك على ما إذا كان في طاعة، أو دعت إليها حاجة، كتأكيد أمر أو تعظيم من يستحق التعظيم. ١٤ - وفيه أن حب الأنصار من الدين والإيمان، قال ابن التين: والمراد حب جميعهم، وبغض جميعهم، ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له. فليس داخلا في ذلك. ١٥ - وفيه استطابة القلوب. ١٦ - وفي الرواية الحادية عشرة تواضع جرير ﵁ وفضيلته. ١٧ - وإكرامه للنبي ﷺ . ١٨ - وإحسانه إلى من ينتسب إلى من أحسن إليه ﷺ . ١٩ - وفيه إكرام الأنصار. ٢٠ - وإكرام المحسن وتكريمه. والله أعلم

стр. 5489

(٦٧١) باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيئ ٥٥٩٤ - عن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله". ٥٥٩٥ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ائت قومك فقل إن رسول الله ﷺ قال: أسلم سالمها الله. وغفار غفر الله لها". ٥٥٩٦ - عن جابر ﵄ قال: عن النبي ﷺ قال: "أسلم سالمها الله. وغفار غفر الله لها". ٥٥٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أسلم سالمها الله. وغفار غفر الله لها. أما إني لم أقلها. ولكن قالها الله ". ٥٥٩٨ - عن خفاف بن إيماء الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، في صلاة: "اللهم! العن بني لحيان ورعلا وذكوان، وعصية، عصوا الله ورسوله. غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله".

стр. 5490

٥٥٩٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله. وعصية عصت الله ورسوله". ٥٦٠٠ - وفي رواية عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ . بمثله. وفي حديث صالح وأسامة؛ أن رسول الله ﷺ قال ذلك على المنبر. ٥٦٠١ - عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع، ومن كان من بني عبد الله، موالي دون الناس. والله ورسوله مولاهم". ٥٦٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قريش والأنصار ومزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع، موالي. ليس لهم مولى دون الله ورسوله". ٥٦٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أسلم وغفار ومزينة، ومن كان من جهينة، أو جهينة، خير من بني تميم وبني عامر، والحليفين، أسد وغطفان". ٥٦٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده! لغفار وأسلم ومزينة، ومن كان من جهينة، أو قال جهينة، ومن كان من مزينة، خير عند الله يوم القيامة، من أسد وطيئ وغطفان".

стр. 5491

٥٦٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأسلم وغفار، وشيء من مزينة وجهينة، أو شيء من جهينة ومزينة، خير عند الله - قال: أحسبه قال - يوم القيامة، من أسد وغطفان وهوازن وتميم". ٥٦٠٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، أن الأقرع بن حابس جاء إلى رسول الله ﷺ . فقال: إنما بايعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة. وأحسب جهينة (محمد الذي شك) فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة - وأحسب جهينة - خيرا من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان، أخابوا وخسروا؟ " فقال: نعم. قال: "فوالذي نفسي بيده! إنهم لأخير منهم". وليس في حديث ابن أبي شيبة: محمد الذي شك. حدثني هارون بن عبد الله. حدثنا عبد الصمد. حدثنا شعبة. حدثني سيد بني تميم، محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي. بهذا الإسناد، مثله. وقال: "وجهينة" ولم يقل: أحسب. ٥٦٠٧ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "أسلم وغفار ومزينة وجهينة، خير من بني تميم ومن بني عامر، والحليفين بني أسد وغطفان". ٥٦٠٨ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : "أرأيتم إن كان جهينة وأسلم وغفار خيرا من بني تميم وبني عبد الله بن غطفان وعامر بن صعصعة" ومد بها صوته فقالوا: يا رسول الله! فقد خابوا وخسروا. قال: "فإنهم خير" وفي رواية أبي كريب "أرأيتم إن كان جهينة ومزينة وأسلم وغفار".

