Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
(٧٠٣) باب مدارة من يتقي فحشه
٥٧٣٩ - عن عائشة ﵂ أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال "ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة أو بئس رجل العشيرة" فلما دخل عليه ألان له القول قالت عائشة فقلت يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول قال "يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه"
٥٧٤٠ - -/- وفي رواية عن ابن المنكدر في هذا الإسناد مثل معناه غير أنه قال "بئس أخو القوم وابن العشيرة"
-[المعنى العام]-
إن طلاقة الوجه وبشاشته وحسن اللقاء أدب من آداب الإسلام لمن تعرف ولمن لا تعرف للصديق ولغير الصديق لمن تهوى ولمن لا تهوى لمن تحبه في الله ولمن تبغضه في الله
هذا عيينة بن حصن الفزاري رئيس قومه لكنه رجل أحمق غليظ الطبع خبيث الطوية قد أسلم هو وقومه متأخرين يحس رسول الله ﷺ أن قلب الرجل مظلم وأن إيمانه على حرف فيبغضه الله جاء إلى باب بيت رسول الله ﷺ فنادى عليه فعرفه ﷺ وكانت معه عائشة فقال ﷺ بئس هذا الرجل وبدت على وجهه كراهية لقائه لكنه لما دخل هش له النبي ﷺ وألان له الكلام فلما خرج وقد رأت عائشة موقفين متناقضين من رسول الله ﷺ وقد خفى عليها أن الإسلام يدعوا إلى حسن اللقاء حتى مع الأعداء والمبغضين سألت رسول الله ﷺ قلت عن الرجل بئس الرجل فلما دخل أحسنت إليه قال يا عائشة لست فاحشا ولا متفحشا وحسن اللقاء مطلوب ولو للشرير اتقاء شره وشر الناس عند الله يوم القيامة من يحذره الناس ويحسنون إليه اتقاء شره وصحت أحاسيس رسول الله ﷺ فقد ارتد الرجل في عهد أبي بكر وحاربه وانهزم وجاء أسيرا فأسلم من جديد
-[المباحث العربية]-
(أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة أو بئس
стр. 5637
رجل العشيرة) وفي رواية للبخاري "أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة" والمراد من الرؤية العلم به على الباب أو رآه يبصره وكانت البيوت لا أبواب لها
قال ابن بطال هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وكان يقال له الأحمق المطاع وكذا فسره به عياض ثم القرطبي والنووي جازمين بذلك
قال الحافظ ابن حجر وأخرج عبد الغني عن عائشة "جاء مخرمة بن نوفل يستأذن فلما سمع النبي ﷺ صوته قال بئس أخو العشيرة" فيحمل على التعدد
وكان من أمر عيينة بن حصن أنه كان رئيس قومه وكان أحمق ومن حمقه كما أخرج سعيد بن منصور "أنه جاء إلى النبي ﷺ وعنده عائشة فقال من هذه قال أم المؤمنين قال ألا أنزل لك عن أجمل منها فغضبت عائشة وقالت من هذا قال هذا أحمق"
وارتد عيينة في زمن أبي بكر وحارب ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر ﵁
والمراد بالعشيرة الجماعة أو القبيلة والعشيرة الأدنى إلى الرجل أهله أي بئس هذا الرجل من قبيلته
(فلما دخل ألان له القول) وفي رواية للبخاري "فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه" "تطلق" بفتح الطاء وتشديد اللام أي أبدى له طلاقة وجهه وانبساطه غير عابس وفي رواية "بش في وجهه"
(قالت عائشة فقلت يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول) وفي رواية للبخاري "فلما انطلق الرجل قالت له عائشة يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم انطلقت في وجهه وانبسطت إليه"
(قال يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه) وفي رواية للبخاري "قال يا عائشة من متى عهدتني فاحشا إن شر الناس عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" والفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح ويدخل في القول والفعل والصفة
-[فقه الحديث]-
قال القاضي هذا الرجل هو عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام فأراد النبي ﷺ أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله قال وكان منه في حياة النبي ﷺ وبعده ما دل على ضعف إيمانه ووصف النبي ﷺ له بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ظهر كما وصف وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام
стр. 5638
قال النووي وفي هذا الحديث مداراة من يتقي فحشه
وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه ومن يحتاج الناس التحذير منه
قال ولم يمدحه النبي ﷺ ولا أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه وإنما تألفه لشيء من الدنيا مع لين الكلام اهـ
قال الخطابي ليس في قوله ﷺ في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمره فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته
قال الحافظ ابن حجر وظاهر هذا الكلام أن ذلك من جملة الخصائص وليس كذلك بل كل من اطلع من حال شخص على شيء وخشى أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا نصيحته
قال القرطبي والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحبت والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا
والله أعلم.
стр. 5639
(٧٠٤) باب فضل الرفق
٥٧٤١ - عن جرير ﵁ عن النبي ﷺ قال "من يحرم الرفق يحرم الخير"
٥٧٤٢ - عن جرير ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ "يقول من يحرم الرفق يحرم الخير"
٥٧٤٣ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من حرم الرفق حرم الخير أو من يحرم الرفق يحرم الخير"
٥٧٤٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه"
٥٧٤٥ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه"
٥٧٤٦ - وفي رواية عن شعبة سمعت المقدام بن شريح بن هانئ بهذا الإسناد وزاد في الحديث ركبت عائشة بعيرا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله ﷺ "عليك بالرفق" ثم ذكر بمثله
-[المعنى العام]-
الرفق واللين يطوع المشكلات ويحل العقد ويتغلب على العقبات وهو وسيلة ناجحة
стр. 5640
بكل المقاييس للوصول إلى النتائج الأفضل والأحسن بعكس العنف الذي إن نجح في حل مشكلة خلف وراءه حقدا ورغبة في الثأر والانتقام وما أكثر عدم نجاحه وتعقيده لغير المعقد ومضاعفة تعقيده للعقد حقا ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وجمله وحسنه وما دخل العنف في شيء إلا شانه وعيبه وقبحه وأساء إليه وما أحسن قوله تعالى ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف ١٩٩] ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت ٣٤، ٣٥]
-[المباحث العربية]-
(من يحرم الرفق يحرم الخير) أي يحرم قدرا كبيرا من الخير وليس المراد من جميع الخير ففي الأعمال الصالحة الأخرى خير كثير والرفق بكسر الراء وسكون الفاء هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف و"من" بفتح الميم اسم شرط يجزم فعلين "يحرم" بضم الياء مبني للمجهول مجزوم بالسكون وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين ويحتمل أن تكون "من" موصولة و"يحرم" مرفوع
(إن الله رفيق) في هذا الوصف كلام كثير يأتي في فقه الحديث
(يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) هذه مقارنة بين عنف في خير كتربية الأولاد مثلا وكأمر بالمعروف ونهي عن المنكر فهو مثاب عليه وبين الوصول إلى نفس النتيجة عن طريق الرفق فالأجر على النتيجة الواحدة يكون لمن استخدم الرفق أكثر منه لمن استخدم العنف
(وما لا يعطي على سواه) الوسائل ثلاث عنف ورفق ووسط لا يوصف برفق ولا بعنف فالمراد مما سوى العنف ما لا يوصف بعنف ولا رفق كالأمور والأوامر العادية الجارية والمعنى يعطي أجرا على الرفق أكبر من الأجر على استخدام العنف للوصول إلى النتيجة وأكبر من استعمال اللاعنف واللارفق للوصول إلى نفس النتيجة والقاضي عياض يجعل العطاء عطاء دنيويا ويريد به النتائج فيقول معناه يتأتى به من الأغراض ويسهل به من المطالب ويحصل به من النتائج ما لا يحصل بغيره
(إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه) يقال زانه يزينه زينا جمله وحسنه
(ولا ينزع من شيء إلا شانه) "ينزع" بضم الياء وفتح الزاي بينهما نون ساكنة مبني للمجهول ويقال شانه يشينه شينا شوهه وعابه والشين العيب والقبح
стр. 5641
(ركبت عائشة بعيرا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردده) بضم التاء وفتح الراء وتشديد الدال الأولى أي تمنعه وتدفعه بشدة وعنف
-[فقه الحديث]-
يقول النووي في هذه الأحاديث فضل الرفق والحث على التخلق به وذم العنف والرفق سبب كل خير
ويقول وفي الحديث تصريح بتسمية الله برفيق قال المازري لا يوصف الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة وأما ما لم يرد إذن في إطلاقه ولم يرد منع في وصف الله تعالى به ففيه خلاف منهم من قال يبقى على ما كان قبل ورود الشرع فلا يوصف بحل ولا حرمة ومنهم من منع قال وللأصوليين المتأخرين خلاف في تسمية الله تعالى بما ثبت عن النبي ﷺ بخبر الآحاد فقال بعض حذاق الأشعرية يجوز لأن خبر الواحد عنده يقتضي العمل وهذا عنده من باب العمليات لكنه يمنع إثبات أسمائه تعالى بالأقيسة الشرعية وإن كانت يعمل بها في المسائل الفقهية وقال بعض متأخريهم يمنع ذلك فمن أجاز ذلك فهم من مسالك الصحابة قبولهم ذلك في مثل هذا ومن منع لم يسلم ذلك ولم يثبت عنده إجماع فيه فيبقى على المنع
قال المازري فإطلاق "رفيق" إن لم يثبت بغير هذا الحديث الآحاد جرى في جواز استعماله في الخلاف الذي ذكرنا
قال ويحتمل أن يكون "رفيق" صفة فعل وهي ما يخلقه الله تعالى من الرفق لعباده اهـ
قال النووي والصحيح جواز تسمية الله تعالى رفيقا وغيره مما يثبت بخبر الواحد وقد قدمنا هذا واضحا في كتاب الإيمان في حديث "إن الله جميل يحب الجمال" في باب تحريم الكبر
والله أعلم.
