← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

(٦٩٥) باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها ٥٧٠٦ - عن عائشة ﵂ قالت ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ وفي رواية عثمان مكان الوجع وجعا ٥٧٠٧ - عن عبد الله قال دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا فقال رسول الله ﷺ "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قال فقلت ذلك أن لك أجرين فقال رسول الله ﷺ "أجل" ثم قال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" وليس في حديث زهير فمسسته بيدي. ٥٧٠٨ - -/- وفي رواية عن الأعمش بإسناد جرير نحو حديثه وزاد في حديث أبي معاوية قال "نعم والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم". ٥٧٠٩ - عن الأسود قال دخل شباب من قريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون فقالت ما يضحككم قالوا فلان خر على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب فقالت لا تضحكوا فإني سمعت رسول الله ﷺ قال "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة" ٥٧١٠ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة"

стр. 5602

٥٧١١ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا قص الله بها من خطيئته" ٥٧١٢ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال "ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه حتى الشوكة يشاكها" ٥٧١٣ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال "لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة إلا قص بها من خطاياه أو كفر بها من خطاياه" لا يدري يزيد أيتهما قال عروة ٥٧١٤ - عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة" ٥٧١٥ - عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته" ٥٧١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله ﷺ "قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها" قال مسلم هو عمر بن عبد الرحمن بن محيصن من أهل مكة ٥٧١٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال "ما لك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين قالت

стр. 5603

الحمى لا بارك الله فيها فقال "لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد" ٥٧١٨ - عن عطاء بن أبي رباح قال قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ قالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي قال "إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" قالت أصبر قالت فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء ١٢٣] نعم إن زيادة الرجاء في عفو الله تخلق الأماني في غفران الذنوب وزيادة الأماني تزيد الطمع وتفضي إلى الاستهانة بالمعاصي والاستهتار بها والوقوع فيها فكانت آيات الخوف والوعيد ليكون المؤمن بين الخوف والرجاء لقد أزعجت هذه الآية القلوب الوجلة وقالوا لو أنا جوزينا بكل ما نعمل من سوء إذا لهلكنا فأزال النبي ﷺ خوفهم وأعاد الرجاء إلى نفوسهم نعم إنهم سيجزون بسيئاتهم وهم بالفعل يجزون بها صباح مساء كما يقعون في السيئات صباح مساء لا يخلو واحد منهم من المصائب البدنية أو المصائب النفسية فحياة الإنسان كد وتعب وكبد أمراض وأسقام وكفاح وآلام وحزن وهم وغم لا يكاد يخلو من ذلك في اليقظة بل وفي النوم وكل ذلك جزاء وتكفير لما يعمل من سيئات وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى ٣٠] من أحبه الله كفر عنه سيئاته في الدنيا ليلقاه يوم القيامة وليس عليه ذنب فمصائب الدنيا تنقية للمؤمن وتطهير له لذا كان الحديث الصحيح "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء والفاجر كالأرزة" شجرة ضخمة "صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء" و"من يرد الله به خيرا يصبه" "وعجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء فشكر الله فله أجر وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر فكل قضاء الله للمسلم خير" وفي الحديث "من أعطى فشكر وابتلي فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" وقد رأى بعض الصالحين في المصائب نعما أربع يحمد الله عليها الأولى أنها لم تكن في دينه الثانية أنها لم تكن أكبر منها فكل مصيبة فوقها ما فوقها الثالثة أن الله أقدره عليها الرابعة أنه سيؤجر عليها في الدنيا والآخرة

стр. 5604

-[المباحث العربية]- (ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ "أشد" مفعول ثان لرأيت منصوب و"الوجع" فاعل "أشد" التي هي أفعل تفضيل وفي ملحق الرواية "وجعا" بالنصب على التمييز قال النووي قال العلماء الوجع هنا المرض والعرب تسمي كل مرض وجعا اهـ وفي رواية الإسماعيلي "ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ " (عن عبد الله ﵁ قال دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك) عبد الله هو ابن مسعود وكان يدخل على رسول الله ﷺ كثيرا كما سبق في مناقبه وفي رواية للبخاري "أتيت النبي ﷺ في مرضه" أي الأخير والوعك بسكون العين مع فتح الواو الحمى وقد تفتح العين وقيل ألم الحمى وقيل تعبها وقيل إرعادها المريض وتحريكها إياه وعن الأصمعي الوعك الحر أي حرارة الحمى (فمسسته بيدي) المس اللمس باليد أي فأحسست حرارة شديدة قال الأبي لا يبعد أن يكون من آداب العيادة الأخذ بيد المريض حتى لو كان الآخذ ليس من أهل الطب قلت إذا كان المريض يتقبل ذلك (أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) وجه الشبه مقدار الألم و"أجل" مثل "نعم" وزنا ومعنى (فقلت ذلك أن لك أجرين) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف ظهر في رواية البخاري ولفظها "قلت إن ذاك بأن لك أجرين" أي بسبب أن لك أجرين (ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه) في ملحق الرواية "ما على الأرض مسلم" وفي الرواية الرابعة "ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها" وفي الرواية السادسة "ما من مصيبة يصاب بها المسلم" وفي الرواية السابعة "لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة .. " وفي الرواية الثامنة "ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه ... " وفي الرواية التاسعة "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه ... " وفي الرواية العاشرة "في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها" "من مرض فما سواه" من الأذى الكبير أو الصغير وقوله "من شوكة فما فوقها" صريح في أن الشوكة غاية الأذى الأدنى الأقل والتعبير بالمؤمن في بعض الروايات مراد به المسلم فإنما نحكم نحن بالظاهر وهو الإسلام والوصب بفتح الواو والصاد المرض وزنا ومعنى وقيل هو المرض اللازم ومنه قوله تعالى ﴿ولهم عذاب واصب﴾ [الصافات ٩] أي لازم ثابت والنصب بفتح النون والصاد هو

стр. 5605

التعب وزنا ومعنى والسقم بفتح السين والقاف وبضم السين وإسكان القاف لغتان وهو طول المرض والحزن بفتح الحاء والزاي وبضم الحاء وسكون الزاي الغم قال تعالى ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ [فاطر ٣٤] وقال ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ [يوسف ٨٤] فهو حزن بفتح الحاء وكسر الزاي وحزين وفي رواية للبخاري "ولا غم" وهو من أمراض الباطن كالهم والحزن وقد قيل في هذه الأشياء الثلاث إن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده وقيل الهم والغم بمعنى واحد وقال الكرماني الغم يشمل جميع أنواع المكروهات لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس والأول إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أولا والثاني إما أن يلاحظ فيه الغير أو لا وإما أن يظهر فيه الانقباض أو لا وإما بالنظر إلى الماضي أو لا اهـ وقوله في الرواية التاسعة "حتى الهم يهمه" قال القاضي بضم الياء وفتح الهاء على البناء للمجهول وضبطه غيره بفتح الياء وضم الهاء أي يغمه قال النووي وكلاهما صحيح وقوله في الرواية العاشرة "حتى النكبة ينكبها" قال النووي وهي مثل العثرة برجله وربما جرحت أصبعه وأصل النكب الكب والقلب وقوله في الرواية السادسة "ما من مصيبة يصاب بها المسلم ... حتى الشوكة يشاكها" وفي الرواية السابعة "لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة" جوزوا في "الشوكة" الحركات الثلاث فالجر بمعنى الغاية أي حتى ينتهي إلى الشوكة أو عطفا على لفظ مصيبة فإنها مجرورة بحرف الجر الزائد والنصب بتقدير عامل أي حتى وجدانه الشوك والرفع على الابتداء وأما "يشاكها" فبضم الياء أي يشوكه غيره بها وفيه وصل الفعل لأن الأصل يشاك بها أي يدخلها غيره أو تدخل من غير إدخال أحد وأصل المصيبة الرمية بالسهم ثم استعملت في كل نازلة وقال الراغب أصاب يستعمل في الخير والشر قال تعالى ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة﴾ [التوبة ٥٠] وقيل الإصابة في الخير مأخوذ من الصوب وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر وفي الشر مأخوذة من إصابة السهم وقال الكرماني المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقا وفي العرف ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هنا (إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) يقال حط الرجل الشيء أنزله وألقاه وحط من الدين كذا أي أسقط وأنزل وحط الله وزره وضعه عنه والمضارع يحط بضم الحاء وقد اختلف العلماء في المصائب وهي تكفر الخطايا بلا خلاف هل ترفع الدرجات أو لا وفي رواياتنا ما يؤيد القول بنعم ففي الرواية الثالثة "إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة" وفي الرواية الرابعة "إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة" وفي الرواية الثامنة "إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة" وسيأتي تفصيل القول في فقه الحديث