стр. 5492

٥٦٠٩ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت عمر بن الخطاب فقال لي: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه، صدقة طيئ، جئت بها إلى رسول الله ﷺ . ٥٦١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قدم الطفيل وأصحابه فقالوا: يا رسول الله! إن دوسا قد كفرت وأبت. فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال: "اللهم اهد دوسا وائت بهم". ٥٦١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث، سمعتهن من رسول الله ﷺ : سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هم أشد أمتي على الدجال" قال: وجاءت صدقاتهم فقال النبي ﷺ : "هذه صدقات قومنا" قال: وكانت سبية منهم عند عائشة. فقال رسول الله ﷺ : "أعتقيها فإنها من ولد إسمعيل". ٥٦١٢ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ ، يقولها فيهم. فذكر مثله. ٥٦١٣ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: ثلاث خصال سمعتهن من رسول الله ﷺ في بني تميم. لا أزال أحبهم بعد. وساق الحديث بهذا المعنى. غير أنه قال: "هم أشد الناس قتالا في الملاحم" ولم يذكر الدجال. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى: " ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: ١٣]. نعم فضل الله بعض القبائل على بعض في الدنيا، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، لكنه تعالى جعل الفضل الحقيقي للدين ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾

стр. 5493

جاء الإسلام ولبعض القبائل رفعة على بعض، بالمال تارة، وبالقوة البدنية أخرى، وبالقوة العقلية والسلوكية ثالثة، وبالأصل والأحساب رابعة، فحول كل هذه الموازين إلى ميزان الإسلام، وصار السبق إلى الإسلام، وبذل النفس والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، والجهاد في سبيل الله، هو الميزان الحقيقي، الذي يفاضل به بين القبائل، فارتفعت بهذا الميزان قبائل كانت قبل الإسلام غير رفيعة، وهبطت بهذا الميزان قبائل كانت قبل الإسلام عالية مرموقة. يؤكد رسول الله ﷺ هذا المعنى في نفوس أصحابه، ويقرره غاية التقرير، فيقول: غفار بسبق إسلامها غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، والأنصار ومزينة وجهينة وأشجع وبنو عبد الله هم أوليائي قبل الناس، وهم عند الله يوم القيامة خير من أسد وغطفان وهوازن وتميم. ولا ينسى رسول الله ﷺ أن يثني على أهل الفضل من القبائل ما لها من فضل، ولو كانت مفضولة بالنسبة لغيرها، فيذكر لتميم شدتها في الحروب، وأدائها للصدقات، وانتسابها لإسماعيل ﵇، ولا ينسى أن يلعن من القبائل من تستحق اللعن، فيلعن بني لحيان ورعلا وذكوان وعصية، لما فعلوه بالمسلمين من غدر وتنكيل وتقتيل. فصلى الله وسلم وبارك عليه، ورضي عن صحابته أجمعين. -[المباحث العربية]- (غفار غفر الله لها) كذا في الرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة، وزاد في الرواية الثالثة "أما إني لم أقلها، ولكن قالها الله " كما ذكرت واحدة من قبائل مولاهم الله ورسوله في الرواية السادسة والسابعة، كما ذكرت في الرواية الثامنة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة واحدة من قبائل، هي خير من بني تميم وبني عامر والحليفتين أسد وغطفان، كما ذكرت في الرواية التاسعة واحدة من قبائل، هي خير عند الله يوم القيامة من أسد وطيئ وغطفان، كما ذكرت في الرواية العاشرة واحدة من قبائل هي خير عند الله يوم القيامة من أسد وغطفان، وهوازن وتميم. ومن مجموع الروايات تكون غفار قد فضلت بأن الله غفر لها، وبأن مولاها الله ورسوله، وبأنها أفضل من بني تميم، وبني عامر وأسد وغطفان وطيئ وهوازن. والمذكور مع غفار في الفضل الأنصار ومزينة وأشجع وجهينة وأسلم، وهذه القبائل التي فضلت كانت في الجاهلية في القوة والمكانة أقل من القبائل التي فضلت عليها، فلما جاء الإسلام كانوا أسرع دخولا فيه من أولئك، فانقلب الشرف إليهم بسبب ذلك. واختصت غفار بقوله "غفر الله لها" لما اشتهروا به قبل إسلامهم من سرقة الحجيج الذين يمرون بديارهم، كما تشير إلى ذلك الرواية الحادية عشرة، حكى ابن التين أن بني غفار كانوا يسرقون الحاج في الجاهلية، فدعا لهم النبي ﷺ ، بعد أن أسلموا - ليمحو عنهم ذلك العار، وهي جملة لفظها خبر، ويحتمل أن يكون معناها خبرا أيضا، إشعارا بأن ذنبها السابق قد غفر، لأن الإسلام يجب ما قبله،

