Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
(٦٨٨) باب تفسير البر والإثم
٥٦٦٩ - عن النواس بن سمعان الأنصاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: "البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في صدرك. وكرهت أن يطلع عليه الناس".
٥٦٧٠ - عن نواس بن سمعان ﵁ قال: أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة. ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة. كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء. قال: فسألته عن البر والإثم؟ فقال رسول الله ﷺ : "البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس".
-[المعنى العام]-
ما أجمل أن يسأل الرجل عما يجهل من أمور دينه، وما أحسن ما يسأل عن إيضاح ما خفي فهمه من نصوص شريعته، وقد سمع النواس كلمة البر وكلمة الإثم، وللكلمتين ماصدقات كثيرة، ومن الصعب حصر ما هو بر من الآداب، ومن العسير حصر ما هو إثم وذنب من المعاصي، فسأل رسول الله ﷺ عن مضمون الكلمتين، وكيف يعرف المسلم ما هو بر؟ ليفعله، وما هو إثم ليتجنبه؟ مما لا نص فيه، أو فيه نص مجمل أو مشكل، فوكله ﷺ إلى قلبه، ليستفتيه حين يشك، فما ضاق به صدرا، وخاف من الناس وعيبهم عليه إذا علموه قد فعله، فهو الإثم، وما اطمأنت إليه النفس، ولم يخش فيه نقد الناس فهو البر، وهو من حسن الخلق.
-[المباحث العربية]-
(عن النواس بن سمعان الأنصاري) قال النووي: هكذا وقع في نسخ صحيح مسلم "الأنصاري" قال أبو علي الجبائي: هذا وهم، وصوابه الكلابي، فإن النواس كلابي مشهور. قال المازري والقاضي عياض: المشهور أنه كلابي، ولعله حليف للأنصار، قالا: وهو النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، كذا نسبه العلائي عن يحيى بن معين، و"سمعان" بفتح السين وكسرها.
стр. 5567
(سألت رسول الله ﷺ عن البر) بكسر الباء، وتشديد الراء، أي عن معناه المراد شرعا، في مثل قولنا: بر الوالدين.
(البر حسن الخلق) قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف والمبرة، وبمعنى حسن الصحبة، والعشرة وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. وانظر أول المباحث العربية في باب بر الوالدين.
(والإثم) في اللغة الذنب الذي يستحق العقوبة، وجمعه آثام، يقال: أثم بكسر الثاء، يأثم بفتحها، إذا وقع في الإثم، فهو أثم وآثم. والسؤال ليس عن أنواع الإثم، وإنما عن الأوصاف التي يعرف بها الإثم، لتجتنب.
(الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي ما تحرك وتردد في صدرك، ولم تنشرح لفعله، وحصل منه الشك في القلب، وخشيت أن يعرفه عنك الناس، لاحتمال كونه ذنبا، وهذا المقياس خاص بصفوة المؤمنين، فغيرهم قد ينشرح صدره للآثام.
(أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة) هو معدود في الشاميين، والمعنى أنه أقام بالمدينة، كالزائر والضيف سنة، من غير أن ينتقل إليها استيطانا وإقامة وهجرة.
(ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء) كان رسول الله ﷺ في أول أمره بالمدينة يطلب من الصحابة أن يسألوا، ويشجعهم على السؤال، فلما أكثروا، وسألوه عما يفيد وعما لا يفيد، حتى سأل بعضهم عن أبيه الذي مات، أهو في الجنة أم في النار؟ فنزل قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] فكان خوفهم من الوقوع في المحاذير بسؤالهم مانعا من سؤالهم، وكان يعجبهم أن يجيء الرجل العاقل من البادية، لا يعلم النهي عن السؤال، فيسأل، فيستفيدون من السؤال والجواب، علم سمعان أنه يسمح بالسؤال للطارئين، دون المهاجرين المقيمين، فكانت رغبته في السؤال عن أمور دينه باعثا له على عدم نية الإقامة والهجرة.
-[فقه الحديث]-
١ - فيه فضيلة للنواس بن سمعان.
٢ - وفيه استفتاء القلب فيما لا نص فيه.
٣ - والبعد عن كل ما يخاف أن يطلع الناس عليه.
والله أعلم
стр. 5568
فتح المنعم شرح صحيح مسلم
تابع كتاب البر والصلة والآداب - كتاب القدر - كتاب العلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - كتاب الرقاق - كتاب التوبة - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - كتاب صفة القيامة والجنة والنار - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - كتاب الفتن وأشراط الساعة - كتاب الزهد - كتاب التفسير
الجزء العاشر
الأستاذ الدكتور
موسى شاهين لاشين
دار الشروق
стр. 5569
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5570
فتح المنعم شرح صحيح مسلم
١٠ -
стр. 5571
جميع حقوق النشر والطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م
دار الشروق
القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر
ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢)
e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com
بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)
стр. 5572
تابع كتاب البر والصلة والآداب
стр. 5573
(٦٨٩) باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها
٥٦٧١ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك" ثم قال رسول الله ﷺ "اقرءوا إن شئتم ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد-٢٤].
٥٦٧٢ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله"
٥٦٧٣ - عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يدخل الجنة قاطع" قال ابن أبي عمر قال سفيان يعني قاطع رحم
٥٦٧٤ - عن محمد بن جبير بن مطعم أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ قال "لا يدخل الجنة قاطع رحم" حدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بهذا الإسناد مثله وقال سمعت رسول الله ﷺ .
٥٦٧٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "من سره أن يبسط عليه رزقه أو ينسأ في أثره فليصل رحمه".
٥٦٧٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه".
стр. 5574
٥٦٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك"
-[المعنى العام]-
الإسلام دين المودة والمحبة ودين الألفة والاجتماع ودين التكافل والترابط بين البشر فكلهم لآدم وكلهم من ذكر وأنثى آدم وحواء وإذا كان المجتمع الإنساني يشبه البنيان كان التماسك بين لبناته أساس قوته وصلابته وزيادة نفعه وطول بقائه وكما يبدأ البنيان بلبنتين ثم ثلاثا ثم أربعا إلى أن يكتمل ويعظم يبدأ تماسك المجتمع البشري بالأبوين وأبنائهما فكان الأمر ببر الوالدين تلاه الأمر بصلة الرحم ثم الأمر بالإحسان إلى الجار ثم الإحسان إلى المسلم ثم الإحسان إلى غير المسلم بل الإحسان إلى البهائم
إن الإسلام لا يستهدف مجتمعا متقاتلا متباغضا بل لا يستهدف مجتمعا مسالما متباعدا بل يستهدف مجتمعا متكافلا متواصلا متحابا متفاعلا كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى وتعين إحداهما الأخرى وكمثل البنيان يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
وأحاديثنا في الحلقة الثانية صلة الأقارب وذوي الأرحام والإسلام يعتمد في أوامره على الترغيب والترهيب وللطاعات آثار محبوبة وللمعاصي آثار مبغوضة والتبصير بالمنافع والأضرار في العواقب مهمة الناصح الأمين فقطيعة الرحم تنذر بقطع الله تعالى خيره عن القاطع وصلة الرحم تعد بصلة فضل الله تعالى للواصل من قطعها قطعه الله ومن وصلها وصله الله ومن أحب أن يطيل الله في عمره وأن يزيد في رزقه فليصل رحمه
-[المباحث العربية]-
(إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت) أي لما قضاهم وأتمهم قامت الرحم والرحم بفتح الراء وكسر الحاء في الأصل رحم المرأة وهو بيت منبت ولدها ووعائها ثم استعير للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة ويقال للأقارب ذو رحم كما يقال لهم أرحام وذو الأرحام عند الفقهاء وفي الميراث هم الأقارب من جهة النساء الذين لا سهم لهم ولا عصبة كأولاد الأخوات ولا يدخل فيهم الآباء والأبناء والإخوة والمراد هنا جميع الأقارب ويدخل فيهم الآباء والأبناء ولا يخرج عنهم إلا الأجانب والرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني ليست
стр. 5575
بجسم وإنما هي قرابة ونسب تجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض فسمى ذلك الاتصال رحما قال القاضي عياض وهذا المعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها وتعلقها بالعرش (الوارد في الرواية الثانية) ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة وأصليها وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم لهذا سمى العقوق قطعا والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل اهـ وعبر ابن أبي جمرة عن هذا المعنى بقوله يحتمل أن يكون بلسان الحال
قال الحافظ ابن حجر ويحتمل أن يكون على الحقيقة والأعراض يجوز أن تتجسد وتتكلم بإذن الله تعالى قال ابن أبي جمرة وهل تتكلم كما هي أو يخلق الله لها عند كلامها حياة وعقلا قولان مشهوران والأول أرجح لصلاحية القدرة العامة لذلك ولما في الأولين من تخصيص عموم لفظ القرآن والحديث بغير دليل ولما يلزم منه من حصر قدرة القادر التي لا يحصرها شيء
قال القاضي عياض ويجوز أن يكون الذي نسب إليه القول ملكا يتكلم على لسان الرحم اهـ
وقال ابن أبي جمرة يحتمل أن يكون المراد بالخلق جميع المخلوقات ويحتمل أن يكون المراد به المكلفين وهذا القول الذي تقوله الرحم يحتمل أن يكون بعد خلق السماوات والأرض وإبرازها في الوجود ويحتمل أن يكون بعد خلقها كتبا في اللوح المحفوظ ولم يبرز بعد إلا اللوح والقلم ويحتمل أن يكون بعد انتهاء خلق أرواح بني آدم عند قوله ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف ١٧٢] لما أخرجهم من صلب آدم ﵇ مثل الذر اهـ
