Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
التعذيب لم تعرفه الشريعة الإسلامية فسأل عنهم فقيل له إنهم لم يدفعوا الجزية فقال إن رسول الله ﷺ قال "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس" وذهب إلى الأمير الذي أمر بذلك فوعظه فخلى سبيلهم من الشمس وطبق عليهم قانون الشريعة ﴿فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة ٢٨٠]
-[المباحث العربية]-
(عن هشام بن حكيم بن حزام قال مر بالشام على أناس) كان الأصل أن يقول مررت ولكنه إن كانت الرواية باللفظ جرد من نفسه شخصا يتحدث عنه ويحتمل أن يكون فاعل "قال" عروة الراوي عن هشام ويصبح التركيب عن عروة [ناقلا عن هشام] قال مر هشام إلخ
وفي الرواية الثانية "على أناس من الأنباط بالشام" والأنباط فلاحو العجم جمع نبط بفتح النون وسكون الباء والمراد من الشام حمص كما هو صريح الرواية الثالثة
(وقد أقيموا في الشمس وصب على رءوسهم الزيت) ليغلي الزيت بحرارة الشمس فتزداد حرارة رءوسهم
(فقال ما هذا قيل يعذبون في الخراج) أي لعدم دفعهم الخراج والجزية وفي الرواية الثانية "فقال ما شأنهم قالوا حبسوا في الجزية" وفي الرواية الثالثة "وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية فقال ما هذا" "يشمس" بضم الياء وفتح الشين وكسر الميم المشددة أي يوقفهم ويحبسهم في حرارة الشمس وقوله "وهو على حمص" أي هذا الرجل له ولاية على حمص رئيس المدينة أو قائد شرطة أما عمير بن سعد فكان الأمير على فلسطين كلها وهو الآمر بحبس الناس على ما يظهر وكان مقيما في "حمص" كما هو ظاهر من ملحق الرواية الثانية ولفظها "وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين" قال النووي "فلسطين" بكسر الفاء وفتح اللام وهي بلاد بيت المقدس وما حولها
قال النووي "عمير بن سعد" هكذا هو في معظم النسخ بالتصغير وهو ابن سعد بإسكان العين من غير ياء وفي بعضها "عمير بن سعيد" بكسر العين وزيادة ياء قال القاضي الأول هو الموجود لأكثر شيوخنا وفي أكثر النسخ وأكثر الروايات وهو الصواب وهو عمير بن سعد بن عمير الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف ولاه عمر بن الخطاب ﵁ على حمص وجده أبو زيد الأنصاري أحد الذين جمعوا القرآن
(فقال أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا) في الرواية الثانية "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا" أي يعذبهم في الآخرة أو في الدنيا والآخرة والظاهر أن هشاما ذكر الحديث للحارس وللناس حوله
стр. 5672
كما هو ظاهر الرواية الأولى والثانية والثالثة ثم ذكره لعمير بعد أن دخل عليه كما هو ظاهر من ملحق الرواية الثانية
(فأمر بهم فخلوا) الآمر عمير بن سعد قال النووي ضبطوه بالخاء وبالحاء وبالخاء أشهر وأحسن
-[فقه الحديث]-
يؤخذ منه الوعيد الشديد لمن يعذب الناس والمقصود تعذيبهم من غير حق فلا يدخل فيه التعذيب بحق القصاص والحدود والتعزيزات ونحو ذلك
وفي صنيع هشام منقبة له وغيرته على شريعة الإسلام قولا وعملا
وأمره الولاة وغيرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
وفيه استجابة الولاة لنصيحة العلماء وسرعة تنفيذهم لها
والله أعلم.
стр. 5673
(٧١٤) باب أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها والنهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم
٥٧٩٥ - عن جابر ﵁ قال مر رجل في المسجد بسهام فقال له رسول الله ﷺ "أمسك بنصالها"
٥٧٩٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلا مر بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها فأمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلما"
٥٧٩٧ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أمر رجلا كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها وقال ابن رمح كان يصدق بالنبل
٥٧٩٨ - عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها" قال فقال أبو موسى والله ما متنا حتى سددناها بعضنا في وجوه بعض.