стр. 5494

ويحتمل أن معناها دعاء، أي أسأل الله أن يغفر لها ما تقدم وما تأخر، والمراد قطعا من آمن منهم، وفي هذه الرواية من البديع ما يعرف بجناس الاشتقاق. والمراد بنو غفار - بكسر الغين وتخفيف الفاء، ابن مليل، بضم الميم وفتح اللام مصغرا، ابن صخرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وسبق منهم إلى الإسلام أبو ذر الغفاري وأخوه أنيس، وقد سبق الكلام عن إسلامهما قبل أربعة عشر بابا. (وأسلم سالمها الله) وقد شاركت "غفار" في كل ما فضلت به، وذكرت مصاحبة لها، متقدمة عليها أو تالية لها في جميع روايات مسلم، عدا الرواية السادسة، ولعل سقوطها من الرواة وفي العبارة جناس الاشتقاق أيضا، واحتمال كونها خبرا لفظا ومعنى، أي جعلها الله مسالمة للإسلام فيما مضى، لأنها أسلمت دون اشتراك في الحروب، واحتمال كونها خبرا لفظا، دعاء معني، أي صنع الله بهم ما يرضيهم، والمراد من "سالم" سلم، كما في قاتله الله. و"أسلم" بن أفصى، بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها صاد، ابن حارثة بن عمرو بن عامر - أي ابن حارثة ابن امرئ القيس - بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قال الرشاطي: الأزد جرثومة من جراثيم قطحان، وفيهم قبائل، فمنهم الأنصار وخزاعة وغسان وغيرهم. ونسب حارثة بن عمرو متصل باليمن، وقد خاطب النبي ﷺ بني أسلم بأنهم من بني إسماعيل، كما في حديث سلمة بن الأكوع. (اللهم العن بني لحيان، ورعلا، وذكوان وعصية، عصوا الله ورسوله) "لحيان" بكسر اللام وفتحها، وسكون الحاء، وهو ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وزعم الهمداني النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم، دخلوا في هذيل، فنسبوا إليهم. و"رعل" بكسر الراء وسكون العين، بطن من بني سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم. و"ذكوان" بطن من بني سليم أيضا، ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة. و"عصية" بطن من بني سليم أيضا، ينسبون إلى "عصية" بضم العين وفتح الصاد، مصغر ابن خفاف، بضم الخاء، ابن امرئ القيس بن بهثة بضم الباء وسكون الهاء بعدها ثاء، ابن سليم. أما جريمة بني لحيان فيرويها البخاري تحت باب غزوة الرجيع، عن أبي هريرة ﵁ قال: "بعث النبي ﷺ سرية" وفي رواية أنهم كانوا عشرة، وفي أخرى أنهم كانوا سبعة، بعثهم إلى مكة عيونا يتجسسون على قريش، ويأتونه بأخبارهم، وكان ذلك في السنة الثالثة "فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوهم بنحو مائة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلا نزلوه، فلحقوهم، فهربوا منهم على تل، فجاء القوم فأحاطوا بهم، وقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب منكم شيئا من أهل مكة، ولكم العهد والميثاق - إن نزلتم إلينا أن

стр. 5495

لا نقتل منكم رجلا، فقال عاصم - قائد المسلمين - أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم، حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر، بالنبل، وبقي ثلاثة، خبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق، فأعطوهم العهد والميثاق، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها، فقال عبد الله: هذا أول الغدر، وأبى أن يصحبهم، فجروه، وحاولوا أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد نحو مكة، فباعوهما هناك، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر ابن نوفل، وكان خبيب قد قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا، حتى خرجت الأشهر الحرم، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، فلما صلاهما، انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أن الذي بي جزع من الموت لزدت في الصلاة، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، ثم قال: ما إن أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه عقبة بن الحارث، فقتله، فلم يحل الحول، ومنهم أحد حي. وأما زيد فاشتراه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه". هذه قصة بني لحيان، وسبب لعنهم والدعاء عليهم، وقد قنت ﷺ شهرا يدعو عليهم وعلى رعل وذكوان وعصية في صلاة الصبح. وأما قصة رعل وذكوان وعصية فيرويها البخاري أيضا، تحت عنوان: غزوة رعل وذكوان وبئر معونة، وتعرف بسرية القراء، ويرويها أصحاب السير بأن رؤساء هذه القبائل كانوا قد جاءوا رسول الله ﷺ ، فأسلموا ظاهرا، ثم طلبوا من رسول الله ﷺ أن يمدهم بجماعة من أصحابه رجاء أن يدعوا الناس، فيسلموا، فبعث معهم سبعين رجلا من الأنصار، يقال لهم القراء، كانوا يحتطبون بالنهار، ويبيعون الحطب، ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل ويصلون، فلما نزلوا بئر معونة استمكنوا منهم، وغدروا بهم، ونقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ ، فقتلوهم عن آخرهم، إلا رجلا أعرج، صعد الجبل. وجملة "عصوا الله ورسوله" مستأنفة استئنافا تعليليا، والضمير فيها يعود على القبائل الأربع، ولا يتعارض هذا مع قوله في الرواية الخامسة "عصية عصت الله ورسوله" فإن الموصوفين بوصف كل منهم موصوف بهذا الوصف. (الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بني عبد الله، موالي، دون الناس، والله ورسوله مولاهم) زادت الرواية السابعة في القبائل المفضلة قريشا وأسلم، ونقصت الرواية الثامنة الأنصار، وقريشا، فيؤخذ بالزيادة على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر. وقد سبق الكلام عن قريش والأنصار وغفار وأسلم.