стр. 5606

وفي الرواية السابعة "إلا قص بها من خطاياه" بضم القاف مبني للمجهول قال النووي هكذا هو في معظم النسخ "قص" وفي بعضها "نقص" وكلاهما صحيح متقارب المعنى اهـ والقص القطع وفي رواية للبخاري "إلا حات الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر" "حات" بتشديد التاء "كما تحات" بتشديد التاء أيضا يقال حت الورق عن الشجر يحت بضم الحاء حتا سقط وتحات الشيء تناثر والورق عن الغصن سقط ويقال تحاتت الشجرة بتشديد التاء الأولى تساقط ورقها وتحاتت عنه ذنوبه أي محيت وسقطت كناية عن إذهاب الخطايا وغفرانها (دخل شباب من قريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون فقالت ما يضحككم قالوا فلان خر على طنب فسطاط) "خر" أي سقط ووقع وطنب الفسطاط بضم الطاء والنون وبإسكان النون هو الحبل الذي يشد به الفسطاط والفسطاط الخباء أو الخيمة ويقال له فستاط بالتاء قبل الطاء وفساط بحذف الطاء الأولى مع تشديد السين والفاء مضمومة ومكسورة فيهن فصارت ست لغات (فكادت عنقه أو عينه أن تذهب) هذا من قبيل قولهم علفتها تبنا وماء بارد "بحذف عامل" أي وسقيتها ماء وهنا حذف معمول "كادت" أي كادت عنقه تدق وعينه تذهب (لما نزلت ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا) أي بلغت هذه الآية من خوف المسلمين مبلغا كبيرا أي خافوا من عقوبات الآخرة لكثرة ما يعملون من السوء فإن الآية تتوعد كل من عمل سوءا كبيرا أو صغيرا بالمجازاة عليه بالنار فدفع رسول الله ﷺ خوفهم بأن الكثير من السوء يكفر ويغفر بسبب ما يصيب المسلم من البلاء (قاربوا وسددوا) أي اقتصدوا فلا تغلوا ولا تقصروا بل توسطوا و"سددوا" أي اقصدوا الصواب والسداد (دخل على أم السائب أو أم المسيب) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة أخرج أبو نعيم عن جابر قال أتى رسول الله ﷺ على امرأة من الأنصار يقال لها أم المسيب فذكر نحو الحديث وعند ابن منده "أم السائب" قال الحافظ ولم أر في شيء من طرق الحديث أنها أنصارية بل ذكرها ابن كعب في قبائل العرب بين المهاجرين والأنصار (فقال مالك يا أم السائب تزفزفين) بزاءين وفاءين مع ضم التاء قال القاضي تضم وتفتح اهـ وعند فتحها تكون إحدى التاءين محذوفة تخفيفا أي تتزفزفين ووقع في بعض النسخ بالراء والفاء ورواه بعضهم في غير مسلم بالراء والقاف قال النووي ومعناه تتحركين حركة شديدة أي ترعدين اهـ يقال رفرف المحموم براءين وفاءين أي ارتعد ورفرف الطائر بسط جناحيه وحركهما ويقال رفرفت الريح إذا هبت في مضي ورفرف فلان أي ارتعد (قالت الحمى) خبر لمبتدأ محذوف أي سبب زفزفتي الحمى

стр. 5607

(لا بارك الله فيها فقال لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم) اعتبر الدعاء عليها سبا لها (كما يذهب الكير خبث الحديد) المراد من "الكير" النار التي تنفخ بالكير وهو منفاخ الحداد (ألا أريك امرأة من أهل الجنة) "ألا" بتخفيف فتحة اللام (هذه المرأة السوداء) في كتاب الصحابة للمستغفري "فأراني حبشية صفراء عظيمة فقال هذه سعيرة الأسدية" بضم السين وفتح العين على التصغير (قالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي) أن يشفيني من الصرع وهو بفتح الصاد وسكون الراء و"أصرع" بضم الهمزة مبني للمجهول والصرع علة في الجهاز العصبي تصحبها غيبوبة وتشنج في العضلات وقولها "إني أتكشف" بالتاء المفتوحة وفي نسخة بالنون الساكنة والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر وعند البزار "إني أخاف الخبيث أن يجردني فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها" وقيل إنها كانت ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبي ﷺ بالزيارة -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى والثانية أن الأنبياء أشد بلاء وأن رسول الله ﷺ من أكثرهم قال العلماء والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى ليتم لهما الخير ويضاعف الأجر ويظهر صبرهم ورضاهم ٢ - وتكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصايب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها ٣ - ومن الرواية الثانية وما بعدها بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور ٤ - وفيها رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات قال النووي وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ولا تكتب حسنة قال وروى هذا عن ابن مسعود قال الوجع لا يكتب به أجر لكن تكفر به الخطايا فقط واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا ولم تبلغه الأحاديث التي ذكرها مسلم المصرحة برفع الدرجات وكتابة الحسنات اهـ ومن الذين نفوا رفع الدرجات بالمصائب الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال ظن

стр. 5608

بعض الجهلة أن المصاب مأجور وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب والمصائب ليست منها بل الأجر على الصبر والرضا وتعقب بأن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة وظاهر كلام القرافي أن المصائب تكفر الذنوب وأن الصبر والرضا أيضا هما في دائرة تكفير الذنوب وليس فيه زيادة أجر حيث قال المصائب كفارات جزما سواء اقترن بها الرضا أم لا لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل قال الحافظ ابن حجر والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه وزعم القرافي أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك لأن الشارع قد جعلها كفارة فسؤال التكفير طلب لتحصيل حاصل وهو إساءة أدب على الشارع قال الحافظ ابن حجر وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي ﷺ وسؤال الوسيلة له وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء وأما ما ورد فهو مشروع ليثاب من امتثل الأمر فيه على ذلك وعندي أنه ليس تحصيلا لحاصل بكل حال فالدعاء بالواقع المحقق دعاء بزيارته أو استمراريته كما قيل في قوله تعالى ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب ١] وقوله ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب ١] وقد أبى قوم أن تكون المصائب مكفرة بمفردها ومنهم القرطبي إذ قال في المفهم محل ذلك إذا صبر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله به في قوله تعالى ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة ١٥٦] فحينئذ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من ذلك اهـ فكأنه حمل الأحاديث المطلقة على الواردة بالتقييد بالصبر لكنها مقيدة بثواب مخصوص باعتبار الصبر فيها ومثل ذلك أحاديث الطاعون وفيها "من صبر واحتسب فله أجر شهيد" قال الحافظ ابن حجر والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع الدرجات وإن لم يحصل الصبر نظر إن حصل شيء من الجزع لكن لم يحصل ما يذم عليه من قول أو فعل فالفضل واسع ولكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر وإن حصل ما يذم عليه كان ذلك سببا لنقص الأجر الموعود به أو التكفير فقد يستويان وقد يزيد أحدهما على الآخر فبقدر ذلك يقضي لأحدهما على الآخر ٥ - أن البلاء في مقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد ٦ - قال ابن الجوزي كلما قويت المعرفة هان البلاء ومن الناس من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه

стр. 5609

وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم ولا يعترض وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء وأعلى المراتب من يتلذذ بالبلاء ٧ - أخذ بعضهم من إطلاق تكفير الذنوب أنه يشمل الكبائر والصغائر لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر والمراد بالتكفير ستر الذنب أو محو أثره المترتب عليه من استحقاق العقوبة ٨ - من الرواية الثالثة النهي عن الضحك من مثل هذا الذي حصل إلا أن يحصل غلبة لا يمكن دفعه أما تعمده فمذموم لأن فيه شماته بالمسلم وكسرا لقلبه ٩ - ومن الرواية الحادية عشرة النهي عن سب المرض والدعاء عليه ١٠ - ومن الرواية الثانية عشرة أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب ذكره النووي ١١ - وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة ١٢ - وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة ١٣ - وفيه دليل على جواز ترك التداوي ١٤ - قال الحافظ ابن حجر وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير وأن تأثير ذلك وانفعال البدن به أعظم من تأثير الأدوية البدنية ولكن إنما ينجع بأمرين أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل والله أعلم.