٥٧٩٩ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء" أو قال "ليقبض على نصالها"
٥٨٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال أبو القاسم ﷺ "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه"
стр. 5674
٥٨٠١ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار"
-[المعنى العام]-
من باب سد الذرائع ومن باب منع المقدمات خشية النتائج ومن منطلق الباب الذي يأتيك منه الريح سده واسترح ومن باب أن الشيطان قد يزين من المقدمات المباحة أفعالا غير مباحة وقد يستغل لعبا وعبثا فيولد منهما نكدا وضررا نهى الشارع الحكيم أن لا يحمل الإنسان سلاحا ويمر به على جمع وهو مكشوف صالح لأن يمس المارة فيحدث فيهم إصابة من غير قصد فأمر ﷺ من حمل سهاما ومر بها على جماعة في مسجد أو سوق أن يمسك بحديدتها وسنها أو أن يضعها في جراب أو صندوق خشية أن يصيب أحد المسلمين بها وهو يمر بجواره
ولما كان المسلم الآمن قد يرتاع وينزعج ويخاف من قرب السلاح منه مخافة أن يصيبه عبثا أو لعبا حذر ﷺ من أن يشير المسلم بسلاحه على أخيه وأوعد من فعل ذلك أن تلعنه الملائكة حتى يغمد سلاحه ويؤمن أخاه فالأمن بين المتعاملين من أهم أسس الحياة ولذلك جاء في الصحيح "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه" أي أذاه وشره
-[المباحث العربية]-
(مر رجل في المسجد بسهام فقال له رسول الله ﷺ أمسك بنصالها) السهم عود من الخشب يسوي يوضع في طرفه حديدة مدببة تسمى النصل وتحدد كالسكين ويرمي به عن القوس فمعنى "مر بسهام" أي ذات نصال وفي الرواية الثانية "أن رجلا مر بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها فأمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلما"
وفي الرواية الثالثة "عن رسول الله ﷺ أنه أمر رجلا كان يتصدق بالنبل في المسجد ألا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها" وفي الرواية الرابعة "إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها" والنبل بفتح النون وسكون الباء السهام ولا واحد له من لفظه وهي مؤنثة وجمعه نبال بكسر النون وأنبال ولا تعارض بين أمره ﷺ الرجل وبين أمره للمسلمين فهو محمول على أنه أمر المخطئ بتفادي الخطأ وحذر المسلمين من فعل مثله والمراد من ذكر المسجد والسوق التنبيه على كل مجتمع للمسلمين وفي الرواية الخامسة "إذا مر أحدكم في مسجدنا أو سوقنا" أي في مسجد المسلمين أو سوقهم "ومعه نبل فليمسك على
стр. 5675
نصالها بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين" أي خشية أن يصيب أحدا من المسلمين "منها بشيء" أو قال "ليقبض على نصالها"
(قال أبو موسى والله ما متنا حتى سددناها بعضنا في وجوه بعض) يشير إلى موقعة الجمل وصفين وأن المسلمين الذين خيف عليهم أن تمسهم النصال مسا خفيفا على طريق الخطأ طعن بها بعضهم بعضا على طريق التعمد والقتال فقتل بها بعضهم بعضا
(من أشار إلى أخيه بحديدة) أي بسلاح بسكين أو سيف أو رمح أو نبل أو بندقية أو نحو ذلك وفي الرواية السابعة "لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح" والمقصود مطلق الإشارة جدا أو هزلا
(فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه) أي مادام مشيرا به حتى يدع السلاح من يده فلا يشير به على أخيه ولعن الملائكة عليه دعاء عليه بالحرمان من الرحمة
