← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

أما مزينة فبضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء، وهو اسم امرأة عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أم أوس وعثمان ابني عمرو، فولد هذين يقال لهم: بنو مزينة، والمزنيون من قدماء الصحابة منهم عبد الله بن مغفل المزني، وعمه خزاعى بن عبد نهم، وإياس بن هلال، وابنه قرة بن إياس. وأما جهينة فهم بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم، ومن مشهور الصحابة منهم عقبة بن عامر الجهني وغيره. وأما أشجع بالشين والجيم والعين، على وزن أحمر، وهم بنو أشجع بن ريث بفتح الراء وسكون الياء بعدها ثاء، ابن غطفان بن سعد بن قيس، ومن مشهور الصحابة منهم نعيم بن مسعود بن عامر، وقد سبق القول بأن المقصود المجموع والإجمال، لا الجميع والاستغراق، ولذلك كانت العبارة مع بعضهم "ومن كان من بني عبد الله" في الرواية السادسة، أي ومن كان مؤمنا من بني عبد الله، و"من كان من جهينة" أي ومن كان مؤمنا من جهينة، وفي الرواية الثامنة والتاسعة، "أو شيء من جهينة" في الرواية العاشرة، و"من كان من مزينة" في الرواية التاسعة. ونلاحظ أن من كان من بني عبد الله ذكروا في مقام المدح والتفضيل في الرواية السادسة، وذكروا في مقام الذم والمفضل عليهم في الرواية الثالثة عشرة، وفي البخاري، فالأولون من آمنوا، والآخرون من لم يؤمنوا، وبنو عبد الله بن غطفان بفتح الغين والطاء بعدها فاء، أي ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وكان اسم عبد الله بن غطفان في الجاهلية عبد العزى، فصيره النبي ﷺ عبد الله، وبنوه يعرفون ببني المحولة، لتحويل اسم أبيهم. أما المفضل عليهم فهو بنو تميم وبنو عامر وأسد وغطفان وطيئ وهوازن. وبنو تميم بن مر، بضم الميم وتشديد الراء، ابن أد، بضم الهمزة وتشديد الدال، ابن طابخة بن إلياس بن مضر، وفيهم بطون كثير، وقد ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ مع سجاح، ولا يتعارض هذا مع مدحهم ببعض الصفات في بعض الأحوال، كما سيأتي عنهم في الرواية السادسة عشرة وملحقيها. وبنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وقد ذكر بنو عامر في الرواية الثامنة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة، وذكرت بدلها. هوازن: في الرواية العاشرة، قال الحافظ ابن حجر: فذكر هوازن أشمل من ذكر بني عامر، ومن قبائل هوازن - غير بني عامر - بنو نصر بن معاوية، وبنو سعد بن بكر بن هوازن، وثقيف، وهو قيس ابن منبه بن بكر ابن هوازن، والجميع يجمعهم هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح الخاء وسكون الصاد بعدها فاء. وأسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا عددا كثيرا، وكانت منازلهم ظاهر مكة، حتى وقع بينهم وبين خزاعة شجار، فقتل فضالة بن عبادة بن مرارة الأسدي هلال بن أمية الخزاعي، فقتلت خزاعة فضالة بصاحبها، فنشبت الحرب بينهم، فبرحت

стр. 5497

بنو أسد عن منازلهم، فحالفوا غطفان، فصار يقال للطائفتين: الحليفان. أسد وغطفان كما في الرواية الثامنة عشرة. وطيئ ذكرت في المفضل عليهم في الرواية التاسعة، وهي بفتح الطاء وتشديد الياء المكسورة بعدها همزة، وحكي تركها، وهو ابن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، يقال: كان اسمه جلهمة، فسمي طيئا، لأنه أول من طوى بئرا، وقبيلة طيئ من القبائل التي تأخر إسلامها إلى سنة الوفود، وكان رئيسها عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، بوزن جعفر، ابن امرئ القيس بن عدي الطائي. وذكر ابن إسحاق أن خيل النبي ﷺ أصابت أخت عدي، فقالت له: هلك الوالد، وغاب الوافد، قال لها: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: امنن من الله عليك. قال: أطلقوا سراحها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، فلما قدمت بنت حاتم على عدي أخيها أشارت عليه بالقدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم وأسلم. ويروي الإمام أحمد في سبب إسلام عدي أنه قال: لما بعث النبي ﷺ كرهته، فانطلقت إلى أقصى الأرض، مما يلي الروم، ثم كرهت مكاني، فقلت: لو أتيته؟ فإن كان كاذبا لم يخف علي، فأتيته، فقال: أسلم تسلم. فقلت: إن لي دينا - وكان نصرانيا، فذكر إسلامه. (فوالذي نفسي بيده. إنهم لأخير منهم) كذا في الرواية الحادية عشرة، قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "لأخير" وهي لغة قليلة، تكررت في الأحاديث، وأهل العربية ينكرونها، يقولون: الصواب "خير" و"شر" ولا يقال "أخير" ولا "أشر" ولا يقبل إنكارهم فهي لغة، قليلة الاستعمال. (عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت عمر بن الخطاب) أي في خلافته. (فقال لي: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ، ووجوه أصحابه، صدقة طيئ، جئت بها إلى رسول الله ﷺ وجاءت هذه الصدقة في أخريات أيامه ﷺ ، والمراد من تبيضها الوجوه أنها سرتهم وأفرحتهم، لسرورهم بإسلام طيئ. وقد روى البخاري عن عدي ﵁ قال: "أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلا رجلا، ويسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى. أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذن" أي إذا كنت تعرف قدري فلا أبالي إذا قدمت على غيري من قومي. (قدم الطفيل وأصحابه فقالوا: يا رسول الله، إن دوسا قد كفرت، وأبت، فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس) حيث طلبوا من الرسول ﷺ أن يدعو عليها بالهلاك، فسكت قليلا، فظنوه دعا عليهم فقالوا: هلكت. (فقال: اللهم اهد دوسا، وائت بهم) و"دوس" بفتح الدال وسكون الواو بعدها

стр. 5498

سين مكسورة و"دوس" قبيلة أبي هريرة، وهم ينتسبون إلى دوس بن عدثان بضم العين وسكون الدال بعدها ثاء، ابن عبد الله ابن زهران، وينتهي نسبهم إلى الأزد، وكانوا في الجاهلية يعبدون صنما يقال له: ذو الخلصة. والطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، والقائل: "إن دوسا قد كفرت، وأبت، فادع الله عليها" هو الطفيل وأصحابه، وكان الطفيل قد أسلم بمكة، ورجع إلى بلاد قومه، ودعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، ثم وافى النبي ﷺ في عمرة القضاء، وقيل: قدم مع أبي هريرة بخيبر، فكان هذا القول منه، وكان هذا الدعاء من رسول الله ﷺ ، وأجاب الله الدعاء فجاء حبيب بن عمرو بن حثمة حاكم الدوس، ومعه خمسة وسبعون رجلا من قومه، فأسلم وأسلموا. (قال أبو هريرة: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ وفي ملحق الرواية "لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث ... " وعند البخاري "مازلت أحب بني تميم منذ ثلاث ... " أي من حين سمعت الخصال الثلاث، زاد أحمد "وما كان قوم من الأحياء أبغض إلي منهم، فأحببتهم" وكان ذلك لما كان يقع بينهم وبين قوم أبي هريرة في الجاهلية من العداوة. (هم أشد أمتي على الدجال) وفي الملحق الثاني للرواية "هم أشد الناس قتالا في الملاحم" وهي أعم مما في الرواية الأساسية، ويمكن أن يحمل العام في ذلك على الخاص، فيكون المراد بالملاحم أكبرها، وهو قتال الدجال، أو ذكر الدجال ليدخل غيره بالطريق الأولى. قاله ابن حجر. (وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ : هذه صدقات قومنا) قال العلماء: إنما نسبهم إليه، لاجتماع نسبهم بنسبه ﷺ في إلياس بن مضر، وليس هذا القول بذاك، فما أكثر القبائل التي يجتمع نسبها بنسبه، ولم يقل فيهم مثل ذلك، والأولى أن يقال: إنما نسبهم إليه تأليفا لقلوبهم، فقد كانوا قوما غلاظا. (وكانت سبية منهم عند عائشة) أي من بطن من بطونهم، وعند الطبراني أن عائشة كانت نذرت أن تعتق محررا من بني إسماعيل، فلما قدم سبي بني العنبر قال لها ﷺ : ابتاعي منهم، فإنهم ولد إسماعيل، وبنو العنبر بطن من بطون تميم، وفي رواية "نسمة" بدل "سبية". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - جواز التفضيل بين القبائل، بهدف ديني، ولا يعد ذلك من الغيبة. ٢ - فيها مناقب للقبائل التي فضلت. ٣ - جواز استعمال الجناس، دون تكلف فإنه يلذ على السمع، لسهولته وانسجامه.

стр. 5499

٤ - أن الشرف يحصل للمجموع، إذا حصل لبعضه. ٥ - أخذ بعضهم من قوله "موالي" في الرواية السادسة والسابعة، النهي عن استرقاقهم، وأنهم لا يدخلون تحت الرق. قال الحافظ ابن حجر: وهذا بعيد. ٦ - ومن الرواية الرابعة جواز لعن الكفار جملة، أو لعن طائفة منهم، بخلاف الواحد بعينه. ٧ - وجواز ذلك في القنوت في الصلاة. ٨ - ومن الرواية الحادية عشرة أن الإسلام يجب ما قبله. ٩ - وجبر خاطر من وقع في زلات، ورد اعتباره إليه بالإحسان اللاحق. ١٠ - ومن الرواية الرابعة عشرة أن المسلم يسره ويفرحه قيام الآخرين بشعائر الإسلام. ١١ - ومن الرواية الخامسة عشرة استحباب الدعاء بالهداية للضالين، وإن طلب الدعاء عليهم. ١٢ - ومن الرواية السادسة عشرة أن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، فقد ذكرت خصوصيات لبني تميم وهم مع ذلك مفضولون. ١٣ - وفيها فضيلة ظاهرة لبني تميم. ١٤ - وفيها دليل للجمهور في صحة تملك العربي، وإن كان الأفضل عتق من يسترق منهم، وفرق بعضهم بين عربي من ولد فاطمة ﵂، مثلا، فيجب إعتاقه، وبين عربي من ولد إسماعيل ﵇ فيستحب. والله أعلم