стр. 5610

(٦٩٦) باب تحريم الظلم ٥٧١٩ - عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" قال سعيد كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه ٥٧٢٠ - -/- وفي رواية عن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ "إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي فلا تظالموا" وساق الحديث بنحوه وحديث أبي إدريس الذي ذكرناه أتم من هذا ٥٧٢١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"

стр. 5611

٥٧٢٢ - عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "إن الظلم ظلمات يوم القيامة" ٥٧٢٣ - عن سالم عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" ٥٧٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أتدرون ما المفلس" قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" ٥٧٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" ٥٧٢٦ - عن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ [هود ١٠٢] -[المعنى العام]- حدد الله تعالى الحقوق والواجبات لصالح الفرد وصالح المجتمع في الدنيا والآخرة وكل اعتداء على هذه الحقوق ظلم يبارز به جل شأنه ومن أظلم الظلم ظلم الإنسان نفسه وإيباقها وإهلاكها وتعريضها للنار يوم القيامة وكيف لا وكل ظلم للآخرين هو إهلاك للظالم ودافع به إلى نار جهنم هذه الحقيقة يظلم الظالم وهو جاهل بها غافل عنها يأخذه الإحساس بالقوة للاندفاع في الشر وقد تكون قوته قوة خداع وكذب ونفاق ومكر وخبث ودهاء وغش للمظلومين ويطمعه عدم إسراع الله

стр. 5612

تعالى في عقوبته ناسيا أن الله تعالى يمهل ولا يهمل يملي له ليزداد إثما يملي له حتى إذا أخذه لم يفلته ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم ٤٢ - ٥٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢] يوم يقتص للشاة التي لا قرون لها من الشاة التي نطحتها يقتص للمظلوم من الظالم ليس بالمال المسروق ولا بالبطش باليد ولكن بالحسنات والسيئات فيؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم بقدر مظلمته فإذا فنيت حسناته وأصبح مفلسا ولم يقض مظالمه أخذ من سيئات المظلومين وطرحت عليه ثم طرح في النار إن العاقل الكيس إذا أحس بقوته وقدرته تذكر قدرة الله عليه وإن العاقل الكيس إذا مسه طائف من الشيطان فظلم ذكر الله وعقابه ورد المظالم في الدنيا وما أسهلها وما أحقرها مهما بلغت إذا قيست بالحسنات والسيئات يوم القيامة يوم يحتاج الإنسان إلى ذرة من الحسنات يثقل بها ميزانه وإن العاقل الكيس إذا ظلم لجأ إلى المظلوم فطلب منه العفو والمسامحة وما أسهله في الدنيا قبل أن يفر المرء أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه فلا تسمح نفس أحد منهم أن ينزل عن حسنة من حسناته أو أن يحمل عنهم سيئة واحدة من سيئاتهم إن الظلم ظلمات يوم القيامة يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم عافانا الله من الظلم ومن الظلمات -[المباحث العربية]- (عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ هذا حديث قدسي أسند فيه القول إلى الله تعالى ولفظه ومعناه من الله تعالى غير أنه لم يقصد به الإعجاز ولا يتعبد به في الصلاة مثلا كالقرآن والأحاديث النبوية وإن كانت من الله تعالى لأنه ﷺ ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم ٣، ٤] لا يسند القول فيها لله تعالى وبعبارة أخرى الأحاديث النبوية لفظها من عند الرسول ﷺ ومعناها من عند الله كأن يقول الله لرسوله قراءة

стр. 5613

الفاتحة لازمة في قيام الصلاة فيقول ﷺ لأمته "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (يا عبادي) العبد المملوك وكل خاضع للإله مكلف من الإنس والجن والملائكة ومن شاء الله فهو عبد الله والمنادى هنا المكلفون من الإنس والجن (إني حرمت الظلم على نفسي) "الظلم" وضع الشيء في غير موضعه الشرعي أو مجاوزة الحد الشرعي وفي ملحق الرواية "إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي فلا تظالموا" قال النووي قال العلماء وهو مستحيل في حق الله وكيف يجاوز حدا وليس فوقه من يطيعه وكيف يتصرف في غير ملكه والعالم كله في ملكه وسلطانه وأصل التحريم في اللغة المنع فسمي تقدسه عن الظلم تحريما لمشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء (وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) قال النووي هو بفتح التاء وفتح الظاء مخففة أي لا تتظالموا والمراد لا يظلم بعضكم بعضا وهذا توكيد لقوله تعالى "يا عبادي ... وجعلته بينكم محرما" وزيادة تغليظ في تحريمه (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) أي اطلبوا الهداية مني وفي المسألة كلام طويل سنتعرض له في فقه الحديث (إنكم تخطئون بالليل والنهار) كناية عن كثرة الخطايا والرواية المشهورة بضم التاء قال النووي وروى بفتحها وفتح الطاء بينهما خاء ساكنة يقال خطئ يخطأ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطئ ومنه قوله تعالى ﴿استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ [يوسف ٩٧] ويقال في الإثم أيضا أخطأ فهما صحيحان (وأنا أغفر الذنوب جميعا) أي ما عدا الشرك إذا شئت مصداقا لقوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء ٤٨] (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) "ضري" في النسخ التي بين يدي بفتح الضاد وفي كتب اللغة الضر بفتح الضاد وضمها لغتان ضد النفع وبالفتح المصدر وبالضم الاسم وقيل إذا جمعت بين الضرر والنفع فتحت الضاد وإذا أفردت الضر ضممت الضاد ومعنى "لن تبلغوا ضري" أي لن تصلوا إلى ضري يقال بلغ الشيء بلوغا أي وصل إليه (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم) أي لو أنكم جميعا من أولكم إلى آخركم وليس المراد الأول والآخر (وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا) فهو جل شأنه لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية

стр. 5614

(لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد) "الصعيد" وجه الأرض أو الجزء المرتفع من وجه الأرض والمعنى لو أن بني آدم من أول أبناء آدم إلى اليوم وفي أي مكان من الأرض اجتمعوا في وقت واحد في مكان واحد (فسألوني) أي سألني كل واحد منهم ما يتمناه (فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) "المخيط بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء وهو الإبرة وظاهر العبارة إن إعطاء كل واحد مسألته ينقص ما عند الله ولو نقصا يسيرا مع أن المراد أنه لا ينقص شيئا مطلقا لهذا قال النووي قال العلماء هذا تقريب إلى الأفهام ومعناه لا ينقص شيئا أصلا كما قال في الحديث الآخر "لا يغيضها نفقة" أي لا ينقصها نفقة لأن ما عند الله لا يدخله نقص وإنما يدخل النقص المحدود الفاني وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة والمقصود التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه فإن البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها والإبرة من أصغر الموجودات مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم) المقصود أعمال الخير والشر فإن غلبنا أعمال الخير قيل "أحصيها لكم" وإن غلبنا أعمال الشر قيل "أحصيها عليكم" كما في بعض النسخ (ثم أوفيكم إياها) في الكلام مضاف محذوف أي أوفيكم جزاءها (فمن وجد خيرا) أي من وجد في كتابه زيادة الحسنات على السيئات (فليحمد الله) أي فسيحمد الله الذي وفقه في الدنيا لعمله وشمله في الآخرة بعفوه (ومن وجد غير ذلك) من زيادة السيئات على الحسنات (فلا يلومن إلا نفسه) أي فسيلوم نفسه حيث لا ينفع اللوم ولا الندم (إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه) إعلانا للتسليم بما في هذا الحديث مع الذلة والخضوع (اتقوا الظلم) أي اجعلوا بينكم وبينه وقاية فلا تباشروه (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) قال القاضي قيل هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حين ترى المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم قال ويحتمل أن المراد من الظلمات هنا الشدائد وبه فسروا قوله تعالى ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام ٦٣] أي شدائدها قال ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات اهـ

стр. 5615

وعند أحمد "يا أيها الناس اتقوا الظلم ... " وفي رواية "إياكم والظلم" وفي رواية "أظلم الناس من ظلم لغيره" (واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم) قيل الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل وقيل هو البخل مع الحرص وقيل البخل في أفراد الأمور والشح بالمال والمعروف فهو أعم وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل على ما عنده والأول أكثر استعمالا قال تعالى ﴿سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير﴾ [الأحزاب ١٩] قال القاضي يحتمل أن هذا الهلاك دنيوي بسفكهم دماءهم ويحتمل أنه هلاك الآخرة وهذا الثاني أظهر ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة اهـ أقول وهذا الأخير هو الأظهر فإن سفك الدماء هلاك في الدنيا والآخرة ومناسبة التحذير من الشح بعد التحذير من الظلم أن الشح نوع من الظلم فهو من قبيل ذكر الخاص بعد العام لمزيد عناية بالخاص والشح غالبا دافع الظلم فكلاهما ينشأ عن حب الذات وحب السيطرة وحب التملك والشحيح ظالم لنفسه وظالم لغيره ظالم لنفسه ومجهدها ومتعبها بالإفراط في الحرص وموبقها ومهلكها يوم القيامة ظالم لنفسه ببعثه الحقد والحسد والبغض في نفوس الآخرين حتى يصبح منبوذا في مجتمعه وظالم لغيره بمنعه حق الغير في ماله وفي صحته وصنعته ففي كل عضو من أعضاء الإنسان صدقة يومية يعين أخاه ويحمل له أو يعمل ويتصدق أو يصنع لأخرق (حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) هذه الجملة بيانية مستأنفة استئنافا بيانيا أو تعليليا فهي في جواب سؤال نشأ عن الجملة الأولى إن قدرناه كيف أهلكهم فهو بياني وإن قدرناه لم أهلكهم كان تعليليا والأول أوضح وضمير "حملهم" وفي "استحلوا" غير الضمير في "دماءهم" و "محارمهم" أي حمل بعضهم على سفك دماء بعض واستحل بعضهم محارم بعض ويحتمل المجاز فسفك الإنسان لدم أخيه كأنه سفك لدم نفسه واستحلاله لمحارم أخيه كأنه استحلال لمحارم نفسه والمحارم جمع محرم بفتح الميم وسكون الحاء وهو صاحب الحرمة من النساء والرجال أي الذي يحرم التزوج به لرحمه وقرابته ويطلق على كل ما حرم الله (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) سبق قبل أربعة أبواب بلفظ "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره" (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) أي من صار معينا لأخيه كان الله في عونه (ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) قال