стр. 5642
(٧٠٥) باب النهي عن لعن الدواب وغيرها
٥٧٤٧ - عن عمران بن حصين ﵁ قال بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال "خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة" قال عمران فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد.
٥٧٤٨ - وفي رواية عن أيوب بإسناد إسماعيل نحو حديثه إلا أن في حديث حماد قال عمران فكأني أنظر إليها ناقة ورقاء وفي حديث الثقفي فقال "خذوا ما عليها وأعروها فإنها ملعونة".
٥٧٤٩ - عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت بالنبي ﷺ وتضايق بهم الجبل فقالت حل اللهم العنها قال فقال النبي ﷺ "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة".
٥٧٥٠ - وفي رواية عن سليمان التيمي بهذا الإسناد وزاد في حديث المعتمر "لا ايم الله لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله" أو كما قال.
٥٧٥١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا"
٥٧٥٢ - أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده فلما أن
стр. 5643
كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه فكأنه أبطأ عليه فلعنه فلما أصبح قالت له أم الدرداء سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته فقالت سمعت أبا الدرداء يقول قال رسول الله ﷺ "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة"
٥٧٥٣ - عن أبي الدرداء ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة"
٥٧٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال "إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة"
-[المعنى العام]-
طهارة لسان المؤمن هدف إسلامي "فالمؤمن من سلم المسلمون من لسانه" وقد تناولنا في أحاديث سابقة الحث على طهارة اللسان من السب والفحش واللعن نوع من الفحش أفرد بالذكر في هذا الباب لمزيد عناية به لكثرة جريانه على الألسنة وتساهل الناس فيه
ولزيادة المبالغة والتحذير من اللعن نهى عن لعن الدواب مع أن لعنها لا يبعدها عن رحمة الله ولا يترتب عليه حقدها وتباغضها وتدابرها وكأنه من قبيل إياك أعني واسمعي يا جارة
نعم إنها خلقة الله وصنعته ولعن المصنوع إساءة للصنعة وإساءة للصانع وهذا وإن لم يقصد من اللاعن ينبغي البعد عنه
وإكثار اللعن كان سببا من أسباب كثرة دخول النساء جهنم وكثرة اللعن في أحاديث الباب سبب للحرمان من الشفاعة والشهادة فلا يكون اللاعنون شفعاء يوم يكثر الشفعاء ولا شهداء يوم يتقدم الشهداء
-[المباحث العربية]-
(بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة) كانت هذه الناقة تحمل أمتعة للقوم الراجلين وكانت المرأة صغيرة جارية ففي الرواية الثانية "بينما جارية
стр. 5644
على ناقة عليها بعض متاع القوم" وجاء في الرواية الثانية لون الناقة بأنها "ورقاء" أي يخالط بياضها سواد ويقال للذكر أورق وقيل هي التي لونها كلون الرماد
(فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله ﷺ الضمير في "فضجرت" للناقة أي تبرمت ونفرت وتذمرت وعاندت وحرنت ويحتمل أن يكون للجارية والعطف على محذوف أي فنفرت الناقة فضجرت الجارية بها أي ضاقت بها وتبرمت منها ولعنتها وأوضحت الرواية الثانية عبارة اللعن "فقالت حل اللهم العنها" و"حل" كلمة زجر واستحثاث يقال حل حل بفتح الحاء وسكون اللام فيهما عند التكرار ويقال أيضا حل حل بكسر اللام فيهما وبالتنوين وبغير تنوين كما بينت الرواية الثانية الظروف التي جعلت الرسول ﷺ يسمعها ففيها "إذ بصرت بالنبي ﷺ وتضايق بهم الجبل" أي فكانت قريبة من الرسول ﷺ بدون قصد وبحكم ضيق الطريق ولعلها خشيت مزاحمته ﷺ فأرادت من الناقة جهة فلم تطاوعها
(فقال خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة) أي خذوا ما عليها من متاع ورحال وآلات ودعوها واتركوها في الصحراء ترعى دون صاحب فلا يليق أن تصاحبنا لعنة في سفرنا بمصاحبة شيء ملعون وفي الرواية الثانية "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة" وفي ملحقها "لا ايم الله لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله" أي قسمي ويميني ألا تصاحبنا وفي ملحق الرواية الأولى "خذوا ما عليها وأعروها" بهمزة قطع وضم الراء يقال أعريته وعريته إعراء وتعرية فتعرى أي اتركوها عارية لا شيء عليها
(قال عمران فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد) حدث عمران بهذا الحديث بعد زمن من واقعته وكان ساعتها قد رأى الناقة وقد جردت ثم أطلقت تنفيذا لأمر رسول الله ﷺ وهو عند التحديث يستحضر تلك الصورة وكأنها حادثة أمامه الآن
(لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا) أي لا ينبغي لمؤمن قوي الإيمان بلغ فيه مبلغ الصديق أن يكون كثير اللعن فلعان صيغة مبالغة تدل على الكثرة فكثرة اللعن من صفات ضعيف الإيمان ولا يضر قوي الإيمان أن يصدر منه اللعن مرة ونحوها لمن يستحق اللعن كما سيأتي في فقه الحديث
واللعن الإبعاد من رحمة الله فهو نهاية المقاطعة والتدابر وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر فلا يدعى به على من لا يستحق وإن كان حيوانا
(أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده) بفتح الهمزة وسكون النون جمع نجد بفتح النون والجيم وهو متاع البيت الذي يزين به البيت من فرش ونمارق وستور وقال الجوهري بسكون الجيم وجمعه نجود فهما لغتان ووقع في رواية "بخادم" بدل "بأنجاد" قال النووي والمشهور الأول
стр. 5645
(فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه فأبطأ عليه فلعنه فلما أصبح قالت له أم الدرداء سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته) أي فقال نعم وهذه الواقعة حصلت في بيت عبد الملك بن مروان في الشام والخادم يطلق على الذكر والأنثى وكان هنا أنثى فعند أحمد "كان عبد الملك بن مروان يرسل إلى أم الدرداء فتبيت عند نسائه ويسألها عن النبي ﷺ فقام ليلة فدعا خادمته فأبطأت عليه فلعنها" والمعنى أنه أرسل إليها الهدية ودعاها أن تبيت عنده مع نسائه وكانت قد بلغت من الكبر عتيا فقد ماتت في خلافة عثمان
(لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) قال النووي معناه لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار و"لا شهداء" فيه ثلاثة أقوال أصحها وأشهرها لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات
والثاني لا يكونون شهداء في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم لفسقهم
والثالث لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله
-[فقه الحديث]-
إنما منعت الناقة الملعونة من المصاحبة زجرا لصاحبتها ولغيرها فقد ثبت أنه قد سبق نهيها ونهي غيرها عن لعن الحيوان فعوقبت بإرسال الناقة والمراد النهي عن مصاحبة هذه الناقة في الطريق وأما بيعها وذبحها وركوبها في غير مصاحبته ﷺ وغير ذلك من التصرفات التي كانت جائزة قبل هذا فهي باقية على الجواز لأن الشرع إنما ورد بالنهي عن المصاحبة فبقي الباقي كما كان قاله النووي
وقال عن حديث "لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا" فيه الزجر عن اللعن وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد عن رحمة الله تعالى وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فمن دعا علي أخيه المسلم باللعنة وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى فهو من نهاية المقاطعة والتدابر وهذه غاية ما يوده المسلم للكافر ولهذا جاء في الحديث الصحيح "لعن المؤمن كقتله" لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة وعن رحمة الله تعالى
ثم قال وهذا الذم في الحديث إنما هو لمن كثر من اللعن لا لمرة ونحوها ولأنه يخرج عنه أيضا اللعن المباح وهو الذي ورد الشرع به وهو "لعنة الله على الظالمين" "لعن الله اليهود والنصارى" "لعن الله الواصلة والمستوصلة" "لعن الله شارب الخمر" "وآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" "لعن الله المصورين" "لعن الله من انتمى إلى غير أبيه وتولى غير مواليه" "وغير منار الأرض"
وغيرها مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة.