стр. 5500

(٦٧٢) باب خيار الناس ٥٦١٤ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "تجدون الناس معادن. فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. وتجدون من خير الناس في هذا الأمر، أكرههم له، قبل أن يقع فيه. وتجدون من شرار الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه". ٥٦١٥ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس معادن" بمثل حديث الزهري. غير أن في حديث أبي زرعة والأعرج: "تجدون من خير الناس في هذا الشأن، أشدهم له كراهية، حتى يقع فيه". -[المعنى العام]- لا شك أن الناس قديما وحديثا كالمعادن منها النفيس، ومنها الخسيس، منها ما يساوي الفلس، ومنها ما يساوي القنطار، والقبائل قبل الإسلام كانت معروفة الحسب والنسب، موزونة القدر والقيمة، فمن كان منها شريفا قبل إسلامه، فأسلم وتفقه اتصل شرفه وعلا قدره، وبقي في المسلمين شريفا مرموقا، كما كان بين الكافرين شريفا مرموقا، ومن كان شريفا في الكفر، فلم يسلم، فليس له بين المسلمين شرف ولا قدر، ومن كان غير شريف فأسلم وتفقه شرف بالإسلام وبالفقه، وكان شرفه أقل من شريف أسلم وتفقه في الدين، وهكذا يسلم الكافر على ما كان من خير له، ويستصحب معه ما قدم من مكارم الأخلاق، ومن سجايا الفضيلة والمعروف، كمن آمن بمحمد ﷺ من أهل الكتاب، فإنه يؤتي أجره مرتين. ومن خيار الناس من لا يسأل الإمارة، ولا يحرص عليها، فإن جاءته أعانه الله عليها. ومن شرار الخلق المنافق، ذو الوجهين الذي يثير الفتنة بين الناس، ويأتي هؤلاء بوجه وقول، وهؤلاء بوجه وقول، والمعدن النفيس لا يجري وراء الإمارة لئلا يقع في مسئولياتها التي لا يقدر عليها، ولا يكون أبدا ذا وجهين ولا من المنافقين.

стр. 5501

-[المباحث العربية]- (تجدون) الخطاب لسامعي الكلام من الصحابة، وغيرهم من غير الحاضرين مخاطبون بما خوطبوا به على طريق القياس، ويحتمل أن يكون خطابا لكل من يتأتى خطابه بذلك، في كل زمان ومكان. (الناس معادن) أل في "الناس" وإن صلحت للجنس، لكن الأولى هنا أن تكون للعهد الذهني، والمقصودون الناس الذين جمعوا بين الجاهلية والإسلام، وفي الجملة تشبيه بليغ، حذف منه الوجه والأداة، أي أصول الناس وأحسابها كالمعادن في اختلافها من نفيس إلى خسيس، والمعادن جمع معدن، وهو الشيء المعروف المستقر في الأرض. (فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) هذا التفريع تشبيه آخر، حذف منه الوجه والأداة والمشبه به، لأن المعدن النفيس، في باطن الأرض نفيس، فإذا استخرج بقيت نفاسته وظهرت، وكذلك الأصول الشريفة في الجاهلية، هي رءوس بالنسبة إلى أهل الجاهلية، فإن أسلم الشريف استمر شرفه، وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية، فالذهب إذا استخرج وصنع سيفا، أشرف وأعظم قيمة من الحديد إذا استخرج وصنع سيفا. (إذا فقهوا) بضم القاف، ويجوز كسرها، وفيه إشارة إلى أن الشرف الإسلامي لا يتم إلا بالتفقه في الدين، فالتفقه في الدين في جانب المشبه يعدل الصنعة في جانب المشبه به. قال الحافظ ابن حجر: وعلى هذا فتنقسم الناس إلى أربعة أقسام، مع ما يقابلها: الأول: شريف في الجاهلية أسلم وتفقه (فهو كالذهب استخرج، وصنع حلية جميلة) ويقابله على النقيض منه مشروف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه (فهو كالحديد الذي لم يستخرج). الثاني: شريف في الجاهلية، أسلم ولم يتفقه (فهو كالذهب استخرج، ولم يصنع) ويقابله على النقيض مشروف في الجاهلية، لم يسلم، وتفقه. الثالث: شريف في الجاهلية لم يسلم، ولم يتفقه (فهو كالذهب لم يستخرج) ويقابله مشروف في الجاهلية، أسلم، ثم تفقه (فهو كالحديد، استخرج وصنع صنعة جميلة). الرابع: شريف في الجاهلية، لم يسلم، وتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، أسلم، ولم يتفقه (فهو كالحديد، استخرج، ولم يصنع). قال: فأرفع الأقسام من شرف في الجاهلية، ثم أسلم وتفقه. ويليه من كان مشروفا، ثم أسلم وتفقه. ويليه من كان شريفا في الجاهلية، ثم أسلم، ولم يتفقه.

стр. 5502

ويليه من كان مشروفا في الجاهلية، ثم أسلم، ولم يتفقه. أما من لم يسلم فلا اعتبار به، سواء كان شريفا، أو مشرفا، وسواء تفقه، أو لم يتفقه. قال: والمراد بالخيار، في قوله "خيارهم" وبقولنا "شريف" من كان متصفا بمحاسن الأخلاق، من جهة ملاءمة الطبع ومنافرته خصوصا بالانتساب إلى الآباء المتصفين بذلك، كالكرم والعفة والحلم والنجدة، متوقيا لمساويها كالبخل والفجور والظلم والخذلان وغيرها، ثم الشرف في الإسلام بالخصال المحمودة شرعا. ولفظ "الخيار" جمع "خير" و"خير" تصلح صفة مطلقة، وتصلح أفعل تفضيل، تقول خير فيحتمل أن المعنى من كان فيه خير في الجاهلية ففيه خير في الإسلام، ويحتمل أن المعنى من اتصف بالأخيرية في الجاهلية، اتصف بها في الإسلام. (وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه) وفي ملحق الرواية "تجدون من خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية، حتى يقع فيه" وعند البخاري "وتجدون خير الناس" وتقدير "من" في روايته هنا ضرورية، لأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس على الإطلاق. واختلف في المراد من الأمر أو الشأن، فقال الحافظ ابن حجر: المراد به الولاية والإمرة، لأن الدخول في عهدة الإمرة مكروه، من جهة تحمل المشقة فيه، وإنما تشتد الكراهة له ممن يتصف بالعقل والدين، لما فيه من صعوبة العمل بالعدل، وحمل الناس على رفع الظلم، ولما يترتب عليه من مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوقه وحقوق عباده، ولا يخفى خيرية من خاف مقام ربه. ثم قال: وأما قوله "حتى يقع فيه" فاختلف في مفهومه، فقيل: معناه أن من لم يكن حريصا على الإمرة، غير راغب فيها، إذا حصلت له بغير سؤال، تزول عنه الكراهة فيها، لما يرى من إعانة الله له عليها، فيأمن على دينه مما كان يخاف عليه منها، قبل أن يقع فيها، ومن هنا أحب من أحب استمرار الولاية، من السلف الصالح، حتى قاتل عليها، وصرح بعض من عزل منهم بأنه لم تسره الولاية، بل ساءه العزل. وقيل: المراد بقوله "حتى يقع فيه" أي فإذا وقع فيه لا يجوز له أن يكرهه، وقيل: معناه أن العادة جرت بذلك، وأن من حرص على الشيء، ورغب في طلبه قل أن يحصل له، ومن أعرض عن الشيء، وقلت رغبته فيه يحصل غالبا. اهـ. وللقاضي عياض رأي آخر في المراد من الأمر والشأن، فيقول: يحتمل أن المراد به الإسلام، كما كان من عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وغيرهم من مسلمة الفتح، وغيرهم ممن كان يكره الإسلام، كراهية شديدة، فلما دخل فيه أخلص وأحبه، وجاهد فيه حق جهاده. اهـ. وما قاله الحافظ ابن حجر أولى بالقبول، وإن كان الترابط بين ما قاله القاضي عياض وبين صدر الحديث قويا، والمناسبة ظاهرة، لكن لا يقال: إن عمرا وعكرمة وسهيلا كانوا في الإسلام خيرا من أبي بكر ﵃ أجمعين.

стр. 5503

(وتجدون من شرار الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه) وفي رواية للبخاري "تجدون شر الناس" و"من" فيها مقدرة، كما سبق، و"أل" في "الناس" هنا للجنس، فذو الوجهين من أفحش الناس شرا، ويؤيده رواية "من شر خلق الله ذو الوجهين". قال القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شر الناس، لأن حاله حال المنافق، إذ هو متملق بالباطل وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس، ويحتمل أن تكون "أل" في "الناس" للعهد، والمراد بهم أهل الطائفتين المتضادتين، فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهرا، فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه الفريقين، ليطلع على أسرارهم، فهو شرهم كلهم. قال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها، ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع، وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين. اهـ. وجاء في رواية الإسماعيلي "الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء". وقال ابن عبد البر: حمله على ظاهره جماعة، وهو أولى، وتأويله قوم على أن المراد به من يرائي بعمله، فيري الناس خشوعا، واستكانة، ويوهمهم أنه يخشى الله، حتى يكرموه، وهو في الباطن بخلاف ذلك، قال: وهذا محتمل لو اقتصر الحديث على صدره "وتجدون من شرار الناس ذا الوجهين" فإنه داخل في مطلق ذي الوجهين، لكن بقية الحديث ترد هذا التأويل، وهي قوله "يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - أن الحسب له قيمته في الإسلام. ٢ - أن الفقه والعلم بأمور الشريعة ركن متمم للإسلام. ٣ - ذم السعي وراء الإمارة، ومدح من يعف عنها، ويزهد فيها. ٤ - ذم النفاق والسعي بين الناس بالفساد، ونقل الحديث والأخبار، قال النووي: أما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. وقال بعضهم: الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة عملها، ويقبحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى، والمحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل ما يمكنه من الجميل، ويستر القبيح. والله أعلم

стр. 5504

(٦٧٣) باب من فضائل نساء قريش ٥٦١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير نساء ركبن الإبل (قال أحدهما: صالح نساء قريش. وقال الآخر: نساء قريش) أحناه على يتيم في صغره. وأرعاه على زوج في ذات يده". ٥٦١٧ - عن أبي هريرة ﵁. يبلغ به النبي ﷺ . وابن طاوس عن أبيه يبلغ به النبي ﷺ . بمثله. غير أنه قال: "أرعاه على ولد في صغره" ولم يقل: يتيم. ٥٦١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نساء قريش خير نساء ركبن الإبل. أحناه على طفل. وأرعاه على زوج في ذات يده". قال: يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط. ٥٦١٩ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ خطب أم هانئ، بنت أبي طالب. فقالت: يا رسول الله! إني قد كبرت. ولي عيال. فقال رسول الله ﷺ : "خير نساء ركبن" ثم ذكر بمثل حديث يونس. غير أنه قال: "أحناه على ولد في صغره". ٥٦٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده". -[المعنى العام]- فضل الله بعض الأزمنة على بعض، وفضل بعض الأمكنة على بعض، وفضل بعض الناس على