стр. 5616

النووي يدخل في كشف الكربة وتفريجها من يزيلها بماله أو جاهه أو يساعده على تفريجها قال والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته ونصحه (ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) ستر المسلم يشمل كل ما سبق يشمل ستره عن الإهانة والذلة فلا يظلمه ولا يخذله ولا يكشف عوزه وضيقه وحاجته وكربه كما يشمل ستره عن الزلات وعدم كشف سوءاته وسيئاته وخص النووي لفظ "مسلم" فجعل المراد منه مسلما مطيعا غير معروف بالعصيان فقال وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفا بالأذى والفساد قال فأما المعروف بذلك فيستحب ألا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والإفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله قال هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة اهـ وعندي أن هناك فرقا بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين الستر وكل منهما مأمور به وبينهما عموم وخصوص مطلق فيجتمعان في الستر وعدم الإشاعة مع الأمر بالمعروف بينه وبينه لأن النصيحة في الملأ فضيحة وينفرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون الستر في الجهر به وكشف سره ونصحه أمام الناس أو رفع أمره إلى الحاكم مع إمكان الإصلاح دون كشف وينفرد الستر كثيرا حتى يصل إلى اللامبالاة (أتدرون ما المفلس) الاستفهام للتقرير وإخراج الجواب من المخاطب ليبني عليه الحكم المراد ولما كان المقصود السؤال عن الوصف وليس عن الذات عبر بـ "ما" بدل "من" (قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) أجابوا بأوصاف المفلس في العادة والعرف الدنيوي (فقال إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة ... ) "من أمتي" ليس قيدا للاحتراز فالأمر كذلك في جميع الديانات قال النووي معناه أن هذا حقيقة المفلس وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه مفلسا وليس هو حقيقة المفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث فهو الهالك الهلاك التام والمعدوم الإعدام القاطع فتؤخذ حسناته لغرمائه فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضع عليه ثم ألقي في النار فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه اهـ وليس مقصود الحديث نفي الإفلاس عمن لا درهم عنده

стр. 5617

بل نفي الكمال والحقيقة التي تستحق هذا الوصف كحديث "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (بصلاة وصيام وزكاة) هذا ليس للحصر بل هو تمثيل يشمل جميع الطاعات (ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا) وهذا تمثيل أيضا والمقصود جميع حقوق العباد والواو فيها لمطلق العطف والجمع ولا ترتيب بين ما ذكر (فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته) قال العلماء المراد بالحسنات هنا الثواب عليها وسيأتي في فقه الحديث مزيد إيضاح (فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه) "يقضي" بضم الياء وسكون القاف وفتح الضاد مبني للمجهول (ثم طرح في النار) لفناء الحسنات وزيادة الخطايا وسيأتي في فقه الحديث مزيد إيضاح (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) اللام في جواب قسم مقدر أي والله ليؤدين كل واحد منكم حقوق الآخرين يوم القيامة والخطاب للخلائق (حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) "الجلحاء" بجيم ثم حاء بينهما لام وهي الجماء التي لا قرن لها والمراد يقاد ويقتص من القرناء التي نطحت في الدنيا أختها التي لا قرن لها وللمسألة مزيد إيضاح في فقه الحديث والمقصود إبراز القصاص بين المكلفين في صورة التأكيد والمبالغة لأنه إذا حصل القصاص بين ما لا تكليف عليه حصل بين المكلفين من باب أولى (إن الله يملي للظالم) أي يمهله ويؤخر عقابه ويطيل في مدة عدم معاقبته وهو مشتق من الملوة بضم الميم وكسرها وفتحها وهي المدة يقال أقام عنده ملوة من الدهر وفي القرآن الكريم ﴿واهجرني مليا﴾ [مريم ٤٦] أي زمنا ومدة (فإذا أخذه لم يفلته) أي لم يطلقه ولم ينفلت منه أي لم يجعله ينفلت يقال أفلته إذا أطلقه -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى ومن قوله ﷺ "كلكم ضال إلا من هديته" قال المازري ظاهر هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى لكن في الحديث المشهور "كل مولود يولد على الفطرة" أي مما يثير إشكالا أجاب عنه بقوله قد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا

стр. 5618

عليه قبل مبعث النبي ﷺ وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا اهـ أي كلكم كنتم ضالين قبل رسالة محمد ﷺ فهديت برسالته من هديت فلتطلبوا مني الهداية واعملوا لها أهدكم قال النووي وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله وبهدى الله اهتدى وبإرادة الله تعالى وأنه إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون ولم يرد هداية الآخرين ولو أرادها لاهتدوا خلافا للمعتزلة في قولهم الفاسد أنه أراد هداية الجميع جل الله أن يريد ما لا يقع أو يقع ما لا يريد ٢ - وفيها الحث على الدعاء بما يحتاجه الإنسان حتى المأكل والكسوة ولا يعتمد على المسعى وحده ٣ - وأن الله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية ٤ - ولا تنفذ خزائنه بل ولا تنقص بالعطاء ٥ - وفيها التحذير من الظلم ٦ - وفي الرواية الثانية التحذير من الشح ٧ - وفي الرواية الرابعة فضل إعانة المسلم وتفريج كربه ٨ - والستر على المسلم وعدم التشهير به ونقل أخبار زلاته قال النووي وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة وهذا مجمع عليه ٩ - ومن الرواية الخامسة الوعيد بالمقاصة وعند أبي نعيم "يؤخذ بيد العبد فينصب على رءوس الناس وينادي مناد هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق فليأت فيأتون فيقول الرب آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم فيقول للملائكة خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر مظلمته فإن كان ناجيا وفضل من حسناته مثقال حبة من خردل ضاعفها الله حتى يدخله بها الجنة" وعند أحمد والحاكم "لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة قلنا يا رسول الله كيف وإنما نحشر حفاة عراة قال بالسيئات والحسنات" وقد استشكل إعطاء الحسنات سدادا للحقوق مع أن الحسنات تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والحقوق محدودة وأجيب بأنه محمول على أن الذي يعطاه صاحب الحق من الثواب ما يوازي السيئة من الأصل وأما ما زاد على الأصل فهو بفضل الله فيبقى لصاحبه اهـ وهذا إن صلح فيمن يبقى عنده حسنات بعد المقاصة لا يصلح فيمن يشير إليه حديثنا ممن تنفد حسناته ويطرح في النار

стр. 5619

وحاول البيهقي الإجابة فقال وجه الحديث عندي والله أعلم أنه يعطي خصماء المؤمن المسيء من أجر حسناته ما يوازي عقوبة سيئاته فإن فنيت حسناته أخذ من خطايا خصومه فطرحت عليه ثم يعذب إن لم يعف عنه فإذا انتهت عقوبة تلك الخطايا أدخل الجنة بما كتب له من الخلود فيها بإيمانه ولا يعطى خصماؤه ما زاد من أجر حسناته على ما قابل العقوبة يعني من المضاعفة لأن ذلك من فضل الله يختص به من وافى يوم القيامة مؤمنا اهـ وقال الحميدي في كتاب الموازنة الناس ثلاثة من رجحت حسناته على سيئاته أو بالعكس أو من تساوت حسناته وسيئاته فالأول فائز بنص القرآن والثاني يقتص منه بما فضل من معاصيه على حسناته من النفخة إلى آخر من يخرج من النار بمقدار قلة شره وكثرته والثالث أصحاب الأعراف اهـ ويقيد بمشيئة الله تعالى وعفوه ١٠ - وظاهر الحديث أن سيئات المظلوم يحملها الظالم وهذا الظاهر يتعارض مع قوله تعالى ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء﴾ [فاطر ١٨] ومع ظاهر قوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام ١٦٤] قال النووي وهذا الاعتراض غلط لأنه إنما عوقب بفعله ووزره وظلمه فتوجهت عليه حقوق لغرمائه فدفعت إليهم من حسناته فلما فرغت وبقيت لخصومه بقية أخذ قدرها من سيئات خصومه فوضع عليه فحقيقة العقوبة إنما هي بسبب ظلمه ولم يعاقب بغير جناية وظلم منه ١١ - قال النووي وفي الحديث تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة قال الله تعالى ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ [التكوير ٥] قال وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره قال العلماء وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب والقصاص من القرناء ليس من قصاص التكليف بل هو قصاص المقابلة ١٢ - وفي الرواية السابعة التحذير من أخذ الله تعالى للظالمين والله أعلم.

