← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

(كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ ) الأمداد جمع مدد، أي الجماعات الغزاة، الذين يمدون جيوش الإسلام في الغزو. أي يسأل عن أويس فلا يجده في الأمداد. (حتى أتى على أويس) في الكلام قلب، والأصل: حتى أتى عليه أويس، أو لا قلب، والمعنى أتى على الأمداد يسألهم فيجيبون بالنفي، حتى أتى في سؤاله على وفد ردوا بالإيجاب. (لو أقسم على الله لأبره) أي لاستجاب دعاءه. (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) الخطاب من رسول الله ﷺ لعمر. أي اطلب منه أن يستغفر لك. (فقال له عمر: أين تريد؟ ) أين تريد أن تقيم؟ . (قال: الكوفة) مفعول لفعل محذوف، أي أريد الإقامة في الكوفة. (قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ ) ليجلك ويكرمك كما تستحق؟ . (قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي) فلا تكتب لعاملك، ولا تكشف أمري، وغبراء الناس، بفتح الغين وسكون الباء، أي ضعفائهم وعامتهم الذين لا يؤبه لهم. (فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم) أي من أشراف القرنيين. (فوافق عمر) أي فقابل عمر. (فسأله عن أويس) أي حاله وتصرفاته وسلوكياته. (قال: تركته رث البيت) أي رديئه وبذيئه. (قليل المتاع) حقير المتاع والأثاث. (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) يحتمل أن يكون هذا من تتمة كلام الرسول ﷺ ، يحكيه عمر، ويحتمل أن يراد به وصية من عمر للرجل. (فأتى أويسا: فقال: استغفر لي قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح، فاستغفر لي) أنت قال ذلك أويس تخفيا لحاله، ولم يرفض الاستغفار للرجل، فلما أصر الرجل على طلب استغفار أويس، فهم أويس أنه قابل عمر، وسمع الحديث من عمر، فسأله: (لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، ففطن له الناس) وأخذوا يطلبون منه الاستغفار. (فانطلق على وجهه) وترك الديار، ومشى على غير قصد مكان، بل حسبما يوجهه وجهه وطريقه. (قال أسير: وكسوته بردة) فقبلها ولبسها على غير عادة. (فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة؟ ) استغرابا وتعجبا، حيث لا يملك ثمن بردة، ولم يتعود لبس مثلها.

стр. 5532

-[فقه الحديث]- فيه فضيلة أويس القرني، ومعجزة للنبي ﷺ ، واستحباب طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح، وإن كان الطالب أفضل منهم، وفيه أن أويس أفضل التابعين، ولا يتعارض هذا مع قول أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، إذ مرادهم أن سعيد بن المسيب أفضل في العلوم الشرعية، وأويس أفضل في الصلاح والصلة بالله. وفيه فضيلة إيثار الخمول، وكتم حال الصلاح، وفضيلة بر الوالدين، وفضيلة العزلة. والله أعلم

стр. 5533

(٦٨٠) باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر ٥٦٤٨ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط. فاستوصوا بأهلها خيرا. فإن لهم ذمة ورحما. فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها" قال فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل ابن حسنة. يتنازعان في موضع لبنة. فخرج منها. ٥٦٤٩ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستفتحون مصر. وهي أرض يسمى فيها القيراط. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها. فإن لهم ذمة ورحما" أو قال: "ذمة وصهرا. فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها" قال: فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة، يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها. -[المعنى العام]- من رحمة الرسول ﷺ بأمة الدعوة، وشفقته عليها، ومن وضعه لأصحابه قواعد معاملة غير المسلمين المنبثقة من الإحسان إلى من أساء، والعفو عمن ظلم، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين. من هذه السياسة الإسلامية الحكيمة يوصي ﷺ صحابته بأهل مصر، حين يفتحها المسلمون، ويتلمس علاقة ما ترغب في الإحسان، وإن كانت لا تدفع إليه عند كثير من الناس. إن لهم عندنا معشر المسلمين حقا وحرمة، فهم آل هاجر أم إسماعيل وأم العرب، وهم أهل مارية التي تسراها رسول الله ﷺ وهي أم إبراهيم ابنه ﵇، وصدق الله العظيم إذ يقول في نبيه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] -[المباحث العربية]- (إنكم ستفتحون أرضا) أي بلدا، وفي الرواية الثانية "إنكم ستفتحون مصر" والخطاب للصحابة، وقد فتحوا مصر في عهد عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 5534

(يذكر فيها القيراط) أي يستعمل فيها لفظ القيراط، وهو معيار في الوزن والقياس، واختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو اليوم في الوزن أربع قمحات، وفي وزن الذهب خاصة ثلاث قمحات، وفي القياس جزء من أربعة وعشرين جزءا، ومن الفدان يساوي خمسة وسبعين ومائة متر. (فاستوصوا بأهلها خيرا) السين والتاء للطلب، أي ليطلب بعضكم من بعض الوصية بهم، أو ليطلب كل منكم من نفسه ومن غيره الوصية بهم، والإحسان إليهم، وفي الرواية الثانية "فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها". (فإن لهم ذمة ورحما) الجملة تعليلية وفي الرواية الثانية "فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا" والذمة بكسر الذال العهد والأمان والكفالة، ومنه قوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم". ومنه أهل الذمة، أي المعاهدون من أهل الكتاب، ومن جرى مجراهم، والمعاهد هو الذي أعطي عهدا، يأمن به على نفسه وماله وعرضه ودينه، والمعنى عليه فإنهم سيكون لهم ذمة وعهد، والأولى أن يراد بالذمة هنا الحق والحرمة، ويفسر هذا الحق بحق الرحم وصلته، لكون هاجر أم إسماعيل وأم العرب منهم، والمراد بالصهر في الرواية الثانية النسب لكون مارية - أم إبراهيم - منهم، وكانت سرية له ﷺ . (فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها) في الرواية الثانية "فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها" أي في مصر، والمراد من المقاتلة المخاصمة والتنازع، "في موضع لبنة فاخرج منها" الخطاب والأمر بالخروج من مصر لأبي ذر، وهو مبني على رؤيته هو ومن عساه يرى معه خصومة رجلين في موضع لبنة، وجمعها لبن بفتح اللام وكسر الباء، وهو المضروب من الطين قوالب يبنى بها، دون أن تحرق. والخصومة في مكانها من الأرض، قريبة من ملك هذا، أو من ملك ذاك. وكان هذا في ذلك الوقت من الأمور التافهة التي لا يتقاتل عليها لسعة الأرض وضعف قيمتها. وكأن ذلك علامة على فساد الأحوال، وشيوع الخصومات وخص أبو ذر بذلك الخروج، لأن ذلك من نقيض مبادئه التي تقول إن ما زاد على حاجتك ملك وحق لغيرك. (قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن، ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة، فخرج منها) القائل "فمر" عبد الرحمن بن شماسة المهري، الراوي عن أبي ذر، ويحتمل أنها من كلام أبي ذر على التجريد، أي جرد من نفسه شخصا آخر يتحدث عنه، وصرح بدون تجريد في الرواية الثانية، ولفظها "فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها". -[فقه الحديث]- فيه وصية بأهل مصر والوصية بالخير لكل البلاد مطلوبة، لكنها مطلوبة بدرجة أكبر لأهل مصر لأن لهم عند المسلمين يدا وفضيلة. وفيه معجزات لرسول الله ﷺ ظاهرة، ومنها:

стр. 5535

إخباره بأن الأمة تكون لها قوة وشوكة بعده، بحيث يقهرون العجم والجبابرة. وأنهم يفتحون مصر. ومنها تنازع الرجلين في موضع اللبنة. ومنها تواجد أبي ذر بمصر، وخروجه منها. وقد وقع كل ذلك، ولله الحمد والمنة. والله أعلم

стр. 5536

(٦٨١) باب فضل أهل عمان ٥٦٥٠ - عن أبي برزة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ رجلا إلى حي من أحياء العرب. فسبوه وضربوه. فجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره. فقال رسول الله ﷺ : "لو أن أهل عمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك". -[المعنى العام]- المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وتلك فضيلة، لكنها لا تصل في الفضل إلى الإحسان باللسان واليد، لكن حينما يكثر الأذى، ويشيع الظلم، والسب والشتم واللعن والضرب باليد وغيرها، وأكل أموال الناس بالباطل تظهر فضيلة السلامة من اللسان واليد كفضيلة كبرى. وهكذا كان أهل عمان في هذا الزمن أرق أفئدة، وأنقى لسانا، وأنظف يدا من كثير من أحياء العرب. فأثنى عليهم ﷺ ، ليقتدي بهم من عاصرهم، ومن يسمع بحسن أخلاقهم. -[المباحث العربية]- (بعث رسول الله ﷺ رجلا إلى حي من أحياء العرب) ليدعوهم إلى الإسلام بالحسنى، وأبهم هذا الحي جريا على عادتهم في عدم التصريح بالمذموم للستر عليه. (لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك) "عمان" في هذا الحديث بضم العين وتخفيف الميم، وهي عاصمة البحرين، وحكى القاضي عياض أن من العلماء من ضبطه بفتح العين وتشديد الميم، وهذا غلط. -[فقه الحديث]- فيه منقبة وفضل لأهل عمان بالثناء عليهم. وفيه فضيلة سلامة المسلمين من الأذى. وفيه ما لاقى حاملو الدعوة من العنت والأذى. وما كان عليه بعض أحياء العرب من الغلظة والعنف والإيذاء. والله أعلم