стр. 5505

بعض، وفضل بعض الرسل على بعض، وفضل بعض الرجال على بعض، وفضل بعض النساء على بعض، ولكل تفضيل جهة فضل، وليست هناك أفضلية من جميع الجهات. وهذا الحديث يفضل نساء قريش على نساء العرب من زاوية معينة، هي زاوية العطف على الولد، وحسن رعايته وتربيته إذا فقد أباه، وآية هذا الحنان تظهر عند اشتداد الحاجة إليه، وتشتد الحاجة إليه عند فقد المربي الأول، والراعي الأول للأولاد، وهو الأب، وآية حنان الأم، أن تقيم على أولادها، وتمنحهم كل مشاعرها وعطفها، فإن هي تزوجت رجلا غير أبيهم، فقدت بعض عطفها عليهم، بل قد تفقد كل عطفها عليهم. كما يفضل الحديث نساء قريش من زاوية أخرى هي زاوية رعاية الزوج في ماله، وحفظه في بيته، وحسن تبعله، أما نساء الأنصار، فقد فضلن من زاوية أخرى "نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". -[المباحث العربية]- (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش) وفي الرواية الثالثة "صالح نساء قريش" وهذا القيد مراد في الرواية الأولى، قال النووي: ومعنى "ركبن الإبل" نساء العرب. وقال القرطبي: هذا تفضيل لنساء قريش على نساء العرب خاصة، لأنهم أصحاب الإبل غالبا، وقد عرف أن العرب خير من غيرهم مطلقا في الجملة، فكأنه قال: خير النساء نساء قريش، أو صالح نساء قريش. وفي رواية "صلح نساء قريش" بضم الصاد وفتح اللام المشددة، بصيغة الجمع، والمراد بالصلاح هنا صلاح الدين وحسن المخالطة مع الزوج ونحو ذلك. وفي ملحق الرواية الثانية بيان سبب ورود هذا الحديث، وفيه "أن النبي ﷺ خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله، إني قد كبرت، ولي عيال. فقال رسول الله ﷺ : خير نساء ركبن الإبل ... " ويذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة وابن عبد البر في الاستيعاب أن النبي ﷺ خطب أم هانئ من أبيها عمه أبي طالب، وكان اسمها فاختة، وقيل: فاطمة، وقيل: هند وهي شقيقة علي، وخطبها في الوقت نفسه هبيرة ابن عمرو بن عائذ المخزومي، فزوج هبيرة، واعتذر للنبي ﷺ ، ثم فرق الإسلام بين أم هانئ وبين هبيرة، لأن هبيرة لم يسلم، ولما فتحت مكة هرب إلى نجران، وقال معتذرا عن فراره: لعمرك ما وليت ظهري محمدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل ولكنني قلبت أمري فلم أجد ... لسيفي غناء - إن ضربت - ولا نبلي وقفت فلما خفت ضيعة موقفي ... رجعت لعود كالهزبر أبي الشبل ولما علم هبيرة بإسلام أم هانئ قال فيها شعرا، منه قوله يخاطبها:

стр. 5506

لئن كنت قد تابعت دين محمد ... وعطفت الأرحام منك حبالها فكوني على أعلى سحيق بهضبة ... ممنعة لا تستطاع قلالها فإني من قوم إذا جد جدهم ... على أي حال أصبح القوم حالها وإني لأحمي من وراء عشيرتي ... إذا كثرت تحت العوالي مجالها ولدت أم هانئ لهبيرة عمرا وهانئا ويوسف وجعدة، فلما فرق الإسلام بين أم هانئ وبين هبيرة خطبها النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله. والله، إني كنت لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام، ولأنت أحب إلي من سمعي وبصري، وحق الزوج عظيم، وأنا أخشى أن أضيع حق الزوج، وأنا امرأة مصبية، فأكره أن يؤذوك، فقال ﷺ : "خير نساء ركن الإبل .... " الحديث. فلما أدرك بنوها عرضت نفسها على النبي ﷺ ، فقال: أما الآن فلا، لأن الله أنزل عليه قوله ﴿وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ [الأحزاب: ٥٠] ولم تكن من المهاجرات. عاشت ﵂ بعد علي ﵁. (أحناه على يتيم في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده) في ملحق الرواية "أرعاه على ولد في صغره" وفي الرواية الثانية "أحناه على طفل" و"أحناه" بسكون الحاء، أي أكثره شفقة، وعطفا من الحنو، يقال: حنا يحنو ويحني، من الثلاثي، وأحنى يحني من الرباعي، والحانية التي تقوم بولدها بعد موت الأب، قال ابن التين: وحنت المرأة على ولدها إذا لم تتزوج بعد موت الأب، فإن تزوجت فليست بحانية. و"أرعاه على زوج" أي أحفظه، وأصونه لماله، بالأمانة فيه، والصيانة له، وترك التبذير في الإنفاق، من الرعاية، وكان حقه أن يقول: أحناهن، وأرعاهن، أي أحنى النساء، لكن العرب تكلموا بالضمير مفردا مذكرا، على إرادة اللفظ أو الجنس أو الشخص أو الإنسان، وجاء نحو ذلك في حديث "كان النبي ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا" بالإفراد في "أحسنه" الثانية، أي أحسن الجنس خلقا، ومر علينا قريبا حديث أبي سفيان، وقوله "عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة" بالإفراد والتذكير في "أجمله" قال أبو حاتم السجستاني: لا يكادون يتكلمون به إلا مفردا. ومعنى "في ذات يده" أي في ماله ومكسبه المضاف إليه، ومنه قولهم: فلان قليل ذات اليد، أي قليل ما ملكت يداه، أي قليل المال، ووضعت المرأة ذات بطنها، أي ولدت، وأصل "ذات" مؤنث "ذو" بمعنى صاحب، فهي صفة لموصوف مؤنث محذوف، وأصل "أرعاه في ذات يده" أي أرعى النساء في الأموال صاحبة يده، ووضعت المرأة ذات بطنها، أي وضعت نفسا صاحبة بطنها، وقابلته ذات يوم، أي مقابلة صاحبة يوم، أي في يوم، وما كلمته ذات شفة، أي ما كلمته كلمة صاحبة شفة، أي خارجة من شفة، وإصلاح ذات البين، أي إصلاح الشأن والحال صاحبة الفرقة، وجلس ذات اليمين، وذات الشمال، أي الجهة صاحبة اليمين والجهة صاحبة الشمال.

стр. 5507

(يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط) يشير بذلك إلى أن "مريم" لم تدخل في هذا العموم، لأنه قيد أصل الفضل بمن يركبن الإبل، ومريم لم تركب بعيرا قط، وقد اعترض بعضهم، فقال: كأن أبا هريرة ظن أن البعير لا يكون إلا من الإبل، وليس كما ظن، بل يطلق البعير على الحمار، وهذا الاعتراض ساقط، لأنه على فرض إطلاق البعير على الإبل وعلى الحمار، فنفي ركوبه يخرج "مريم" من عموم التفضيل. والظاهر أن أبا هريرة علم ذلك عن طريق النبي ﷺ ، فعند أحمد "وقد علم رسول الله ﷺ أن مريم لم تركب بعيرا قط". -[فقه الحديث]- فهم بعضهم أن أبا هريرة يرى أن مريم أفضل النساء مطلقا، وهذا مقبول على القول بأنها كانت نبية، وقد استدل على أنها كانت نبية بقوله تعالى ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ [آل عمران: ٤٢] وأنها ذكرت في سورة مريم بمثل ما ذكر به الأنبياء، قالوا: ولا يمنع وصفها بأنها صديقة من كونها نبية، فإن يوسف ﵇ وصف بذلك مع كونه نبيا، وقد نقل الأشعري أن في النساء نبيات، وجزم ابن حزم بنبيات ست: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى وآسية، ومريم، ولم يذكر القرطبي سارة ولا هاجر، ونقله السهيلي في آخر الروض عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية، وقال عياض: الجمهور على خلافه، وذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في شرح المهذب لجماعة، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبية، ولا في الجن. وقال السبكي: اختلف في هذه المسألة، ولم يصح عندي في ذلك شيء. اهـ. وإخراج أبي هريرة "مريم" من المفاضلة لا يلزم منه أن تكون أفضل النساء مطلقا، لأن المفاضلة بين راكبات الإبل، والكثيرات من النساء لم يركبن الإبل في سابق العصور ولاحقها، على أن "من" مقدرة، كما ذكرنا سابقا، لأن من اتصفت بذلك فقط لا تكون خير النساء على الإطلاق، فإخراج مريم من المفاضلة لا يمنع من إخراج غيرها، ولا يفيد تفضيل مريم على غيرها من النساء، وقد قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ قالوا: على عالمي زمانها، وقد سبقت المسألة في كتاب فضائل الصحابة أبواب من فضائل خديجة وعائشة وفاطمة ﵅. وفي الحديث منقبة لنساء قريش، وأن غير القرشيات لسن كفئا لهن، واستحباب تخير الزوجة، ذكره الحافظ ابن حجر. وفي الحديث فضل الحنو والشفقة، وحسن التربية والقيام على الأولاد، وحفظ مال الزوج وحسن التدبير فيه، ومشروعية إنفاق الزوج على زوجته. والله أعلم

стр. 5508

(٦٧٤) باب مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه، ﵃ ٥٦٢١ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة. ٥٦٢٢ - عن عاصم الأحول قال: قيل لأنس بن مالك: بلغك أن رسول الله ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام"؟ فقال أنس: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار، في داره. ٥٦٢٣ - عن أنس ﵁ قال: حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار، في داره التي بالمدينة. ٥٦٢٤ - عن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حلف في الإسلام. وأيما حلف، كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة". -[المعنى العام]- التحالف والتعاهد على الخير عرف قبل الإسلام، وعرفته العرب، قالوا: وأول حلف بمكة حلف الأحابيش، سمي بذلك لتحالفهم عند حبش - جبل على سبعة أميال من مكة، وقيل: لتحبشهم أي تجمعهم، تحالفوا على أن يكونوا يدا على غيرهم مارسي حبش مكانه، ثم كان حلف قريش وثقيف ودوس على أن لا يعتدي بعضهم على بعض، ثم كان حلف المطيبين وأزد، وفي الحديث "ما شهدت من حلف إلا حلف المطيبين، وما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم" وفي رواية "شهدت وأنا غلام حلفا مع عمومتي المطيبين" ثم كان حلف الفضول - وهم فضل وفضالة ومفضل، وكان حلفهم ألا يعين أحد ظالما، وأن يعان المظلوم، وظهر الإسلام على ذلك، فوقعت المؤاخاة في الإسلام، وهي أحلاف بين أشخاص، وتعاون على البر والتقوى، وقد ضرب الأنصار في ذلك المثل الأعلى، حتى نزل فيهم ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩].