стр. 5646
(٧٠٦) باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس أهلا لذلك كان له زكاة وأجر ورحمة
٥٧٥٥ - عن عائشة ﵂ قالت دخل على رسول الله ﷺ رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما فلما خرجا قلت يا رسول الله ما أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان قال "وما ذاك" قالت قلت لعنتهما وسببتهما قال "أو ما علمت ما شرطت عليه ربي قلت اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا".
٥٧٥٦ - -/- وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد نحو حديث جرير وقال في حديث عيسى فخلوا به فسبهما ولعنهما وأخرجهما
٥٧٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة".
٥٧٥٨ - -/- وفي رواية عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ مثله إلا أن فيه "زكاة وأجرا".
٥٧٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة".
٥٧٦٠ - -/- وفي رواية عن أبي الزناد بهذا الإسناد نحوه إلا أنه قال "أو جلده" قال أبو الزناد وهي لغة أبي هريرة وإنما هي "جلدته".
стр. 5647
٥٧٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة"
٥٧٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "اللهم فأيما عبد مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة"
٥٧٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة"
٥٧٦٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجرا"
٥٧٦٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال "آنت هيه لقد كبرت لا كبر سنك" فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم ما لك يا بنية قالت الجارية دعا علي نبي الله ﷺ أن لا يكبر سني فالآن لا يكبر سني أبدا أو قالت قرني فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ "ما لك يا أم سليم" فقالت يا نبي الله أدعوت على يتيمتي قال "وما ذاك يا أم سليم" قالت زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها قال فضحك رسول الله ﷺ ثم قال "يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما
стр. 5648
يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" وقال أبو معن يتيمة بالتصغير في المواضع الثلاثة من الحديث.
٥٧٦٦ - عن ابن عباس ﵄ قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب قال فجاء فحطأني حطأة وقال "اذهب وادع لي معاوية" قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي "اذهب فادع لي معاوية" قال فجئت فقلت هو يأكل فقال "لا أشبع الله بطنه" قال ابن المثنى قلت لأمية ما حطأني قال قفدني قفدة
٥٧٦٧ - وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فاختبأت منه فذكر بمثله.
-[المعنى العام]-
لما بينت الشريعة الإسلامية حرمة السب واللعن والدعاء على المسلمين ولما كان بعض ذلك قد وقع من النبي ﷺ وجه ﷺ هذا الذي وقع منه بأنه من خصائصه وأن ربه جعل هذا الذي يقع منه في حق من لا يستحق رحمة ومغفرة وطهارة وأجرا
وخفي هذا عن بعض المسلمين حتى عن أقرب الناس إليه عائشة ﵂ فسألته عن بعض ما وقع منه ففسره لها ومن المقربات إليه أم سليم أم أنس ﵄ فسألته عما سمعته من أمثال هذا فوضح لها أن الله وعد نبيه أن يجعل ما يصدر منه من هذا رحمة ومغفرة ﷺ
-[المباحث العربية]-
(دخل على رسول الله ﷺ رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما فلما خرجا قلت) لم أجد ما يحدد هذين الرجلين ولعل إبهامها جرى على عادتهم في
стр. 5649
الستر على من أصاب شرا وخطأ وفي ملحق الرواية "فخلوا به بفتح الواو على التثنية فسبهما ولعنهما وأخرجهما"
(قلت يا رسول الله ما أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان) أي من أراد الله له شيئا من الخير ما قابله هذان الرجلان أي مقابلتهما ليست خيرا وليس فيها خير
(قال وما ذاك) أي كيف عرفت هذا أو لم قلت هذا
(قالت قلت لعنتهما وسببتهما قال أو ما علمت ما شرطت عليه ربي) أي اعلمي ما طلبته من ربي وما دعوت به فأجاب دعائي فكأنما وقع بيني وبين ربي شرط قبله ووافق عليه
(قلت اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا) أي طهارة له من ذنب أذنبه وأثبه على هذا ثوابا تفضلا وكرما وفي الرواية الثانية "فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة" وفي ملحقها "زكاة وأجرا" وفي الرواية الثالثة "فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" والصلاة من الله الرحمة وفي ملحق الرواية "أو جلده" بتشديد الدال إدغاما للتاء في الدال قال الراوي وهي لغة أبي هريرة أي واللغة المشهورة "جلدته" قال النووي ولغة أبي هريرة جائزة
وفي الرواية الرابعة "اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر" وجه الشبه مطلق الغضب لا كميته ولا سرعته "وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة"
وفي الرواية السابعة "إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجرا"
وفي الرواية الثامنة "إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة"
(كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس) قوله "وهي أم أنس" يعني أن أم سليم هي أم أنس
(فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة) في مرة من مرات دخوله على أم سليم وكان يتردد عليها كثيرا ويقيل عندها ولعله في هذه المرة كان قد طال عهده برؤية اليتيمة فبدت له أنها كبرت أكبر مما كان يتوقع
стр. 5650
(فقال آنت هيه لقد كبرت لا كبر سنك) "هيه" بفتح الياء قبل هاء السكت الساكنة
والاستفهام تعجبي يقال كبر في السن بفتح الباء يكبر بضمها زاد والمصدر كبرا بفتح الكاف وسكون الباء وكبر الرجل بكسر الباء يكبر بفتحها كبار بكسر الكاف وفتح الباء طعن في السن فهو كبير وكبر يكبر بضم الباء فيهما كبرا بفتح الباء وكبرا بسكونها عظم وجسم وما في روايتنا ضبط بكسر الباء ودعا عليها أن لا يكبر سنها فتظل صبية صغيرة فغضبت وخافت لأنها تحب أن تصبح شابة عروسا
(فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم مالك يا بنية قالت الجارية دعا علي نبي الله ﷺ ألا يكبر سني فالآن لا يكبر سني أبدا) لأن دعاءه مستجاب
(أو قالت قرني) أي قالت لا يكبر سني أبدا أو قالت لا يكبر قرني أبدا والقرن هنا بسكون الراء هو نظراؤها في العمر قال القاضي معناه لا يطول عمرها لأنه إذا طال طال عمر قرنها وتعقبه النووي بأنه لا يلزم من طول عمر أحد القرينين طول عمر الآخر فقد يكون سنهما واحدا ويموت أحدهما قبل الآخر اهـ
(فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها) أي تلف خمارها حول رأسها وهي في الطريق متعجلة لقاء النبي ﷺ قبل أن يخرج
(فقال لها رسول الله ﷺ مالك يا أم سليم) يبدو عليك الانزعاج والتعجل
(فقالت يا نبي الله أدعوت على يتيمتي قال وما ذاك يا أم سليم) أي بماذا دعوت عليها
(قالت زعمت أنك دعوت ألا يكبر سنها ولا يكبر قرنها فضحك رسول الله ﷺ لانزعاجها ويتيمتها من الدعاء مع أنه لا ضرر فيه ثم بين لها ما بينه وبين ربه خاصا بدعائه على من ليس بأهل له من أمته
(عن ابن عباس ﵄ قال كنت ألعب مع الصبيان) لعل ذلك كان في أوائل الهجرة لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل بخمس
(فتواريت خلف باب) حياء من رسول الله ﷺ إذ كان يجلس معه ويعجب بذكائه ويدعوا له فكيف يراه بهذه الحالة.