في الرواية الثانية "الرحم معلقة بالعرش" وعند البخاري "قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال له مه" وفي رواية "بحقوى الرحمن" بالتثنية والحقو معقد الإزار وهو الموضع الذي يستجار به ويحتزم به على عادة العرب فاستعير ذلك مجازا للرحم في استعاذتها بالله من القطعية وقد يطلق الحقو على الإزار نفسه وهو أقرب للمراد هنا وهو الذي جرت العادة بالتمسك به عند الإلحاح في الاستجارة والطلب والمعنى على هذا صحيح مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن الجارحة قال الطيبي هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية كأنه شبه حالة الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة والذب عنها بحال مستجير يأخذ بحقو المستجار به ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم للمشبه به من القيام ثم رشحت الاستعارة بالقول والأخذ وبلفظ الحقو فهو استعارة أخرى والتثنية فيه للتأكيد لأن الأخذ باليدين آكد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة
وقوله في رواية البخاري "مه" أي اكفف وهو اسم فعل للزجر وقال ابن مالك هي هنا "ما" الاستفهامية حذفت ألفها ووقف عليها بهاء السكت أي ماذا تريدين؟
(هذا مقام العائذ من القطعية) أي المستعيذ وهو المعتصم بالشيء الملتجئ إليه المستجير به والإشارة إلى المقام أي قيامي في هذا الوقت وفي هذا المكان وبهذه الصفة قيام العائذ بك من القطيعة تطلب من ربها حمايتها من القطيعة والقطيعة هي الإساءة وقيل هي عدم الإحسان
стр. 5576
(قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك) "نعم" أي أجرتك والوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه وهو خطاب للناس بما يفهمون لأن أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال وهو القرب منه وإسعافه بما يريد ومساعدته على ما يرضيه ولما كانت حقيقة ذلك مستحيلة على الله عرف أن ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده قاله ابن أبي جمرة قال وكذا القول في القطع هو كناية عن حرمان الإحسان قال القرطبي ومقصود هذا الكلام الإخبار بتأكيد أمر صلة الرحم وأنه تعالى أنزلها منزلة من استجاره فأجاره فأدخله في حمايته وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول اهـ
(ثم قال رسول الله ﷺ اقرءوا إن شئتم ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾) والمعنى فهل يتوقع منكم يا من في قلوبكم مرض إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم وسفك الدماء وتقطعوا أرحامكم من يفعل ذلك منكم لعنه الله فأصمه عن سماع الحق وأعمى أبصارهم عن مشاهدة الحقيقة فالآية الكريمة تحذر من قطيعة الرحم وتوصي بصلتها
(لا يدخل الجنة قاطع) أي قاطع رحم وأهل السنة على أن الكبيرة لا تمنع من دخول الجنة ولا تخلد في النار وقد سبق في كتاب الإيمان تأويلهم لمثل هذا بأنه محمول على المستحل بلا سبب ولا شبهة مع علمه بالتحريم أو محمول على أنه لا يدخلها أول الأمر مع السابقين بل بعد أن يعاقب على ما ارتكب
(من سره أن يبسط عليه رزقه) وفي الرواية السادسة "من أحب أن يبسط له في رزقه" وبسط الرزق توسيعه وكثرته
(أو ينسأ له في أثره) بضم الياء وسكون النون أي يؤخر والمراد من الأثر الأجل أي نهايته وهو الموت وسمى الأجل أثرا لأنه يتبع العمر وأصله من أثر مشيه على الأرض فإن من مات لا يبقى له حركة فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر و"أو" هنا بمعنى الواو تمنع الخلو وتجيز الجمع وفي الرواية السادسة وروايات البخاري بالواو
(فليصل رحمه) أي فليحسن إلى أقاربه
(لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي) أي فماذا أفعل معهم أأستمر على ما أنا عليه أم أعاملهم بمثل ما يعاملوني به
(لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) أي كأنما بفعلك هذا تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ولا شيء على هذا
стр. 5577
المحسن بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه وقيل معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم كمن يسف المل وقيل ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم
وقوله "أحلم" بضم اللام ومعنى "يجهلون علي" أي يسيئون والجهل هنا القبيح من القول و"تسفهم" بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء و"المل" بفتح الميم وتشديد اللام الرماد الحار
(ولا يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك) الظهير المعين والمدافع أي وستظل منتصرا عليهم بعون الله لا يضرك أذاهم وينفعك إحسانك إليهم
-[فقه الحديث]-
ذكر البخاري تحت باب فضل صلة الرحم زيادة على ما هنا حديث الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال النبي ﷺ "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم" وقد سبق في كتاب الإيمان
كما ذكر حديث "ليس الواصل بالمكافئ" أي الذي يعطي لغيره نظير ما أعطاه ذلك الغير له ليس هو الواصل لأن الغير في هذه الحالة هو الذي وصل وعن عمر موقوفا "ليس الوصل أن تصل من وصلك ذلك القصاص ولكن الوصل أن تصل من قطعك" و"ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" أي ليست حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته هو من يكافئ صاحبه بمثل فعله ولكنه من يتفضل على صاحبه قال الترمذي المراد بالواصل في هذا الحديث الكامل فإن في المكافأة نوع صلة وهو من قبيل "ليس الشديد بالصرعة" و"ليس الغني عن كثرة العرض"
قال الحافظ ابن حجر لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات مواصل مكافئ وقاطع فالواصل من يتفضل ولا يتفضل عليه والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ والقاطع الذي يتفضل عليه ولا يتفضل وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع المقاطعة من الجانبين فمن بدأ حينئذ فهو الواصل فإن جوزي سمى من جازاه مكافئا اهـ
وحكى القرطبي في تفسيره اتفاق الأمة على حرمة قطع الرحم ووجوب صلتها ولا ينبغي التوقف في كون القطع كبيرة حيث توقف الرافعي
واختلف في المراد بالقطيعة فقال أبو زرعة ينبغي أن تختص بالإساءة وقال غيره هي ترك الإحسان ولو بدون إساءة لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما والصلة إيصال نوع من الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد فالقطيعة ضدها فهي ترك الإحسان
وقال القاضي عياض الصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها
стр. 5578
مستحب ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا ولو قصر عما يقدر عليه وعما ينبغي له لا يسمى واصلا
هذا والرواية الخامسة والسادسة تفيدان أن صلة الرحم تزيد الرزق وتطيل العمر وظاهرهما يتعارض مع قوله تعالى ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف ٣٤] والجمع بينهما من وجوه
أحدها أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه في غير ذلك
ومن المعلوم أن الزمن ظرف لما يقع فيه من الأعمال فمن الناس من يعمل عملا في يوم ويعمله آخر في أسبوع فاليوم عند هذا في قيمته وبركته يساوي أسبوعا عند ذاك سواء في ذلك أعمال الدنيا أو ما يعمها وأعمال الآخرة فصلة الرحم تزيد العمر زيادة معنوية أو بعبارة أخرى يكون الكلام على تقدير مضاف أي تزيد أعمال العمر وهذا الرأي واضح ومحسوس وهو أحرى الآراء بالقبول
الوجه الثاني أن الزيادة زمنية لكنها ليست للشخص نفسه ولكنها لما يتبع حياته بعد موته مما ينفعه كالصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به والولد الصالح يدعو له فهذا الذي ينفعه بعد موته في حكم امتداده لعمره
وبهذين الوجهين يمكن أن نفسر حديث تقاصر أعمار أمته ﷺ بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم إذ أعطى الله تعالى أمته ليلة القدر وليالي رمضان والجمعة والعبادة في المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس ومضاعفة الحسنات وغير ذلك
الوجه الثالث أن الزيادة على حقيقتها زمنية وأن الستين سنة تتبدل إلى سبعين مثلا بسبب صلة الرحم لكن ذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمل والآية بالنسبة إلى ما هو في علم الله تعالى كأن يقال للملك مثلا إن عمر فلان ستون سنة مثلا إن لم يصل رحمه فإن وصلها كان عمره سبعين سنة وقد سبق في علم الله أنه يصل رحمه وأن عمره سبعون سنة فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر والذي في علم الملك هو الذي حصلت فيه الزيادة المبنية على صلة الرحم وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد ٣٩] فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى ولا محو فيه ويقال له القضاء المبرم ويقال للأول القضاء المعلق
واختار الحافظ ابن حجر وآخرون الوجه الثاني مسترشدين بقول الخليل إبراهيم ﵇ ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ [الشعراء ٨٤] وبما أخرجه الطبراني في الصغير بسند ضعيف عن أبي الدرداء ﵁ قال "ذكر عند رسول الله ﷺ من وصل رحمه أنسئ له في أجله فقال إنه ليس زيادة في عمره قال الله تعالى ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ الآية ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده"
стр. 5579
وللطبراني في الكبير "إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما زيادة العمر ذرية صالحة"
والأمر نفسه بالوجوه الثلاثة في تعارض زيادة الرزق مع كتابة رزقه وهو في بطن أمه والله أعلم
وفي الأحاديث فضل صلة الرحم والحث الشديد عليها وحرمة قطيعتها والتحذير من قطعها والوعيد الشديد بقطع الله لقاطعها والوعد بزيادة الرزق وطول العمر لواصلها وعون الله تعالى وتوفيقه لمن يتحمل الأذى في سبيل وصلها
والله أعلم.