стр. 5509

-[المباحث العربية]- (أن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة بن الجراح، وبين أبي طلحة) المؤاخاة رباط بين طرفين في حقوق معينة، ليس بينهما أخوة نسب، قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين، مرة بين المهاجرين خاصة بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار. اهـ. وهي المقصودة هنا، وكان ابتداؤها بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: بتسعة أشهر، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر، قبل بدر، والتحقيق أن ابتداء المؤاخاة كان أوائل قدومه المدينة، واستمر يجددها بحسب من يدخل في الإسلام، أو يحضر إلى المدينة، والتحقيق أيضا أن بعض المؤاخاة كانت بين المهاجرين، بعضهم مع بعض، وبين بعضهم والأنصار، فعند الحاكم "آخى رسول الله ﷺ بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان، وفيه "آخى النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود" وقد ثبت أيضا أن كل واحد من هؤلاء قد آخى النبي ﷺ بينه وبين رجل من الأنصار، ولا مانع في ذلك، فقد يكون للواحد عدد من الإخوة من النسب، والمقصود من المؤاخاة إرفاق بعضهم ببعض، وتأليف قلوب بعضهم على بعض، وقد يكون البعض أقوى في المال أو العشيرة أو الجاه، فيستعين الأعلى بالأدنى، ويفيد الأدنى من الأعلى، قال السهيلي: آخى بين أصحابه، ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويأتنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام، واجتمع الشمل، وذهبت الوحشة، أبطل الإرث بالأخوة، وجعل المؤمنين كلهم إخوة يعني في التواد، وشمول الدعوة اهـ. وقد ذكر ابن سعد "لما قدم النبي ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين والأنصار، على المواساة، وكانوا يتوارثون، وكانوا تسعين نفسا، بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار، فلما نزل ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب: ٦] بطلت المواريث بالمؤاخاة، وبقي بها المعاونة والمواساة. وفي البخاري "كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري، دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم .... ". وأبو عبيدة بن الجراح مهاجر، خصص لبعض فضائله باب مستقل، قبل خمسة وثلاثين بابا، وأبو طلحة أنصاري، زوج أم سليم، والدة أنس بن مالك. (قيل لأنس: بلغك أن رسول الله ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ ) الكلام على الاستفهام، مع حذف الأداة، وهي مذكورة في رواية البخاري، والحلف بكسر الحاء وسكون اللام، العهد، وكأن السائل يشير بذلك السؤال إلى روايتنا الرابعة. (فقال أنس: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داره) قال ابن عيينة: حالف بينهم، أي آخى بينهم. اهـ. فمعنى الحلف في الجاهلية معنى الأخوة في الإسلام، لكنه في الإسلام يجري على أحكام الدين وحدوده، وحلف الجاهلية كان يجري على ما كانوا يضعونه بينهم

стр. 5510

بآرائهم، فبطل من حلف الجاهلية ما خالف حكم الإسلام، وبقي ما عدا ذلك على حاله، وفي الرواية الثالثة "حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داره التي بالمدينة" وفي بعض النسخ "في داري التي بالمدينة" وعند البخاري "بين قريش والأنصار في داري" ولا إشكال، فقد تعددت المؤاخاة كما ذكرنا. وقد جمع العلماء بين إثبات المحالفة هنا، وبين نفيها في روايتنا الرابعة، بلفظ "لا حلف في الإسلام" فحملوا الحلف المثبت على حلف التناصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى، وإقامة الحق، والحلف المنفى على حلف التوارث، والحلف على ما منع الشرع منه، كذا قيل: لكن الحلف المثبت هنا كان يشمل التواري، فالأولى القول بالنسخ فيما يخص التوارث، فالنفي يراد به التوارث، أي لا توارث بالتآخي، وقد نسخ ما كان في الحلف المثبت. قال الطبري: ما استدل به أنس على إثبات الحلف، لا ينافي حديث جبير بن مطعم - روايتنا الرابعة - في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة، وكانوا يتوارثون به، ثم نسخ من ذلك الميراث، وبقي ما لم يبطله القرآن، وهو التعاون على الحق، والنصر، والأخذ على يد الظالم، كما قال ابن عباس: إلا النصر والنصيحة والرفادة، ويوصى له، وقد ذهب الميراث. اهـ. والمراد من قوله "وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا قوة" أي ما كان من أحلاف الجاهلية موافقا لشريعة الإسلام. واختلف الصحابة في الحد الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية، وحلف الإسلام، فقال ابن عباس: ما كان قبل نزول الآية المذكورة جاهلي، وما بعدها إسلامي. وعن علي: ما كان قبل نزول ﴿لإيلاف قريش﴾ [قريش: ١] جاهلي. وعن عثمان: كل حلف كان قبل الهجرة جاهلي، وما بعدها إسلامي. وعن عمر: كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود، وكل حلف بعدها منقوض. قال الحافظ ابن حجر: وأظن قول عمر أقواها. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - استحباب المؤاخاة، والتحالف على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان. ٢ - وفيه منقبة ظاهرة للمهاجرين والأنصار. ٣ - وكيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه، وقد أنكر ابن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصا مؤاخاة النبي ﷺ لعلي، قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضا، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي ﷺ لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري، قال الحافظ ابن حجر: وهذا رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض، بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين

стр. 5511

الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا، من قبل البعثة، واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأن زيدا مولاهم. ٤ - استدل به بعضهم إلى أن الكفالة التزام مال بغير عوض تطوعا، فيلزم، كما لزم استحقاق الأخ بالحلف الذي عقد على وجه التطوع. (إضافة) ذكر ابن إسحق المؤاخاة، فقال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه - بعد أن هاجر - تآخوا. أخوين. أخوين. فكان هو وعلي أخوين، وحمزة وزيد بن حارثة أخوين، وجعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، (وتعقبه ابن هشام بأن جعفرا كان يومئذ بالحبشة، ووجهه العماد بن كثير بأنه أرصده لأخوته حتى يقدم، وفي تفسير سنيد: آخى بين معاذ وابن مسعود) وأبو بكر وخارجة بن زيد أخوين وعمر وعتبان بن مالك أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وأبو ذر والمنذر بن عمرو أخوين، وحاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان وأبو الدرداء أخوين. والله أعلم

стр. 5512

(٦٧٥) باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة ٥٦٢٥ - عن أبي بردة عن أبيه ﵁ قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ . ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء! قال: فجلسنا فخرج علينا. فقال: "مازلتم ها هنا؟ " قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب. ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: "أحسنتم أو أصبتم" قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء. فقال: "النجوم أمنة للسماء. فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦] سبحانه هيأ الأسباب للمسببات، وجعل للنتائج مقدمات وجعل للساعة أشراطا وعلامات، فانتثار الكواكب، وتكوير الشمس، وانكدار النجوم، كل ذلك من علامات الساعة، وهناك علامات لا نراها، ربطها الإسلام بما نراه، فإذا رأينا النجوم قد ذهبت من السماء في الليلة المظلمة الخالية من السحاب علمنا أن السماء انفطرت وانشقت، وطالما كانت النجوم موجودة ظاهرة لنا آمنا أن السماء موجودة كذلك، وحصل لنا اطمئنان على الحياة الدنيا. والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا في أمن وأمان من وقوع عذاب جماعي بهم، ما دام الرسول ﷺ بينهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣] وعلم حذيفة وعمر وبعض الصحابة من رسول الله ﷺ أن وجود أبي بكر وعمر في حياتهم باب حائل بينهم وبين الفتن التي تموج موج البحر، وقد حصل كل ذلك، وسبحان علام الغيوب. -[المباحث العربية]- (فرفع رأسه إلى السماء) لأنه سيتكلم عنها.

стр. 5513

(وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء) في أصول مسند أحمد "وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء" بدون "من" وهي أظهر، فإن "ما" مصدرية، والمصدر اسم "كان" والتقدير: وكان رفعه رأسه إلى السماء كثيرا. (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد) بفتح الهمزة والميم والنون. قال العلماء: الأمنة والأمن والأمان بمعنى يقال: أمن بكسر الميم، يأمن بفتحها، أمنا وأمانا وأمانة، وأمنا بفتح الميم، وإمنا بكسر الهمزة وسكون الميم، وأمنة. اطمأن ولم يخف، والمعنى وجود النجوم في السماء علامة من علامات بقائها، لأن السماء نفسها غير مرئية، فما دامت النجوم باقية فالسماء باقية، فإذا النجوم انكدرت وتناثرت كشطت السماء وانشقت وانفطرت وذهبت. (وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون) من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما أنذر به صريحا، وقد وقع كل ذلك. (وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) من ظهور البدع في الدين والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك المدينة ومكة، وهذه كلها من معجزاته ﷺ ، كذا قال النووي. وفيه نظر، لأن كل ما ذكره حصل والصحابة أحياء، لم يذهبوا، ولم يكن وجود الصحابة مانعا من الردة، ولا من قتل عثمان ﵁، ولا من قتل عشرة آلاف من كبارهم في معركة الجمل وحدها، ولا من انتهاك مكة والمدينة على يد الحجاج، ولا من ظهور الخوارج. ولعل المراد من أصحابه أصحاب معينون - أبو بكر وعمر ﵄، كحديث حذيفة عن الفتنة وأن عمر كان الباب الذي يغلقها، وأن هذا الباب ينكسر بموته ﵁. -[فقه الحديث]- في الحديث معجزة ظاهرة من معجزاته ﷺ . وفيه فضيلة لصحابته ﵃. وأن ذهاب النجوم، وانتثار الكواكب، مرتبط بانفطار السماء، وقيام الساعة. وما كان عليه الصحابة من انتظار الصلاة بعد الصلاة. واستحباب ذلك، من إقراره ﷺ لهم، وتحسينه فعلهم. وأن وجود النبي ﷺ وحياته أمان لأمته، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]. والله أعلم

стр. 5514

(٦٧٦) باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ٥٦٢٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان. يغزو فئام من الناس. فيقال لهم. فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم: فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم: فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم: فيفتح لهم. ٥٦٢٧ - عن جابر ﵁ قال: زعم أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان. يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب النبي ﷺ ؟ فيوجد الرجل. فيفتح لهم به. ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ فيفتح لهم به. ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ فيوجد الرجل. فيفتح لهم به". ٥٦٢٨ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذين يلوني. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم. ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه. ويمينه شهادته" لم يذكر هناد القرن في حديثه. وقال قتيبة: "ثم يجيء أقوام". ٥٦٢٩ - عن عبد الله ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس خير؟ قال: "قرني. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته". قال إبراهيم: كانوا ينهوننا، ونحن غلمان، عن العهد والشهادات.