(قال فجاء فحطأني حطأة) "حطأني" بفتح الحاء وتشديد الطاء المفتوحة بعدها
стр. 5651
همزة أي ضربني بيده وبكفه المبسوطة بين كتفي وإنما فعل ذلك مع ابن عباس ملاطفة وتأنيسا وذكر المصدر "حطأة" وتنوينه على هذا للتقليل وفسر الراوي "حطأني حطأة" بقفدني قفدة
يقال حطأ به الأرض يحطأ حطأ صرعه وحطأ الرجل الرجل إذا ضرب ظهره بيده مبسوطة
ويقال قفد فلانا بفتح القاف والفاء إذا صفع قفاه بباطن كفه
(اذهب وادع لي معاوية) بن أبي سفيان وكان من كتاب الوحي
(قال فجئت فقلت هو يأكل) في الكلام طي أي فذهبت إلى معاوية فدعوته فوعدني بالحضور وهو يأكل فجئت
(ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية) التعبير بثم يدل على أن الطلب الثاني كان متراخيا عن الإخبار بأنه يأكل ولعل هذا هو السر في الدعاء عليه بعد العودة
(فقال لا أشبع الله بطنه) وسيأتي توجيه هذا الدعاء في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
قال النووي هذه الأحاديث مبينة لما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم
ثم قال عن الرواية الثامنة وفيها قيد "بدعوة ليس لها بأهل" قال وهذه الرواية تبين المراد بباقي الروايات المطلقة وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه ولم يكن أهلا لسبه ولعنه بأن كان مسلما غير مرتكب لكبيرة ظاهرة وإلا فقد دعا ﷺ على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمة
ثم أثار النووي إشكالا أثاره العلماء من قبله وهو كيف يدعوا على من ليس هو بأهل للدعاء عليه وكيف يسب أو يلعن من ليس هو بأهل للسب واللعن
وأجاب بجوابين الأول أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك وهو ﷺ مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر
والثاني أن ما وقع من سبه ودعائه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بكلام لا يقصد كقولهم تربت يمينك
وقال عن الرواية الثامنة والتاسعة وفي هذا الحديث "لا كبرت سنك" وفي حديث معاوية "لا أشبع الله بطنه" ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ﷺ أن
стр. 5652
يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ولم يكن ﷺ فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه
ثم قال النووي وقد فهم مسلم ﵀ من حديث معاوية أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له
-[ويؤخذ فوق ذلك من حديث معاوية]-
١ - جواز ترك الصبيان يلعبون مما ليس بحرام
٢ - واعتماد الصبي فيما يرسل فيه من دعاء إنسان ونحوه من حمل هدية وطلب حاجة وأشباهه
٣ - وجواز إرسال صبي غيره ممن يدل عليه في مثل هذا وقد ورد الشرع بالمسامحة في مثل هذا للحاجة واطرد به العرف وعمل المسلمين
والله أعلم.
стр. 5653
(٧٠٧) باب ذم ذي الوجهين وتحريم فعله
٥٧٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
٥٧٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
٥٧٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "تجدون من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء ١٤٥] ويقول ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء ١٤٢] والنفاق في هذه الدنيا له صور كثيرة منها نفاق العقيدة يتظاهر صاحبه بالإسلام ويبطن الكفر ويشبهه من وجه من يرائي الناس بعبادته ليخدعهم فيحسبونه صالحا ويعاملونه على ذلك فيقعون في شرك جرائمه وهذا نفاق عمل ويشبهه الذي يتزلف للرؤساء المتخالفين فينقل لكل منهم ما عند الآخر ويمدح كلا في وجهه ويذم كلا من خلفه
وشر هؤلاء وهؤلاء من ينتظر تخاصما وتناحرا بين طائفتين مسلمتين فيزيد النار اشتعالا وينفخ فيها في كل من الجانبين يثير هؤلاء على هؤلاء ويهيج هؤلاء على هؤلاء بالكذب والزور والبهتان وإيقاع الفتنة ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ [البقرة ١٩١] لأن القتل يقطع حياة فرد أو أفراد قليلين والفتنة تقطع راحة الحياة للكثيرين
هؤلاء المنافقون بجميع صورهم شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة ولهم عذاب أليم
-[المباحث العربية]-
(إن من شر الناس ذا الوجهين) في الرواية الثانية "إن شر الناس ذو الوجهين" وفي
стр. 5654
الرواية الثالثة "تجدون من شر الناس ذا الوجهين" وفي البخاري "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين" قال الحافظ ابن حجر وهذه الألفاظ متقاربة والروايات التي فيها "شر الناس" محمولة على الرواية التي فيها "من شر الناس" ووصفه بكونه شر الناس أو من شر الناس مبالغة في ذلك وفي رواية "أشر الناس" بزيادة الألف وهي لغة في "شر الناس" يقال خير وأخير وشر وأشر ولكن الذي بالألف أقل استعمالا
والمراد من "الناس" من ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصة فإن كل طائفة منهما معادية للأخرى ظاهرا فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه الفريقين ليطلع على أسرارهم فهو شرهم كلهم ويحتمل أن يراد من "الناس" عموم الناس فيكون على سبيل المبالغة في الذم
(الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) الجملة تفسير لذي الوجهين وتعرف هذه الصورة عند البلاغيين بصورة التمام والمراد بالوجه الجانب والطريقة والكلام
وفسره النووي بأنه الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه هذا نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل للاطلاع على أسرار الطائفتين
وقال ابن عبد البر حمله على ظاهره جماعة وهو أولى وتأوله قوم على أن المراد به من يرائي بعمله فيرى الناس خشوعا واستكانة ويوهمهم أنه يخشى الله حتى يكرموه وهو في الباطن بخلاف ذلك
قال وهذا محتمل لو اقتصر في الحديث على صدره فإنه داخل حينئذ في مطلق ذي الوجهين لكن بقية الحديث ترد هذا التأويل وهي قوله "يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" ورواية ابن نمير "الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء" ترد التأويل المذكور صريحا
-[فقه الحديث]-
الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه قد يكون مصلحا يقول الخير لكل من الطائفتين فلا يكون من شر الناس
من هنا قال العلماء المذموم من يزين لكل طائفة عملها ويقبحه عند الأخرى ويذم كل طائفة عند الأخرى والمحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى وينقل ما أمكنه من الجميل ويستر القبيح
وقال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متخلق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس
والله أعلم.
стр. 5655
(٧٠٨) باب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه
٥٧٧١ - عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النبي ﷺ أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا وينمي خيرا" قال ابن شهاب ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.
٥٧٧٢ - وفي رواية عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله غير أن في حديث صالح وقالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب.
٥٧٧٣ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد إلى قوله "ونمى خيرا" ولم يذكر ما بعده.