стр. 5537

(٦٨٢) باب ذكر كذاب ثقيف ٥٦٥١ - عن أبي نوفل رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة. قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس. حتى مر عليه عبد الله بن عمر. فوقف عليه. فقال: السلام عليك، أبا خبيب! السلام عليك، أبا خبيب! السلام عليك، أبا خبيب! أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! إن كنت، ما علمت، صواما، قواما، وصولا للرحم. أما والله! لأمة أنت أشرها لأمة خير. ثم نفذ عبد الله بن عمر. فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله. فأرسل إليه فأنزل عن جذعه. فألقي في قبور اليهود. ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر. فأبت أن تأتيه. فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك. قال فأبت وقالت: والله! لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني. قال فقال: أروني سبتي. فأخذ نعليه. ثم انطلق يتوذف، حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو لله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين. أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ ، وطعام أبي بكر من الدواب. وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إن رسول الله ﷺ حدثنا: "أن في ثقيف كذابا ومبيرا" فأما الكذاب فرأيناه. وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها. -[المعنى العام]- عبد الله بن الزبير بن العوام، ابن أسماء بنت أبي بكر، هاجرت أمه وهي حامل به، فولدته بقباء، وكان أول مولود للمهاجرين بالمدينة سنة ثنتين من الهجرة، ففرحوا به فرحا شديدا، وذلك أنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم، فلا يولد لكم. شهد الجمل مع أبيه وخالته عائشة، وكان شهما ذا أنفة، بويع له بالخلافة سنة أربع وستين، وكانت بيعته بعد موت معاوية بن يزيد، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وحج بالناس ثماني حجج، فلما تولى عبد الملك بن مروان غلب على العراق، ثم جهز الحجاج بن يوسف الثقفي إلى ابن الزبير، فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، ثم صلبه الحجاج أياما، وكان هذا الحديث عن الحجاج بن يوسف جبار ثقيف وموقفه من ابن الزبير وأمه.

стр. 5538

-[المباحث العربية]- (رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة) العقبة المرقى الصعب من الجبال، والمراد من المدينة هنا مكة، أي رآه مصلوبا، منكسا، رأسه إلى أسفل، على قمة جبل في مكة. (فجعلت قريش تمر عليه والناس) من غير قريش، منهم من يدعو له ويترحم عليه، ومنهم من يرى لحب الاستطلاع. (حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه) أي على الأرض القريبة منه. (فقال: السلام عليك: أبا خبيب) بضم الخاء وفتح الباء، مصغر، ناداه بكنيته، كني بأكبر أبنائه وكانت له كنية أخرى، هي أبو بكر. (أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا) قالها ثلاثا، والمشار إليه أسباب هذا الصلب، وهو مقاتلة الجبارين، والوقوف أمامهم. (أما والله إن كنت ما علمت، صواما، قواما، وصولا للرحم) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف، أي إن الحال والشأن والحقيقة، والجملة خبرها، و"وصولا" اسم مبالغة لاسم الفاعل، أي كثير الوصل للرحم، قال القاضي: وهو أصح من قول بعض الإخباريين، ووصفه بالإمساك. وقد عده صاحب الكتاب الأجود فيهم - أي في الأجودين، وهو المعروف من أحواله. اهـ. أي هذا الوصف، وأنه وصول للرحم كريم، أصح من وصف بعض المؤرخين له بالبخل، والإمساك، وفي الاستيعاب لابن عبد البر: قال علي بن زيد بن الجدعاني: كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة، كثير الصيام، شديد البأس، كريم الجدات، والأمهات والخالات، إلا أنه كانت فيه خلال، لا تصلح معها الخلافة، لأنه كان بخيلا، ضيق العطاء. (أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير) الأفصح أن يقال: شرها، قال النووي: هكذا هو في كثير من نسخنا "لأمة خير" وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة مسلم، وفي أكثر نسخ بلادنا "لأمة سوء"، ونقله القاضي عن رواية السمرقندي. قال: وهو خطأ وتصحيف. اهـ. والمعنى: إن أعداءك يقولون عنك: إنك أكثر الأمة شرا، وحقيقتك أنك من أحسنها، فإذا كنت شرا كانت الأمة كلها خيرا. والمعنى ليس فاسدا على الرواية الأخرى، أي إذا كنت شرا فالأمة كلها شر وسوء، لأنك من أحسنها. (ثم نفذ عبد الله بن عمر) بفتح النون والفاء بعدها ذال، أي مضى وذهب لحاله. (فبلغ الحجاج موقف عبد الله بن عمر، وقوله) فخشي تأثير هذا القول في المسلمين، وخشي احتمال غضبتهم للمصلوب. (فأرسل إليه) أي إلى ابن الزبير. (فأنزل عن جذعه) المصلوب عليه، وفي الاستيعاب لابن عبد البر: قال أبو عمر: رحل عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، فرغب إليه في إنزاله من الخشبة، فأسعفه، فأنزل.

стр. 5539

(فألقي في قبور اليهود) وفي الاستيعاب عن ابن أبي مليكة، قال: كنت أول من بشر أسماء بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من الخشبة، فدعت بمركن وشب يمان، وأمرتني بغسله، فكنا لا نتناول عضوا إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو، ونضعه في أكفانه، ونتناول العضو الآخر الذي يليه، فنغسله، ثم نضعه في أكفانه، حتى فرغنا منه، ثم قامت، فصلت عليه. (ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك - أي يجرك بضفائر شعرك - فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني. قال: فقال: أروني سبتي - بكسر السين وإسكان الباء وفتح التاء وتشديد الياء، تثنية سبت، وهي النعل التي لا شعر عليها، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف - بفتح الواو والذال المشددة - أي يسرع، وقيل: يتبختر - حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني فعلت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول له - ساخرا - يا بن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه) والنطاق - بكسر النون، قال العلماء: النطاق أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشد وسطها بشيء، وترفع وسط ثوبها، وترسله على الأسفل، تفعل ذلك عند معاناة الأشغال، لئلا تعثر في ذيلها، قيل: سميت أسماء ذات النطاقين، لأنها كانت تطارف نطاقا فوق نطاق، والأصح أنها سميت بذلك لأنها شقت نطاقها الواحد نصفين، فجعلت أحدهما نطاقا صغيرا، واكتفت به، والآخر لسفرة النبي ﷺ ، وأبي بكر ﵁، كما صرحت به في هذا الحديث هنا، ولفظ البخاري أوضح من لفظ مسلم، ولفظ البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين". وفي رواية "ذات النطاق". (أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا) بضم الميم وكسر الباء، وهو المهلك. (فأما الكذاب فرأيناه) تعني به المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان شديد الكذب، ومن أقبح كذبه أنه ادعى أن جبريل ﵇ يأتيه، قال النووي: واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد. (وأما المبير فلا إخالك إلا إياه) "إخالك" بفتح الهمزة وكسرها، وهو أشهر، ومعناه أظنك، واتفق العلماء على أن المراد بالمبير هنا الحجاج بن يوسف -[فقه الحديث]- ١ - في الحديث استحباب السلام على الميت في قبره وغيره.

стр. 5540

٢ - وتكرير السلام ثلاثا كما كرر ابن عمر. ٣ - وفيه الثناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة. ٤ - وفيه منقبة لابن عمر، لجهره بالحق في الملأ، وعدم اكتراثه بالحجاج، لأنه يعلم أنه سيبلغه مقامه. ٥ - وفي كلام ابن عمر إبطال الإشاعة الكاذبة التي اختلقها الحجاج، بأن عبد الله بن الزبير عدو الله وظالم. قال النووي: ومذهب أهل الحق أن ابن الزبير كان مظلوما، وأن الحجاج ورفقته كانوا خوارج عليه. ٦ - وفيه شجاعة أسماء وقوة حجتها وكلامها وقوة شخصيتها. والله أعلم

стр. 5541

(٦٨٣) باب فضل فارس ٥٦٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال - من أبناء فارس. حتى يتناوله". ٥٦٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ . إذ نزلت عليه سورة الجمعة. فلما قرأ: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ [الجمعة/ ٣] قال رجل: من هؤلاء؟ يا رسول الله! فلم يراجعه النبي ﷺ . حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا. قال: وفينا سلمان الفارسي. قال: فوضع النبي ﷺ يده على سلمان، ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء". -[المعنى العام]- تطلق فارس والفرس على ما يسمى في هذه الأيام إيران، قيل: إنهم من ولد هدرام بن أرفخشد بن سام بن نوح، وأنه ولد بضعة عشر رجلا، كلهم كان فارسا شجاعا، فسموا الفرس، للفروسية، وقيل في نسبهم أقوال أخرى، وفي الطبقات: كان أولهم على دين نوح، ثم دخلوا في دين الصابئة، في زمن طمهورث، فداموا على ذلك أكثر من ألف سنة، ثم تمجسوا على يد زرادشت. واشتهر من مسلميهم سلمان الفارسي، وقد سبقت فضائله قبل ثلاثة عشر بابا، قال القرطبي: وقع ما قاله ﷺ عيانا، فإنه وجد منهم من اشتهر ذكره من حفاظ الآثار، والعناية بها، ما لم يشاركهم فيه كثير من غيرهم. -[المباحث العربية]- (لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال: من أبناء فارس، حتى يتناوله) وفي الرواية الثانية "لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء" فوضع يده على سلمان الفارسي. و"الثريا" مجموعة من النجوم البعيدة عن الأرض، وبها يضرب المثل في البعد، والكلام كناية عن وصول أهل فارس إلى الدين والعلم والإيمان مهما كلفهم هذا الوصول، زاد في بعض الروايات "برقة قلوبهم".