وفي الرواية السابعة بيان علة النهي وحكمته ولفظها "فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار" قال النووي هكذا هو في جميع النسخ "لا يشير" بالياء بعد الشين وهو صحيح وهو نهي بلفظ الخبر وهو أبلغ من النهي الصريح لأنه يفيد أن المنهي عنه قد اجتنب وأصبح يخبر عنه بالنفي
ثم قال قوله "لعل الشيطان ينزع" ضبطناه بالعين وكذا نقله القاضي عن جميع روايات مسلم وهكذا هو في نسخ بلادنا ومعناه يرمي في يده ويحقق ضربته ورميته وروى في غير مسلم بالغين وهو بمعنى الإغراء أي يحمل على تحقيق الضرب به ويزين ذلك اهـ
(وإن كان أخاه لأبيه وأمه) هذه الجملة مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم فيه يعني وإن كان هازلا ولم يقصد ضربه كنى بالأخ عن هذا المعنى لأنه الأخ الشقيق لا يقصد قتل أخيه غالبا
-[فقه الحديث]-
١ - في الروايات الأولى هذا الأدب وهو الإمساك بنصالها عند إرادة المرور بين الناس في مسجد أو سوق أو غيرها وفيها اجتناب كل ما يخاف منه الضرر
٢ - وفي الرواية السادسة والسابعة النهي الشديد عن ترويع المسلم وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه
٣ - وأن ترويع المسلم حرام بكل حال وفيهما تأكيد حرمة المسلم وجواز المرور في المسجد وأن الشيطان قد يهيئ للمسلم ويزين له ما لم يكن يقصد فيوقعه في الشر وللحديث علاقة بحديث "من حمل علينا السلاح فليس منها" وقد سبق شرحه في كتاب الإيمان.
стр. 5676
(٧١٥) باب فضل إزالة الأذى عن الطريق
٥٨٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له"
٥٨٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة"
٥٨٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس"
٥٨٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن شجرة كانت تؤذي المسلمين فجاء رجل فقطعها فدخل الجنة"
٥٨٠٦ - عن أبي برزة ﵁ قال قلت يا نبي الله علمني شيئا أنتفع به قال "اعزل الأذى عن طريق المسلمين"
٥٨٠٧ - عن أبي برزة ﵁ قال قلت لرسول الله ﷺ يا رسول الله إني لا أدري لعسى أن تمضي وأبقى بعدك فزودني شيئا ينفعني الله به فقال رسول الله ﷺ "افعل كذا افعل كذا (أبو بكر نسيه) وأمر الأذى عن الطريق".
-[المعنى العام]-
يقول ﷺ "كل سلامي من الناس" أي كل عظم وكل أنملة من الناس "عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين صدقة ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة ويميط الأذى عن الطريق صدقة"
стр. 5677
نعم إماطة الأذى عن طريق المسلمين صدقة لأنه تسبب في سلامة من يمر به من الأذى فكأنه تصدق على من يمر بحمايته وإبعاد الأذى عنه فحصل له أجر الصدقة
إن المجتمع المسلم كالبدن الواحد إذا أوذي عينه أوذي كله وإذا شكا رأسه شكا كله وحماية أجزائه حماية له ورب عمل نحسبه هينا وهو عند الله عظيم ورب عمل نراه عملا دنيويا وهو عند الله عمل أخروي كبير نظافة طريق المسلمين وإزالة الأذى عنه والعمل على تأمين السالكين فيه وتهيئته لراحتهم وسلامتهم عمل لا يكلف من الجهد إلا قليلا ولا يكلف من المال كثيرا ولا قليلا ولكنه يدل على إحساس مرهف بالآخرين وعلى تحمل المسئولية الاجتماعية وعلى أنك تحب لأخيك ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك وأنك تتعاون مع من تعرف ومن لا تعرف على البر والتقوى لقد أخبر ﷺ أن رجلا لم يقدم من الخير والمعروف شيئا لكنه نحى غصن شوك من طريق المسلمين فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة وإذا كانت إزالة الأذى عن طريق المسلمين فضيلة كبيرة كما ذكرنا كان نقيضها وهو وضع العقبات والأذى في طريق المسلمين وتعريضهم للأخطار رذيلة كبيرة وإذا كانت إماطة الأذى عن طريق المسلمين تدخل الجنة كان وضع القاذورات والحفر في طريقهم يدخل النار جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب
-[المباحث العربية]-
(بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق) "بينما" هي "بين" الظرفية زيدت عليها "ما" وهو خافض لشرطه منصوب بجوابه والتقدير وجد رجل غصن شوك حين مشيه بطريق وفي الرواية الثانية "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق" أي على صلبه ووسطه لا في طرفه وحاشيته وكانت الشجرة شجرة شوك فلا تعارض لكن الرواية الثالثة والرابعة تفيدان أن الغصن لم يكن مقطوعا وملقى في الطريق بل كان ممتدا في الطريق من شجرة في حاشيته ولفظ الرواية الثالثة "لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس" ومعنى "يتقلب في الجنة" أي يتنعم ويتمتع بملاذها والظاهر أن الرؤيا منامية و"في" في قوله "في شجرة" للسببية وفي الكلام مضاف محذوف أي في غصن شجرة ولفظ الرواية الرابعة "إن شجرة كانت تؤذي المسلمين فجاء رجل فقطعها فدخل الجنة" والفاء في "فدخل الجنة" للسببية
(فأخره) وأبعده عن قارعة الطريق وفي الرواية الثانية "فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم" أي لئلا يؤذيهم أي ففعل ونحاه ويمكن أن يكونا رجلين أحدهما نحى غصنا مقطوعا ملقى في الطريق والآخر قطع شجرة أو فرعها ودخل كل منهما الجنة بسبب إماطة الأذى عن طريق المسلمين
стр. 5678
(فشكر الله له فغفر له) أي رضي عنه فغفر له ذنوبه فأدخله الجنة فهو يتقلب في نعيمها
(قلت يا نبي الله علمني شيئا أنتفع به) أي أعمله من بعدك فينفعني عند الله وفي الرواية السادسة "إني لا أدري لعسى أن تمضي وأبقى بعدك فزودني شيئا ينفعني الله به"
(فقال رسول الله ﷺ افعل كذا افعل كذا أبو بكر نسيه) أي أمر ﷺ أبا برزة بخصلتين ذكرهما أبو برزة لأبي الوازع الراسبي وذكرهما أبو الوازع الراسبي لأبي بكر بن شعيب بن الحبحاب ونسيهما أبو بكر حين حدث يحيى بن يحيى والغريب أن أبا الوازع حدث بهذا الحديث أبان بن صمعة ولم يرد شيء في حديثهما عن الخصلتين في الرواية الخامسة
(وأمر الأذى عن الطريق) قال النووي هكذا هو في معظم النسخ وكذا نقله القاضي عن عامة الرواة بالراء المشددة وفتح الهمزة وكسر الميم ومعناه أزله وفي بعضها "وأمز" بزاي مخففة ساكنة وميم مكسورة وهي بمعنى الأول اهـ يقال أمر الشيء جعله يمر ويتحول وفعل الأمر منه "أمر" ويقال ماز الشيء يميزه ميزا نحاه وأزاله
-[فقه الحديث]-
مضى في كتاب الإيمان "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فإزالة الأذى عن طريق المسلمين شعبة من شعب الإيمان قال النووي هذه الأحاديث ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق سواء كان الأذى شجرة تؤذي أو غصن شوك أو حجرا يعثر به أو قذرا أو جيفة أو غير ذلك قال وفيه التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضررا اهـ
وفي الحديث مسئولية الفرد نحو المجتمع فإن إماطة الأذى رمز للتعاون والتكافل الاجتماعي ودفع الضرر عن أفراده وحمايتهم من الوقوع في الخطر والضرر
وفي الرواية الخامسة والسادسة حرص الصحابة على الاستزادة من علم الشريعة للعمل به
والله أعلم
стр. 5679
(٧١٦) باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي
٥٨٠٨ - عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".