стр. 5515

٥٦٣٠ - عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم". فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: "ثم يتخلف من بعدهم خلف. تسبق شهادة أحدهم يمينه. ويمينه شهادته". ٥٦٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم. ثم الذين يلونهم" والله أعلم أذكر الثالث أم لا. قال: ثم يخلف قوم يحبون السمانة. يشهدون قبل أن يستشهدوا". ٥٦٣٢ - وفي رواية في حديث شعبة: قال أبو هريرة: فلا أدري مرتين أو ثلاثة. ٥٦٣٣ - عن عمران بن حصين ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن خيركم قرني. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله ﷺ ، بعد قرنه، مرتين أو ثلاثة: "ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون. ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن". ٥٦٣٤ - وفي رواية عن شعبة. بهذا الإسناد. وفي حديثهم: قال: لا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. وفي حديث شبابة قال: سمعت زهدم ابن مضرب، وجاءني في حاجة على فرس، فحدثني، أنه سمع عمران ابن حصين: وفي حديث يحيى وشبابة: "ينذرون ولا يفون". وفي حديث بهز: "يوفون كما قال ابن جعفر". ٥٦٣٥ - عن عمران بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ . بهذا الحديث: "خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم. ثم الذين يلونهم" زاد في حديث أبي عوانة قال: والله أعلم.

стр. 5516

أذكر الثالث أم لا. بمثل حديث زهدم عن عمران. وزاد في حديث هشام عن قتادة "ويحلفون ولا يستحلفون". ٥٦٣٦ - عن عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ : أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه. ثم الثاني. ثم الثالث". -[المعنى العام]- الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين هم الذين حموا دعوة الإسلام، وحملوها ونشروها، وكان لهم الفضل الأول والأكبر في تحمل أعبائها وأخطار الدفاع عنها ونشرها، باعوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون، قاتلوا، وهم قلة، وأنفقوا وبهم خصاصة، والرسول ﷺ يقول: "سبق درهم ألف درهم" فرجل يملك درهمين أنفق أحدهما في سبيل الله يسبق ألف درهم ينفقها في سبيل الله رجل يملك الملايين. والرسول الكريم يقول: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" يعني ما عادل حفنة من طعام أنفقها أحد الصحابة في صدر الإسلام، بل ما أنفقوا هم قبل فتح مكة وقتالهم قبل فتح مكة أعظم أجرا ودرجة مما أنفقوه بعد الفتح ومما قاتلوه بعد الفتح، مصداقا لقوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما﴾ [النساء: ٩٥] ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾ [الحديد: ١٠] ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾ [الأنفال: ٧٤] ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم﴾ [التوبة: ٢٠، ٢١] بهذا فضل الله الصحابة على غيرهم، وجعلهم خير القرون في هذه الأمة، وجعل التابعين يلونهم في الفضل، وتابعي التابعين يلون التابعين، وهكذا تتوالى الأجيال، وبقدر تمسكها بشريعتها، ودفاعها عن دينها يكون فضلها وسبقها، حتى تصل الأجيال في ضعفها الديني إلى أنهم يخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ويعدون ولا يوفون، ويصابون بالنهم والجري وراء الدنيا وشهواتها، حتى يسمنوا ثم لا يشبعون، ويتسابقون لشهادة الزور والباطل ويحلفون، يأكلون أموالهم بينهم بالباطل ويظلمون، لا يتناهون عن منكر فعلوه، بل يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويصبح المنكر عندهم معروفا، والمعروف منكرا، وأولئك شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة، والعياذ بالله رب العالمين.

стр. 5517

-[المباحث العربية]- (يأتي على الناس زمان، يغزو فئام من الناس) بكسر الفاء، ويجوز فتحها، بعدها همزة، ويجوز تسهيلها، والمشهور الأول، أي جماعة من الناس، والفعل "يغزو" منزل منزلة اللازم، أي يحصل منهم الغزو. وفي الرواية الثانية "يبعث منهم البعث" أي الجيش. (فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ ) الكلام على الاستفهام بحذف الأداة، وفي الرواية الثانية "فيقولون: انظروا. هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ "؟ القائلون بعض أفراد البعث لبعض يسألون ليتبركوا بهم. وذلك عندما يقل، أو يندر الصحابة، ويكون الجيش من التابعين. (فيقولون: نعم) فينا فلان، فيتبركون به. (فيفتح لهم) في الرواية الثانية "فيفتح لهم به" أي ببركته. (ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم) وذلك عندما يقل التابعون، أو يندر وجودهم في الجيش، ويكون الجيش من أتباع التابعين، فيفتح لهم ببركة التابعي الموجود في الجيش، وفي الرواية الثانية "ثم يبعث البعث الثاني، فيقولون: هل فيهم (فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة) من رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ (أي فيقولون: نعم، فيتبركون به) فيفتح لهم به"، أي ببركته. (ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ ، فيقولون: نعم. فيفتح لهم) في الرواية الثانية "ثم يبعث البعث الثالث، فيقال: انظروا. هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ ". (ثم يكون البعث الرابع، فيقال: انظروا. هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي ﷺ ، فيوجد الرجل، فيفتح لهم به) كذا بالرواية الثانية، مشيرا إلى أتباع أتباع التابعين، وقد اقتصرت الرواية الأولى وروايات البخاري على البعث الثالث، أتباع التابعين. (خير أمتي القرن الذين يلوني) المراد من القرن هنا أهل القرن، ولذلك عاد الضمير في "يلوني" جمعا مذكرا، والمراد قرنه ﷺ باعتبارهم أتباعا له ﷺ ، ففي الرواية الرابعة "سئل ﷺ : أي الناس خير؟ قال: قرني، ثم الذين يلونهم" وفي الرواية الخامسة "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" وفي الرواية السادسة "خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم" وفي الرواية السابعة "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم" وفي ملحق الرواية السابعة "خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم" وفي الرواية الثامنة "أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث". والقرن في الأصل أهل زمان واحد متقارب، اقترنوا، واشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، وخصه بعضهم بما إذا اجتمعوا في زمن نبي، أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل.

стр. 5518

ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها، من عشرة أعوام، إلى مائة وعشرين. وذكر الجوهري أقوالا، بين الثلاثين عاما والثمانين، وذكر صاحب المحكم أقوالا فيما بين العشرة والسبعين، ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن. قال الحافظ ابن حجر: وعند مسلم ما يدل على أن القرن مائة، وهو المشهور - يشير إلى أحاديث الباب التالي. والمراد من قرنه ﷺ في أحاديث الباب الصحابة، ومن الذين يلونهم التابعون، ومن الذين يلونهم أتباع التابعين، قال شهر: قرنه ﷺ : ما بقيت عين رأته، والذين يلونهم ما بقيت عين رأت من رآه، وهكذا. وقال الحافظ ابن حجر: وقد ظهر أن الذي بين بعثته ﷺ وآخر من مات من الصحابة مائة وعشرون سنة، أو دونها أو فوقها بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ ، - على ضوء أحاديث الباب التالي - فيكون مائة سنة، أو تسعين، أو سبعا وتسعين. وأما قرن التابعين، فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوا من خمسين فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين، ممن يقبل قوله: من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن أهل العلم، ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله ﷺ : "ثم يفشو الكذب" ظهورا بينا، حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات. والله المستعان. اهـ. والمراد من خيرية القرن، خيرية مجموعه وجملته بالنسبة لمجموع غيره وجملته هذا ما نميل إليه، وإن قال الحافظ ابن حجر: لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد محل بحث. وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، وسنحقق القول في هذه المسألة في فقه الحديث. (ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) وفي رواية "ثم يجيء أقوام" وفي الرواية الرابعة "ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته" و"تبدر" بفتح التاء وسكون الباء وضم الدال، بمعنى تسبق. قال الحافظ ابن حجر: أي في حالين، في حالة يشهد، ثم يحلف على صحة شهادته، ليقويها، فتسبق الشهادة اليمين، وفي حالة يحلف على صدق شهادته قبل أن يشهد، وليس المراد أن ذلك يقع في حالة واحدة، لأنه دور، به تصبح الشهادة سابقة ومسبوقة في وقت واحد، واليمين كذلك. قال: ويحتمل أن يقع ذلك في حال واحدة عند من يجيز الحلف في الشهادة، فيريد أن يشهد ويحلف. اهـ. وفي هذا الاحتمال نظر، لأن غاية ما فيه الجمع بين الحلف والشهادة، لا سبق كل منهما الآخر. وقال الطحاوي: أي يكثرون الأيمان في كل شيء، حتى تصير عادة لهم، والحرص على ذلك، حتى لا يدرى بأيهما يبدأ، لقلة المبالاة باليمين والشهادة.