стр. 5580
(٦٩٠) باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر والظن والتحسس والتجسس والتنافس والتناجش والهجر فوق ثلاثة أيام
٥٦٧٨ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".
٥٦٧٩ - -/- وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد وزاد ابن عيينة "ولا تقاطعوا"
٥٦٨٠ - -/- وفي رواية عن الزهري يذكر الخصال الأربعة جميعا وأما حديث عبد الرزاق "ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا"
٥٦٨١ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا"
٥٦٨٢ - -/- وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد مثله وزاد "كما أمركم الله"
٥٦٨٣ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"
٥٦٨٤ - -/- وفي رواية عن الزهري بإسناد مالك ومثل حديثه إلا قوله "فيعرض هذا ويعرض هذا" فإنهم جميعا قالوا في حديثهم غير مالك "فيصد هذا ويصد هذا"
стр. 5581
٥٦٨٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"
٥٦٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا هجرة بعد ثلاث"
٥٦٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا"
٥٦٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تهجروا ولا تدابروا ولا تحسسوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا"
٥٦٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا"
٥٦٩٠ - -/- وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا إخوانا كما أمركم الله"
٥٦٩١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تنافسوا وكونوا عباد الله إخوانا"
-[المعنى العام]-
من كمال إسلام المسلم سلامة المسلمين من لسانه ويده ومن الدوافع الداخلية المحركة للسان واليد كالحقد والحسد والبغضاء والظن السيئ وتلك ميادين الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم والقرآن الكريم يقول ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾ [فاطر ٦] وحاربوه كما يحاربكم وقاوموه كما يغرر بكم والقرآن الكريم يقول ﴿إنما يريد
стр. 5582
الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة ٩١]
إنه يدخل الهواجس في النفوس فتظن بالآخرين شرا فنهى الحديث عن الظن فقال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" لأنه مبني على غير الواقع فهو كذب يستهين به صاحبه فيكون أكثر وقوعا وأكثر شرا ثم إن الشيطان ينتقل بالظن إلى محاولة التأكد من المظنون فيدفع إلى التجسس والتحسس فنهى الحديث عن التجسس والتحسس أي من لم يتغلب على الشيطان من أول درجة فليتغلب عليه عند الدرجة الثانية "ولا تحسسوا ولا تجسسوا" ثم ينتقل الشيطان بالمتحسس والمتجسس إلى البغضاء والمقت والكراهية فنهى الحديث عن البغضاء والحقد والحسد فمن لم يتغلب على الشيطان في النزعة الثانية فليتغلب عليه عند الدرجة الثالثة "لا تباغضوا ولا تحاسدوا" فإن انتقل الشيطان بالمتباغضين إلى التقاطع والتدابر والهجر قيل لهم "لا تدابروا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"
هكذا يدخل الشيطان ليفسد دين المسلم وهكذا يجب محاربته ليبقى المسلم مسلما كاملا ولتبقى الأخوة بينه وبين بني جنسه ليكون الجميع عباد الله إخوانا
-[المباحث العربية]-
(لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا) بحذف التاء في الثلاثة وأصله تتباغضوا تتحاسدوا تتدابروا والبغض المقت والكراهية يقال بغض الشيء بفتح الغين يبغضه بضمها بغضا بضم الباء وسكون الغين فهو متعد كأبغض وفي اللازم بغض الشيء بكسر الغين يبغض بفتحها بغضا بضم الباء وسكون الغين وبغض يبغض بضم الغين فهو بغيض ومبغوض
ولما كانت البغضاء من عمل القلوب لا سلطان للإنسان عليها توجه النهي إلى تعاطي أسبابها وإلى ما يترتب على وقوعها من أفعال مكتسبة
و"الحسد" تمني زوال نعمة الغير سواء أرادها لنفسه أم لم يردها لنفسه والنهي متوجه إلى الأسباب وإلى ما يترتب عليه من البغي والعمل على إزالتها قولا أو فعلا
و"التدابر" التولي والإعراض وأصله إعطاء كل من المتقابلين ظهره ودبره نحو الآخر والمفاعلة في هذه الثلاثة ليست مقصودة وليست قاصرة على أن تكون من الجانبين بل النهي موجه عن الفعل ولو من جانب واحد لأنه إذا نهي عن الفعل بطريق المعاقبة والمماثلة نهي عنه إذا كان اعتداء ومن جانب واحد من باب أولى
وقد كثرت الأقوال في المراد من التدابر وكلها كناية الأصل المذكور فقال الخطابي المراد لا تتهاجروا فيهجر بعضكم بعضا اهـ ويبعده الجمع بينهما في روايتنا السابعة ولفظها "لا تهجروا ولا
стр. 5583
تدابروا" وقال ابن عبد البر التدابر الإعراض وربطه بالتباغض فقال لأن من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره والمحب بالعكس فكأن المعنى عنده لا تستجيبوا للبغضاء بالتولي والإعراض
وقيل معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر وقيل للمستأثر مستدبر لأنه يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر
وقال المازري معنى التدابر المعاداة
وحكى عياض أن معناه لا تجادلوا ولكن تعاونوا
وربطه مالك بالإعراض عن السلام فقال لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام
والمعاني كلها متقاربة إلا أن بعضها أخص من بعض
وفي الرواية الثانية التقاطع بدل التدابر ولفظها "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا" والتقاطع المهاجرة وزاد في السادسة الظن والتحسس والتجسس والتنافس وزادت الرواية الثامنة التناجش وزادت الرواية السابعة "ولا يبع بعضكم على بيع بعض"
أما الظن فلفظ النهي عنه "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" وهو أسلوب تحذير والمراد من الظن المنهي عنه ظن السوء بالآخرين والظن عند العلماء إدراك الطرف الراجح وهو درجة تلي الخواطر النفسية وما يهجس في النفس وهي لا تملك بل تعرض ولا تستقر فإن استقرت ورجح ثبوتها على نفيها كانت ظنا فالظن مرحلة من مراحل حديث النفس وليس بعده إلا اليقين ثم العزم ثم النية ثم النزوع وحمل الخطابي الظن في الحديث على هذا أو على ما يستمر صاحبه عليه ويستقر في قلبه دون ما يعرض ولا يستقر لكنه قد سبق حديث تجاوز الله تعالى عما تحدث به النفوس ما لم تتكلم أو تنزع وتتحرك لذا قال سفيان الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به فإن لم يتكلم به لم يأثم
وقال القرطبي المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما تقتضيها ولذلك عطف عليه قوله "ولا تجسسوا" وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع فنهى عن ذلك
وقال عياض استدل به قوم على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي فإن مبناها الظن وحمله المحققون على ظن في الأحكام مجرد عن الدليل ليس مبنيا على أصل ولا تحقيق نظر وقال النووي ليس المراد في الحديث بالظن ما يتعلق بالاجتهاد الذي يتعلق بالأحكام أصلا بل الاستدلال به لذلك ضعيف أو باطل وقال القرطبي في المفهم الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد الجانبين أو هو بمعنى اليقين ليس مرادا هنا من الآية ولا من الحديث فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي
وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلى ظن أصلا أشد من
стр. 5584
الأمر الذي يستند إلى الظن فللإشارة إلى أن الظن المنهي عنه هو الذي لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه فيعتمد عليه ويجعله أصلا ويجزم به فيكون الجازم به كاذبا وإنما صار أشد من الكذب لأن الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمه بخلاف هذا فإن صاحبه يزعمه مستندا إلى شيء فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة في ذمه والتنفير منه وأن الاغترار به أكثر من الكذب لخفائه غالبا ووضوح الكذب المحض
كما استشكل هنا تسمية الظن حديثا وأجيب بأنه من جنس حديث النفس أو بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولا أو فعلا ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازا
وأما التجسس والتحسس فالأولى بالجيم والثانية بالحاء وفي كل منهما حذف التاء تخفيفا والتي بالجيم من الجس وهو اختبار الشيء باليد وهي إحدى الحواس والتي بالحاء من الحاسة بإحدى الحواس الخمس قال تعالى حاكيا عن يعقوب ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ [يوسف ٨٧] فتكون التي بالحاء أعم فإذا ذكرت أولا والتي بالجيم ثانيا كان من قبيل ذكر الخاص بعد العام لمزيد عناية بالخاص وإذا ذكرت التي بالجيم أولا كان من قبيل ذكر العام بعد الخاص لإدخال أفراد لم تدخل وقيل هما متغايران فبالجيم البحث عن عورات الناس وبالحاء استماع حديث القوم وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين والأذن وقيل بالجيم تتبع الشخص لأجل غيره وبالحاء تتبعه لنفسه وقيل هما بمعنى واحد وذكر الثاني للتأكيد كقولهم بعدا وسحقا