-[المعنى العام]-
"إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" والله تعالى يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة ١١٩]
والكذب قبيح ونقيصة بالعقل وفي جميع الشرائع لا نقاش في ذلك ولكن النقاش في ظروف تحيط به أحيانا فتجعل منه ضرورة أو حاجة لجلب مصلحة أو حاجة لدفع مضرة فهل يبقى حكمه قبيحا محرما أو يباح بقدر الحاجة والضرورة والمصلحة ولقد رخص في الحديث بالكذب في ثلاثة مواطن في الإصلاح بين الناس يقول خيرا للفريقين وإن خالف الواقع وفي الحرب مع الأعداء يقول ما فيه مصلحة المسلمين وإن خالف الواقع وبين الزوجين حين يهدد الصدق الحياة الزوجية فهل هذا الترخيص مبيح للكذب أو في التعريض مندوحة عن الكذب نقاش بين العلماء نوضحه في فقه الحديث إن شاء الله وسيأتي بعد باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله
стр. 5656
-[المباحث العربية]-
(ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا وينمي خيرا) قال النووي معناه ليس الكذاب المذموم الذي يصلح بين الناس بل هذا محسن اهـ
وكان حق السياق أن يقول ليس من يصلح بين الناس كذابا مذموما فجاء على أسلوب القلب وهو سائغ
والكذب الإخبار بالشيء على غير ما هو عليه أو عدم مطابقة الخبر للواقع وصيغة المبالغة "كذاب" غير مقصودة بل تشمل الكاذب وإنما ذكرت لأن من هذه مهمته يكثر من الكذب غالبا
و"ينمي" بفتح الياء وكسر الميم أي يبلغ يقال نميت الحديث أنميه إذ بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بتشديد الميم كذا قال الجمهور وادعى الحربي أنه لا يقال إلا نميته بالتشديد ووقع في الموطأ "ينمي" بضم الياء
ورواية البخاري "فينمي خيرا أو يقول خيرا" بالشك من الراوي
(قال ابن شهاب ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث) هذه الزيادة مدرجة بين مسلم لمن هي وسيأتي معنى الترخيص ومداه في فقه الحديث
(الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) الأخيران خصلة واحدة وإلا كانت الخصال أربعا لا ثلاثا
-[فقه الحديث]-
قال الطبري ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح وقالوا إن الثلاث المذكورة كالمثال وأجازوا قول ما لم يكن في أمثال هذه المواضع للمصلحة وقالوا الكذب المذموم ما فيه مضرة فما لا مضرة فيه ولو لم يكن فيه مصلحة ليس من الكذب المذموم
وقال الغزالي الكذب من قبائح الذنوب وليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر ولذلك يؤذن فيه حيث يتعين طريقا للمصلحة وتعقب بأنه يلزم أن يكون الكذب مباحا إذا لم ينشأ عنه ضرر وليس كذلك ويجاب عن هذا التعقيب بأن المنع مما لا مصلحة فيه ولا ضرر إنما هو من قبيل سد الذرائع وحسم المادة والتحقيق أنه لا يباح منه إلا ما يترتب عليه مصلحة
وحجة الذين يبيحون الكذب للمصلحة هذا الحديث وقول إبراهيم ﵇ ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [الأنبياء ٦٣] و ﴿إني سقيم﴾ [الصافات ٨٩] و"هذه أختي" وقد سبقت في حديث "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات" وقول منادي يوسف ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾ [يوسف ٧٠]
стр. 5657
قالوا ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو فإذا وجب في مثل هذا جاز فيما هو مصلحة أقل درجة منها وبهذا جزم الخطابي وغيره وذهب آخرون منهم الطبري والمهلب والأصيلي وغيرهم إلى أنه لا يجوز الكذب في شيء أصلا وحملوا الكذب فيما ظاهره كذب مباح على التورية والتعريض كمن يقول للظالم دعوت لك بالأمس ويقصد قوله اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات ويعد امرأته بعطية شيء ويقصد إن شاء الله وأن يظهر من نفسه قوة للحرب
وحاصل التورية والتعريض أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه ولا يتعارض مع الواقع في عقيدة المتكلم وهذا يدخلنا في تحرير معنى الكذب هل هو في واقع الأمر بقطع النظر عن اعتقاد المتكلم أو اعتقاد المخاطب أو هو في اعتقاد المتكلم أو هو في اعتقاد المخاطب
فإذا أخبر الابن بأن أباه ليس في البيت معتقدا أنه ليس في البيت وكان الواقع أنه في البيت فهل ينفعه اعتقاده مع أن خبره غير مطابق للواقع وإذا أخبر بذلك معتقدا أنه في البيت ويقصد الكذب وتبين أنه ليس في البيت فهل يكون كذبا ويضره اعتقاده وإن طابق الخبر للواقع
التحقيق أن التورية والتعريض مع ما فيها من خداع نوع من الكذب على بعض الآراء ثم إنها غير ميسورة وغير مقنعة في كثير من الحالات وبخاصة إذا حاصر المخاطب المتكلم من جميع الجهات وألزمه بالتحديد والوضوح والتصريح
والأولى القول بإباحة الكذب للمصلحة
والله أعلم.
стр. 5658
(٧٠٩) باب تحريم النميمة
٥٧٧٤ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال إن محمدا ﷺ قال "ألا أنبئكم ما العضه هي النميمة القالة بين الناس" وإن محمدا ﷺ قال "إن الرجل يصدق حتى يكتب صديقا ويكذب حتى يكتب كذابا".
-[المعنى العام]-
يراجع شرح حديث "لا يدخل الجنة نمام" في كتاب الإيمان
-[المباحث العربية]-
(ألا أنبئكم ما العضه) قال النووي هذه اللفظة رووها على وجهين أحدهما بكسر العين وفتح الضاد آخرها تاء على وزن العدة والثاني بفتح العين وإسكان الضاد بعدها هاء على وزن الوجه قال وهذا الثاني هو الأشهر في روايات بلادنا والأشهر في كتب الحديث وكتب غريبه والأول أشهر في كتب اللغة وتقدير الحديث والله أعلم ألا أنبئكم ما العضه الفاحش الغليظ التحريم اهـ
وفي كتب اللغة العضيهة القذف بالباطل واختلاق الكذب والعضة بكسر العين وفتح الضاد مخففة بعدها تاء الكذب وفي القرآن الكريم ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ [الحجر ٩١] والمعنى ألا أنبئكم بالكذب الفاحش الغليظ التحريم
(هي النميمة القالة بين الناس) في كتب اللغة القالة بتخفيف اللام المفتوحة اسم للقول الفاشي بين الناس وقال عليه أي افترى والمعنى هنا العضه هي النميمة وهي الافتراء على الناس للإفساد
(وإن محمدا ﷺ قال إن الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقا ويكذب حتى يكتب كذابا) سيأتي الكلام عنه في الباب التالي وعلاقته هنا بالنميمة أن النمام كذاب وزيادة
-[فقه الحديث]-
مضى في كتاب الإيمان تحت باب تحريم النميمة حديث "لا يدخل الجنة نمام" وسبق شرحه بما لا مزيد عليه.
стр. 5659
(٧١٠) باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله
٥٧٧٥ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابا"
٥٧٧٦ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الصدق بر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن العبد ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب فجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب كذابا" قال ابن أبي شيبة في روايته عن النبي ﷺ .
٥٧٧٧ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".
٥٧٧٨ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد ولم يذكر في حديث عيسى "ويتحرى الصدق ويتحرى الكذب" وفي حديث ابن مسهر "حتى يكتبه الله"
-[المعنى العام]-
يراجع المعنى العام قبل باب واحد
-[المباحث العربية]-
(إن الصدق يهدي إلى البر) "البر" اسم جامع للخير كله وقيل البر الجنة قال النووي
стр. 5660
ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة اهـ ويبعد تفسير البر بالجنة قوله "وإن البر يهدي إلى الجنة" فإن الوسيلة غير الغاية
وفي الرواية الثانية "إن الصدق بر" فهو نوع من الخير وفي الرواية الثالثة "عليكم بالصدق" أي الزموا الصدق في كل أقوالكم
(وإن الرجل ليصدق) أي يتكرر صدقه في أخباره فالفعل المضارع "يصدق" يدل على التجدد والحدوث
(حتى يكتب صديقا) قال ابن بطال المراد أنه يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق وقال النووي معنى "يكتب" هنا يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم والمراد إظهار ذلك للمخلوقين إما بأن يكتبه في ذلك ليشتهر بخطه في الملأ الأعلى وإما بأن يلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم كما يوضع له القبول وإلا فقدر الله تعالى وكتابه السابق قد سبق بكل ذلك
وفي الرواية الثانية "حتى يكتب عند الله صديقا" وهي تؤيد معنى الكتابة في الملأ الأعلى
وفي الرواية الثانية والثالثة "يصدق ويتحرى الصدق" أي يقصده ويعتني به
(وإن الكذب يهدي إلى الفجور) قال الراغب أصل الفجر الشق فالفجور شق ستر الديانة ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر
(وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابا) في الرواية الثانية "وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب كذابا" وعند مالك "لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين"
قال الحافظ ابن حجر وقيد التحري مراد به القصد الصحيح وليس المراد أن الحمد والذم في الصدق والكذب مختص بمن يقصد إليهما فقط فالصدق عموما ممدوح والكذب عموما مذموم
(ملحوظة) ذكر أبو مسعود أن مسلما روى في هذا الحديث زيادة هي "إن شر الروايا روايا الكذب لأن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ولا يعد الرجل صبيه ثم يخلفه" والروايا جمع روية بتشديد الياء وهو ما يتروى فيه الإنسان قبل قوله أو فعله والمعنى إن شر ما يتروى فيه الإنسان أن يتروى في الكذب لئلا يكذب هازلا أو جادا
قال النووي هذه الزيادة ليست في متن الحديث في جميع نسخ البخاري ومسلم ببلادنا وغيرها وكذا قال القاضي عياض عن جميع النسخ وكذا نقله الحميدي وقال ليست عندنا في كتاب مسلم وقال الحافظ ابن حجر ولم أر شيئا من هذا في "الأطراف لأبي مسعود" ولا في "الجمع بين الصحيحين للحميدي" فلعلهما ذكراه في غير هذين الكتابين
-[فقه الحديث]-
مضى ما فيه الكفاية قبل باب واحد.
стр. 5661
(٧١١) باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب وخلق الإنسان خلقا لا يتمالك
٥٧٧٩ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ما تعدون الرقوب فيكم" قال قلنا الذي لا يولد له قال "ليس ذاك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا" قال "فما تعدون الصرعة فيكم" قال قلنا الذي لا يصرعه الرجال قال "ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب".
٥٧٨٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
٥٧٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "ليس الشديد بالصرعة" قالوا فالشديد أيم هو يا رسول الله قال "الذي يملك نفسه عند الغضب".
٥٧٨٢ - عن سليمان بن صرد ﵁ قال استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه قال رسول الله ﷺ "إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقال الرجل وهل ترى بي من جنون قال ابن العلاء فقال وهل ترى ولم يذكر الرجل.