стр. 5620

(٦٩٧) باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما ٥٧٢٧ - عن جابر ﵁ قال اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر أو المهاجرون يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار فخرج رسول الله ﷺ فقال "ما هذا دعوى أهل الجاهلية" قالوا لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر قال "فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره" ٥٧٢٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال رسول الله ﷺ "ما بال دعوى الجاهلية" قالوا يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال "دعوها فإنها منتنة" فسمعها عبد الله بن أبي فقال قد فعلوها والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". ٥٧٢٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فأتى النبي ﷺ فسأله القود فقال النبي ﷺ "دعوها فإنها منتنة" قال ابن منصور في روايته عمرو قال سمعت جابرا. -[المعنى العام]- في سنة ست من الهجرة وبعد النصر في غزة بني المصطلق استراح جند المسلمين عند بئر لبني خزاعة يسمى "المريسيع" ونفث المنافقون سمومهم في هذه الغزوة مرتين المرة الأولى وهي التي تحكيها قصة حديثنا تتلخص في أن بئر المريسيع كان قليل الماء فكان الصحابة يبتدرون

стр. 5621

الماء فيملأ الواحد حوضه ثم يجعل عليه نطعا يغطيه حتى يسقى منه هو وأصحابه وعلى الآخرين أن يدلوا بدلائهم ويملئوا أحواضهم فسبق إلى البئر جهجاه بن قيس الغفاري من المهاجرين خادم عمر فملأ حوضه وغطاه فجاء الأنصاري سنان بن وبرة الجهني وأرخى زمام ناقته لتشرب من حوض جهجاه فضربه جهجاه برجله على عجيزته فلطمه سنان وتشابكا وتصارعا واستغاث كل منهما بقومه قال المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار وسمع النبي ﷺ هاتين الاستغاثتين وهو في خبائه فخرج مغضبا وقال ما هذه العصبية القبلية وما هذه الدعوة الجاهلية ما سببها قالوا له تضارب غلامان مهاجري وأنصاري وانقضت المشكلة فقال لا بأس أن انتهت عند هذا الحد فقد خشيت أن تثار فتنة بين المهاجرين والأنصار ولكن احذروا هذه الدعوى فإنها منتنة وقد أنقذكم الله منها حسنا أن تنصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا حسنا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تكفونه عن ظلمه وبلغ عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ما حصل وأن المهاجري ضرب الأنصاري على دبره فكبر ذلك عليه وغضب فبرز ما في صدره من البغضاء للمسلمين ولرسولهم ﷺ على لسانه أمام أصحابه المنافقين فقال قد عظم شأن المهاجرين ونحن الذين قويناهم وساعدناهم وما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك ثم قال لأصحابه لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجنهم منها "ليخرجن الأعز منها الأزل" وكان الصبي زيد بن أرقم قريبا منهم فسمع فأخبر عمه فقام عمه بإخبار رسول الله ﷺ فدعاه ﷺ وسأله فأنكر وحلف أن لم يحصل وقال أصحابه لرسول الله ﷺ أتصدق صبيا لا يضبط ما يسمع وتكذب سيدنا وكبيرنا فصدقه ﷺ ونزل القرآن الكريم يصدق زيدا ويكشف المنافقين فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق قال دعه لئلا يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى رسول الله ﷺ يقول له بلغني يا رسول الله أنك تريد قتل أبي فمرني يا رسول الله أن أتيك برأسه ووالله لو أمرتني لأتيتك بها فقال له ﷺ بل نحسن صحبته وقبل دخول المسلمين المدينة بمرحلة ألقى ابن أبي لأصحابه المنافقين القنبلة الثانية قنبلة حديث الإفك حين رأى عائشة ﵂ وقد تأخرت عن الجيش تأتي يقود ناقتها صفوان فقال بين أصحابه والله ما نجت منه ولا نجا منها وأخذوا ينفخون النار في عرض عائشة بالمدينة أما عبد الله بن عبد الله بن أبي وهو المؤمن الخالص فقد وقف لأبيه على باب المدينة مشهرا عليه سيفه يقول له والله لأغمدن سيفي ولا أدعك تدخلها حتى تقول محمد الأعز وأنا الأذل فلم يبرح حتى قال ذلك قال له والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ بدخولها فرجع حتى لقي رسول الله ﷺ فشكا إليه ما صنع ابنه فأرسل إليه النبي ﷺ أن خل عنه يدخل ففعل ﵁ وأرضاه

стр. 5622

-[المباحث العربية]- (اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار) في الرواية الثانية "كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار" والكسع ضرب الدبر والعجيزة بيد أو رجل أو سيف أو غيره وذلك عند أهل اليمن شديد والتعبير عنهما بالغلامين لما أنهما كانا تابعين كخادمين فالمهاجري هو جهجاه بن قيس الغفاري وكان مع عمر بن الخطاب يقود له فرسه والأنصاري هو سنان بن وبرة الجهني حليف الأنصار وكانا على بئر المريسيع يستقيان ومعنى اقتتالهما تضاربهما (فنادى المهاجر أو المهاجرون يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار) قال النووي هو في معظم النسخ "يال" بلام مفصولة في الموضعين وفي بعضها "يا للمهاجرين" و"يا للأنصار" بوصلها وفي بعضها "يا آل المهاجرين" بهمزة ثم لام مفصولة واللام مفتوحة في الجميع وهي لام الاستغاثة والصحيح بلام موصولة ومعناه أدعوا المهاجرين وأستغيث بهم وقوله "أو المهاجرون" صحيح على اعتبار أن رجلين أو ثلاثة من المهاجرين لحقوه أولا فنادوا معه (فخرج رسول الله ﷺ من خيمته التي كانت قد ضربت قريبة من البئر في غزوة بني المصطلق (فقال ما هذا دعوى أهل الجاهلية) أي ما هذا النداء وما هذه الاستغاثة أتكون الاستغاثة بألفاظ الجاهلية والعصبية القبلية لا ينبغي أن يحصل هذا بل ينبغي أن تكون الاستغاثة باسم الإسلام ووحدة الإسلام فالاستفهام إنكاري توبيخي وفي الرواية الثانية "ما بال دعوى الجاهلية" أي ما حال دعوى الجاهلية وما شأنها لا ينبغي أن تعود قال النووي وأما تسميته ﷺ ذلك دعوى الجاهلية فهو كراهة منه ذلك فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل فجاء الإسلام بإبطال ذلك وفصل القضايا بالأحكام الشرعية فإذا اعتدى إنسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه كما تقرر من قواعد الإسلام (قالوا لا يا رسول الله) أي ليست دعوة جاهلية ولن نستجيب لها ولن نرجع إليها (إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر قال فلا بأس) أي لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خفته فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم يوجب فتنة وفسادا وليس المراد رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية (دعوها فإنها منتنة) أي دعوا دعوى الجاهلية لا تلجئوا إليها مهما حصل خلاف ولا تستجيبوا لها إن سمعتموها فإنها قبيحة كريهة مؤذية