стр. 5542

(فلما قرأ ﴿وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ [الجمعة: ٣] قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله) وفي رواية "من هؤلاء الذين لما يلحقوا بنا؟ " والتعبير بـ "لما" يفيد أنهم سيلحقون. -[فقه الحديث]- في الحديث فضيلة ظاهرة لأبناء فارس. وجواز استعمال المجاز والكناية والمبالغة إذا كانت في مواضعها. والله أعلم

стр. 5543

(٦٨٤) باب بيان قوله ﷺ : "الناس كإبل مائة " ٥٦٥٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس كإبل مائة. لا يجد الرجل فيها راحلة". -[المعنى العام]- أكثر الناس لا يعلمون، وأكثر الناس لا يفقهون، ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] وبعث النار قد يكون من كل مائة تسعة وتسعين، والمؤمنون بالإسلام بالنسبة لأمم بني آدم في عصورها السابقة واللاحقة كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. وكل مجتمع من مجتمعات بني آدم، فيهم القوي وفيهم الضعيف، فيهم الجواد وفيهم البخيل، فيهم الشجاع وفيهم الجبان، فيهم العطوف الرحيم، وفيهم الشديد الغليظ المناع للخير المعتدي الأثيم، ولو تجاوزنا بعض المجتمعات الفاضلة في بعض الأزمنة لوجدنا نسبة الفاسدين للصالحين تصل [٩٩/] كالإبل المجتمعة لا تجد منها يصلح للركوب المريح إلا [١/] وباقيها إنما يصلح لحمل الأثقال. -[المباحث العربية]- (تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة) قال ابن قتيبة: الراحلة، النجيبة، المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في إبل عرفت. قال: ومعنى الحديث أن الناس متساوون، ليس لأحد منهم فضل في النسب، بل هم أشباه الإبل المائة. اهـ. قالوا: والنفي المطلق هنا "لا تجد فيها راحلة" محمول على المبالغة، وعلى أن ذلك نادر، والنادر لا حكم له، فيرجع المعنى إلى رواية البخاري "لا تكاد تجد فيها راحلة". وقال الخطابي: الراحلة التي ترحل لتركب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة، أي كلها حمولة، تصلح للحمل، ولا تصلح للرحل والركوب عليها - لأن الذي يصلح للركوب، ينبغي أن يكون وطيئا سهل الانقياد - قال: وتأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما أن الناس في أحكام الدين سواء، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كالإبل المائة، التي لا يكون فيها راحلة (قال الحافظ ابن حجر: وقد أورد البيهقي هذا الحديث في كتاب القضاء، في تسوية القاضي بين الخصمين، أخذا بهذا التأويل).

стр. 5544

الثاني: أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدا، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة. وقيل: المعنى أن الزاهد في الدنيا، الكامل في الزهد، الراغب في الآخرة قليل، كقلة الراحلة في الإبل، وحسنه النووي، قال: وأجود منه قول آخرين: إن المرضي الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف قليل. وقال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد، الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم، ويكشف كربهم، عزيز الوجود، كالراحلة في الإبل الكثيرة. وقال ابن بطال: معنى الحديث أن الناس كثير، والمرضي منهم قليل، وإلى هذا المعنى أومأ البخاري بإدخال هذا الحديث في باب رفع الأمانة. وقال الخطابي: العرب تقول للمائة من الإبل: إبل، يقولون: لفلان إبل، أي مائة بعير، ولفلان إبلان، أي مائتا بعير. وقال الراغب: الإبل اسم مائة بعير، فقوله: كإبل مائة - كقولنا: مائة مائة، المراد به عشرة آلاف. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر على تسليم قوله، لا يلزم ما قال: إن المراد عشرة آلاف، بل المائة الثانية للتأكيد. وأشار ابن بطال إلى أن المراد بالناس في الحديث، من يأتي بعد القرون الثلاثة، الصحابة والتابعين وتابعيهم، حيث يصيرون يخونون ولا يؤتمنون. قال الكرماني: لا حاجة لهذا التخصيص، لاحتمال أن يراد أن المؤمنين قليل بالنسبة للكفار. -[فقه الحديث]- هذا الحديث في نهاية كتاب المناقب يفيد أمرين: الأول: أن ما مضى من المناقب والفضائل إنما تتعلق بالدين، لا بالنسب. الثاني: أن ما ذكر من فضائل شرف ومنقبة، وإن قل في نظر الباحث، فأهل الفضل عددهم قليل جدا، لأن الغثاء كثير. (إضافة) لم يرتب الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - أصحاب الفضائل ترتيبا ما، وكأنه ذكرها عفويا تمهيدا لترتيبها فيما بعد، فلم تتهيأ له فرصة الترتيب، كما حصل له في الغزوات. أما البخاري فله وجهة نظر في ترتيبه الغزوات والفضائل، ﵄ وجزاهما عن الإسلام والحديث النبوي خيرا. والله أعلم

стр. 5545

كتاب البر والصلة والآداب

стр. 5546

(٦٨٥) باب بر الوالدين ٥٦٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك" وفي حديث قتيبة: من أحق بحسن صحابتي؟ ولم يذكر الناس. ٥٦٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: "أمك" ثم أمك. ثم أمك. ثم أبوك. ثم أدناك أدناك". ٥٦٥٧ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ . فذكر بمثل حديث جرير. وزاد: فقال: "نعم. وأبيك! لتنبأن". ٥٦٥٨ - وفي رواية عن ابن شبرمة، بهذا الإسناد. في حديث وهيب: من أبر؟ وفي حديث محمد بن طلحة: أي الناس أحق مني بحسن الصحبة. ثم ذكر بمثل حديث جرير. ٥٦٥٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد. فقال: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" حدثنا عبيد الله بن معاذ. ٥٦٦٠ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجل إلى

стр. 5547

نبي الله ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله. قال: "فهل من والديك أحد حي؟ " قال: نعم. بل كلاهما. قال: "فتبتغي الأجر من الله؟ " قال: نعم. قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما". -[المعنى العام]- الوالدان هما المصدر الثاني للوجود بعد الله ، لهذا قرنهما الله تعالى بنفسه في وجوب الشكر، حيث يقول ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾ [لقمان: ١٤] وقرنهما بنفسه حين أمر بطاعته وعبادته، فقال ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ [النساء: ٣٦] وقال ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقرن ﷺ عقوقهما بالإشراك بالله، حين سرد أكبر الكبائر، فقال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين" وبر الوالدين رمز للوفاء والاعتراف بالحق لصاحب الحق، ورمز للشكر على المنعم بنعمه، والحديث يقول: "لم يشكرني من لم يشكر من أجريت النعمة على يديه". كما جعل ﷺ كثرة العقوق علامة من علامات آخر الزمان وظهور الفتن وانقلاب الأحوال، وقد رسم القرآن الكريم مظاهر بر الوالدين، بقوله ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] وهذا البر مهما بلغ لا يكافئ فضل الآباء على الأبناء، فالرجل الذي حمل أمه ساعات، يمشي بها على الرمال الحارقة التي لو وضعت عليها اللحم لنضجت، يحمي رجليها من الاحتراق، ويعرض رجليه هو للاحتراق، سأل: هل جازيت بذلك أمي؟ فأجيب: لعلك كافأتها بذلك عن طلقة واحدة، ونخسة واحدة من نخساتك لها عند ولادتك وفي الصحيح "لن يجزي ولد والده، حتى يجده مملوكا، فيشتريه، فيعتقه". وبر الوالدين مقدم على الجهاد تطوعا، وعلى التطوع بالصلاة والصوم، لأنه واجب عيني، والتطوع بالجهاد أصله واجب كفائي. وستأتي أحاديث كثيرة في الأبواب الآتية تؤكد حق الوالدين، وفضل رضاهما على الأبناء مما يلزم الأبناء ببرهما، حماية لأنفسهم، ولعقبهم، وابتغاء رضوان الله تعالى وإحسانه. -[المباحث العربية]- (كتاب البر) قال أهل اللغة: بررت والدي، بكسر الراء الأولى، أبره بضمها مع فتح الباء، برا،

стр. 5548

بكسر الباء، وأنا بر به، بفتح الباء، وجمعه الأبرار، وبار به، بتشديد الراء، وجمعه بررة، والبر بكسر الباء ضد العقوق، وهو التوسع في الإحسان إليهما، ووصلهما، وبر حجه يبر بكسر الباء، برا بكسرها، قبل، وبر اليمين، صدقت، وبر في يمينه صدق، وبر بوعده، وفى به، وبرت السلعة راجت، وبر البيع خلا من الشبهة والكذب والخيانة، وبر فلان ربه، توسع في طاعته. (والصلة) الإحسان إلى الأقربين، من ذوي النسب والأصهار، والعطف عليهم، والرفق بهم، ومراعاة أحوالهم، يقال: وصل رحمه، بفتح الواو والصاد يصلهم وصلا وصلة. (والآداب) جمع أدب، وهو استعمال ما يحمد قولا، وفعلا، وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعى إليه. والمعاني كلها متقاربة، متفرعة عن أصل واحد، وهو إحسان المعاملة. (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يحتمل أنه معاوية بن عبيدة، فعنه في الأدب المفرد "قلت: يا رسول الله. من أبر"؟ ولعل السائلين بذلك أكثر من واحد. (فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ) بفتح الصاد، بمعنى الصحبة، وحسن صحابتي من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي صحبتي الحسنة، وفي الرواية الثانية "من أحق الناس بحسن الصحبة"؟ وفي ملحقها "أي الناس أحق مني بحسن الصحبة"؟ أي بحسن صحبتي؟ وفي ملحق الرواية الأولى وفي البخاري "من أحق بحسن صحابتي"؟ ولم يذكر "الناس" وهي مرادة، وفي ملحق الرواية الثانية "من أبر"؟ أي من الذي أبره أولا من الناس؟ . (قال: أمك) خبر لمبتدأ محذوف، أي أحق الناس بحسن صحابتك أمك. (قال: ثم من؟ ) مبتدأ، خبره محذوف، أي ثم بعد من بعد الأم، أحق بحسن صحابتي؟ (قال: ثم أمك) خبر لمبتدأ محذوف، أي أحق الناس بعد أمك بحسن صحابتك أمك. (قال: ثم من؟ ) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ثم من بعد الأم مرتين أحق بحسن صحابتي؟ (قال: ثم أمك) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أحق الناس بعد أمك مرتين بحسن صحابتك أمك. وفي الرواية الثانية "قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك" حذف فيها سؤال الرجل، وهو مراد. (قال: ثم من؟ ) أحق بصحابتي بعد الأم ثلاث مرات؟ (قال: ثم أبوك) أحق بصحابتك بعد أمك ثلاثا، وفي رواية الأدب المفرد "ثم أباك" بالنصب، على إضمار فعل، أي بر أباك.