وأما التنافس والمنافسة فمعناهما الرغبة في الشيء وفي الانفراد به ونافسته منافسة إذا رغبت فيما رغب فيه وقيل معنى الحديث التباري في الرغبة في أمور الدنيا وحظوظها
وأما التناجش فهو إثارة رغبة الغير في السلعة من غير رغبة في شرائها بل ليغر غيره في شرائها
وأما النهي عن البيع على البيع فقد سبق توضيحه وحكمه في البيوع
(وكونوا عباد الله إخوانا) قوله "عباد الله" منادى بحذف حرف النداء و"إخوانا" خبر كان ويصح أن يكون "عباد الله" خبر "كان" و"إخوانا" خبر ثان أو حال أي كونوا عبيدا لله تأتمرون بأمره وتنتهون عن نهيه واكتسبوا ما تصيرون به إخوانا أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدم كأنه قال إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانا ومفهومه إذا لم تتركوها كنتم أعداء
وزاد في ملحق الرواية الثانية "كما أمركم الله" أي كما أمركم الله بهذه الأوامر المتقدم ذكرها فإنها جامعة لمعاني الأخوة ونسبتها إلى الله والآمر الرسول ﷺ لأن الرسول ﷺ مبلغ عن الله ويحتمل أن يكون المراد بقوله "كما أمركم الله" الإشارة إلى قوله تعالى
стр. 5585
﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات ١٠] فقد أخبر الله تعالى عن الحالة التي شرعت للمؤمنين فهو بمعنى الأمر
(ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) في الرواية الثالثة "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" وفي ملحقها "فيصد هذا ويصد هذا" وفي الرواية الرابعة "لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" وفي الرواية الخامسة "لا هجرة بعد ثلاث" أي لا تحل هجرة بعد ثلاث
والهجرة هنا بكسر الهاء وسكون الجيم ترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا وهي في الأصل الترك فعلا كان أو قولا
قال النووي قال العلماء تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص وتباح في الثلاث بالمفهوم وإنما عفي عنه في ذلك لأن الآدمي مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض اهـ وفي تحديد الثلاث قال أبو العباس القرطبي المعتبر ثلاث ليال حتى لو بدأ بالهجر في أثناء النهار ألغى جزء النهار وتعتبر الليلة التي بعد النهار هي البداية وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة فاعتبر القرطبي الليالي من غير اعتبار للنهار أخذا من روايات "ثلاث ليال" قال الحافظ ابن حجر وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود (ففي روايتنا الرابعة) وفي رواية للبخاري "ثلاثة أيام" فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها فحيث أطلقت الليالي أريد بأيامها وحيث أطلقت الأيام أريد بلياليها ويكون الاعتبار مضى ثلاثة أيام بلياليها ملفقة إذا ابتدئت مثلا من الظهر يوم السبت كان آخرها ظهر يوم الثلاثاء ويحتمل أن يلغي الكسر ويكون أول العد من ابتداء اليوم أو الليلة والأول أحوط اهـ
وهل هذا خاص بالأخ المسلم وهل السلام يكفي لإزالة الهجر خلاف يأتي في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث]-
١ - الحث على المودة والتعاطف والشفقة بين المسلمين
٢ - النهي عن أسباب التباغض والتحاسد والتدابر وعما يترتب عليها من الأمور المكتسبة
٣ - النهي عن كل ما يورث البغضاء بين المسلمين من النجش والبيع على البيع والتنافس والظن السيئ والتحسس والتجسس وأدخل بعض العلماء في ذلك الأهواء المضلة الموجبة للتباغض
قال الحافظ ابن حجر والمذموم من التباغض ما كان في غير الله تعالى فإنه واجب فيه ويثاب فاعله لتعظيم حق الله تعالى
стр. 5586
٤ - استثنى الجمهور من التجسس ما لو تعين طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا كأن يخبره ثقة بأن فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما أو بامرأة ليزني بها فيشرع في هذه الحالة التجسس والبحث عن ذلك حذرا من فوات استدراكه وقال بعضهم ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات ولو غلب على الظن استمرار أهلها بها إلا في مثل الصورة السابقة
٥ - قال العلماء إن الحسد الذي في الطبع والظن الذي يطرأ معفو عنه عملا بما أخرجه عبد الرزاق "ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد قيل فما المخرج منها يا رسول الله قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ" وعن الحسن البصري ما من آدمي إلا وفيه الحسد فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء
٦ - بوب البخاري بباب ما يجوز من الظن ووضع تحته قوله ﷺ "يا عائشة ما أظن فلانا وفلانا يعرفان ديننا الذي نحن عليه" فمثل هذا الذي وقع ليس من الظن المنهي عنه لأنه في مقام التحذير من مثل هذا والنهي إنما هو عن ظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه وقد قال ابن عمر "إنا كنا إذا فقدنا الرجل في عشاء الآخرة أسأنا به الظن" قال الحافظ ابن حجر ومعناه أنه لا يغيب إلا لأمر سيئ إما في بدنه وإما في دينه
٧ - ومن أحاديث الهجر استدل بها النووي على إباحة الهجر في الثلاثة وقيل إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجر في الثلاثة وهذا على مذهب من يقول لا يحتج بالمفهوم ودليل الخطاب
٨ - في قوله ﷺ في الرواية الثالثة "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" دليل للشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجرة ويرفع الإثم فيها ويزيله وقال أحمد وابن قاسم المالكي إن كان يؤذيه ترك الكلام مع السلام لم يقطع السلام هجرته ويؤيد الجمهور ما جاء عند أبي داود بسند صحيح "فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلم عليه فإن رد عليه فقد اشتركا في الأجر" أي وللذي يبدأ زيادة "وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم" أي يأثم الذي لم يرد ويثاب الذي سلم وعند أحمد "فإنهما" أي المتهاجرين "ناكثان عن الحق ما داما على صرامهما وأولهما فيئا يكون سبقه كفارة" زاد في رواية "فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا"
٩ - استدل بقوله "أخاه" على أن الحكم يختص بالمؤمنين وأنه لا يشمل هجر المسلم لغير المسلم
١٠ - واستدل بقوله "لا يحل لمسلم" أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة قال النووي ولا حجة لهم لأن التقييد بالمسلم ليس للاحتراز بل لكونه هو الذي يقبل خطاب الشرع وينتفع به
١١ - واستدل بهذه الأحاديث على أن من أعرض عن أخيه المسلم وامتنع عن مكالمته والسلام عليه من غير موجب شرعي أثم بذلك لأن نفي الحل يستلزم التحريم ومرتكب الحرام آثم قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرة فإن كان كذلك جاز ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية
стр. 5587
وقد استشكل على هذا ما صدر من عائشة ﵂ في حق ابن الزبير والقصة ساقها البخاري وحاصلها أنه بلغ ابن الزبير وقد بويع من أهل الحجاز بالخلافة أن عائشة ﵂ باعت دارا لها وتصدقت بثمنها فسخط لإسرافها وقال أما والله لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها وبلغ ذلك عائشة فقالت أهو قال هذا قالوا نعم قالت لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا وطال هجرها له واستشفع ابن الزبير إليها فلم تقبل وطال الهجر ودخل عليها بحيلة مع بعض من وسطهم وبعد كثير من العتاب والنقاش والبكاء كلمته وأعتقت في نذرها هذا أربعين رقبة
وأجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة أحسنها أن عائشة ﵂ رأت أن ابن الزبير قد ارتكب بما قال أمرا عظيما وهو قوله "لأحجرن عليها" فإن فيه تنقيصا لقدرها وقد نسب لها ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين وخالته أخت أمه ولم يكن أحد عندها في منزلته فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق والشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته كما نهى النبي ﷺ عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه عقوبة لهما لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وإزدرائه بالمنافقين لحقارتهم فعلى هذا يحمل ما صدر من عائشة
وقد ذكر الخطابي أن هجر الوالد ولده والزوج زوجته ونحو ذلك لا يتضيق بالثلاث واستدل بأنه ﷺ هجر نساءه شهرا
والله أعلم.