٥٨٠٩ - عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "عذبت امرأة في هرة أوثقتها فلم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".
٥٨١٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "دخلت امرأة النار من جراء هرة لها أو هر ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها ترمرم من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا".
-[المعنى العام]-
في الصحيح أن النبي ﷺ صلى بالناس صلاة الكسوف حين انخسفت الشمس عقب موت ابنه إبراهيم ﵇ فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب يا رسول الله شيئا صنعته لم تكن تصنعه رأيناك تكعكعت أي تأخرت قال لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع عرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تسيح في الأرض فتأكل من هوامها ومن سواقط ما عليها فاحذروا أن تقعوا فيما وقعت فيه المرأة وقوموا بالإطعام والسقي والإحسان إلى ما تحت أيديكم من الحيوان فلكم في سقي كل ذي كبد رطبة أجر وعليكم في تعذيب أو إهمال ما تحت أيديكم من الحيوان وزر وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وأن الله ليعذب من يعذب مخلوقاته
وعلى أولياء الأمور تقع مسئولية عبث الأطفال بالهرر والطيور ونحوهما من الحيوانات الأليفة وإيذائها بالضرب أو بالحبس أو بالتجويع أو بالمثلة والتعذيب
стр. 5680
-[المباحث العربية]-
(عذبت امراة في هرة) المراد من التعذيب هنا دخولها النار في الآخرة فالفعل الماضي يراد به المستقبل والأصل تعذب امرأة بالنار يوم القيامة وعبر بالماضي لتحقق الوقوع والرجل في ذلك كالمرأة وذكر المرأة لما أنها غالبا هي التي تتولى هذا الأمر وقد وقعت الحادثة من المرأة وهي التي توعدها الحديث ومثلها ممن يفعل فعلها معرض لما تعرضت له وقد جاء في رواية أنها حميرية وفي رواية أنها من بني إسرائيل قال الحافظ ابن حجر ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى
و"في" في قوله "في هرة" للسببية أي بسبب هرة وفي الرواية الثالثة "من جراء هرة" أي من أجلها و"جراء" بالمد والقصر يقال من جرائك ومن جراك وجريرك وأجلك والهرة أنثى السنور معروفة ويقال للذكر "هر" وجمعه "هررة" كقرد وقردة وتجمع الهرة على هرر كقربة وقرب وفي الرواية الثالثة "هرة لها أو هر"
(سجنتها حتى ماتت) في الرواية الثانية "أوثقتها" وفي الرواية الثالثة "ربطتها" فيحتمل أنها ربطتها برباط ثم أغلقت عليها مكانها ليظهر بذلك تعمد الجريمة وتنوع ألوان التعذيب
(لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) وتشرب من مياهها المنتشرة وخشاش الأرض بفتح الخاء وضمها وكسرها هوامها وحشراتها من فأرة ونحوها وحكى النووي أنه روى بالحاء والمراد نبات الأرض قال وهو ضعيف أو غلط وفي الرواية الثالثة "فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها ترمرم من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا" قال النووي "ترمم" هكذا هو في أكثر النسخ "ترمرم" بضم التاء وفتح الراء الأولى وكسر الثانية بينهما ميم ساكنة وفي بعضها "ترمرم" بضم التاء وفتح الراء وكسر الميم الأولى مشددة أي تتناول بشفتيها اهـ يقال ترمم العظم تعرقه ورمت الشاة الحشيش أخذته بشفتيها والرمام بفتح الراء والميم المشددتين القشاش الذي يقش أرذل الطعام وما سقط منه ليأكله ولا يتوقى قذره ويقال رمرم الرجل إذا أكل ما سقط من الطعام ولم يتوق قذره و"هزلا" بفتح الهاء وسكون الزاي أي ضعفا وإعياء يقال هزل بفتح الزاي يهزل بضمها إذا ضعف وغث فهو هازل وهزيل
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث أن المرأة عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس قال القاضي عياض يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذابا بسبب ذلك أو مسلمة وعذبت بسبب ذلك قال النووي الذي يظهر أنها كانت مسلمة وإنما دخلت النار بهذه المعصية اهـ ويبعده رواية أنها كانت
стр. 5681
من بني إسرائيل اللهم إلا أن يراد من إسلامها إسلامها بدينها قبل الإسلام وقيل المراد من تعذيبها حسابها لأن من نوقش الحساب عذب فالمعنى حوسبت امرأة إلخ
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز اتخاذ الهرة
٢ - وجواز رباطها إذا لم يهمل إطعامها وسقيها ويلتحق بذلك غير الهرة ما في معناها
٣ - وأن الهر لا يملك وإنما يجب إطعامه على من حبسه كذا قال القرطبي وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه ليس في الحديث دلالة على ذلك
٤ - وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه كذا قال النووي قال الحافظ ابن حجر وفيه نظر لأنه ليس في الخبر أنها كانت في ملكها لكن في قوله "هرة لها" [روايتنا الثالثة] ما يقرب من ذلك
والله أعلم.