стр. 5549

(نعم: وأبيك - لتنبأن) بضم التاء، وفتح النون والباء المشددة، ونون التوكيد الثقيلة، أي لأنبئنك بأحق الناس بصحبتك الحسنة، وقد استشكل قوله "وأبيك" مع قوله ﷺ "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". وأجيب باحتمال أن يكون الحلف هنا قبل النهي، وقيل: إن في الكلام مضافا محذوف، والتقدير: ورب أبيك، وقيل: ليس الكلام هنا حلفا، وإنما هي كلمة جرت على ألسنتهم غير مقصود بها الحلف، وهي بمثابة قولهم: تربت يمينك، والنهي فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من تعظيم المحلوف به، ومضاهاته به سبحانك وتعالى. (ثم أدناك أدناك) المراد بالدنو القرب إلى البار، وفي لفظ "ثم أدناك فأدناك"، والترتيب تنازلي، أي الأكثر قربا منك، ثم الأقل منه قربا، وهكذا، وفي فقه الحديث تفصيل العلماء لجهات القرب وترتيبها. (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، يستأذنه في الجهاد) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس، فقد روى النسائي وأحمد "أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله. أردت الغزو، وجئت لأستشيرك، فقال هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: الزمها". والظاهر أن الاستئذان في الجهاد تكرر ممن له أبوان، وممن له أم. (فقال: أحي والداك؟ ) "والداك" فاعل لاسم الفاعل، والاستفهام حقيقي. (قال: ففيهما فجاهد) في الجملة قصر، طريقه تقديم ما حقه التأخير، والأصل فجاهد فيهما، وهو قصر قلب، أي جاهد فيهما، لا في ميادين الكفار، والمقصود بالجهاد فيهما، جهاد النفس في رضاهما، قال الحافظ ابن حجر: ويستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضده، إذا فهم المعنى، لأن صيغة الأمر في قوله "فجاهد" ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما، لهما، وليس ذلك مرادا قطعا، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال لهما، ويؤخذ منه أن كل شيء يتعب النفس يسمى جهادا. اهـ. وفي الرواية الرابعة "أقبل رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم. بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما". ولأبي داود وابن حبان "ارجع، فأضحكهما، كما أبكيتهما". وعند أبي داود "ارجع، فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما". وعند ابن حبان "قال: فإن لي والدين، قال: آمرك بوالديك خيرا، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا، لأجاهدن، ولأتركنهما، قال: فأنت أعلم". وعند أحمد "هاجر رجل، فقال له النبي ﷺ : هل باليمن أبواك؟ قال: نعم. قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع، فاستأذنهما، فإن أذنا لك، وإلا فبرهما".

стр. 5550

-[فقه الحديث]- هما بابان عند البخاري، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، وباب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين، وقد جعلناهما بابا واحدا مجاراة للنووي ﵀، وفعل البخاري أولى وأدق، فقد خصص النووي بابا لتقديم الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرهما، فكان حقه أن يخص تقديم الوالدين على الجهاد، بباب. لهذا نتكلم في فقه الحديث عن ثلاث نقاط: الفرق بين الأم والأب في البر، والجهاد بإذن الأب والأم، ثم ما يؤخذ من الأحاديث. فالرواية الأولى والثانية وملحقاها في الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها على الابن، وشفقتها عليه، وخدمتها له، ومعاناة المشاق في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك. قلت: واحتياجها إلى بر الابن أكثر من الأب، لضعفها غالبا. قال النووي: ونقل الحارث المحاسبي إجماع العلماء على أن الأم تفضل في البر على الأب، وحكى القاضي عياض خلافا في ذلك، فقال: قال الجمهور بتفضيلها، وقال بعضهم: يكون برهما سواء، قال: ونسب بعضهم هذا إلى مالك، والصواب الأول، لصريح هذه الأحاديث في المعنى المذكور. اهـ. أقول: واقتضت الآيات التي سقناها في المعنى العام الوصية بالوالدين، والأمر بطاعتهما، ولو كانا كافرين، إلا إذا أمرا بالشرك، فتجب معصيتهما في ذلك، عملا بقوله تعالى ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: ١٥] وقد أخرج مسلم في صحيحه عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: حلفت أم سعد، لا تكلمه أبدا، حتى يكفر بدينه، قالت: زعمت أن الله أوصاك بوالديك، فأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، فنزلت ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ [العنكبوت: ٨] وفي رواية "قالت أمه: يا سعد. لن آكل، ولن أشرب حتى أموت، فتعير بي بين العرب، فيقال لك: يا قاتل أمه. فقال سعد: يا أماه. والله لقد علم العرب أنني أبر الناس بأمي، ولكن. لو أن لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما رجعت عن ديني". وحديثنا صريح في أن للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، ويقويه ما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم بالأقرب فالأقرب". ويؤيد القول بتقديم الأم ما أخرجه الحاكم وأبو داود "أن امرأة قالت: يا رسول الله. إن ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني،

стр. 5551

وأراد أن ينزعه مني؟ فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي". فتوصلت لاختصاصها به، باختصاصه بها في الأمور الثلاثة، ويعلل الجمهور ذلك بما تتحمل من مشاق خاصة بها، لا يشاركها فيها الأب، ثم هي تشارك الأب في التربية، وتشير إلى ذلك الآية الكريمة ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بالأمور الثلاثة. وحجة غير الجمهور - وهم بعض الشافعية - أن الآيات تجمعهما - دون تفرقة - في طلب الإحسان إليهما ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا﴾ ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] ويقولون: إن ما تعانيه الأم من مشاق تقوم به اندفاعا من طبيعتها وخلقتها، فهو لإرضاء نفسها، وإشباع غريزتها، كمن يتعب في الأكل والشرب، لا يبغي بذلك أجرا، فلا يطلب من الابن مكافأتها على ما تمتعت هي به، تمتعا لا تقبل هي بحال أن تتخلى عنه. أما الحديث فيكرر البر بها، والإحسان إليها، لأنها لضعفها غالبا تكون أحوج من الأب للعطف، والبر لا جزاء على ما قدمت، وهي وإن كانت مسئولة عن الابن فترة ما من الزمن، فالأب مسئول عنها وعن ابنها، وهو المتحمل شرعا لنفقتها ونفقة ابنها، وجميع التكاليف اليومية، مما يجعله - على الأقل - مساويا لها في حقوقه على أولاده. وما نسب إلى الإمام مالك من أنه يقول: إنهما في البر سواء، أخذ مما روي أنه سأله رجل، قال: طلبني أبي فمنعتني أمي؟ قال مالك: أطع أباك، ولا تعص أمك. قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى أن برهما سواء، إذ قال الليث - حين سئل عن هذه المسألة بعينها - قال: أطع أمك، فإن لها ثلثي البر. قال الحافظ ابن حجر: والصواب رأي الجمهور. وأميل إلى التفرقة في البر، بين العطاء، وبين الطاعة، فتعطى الأم من العطف والشفقة والحنان والصلات المادية ثلاثة أمثال ما يعطى الأب، ويطاع الأب في أوامره ونواهيه وتوجيهاته، فهو قائد الأسرة، وله القوامة عليها، وعليها طاعته، فلا معنى لطاعة الابن لها، ما دامت هي مطيعة للأب زوجها، ويبقى الكلام في طاعة الابن لها حيث لا يكون الأب موجودا، وعندي أن ذلك يخضع لظروف وملابسات يختلف معها الحكم، فقد يكون الابن بالغا عاقلا رشيدا حكيما، والأم متخلفة، تحكمها شهوتها وعاطفتها، فتأمره بالزواج بمن لا يهوى مثلا، أو تطليق من يهوى، ومن حاله مستقيمة معها. فكيف نوجب عليه طاعتها؟ وفي ترتيب الأقربين يقول النووي: قال أصحابنا: يستحب أن تقدم في البر الأم، ثم الأب، ثم الأجداد والجدات، ثم الأخوة والأخوات، ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام، كالأعمام والعمات،