стр. 5623

(ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره) وفي رواية للبخاري "قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تأخذ فوق يديه" وفي رواية له أيضا "فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره قال تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره" قال ابن بطال النصر عند العرب الإعانة وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يئول إليه وهو من وجيز البلاغة وذكر بعضهم أن أول من قال انصر أخاك ظالما أو مظلوما جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية لا على ما فسره النبي ﷺ وفي ذلك يقول شاعرهم إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم على القوم لم أنصر أخي حين يظلم (فسمعها عبد الله بن أبي فقال قد فعلوها والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) أي سمع ابن أبي قصة كسع المهاجر للأنصاري فقال قد فعلها المهاجرون أي تعالوا علينا ونحن الذين آويناهم لئن رجعنا من هنا من ديار بني المصطلق إلى المدينة ليخرجن الأعز يعني نفسه والأنصار الأذل يعني رسول الله ﷺ والمهاجرين (قال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) كان ابن أبي والمنافقون معدودين في أصحابه ﷺ ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا وكان المسلمون مأمورين بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر كان كلام عمر بعد أن علم النبي ﷺ بقول ابن أبي وبعد أن أرسل النبي ﷺ إليه فجحد وحلف وصدقه النبي ﷺ فنزلت الآيات تكذبه -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - ما عانى رسول الله ﷺ والمؤمنون من المنافقين ٢ - وأن القرآن فضحهم في هذه الحادثة ٣ - وصدق الناقل للخبر زيد بن أرقم الصحابي الجليل وكان صبيا ٤ - وأن نقل حديث الآخرين للمصلحة العامة ليس من الغيبة المحرمة بل نقل إيذاء المنافقين للمسلمين واجب ومن المصلحة الكبرى

стр. 5624

٥ - وأن استخدام الألفاظ الموهمة لغير مراد المتكلم تحتاج إلى توضيح المراد وترخص للمخاطب استيضاحها ٦ - وأن الأخذ على يد الظالم ومنعه من الظلم نصر له وعون له على حماية نفسه ٧ - وفي الحديث تنفير من العصبية القبلية ووصفها بالخبث والنتن ٨ - وفيه الحث على نصر المظلوم والحث على نصر الظالم بمنعه من الظلم ٩ - ومن الرواية الثانية حكمة الرسول ﷺ وحلمه على المنافقين قال القاضي عياض واختلف العلماء هل بقي حكم الإغضاء عن المنافقين وترك قتالهم أو نسخ ذلك عند ظهور الإسلام ونزول قوله تعالى ﴿جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة ٧٣] وهناك قول ثالث وهو العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم فإذا أظهروه قتلوا اهـ والراجح معاملتهم معاملة المسلمين ما أظهروا الإسلام ففي أواخر أيامه ﷺ أعطى ابن أبي قميصا له يكفن فيه وما عوتب ﷺ إلا على أن صلى عليه فنزل ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة ٨٤] أما معاملتهم معاملة المسلمين فظلت إلى نهاية نزول تشريعات الإسلام والله أعلم.

стр. 5625

(٦٩٨) باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتوادهم ٥٧٣٠ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا". ٥٧٣١ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٥٧٣٢ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ٥٧٣٣ - وفي رواية عن النعمان بن بشير ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله" حدثنا ابن نمير -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ [الحجرات ١٣] والإنسان مدني اجتماعي بطبعه محتاج إلى غيره بقدر احتياج غيره له وكلما تكاتف مجتمع صار قويا وكلما عطف بعضه على بعض وأحس بعضه بآلام البعض صار في منعة وحصانة لقد نشأ الإسلام في بيئة عربية قبلية تتناحر بطونها وتتعادى شعوبها ويغير قويها على ضعيفها حتى قال شاعرهم وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا

стр. 5626

وقال قائلهم أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب جاء الإسلام إلى هذه البيئة المتناحرة المفككة فغرس فيها عناصر الترابط وأول هذه العناصر وأقواها تأثيرا التراحم والتعاطف والتوادد فأكثر من الدعوة إلى التراحم بأساليب مختلفة "من لا يرحم لا يرحم" "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء" "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" "من لم يرحم الناس لم يرحمه الله" وأكثر من الدعوة إلى التعاون ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة ٢] "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" "مثل المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى اشفعوا تؤجروا" واستجاب المسلمون لتوجيهات شريعتهم فأحب بعضهم بعضا وعطف بعضهم على بعض وأعان بعضهم بعضا حتى نزل فيهم قوله تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ [أل عمران ١٠٣] بل بلغوا وبالغوا درجة إيثار بعضهم على أنفسهم حتى نزل فيهم قوله تعالى ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر ٩] -[المباحث العربية]- (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) "أل" في "المؤمن" للجنس والإخبار عما ينبغي أن يكون عليه كل مؤمن مع كل مؤمن لا عن الواقع ويحتمل أن يكون إخبارا عن الواقع و"أل" في المؤمن الأول للكمال أي المؤمن الكامل هو الذي يشد ويساعد ويعاون المؤمن والأول أظهر لأن البنيان يشد كل لبنة فيه الأخرى قال الحافظ ابن حجر اللام فيه للجنس والمراد بعض المؤمنين للبعض وقوله "يشد بعضه بعضا" بيان لوجه التشبيه وقال الكرماني نصب "بعضا" بنزع الخافض وقال غيره بل هو مفعول "يشد" وكلاهما صحيح والثاني أظهر زاد البخاري "ثم شبك بين أصابعه" وهو بيان لوجه التشبيه أيضا أي يشد بعضهم بعضا مثل هذا الشد مبالغة في بيان الأقوال عن طريق الحركات لتكون أوقع في نفس السامع (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وفي الرواية الرابعة "المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله" وعند البخاري "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم" والتواد بتشديد الدال أصله التوادد فأدغم وهو من المودة والود والوداد بمعنى وهو تقرب شخص من آخر بما يحب

стр. 5627

قال ابن أبي جمرة الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثوب على الثوب ليقويه اهـ وقوله "مثل الجسد" أي بالنسبة إلى جميع أعضائه ووجه التشبيه فيه التوافق والمشاركة في التعب والراحة كذا قال الحافظ ابن حجر مراعيا المنصوص عليه في الحديث كوجه التشبيه "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وعندي أن وجه الشبه أعم من ذلك فهو التعاون بين أعضائه "مثل المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى" والتعاطف والتوادد والتضامن في تحمل المسئولية "كالبنيان يشد بعضه بعضا" فوجه الشبه المشاركة في التأثر والتأثير ومعنى "تداعى" أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم ومنه قولهم تداعت الحيطان أي دعا بعضها بعضا للسقوط ودعوة بعضه بعضا بالسهر لأن الألم يمنع النوم فألم العين يمنع الجسم كله من النوم ووجع الرأس يمنع الجسم كله من النوم وأما دعوة بعضه بعضا بالحمى فلأن ألم عضو يشعل الحرارة والقشعريرة في الجسد كله والحمى مثل للمرض الذي يؤلم الجسم كله -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض ٢ - وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه ٣ - وجواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام ٤ - قال ابن بطال فيه الحث على المعاونة في أمور الآخرة وكذا في الأمور المباحة من الدنيا ويؤكده حديث "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه" والله أعلم.

стр. 5628

(٦٩٩) باب النهي عن السباب ٥٧٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم" -[المعنى العام]- يقول ﷺ "المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان" ويقول "سباب المسلم فسوق" ويقول "لا يرمي رجل رجلا بالفسوق إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" ويقول أنس ﵁ "لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا لعانا ولا سبابا" والسب مفتاح الشر وباب الفحش من القول والمؤمن ينبغي أن يصون لسانه عن التلوث بألفاظ السباب وأن يكفه عن لعن الناس بل عن لعن الدواب هذا أقل ما يجب عليه إن لم يستطع أن يرطب لسانه بذكر الله وبالثناء بالخير على الناس عملا بقوله ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" المباحث العربية (المستبان ما قالا فعلى البادئ) أي كل ما قاله المستبان إثمه على البادئ قال النووي معناه أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادئ منهما كله اهـ (ما لم يعتد المظلوم) أي ما لم يتجاوز المظلوم قدر حقه فيقول للبادئ أكثر مما قاله له والسباب بكسر السين وتخفيف الباء هو الشتم وهو نسبة الإنسان إلى عيب ما -[فقه الحديث]- قال النووي في هذا الحديث جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة قال الله تعالى ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى ٤١]

стр. 5629

وقال ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ [الشورى ٣٩] قال ومع هذا فالصبر والعفو أفضل قال الله تعالى ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ [الشورى ٤٣] ثم قال واعلم أن سباب المسلم بغير حق حرام كما قال ﷺ "سباب المسلم فسوق" ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبه ما لم يكن كذبا أو قذفا أو سبا لأسلافه فمن صور المباح أن ينتصر بكلمة يا ظالم يا أحمق أو نحو ذلك لأنه لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف قالوا وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء أو الإثم المستحق لله تعالى وقيل يرتفع عنه جميع الإثم بالانتصار منه ويكون معنى "على البادئ" في الحديث أي عليه اللوم والذم لا الإثم اهـ والله أعلم