стр. 5588
(٦٩١) باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله
٥٦٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"
٥٦٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ فذكر نحو حديث داود وزاد ونقص ومما زاد فيه "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" وأشار بأصابعه إلى صدره.
٥٦٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"
-[المعنى العام]-
الظلم ظلمات يوم القيامة ومن أقبح الظلم ظلم المسلم لأخيه المسلم لأن له حقين حق الإنسانية وحق الإسلام وليس ذلك فحسب من حق المسلم على المسلم أن يعينه حين يظلم ويساعده على رفع الظلم عنه سواء طلب المساعدة أم لم يطلبها بل من حق المسلم على المسلم عدم الاستهانة به وعدم تحقيره وعدم الاستخفاف به ولو كان فقيرا مغمورا فرب أشعث أغبر هو عند الله خير ممن له مظهر العز والجاه والسلطة فإن الله تعالى لا ينظر ولا يحاسب على المظاهر ولا ينظر للأجسام وإنما يعتمد القلوب وما في القلوب ومن أعظم الذنوب وأكبر الشرور أن يحتقر المسلم المسلم لمظهره أو مهنته أو ضعفه فكل المسلم على المسلم حرام دم المسلم على المسلم حرام ومال المسلم على المسلم حرام كل ذلك إلا بحق الإسلام
стр. 5589
-[المباحث العربية]-
(المسلم أخو المسلم) هذه أخوة الإسلام فإن كل اتفاق بين شيئين يطلق بينهما اسم الأخوة تقول هذه الأسورة أخت هذه الأسورة قال تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات ١٠]
(لا يظلمه) الظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي والجملة خبر بمعنى الأمر أي لا يظلم مسلم مسلما لأنه أخوه فالجملة الأولى كالعلة للثانية وما بعدها
(ولا يخذله) الخذل ترك الإعانة والنصر ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي في التقاعس عن نصرته وعند البخاري بدل "ولا يخذله" "ولا يسلمه" بضم الياء وسكون السين أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل يساعده ويدفع عنه ومن مجموع الروايتين يكون المطلوب من المسلم الناصر أن يعين إذا رأى أخاه مظلوما أو في مصيبة سواء استعان به أم لم يستعن وفي الطبراني "ولا يسلمه في مصيبة نزلت به" زاد البخاري "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" وعند الترمذي "ستره الله في الدنيا والآخرة" أي من رأى أخاه على قبيح فلم يظهره للناس أو ستره وأنقذه من مصيبته ستره الله في الدنيا جزاء وفاقا وفي الآخرة بالعفو عن زلاته وعدم كشفها بين الخلائق فيدينه ويذكره بذنوبه ثم يقول له سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم
وعند البخاري "انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تأخذ فوق يديه"
(ولا يحقره) بفتح الياء وكسر القاف يقال حقر الشيء بفتح الحاء والقاف يحقره بكسر القاف حقرا بسكونها وحقرة بضم الحاء وحقارة بفتح وكسر وضم الحاء ومحقرة أي استهان به واستصغره واحتقره بمعنى حقره
قال النووي قال القاضي ورواه بعضهم "لا يخفره" بضم الياء وسكون الخاء وكسر الفاء أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أمانه قال والصواب المعروف هو الأول وهو الموجود في غير كتاب مسلم بغير خلاف وروى "لا يحتقره" وهذا يرد رواية "لا يخفره"
(التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات) أي يقولها ثلاث مرات ويشير إلى صدره في كل مرة والتقوى الخشية والخوف وتقوى الله خشيته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والمعنى أن حقيقة التقوى تحصل في القلب وما يظهر من الجوارح قد يكون دليلا على وجودها وقد يكون رياء ونفاقا فالعبرة عند الله بما في القلب ويؤكد هذا المعنى قوله في الرواية الثانية "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" وفي ملحق الرواية الأولى "إن الله لا
стр. 5590
ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" أي الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى الأخروية قال النووي ومعنى نظر الله هنا مجازاته ومحاسبته أي إنما يكون ذلك على ما في القلب دون الصورة الظاهرة ونظر الله محيط بكل شيء قال ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب وهو من نحو قوله ﷺ "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"
(بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) "حسب" بفتح الحاء وسكون السين اسم بمعنى كاف يقال مررت برجل حسبك من رجل أي كافيك واسم فعل يقال حسبك هذا أي اكتف به وفي المثل حسبك من شر سماعه أي يكفيك أن تسمعه لتشمئز منه والمعنى هنا أن احتقار المسلم للمسلم يبلغ في شره الكثير الذي يكفي كل شرير
(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) "دمه وماله وعرضه" بدل من "كل" أي دم المسلم حرام ومال المسلم حرام وعرض المسلم حرام والعرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره والجملة كالتذييل لما قبلها
-[فقه الحديث]-
في الحديث حرمة دم المسلم وماله وعرضه والحث على مساعدة المسلم للمسلم على رفع الظلم وتخفيف البلاء والحث على الاهتمام بالقلوب وأن يصدر المسلم في أعماله عن تقواها وخوفها من الله فيأتمر بالأوامر ظاهرا وباطنا ويجتنب النواهي ظاهرا وباطنا وفي الحديث الحث على عدم احتقار المسلم للمسلم لا يحتقر عمله ولا يحتقر كلامه ولا يحتقر مظهره ولا يحتقر عطاءه وهويته ولا يحتقر فقره فكل ذلك شر وظلم عاقبته وخيمة وفيه قصاص يوم القيامة
والله أعلم.
стр. 5591
(٦٩٢) باب النهي عن الشحناء
٥٦٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا انظروا هذين حتى يصطلحا انظروا هذين حتى يصطلحا".
٥٦٩٦ - -/- وفي رواية عن سهيل عن أبيه بإسناد مالك نحو حديثه غير أن في حديث الدراوردي "إلا المتهاجرين" من رواية ابن عبدة وقال قتيبة "إلا المهتجرين".
٥٦٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ رفعه مرة قال "تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال اركوا هذين حتى يصطلحا اركوا هذين حتى يصطلحا".
٥٦٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال اتركوا أو اركوا هذين حتى يفيئا".