стр. 5552

والأخوال والخالات، ويقدم الأقرب فالأقرب، ويقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بأحدهما، ثم بذي الرحم غير المحرم، كابن العم وبنته، وأولاد الأخوال والخالات وغيرهم، ثم المصاهر، ثم الجار، ويقدم القريب البعيد الدار على الجار غير القريب، وكذا لو كان القريب في بلد آخر، قدم على الجار الأجنبي، قال: وألحقوا الزوجة والزوج بالمحارم. اهـ. وقد أخرج أحمد والنسائي، وصححه الحاكم "أن امرأة سألت النبي ﷺ : أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: زوجها، قالت: فعلى الرجل؟ قال: أمه". وأما عن النقطة الثانية: فقال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإن تعين الجهاد، فلا يحتاج إلى إذن، وإن كانا مشركين لم يشترط إذنهما، عند الشافعي، ومن وافقه، وشرطه الثوري، هذا كله إذا لم يحضر الصف، ويتعين القتال، وإلا فلا إذن، ولهما أن يرجعا في إذنهما، إذا لم يحضر الصف، لو منعاه فحضر الصف، فلا إذن، وألحق بعضهم الجد والجدة بالأبوين. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - الحث على بر الوالدين. ٢ - وعلى بر الأقارب. ٣ - حرص الصحابة على أمور دينهم، وسؤالهم عما يحتاجون إليه مما يجهلون. ٤ - وسعة صدره ﷺ ، وإجابته عن السؤال، ثم السؤال، ثم السؤال. ٥ - استدل بالرواية الثالثة، والرابعة على تحريم السفر بغير إذن الوالدين، لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى، نعم. إن كان سفره لتعلم فرض عين، حيث تعين السفر طريقا إليه، فلا منع. وإن كان فرض كفاية، ففيه خلاف. هذا وقد سبق في كتاب الإيمان بعض ما يتعلق بهذا الحديث، وبتحريم عقوق الوالدين. والله أعلم

стр. 5553

(٦٨٦) باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة، وغيرها، وفضل بر الوالدين ٥٥٦١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان جريج يتعبد في صومعة. فجاءت أمه. قال حميد: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله ﷺ أمه حين دعته. كيف جعلت كفها فوق حاجبها. ثم رفعت رأسها إليه تدعوه. فقالت: يا جريج! أنا أمك. كلمني. فصادفته يصلي. فقال: اللهم! أمي وصلاتي. فاختار صلاته. فرجعت ثم عادت في الثانية. فقالت: يا جريج! أنا أمك. فكلمني. قال: اللهم! أمي وصلاتي. فاختار صلاته. فقالت: اللهم! إن هذا جريج. وهو ابني. وإني كلمته فأبى أن يكلمني. اللهم! فلا تمته حتى تريه المومسات. قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن. قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره. قال: فخرجت امرأة من القرية. فوقع عليها الراعي. فحملت فولدت غلاما. فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير. قال: فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم. فنادوه فصادفوه يصلي. فلم يكلمهم. قال: فأخذوا يهدمون ديره. فلما رأى ذلك نزل إليهم. فقالوا له: سل هذه. قال: فتبسم ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن. فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة. قال: لا، ولكن أعيدوه ترابا كما كان. ثم علاه. ٥٦٦٢ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم. وصاحب جريج. وكان جريج رجلا عابدا. فاتخذ صومعة. فكان فيها. فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته. فانصرفت. فلما كان من الغد أتته وهو يصلي. فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته. فانصرفت. فلما كان من الغد أتته وهو يصلي. قالت: يا جريج! فقال: أي رب! أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته. فقالت: اللهم! لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته. وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها. فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم. قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها. فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها. فوقع عليها. فحملت. فلما ولدت. قالت: هو من جريج. فأتوه

стр. 5554

فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه. فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي. فولدت منك. فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به. فقال: دعوني حتى أصلي فصلى. فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه. وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الراعي. قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به. وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا. أعيدوها من طين كما كانت. ففعلوا. وبينا صبي يرضع من أمه. فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة. فقالت أمه: اللهم! اجعل ابني مثل هذا. فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه. فقال: اللهم! لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فمه. فجعل يمصها. قال: ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت. سرقت. وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللهم! لا تجعل ابني مثلها. فترك الرضاع ونظر إليها. فقال: اللهم! اجعلني مثلها. فهناك تراجعا الحديث. فقالت: حلقى! مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم! اجعل ابني مثله فقلت: اللهم! لا تجعلني مثله. ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت. سرقت. فقلت: اللهم! لا تجعل ابني مثلها فقلت: اللهم! اجعلني مثلها. قال: إن ذاك الرجل كان جبارا. فقلت: اللهم! لا تجعلني مثله. وإن هذه يقولون لها: زنيت. ولم تزن. وسرقت. ولم تسرق. فقلت: اللهم! اجعلني مثلها. ٥٦٦٣ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: من؟ يا رسول الله! قال: "من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة". ٥٦٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه" قيل: من؟ يا رسول الله! قال: "من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة". ٥٦٦٥ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رغم أنفه" ثلاثا. ثم ذكر مثله.

стр. 5555

-[المعنى العام]- نعم. حقوق الله تعالى مبنية على تفضله وعفوه ومسامحته، وقد أراد - جل شأنه - أن يقدم حقوق عباده بعضهم مع بعض، وأن يجعل طابعها المشاحة، وأول حقوق العباد حقوق الوالدين على الولد، وإذا تعارض حق الله مع حق الوالدين، قدمت الشريعة حق الوالدين، وجعلته أهم، لأن في حقهما حق الله تعالى، فهو الذي شرع لهما حقهما، فأداؤه أداء لحق الله وأمره وقضائه. أمام هذا نجدنا إذا تعارضت الصلاة مع بر الوالدين قدم بر الوالدين. أمام هذا ومع أن الصلاة مناجاة بين العبد وربه، إذا دعت الأم ابنها الذي يصلي، كان عليه أن يقدم إجابتها على الاستمرار في الصلاة، وهذا ما لم يفعله جريج الراهب، صاحب قصة الحديث، مما دفع أمه إلى الدعاء عليه، وأجاب الله دعاءها، ولما كان مجتهدا، كان خطؤه مأجورا، فتداركته نعمة من ربه، ولحقته رحمة الله وفضله، فأنقذه بعد غرقه، وخرق له العادة، وكرمه بأن أنطق الطفل في المهد يشهد له، كما شهد صاحب يوسف ليوسف، وكما تكلم عيسى ﵇ في المهد، يبرئ أمه ويشهد لها، وكما تكلم الطفل يرد دعاء أمه. كرامات ومعجزات، إن دلت على شيء فإنما تدل على قدرة الله تعالى التي لا تحدها عادة، ولا يحول بينها وبين الإنجاز حائل. ونعود إلى بر الوالدين وحقوقهما، وقد ذكرنا وذكرت الأحاديث بعضا منها في البابين السابقين، وهي هنا تربط دخول الجنة برضاهما وبرهما، وتتوعد من يعقهما بالحرمان من الجنة، وتحث من تهيأ له فرصة البر بهما، والإحسان إليهما أن ينتهز هذه الفرصة ولا يضيعها، والفرصة الحقيقية لذلك عند كبرهما وضعفهما وحاجتهما، فيا فوز من انتهزها، فأضحكهما، وسرهما، ولم يقل لهما أف، ولم ينهرهما، وقال لهما قولا كريما، وخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقال رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. -[المباحث العربية]- (كان جريج يتعبد في صومعة) بفتح الصاد وسكون الواو، وهي البناء المرتفع المحدد أعلاه، يقال: صمع الشيء دققه وحدده، والصومع والصومعة بيت العبادة عند رهبان النصارى، وهي تشبه الصومعة التي تبنى لخزن الحبوب، يبنيها الرهبان عادة على رأس جبل، لينقطعوا فيها للعبادة، ويصعب وصول الناس إليها، وقد يطلق عليها الدير بفتح الدال، إذا كانت متسعة. ويبدو أنها كانت هنا كذلك، إذ في الرواية "وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره" أي يأوي إلى دير جريج "قالت: من صاحب هذا الدير" "فأخذوا يهدمون ديره" والظاهر أنه كان بعد عيسى ابن مريم، وأنه كان من أتباعه، لأنهم الذين ابتدعوا الترهب وحبس النفس في الصوامع، وعند أحمد "كان رجل في بني إسرائيل تاجرا، وكان ينقص مرة، ويزيد مرة، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة، هي خير من هذه، فبنى صومعة، وترهب فيها، وكان يقال له جريج ... ". الحديث، ومعنى "يتعبد"

стр. 5556

يصلي، بدلالة ما بعده وفي الرواية الثانية "كان جريج رجلا عابدا، فاتخذ صومعة، فكان فيها" أي يتعبد ويصلي. وعند البخاري "كان في بني إسرائيل رجل، يقال له: جريج، كان يصلي .... ". (فجاءت أمه تدعوه) أي تناديه لمصلحة لها أو له، تناديه لينزل إليها، أو يكلمها من أعلى. (قال حميد: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله ﷺ أمه حين دعته، كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها إليه، تدعوه) كان من دقة الرواة وتوثيقهم لروايتهم أن ينقلوا الحركات مع الأقوال، فرسول الله ﷺ وصف أم جريج عند ندائها ابنها، بأنها وضعت كفها فوق حاجبها وعينيها، كي تظلها من الشمس، حين رفعت رأسها من أسفل إلى أعلى، وصف هذه الحالة بالفعل، لا بالقول، فوصف أبو هريرة هذه الحالة لتلميذه أبي رافع، حين تحديثه له بهذا الحديث بالفعل أيضا، فوصف أبو رافع هذه الحالة بالفعل أيضا حين حدث أبا حميد بهذا الحديث. (فقالت: يا جريج، أنا أمك. كلمني، فصادفته يصلي، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته) واستمر فيها، فلم يجب أمه، وقوله: اللهم أمي وصلاتي. قول في نفسه على الأرجح، أي أيهما أقدم؟ . ويحتمل أنه تكلم بذلك، ولم يكن الكلام ممنوعا في صلاتهم، كما كان الحال في صدر الإسلام. (فرجعت، ثم عادت) مرتين غير الأولى، وفي الرواية الثانية أن العودة كانت من الغد، لا في اليوم نفسه، ثم اليوم الذي بعد الغد، ثم إن الدعاء عليه كان في اليوم الثالث. (اللهم. إن هذا جريج، وهو ابني، وإني كلمته فأبى أن يكلمني) ذكرت في هذه الرواية أسباب الدعاء عليه، وهي هنا ثلاثة. إنه موجود يسمعها ويعرفها، وأنه ابنها ولها عليه حقوق، وأنه لم يرد عليها نداءها، ولم تذكر هذه الحيثيات في الرواية الثانية. (فلا تمته حتى تريه المومسات) بضم الميم الأولى وكسر الثانية، جمع مومسة، وتجمع على ميامس أيضا، وهي الزواني البغايا، المتجاهرات بذلك، وفي الرواية الثانية "لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات" وفي رواية للبخاري "حتى تريه وجوه المومسات" وفي رواية "حتى تريه المومسة" بالإفراد، وفي رواية فغضبت، فقالت: اللهم. لا يموتن جريج، حتى ينظر في وجوه المومسات" وفي رواية "أبيت أن تطلع إلى وجهي، لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة" والمراد من الرؤية والنظر الابتلاء والادعاء والمواجهة. (قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن) أي لو دعت عليه أن يقع في المعصية لوقع فيها. (وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره) ليستظل به، ويأنس إلى جواره. (فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها الراعي) بجوار الصومعة، والمراد امرأة زانية معلنة، خرجت من القرية قاصدة فتنة جريج، وإغراءه، وإيقاعه، ففي الرواية الثانية "فتذاكر بنو إسرائيل جريجا، وعبادته" يمدحونه، ويثنون عليه "وكانت امرأة بغي، يتمثل بحسنها" "يتمثل" بضم الياء، وفتح التاء والميم وتشديد الثاء، أي يضرب المثل بها في الحسن والجمال، لانفرادها بذلك،