стр. 5630

(٧٠٠) باب استحباب العفو والتواضع ٥٧٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". -[المعنى العام]- البخيل الشحيح يخشى الفقر فتصعب عليه الصدقة متجاهلا قوله تعالى ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبأ ٣٩] وجاهلا أو متجاهلا قوله تعالى ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضافعه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط﴾ [البقرة ٢٤٥] وقول الملائكة صباح مساء اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا وهكذا تسطع الحقيقة المشاهدة المؤكدة أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده المسألة الثانية أن بعض الكبراء وأصحاب الجاه يظنون أنهم بعفوهم عمن أساء إليهم تنقص قيمتهم وينخفض قدرهم وما علموا أن العفو مع القدرة يزيد العزيز عزا المسألة الثالثة أن بعض المتكبرين والمتجبرين يظنون أن التواضع ذلة ومهانة وانخفاض والحق أن من تواضع لله رفعه ومن ترفع على الناس وضعه الله إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما في الدنيا والآخرة -[المباحث العربية]- (ما نقصت صدقة من مال) قال النووي ذكروا فيه وجهين أحدهما معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية وهذا مدرك بالحس والعادة والثاني أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة اهـ فحاصل الوجهين أن عدم النقص إما في الدنيا وإما في الآخرة (وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) قال النووي فيه وجهان أيضا أحدهما أن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه والثاني أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك

стр. 5631

(وما تواضع أحد لله إلا رفعه) التواضع مشتق من الضعة بكسر الضاد وهي الهوان والمراد بالتواضع إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه وقيل هو تعظيم من فوقه لفضله. قال النووي في معنى لفظ الحديث وفيه وجهان أيضا أحدهما يرفعه الله في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه والثاني أن المراد ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا. قال: قال العلماء وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا والآخرة -[فقه الحديث]- فيه الترغيب في الصدقة وفي العفو وهو مع القدرة من شيم الكرام والقرآن الكريم يقول ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة ٢٣٧] وفي التواضع قال الطبري في التواضع مصلحة الدين والدنيا فإن الناس لو استعملوه في الدنيا لزالت بينهم الشحناء ولاستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة والله أعلم

стр. 5632

(٧٠١) باب تحريم الغيبة ٥٧٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أتدرون ما الغيبة" قالوا الله ورسوله أعلم قال "ذكرك أخاك بما يكره" قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته" -[المعنى العام]- حماية لعرض المسلم من الذم في غيبته وسدا لباب البغض والتدابر والتحاقد نهت الشريعة أن يذكر المسلم أخاه المسلم بشيء يكرهه وهوغائب عنه يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ [الحجرات ١٢] نعم شبه تناول المسلم بالنقائص في غيبته بأكل لحمه ميتا ومن يقبل أن يأكل من لحم ابن آدم ميتا فضلا عن أن يكون هذا الميت أخاه وإذا كان المؤمن لا يرضى أن يذكره آخر في غيبته بنقص فيه فكيف يرضى لنفسه أن يذكر هو أخاه المسلم في غيبته بنقص وإن كان فيه وإذا كان هذا حراما كانت مواجهة الأخ بنقص ليس فيه أشد حرمة وأقسى جرما وعذابا طهر الله ألسنتنا من الغيبة والنميمة والفحش من القول -[المباحث العربية]- (أتدرون ما الغيبة) الاستفهام لجذب الانتباه حتى يستقر الخبر في نفس المخاطب (قال ذكرك أخاك بما يكره) يضاف للتعريف "في غيبته" وقال الراغب هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير حاجة إلى ذكر ذلك وقال الغزالي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغة وقال ابن الأثير في النهاية الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه وقال النووي في الأذكار ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسه أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز قال النووي وممن يستعمل التعريض في ذلك كثير من الفقهاء في التصانيف وغيرها كقولهم قال بعض من يدعي العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو

стр. 5633

نحو ذلك مما يفهم السامع المراد منه ومنه قولهم عند ذكره الله يعافينا الله يتوب علينا نسأل الله السلامة ونحو ذلك فكل ذلك من الغيبة قال الحافظ ابن حجر عدم ذكر الحديث قيد "في غيبته" دليل على أنه لا فرق بين أن يقول ذلك في غيبته أو في حضوره والأرجح اختصاصها بالغيبة مراعاة لاشتقاقها وبذلك جزم أهل اللغة قال وكلام من أطلق منهم محمول على القيد في ذلك نعم المواجهة بما ذكر حرام لكنه داخل في السب والشتم (قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول) أي أخبرني عن جواب هذا السؤال هل ذلك من الغيبة (قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) بتخفيف فتحة الهاء وتشديد التاء يقال بهت فلانا بفتح الباء والهاء يبهته بفتح الهاء بهتا بسكون الهاء وبهتة وبهتانا قذفه بالباطل -[فقه الحديث]- في حكم الغيبة قال النووي في الأذكار الغيبة والنميمة محرمتان بإجماع المسلمين وقد تظاهرت الأدلة على ذلك وذكر في الروضة تبعا للرافعي أنها من الصغائر وتعقبه جماعة وقال القرطبي في تفسيره الإجماع على أنها من الكبائر لأن حد الكبيرة صادق عليها لأنها مما ثبت الوعيد الشديد فيه وقال الأذرعي لم أر من صرح بأنها من الصغائر إلا صاحب العدة والغزالي وصرح بعضهم بأنها من الكبائر وإذا لم يثبت الإجماع فلا أقل من التفصيل فمن اغتاب وليا أو عالما ليس كمن اغتاب مجهول الحال مثلا وقد قالوا ضابطها ذكر الشخص بما يكره وهذا يختلف باختلاف ما يقال فيه وقد يشتد تأذيه بذلك وأذى المسلم محرم وذكر النووي من الأحاديث الدالة على تحريم الغيبة حديث أنس رفعه "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" أخرجه أبو داود وعند أحمد وأبي داود "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق" وعند أبي يعلى بإسناد حسن "من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب له يوم القيامة فيقال له كله ميتا كما أكلته حيا" وفي الأدب المفرد عن ابن مسعود قال "ما التقم أحد لقمة شرا من اغتياب مؤمن" وفيه أيضا وصححه ابن حبان في قصة ماعز ورجمه "وإن رجلا قال لصاحبه "انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب فقال لهما النبي ﷺ كلا من جيفة هذا الحمار لحمار ميت فما نلتما من عرض هذا الرجل أشد من أكل هذه الجيفة"

стр. 5634

قال الحافظ ابن حجر وهذا الوعيد في هذه الأحاديث يدل على أن الغيبة من الكبائر لكن تقييده في بعضها "بغير حق" قد يخرج الغيبة بحق لما تقرر قال النووي لكن تباح الغيبة لغرض شرعي وذلك لستة أسباب أحدها التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلان أو فعل بي كذا الثاني الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك الثالث الاستفتاء بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي فهل له ذلك وما طريقي للخلاص منه ودفع ظلمه عني ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة والأجود أن يقول زوج أو والد أو ولد يفعل كذا وكذا فما الحكم ومع ذلك فالتعيين جائز لحديث هند وقولها عن أبي سفيان "إنه رجل شحيح" الرابع تحذير المسلمين من الشر وذلك من وجوه منها تجريح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين وذلك جائز بالإجماع بل واجب صونا للشريعة ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته أو مصاهرته ومنها إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا فتنصح المشتري نصيحة لا بقصد الإيذاء والإفساد ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى فساق أو مبتدع يأخذ عنه علما وخفت عليه ضرره فعليك نصحه ببيان حاله قاصدا النصيحة الخامس أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالخمر ومصادرة الناس وتولي الأمور الباطلة فيجوز ذكره بما يجهر به ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر السادس التعريف فإذا كان معروفا بلقب كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير والأعمى والأقطع ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقيصا ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى اهـ وقد ترجم البخاري بباب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير قال الحافظ ابن حجر حاصله أن اللقب إن كان مما يعجب الملقب ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع فهو جائز أو مستحب وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه إلا أن يتعين طريقا للتعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره والأصل في ذلك قوله ﷺ "أكما يقول ذو اليدين" وإلى ذلك التفصيل ذهب الجمهور وشذ قوم فشددوا حتى نقل عن الحسن البصري أنه كان يقول أخاف أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة قال ابن المنير إن كان للبيان والتمييز فهو جائز وإن كان للتنقيص لم يجز وحديث عائشة عند أبي الدنيا في المرأة التي دخلت عليها وخرجت فأشارت بيدها أنها قصيرة فقال النبي ﷺ "اغتبتيها" ذلك لأنها لم تفعل هذا بيانا وإنما قصدت الإخبار عن صفتها فكان كالاغتياب والله أعلم.