стр. 5662
٥٧٨٣ - عن سليمان بن صرد ﵁ قال استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فنظر إليه النبي ﷺ فقال "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ فقال أتدري ما قال رسول الله ﷺ آنفا قال "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقال له الرجل أمجنونا تراني.
٥٧٨٤ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك".
-[المعنى العام]-
الغضب انفعال طبيعي في جبلة الإنسان وخلقته وكل ما يملكه الإنسان بشأنه أن يجتنب أسبابه وأن يتفادى إثارته كما يملك الإنسان القوي الحد من ثورته والتهدئة من فورانه والتوقف عن الاستجابة لحرارته وتحريك الجوارح واللسان في تياره واندفاعه وكلما ملك الإنسان نفسه عند الغضب كان أقوى الناس لأن أعدى عدو للإنسان نفسه وشيطانه فإذا غلبها فقد غلب أقوى أعدائه ومن هنا كانت وصية الرسول ﷺ للرجل الذي قال له أوصني يا رسول الله قال لا تغضب فردد السائل مرارا فردد رسول الله ﷺ قوله لا تغضب.
ولو تدبر العاقل ساعة غضبه ولو نظر إلى نفسه في المرآة لسخر من نفسه واستصغرها وتقزز من منظره ولتحول غضبه على من أثاره إلى غضبه على نفسه من قبح صورته وتحول خلقته يرى دمه ينقبض وينبسط فيصفر لونه ويحمر وتحمر عيناه وتنتفخ عروق رقبته ويرتعد ويرتعش ثم ينفلت زمام الحكمة في تصرفاته فينطلق لسانه بالشتم والسب وتمتد يده محاولة إلحاق الأذى بالخصم ويأتي أفعالا يستحي هو منها عندما يهدأ ويعجب من نفسه كيف أتاها ويندم أن فعلها وقد يهرب منه خصمه فلا يفرغ فيه شحنته فيفرغها في نفسه يضرب رأسه في الحائط أو يمزق ثوبه أو يلطم خده أو يكسر آنية أو يضرب من ليس له دخل في غضبه وقد يقع صريعا أو مغمى عليه وقد يتخلف عن ذلك كله حقد وبغضاء وعداوة وشهوة انتقام تستمر تدفعه طيلة حياته وعلاج
стр. 5663
الغضب ذكر الله وتغيير الوضع إن كان واقفا جلس وإن كان جالسا قام وترك مكان الغضب والشيطان علاجه في استحضار قوله تعالى ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ الله وأوامره ﴿فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف ٢٠١] وقوله تعالى ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت ٣٤ - ٣٦]
-[المباحث العربية]-
(ما تعدون الرقوب فيكم) بفتح الراء وتخفيف القاف وهو الذي لا يعيش له ولد يقال رقبه بفتح القاف يرقبه بضمها رقبا بسكونها مع فتح الراء ورقوبا بفتح الراء ورقابة أي انتظره وفي القرآن الكريم ﴿إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾ [طه ٩٤] وأطلق الرقوب على الذي لا يعيش له ولد أو الذي لا يولد له ولد لما أنه ينتظر الوفاة لولده أو الذي يأمل وينتظر الولد
(قلنا الذي لا يولد له) الموصول خبر مبتدأ محذوف أي الرقوب الذي لا يولد له
(قال ليس ذاك بالرقوب) النفي ليس مطلقا حتى لا يوصف من لا يولد له بالرقوب وإنما هو نفي الكمال والاستحقاق لإثبات الكمال والاستحقاق لغيره
(ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا) أي لم يمت له ولد لأنه الذي ينفعه نفعا حقيقيا
(قال فما تعدون الصرعة فيكم) بضم الصاد وفتح الراء والهاء للمبالغة في الصفة وهو الذي يصرع الناس كثيرا بقوته أي الغلاب في المصارعة والصرعة بضم الصاد وسكون الراء من يصرعه الناس كثيرا وكل ما جاء بهذا الوزن بفتح العين وسكونها فهو كذلك كهمزة ولمزة وحفظة وخدعة وضحكة يقال صرعه يصرعه صرعا طرحه على الأرض فهو مصروع وصريع قال ابن التين ضبطناه بفتح الراء وقرأه بعضهم بسكونها وليس بشيء لأنه عكس المطلوب ولذا جاء في الجواب
(قلنا الذي لا يصرعه الرجال) أي ويصرع هو الرجال
(قال ليس بذاك) أي ليس الغلاب في المصارعة الذي يصرع الرجال
(ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب) أي الجدير بهذا الوصف الذي يصرع نفسه الأمارة بالسوء ويصرع شيطانه المهيج للغضب قال النووي معنى الحديث إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون وهو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا بل هو من لم يمت أحد من أولاده في
стр. 5664
حياته فيحتسبه فيكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا وكذلك تعتقدون أن الصرعة الممدوح القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم وليس هو كذلك شرعا بل هو من يملك نفسه عند الغضب فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه بخلاف الأول اهـ
(ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وعند أحمد "الصرعة كل الصرعة كررها ثلاثا الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه فيصرع غضبه".
وفي الرواية الثالثة "قال ليس الشديد بالصرعة قالوا فالشديد أيم هو يا رسول الله" "أيم" أصلها "أي ما" و"ما" بمعنى شيء مضاف لأي حذف ألفها والمعنى أي شيء هو
(استب رجلان) قال الحافظ ابن حجر لم أعرف أسماءهما اهـ أي جريا على عادتهم في الستر على المسيئين
(فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه) جمع ودج بفتح الواو والدال ووداج بكسر الواو وهو عرق في العنق وهو الذي يقطعه الذابح فلا تبقى مع قطعه الحياة وللإنسان ودجان فالجمع على القول بأنه ما فوق الواحد وفي رواية للبخاري "فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير" وإنما كان هذا الوصف لأحدهما مع أن السب كان من الرجلين إما لأن الآخر كان أطول بالا أو كان أكثر إساءة وسبا والظاهر الأول لما سيأتي من رد الأحمق على النصيحة
(إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم") هذا من قبيل إطلاق الكلمة على الكلام وفي رواية "لو قال أعوذ بالله من الشيطان لذهب عنه الذي يجد" وفي رواية "إني لأعلم كلمة لو يقولها هذا الغضبان لذهب عنه الغضب اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم" وكان هذا عرضا من الرسول ﷺ ليقوم أحد الحاضرين من الصحابة بتبليغه
(فقال الرجل وهل ترى بي من جنون) معطوف على محذوف مطوي في هذه الرواية ذكر في الرواية الخامسة ولفظها "فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ فقال أتدري ما قال رسول الله ﷺ آنفا أي الساعة منذ قليل قال إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وفي رواية "فقالوا له" والذي خاطبه واحد منهم وهو معاذ بن جبل كما بينته رواية أبي داود وأسند القول لهم لموافقتهم إياه ولفظ أبي داود "فجعل معاذ يأمره فأبى وضحك وجعل يزداد غضبا" وفي رواية للبخاري "فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي ﷺ وقال تعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وليس في الخبر أنه أمرهم أن يأمروه بذلك لكن استفادوا ذلك من طريق عموم الأمر بالنصيحة للمسلمين
و"جنون" مفعول به مجرور بحرف الجر الزائد و"ترى" بفتح التاء بصرية وفي الرواية
стр. 5665
الخامسة "أمجنونا تراني" والاستفهام إنكاري بمعنى النفي وفي رواية للبخاري "أترى بي بأس" بضم التاء بمعنى أظن وبرفع "بأس" مبتدأ مؤخر والجار والمجرور خبر مقدم والجملة مفعول "ترى" وفي بعض الروايات "بأسا" بالنصب وهو أوجه زاد في الرواية هذه "أمجنون أنا اذهب" خطاب من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوذ أي امض في شغلك قال النووي هذا كلام من لم يتفقه في دين الله تعالى ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان ولهذا يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم ويورث الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب قيل كان من المنافقين وقيل كان من جفاة الأعراب اهـ وقال بعضهم أخلق به أن يكون كافرا
(لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه) وعند الترمذي والنسائي والبزار وصححه ابن حبان "إن الله خلق آدم من تراب فجعله طينا ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا أي منتنا خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار أي يابسا لم تصبه نار يسمع صوته عند النقر فإذا طبخ في النار صار فخارا كان إبليس يمر به فيقول لقد خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه ... "
(فجعل إبليس يطيف به) بضم الياء قال أهل اللغة طاف بالشيء يطوف طوفا وطوافا وأطافه به أي جعله يطوف كأن نفسه كانت تدفعه للطواف
(فلما رآه أجوف) الجوف من كل شيء الباطن والفراغ الذي يقبل أن يشغل ويملأ وعند البخاري "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا" وعند أحمد "كان طول آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا" ولنا أن نتخيل فراغ البطن والصدر لهذا الطول والعرض
(عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك) أي لا يملك نفسه ولا يحبسها عن الشهوات وقيل لا يمنع دفع الوسواس عنه وقيل لا يملك نفسه عند الغضب والمراد جنس بني آدم
وكان إبليس من أعلم الملائكة دارسا لحكمة الخلق وارتباط الأسباب بالمسببات فلما رأى في جسم آدم فراغا يمكن أن يملأه وبأن يجري فيه مجرى الدم وبأن يثير شهوة البطن والفرج وبأن ينفخ في الفراغات فيهيج الغرائز والانفعالات رأي أنه سيغويه وهو وذريته سيغوون ذرية آدم وأن إتيان إبليس وجنوده إلى بني آدم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم سيمكن الوسواس الخناس من السيطرة عليهم ولا تجد أكثرهم شاكرين وكان أكبر ميدان لهذا الإغواء ميدان الغضب الذي يفقد الإنسان السيطرة على نفسه
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث فوق ما سبق]-
١ - من الرواية الأولى فضل موت الأولاد والصبر عليهم
стр. 5666
٢ - ويتضمن الدلالة على مذهب من يقول بتفضيل التزوج لأنه وسيلة الأولاد النافعين عاشوا أو ماتوا قال النووي وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحابنا
٣ - وفيها فضيلة كظم الغيظ
٤ - وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمخادعة
٥ - ومن الترغيب في قول "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" في الرواية الرابعة والخامسة أن الغضب في غير الله تعالى من نزغ الشيطان
٦ - وأنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
٧ - وأن الاستعاذة سبب لزوال الغضب
٨ - وفي الأحاديث عظم مفسدة الغضب وما ينشأ عنه
٩ - وفي الرواية الأولى أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو لأنه ﷺ جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة
والله أعلم.