стр. 5557

أي لا مثيل لها. كانت تسمع كلامهم "فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم" وأغوينه، وأوقعنه في الزنا، وأبطلن ثناءكم عليه، وعلى عبادته، فوافقوها، وحرضوها، وشجعوها، وفي رواية "قالوا: قد شئنا" فذهبت إلى صومعته "فتعرضت له" تمر بفتحات الصومعة، وتناديه، وتغني، وتتكسر، وتبدي زينتها ومفاتنها "فلم يلتفت إليها" فوجدت الراعي يأوي إلى ظل الصومعة "فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها" وهي تبيت النية باتهام الراهب، لتحقق لبني إسرائيل ما توعدته به، وفي رواية أن هذه المرأة كانت بنت ملك القرية، وفي رواية "وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها خرجت من دار أبيها، بغير علم أهلها متنكرة، وكانت تعمل الفساد، فاحتالت بأن خرجت في صورة راعية، ليمكنها أن تأوي إلى ظل الصومعة، لتتوصل إلى فتنته. (فحملت، فولدت غلاما، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير) في الرواية الثانية "فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج" وفي رواية "فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: من جريج" وفي رواية "فقيل لها: من صاحبك؟ قالت: جريج الراهب، نزل إلي فأصابني" زاد في رواية "فذهبوا إلى الملك، فأخبروه، قال: أدركوه، فأتوني به". (فجاءوا بفئوسهم ومساحيهم، فنادوه، فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم، قال: فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك نزل إليهم، فقالوا له: سل هذه) وفي الرواية الثانية "فأتوه، فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، قال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك". وعن البخاري "فأتوه، فكسروا صومعته، وأنزلوه" وفي رواية "فما شعر حتى سمع بالفئوس في أصل صومعته، فجعل يسألهم: ويلكم ما لكم؟ فلم يجيبوه، فلما رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى" وفي رواية "فجعلوا يضربونه، ويقولون: مراء، تخادع الناس بعملك" وفي رواية "فقال له الملك: ويحك يا جريج، كنا نراك خير الناس، فأحبلت هذه. اذهبوا به، فاصلبوه" وفي رواية "فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا، وجعلوا يطوفون بهما في الناس" وفي رواية "فلما مروا به نحو بيت الزواني خرجن ينظرن فتبسم، فقالوا: لم تضحك؟ فقال: ما ضحكت إلا من دعوة دعتها علي أمي". (قال: فتبسم، ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ ) في الرواية الثانية "فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني: حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي، فطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك" وفي رواية "فطعنه بإصبعه، فقال: بالله يا غلام من أبوك"؟ وفي رواية أنه سألهم أن ينظروه، فأنظروه، فرأى في المنام من أمره أن يطعن في بطن المرأة، فيقول أيتها السخلة. من أبوك؟ ففعل" وفي رواية عند أحمد "فوضع إصبعه على بطنها" وفي رواية "ثم انتهى إلى شجرة، أخذ منها غصنا ثم أتى الغلام وهو في مهده فضربه بذلك الغصن، فقال: من أبوك"؟ وفي رواية "أنه قال للمرأة أين أصبتك؟ قالت: تحت تلك الشجرة، فأتى الشجرة فقال: يا شجرة. أسألك بالذي خلقك. من زنى بهذه المرأة؟ فقال كل غصن منها راعي الغنم" وفي رواية "فأتى بالمرأة والصبي، وفمه في ثديها، فقال له جريج: يا غلام. من أبوك؟ فنزع الغلام فاه من الثدي" ولما كان الصبي على

стр. 5558

صدرها، أمكن الجمع بين الروايات بأنه طعن الصبي، وطعنها في بطنها، ومسح رأس الغلام، وذهب إلى الشجرة، وحصل كل ذلك ولا تعارض، والمستبعد القول بتعدد القصة، أو أنه استنطق الغلام في بطنها مرة، وبعد أن ولد مرة أخرى. (قال: أبي راعي الضأن) في الرواية الثانية "قال: فلان الراعي" وفي رواية "قال: الراعي" وفي رواية "أنا ابن الراعي" وفي رواية "قال: راعي الغنم". وفي رواية "قال: يا بابوس. من أبوك؟ قال: راعي الغنم". وقوله: "يا بابوس" بباءين بينهما ألف ساكنة قيل: معناه الصغير، وقيل: معناه الرضيع، وأغرب الأقوال أنه اسم ذلك الولد. (فلما سمعوا ذلك منه) أي من الطفل. (قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا) في الرواية الثانية "فأقبلوا على جريج يقبلونه، ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب؟ قال: لا" وفي رواية "فقال له الملك: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا. قال: من فضة؟ قال: لا" وفي رواية "فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه" وفي رواية "فسبح الناس وعجبوا" وفي رواية "فأبرأ الله جريجا، وأعظم الناس أمر جريج". (ولكن أعيدوه ترابا، كما كان) أي بالطين، وفي الرواية الثانية "أعيدوها من طين كما كانت" وعند البخاري "لا. إلا من طين". قال ابن مالك: في هذا شاهد على حذف المجزوم بلا، فإن التقدير لا تبنوها إلا من طين. (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) ذكر مسلم في هذا الحديث عيسى ابن مريم، وصبي جريج، وصبي المرأة، لكن عند أحمد والبزار وابن حبان والحاكم "لم يتكلم في المهد إلا أربعة، فلم يذكر الثالث الذي هنا، وذكر شاهد يوسف، والصبي الرضيع الذي قال لأمه - وهي ماشطة فرعون، لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار - "اصبري يا أمه، فإنا على الحق". قال الحافظ ابن حجر: فيجتمع من هذا خمسة، وعند مسلم في قصة أصحاب الأخدود "أن امرأة جيء بها لتلقى في النار، أو لتكفر، ومعها صبي يرضع، فتقاعست، فقال لها: يا أمه. اصبري، فإنك على الحق". وزعم الضحاك في تفسيره أن يحيى تكلم في المهد، أخرجه الثعلبي، فإن ثبت صاروا سبعة، ذكر البغوي في تفسيره أن إبراهيم الخليل ﵇ تكلم في المهد، وفي سير الواقدي أن النبي ﷺ تكلم أوائل ما ولد. قال القرطبي: في هذا الحصر "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة" نظر، إلا أن يحمل على أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم الزيادة على ذلك. وفيه بعد، قال: ويحتمل أن يكون كلام الثلاثة المذكورين مقيدا بالمهد، وكلام غيرهم من الأطفال بغير مهد اهـ. والمراد من المهد السرير أو الفراش الذي يهيأ للطفل لينام، ويلحق به هنا صدر الأم وحضنها. (وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب) "بين" ظرف زمان زيدت عليه الألف، خافض لشرطه بالإضافة، منصوب بجوابه، والتقدير: مر رجل راكب على دابة وقت رضاعة صبي من أمه.