-[المعنى العام]-
مازلنا مع أحاديث السلامة والمودة والتآلف بين المسلمين وقد مضى قريبا النهي عن التباغض والتحاسد والتدابر والتقاطع والظن السيئ والتحسس والتجسس والتنافس والهجر والخصام فوق ثلاثة أيام والنهي عن البيع على البيع والنهي عن ظلم المسلم والتخاذل عن نصرته ومساعدته وعن
стр. 5592
تحقيره وأن كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وسبقت الدعوة للمسلمين أن يكونوا عباد الله إخوانا وإن الله لا ينظر إلى الصور والأجسام ولكن ينظر إلى القلوب وهو بها عليم
وليس المقصود من أحاديث الباب النهي عن الشحناء كما تبعنا في هذا العنوان الإمام النووي ﵀ لأن النهي عن الشحناء قد سبق بألفاظ كثيرة ولكن المقصود منها التخويف والوعيد من عاقبة عدم الانتهاء عما نهى الله عنه وكأنه تعالى يقول انتهوا عن الشحناء لتغنموا مغفرة الله لذنوبكم فإن المتشاحنين لا تغفر ذنوبهما حتى يصطلحا
-[المباحث العربية]-
(تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس) يحتمل أن المراد بأبواب الجنة أسباب دخولها وهي العفو والمغفرة والمراد من فتحها اتساعها واستيعاب داخليها والمعنى تتسع رحمة الله وإحسانه وفضله في يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع أكثر من اتساعها وشمولها في الأيام الأخرى
قال الباجي معنى فتح الجنة كثرة الصفح والغفران ورفع المنازل وإعطاء الثواب الجزيل وقال القاضي ويحتمل أن يكون على ظاهره وأن فتح أبوابها علامة لذلك اهـ وهذا على القول بأن الجنة والنار موجودتان الآن والرأي الأول هو الصواب ففي الرواية الثانية "تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين" وفي الرواية الثالثة "تعرض أعمال الناس" أي على الله "في كل جمعة" أي في كل أسبوع "مرتين" أي مرة "يوم الاثنين" ومرة "يوم الخميس"
(فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا) في الرواية الثانية "فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا" وفي الرواية الثالثة "فيغفر لكل عبد مؤمن"
(إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء) لفظ "رجل" ليس قيدا وكذلك المرأة ولفظ "كانت" ليس المراد منه المعنى بل المراد تكون والمراد من الأخ الأخ في الإسلام لأن الكلام عن المؤمنين الذين لا يشركون بالله شيئا والشحناء الحقد والعداوة والبغضاء لأنها تشحن النفس والصدر بالضيق من الآخر والشحنة بكسر الشين وسكون الحاء ما يشحن به الشيء وتطلق هنا على العداوة والبغضاء
(فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا انظروا هذين حتى يصطلحا انظروا هذين حتى يصطلحا) كررت الجملة للتأكيد والإنظار التأخير والمراد تأخير النظر في المغفرة لهما وهذا إذا اشتركا في غرسها وفي عدم محاولة إزالتها فإن كان غرسها من جانب واحد كمن يبغض ويعادي عالما لعلمه أو صالحا لصلاحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أو اشتركا في غرسها لكن حاول أحدهما إزالتها وبذل وسعه في الإصلاح فلم يفلح فالظاهر أن يتوجه الوعيد للطرف الآخر
стр. 5593
ففي ملحق الرواية "إلا المتهاجرين" أو "إلا المهتجرين" مما يدل على أن الوعيد لمن اشتركا في أسباب الهجر وفي استدامته يقال تهاجر الرجلان أي اعتزل كل منهما الآخر وبعد عنه وأعرض عنه و"اهتجر الرجلان" أي تكلف كل منهما معاداة صاحبه
وفي الرواية الثانية "فيقال اركوا هذين حتى يصطلحا اركوا هذين حتى يصطلحا" مرتين للتأكيد
ومعنى "اركوا" بهمزة وصل وسكون الراء وضم الكاف أي أخروا قال النووي والهمزة في أوله همزة وصل وقال صاحب التحرير يجوز أن تكون همزة قطع مفتوحة من قولهم أركيت الأمر إذا أخرته اهـ
وفي كتب اللغة ركا على فلان يركو ركوا وركا بالمكان بقية يومه أي أقام وأركى الأمر أخره وفي الرواية الثالثة "فيقال اتركوا أو اركوا هذين حتى يفيئا" شك الراوي في النص "اتركوا" أو "اركوا" ومعنى "حتى يفيئا" حتى يرجعا إلى الصلح والمودة
-[فقه الحديث]-
-[في الحديث]-
١ - سعة رحمة الله ومغفرته
٢ - فضيلة يوم الاثنين والخميس
٣ - الحث على الإكثار من العبادة والبعد عن المعاصي في هذين اليومين وصيامهما ليرفع عمل المسلم وهو صائم
٤ - التحذير من الشحناء والحث على الإسراع بإزالتها إن حصلت
٥ - أن الله تعالى يخاطب ملائكته بما يشاء
٦ - وأن الملائكة تسجل المغفرة في هذين اليومين أو ترجئ التسجيل
٧ - أن أعمال ما بين الاثنين والخميس وما بين الخميس والاثنين تعرض على الله مجتمعة في هذين الوقتين والظاهر أن الذي يعرضها رقيب وعتيد اللذان كتباها في الصحف في وقتها وأن القائل هو الله والمقول له الموكلان بذلك
والله أعلم.
стр. 5594
(٦٩٣) باب فضل الحب في الله تعالى
٥٦٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي"
٥٧٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية قال هل لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أني أحببته في الله قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه"
-[المعنى العام]-
الحب الميل إلى الشيء وهو نوعان جبلي يغرسه الله في القلب بأسباب أو بدون أسباب فيحس صاحبه بميل لا سلطان له على دفعه ولا على الحد منه والنوع الثاني مكتسب بتناول أسبابه وتوافر دواعيه فحسن الصورة وجمال الصوت وحسن المعاملة والصلاح والنفع ورفع الضر كل ذلك من أسبابه غالبا فحب الصالحين حب مكتسب ناشئ من حب الصلاح نفسه وكما قالوا إن أي شيء لا يحب لذاته بل لصفة فيه وإذا كان حب الصالحين حبا لصلاحهم كان حبا لله تعالى وحبا لطاعاته وحب المسلم لله يؤدي إلى حب الله للمسلم وإكرامه له ففي الحديث القدسي "من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن استعاذ بي لأعيذنه ولئن سألني لأجيبنه" وفي السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"
-[المباحث العربية]-
(إن الله يقول يوم القيامة) أي في الموقف العظيم يوم القيامة فيوم القيامة أطوار وأحوال
стр. 5595
(أين المتحابون بجلالي) الاستفهام نداء لهم وليس استفهاما عن مكانهم فهو أعلم بهم و"المتحابون" بتشديد الباء وأصله المتحاببون أي الذين اشتركوا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهارا فقط والباء في "بجلالي" للتعليل أي من أجل طاعتي وعظمتي لا للدنيا
(اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) ظاهره أن هناك ظلا ووقاية من الحر والشمس وهو كذلك ففي الأحاديث أن الشمس تدنو من الرءوس حتى يغرق بعض الناس في العرق وإذا كانت الشمس المعلومة قد كورت قبل ذلك فلا حجر على القدرة من إعادتها أو خلق شمس أخرى قال القاضي ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلق قال وهذا قول الأكثرين اهـ وقيل إن التعبير كناية ولا ظل ولا حر ولا شمس والمراد حمايته من المكاره وجعله في كنفه وإكرامه وستره فهو من قبيل السلطان ظل الله في الأرض ويحتمل أن يكون كناية عن الراحة والنعيم كما يقال هو في عيش ظليل أي طيب
ومعنى "يوم لا ظل إلا ظلي" أي لا يكون شيء له ظل حتى يكون هناك ظل منفي فالمنفي حقيقة مصدر الظل ومن المعلوم أن الظل في الدنيا أثر للشمس أو الضوء مع جرم وعليه يحمل ما ورد في غير مسلم بلفظ "ظل عرشي" ولا يقال إن كل ظل في الدنيا هو ملك لله فهو ظله تعالى على الحقيقة فإن المنفي الظل الذي ينسبه ابن آدم في الدنيا إلى المخلوقات من حيث الاختصاص المجازي
(أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى) المراد من الأخوة أخوة الدين إذ لم يذكر بينه وبين الآخر نسبا بل حصر دافع الزيارة في الحب في الله وذكر القرية الأخرى لبيان المشقة والتحمل في هذه الزيارة
(فأرصد لله على مدرجته ملكا) معنى "أرصد" أقعد يقال رصده بفتح الصاد يرصده بضمها رصدا بفتحها وسكونها قعد له على الطريق والمدرج المسلك والمدرجة ممر الأشياء على الطريق وتطلق على الطريق يقال اتخذوا داره مدرجة
(فلما أتى عليه) فاعل "أتى" للزائر وضمير "عليه" للملك فلما مر الزائر على الملك القاعد قال الملك
(أين تريد) السؤال بأين عن المكان وكان الأصل أن يقول ماذا تريد أو من تريد لكنه مفهوم من المقام لذا كان الجواب
(أريد أخا لي في هذه القرية) في الكلام مضاف محذوف أي أريد زيارة أخ لي
(قال هل لك عليه من نعمة تربها) يقال رب الشيء بفتح الراء والباء المشددة يربه
стр. 5596
بضم الراء ربا أي تولاه وتعهده بما ينميه ويصلحه والمراد من النعمة ما يحتاج إلى التعهد من الأموال كالأرض والحيوان والآلات و"عليه" بمعنى "عنده" أي هل لك عنده من عمل تقوم به وتصلحه وفي بعض النسخ "هل له عليك من نعمة تربها" أي هل له عليك يد وفضل تقوم بشكره عليها ورد جميله بزيارته
(قال لا غير أني أحببته في الله أي ليس بيني وبينه مصلحة إلا المودة لله وفي الله
(قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) الفاء في "فإني" فصيحة في جواب شرط مقدر إذا كان حالك كذلك وإذا أفصحت عن قصدك فإني أقوم بتبليغك رسالة ربي إليك وهي إن الله قد أحبك لحبك أخاك في الله والمراد من حب الله رضاه وكرمه
-[فقه الحديث]-
قال النووي
١ - في هذا الحديث فضل المحبة في الله تعالى
٢ - وأنها سبب لحب الله تعالى العبد وإكرامه
٣ - وفيه فضيلة زيارة الصالحين والأصحاب
٤ - وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة أقول في صورة غير صورتهم الحقيقية بل يرونهم في صورة بشر مثلا كما كان جبريل يراه الصحابة في صورة دحية الكلبي أو أعرابي
هذا وقد سبق كثير من مسائل هذا الباب في كتاب الإيمان في حديث "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" وفيه "وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله" ومما ذكرناه هناك
حب المرء أخاه لله معناه حب من يحبه الله لا لشيء إلا للصلة بالله فكأنه من لوازم حب الإنسان لله وهذا القصر في "لا يحبه إلا لله" يخرج ما كان الحب فيه مشتركا بين الله ونفع دنيوي كمحبة الصالحين لأنهم صالحون وللانتفاع منهم بالمعاملات الدنيوية فهذا الحب وإن كان حسنا وممدوحا شرعا ومثابا عليه لكنه لا يصل بصاحبه إلى المرتبة المطلوبة التي بها يجد المؤمن حلاوة الإيمان وجودا كاملا
وظاهر من هذا أن المراد بالأخ المحبوب الأخ المسلم الصالح فإن الفاسق والكافر ينبغي أن يبغضا في الله مصداقا لقوله تعالى ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ [المجادلة ٢٢] والله أعلم.