стр. 5496

أما مزينة فبضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء، وهو اسم امرأة عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أم أوس وعثمان ابني عمرو، فولد هذين يقال لهم: بنو مزينة، والمزنيون من قدماء الصحابة منهم عبد الله بن مغفل المزني، وعمه خزاعى بن عبد نهم، وإياس بن هلال، وابنه قرة بن إياس. وأما جهينة فهم بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم، ومن مشهور الصحابة منهم عقبة بن عامر الجهني وغيره. وأما أشجع بالشين والجيم والعين، على وزن أحمر، وهم بنو أشجع بن ريث بفتح الراء وسكون الياء بعدها ثاء، ابن غطفان بن سعد بن قيس، ومن مشهور الصحابة منهم نعيم بن مسعود بن عامر، وقد سبق القول بأن المقصود المجموع والإجمال، لا الجميع والاستغراق، ولذلك كانت العبارة مع بعضهم "ومن كان من بني عبد الله" في الرواية السادسة، أي ومن كان مؤمنا من بني عبد الله، و"من كان من جهينة" أي ومن كان مؤمنا من جهينة، وفي الرواية الثامنة والتاسعة، "أو شيء من جهينة" في الرواية العاشرة، و"من كان من مزينة" في الرواية التاسعة. ونلاحظ أن من كان من بني عبد الله ذكروا في مقام المدح والتفضيل في الرواية السادسة، وذكروا في مقام الذم والمفضل عليهم في الرواية الثالثة عشرة، وفي البخاري، فالأولون من آمنوا، والآخرون من لم يؤمنوا، وبنو عبد الله بن غطفان بفتح الغين والطاء بعدها فاء، أي ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وكان اسم عبد الله بن غطفان في الجاهلية عبد العزى، فصيره النبي ﷺ عبد الله، وبنوه يعرفون ببني المحولة، لتحويل اسم أبيهم. أما المفضل عليهم فهو بنو تميم وبنو عامر وأسد وغطفان وطيئ وهوازن. وبنو تميم بن مر، بضم الميم وتشديد الراء، ابن أد، بضم الهمزة وتشديد الدال، ابن طابخة بن إلياس بن مضر، وفيهم بطون كثير، وقد ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ مع سجاح، ولا يتعارض هذا مع مدحهم ببعض الصفات في بعض الأحوال، كما سيأتي عنهم في الرواية السادسة عشرة وملحقيها. وبنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وقد ذكر بنو عامر في الرواية الثامنة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة، وذكرت بدلها. هوازن: في الرواية العاشرة، قال الحافظ ابن حجر: فذكر هوازن أشمل من ذكر بني عامر، ومن قبائل هوازن - غير بني عامر - بنو نصر بن معاوية، وبنو سعد بن بكر بن هوازن، وثقيف، وهو قيس ابن منبه بن بكر ابن هوازن، والجميع يجمعهم هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح الخاء وسكون الصاد بعدها فاء. وأسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا عددا كثيرا، وكانت منازلهم ظاهر مكة، حتى وقع بينهم وبين خزاعة شجار، فقتل فضالة بن عبادة بن مرارة الأسدي هلال بن أمية الخزاعي، فقتلت خزاعة فضالة بصاحبها، فنشبت الحرب بينهم، فبرحت