стр. 5559

وفي رواية للبخاري "وكانت امرأة ترضع ابنا لها، من بني إسرائيل فمر رجل راكب". (على دابة فارهة) أي نشطة حادة قوية، يقال: فره بضم الراء يفره، فراهة وفروهة جمل وحسن وخف ونشط، وحذق ومهر، فهو فاره، وفي القرآن الكريم ﴿وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين﴾ [الشعراء: ١٤٩] (وشارة حسنة) أي هيئة حسنة، ولباس حسن، وفي رواية للبخاري "فمر بها راكب ذو شارة" أي صاحب هيئة ومنظر وملبس حسن، يتعجب منه، ويشار إليه. (فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا) وفي رواية للبخاري "اللهم اجعل ابني مثله" وفي رواية أخرى له "فقالت: اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا". (فترك الثدي، وأقبل إليه، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله) وفي رواية للبخاري "فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال: "اللهم لا تجعلني مثل هذا". (ثم أقبل على ثديه، فجعل يرتضع - قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ ، وهو يحكي ارتضاعه، بأصبعه السبابة في فمه، فجعل يمصها) وفي رواية للبخاري "قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص إصبعه" يحكي أبو هريرة أن النبي ﷺ حكى عودة الصبي إلى ثدي أمه يمص، حكى ذلك بأن وضع إصبعه في فمه يمصها. (قال: ومروا بجارية) فاعل "مروا" للصبي وللأم، ومن معهما، وفي رواية للبخاري "ثم مر بأمة" بضم الميم، مبني للمجهول. (وهم يضربونها، ويقولون: زنيت، سرقت) بكسر التاء فيهما على الخطاب، أي أنت زنيت. أنت سرقت. وفي راية للبخاري "يقولون: سرقت". فيحتمل أن يكون بسكون التاء وفتح القاف على الغيبة. قال الحافظ ابن حجر: وهو مستبعد، لعدم تناسقه مع "زنيت" وفي رواية لأحمد "يقولون: سرقت، ولم تسرق، زنيت، ولم تزن". (وهي تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل) وفي رواية للبخاري "ولم تفعل" وفي رواية "يقولون لها: تزني؟ وتقول: حسبي الله، ويقولون لها: تسرق، تقول: حسبي الله" وفي رواية أنها كانت حبشية أو زنجية، وأنها ماتت من الضرب فجروها، حتى ألقوها. (فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها) تظنها جانية، سارقة، زانية حقيقة. (فترك الرضاع، ونظر إليها، فقال: اللهم اجعلني مثلها) أي ترك الرضاع، ونظر إلى الجارية. وقال: اللهم اجعلني مثلها أي في طهرها، وعفتها، ونقائها، لا مثلها في الاتهام بالباطل والضرب. (فهناك تراجعا الحديث) أي راجعت الأم وابنها الحديث، وأقبلت على الطفل تحدثه، وتسأله وكانت أولا، لا تراه أهلا للكلام، فلما تكرر منه الكلام علمت أنه أهل له، فسألته وراجعته. (فقالت: حلقى) بفتح الحاء وسكون اللام وفتح القاف، قال النووي: يرويه المحدثون بالألف،

стр. 5560

التي هي ألف التأنيث، ويكتبونه بالياء، ولا ينونونه، وهو صحيح فصيح، وقال أبو عبيد: أصحاب الحديث يروونه "حلقى" وإنما هو "حلقا" قال شمر: قلت لأبي عبيد: لم لا تجيز "حلقى"؟ فقال: لأن فعلي تجيء نعتا، ولم تجيء في الدعاء. اهـ. ومعنى "حلقى" هنا أي حلق الله شعري، وقيل: معناه جعلني الله شؤما على أهلي، هذا أصلها، ثم اتسعت العرب في استعمالها، فصارت تطلقها، ولا تريد حقيقة الدعاء، ولا حقيقة ما وضعت له أولا، كقولهم: تربت يمينه، اهـ. كأنها تتأسف على دعائها السابق لابنها، حيث أصبح أعلم منها بالنتائج، فقالت تسأله: (مر رجل حسن الهيئة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. ومروا بهذه الأمة، وهم يضربونها، ويقولون: زنيت. سرقت. فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فقلت: اللهم اجعلني مثلها) فما السر؟ وماذا تعلم؟ ولا أعلم؟ . (قال: إن ذاك الرجل كان جبارا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت، ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق. فقلت: اللهم اجعلني مثلها) في السلامة من المعاصي. (رغم أنف. ثم رغم أنف، ثم رغم أنف) الرغم بضم الراء وفتحها وكسرها مع سكون الغين، وأصله لصق أنفه بالرغام، وهو تراب مختلط برمل، وقيل: الرغم كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه، والمراد من "رغم أنفه" أي ذل وخزي. و"أنف" فاعل "رغم" ولم ينون على نية الإضافة، والأصل: رغم أنف من أدرك، والجملة خبرية لفظا ومعنى، أو خبرية لفظا دعائية معنى. (من أدرك أبوه عند الكبر - أحدهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة) معناه أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة، أو النفقة، أو غير ذلك، سبب لدخول الجنة، فمن قصر في ذلك فاته دخول الجنة، وذل في الآخرة، والمراد من إدراكهما إدراكهما أحياء، و"أحدهما أو كليهما" بالنصب بدل من "أبويه" وفي الرواية الرابعة وملحقها "رغم أنفه". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - من الرواية الأولى والثانية قال النووي: هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه إجابتها لأنه كان في صلاة نفل، والاستمرار فيها تطوع، لا واجب، وإجابة الأم وبرها واجب، وعقوقها حرام، وكان يمكنه أن يخفف الصلاة، ويجيبها، ثم يعود لصلاته، فلعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته، والعود إلى الدنيا ومتعلقاتها وحظوظها، وتضعف عزمه فيما نواه، وعاهد عليه. اهـ. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: فيه نظر، لأنها كانت تأتيه، فيكلمها، والظاهر أنها كانت تشتاق إليه، فتزوره، وتقتنع برؤيته وتكليمه، وكأنه إنما لم يخفف، ثم يجيبها، لأنه خشي أن ينقطع خشوعه. اهـ. أقول: إن الحديث صريح في أنه آثر الاستمرار في الصلاة دون قطعها، ودون تخفيفها على إجابة أمه، وليست هناك إشارة إلى أنه خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته، والعود إلى الدنيا ومتعلقاتها،

стр. 5561

وهذا سر خطئه، وإجابة دعاء أمه، وكان الأولى به أن يقطع صلاته، ويبرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كان جريج عالما لعلم أن إجابته أمه، أولى من عبادته ربه". وقد استنبط منه بعض العلماء جواز قطع الصلاة لإجابة نداء الأم مطلقا، نفلا أو فرضا، لأنه لم تحدد صلاة جريج، وهو وجه في مذهب الشافعية، ومنعه بعضهم نفلا وفرضا، وحملوا هذا الحديث على أن قطع الصلاة كان مباحا عندهم في شرعهم، والأصح عند الشافعية أن الصلاة إن كانت نفلا، وعلم تأذي الوالد بالترك، وجبت الإجابة، وإلا فلا، وإن كانت فرضا، وضاق الوقت لم تجب الإجابة، وإن لم يضق وجبت، وعند المالكية أن إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها، وحكى بعضهم أن ذلك يختص بالأم، دون الأب، ورد بأنه لم يقل به أحد من السلف. ٢ - واستدل به على إجابة دعاء الأم، ولو كان بالضرر للابن. ٣ - ولو كان الابن معذورا. ٤ - قال بعضهم: وفيه الرفق بالتابع، إذا جرى منه ما يقتضي التأديب، لأن أم جريج مع غضبها منه، لم تدع عليه إلا بما دعت به خاصة، ولولا طلبها الرفق به لدعت عليه بوقوع الفاحشة أو القتل. قاله الحافظ ابن حجر. وفيه نظر، إذ العقوبة التي دعت عليه بها أفظع بكثير من الجناية التي اقترفها، فلا رفق فيها، وتظهر فظاعتها فيما حصل له، وما كان يمكن أن يحصل لولا لطف الله به، وما كان لها أن تدعو عليه بوقوع الفاحشة، فذاك دعاء بالفحش، ولا بالقتل، لأنه يؤلمها هي بالدرجة الأولى، ولو قيل: فيه قسوة الأم على ابنها عند الغضب، لكان أولى. ٥ - وفيه أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن غالبا. ٦ - وفيه قوة يقين جريج وصحة رجائه، لأنه استنطق المولود، مع كون العادة أنه لا ينطق، ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنطقه. قاله الحافظ ابن حجر. وأميل إلى أن الله تعالى ألهمه، مناما أو بغير منام أن ذلك سيقع، ففعل ما فعل مطمئنا للكرامة. ٧ - وفيه أن الله تعالى يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخرجا، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات، تهذيبا وزيادة لهم في الثواب. ٨ - وفيه إثبات كرامات الأولياء. ٩ - ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم، وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون جريج كان نبيا، فتكون معجزة، لكن هذا المأخذ يمكن أخذه من المرأة التي كلمها ولدها المرضع. ١٠ - وفيه جواز الأخذ بالأشد في العبادة، لمن علم من نفسه قوة على ذلك. ١١ - وفيه أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة، حتى في العصور السابقة على الإسلام. ١٢ - واستدل به بعضهم على أن بني إسرائيل كان من شرعهم أن المرأة تصدق، ويقبل قولها فيما تدعيه على الرجال، من الوطء، ويلحق به الولد، وأنه لا ينفعه جحد ذلك، إلا بحجة تدفع قولها. ١٣ - استدل به بعضهم على نسبة ابن الزاني للزاني، فمن زنى بامرأة فولدت بنتا، لا يجوز

стр. 5562

له التزوج بتلك البنت، خلافا للشافعية، في أن ماء الزنا هدر، لا يثبت نسبا، ووجهة دلالة الحديث على المدعي، أن جريجا نسب ابن الزنا للزاني، في قوله: من أبوك؟ وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق المولود، بشهادته له بذلك، في قوله: أبي فلان الراعي، فكانت تلك النسبة صحيحة، فيلزم أن يجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة، وإنما خرج التوارث والولاء بدليل آخر، فبقي ما عدا ذلك على حكمه، ويرد المخالفون بأن هذا قد يكون شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا ما يؤيده. ١٤ - ومن روايتنا الثانية من أن جريجا طلب منهم أن يصلي قبل أن يسأل الطفل أن المفزع في الأمور المهمة إلى الله تعالى، يكون بالصلاة. ١٥ - ومن الرواية التي توضأ فيها أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة، خلافا لمن زعم ذلك، وإنما الذي يختص بها الغرة والتحجيل في الآخرة. ١٦ - وأن من هدم حائطا بنى مثله، وذهب مالك إلى وجوب القيمة الناجزة، أما البنيان فقد يتأخر. ١٧ - ومن الرواية الثانية من قصة المرأة وطفلها أن نفوس أهل الدنيا، تقف مع الخيال الظاهر، فتخاف سوء الحال، بخلاف أهل التحقيق، فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة، فلا يبالون بذلك مع حسن السريرة، كما قال تعالى، حكاية عن أصحاب قارون، حيث خرج عليهم ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون﴾ و ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠] ١٨ - وفيها أن البشر طبعوا على إيثار الأولاد على الأنفس بالخير، لطلب المرأة الخير لابنها، ودفع الشر عنه ولم تذكر نفسها. ١٩ - من الرواية الثالثة والرابعة الحث على بر الوالدين، وعظم ثوابه. ٢٠ - وأنه سبب في دخول الجنة. والله أعلم