стр. 5667
(٧١٢) باب النهي عن ضرب الوجه
٥٧٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه".
٥٧٨٦ - وفي رواية عن أبي الزناد بهذا الإسناد وقال "إذا ضرب أحدكم".
٥٧٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه"
٥٧٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه"
٥٧٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ وفي حديث ابن حاتم عن النبي ﷺ قال "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته"
٥٧٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه"
-[المعنى العام]-
وجه الإنسان أكرم جزء فيه به المواجهة وبه أهم حواس الإنسان عيناه وأنفه وفمه وأذناه وبه يقاس الجمال فكان خليقا بأن يحترم وبأن يصان عن الأذى وبأن لا يصاب بالتشويه والتحقير إن الضرب في الوجه ولطمه ليس كالضرب في أي مكان آخر من الجسم فإهانته تفوق إهانة أماكن
стр. 5668
أخرى من الإنسان ومن آداب الشريعة عدم الفجور عند المخاصمة والمقاتلة وعدم النكاية وعدم التمثيل من هنا جاء النهي عن ضرب الوجه عند المخاصمة والمقاتلة والمضاربة ومثل ذلك عند تأديب الزوج لزوجه والأب لابنه والسيد لخادمه وعند إقامة الحدود فلا يجلد الوجه إذا جلد الرجل وإذا كان القصد من النهي عن ضرب الوجه حمايته من التحقير كان تحقيره بغير الضرب منهيا عنه كذلك فلا يبصق عليه ولا يلطخ بالقاذورات والله أعلم
-[المباحث العربية]-
(إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه) وفي ملحق الرواية "إذا ضرب أحدكم" وفي الرواية الثانية "إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه" وفي الرواية الثالثة "إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه" زاد في الرواية الرابعة "فإن الله خلق آدم على صورته" وعند البخاري في الآدب المفرد "إذا ضرب أحدكم خادمه ... "
و"قاتل" الواردة في بعض الروايات بمعنى ضرب فالمفاعلة ليست على ظاهرها قال الحافظ ابن حجر ويحتمل أن تكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصائل مثلا فينهى دافعه عن قصد الضرب في الوجه قال النووي قال العلماء إنما نهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه الأعضاء كلها أو بعضها والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها اهـ
لكن الرواية الرابعة تعلل بتعليل آخر فهي تقول
(فإن الله خلق آدم على صورته) واختلف العلماء في مرجع الضمير وعلى من يعود والأكثرون على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه والمعنى أكرموا الوجه وابتعدوا عن تشويهه فإن آدم خلق على صورة هذا الوجه وهي صورة حسنة خلقها الله فلا يليق تحقيرها ولطمها وبهذا التأويل ترتبط الجملة بما قبلها
وقالت طائفة الضمير يعود إلى آدم أي خلق آدم على صفة آدم أي خلقه موصوفا بالحسن والجمال قال الحافظ ابن حجر وهذا محتمل وقال النووي وفيه ضعف
وقال القرطبي أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" اهـ قال الحافظ وأخرجها ابن أبي عاصم بلفظ يرد التأويل الأول قال "من قاتل فليتجنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن فتقرر إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه وسيأتي في فقه الحديث مزيد لهذه المسألة
стр. 5669
-[فقه الحديث]-
قال النووي قال العلماء هذا تصريح بالنهي عن ضرب الوجه اهـ
ولم يذكر النووي حكمه قال الحافظ ابن حجر وظاهره التحريم اهـ
قال النووي ويدخل في النهي إذا ضرب زوجته أو ولده أو عبده ضرب تأديب
وقال الحافظ ابن حجر ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب وقد وقع عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت فأمر النبي ﷺ برجمها وقال "ارموا واتقوا الوجه" وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى
أما عن جملة "فإن الله خلق آدم على صورته" فقد أنكر المازري ومن تبعه هذه الزيادة قال الحافظ ابن حجر الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات
وقال النووي هي من أحاديث الصفات ومن العلماء من يمسك عن تأويلها ويقول نؤمن بأنها حق وأن ظاهرها غير مراد ولها معنى يليق بالباري وهذا مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم
وقد أجراه ابن قتيبة على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهاجمه المازري بعنف وقال هذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا قال وهذا كقول المجسمة جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة يقولون الباري شيء لا كالأشياء قال والفرق أن لفظ "شيء" لا يفيد الحدوث ولا يتضمن ما يقتضيه وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب وذلك دليل الحدوث
وبسط هذه القضية في كتب العقائد
والله أعلم.