стр. 5682
(٧١٧) باب تحريم الكبر
٥٨١١ - عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا قال رسول الله ﷺ "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته".
-[المعنى العام]-
يراجع المعنى العام لحديث "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" في كتاب الإيمان
-[المباحث العربية]-
(العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته) قال النووي هكذا في جميع النسخ فالضمير في "إزاره ورداؤه" يعود إلى الله تعالى للعلم به وفيه محذوف تقديره قال الله تعالى "فمن ينازعني عذبته" ومعنى "ينازعني" يتخلق بذلك أي بالعظمة والكبرياء فيصير في معنى المشارك وأما تسميته إزارا ورداء فمجاز واستعارة حسنة كما تقول العرب فلان شعاره الزهد ودثاره التقوى لا يريدون الثوب الذي هو شعار أو دثار والشعار ما ولى الجسد من الثياب والدثار الثوب الذي يكون فوق الشعار والإزار ما يستر النصف السفلي من الإنسان والرداء ما يغطي الجزء العلوي ولما كان الإزار والرداء يلصقان بالإنسان ويلزمانه وهما جمال له ضرب ذلك مثلا لكون العز والكبرياء بالله تعالى أحق وله ألزم واقتضاهما جلاله
وللحديث صلة بموضوع الكبر في كتاب الإيمان فليراجع
-[فقه الحديث]-
يراجع حديث "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" في كتاب الإيمان
والله أعلم.
стр. 5683
(٧١٨) باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى وفضل الضعفاء والخاملين والنهي عن قول هلك الناس
٥٨١٢ - عن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث "أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك" أو كما قال.