стр. 5519

وفي الرواية الخامسة "ثم يتخلف من بعدهم خلف، تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "يتخلف" وفي بعضها "يخلف" بحذف التاء، وكلاهما صحيح، أي يجيء بعدهم خلف - بإسكان اللام، هكذا الرواية، والمراد خلف سوء، قال أهل اللغة: الخلف ما صار عوضا عن غيره، ويستعمل فيمن خلف بخير أو شر، لكن يقال في الخير بفتح اللام وإسكانها، لغتان، الفتح أشهر وأجود، وفي الشر بإسكانها عند الجمهور، وحكي أيضا فتحها. اهـ. وفي الرواية السادسة "يشهدون قبل أن يستشهدوا" وفي الرواية السابعة "يشهدون ولا يستشهدون" قال النووي: هذا الحديث في ظاهره مخالف للحديث الآخر "خير الشهود، الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها": قال العلماء: الجمع بينهما أن الذم في ذلك لمن بادر بالشهادة في حق الآدمي، هو عالم بها، قبل أن يسألها صاحبها، وأما المدح فهو لمن كانت عنده شهادة لآدمي، ولا يعلم بها صاحبها، فيخبره بها ليستشهد به عند القاضي إن أراد، أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف ورثة، لا يعلمون بها، فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم، فيعلمهم بذلك، ويلتحق به من كانت عنده شهادة حسبة، وهي الشهادة بحقوق الله تعالى، أو فيه شائبة من حق الله تعالى كالعتق، والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق ونحو ذلك، فيأتي القاضي، فيشهد بها، وهذا ممدوح، إلا إذا كانت الشهادة بحد، ورأى المصلحة في الستر. قال: وهذا الذي ذكرناه من الجمع بين الحديثين هو مذهب أصحابنا ومالك وجماهير العلماء، وهو الصواب، وقيل في الجمع أقوال أخرى ضعيفة منها: ١ - قول من قال بالذم مطلقا، ونابذ حديث المدح. ٢ - وقول من حمل الذم على شهادة الزور، (وأجاز أداء الشهادة قبل السؤال في غير ذلك). ٣ - وقول من حمل الذم على الشهادة بالحدود (وأجاز أداء الشهادة قبل السؤال في غير ذلك). قال: وكلها فاسدة. اهـ. وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث المدح "خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" لكونه من رواية أهل المدينة، رواية زيد بن خالد، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له. وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران، لاتفاق صاحبي الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد، فقال بالذم مطلقا. ومن العلماء من حمل حديث المدح على الكناية والمبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها، كما يقال في وصف الجواد: إنه ليعطي قبل الطلب، أي يعطي سريعا عقب السؤال من غير توقف ولا تردد. (كانوا ينهوننا - ونحن غلمان - عن العهد والشهادات) عن الجمع بين اليمين والشهادة، وقيل: المراد النهي عن قوله: على عهد الله، أو أشهد بالله، والقائل هو إبراهيم النخعي، وفي

стр. 5520

رواية للبخاري "ونحن صغار" وفي رواية "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد" قال ابن عبد البر: معناه عندهم النهي عن مبادرة الرجل بقوله: "أشهد بالله، وعلى عهد الله. لقد كان كذا وكذا ونحو ذلك، وإنما كانوا يضربونهم على ذلك، حتى لا يصير لهم به عادة، فيحلفوا في كل ما يصلح وما لا يصلح. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد النهي عن تعاطي الشهادات، والتصدي لها، لما في تحملها من الحرج، ولا سيما عند أدائها، لأن الإنسان معرض للنسيان والسهو، ولا سيما وهم - إذ ذاك - غالبا لا يكتبون. (ثم يخلف قوم يحبون السمانة) وفي الرواية السابعة "ويظهر فيهم السمن" قال النووي: السمانة بفتح السين هي السمن، بكسر السين وفتح الميم. قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثر فيهم ذلك، وليس معناه، أن يتمحضوا سمانا، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب، زائدا على المعتاد، وقيل: المراد بالسمن هنا أنهم يتكثرون بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، وغيره، وقيل: المراد جمعهم الأموال بحرص وطغيان. (ويخونون، ولا يؤتمنون) قال النووي: معناه خيانة ظاهرة، بحيث لا يبقى معها ائتمان، بخلاف من خان بحقير مرة واحدة، فإنه يصدق عليه أنه خان، ولا يخرج به عن الأمانة في بعض المواطن. اهـ. فهم لا يثق الناس بهم، ولا يعتقدونهم أمناء. (وينذرون ولا يوفون) بكسر الذال وضمها لغتان، وفي ملحق الرواية السابعة "ولا يفون" بفتح الياء، وهي صحيحة يقال: وفي، بتخفيف الفاء، وأوفى. -[فقه الحديث]- في الحديث فضل الصحابة. فمن هو الصحابي المقصود بهذا الفضل؟ الموصوف بالخيرية على بقية أفراد أمة الإجابة؟ . يقول البخاري: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. اهـ. وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح، لكن تحته صور، فيها خلاف كبير: إحداها: من رآه غير مميز، وعمل المحدثين على أنه صحابي، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق في الصحابة، مع أنه ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر وأيام. ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، لكنها ليست من قبيل مراسيل الصحابة المختلف فيها، بل هي غير مقبولة - باتفاق، وهذا مما يلغز به، فيقال: صحابي، حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة. ثانيها: يدخل في هذا التعريف من رآه مسلما بالغا لحظة من بعد، ولو لم يحصل بينهما مشافهة، ككثير من الأعراب الذين اجتمعوا به في حجة الوداع.

стр. 5521

ثالثها: من رآه وهو كافر، ثم أسلم بعد موته منهم. قال الحافظ ابن حجر: إن كان قوله: "من المسلمين. حالا خرج من هذه صفته، وهو المعتمد. رابعها: يدخل في هذا التعريف من صحبه أو رآه مسلما، ثم ارتد بعد ذلك، ولم يعد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابيا اتفاقا، فينبغي أن يزاد فيه "ومات على ذلك" أما لو ارتد ثم عاد إلى الإسلام، لكن لم يره ثانيا بعد عوده فالصحيح أنه معدود في الصحابة، لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس ونحوه، ممن وقع له ذلك في الصحابة، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد. خامسها: أدخل بعضهم في هذا التعريف من رآه بعد موته، وقبل دفنه، قال الحافظ ابن حجر: والراجح أنه ليس بصحابي، وإلا لعد من اتفق له من يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم صحابيا، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء، فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية، لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم من الموتى. أما من رآه في المنام - وإن كان قد رآه حقا - فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يعد صحابيا، ولا يجب عليه العمل بما أمره به في تلك الحالة. ويقابل هذا التعريف تعريف يعني بالأهلية لهذا اللقب، فيحمل الصحبة على ما هو متعارف، فلا يعد في الصحابة إلا من صحب صحبة عرفية، وكان مسلما بالغا، ومات على الإسلام، وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة فصاعدا، أو غزا معه غزوة فصاعدا، ولا يدخل في الصحابة من له رؤية لكن فارق عن قرب. وقد جاء عن أنس أنه سئل: هل بقي من أصحاب النبي ﷺ أحد غيرك؟ قال: لا. مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب. ومع أن الحافظ ابن حجر يقول: والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين، ويقول عن القول الآخر: وهو مردود. والعمل على خلاف هذا القول، فإني أميل إلى هذا القول من حيث الحكمة في منح هذا اللقب، واستحقاق هذه الفضائل، واعتمادا على النصوص الكثيرة المشهورة وفي سبيل ذلك أضع الحقائق التالية: أولا: لا خلاف في أن مجرد رؤيته ﷺ من مسلم، ولو من طفل صغير ميزة وفضيلة لا تنكر لحصول بركة اللقاء، وكذلك من رآه مسلما بالغا لحظات قليلة، لكنها لا يصدق عليها أنها صحبة، لا لغة، ولا عرفا، فلم يقل أحد إن رؤية من في السوق والمارة في الشوارع تثبت الصحبة، ذات الآثار الشرعية والعرفية. ثانيا: النصوص تعلل فضائل الصحابة بعلة لا يتحلى بها، إلا الصاحب اللغوي والعرفي، وسيأتينا حديث "لا تسبوا أصحابي. فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه". وقد سبق حديث "لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".

стр. 5522

وحديث الرضا عن أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة، والقرآن الكريم يقول ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٨، ٩] من هنا استحقوا الفضائل، والجزاء الحسن الموعود به، ولا يؤهل مجرد الرؤية لهذا الجزاء، وأحاديث الحوض، وأنه يذاد عنه بعض الصحابة، فيقول ﷺ : "أصحابي. أصحابي؟ فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول ﷺ : سحقا. سحقا". لم يغن عنهم أنهم رأوا، وإنما طبقت عليهم قواعد الإسلام، ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] يا حمزة بن عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد. اعملوا فلن أغني عنكم من الله شيئا. وهكذا لا تغني الرؤية بدون عمل، ولها فضلها، لكنها لا تكفي وحدها، ليتبرك بأصحابها، وليفتح بها على المسلمين، ولقد رأينا في غزوة أحد أن الصحبة لم تفتح، لمجرد أنهم خالفوا رغبة نبيهم وإشارته، فكيف نتبرك ونطمئن للفتح لمجرد وجود واحد رأى؟ نعم نتبرك ونأمل الفتح إذا كان من رأى صحب صحبة حقيقية، بذل فيها النفس والمال في سبيل الدعوة إلى الله. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن الصحابة في مجموعهم خير من التابعين في مجموعهم، وأن التابعين في مجموعهم خير من أتباع التابعين في مجموعهم. ٢ - ويؤخذ منه جواز المفاضلة بين الصحابة. ٣ - استدل به بعضهم على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب، والأكثرية، فقد وجد في بعض أفرادها من اتصف بصفات مذمومة، لكن بقلة، بخلاف ما بعد القرون الثلاثة، فالموجود من المذمومين أكثر. ٤ - استنبط البخاري من الرواية الأولى والثانية الاستعانة بالضعفاء والصالحين في الحرب، والتبرك بهم وبدعائهم، وقد أخرج أبو نعيم في الحلية "ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين". ٥ - ومن الرواية الثالثة والرابعة ذم من يشهد ويحلف مع شهادته، واحتج به بعض المالكية في رد شهادة من حلف معها، وجمهور العلماء أنها لا ترد. ٦ - وفي الرواية السادسة ذم السمن الناتج عن الإكثار من الطعام والشراب. ٧ - وفي الرواية السابعة وملحقاتها ذم الخيانة، وعدم الوفاء بالنذر، قال ابن بطال: سوى بين من يخون أمانته، وبين من لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة، فيكون ترك الوفاء بالنذر مذموما، وقال الباجي: ساق ما وصفهم به مساق العيب، والجائز لا يعاب، فدل على أن عدم الوفاء بالنذر غير جائز. والله أعلم

стр. 5523

(٦٧٧) باب معنى قوله ﷺ : "على رأس مائة سنة لا يبقى نفس منفوسة ممن هو موجود الآن" ٥٦٣٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة، صلاة العشاء، في آخر حياته. فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث، عن مائة سنة. وإنما قال رسول الله ﷺ : لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد. يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ٥٦٣٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول، قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله. وأقسم بالله! ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة". ٥٦٣٩ - وفي رواية عن ابن جريج، بهذا الإسناد. ولم يذكر: قبل موته بشهر. ٥٦٤٠ - وفي رواية عن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال ذلك قبل موته بشهر. أو نحو ذلك: "ما من نفس منفوسة، اليوم، تأتي عليها مائة سنة، وهي حية يومئذ". وعن عبد الرحمن صاحب السقاية، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ . بمثل ذلك. وفسرها عبد الرحمن قال: نقص العمر.