стр. 5635

(٧٠٢) باب من ستر الله عليه في الدنيا فإن الله يستر عليه في الآخرة ٥٧٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" ٥٧٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام قبل خمسة أبواب -[المباحث العربية]- (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) إذا شاء وهذا القيد ضروري فكثير ممن يسترهم الله في جرائمهم في الدنيا يكشفهم ويفضحهم يوم القيامة وهذا الحديث يشير إلى حديث "أن الله يدني المؤمن يوم القيامة فيقرره بذنوبه بينه وبينه حتى إذا ظن أنه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" قال القاضي يحتمل وجهين أحدهما أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف الثاني ترك محاسبته عليها وترك ذكرها قال والأول أظهر (لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) وهذا أيضا ليس على إطلاقه بل لا بد من تقييده بالمشيئة وهذا الحديث شبيه بالحديث السابق قبل خمسة أبواب "ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" وقد سبق شرحه بما فيه الكفاية -[فقه الحديث]- يراجع فقه الحديث والمباحث العربية قبل خمسة أبواب.

стр. 5636

(٧٠٣) باب مدارة من يتقي فحشه ٥٧٣٩ - عن عائشة ﵂ أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال "ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة أو بئس رجل العشيرة" فلما دخل عليه ألان له القول قالت عائشة فقلت يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول قال "يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه" ٥٧٤٠ - -/- وفي رواية عن ابن المنكدر في هذا الإسناد مثل معناه غير أنه قال "بئس أخو القوم وابن العشيرة" -[المعنى العام]- إن طلاقة الوجه وبشاشته وحسن اللقاء أدب من آداب الإسلام لمن تعرف ولمن لا تعرف للصديق ولغير الصديق لمن تهوى ولمن لا تهوى لمن تحبه في الله ولمن تبغضه في الله هذا عيينة بن حصن الفزاري رئيس قومه لكنه رجل أحمق غليظ الطبع خبيث الطوية قد أسلم هو وقومه متأخرين يحس رسول الله ﷺ أن قلب الرجل مظلم وأن إيمانه على حرف فيبغضه الله جاء إلى باب بيت رسول الله ﷺ فنادى عليه فعرفه ﷺ وكانت معه عائشة فقال ﷺ بئس هذا الرجل وبدت على وجهه كراهية لقائه لكنه لما دخل هش له النبي ﷺ وألان له الكلام فلما خرج وقد رأت عائشة موقفين متناقضين من رسول الله ﷺ وقد خفى عليها أن الإسلام يدعوا إلى حسن اللقاء حتى مع الأعداء والمبغضين سألت رسول الله ﷺ قلت عن الرجل بئس الرجل فلما دخل أحسنت إليه قال يا عائشة لست فاحشا ولا متفحشا وحسن اللقاء مطلوب ولو للشرير اتقاء شره وشر الناس عند الله يوم القيامة من يحذره الناس ويحسنون إليه اتقاء شره وصحت أحاسيس رسول الله ﷺ فقد ارتد الرجل في عهد أبي بكر وحاربه وانهزم وجاء أسيرا فأسلم من جديد -[المباحث العربية]- (أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة أو بئس

стр. 5637

رجل العشيرة) وفي رواية للبخاري "أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة" والمراد من الرؤية العلم به على الباب أو رآه يبصره وكانت البيوت لا أبواب لها قال ابن بطال هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وكان يقال له الأحمق المطاع وكذا فسره به عياض ثم القرطبي والنووي جازمين بذلك قال الحافظ ابن حجر وأخرج عبد الغني عن عائشة "جاء مخرمة بن نوفل يستأذن فلما سمع النبي ﷺ صوته قال بئس أخو العشيرة" فيحمل على التعدد وكان من أمر عيينة بن حصن أنه كان رئيس قومه وكان أحمق ومن حمقه كما أخرج سعيد بن منصور "أنه جاء إلى النبي ﷺ وعنده عائشة فقال من هذه قال أم المؤمنين قال ألا أنزل لك عن أجمل منها فغضبت عائشة وقالت من هذا قال هذا أحمق" وارتد عيينة في زمن أبي بكر وحارب ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر ﵁ والمراد بالعشيرة الجماعة أو القبيلة والعشيرة الأدنى إلى الرجل أهله أي بئس هذا الرجل من قبيلته (فلما دخل ألان له القول) وفي رواية للبخاري "فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه" "تطلق" بفتح الطاء وتشديد اللام أي أبدى له طلاقة وجهه وانبساطه غير عابس وفي رواية "بش في وجهه" (قالت عائشة فقلت يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول) وفي رواية للبخاري "فلما انطلق الرجل قالت له عائشة يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم انطلقت في وجهه وانبسطت إليه" (قال يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه) وفي رواية للبخاري "قال يا عائشة من متى عهدتني فاحشا إن شر الناس عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" والفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح ويدخل في القول والفعل والصفة -[فقه الحديث]- قال القاضي هذا الرجل هو عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام فأراد النبي ﷺ أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله قال وكان منه في حياة النبي ﷺ وبعده ما دل على ضعف إيمانه ووصف النبي ﷺ له بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ظهر كما وصف وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام

стр. 5638

قال النووي وفي هذا الحديث مداراة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه ومن يحتاج الناس التحذير منه قال ولم يمدحه النبي ﷺ ولا أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه وإنما تألفه لشيء من الدنيا مع لين الكلام اهـ قال الخطابي ليس في قوله ﷺ في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمره فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته قال الحافظ ابن حجر وظاهر هذا الكلام أن ذلك من جملة الخصائص وليس كذلك بل كل من اطلع من حال شخص على شيء وخشى أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا نصيحته قال القرطبي والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحبت والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا والله أعلم.

стр. 5639

(٧٠٤) باب فضل الرفق ٥٧٤١ - عن جرير ﵁ عن النبي ﷺ قال "من يحرم الرفق يحرم الخير" ٥٧٤٢ - عن جرير ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ "يقول من يحرم الرفق يحرم الخير" ٥٧٤٣ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من حرم الرفق حرم الخير أو من يحرم الرفق يحرم الخير" ٥٧٤٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه" ٥٧٤٥ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه" ٥٧٤٦ - وفي رواية عن شعبة سمعت المقدام بن شريح بن هانئ بهذا الإسناد وزاد في الحديث ركبت عائشة بعيرا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله ﷺ "عليك بالرفق" ثم ذكر بمثله -[المعنى العام]- الرفق واللين يطوع المشكلات ويحل العقد ويتغلب على العقبات وهو وسيلة ناجحة

стр. 5640

بكل المقاييس للوصول إلى النتائج الأفضل والأحسن بعكس العنف الذي إن نجح في حل مشكلة خلف وراءه حقدا ورغبة في الثأر والانتقام وما أكثر عدم نجاحه وتعقيده لغير المعقد ومضاعفة تعقيده للعقد حقا ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وجمله وحسنه وما دخل العنف في شيء إلا شانه وعيبه وقبحه وأساء إليه وما أحسن قوله تعالى ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف ١٩٩] ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت ٣٤، ٣٥] -[المباحث العربية]- (من يحرم الرفق يحرم الخير) أي يحرم قدرا كبيرا من الخير وليس المراد من جميع الخير ففي الأعمال الصالحة الأخرى خير كثير والرفق بكسر الراء وسكون الفاء هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف و"من" بفتح الميم اسم شرط يجزم فعلين "يحرم" بضم الياء مبني للمجهول مجزوم بالسكون وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين ويحتمل أن تكون "من" موصولة و"يحرم" مرفوع (إن الله رفيق) في هذا الوصف كلام كثير يأتي في فقه الحديث (يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) هذه مقارنة بين عنف في خير كتربية الأولاد مثلا وكأمر بالمعروف ونهي عن المنكر فهو مثاب عليه وبين الوصول إلى نفس النتيجة عن طريق الرفق فالأجر على النتيجة الواحدة يكون لمن استخدم الرفق أكثر منه لمن استخدم العنف (وما لا يعطي على سواه) الوسائل ثلاث عنف ورفق ووسط لا يوصف برفق ولا بعنف فالمراد مما سوى العنف ما لا يوصف بعنف ولا رفق كالأمور والأوامر العادية الجارية والمعنى يعطي أجرا على الرفق أكبر من الأجر على استخدام العنف للوصول إلى النتيجة وأكبر من استعمال اللاعنف واللارفق للوصول إلى نفس النتيجة والقاضي عياض يجعل العطاء عطاء دنيويا ويريد به النتائج فيقول معناه يتأتى به من الأغراض ويسهل به من المطالب ويحصل به من النتائج ما لا يحصل بغيره (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه) يقال زانه يزينه زينا جمله وحسنه (ولا ينزع من شيء إلا شانه) "ينزع" بضم الياء وفتح الزاي بينهما نون ساكنة مبني للمجهول ويقال شانه يشينه شينا شوهه وعابه والشين العيب والقبح
следующие страницы →