٥٨١٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
٥٨١٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم" قال أبو إسحاق لا أدري أهلكهم بالنصب أو أهلكهم بالرفع
-[المعنى العام]-
ثلاثة آداب إسلامية تشترك في النهي والتحذير من احتقار الناس وتنقيصهم ذكرت أحاديثنا صورا ثلاثا
الأولى صورة من يرى مذنبا فيقول أقسم بالله أن الله لن يغفر هذا الذنب لفلان ففي هذا القول تحقير للمسلم وحجر على رحمة الله وإن سمعها صاحب الذنب ربما كان فيها تقنيطا له من عفو الله مع أن واجب المسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء عملا بقوله تعالى ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر ٥٣] فلله إذن أن يعفو عن المسيء المذنب فيقع من حلف على عدم المغفرة له في إثم وعقوبة ما تلفظ به
الثانية صورة من يحتقر الناس لمظاهرهم وهو لا يدري قد يكون هذا الضعيف المستضعف خيرا عند الله من هذا الذي يستضعفه
стр. 5684
الثالثة صورة من يحتقر الناس ويحكم عليهم بالهلاك لظاهر ما يقعون فيه من الذنوب فهو يهلك نفسه بهذا الفعل وبهذا القول لما فيه من عيب المسلمين ولما فيه من بعث الحقد في نفس سامعه والإعجاب والغرور في نفس قائله
-[المباحث العربية]-
(إن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان) أي حلف أن الله لا يغفر لفلان من الناس عينه هو
(وأن الله تعالى قال) ردا عليه
(من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان) الاستفهام إنكاري توبيخي بمعنى لا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك أو أن يقول ذلك و"يتألى" بفتح التاء والهمزة واللام المشددة بمعنى يحلف من الألية بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء وهي اليمين
(فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك) مذهب أهل السنة أن إحباط الأعمال لا يكون إلا بالكفر ولذا تأولوا الإحباط هنا على معنى إسقاط حسنات في مقابل سيئات وسمي ذلك إحباطا مجازا
(رب أشعث أغبر) أي ملبد الشعر غير مدهون ولا مرجل
(مدفوع بالأبواب) أي لا قدر له عند الناس فهم يدفعونه عن أبوابهم ويطردونه عنهم احتقارا له فهو كناية عن استضعاف الناس له كما جاء حديث البخاري "ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف" وفي رواية "مستضعف" "لو أقسم على الله لأبره" وعند أحمد "الضعيف المستضعف ذو الطمرين لا يؤبه له" والطمر بكسر الطاء وسكون الميم الثوب الخلق البالي أي ذو الإزار والرداء الممزقين الباليين
(لو أقسم على الله لأبره) بفتح الهمزة والباء والراء المشددة أي لو حلف على أن شيئا سيقع لأوقعه الله إكراما له بإجابة سؤاله وصيانته من الحنث في يمينه وهذا لعظم منزلته عند الله تعالى وإن كان حقيرا عند الناس وقيل معنى القسم هنا الدعاء وإبراره إجابته
(إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم) برفع "أهلكهم" أي أشدهم هلاكا وبفتح الكاف على أن "أهلك" فعل ماض أي جعلهم هالكين بغير علم عنده وروى "فهو من أهلكهم" وهذه الرواية ترجح الرواية الأولى
-[فقه الحديث]-
ثلاثة آداب مترابطة جمعناها تحت باب واحد وأفرد النووي كل واحد منها بباب
стр. 5685
الأول التحذير من الحكم على إنسان بأنه من أهل النار أو بأنه لن يغفر له ذنبه أو ذنوبه لأن هذا الحكم لله تعالى وحده ولإرادة الله وحده ولفعل الله وحده فهو يغفر لمن يشاء ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [البقرة ٢٨٤] فمن حكم هذا الحكم على إنسان حجر واسعا وتدخل في المشيئة بالحجر عليها وتعيين وجه واحد على إرادتها وبذلك يعرض نفسه للعقاب والحساب يعرض نفسه لأن يؤخذ بذنبه وبذنب من حكم عليه فيحبط الله عمله الصالح بما فعل من سيئات ويغفر الله لمن حكم عليه ويبدل سيئاته حسنات فليس الهدف من الحديث النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله كما بوب الإمام النووي ﵀ بل النهي عن تحجير رحمة الله
الأدب الثاني الحث على عدم الاستهانة بالضعفاء والخاملين من أجل مظاهرهم في الدنيا فقد يكونون عظماء المنزلة عند الله تعالى وليس الهدف من الحديث بيان فضل الضعفاء والخاملين كما بوب النووي رحمه الله تعالى
الأدب الثالث التحذير من الحكم على الناس بأنهم هالكون عند الله بسبب ما يرى من انحرافهم عن الدين والتحذير من كثرة عيبهم وذكر مساويهم فهذا من قبيل الأدب الأول تحجير على رحمة الله وتدخل في مشيئته جل شأنه وتحقير للمسلمين
قال النووي واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الازدراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم لأنه لا يعلم سر الله في خلقه قالوا فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه
وقال الخطابي معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم
والله أعلم.