стр. 5497

بنو أسد عن منازلهم، فحالفوا غطفان، فصار يقال للطائفتين: الحليفان. أسد وغطفان كما في الرواية الثامنة عشرة. وطيئ ذكرت في المفضل عليهم في الرواية التاسعة، وهي بفتح الطاء وتشديد الياء المكسورة بعدها همزة، وحكي تركها، وهو ابن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، يقال: كان اسمه جلهمة، فسمي طيئا، لأنه أول من طوى بئرا، وقبيلة طيئ من القبائل التي تأخر إسلامها إلى سنة الوفود، وكان رئيسها عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، بوزن جعفر، ابن امرئ القيس بن عدي الطائي. وذكر ابن إسحاق أن خيل النبي ﷺ أصابت أخت عدي، فقالت له: هلك الوالد، وغاب الوافد، قال لها: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: امنن من الله عليك. قال: أطلقوا سراحها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، فلما قدمت بنت حاتم على عدي أخيها أشارت عليه بالقدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم وأسلم. ويروي الإمام أحمد في سبب إسلام عدي أنه قال: لما بعث النبي ﷺ كرهته، فانطلقت إلى أقصى الأرض، مما يلي الروم، ثم كرهت مكاني، فقلت: لو أتيته؟ فإن كان كاذبا لم يخف علي، فأتيته، فقال: أسلم تسلم. فقلت: إن لي دينا - وكان نصرانيا، فذكر إسلامه. (فوالذي نفسي بيده. إنهم لأخير منهم) كذا في الرواية الحادية عشرة، قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "لأخير" وهي لغة قليلة، تكررت في الأحاديث، وأهل العربية ينكرونها، يقولون: الصواب "خير" و"شر" ولا يقال "أخير" ولا "أشر" ولا يقبل إنكارهم فهي لغة، قليلة الاستعمال. (عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت عمر بن الخطاب) أي في خلافته. (فقال لي: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ، ووجوه أصحابه، صدقة طيئ، جئت بها إلى رسول الله ﷺ وجاءت هذه الصدقة في أخريات أيامه ﷺ ، والمراد من تبيضها الوجوه أنها سرتهم وأفرحتهم، لسرورهم بإسلام طيئ. وقد روى البخاري عن عدي ﵁ قال: "أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلا رجلا، ويسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى. أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذن" أي إذا كنت تعرف قدري فلا أبالي إذا قدمت على غيري من قومي. (قدم الطفيل وأصحابه فقالوا: يا رسول الله، إن دوسا قد كفرت، وأبت، فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس) حيث طلبوا من الرسول ﷺ أن يدعو عليها بالهلاك، فسكت قليلا، فظنوه دعا عليهم فقالوا: هلكت. (فقال: اللهم اهد دوسا، وائت بهم) و"دوس" بفتح الدال وسكون الواو بعدها

стр. 5498

سين مكسورة و"دوس" قبيلة أبي هريرة، وهم ينتسبون إلى دوس بن عدثان بضم العين وسكون الدال بعدها ثاء، ابن عبد الله ابن زهران، وينتهي نسبهم إلى الأزد، وكانوا في الجاهلية يعبدون صنما يقال له: ذو الخلصة. والطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، والقائل: "إن دوسا قد كفرت، وأبت، فادع الله عليها" هو الطفيل وأصحابه، وكان الطفيل قد أسلم بمكة، ورجع إلى بلاد قومه، ودعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، ثم وافى النبي ﷺ في عمرة القضاء، وقيل: قدم مع أبي هريرة بخيبر، فكان هذا القول منه، وكان هذا الدعاء من رسول الله ﷺ ، وأجاب الله الدعاء فجاء حبيب بن عمرو بن حثمة حاكم الدوس، ومعه خمسة وسبعون رجلا من قومه، فأسلم وأسلموا. (قال أبو هريرة: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ وفي ملحق الرواية "لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث ... " وعند البخاري "مازلت أحب بني تميم منذ ثلاث ... " أي من حين سمعت الخصال الثلاث، زاد أحمد "وما كان قوم من الأحياء أبغض إلي منهم، فأحببتهم" وكان ذلك لما كان يقع بينهم وبين قوم أبي هريرة في الجاهلية من العداوة. (هم أشد أمتي على الدجال) وفي الملحق الثاني للرواية "هم أشد الناس قتالا في الملاحم" وهي أعم مما في الرواية الأساسية، ويمكن أن يحمل العام في ذلك على الخاص، فيكون المراد بالملاحم أكبرها، وهو قتال الدجال، أو ذكر الدجال ليدخل غيره بالطريق الأولى. قاله ابن حجر. (وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ : هذه صدقات قومنا) قال العلماء: إنما نسبهم إليه، لاجتماع نسبهم بنسبه ﷺ في إلياس بن مضر، وليس هذا القول بذاك، فما أكثر القبائل التي يجتمع نسبها بنسبه، ولم يقل فيهم مثل ذلك، والأولى أن يقال: إنما نسبهم إليه تأليفا لقلوبهم، فقد كانوا قوما غلاظا. (وكانت سبية منهم عند عائشة) أي من بطن من بطونهم، وعند الطبراني أن عائشة كانت نذرت أن تعتق محررا من بني إسماعيل، فلما قدم سبي بني العنبر قال لها ﷺ : ابتاعي منهم، فإنهم ولد إسماعيل، وبنو العنبر بطن من بطون تميم، وفي رواية "نسمة" بدل "سبية". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - جواز التفضيل بين القبائل، بهدف ديني، ولا يعد ذلك من الغيبة. ٢ - فيها مناقب للقبائل التي فضلت. ٣ - جواز استعمال الجناس، دون تكلف فإنه يلذ على السمع، لسهولته وانسجامه.