стр. 5563

(٦٨٧) باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم، ونحوهما ٥٦٦٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة. فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه. فقال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله! إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير. فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه". ٥٦٦٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: "أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه". ٥٦٦٨ - عن ابن عمر ﵄، أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه، إذا مل ركوب الراحلة. وعمامة يشد بها رأسه. فبينا هو يوما على ذلك الحمار. إذ مر به أعرابي. فقال: ألست ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى. فأعطاه الحمار وقال: اركب هذا. والعمامة، قال: اشدد بها رأسك. فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه، بعد أن يولي" وإن أباه كان صديقا لعمر. -[المعنى العام]- كان ابن عمر ﵄ معنيا بالتصدق بأحب الأشياء لديه، حتى روي أنه كان يشتري السكر، ويتصدق به، فقيل له: ولم السكر؟ قال: لأني أحبه، والله تعالى يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] وها هو في هذا الحديث يتصدق على أهل ود أبيه بأعز ما معه، حماره الذي يركبه، ويستروح به، حين يمل أو يتعب من ركوبه ناقته، وكان يستصحبه مع ناقته في

стр. 5564

سفره، ينتقل منها إليه في بعض الطريق. ومرة استصحبه معه من المدينة إلى مكة، وركبه في طريق من طرقها، فرأى رجلا من أهل البادية يمشي على رجليه كان والده يزور أباه عمر بن الخطاب، وكان عمر يحبه، فوقف، وناداه، وسلم عليه، وسأله عن حاله، ونزل عن الحمار، وأعطاه له، وقال له: اركب، فهو لك، وخلع ابن عمر عمامة كان يلفها حول رأسه، من أجمل ما يملك، كانت تحفظ له هيبته، وتحميه من الشمس، خلعها ووهبها للأعرابي، فعجب مرافقوه، واستكثروا ما أعطاه للأعرابي، فقالوا له: إنه أعرابي من أهل البادية، والقليل من الصلة تكفيهم، وهذا عطاء عليه كثير؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أبر البر، وإن خير ما تبر به أباك بعد أن يولي أن تصل أهل من كان يوده في حياته" وقد كان والد هذا الأعرابي صديقا لعمر بن الخطاب. -[المباحث العربية]- (أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار، كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه) في الرواية الثالثة عن ابن عمر ﵄ "أنه كان إذا خرج إلى مكة" من المدينة "كان له حمار" يستصحبه معه "يتروح عليه، إذا مل ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه، فبينا هو يوما على ذلك الحمار، إذ مر به أعرابي، فقال: ألست ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى: فأعطاه الحمار، وقال: اركب هذا، والعمامة، قال: اشدد بها على رأسك". (فقال ابن دينار) الراوي عن ابن عمر، والمرافق له في هذه الرحلة. (فقلنا له: أصلحك الله: إنهم الأعراب، وأنهم يرضون باليسير) وما أعطيته كثير. والقائل ابن دينار، وأسند القول لنفسه ولأصحابه، لموافقتهم إياه، وفي الرواية الثالثة "فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك. أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك"؟ وهذا كثير. (فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودا لعمر) قال القاضي: رويناه بضم الواو، وكسرها، أي صديقا من أهل مودته، وهي محبته. (وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) في الرواية الثانية "أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه" و"من" فيها مقدرة، وفي الرواية الثالثة "إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه، بعد أن يولي، وإن أباه كان صديقا لعمر" قال النووي: الواو هنا في "ود أبيه" مضمومة. اهـ. فهو مصدر. -[فقه الحديث]- ١ - في الحديث فضل صلة أصدقاء الأب، والإحسان إليهم، وإكرامهم، وهو متضمن لبر الأب، وإكرامه، لكونه بسببه، ويلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ والزوج والزوجة.

стр. 5565

٢ - وفيه قوة ودقة عمل ابن عمر بالسنة. ٣ - وفيه أن بر أقارب الميت ينفع الميت، وقد روى أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه "أن رجلا من بني سلمة جاء النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هل بقي علي من بر أبوي شيء، أبرهما بعد وفاتهما؟ قال: نعم. الصلاة عليهما" أي الدعاء لهما "والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما". وقد ضرب رسول الله ﷺ المثل الأعلى في بر أصدقاء خديجة بعد وفاتها، ﵂. والله أعلم

стр. 5566

(٦٨٨) باب تفسير البر والإثم ٥٦٦٩ - عن النواس بن سمعان الأنصاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: "البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في صدرك. وكرهت أن يطلع عليه الناس". ٥٦٧٠ - عن نواس بن سمعان ﵁ قال: أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة. ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة. كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء. قال: فسألته عن البر والإثم؟ فقال رسول الله ﷺ : "البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس". -[المعنى العام]- ما أجمل أن يسأل الرجل عما يجهل من أمور دينه، وما أحسن ما يسأل عن إيضاح ما خفي فهمه من نصوص شريعته، وقد سمع النواس كلمة البر وكلمة الإثم، وللكلمتين ماصدقات كثيرة، ومن الصعب حصر ما هو بر من الآداب، ومن العسير حصر ما هو إثم وذنب من المعاصي، فسأل رسول الله ﷺ عن مضمون الكلمتين، وكيف يعرف المسلم ما هو بر؟ ليفعله، وما هو إثم ليتجنبه؟ مما لا نص فيه، أو فيه نص مجمل أو مشكل، فوكله ﷺ إلى قلبه، ليستفتيه حين يشك، فما ضاق به صدرا، وخاف من الناس وعيبهم عليه إذا علموه قد فعله، فهو الإثم، وما اطمأنت إليه النفس، ولم يخش فيه نقد الناس فهو البر، وهو من حسن الخلق. -[المباحث العربية]- (عن النواس بن سمعان الأنصاري) قال النووي: هكذا وقع في نسخ صحيح مسلم "الأنصاري" قال أبو علي الجبائي: هذا وهم، وصوابه الكلابي، فإن النواس كلابي مشهور. قال المازري والقاضي عياض: المشهور أنه كلابي، ولعله حليف للأنصار، قالا: وهو النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، كذا نسبه العلائي عن يحيى بن معين، و"سمعان" بفتح السين وكسرها.

стр. 5567

(سألت رسول الله ﷺ عن البر) بكسر الباء، وتشديد الراء، أي عن معناه المراد شرعا، في مثل قولنا: بر الوالدين. (البر حسن الخلق) قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف والمبرة، وبمعنى حسن الصحبة، والعشرة وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. وانظر أول المباحث العربية في باب بر الوالدين. (والإثم) في اللغة الذنب الذي يستحق العقوبة، وجمعه آثام، يقال: أثم بكسر الثاء، يأثم بفتحها، إذا وقع في الإثم، فهو أثم وآثم. والسؤال ليس عن أنواع الإثم، وإنما عن الأوصاف التي يعرف بها الإثم، لتجتنب. (الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي ما تحرك وتردد في صدرك، ولم تنشرح لفعله، وحصل منه الشك في القلب، وخشيت أن يعرفه عنك الناس، لاحتمال كونه ذنبا، وهذا المقياس خاص بصفوة المؤمنين، فغيرهم قد ينشرح صدره للآثام. (أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة) هو معدود في الشاميين، والمعنى أنه أقام بالمدينة، كالزائر والضيف سنة، من غير أن ينتقل إليها استيطانا وإقامة وهجرة. (ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء) كان رسول الله ﷺ في أول أمره بالمدينة يطلب من الصحابة أن يسألوا، ويشجعهم على السؤال، فلما أكثروا، وسألوه عما يفيد وعما لا يفيد، حتى سأل بعضهم عن أبيه الذي مات، أهو في الجنة أم في النار؟ فنزل قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] فكان خوفهم من الوقوع في المحاذير بسؤالهم مانعا من سؤالهم، وكان يعجبهم أن يجيء الرجل العاقل من البادية، لا يعلم النهي عن السؤال، فيسأل، فيستفيدون من السؤال والجواب، علم سمعان أنه يسمح بالسؤال للطارئين، دون المهاجرين المقيمين، فكانت رغبته في السؤال عن أمور دينه باعثا له على عدم نية الإقامة والهجرة. -[فقه الحديث]- ١ - فيه فضيلة للنواس بن سمعان. ٢ - وفيه استفتاء القلب فيما لا نص فيه. ٣ - والبعد عن كل ما يخاف أن يطلع الناس عليه. والله أعلم

стр. 5568

فتح المنعم شرح صحيح مسلم تابع كتاب البر والصلة والآداب - كتاب القدر - كتاب العلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - كتاب الرقاق - كتاب التوبة - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - كتاب صفة القيامة والجنة والنار - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - كتاب الفتن وأشراط الساعة - كتاب الزهد - كتاب التفسير الجزء العاشر الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين دار الشروق

стр. 5569

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5570

فتح المنعم شرح صحيح مسلم ١٠ -
следующие страницы →