стр. 5597
(٦٩٤) باب فضل عيادة المريض
٥٧٠١ - عن أبي الربيع ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ وفي حديث سعيد قال قال رسول الله ﷺ "عائد المريض في مخرفة الجنة حتى يرجع".
٥٧٠٢ - عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال قال رسول الله ﷺ "من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع".
٥٧٠٣ - عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع"
٥٧٠٤ - عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قال "من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة" قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة قال "جناها"
٥٧٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي"
-[المعنى العام]-
الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى وهكذا نجد المريض ينظر إلى الأصحاء نظرة
стр. 5598
فاقد النعمة إلى المتمتع بها وينظر إلى معارفه ومحبيه نظرة أمل في مساعدته أو مواساته أو تخفيف آلامه ولو بكلمة تسأل عن صحته وتشعره بنوع من المشاركة في ابتلائه
من هنا شرع الإسلام عيادة المريض وجعلها حقا على المسلم للمسلم إن المريض كثيرا ما يشعر أنه لم يعد له حول ولا قوة وأنه لم يعد يخافه من كان يخافه ولم يعد يأمل نفعه من كان يحرص على الانتفاع منه وقد يكون ذلك حقيقة وتكون زيارته وعيادته استجابة لأوامر الله ورسوله لا رغبة في خير دنيوي ولا رهبة من أذى بشري ولكنها الرغبة في ثواب الله والعمل على طاعة أوامر الله فيكون أجره عظيما تحسب له خطواته من حين يخرج من بيته إلى أن يصل حسنات وتحيطه في ذهابه وإيابه ملائكة الرحمة تستغفر له وتدعو له أما لحظات جلوسه مع المريض فستكون في كنف الله ورضاه فتدخر له الدقائق والثواني ثمارا من ثمار الجنة يجنيها يوم القيامة
إن المريض في حاجة إلى المواساة والنصيحة والدعوة الصالحة والوعظ والتذكير وليعلم الزائر أنه يوما ما سيرقد رقدة المريض ويحتاج مثل ما يحتاج والجزاء من جنس العمل فمن عاد المرضى هيأ الله له عند مرضه من يعوده ويواسيه ويساعده وينصح له ويدعو له فإن الله مع المريض وليس جزاء الإحسان إلا الإحسان
-[المباحث العربية]-
(عائد المريض) سميت زيارة المريض عيادة لما فيها من التكرار والعود غالبا وهذا الثواب لا يتوقف على التكرار
(في مخرفة الجنة حتى يرجع) في الرواية الثانية وما بعدها "من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" بضم الخاء وسكون الراء وفي الرواية الرابعة تفسير "خرفة الجنة بجناها" مرفوعا هذا التفسير للنبي ﷺ وفي الأدب المفرد هو من تفسير الراوي أبي قلابة والجنا اسم ما يجتني من الثمر وقيل هو الثمرة إذا نضجت شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر وقيل المراد بالمخرفة هنا الطريق والمعنى أن العائد يمشي في طريق تؤديه إلى الجنة
والأول أولى كذا قال الحافظ ابن حجر وفي كتب اللغة خرف في بستانه بفتح الراء يخرف بضمها خرفا أقام فيه وقت اجتناء الثمر في الخريف وخرف الزارع الثمر جناه في الخريف والخرفة ما يجتني من الفواكه في الخريف والمخرفة البستان والطريق الواضح والسكة بين صفين من النخيل وجمعها مخارف وعند البخاري "من عاد مريضا خاض في الرحمة" أي طيلة طريقه "حتى إذا قعد" عند المريض "استقر فيها" فالمراد من الجنة في حديثنا الرحمة المؤدية إلى الجنة
(إن الله يقول يوم القيامة) لمن لم يقم بهذه الشعيرة ولم يعد مرضى المسلمين
стр. 5599
(يا ابن آدم مرضت فلم تعدني) قال العلماء إنما أضاف المرض إليه والمراد عبده تشريفا للعبد وتقريبا له
(قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين) استفهام حقيقي أو تعجبي
(قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي دخل على نفي "ما" ونفي النفي إثبات أي علمت .... ويحتمل أن يكون تقريريا أي حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي ولفظ "فلانا" كناية عن الاسم الحقيقي الذي يذكر آنذاك
(أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده) "علمت" أي اعلم أنك كذا فهو لم يكن يعلم أو المقصود علمت فلم تعمل بمقتضى علمك فلم تعدني والمعنى من وجوده عنده وجود رحمته وثوابه وكرامته
(يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني) أي يقول ذلك للبخيل الذي لم يطعم السائل والمحروم
والسين والتاء للطلب أي طلبت منك إطعام عبدي فلم تطعمه
(أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه) أي طلب منك مساعدته وإطعامه فلم تفعل
والضمير في "أنه" للحال والشأن
(أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي) أي لوجدت ذلك الإطعام أي ثوابه وجزاءه عندي هذا ويقال في السقي ما قيل في الطعام
-[فقه الحديث]-
قال النووي اتفق العلماء على فضل عيادة المريض وجزم بعضهم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة فيما رواه البخاري "أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني" وفيما رواه البخاري ومسلم "حق المسلم على المسلم خمس" فذكر منها "عيادة المريض" ووقع في بعض روايات مسلم "خمس تجب للمسلم على المسلم ... " فذكرها منها
قال ابن بطال يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة وجزم الداودي بالأول فقال هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض
وقال الجمهور هي في الأصل ندب وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض وعن الطبري تتأكد في حق من ترجى بركته وتسن فيمن يراعي حاله وتباح فيما عدا ذلك
стр. 5600
ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب أي عدم الوجوب العيني
قال الحافظ ابن حجر واستدل بقوله "عودوا المريض" على مشروعية العيادة في كل مريض واستثنى بعضهم الأرمد لكون عائده قد يرى من الأذى ما لا يراه هو واستدل بحديث أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعا "ثلاثة ليس لهم عيادة العين أي مرض العين والرمل والضرس" لكن البيهقي صحح أنه موقوف
ويؤخذ من إطلاقه أيضا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور وجزم الغزالي في الإحياء بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث واستند إلى حديث ابن ماجه "كان النبي ﷺ لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث" وهو حديث ضعيف جدا
ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك في العادة سببا لوجود نشاطه وانتعاش قوته
وفي إطلاق الأحاديث أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت لكن جرت العادة بها أن تكون في طرفي النهار ونقل ابن الصلاح عن الفزاري أن العيادة تستحب في الشتاء ليلا وفي الصيف نهارا قال الحافظ ابن حجر وهو غريب
قال ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض أو يشق على أهله فإن اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس
وفي عيادة النساء للرجال الأجانب والرجال للنساء الأجنبيات خلاف والجمهور على جوازها بشرط التستر وأمن الفتنة
وعيادة الصبيان مشروعة ففيها جبر لخاطر أهليهم
وعيادة المشرك فيها خلاف قال ابن بطال إنما تشرع عيادته إذا رجى أن يجيب إلى الدخول في الإسلام فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا
قال الحافظ ابن حجر والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى وقال الماوردي عيادة الذمي جائزة والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة
والله أعلم.