стр. 5524

٥٦٤١ - عن أبي سعيد ﵁ قال: لما رجع النبي ﷺ من تبوك، سألوه عن الساعة. فقال رسول الله ﷺ : "لا تأتي مائة سنة، وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم". ٥٦٤٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال نبي الله ﷺ : "ما من نفس منفوسة، تبلغ مائة سنة". فقال سالم: تذاكرنا ذلك عنده. إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ. -[المعنى العام]- الموت حق، نؤمن بوقوعه لكل مخلوق حي إيمانا بدهيا محسوسا، لكن الذي يخفى علينا وقت وقوعه بنا ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ [لقمان: ٣٤] ولو علم الناس نهاية عمرهم لأهملوا العمل، حتى يقرب الأجل، فأخفى الموعد، ليتوقع الكيس قربه، فيسعى ليل نهار، وليعمل لدنياه، كأنه يعيش أبدا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا. ولما كان الإنسان مطبوعا على حب الاستطلاع، ومعرفة المجهول، ويخاف الفجأة القاضية كثر السؤال عن الساعة، وموعدها، من منكريها، ومن المؤمنين بها، وكان الجواب واحدا، ﴿علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة﴾ [الأعراف: ١٨٧] ولكن إذا جاء الأجل لا تستأخرون ساعة ولا تستقدمون، فعيشوا ما تعيشون، ولن يعيش أحد منكم - معشر الصحابة المخاطبين - أكثر من مائة عام أوحى إلي ربي بذلك، وهو علام الغيوب. -[المباحث العربية]- (أرأيتكم ليلتكم هذه؟ ) أي أخبركم عن ليلتكم هذه؟ وعن آجالكم ابتداء منها؟ ودلالة "أرأيتكم" على "أخبركم" عن طريق مجاز مرسل، علاقته اللازمية، إذ يلزم من الرؤية الإخبار بالمرئي غالبا، وكانت هذه الليلة قبل أن يموت ﷺ بشهر، كما جاء في الرواية الثانية، وملحقيها، وكانت هذه المقالة بعد أن صلى بهم العشاء، وكأنه ﷺ ينعي لهم نفسه، ويبين أن الكل سيموت، طال الأجل أو قصر، وكانت هذه المقالة جوابا عن الساعة، وبعد عودته ﷺ من تبوك. (فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) في الرواية

стр. 5525

الثانية "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله. ما على الأرض من نفس منفوسة، تأتي عليها مائة سنة" وفي ملحقها "ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" وفي الرواية الثالثة "لا يأتي مائة سنة، وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" وفي الرواية الرابعة "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة" قال الراوي: "إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ" ومعنى "نفس منفوسة" أي مولودة. (فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله ﷺ : "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدا" يريد بذلك أن ينخرم القرن) "وهل" بفتح الهاء، يهل بكسرها، من باب ضرب، أي غلط، وذهب وهمه إلى خلاف الصواب، وهو المراد هنا، أما وهل بكسر الهاء يهل بفتحها، من باب حذر، فمعناه، فزع، والوهل بالفتح الفزع، والمعنى أن الصحابة أخذوا يفسرون هذا الحديث تفسيرات خاطئة في مجالسهم إذا تناولوا هذه الأحاديث، فمنهم من يظن أنهم سيعيشون مائة سنة، فظن بعضهم أن أعمار من سيولد قد تصل مائة سنة، ولا تزيد عن مائة سنة، وإنما المراد أن كل نفس منفوسة من الآدميين كانت تلك الليلة حية على الأرض، لا تعيش بعد تلك الليلة فوق مائة سنة، سواء كان عمرها في تلك الليلة قليلا أو كثيرا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة. وقول الراوي: "يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن" معناه أن رسول الله ﷺ يريد بهذا انقضاء الأحياء الموجودين المعاصرين أهل هذا القرن، وذهابهم قبل مائة عام من هذه المقالة، يقال: انخرم العام، أي ذهب وانقضى، وانخرم القوم، أي فنوا وذهبوا. -[فقه الحديث]- قال النووي: احتج بهذا الحديث من شذ من المحدثين، فقال: الخضر ﵇ ميت. والجمهور على حياته، كما سبق في باب فضائله، ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر، لا على الأرض (وهذا مردود، لأن البحر من الأرض) أو أن هذه الأحاديث من العام المخصوص. اهـ. أو المراد ممن على الأرض من المخاطبين ومن على شاكلتهم، أي الصحابة، أي لا يبقى أحد من الصحابة بعد مائة سنة، ولذلك بحثنا في الباب السابق، في نهاية القرن، وآخر الصحابة موتا، ولم نبحث آخر الناس في جميع بقاع الأرض موتا. ١ - وقال النووي: في الحديث احتراز من الملائكة: فإنهم لا يدخلون في النفس المنفوسة على ظهر الأرض. ٢ - وفيه الأسلوب الحكيم، وهو الجواب على ما ينبغي أن يسأل عنه، لا عما سئل عنه، فإنهم سألوا عن الساعة، متى هي؟ فأجيبوا بأن ساعة كل مخلوق موته، وساعتهم جميعا بوجه عام قبل مائة سنة. ٣ - وفيه مناقشة الصحابة بعضهم بعضا في مجالسهم عن معاني الأحاديث. ٤ - وأنهم قد يخطئون في فهمها. والله أعلم

стр. 5526

(٦٧٨) باب تحريم سب الصحابة ٥٦٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي. لا تسبوا أصحابي: فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه". ٥٦٤٤ - عن أبي سعيد ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء. فسبه خالد. فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أحدا من أصحابي. فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه". -[المعنى العام]- إن سب المسلم ولعنه من الكبائر، بل من أكبر الكبائر، بل سب الحيوان ولعنه من الذنوب الكبيرة، وكلما ارتفعت قيمة المسبوب ارتفعت الجريمة وغلظت، لهذا جاء في الصحيح "إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: يا رسول الله. وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويلعن أمه". والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء والرسل، فخير القرون قرنه ﷺ ، لما قدموا للإسلام من خدمات يصغر معها ما يقدم من غيرهم، وقد علم ﷺ أن الصحابة سيقع بينهم حروب، وتختلف وجهات النظر في الحكم على أعمالهم، فحسم المادة، ونهى عن سبهم ولعنهم، وأمام المسلم أمران، إما أن يمدحهم ويذكر أفضالهم، وإما أن يسكت إذا أحس خطأ من أخطائهم. ﵃ أجمعين. -[المباحث العربية]- (لا تسبوا أصحابي. لا تسبوا أصحابي) كذا بالتكرير في الرواية الأولى، وفي الرواية الثانية "كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 5527

"لا تسبوا أحدا من أصحابي". بدون تكرير، وقد وضحت هذه الرواية المخاطب بقوله: "لا تسبوا" وهو وإن كان الضمير فيه جمعا، لكن المقصود به واحد، وهو خالد، وغيره يجري عليه النهي بطريق القياس، لأنه إذا نهى الصحابي صاحب الفضل عن أن يسب، نهى غير صاحب الفضل من باب أولى، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يتأتى خطابه، في أي زمان، وأي مكان، أي لا تسبوا معشر المكلفين من المسلمين أصحابي، وقد روي أن مناقشة دارت في التفاضل بين السابقين إلى الإسلام وفضلهم، وبين اللاحقين، وكان خالد ممن تأخر إسلامهم، فغضب وسب. (فوالذي نفسي بيده. لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأن المراد بقوله "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال "أحدكم" وهذا كقوله ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي ﷺ ، وخاطبه بذلك، عن سب من سبقه، يقتضي زجر من لم يدرك النبي ﷺ ، ولم يخاطبه عن سبه من سبقه من باب أولى، وغفل من قال: إن الخطاب بذلك لغير الصحابة، والمراد به من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل، تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود، للقطع بوقوعه، ووجه التعقيب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك، خالد بن الوليد، وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق. وفي رواية "لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا" وهذه الزيادة حسنة، والمد مكيال يعدل حفنة - بكف الرجل المعتدل، والنصيف بوزن رغيف هو النصف، وقيل: النصيف مكيال دون المد، وحكى الخطابي أنه روي "مد أحدهم" بفتح الميم. قال: والمراد به الفضل والطول. قال البيضاوي: معنى الحديث: لا ينال أحدكم - بإنفاق مثل أحد ذهبا - من الفضل والأجر، ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية. قال الحافظ ابن حجر: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك، لشدة الاحتياج إليه. قلت مع ضيق ذات اليد، ووقوعه في وقت شدة وعسر. قال: وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيما، لشدة الحاجة إليه، وقلة المعتني به، بخلاف ما وقع بعد ذلك، لأن المسلمين صاروا كثرة بعد الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم. -[فقه الحديث]- قال النووي: واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام، من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب، متأولون. قال القاضي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر. واختلف في حكم من يسب الصحابة، فذهب الجمهور إلى أنه يعزر، وعن بعض المالكية يقتل،

стр. 5528

وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسين، فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين، وكذا من كفر من صرح النبي ﷺ بإيمانه، أو تبشيره بالجنة، إذا تواتر الخبر بذلك، لما يتضمنه من تكذيب رسول الله ﷺ . وفي الحديث فضل إنفاق الصحابة. قال القاضي: وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة، وضيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته ﷺ وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم، وسائر طاعاتهم. وهذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار، والجهاد في سبيل الله حق جهاده، وفضيلة الصحبة ولو لحظة، لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال القاضي: ومن أصحاب الحديث من يقول: هذه الفضيلة مختصة بمن طالت صحبته، وقاتل معه، وأنفق وهاجر ونصر، لا لمن رآه مرة، كوفود الأعراب. والله أعلم

стр. 5529

(٦٧٩) باب من فضائل أويس القرني ﵁ ٥٦٤٥ - عن أسير بن جابر، أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر. وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس. فقال عمر: هل ها هنا أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد قال: "إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس. لا يدع باليمن غير أم له. قد كان به بياض. فدعا الله فأذهبه عنه. إلا موضع الدينار أو الدرهم. فمن لقيه منكم فليستغفر لكم". ٥٦٤٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس. وله والدة، وكان به بياض. فمروه فليستغفر لكم". ٥٦٤٧ - عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس. فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم. له والدة هو بها بر. لو أقسم على الله لأبره. فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي. فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم. فوافق عمر. فسأله عن أويس. قال: تركته رث البيت قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن. كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم. له والدة هو بها بر. لو أقسم على الله لأبره. فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل. فأتى أويسا فقال: استغفر لي. قال: أنت أحدث