стр. 5670
(٧١٣) باب الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق
٥٧٩١ - عن هشام بن حكيم بن حزام ﵁ قال مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رءوسهم الزيت فقال ما هذا قيل يعذبون في الخراج فقال أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا"
٥٧٩٢ - عن هشام ﵁ عن أبيه قال مر هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس فقال ما شأنهم قالوا حبسوا في الجزية فقال هشام أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"
٥٧٩٣ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد وزاد في حديث جرير قال وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين فدخل عليه فحدثه فأمر بهم فخلوا
٥٧٩٤ - عن عروة بن الزبير أن هشام بن حكيم وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية فقال ما هذا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"
-[المعنى العام]-
تعذيب الناس بغير حق طغيان وتجبر وصفة لكل عتل غليظ نسى أن فوقه القوي العزيز
وفي المثل إذا حدثتك نفسك بقدرتك على الآخرين فاذكر قدرة الله عليك نعم إن العقاب والجزاء الدنيوي تعذيب ولكنه تعذيب بحق ومشروع إذا كان مناسبا للجريمة شرعا أما إذا زاد عليها أو انحرف في نوعها عما رسمه الدين كان غير حق وكان ظلما يعذب الله صاحبه عليه في الدنيا والآخرة
لقد رأى هشام بن حكيم الصحابي الجليل في حمص بالشام رجالا ربطوا بقيود في الشمس الحارقة وقد غمرت رءوسهم بالزيت ليغلي من حرارة الشمس فتحترق رءوسهم وهذا نوع من
стр. 5671
التعذيب لم تعرفه الشريعة الإسلامية فسأل عنهم فقيل له إنهم لم يدفعوا الجزية فقال إن رسول الله ﷺ قال "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس" وذهب إلى الأمير الذي أمر بذلك فوعظه فخلى سبيلهم من الشمس وطبق عليهم قانون الشريعة ﴿فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة ٢٨٠]
-[المباحث العربية]-
(عن هشام بن حكيم بن حزام قال مر بالشام على أناس) كان الأصل أن يقول مررت ولكنه إن كانت الرواية باللفظ جرد من نفسه شخصا يتحدث عنه ويحتمل أن يكون فاعل "قال" عروة الراوي عن هشام ويصبح التركيب عن عروة [ناقلا عن هشام] قال مر هشام إلخ
وفي الرواية الثانية "على أناس من الأنباط بالشام" والأنباط فلاحو العجم جمع نبط بفتح النون وسكون الباء والمراد من الشام حمص كما هو صريح الرواية الثالثة
(وقد أقيموا في الشمس وصب على رءوسهم الزيت) ليغلي الزيت بحرارة الشمس فتزداد حرارة رءوسهم
(فقال ما هذا قيل يعذبون في الخراج) أي لعدم دفعهم الخراج والجزية وفي الرواية الثانية "فقال ما شأنهم قالوا حبسوا في الجزية" وفي الرواية الثالثة "وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية فقال ما هذا" "يشمس" بضم الياء وفتح الشين وكسر الميم المشددة أي يوقفهم ويحبسهم في حرارة الشمس وقوله "وهو على حمص" أي هذا الرجل له ولاية على حمص رئيس المدينة أو قائد شرطة أما عمير بن سعد فكان الأمير على فلسطين كلها وهو الآمر بحبس الناس على ما يظهر وكان مقيما في "حمص" كما هو ظاهر من ملحق الرواية الثانية ولفظها "وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين" قال النووي "فلسطين" بكسر الفاء وفتح اللام وهي بلاد بيت المقدس وما حولها
قال النووي "عمير بن سعد" هكذا هو في معظم النسخ بالتصغير وهو ابن سعد بإسكان العين من غير ياء وفي بعضها "عمير بن سعيد" بكسر العين وزيادة ياء قال القاضي الأول هو الموجود لأكثر شيوخنا وفي أكثر النسخ وأكثر الروايات وهو الصواب وهو عمير بن سعد بن عمير الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف ولاه عمر بن الخطاب ﵁ على حمص وجده أبو زيد الأنصاري أحد الذين جمعوا القرآن
(فقال أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا) في الرواية الثانية "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا" أي يعذبهم في الآخرة أو في الدنيا والآخرة والظاهر أن هشاما ذكر الحديث للحارس وللناس حوله
стр. 5672
كما هو ظاهر الرواية الأولى والثانية والثالثة ثم ذكره لعمير بعد أن دخل عليه كما هو ظاهر من ملحق الرواية الثانية
(فأمر بهم فخلوا) الآمر عمير بن سعد قال النووي ضبطوه بالخاء وبالحاء وبالخاء أشهر وأحسن
-[فقه الحديث]-
يؤخذ منه الوعيد الشديد لمن يعذب الناس والمقصود تعذيبهم من غير حق فلا يدخل فيه التعذيب بحق القصاص والحدود والتعزيزات ونحو ذلك
وفي صنيع هشام منقبة له وغيرته على شريعة الإسلام قولا وعملا
وأمره الولاة وغيرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
وفيه استجابة الولاة لنصيحة العلماء وسرعة تنفيذهم لها
والله أعلم.
стр. 5673
(٧١٤) باب أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها والنهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم
٥٧٩٥ - عن جابر ﵁ قال مر رجل في المسجد بسهام فقال له رسول الله ﷺ "أمسك بنصالها"
٥٧٩٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلا مر بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها فأمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلما"
٥٧٩٧ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أمر رجلا كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها وقال ابن رمح كان يصدق بالنبل
٥٧٩٨ - عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها" قال فقال أبو موسى والله ما متنا حتى سددناها بعضنا في وجوه بعض.
٥٧٩٩ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء" أو قال "ليقبض على نصالها"
٥٨٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال أبو القاسم ﷺ "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه"
стр. 5674
٥٨٠١ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار"
-[المعنى العام]-
من باب سد الذرائع ومن باب منع المقدمات خشية النتائج ومن منطلق الباب الذي يأتيك منه الريح سده واسترح ومن باب أن الشيطان قد يزين من المقدمات المباحة أفعالا غير مباحة وقد يستغل لعبا وعبثا فيولد منهما نكدا وضررا نهى الشارع الحكيم أن لا يحمل الإنسان سلاحا ويمر به على جمع وهو مكشوف صالح لأن يمس المارة فيحدث فيهم إصابة من غير قصد فأمر ﷺ من حمل سهاما ومر بها على جماعة في مسجد أو سوق أن يمسك بحديدتها وسنها أو أن يضعها في جراب أو صندوق خشية أن يصيب أحد المسلمين بها وهو يمر بجواره
ولما كان المسلم الآمن قد يرتاع وينزعج ويخاف من قرب السلاح منه مخافة أن يصيبه عبثا أو لعبا حذر ﷺ من أن يشير المسلم بسلاحه على أخيه وأوعد من فعل ذلك أن تلعنه الملائكة حتى يغمد سلاحه ويؤمن أخاه فالأمن بين المتعاملين من أهم أسس الحياة ولذلك جاء في الصحيح "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه" أي أذاه وشره
-[المباحث العربية]-
(مر رجل في المسجد بسهام فقال له رسول الله ﷺ أمسك بنصالها) السهم عود من الخشب يسوي يوضع في طرفه حديدة مدببة تسمى النصل وتحدد كالسكين ويرمي به عن القوس فمعنى "مر بسهام" أي ذات نصال وفي الرواية الثانية "أن رجلا مر بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها فأمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلما"
وفي الرواية الثالثة "عن رسول الله ﷺ أنه أمر رجلا كان يتصدق بالنبل في المسجد ألا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها" وفي الرواية الرابعة "إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها" والنبل بفتح النون وسكون الباء السهام ولا واحد له من لفظه وهي مؤنثة وجمعه نبال بكسر النون وأنبال ولا تعارض بين أمره ﷺ الرجل وبين أمره للمسلمين فهو محمول على أنه أمر المخطئ بتفادي الخطأ وحذر المسلمين من فعل مثله والمراد من ذكر المسجد والسوق التنبيه على كل مجتمع للمسلمين وفي الرواية الخامسة "إذا مر أحدكم في مسجدنا أو سوقنا" أي في مسجد المسلمين أو سوقهم "ومعه نبل فليمسك على
стр. 5675
نصالها بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين" أي خشية أن يصيب أحدا من المسلمين "منها بشيء" أو قال "ليقبض على نصالها"
(قال أبو موسى والله ما متنا حتى سددناها بعضنا في وجوه بعض) يشير إلى موقعة الجمل وصفين وأن المسلمين الذين خيف عليهم أن تمسهم النصال مسا خفيفا على طريق الخطأ طعن بها بعضهم بعضا على طريق التعمد والقتال فقتل بها بعضهم بعضا
(من أشار إلى أخيه بحديدة) أي بسلاح بسكين أو سيف أو رمح أو نبل أو بندقية أو نحو ذلك وفي الرواية السابعة "لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح" والمقصود مطلق الإشارة جدا أو هزلا
(فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه) أي مادام مشيرا به حتى يدع السلاح من يده فلا يشير به على أخيه ولعن الملائكة عليه دعاء عليه بالحرمان من الرحمة
وفي الرواية السابعة بيان علة النهي وحكمته ولفظها "فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار" قال النووي هكذا هو في جميع النسخ "لا يشير" بالياء بعد الشين وهو صحيح وهو نهي بلفظ الخبر وهو أبلغ من النهي الصريح لأنه يفيد أن المنهي عنه قد اجتنب وأصبح يخبر عنه بالنفي
ثم قال قوله "لعل الشيطان ينزع" ضبطناه بالعين وكذا نقله القاضي عن جميع روايات مسلم وهكذا هو في نسخ بلادنا ومعناه يرمي في يده ويحقق ضربته ورميته وروى في غير مسلم بالغين وهو بمعنى الإغراء أي يحمل على تحقيق الضرب به ويزين ذلك اهـ
(وإن كان أخاه لأبيه وأمه) هذه الجملة مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم فيه يعني وإن كان هازلا ولم يقصد ضربه كنى بالأخ عن هذا المعنى لأنه الأخ الشقيق لا يقصد قتل أخيه غالبا
-[فقه الحديث]-
١ - في الروايات الأولى هذا الأدب وهو الإمساك بنصالها عند إرادة المرور بين الناس في مسجد أو سوق أو غيرها وفيها اجتناب كل ما يخاف منه الضرر
٢ - وفي الرواية السادسة والسابعة النهي الشديد عن ترويع المسلم وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه
٣ - وأن ترويع المسلم حرام بكل حال وفيهما تأكيد حرمة المسلم وجواز المرور في المسجد وأن الشيطان قد يهيئ للمسلم ويزين له ما لم يكن يقصد فيوقعه في الشر وللحديث علاقة بحديث "من حمل علينا السلاح فليس منها" وقد سبق شرحه في كتاب الإيمان.
следующие страницы →