стр. 5601
(٦٩٥) باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها
٥٧٠٦ - عن عائشة ﵂ قالت ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ وفي رواية عثمان مكان الوجع وجعا
٥٧٠٧ - عن عبد الله قال دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا فقال رسول الله ﷺ "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قال فقلت ذلك أن لك أجرين فقال رسول الله ﷺ "أجل" ثم قال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" وليس في حديث زهير فمسسته بيدي.
٥٧٠٨ - -/- وفي رواية عن الأعمش بإسناد جرير نحو حديثه وزاد في حديث أبي معاوية قال "نعم والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم".
٥٧٠٩ - عن الأسود قال دخل شباب من قريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون فقالت ما يضحككم قالوا فلان خر على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب فقالت لا تضحكوا فإني سمعت رسول الله ﷺ قال "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة"
٥٧١٠ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة"
стр. 5602
٥٧١١ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا قص الله بها من خطيئته"
٥٧١٢ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال "ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه حتى الشوكة يشاكها"
٥٧١٣ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال "لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة إلا قص بها من خطاياه أو كفر بها من خطاياه" لا يدري يزيد أيتهما قال عروة
٥٧١٤ - عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة"
٥٧١٥ - عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته"
٥٧١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله ﷺ "قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها" قال مسلم هو عمر بن عبد الرحمن بن محيصن من أهل مكة
٥٧١٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال "ما لك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين قالت
стр. 5603
الحمى لا بارك الله فيها فقال "لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد"
٥٧١٨ - عن عطاء بن أبي رباح قال قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ قالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي قال "إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" قالت أصبر قالت فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء ١٢٣] نعم إن زيادة الرجاء في عفو الله تخلق الأماني في غفران الذنوب وزيادة الأماني تزيد الطمع وتفضي إلى الاستهانة بالمعاصي والاستهتار بها والوقوع فيها فكانت آيات الخوف والوعيد ليكون المؤمن بين الخوف والرجاء
لقد أزعجت هذه الآية القلوب الوجلة وقالوا لو أنا جوزينا بكل ما نعمل من سوء إذا لهلكنا فأزال النبي ﷺ خوفهم وأعاد الرجاء إلى نفوسهم نعم إنهم سيجزون بسيئاتهم وهم بالفعل يجزون بها صباح مساء كما يقعون في السيئات صباح مساء لا يخلو واحد منهم من المصائب البدنية أو المصائب النفسية فحياة الإنسان كد وتعب وكبد أمراض وأسقام وكفاح وآلام وحزن وهم وغم لا يكاد يخلو من ذلك في اليقظة بل وفي النوم وكل ذلك جزاء وتكفير لما يعمل من سيئات وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى ٣٠] من أحبه الله كفر عنه سيئاته في الدنيا ليلقاه يوم القيامة وليس عليه ذنب فمصائب الدنيا تنقية للمؤمن وتطهير له لذا كان الحديث الصحيح "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء والفاجر كالأرزة" شجرة ضخمة "صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء" و"من يرد الله به خيرا يصبه" "وعجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء فشكر الله فله أجر وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر فكل قضاء الله للمسلم خير" وفي الحديث "من أعطى فشكر وابتلي فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" وقد رأى بعض الصالحين في المصائب نعما أربع يحمد الله عليها الأولى أنها لم تكن في دينه الثانية أنها لم تكن أكبر منها فكل مصيبة فوقها ما فوقها الثالثة أن الله أقدره عليها الرابعة أنه سيؤجر عليها في الدنيا والآخرة
стр. 5604
-[المباحث العربية]-
(ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ "أشد" مفعول ثان لرأيت منصوب و"الوجع" فاعل "أشد" التي هي أفعل تفضيل وفي ملحق الرواية "وجعا" بالنصب على التمييز
قال النووي قال العلماء الوجع هنا المرض والعرب تسمي كل مرض وجعا اهـ
وفي رواية الإسماعيلي "ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ "
(عن عبد الله ﵁ قال دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك) عبد الله هو ابن مسعود وكان يدخل على رسول الله ﷺ كثيرا كما سبق في مناقبه وفي رواية للبخاري "أتيت النبي ﷺ في مرضه" أي الأخير والوعك بسكون العين مع فتح الواو الحمى وقد تفتح العين وقيل ألم الحمى وقيل تعبها وقيل إرعادها المريض وتحريكها إياه وعن الأصمعي الوعك الحر أي حرارة الحمى
(فمسسته بيدي) المس اللمس باليد أي فأحسست حرارة شديدة قال الأبي لا يبعد أن يكون من آداب العيادة الأخذ بيد المريض حتى لو كان الآخذ ليس من أهل الطب قلت إذا كان المريض يتقبل ذلك
(أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) وجه الشبه مقدار الألم و"أجل" مثل "نعم" وزنا ومعنى
(فقلت ذلك أن لك أجرين) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف ظهر في رواية البخاري ولفظها "قلت إن ذاك بأن لك أجرين" أي بسبب أن لك أجرين
(ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه) في ملحق الرواية "ما على الأرض مسلم" وفي الرواية الرابعة "ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها" وفي الرواية السادسة "ما من مصيبة يصاب بها المسلم" وفي الرواية السابعة "لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة .. " وفي الرواية الثامنة "ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه ... " وفي الرواية التاسعة "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه ... " وفي الرواية العاشرة "في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها"
"من مرض فما سواه" من الأذى الكبير أو الصغير وقوله "من شوكة فما فوقها" صريح في أن الشوكة غاية الأذى الأدنى الأقل والتعبير بالمؤمن في بعض الروايات مراد به المسلم فإنما نحكم نحن بالظاهر وهو الإسلام والوصب بفتح الواو والصاد المرض وزنا ومعنى وقيل هو المرض اللازم ومنه قوله تعالى ﴿ولهم عذاب واصب﴾ [الصافات ٩] أي لازم ثابت والنصب بفتح النون والصاد هو
стр. 5605
التعب وزنا ومعنى والسقم بفتح السين والقاف وبضم السين وإسكان القاف لغتان وهو طول المرض والحزن بفتح الحاء والزاي وبضم الحاء وسكون الزاي الغم قال تعالى ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ [فاطر ٣٤] وقال ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ [يوسف ٨٤] فهو حزن بفتح الحاء وكسر الزاي وحزين وفي رواية للبخاري "ولا غم" وهو من أمراض الباطن كالهم والحزن وقد قيل في هذه الأشياء الثلاث إن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده وقيل الهم والغم بمعنى واحد وقال الكرماني الغم يشمل جميع أنواع المكروهات لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس والأول إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أولا والثاني إما أن يلاحظ فيه الغير أو لا وإما أن يظهر فيه الانقباض أو لا وإما بالنظر إلى الماضي أو لا اهـ
وقوله في الرواية التاسعة "حتى الهم يهمه" قال القاضي بضم الياء وفتح الهاء على البناء للمجهول وضبطه غيره بفتح الياء وضم الهاء أي يغمه قال النووي وكلاهما صحيح
وقوله في الرواية العاشرة "حتى النكبة ينكبها" قال النووي وهي مثل العثرة برجله وربما جرحت أصبعه وأصل النكب الكب والقلب
وقوله في الرواية السادسة "ما من مصيبة يصاب بها المسلم ... حتى الشوكة يشاكها" وفي الرواية السابعة "لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة" جوزوا في "الشوكة" الحركات الثلاث فالجر بمعنى الغاية أي حتى ينتهي إلى الشوكة أو عطفا على لفظ مصيبة فإنها مجرورة بحرف الجر الزائد والنصب بتقدير عامل أي حتى وجدانه الشوك والرفع على الابتداء وأما "يشاكها" فبضم الياء أي يشوكه غيره بها وفيه وصل الفعل لأن الأصل يشاك بها أي يدخلها غيره أو تدخل من غير إدخال أحد
وأصل المصيبة الرمية بالسهم ثم استعملت في كل نازلة وقال الراغب أصاب يستعمل في الخير والشر قال تعالى ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة﴾ [التوبة ٥٠] وقيل الإصابة في الخير مأخوذ من الصوب وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر وفي الشر مأخوذة من إصابة السهم وقال الكرماني المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقا وفي العرف ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هنا
(إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) يقال حط الرجل الشيء أنزله وألقاه وحط من الدين كذا أي أسقط وأنزل وحط الله وزره وضعه عنه والمضارع يحط بضم الحاء
وقد اختلف العلماء في المصائب وهي تكفر الخطايا بلا خلاف هل ترفع الدرجات أو لا وفي رواياتنا ما يؤيد القول بنعم ففي الرواية الثالثة "إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة" وفي الرواية الرابعة "إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة" وفي الرواية الثامنة "إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة" وسيأتي تفصيل القول في فقه الحديث
следующие страницы →