стр. 5530

عهدا بسفر صالح. فاستغفر لي. قال: استغفر لي. قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح. فاستغفر لي. قال: لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له. ففطن له الناس. فانطلق على وجهه. قال أسير: وكسوته بردة. فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة؟ -[المعنى العام]- إذا كان خير القرون قرنه ﷺ وصحابته فمن حيث المجموع الكلي، وهذا لا يمنع أن يوجد فرد أو أفراد فيمن بعد الصحابة هم أفضل عند الله وأقرب من بعض الصحابة، وكيف لا والله تعالى يقول: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]؟ وكيف لا وموسى ﵇ أمر أن يتعلم على يد رجل مغمور، وعبد من عباد الله، آتاه الله رحمة من عنده، وعلمه من لدنه علما؟ وكيف لا ورسول الله ﷺ يقول لعمر الفاروق، الذي أعز الله به الإسلام، والذي إذا رآه الشيطان سالكا فجا سلك فجا غيره، يقول له: إن في التابعين رجلا، تحرص على أن يستغفر لك، أنت يا عمر في حاجة إلى استغفاره لك، إذا لقيته فاطلب منه أن يدعو لك بالمغفرة .. إن اسمه أويس القرني، ستجده رث الثياب، لا يأبه له الناس ولا يهتمون به، إنه من أهل اليمن، إنه يكون به برص، فيدعو الله، فيبرأ منه إلا ما يعدل حجم الدرهم، إنه سيكون له أم يبرها، إنه سيأتيك فيمن يأتيك مجاهدا من أهل اليمن، فاطلب منه أن يستغفر لك، وأخذ عمر بعد أن استخلف يسأل وفود اليمن عن أويس، حتى وجده، فنفذ وصية رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (عن أسير بن جابر) بضم الهمزة وفتح السين، ويقال: أسير بن عمرو. (وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس) فائدة ذكر هذا الرجل هنا ليعلم قيمة أويس عند عمر. والمعنى: وجاء أويس في الوفد مع من يسخر منه، ويحتمل أن أويسا لم يأت مع هذا الوفد، وسأل عنه عمر، وقال عنه ما قال، ليراجع الرجل الذي يسخر منه، ليراجع نفسه، ومعنى "يسخر منه" أي يحتقره، ويستهزئ به، وهذا دليل على أنه كان يخفي حاله وصلاحه، ويكتم السر الذي بينه وبين ربه ، ولا يظهر منه شيء يدل على ذلك، وهذا طريق العارفين وخواص الأولياء، ﵃. (فقال عمر: هل ها هنا أحد من القرنيين) أي من بني قرن، بفتح القاف والراء، وهي بطن من مراد، وهو قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد. هذا هو الصواب، وفي صحاح الجوهري أنه منسوب إلى قرن المنازل، الجبل المعروف، ميقات الإحرام لأهل نجد، قال النووي: وهذا غلط فاحش. (فجاء ذلك الرجل) الظاهر أنه الرجل الذي يسخر بأويس، وكأن عمر كان قد علم أنه يسخر منه، فقال ذلك ليرجع الرجل عن الاستهزاء به، ولعله أيضا من القرنيين.

стр. 5531

(كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ ) الأمداد جمع مدد، أي الجماعات الغزاة، الذين يمدون جيوش الإسلام في الغزو. أي يسأل عن أويس فلا يجده في الأمداد. (حتى أتى على أويس) في الكلام قلب، والأصل: حتى أتى عليه أويس، أو لا قلب، والمعنى أتى على الأمداد يسألهم فيجيبون بالنفي، حتى أتى في سؤاله على وفد ردوا بالإيجاب. (لو أقسم على الله لأبره) أي لاستجاب دعاءه. (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) الخطاب من رسول الله ﷺ لعمر. أي اطلب منه أن يستغفر لك. (فقال له عمر: أين تريد؟ ) أين تريد أن تقيم؟ . (قال: الكوفة) مفعول لفعل محذوف، أي أريد الإقامة في الكوفة. (قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ ) ليجلك ويكرمك كما تستحق؟ . (قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي) فلا تكتب لعاملك، ولا تكشف أمري، وغبراء الناس، بفتح الغين وسكون الباء، أي ضعفائهم وعامتهم الذين لا يؤبه لهم. (فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم) أي من أشراف القرنيين. (فوافق عمر) أي فقابل عمر. (فسأله عن أويس) أي حاله وتصرفاته وسلوكياته. (قال: تركته رث البيت) أي رديئه وبذيئه. (قليل المتاع) حقير المتاع والأثاث. (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) يحتمل أن يكون هذا من تتمة كلام الرسول ﷺ ، يحكيه عمر، ويحتمل أن يراد به وصية من عمر للرجل. (فأتى أويسا: فقال: استغفر لي قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح، فاستغفر لي) أنت قال ذلك أويس تخفيا لحاله، ولم يرفض الاستغفار للرجل، فلما أصر الرجل على طلب استغفار أويس، فهم أويس أنه قابل عمر، وسمع الحديث من عمر، فسأله: (لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، ففطن له الناس) وأخذوا يطلبون منه الاستغفار. (فانطلق على وجهه) وترك الديار، ومشى على غير قصد مكان، بل حسبما يوجهه وجهه وطريقه. (قال أسير: وكسوته بردة) فقبلها ولبسها على غير عادة. (فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة؟ ) استغرابا وتعجبا، حيث لا يملك ثمن بردة، ولم يتعود لبس مثلها.

стр. 5532

-[فقه الحديث]- فيه فضيلة أويس القرني، ومعجزة للنبي ﷺ ، واستحباب طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح، وإن كان الطالب أفضل منهم، وفيه أن أويس أفضل التابعين، ولا يتعارض هذا مع قول أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، إذ مرادهم أن سعيد بن المسيب أفضل في العلوم الشرعية، وأويس أفضل في الصلاح والصلة بالله. وفيه فضيلة إيثار الخمول، وكتم حال الصلاح، وفضيلة بر الوالدين، وفضيلة العزلة. والله أعلم

стр. 5533

(٦٨٠) باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر ٥٦٤٨ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط. فاستوصوا بأهلها خيرا. فإن لهم ذمة ورحما. فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها" قال فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل ابن حسنة. يتنازعان في موضع لبنة. فخرج منها. ٥٦٤٩ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستفتحون مصر. وهي أرض يسمى فيها القيراط. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها. فإن لهم ذمة ورحما" أو قال: "ذمة وصهرا. فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها" قال: فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة، يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها. -[المعنى العام]- من رحمة الرسول ﷺ بأمة الدعوة، وشفقته عليها، ومن وضعه لأصحابه قواعد معاملة غير المسلمين المنبثقة من الإحسان إلى من أساء، والعفو عمن ظلم، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين. من هذه السياسة الإسلامية الحكيمة يوصي ﷺ صحابته بأهل مصر، حين يفتحها المسلمون، ويتلمس علاقة ما ترغب في الإحسان، وإن كانت لا تدفع إليه عند كثير من الناس. إن لهم عندنا معشر المسلمين حقا وحرمة، فهم آل هاجر أم إسماعيل وأم العرب، وهم أهل مارية التي تسراها رسول الله ﷺ وهي أم إبراهيم ابنه ﵇، وصدق الله العظيم إذ يقول في نبيه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] -[المباحث العربية]- (إنكم ستفتحون أرضا) أي بلدا، وفي الرواية الثانية "إنكم ستفتحون مصر" والخطاب للصحابة، وقد فتحوا مصر في عهد عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 5534

(يذكر فيها القيراط) أي يستعمل فيها لفظ القيراط، وهو معيار في الوزن والقياس، واختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو اليوم في الوزن أربع قمحات، وفي وزن الذهب خاصة ثلاث قمحات، وفي القياس جزء من أربعة وعشرين جزءا، ومن الفدان يساوي خمسة وسبعين ومائة متر. (فاستوصوا بأهلها خيرا) السين والتاء للطلب، أي ليطلب بعضكم من بعض الوصية بهم، أو ليطلب كل منكم من نفسه ومن غيره الوصية بهم، والإحسان إليهم، وفي الرواية الثانية "فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها". (فإن لهم ذمة ورحما) الجملة تعليلية وفي الرواية الثانية "فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا" والذمة بكسر الذال العهد والأمان والكفالة، ومنه قوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم". ومنه أهل الذمة، أي المعاهدون من أهل الكتاب، ومن جرى مجراهم، والمعاهد هو الذي أعطي عهدا، يأمن به على نفسه وماله وعرضه ودينه، والمعنى عليه فإنهم سيكون لهم ذمة وعهد، والأولى أن يراد بالذمة هنا الحق والحرمة، ويفسر هذا الحق بحق الرحم وصلته، لكون هاجر أم إسماعيل وأم العرب منهم، والمراد بالصهر في الرواية الثانية النسب لكون مارية - أم إبراهيم - منهم، وكانت سرية له ﷺ . (فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها) في الرواية الثانية "فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها" أي في مصر، والمراد من المقاتلة المخاصمة والتنازع، "في موضع لبنة فاخرج منها" الخطاب والأمر بالخروج من مصر لأبي ذر، وهو مبني على رؤيته هو ومن عساه يرى معه خصومة رجلين في موضع لبنة، وجمعها لبن بفتح اللام وكسر الباء، وهو المضروب من الطين قوالب يبنى بها، دون أن تحرق. والخصومة في مكانها من الأرض، قريبة من ملك هذا، أو من ملك ذاك. وكان هذا في ذلك الوقت من الأمور التافهة التي لا يتقاتل عليها لسعة الأرض وضعف قيمتها. وكأن ذلك علامة على فساد الأحوال، وشيوع الخصومات وخص أبو ذر بذلك الخروج، لأن ذلك من نقيض مبادئه التي تقول إن ما زاد على حاجتك ملك وحق لغيرك. (قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن، ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة، فخرج منها) القائل "فمر" عبد الرحمن بن شماسة المهري، الراوي عن أبي ذر، ويحتمل أنها من كلام أبي ذر على التجريد، أي جرد من نفسه شخصا آخر يتحدث عنه، وصرح بدون تجريد في الرواية الثانية، ولفظها "فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها". -[فقه الحديث]- فيه وصية بأهل مصر والوصية بالخير لكل البلاد مطلوبة، لكنها مطلوبة بدرجة أكبر لأهل مصر لأن لهم عند المسلمين يدا وفضيلة. وفيه معجزات لرسول الله ﷺ ظاهرة، ومنها:

стр. 5535

إخباره بأن الأمة تكون لها قوة وشوكة بعده، بحيث يقهرون العجم والجبابرة. وأنهم يفتحون مصر. ومنها تنازع الرجلين في موضع اللبنة. ومنها تواجد أبي ذر بمصر، وخروجه منها. وقد وقع كل ذلك، ولله الحمد والمنة. والله أعلم
следующие страницы →