стр. 5499

٤ - أن الشرف يحصل للمجموع، إذا حصل لبعضه. ٥ - أخذ بعضهم من قوله "موالي" في الرواية السادسة والسابعة، النهي عن استرقاقهم، وأنهم لا يدخلون تحت الرق. قال الحافظ ابن حجر: وهذا بعيد. ٦ - ومن الرواية الرابعة جواز لعن الكفار جملة، أو لعن طائفة منهم، بخلاف الواحد بعينه. ٧ - وجواز ذلك في القنوت في الصلاة. ٨ - ومن الرواية الحادية عشرة أن الإسلام يجب ما قبله. ٩ - وجبر خاطر من وقع في زلات، ورد اعتباره إليه بالإحسان اللاحق. ١٠ - ومن الرواية الرابعة عشرة أن المسلم يسره ويفرحه قيام الآخرين بشعائر الإسلام. ١١ - ومن الرواية الخامسة عشرة استحباب الدعاء بالهداية للضالين، وإن طلب الدعاء عليهم. ١٢ - ومن الرواية السادسة عشرة أن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، فقد ذكرت خصوصيات لبني تميم وهم مع ذلك مفضولون. ١٣ - وفيها فضيلة ظاهرة لبني تميم. ١٤ - وفيها دليل للجمهور في صحة تملك العربي، وإن كان الأفضل عتق من يسترق منهم، وفرق بعضهم بين عربي من ولد فاطمة ﵂، مثلا، فيجب إعتاقه، وبين عربي من ولد إسماعيل ﵇ فيستحب. والله أعلم

стр. 5500

(٦٧٢) باب خيار الناس ٥٦١٤ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "تجدون الناس معادن. فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. وتجدون من خير الناس في هذا الأمر، أكرههم له، قبل أن يقع فيه. وتجدون من شرار الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه". ٥٦١٥ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس معادن" بمثل حديث الزهري. غير أن في حديث أبي زرعة والأعرج: "تجدون من خير الناس في هذا الشأن، أشدهم له كراهية، حتى يقع فيه". -[المعنى العام]- لا شك أن الناس قديما وحديثا كالمعادن منها النفيس، ومنها الخسيس، منها ما يساوي الفلس، ومنها ما يساوي القنطار، والقبائل قبل الإسلام كانت معروفة الحسب والنسب، موزونة القدر والقيمة، فمن كان منها شريفا قبل إسلامه، فأسلم وتفقه اتصل شرفه وعلا قدره، وبقي في المسلمين شريفا مرموقا، كما كان بين الكافرين شريفا مرموقا، ومن كان شريفا في الكفر، فلم يسلم، فليس له بين المسلمين شرف ولا قدر، ومن كان غير شريف فأسلم وتفقه شرف بالإسلام وبالفقه، وكان شرفه أقل من شريف أسلم وتفقه في الدين، وهكذا يسلم الكافر على ما كان من خير له، ويستصحب معه ما قدم من مكارم الأخلاق، ومن سجايا الفضيلة والمعروف، كمن آمن بمحمد ﷺ من أهل الكتاب، فإنه يؤتي أجره مرتين. ومن خيار الناس من لا يسأل الإمارة، ولا يحرص عليها، فإن جاءته أعانه الله عليها. ومن شرار الخلق المنافق، ذو الوجهين الذي يثير الفتنة بين الناس، ويأتي هؤلاء بوجه وقول، وهؤلاء بوجه وقول، والمعدن النفيس لا يجري وراء الإمارة لئلا يقع في مسئولياتها التي لا يقدر عليها، ولا يكون أبدا ذا وجهين ولا من المنافقين.
следующие страницы →