стр. 5686
(٧١٩) باب الوصية بالجار والإحسان إليه
٥٨١٥ - عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى طننت أنه ليورثنه"
٥٨١٦ - عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"
٥٨١٧ - عن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك"
٥٨١٨ - عن أبي ذر ﵁ قال إن خليلي ﷺ أوصاني "إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف"
-[المعنى العام]-
يراجع المعنى العام لباب النهي عن إيذاء الجار وباب إكرام الجار في كتاب الإيمان
-[المباحث العربية]-
(مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنه) في الرواية الثانية "حتى ظننت أنه سيورثه" أي يأمر عن الله بتوريث الجار من جاره
قال الحافظ ابن حجر واختلف في المراد بهذا التوريث فقيل يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب [كان هذا الحديث في حجة الوداع كما جاء في بعض الروايات
стр. 5687
وكانت المواريث قد استقرت] وقيل المراد أن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة والأول أظهر فإن الثاني استمر والخبر مشعر بأن التوريث لم يقع وفي رواية "حتى ظننت أنه يجعل له ميراثا"
(إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها) أي إذا طبخت لحما في ماء فأكثر الماء وكانوا يفتون فيه فتيتا أو إذا طبخت شيئا في مرقة فأكثر الماء إذ المرق الماء الذي أغلى فيه اللحم فصار دسما
(وتعاهد جيرانك) بشيء مما تطبخ وفي الرواية الرابعة "ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف" أي أعطهم منه شيئا ويحتمل أن الأمر بالتعاهد أعم من المطبوخ
-[فقه الحديث]-
١ - في هذه الأحاديث الوصية بالجار وعظم حقه وفضيلة الإحسان إليه
٢ - وفيها أن من أكثر من شيء من أعمال البر يرجي له الانتقال إلى ما هو أعلى منه
٣ - وأن الظن إذا كان في طريق الخير جاز ولو لم يقع المظنون بخلاف ما إذا كان في طريق الشر
٤ - وجواز الطمع في الفضل إذا توالت النعم
٥ - وجواز التحدث بما يقع في النفس من أمور الخير
٦ - والتصدق بالأقل مع وجود الأكثر والتصدق بالمرق مع وجود اللحم
٧ - وعدم احتقار المعروف مهما قل
(ملحوظة) يراجع فقه الحديث في بابي النهي عن إيذاء الجار وإكرام الجار في كتاب الإيمان
والله أعلم.
стр. 5688
(٧٢٠) باب استحباب طلاقة الوجه
٥٨١٩ - عن أبي ذر ﵁ قال قال لي النبي ﷺ "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".
-[المعنى العام]-
لقاء المسلم للمسلم باب من أبواب الخير والتواد والتراحم فعلى من تيسر له هذا الباب أن يدخله بما يغرس في النفوس هذا المعنى بالسلام وانبساط أسارير الوجه وطلاقته وهذا المعروف لا يكلف شيئا لا مالا ولا جهدا بل العكس يمنح المنبسط هدوءا وراحة وسعادة كما يمنح أخاك أمنا وأمانا واطمئنانا
وفي صحيح البخاري "قال ابن مسعود خالطوا الناس وصافوهم بما يشتهون ودينكم لا تكلمنه" أي لا تخرقوه ويقول أبو الدرداء "إنا لنبتسم في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم" هذا وخفض الجناح للناس وبسط الوجه ولين الكلمة عند المواجهة من أقوى أسباب الألفة وهو من أخلاق المؤمنين
-[المباحث العربية]-
(لا تحقرن من المعروف شيئا) أي لا تحقرن أن تقدم شيئا من الإحسان مهما قل فالمراد من المعروف هنا الهدية والصدقة والنهي للمعطي ويحتمل أن يكون النهي للآخذ أي لا تحتقرن شيئا من الإحسان يقدم إليك مهما قل
يقال حقر الرجل الشيء بفتح القاف يحقره بكسرها حقرا بفتح الحاء وسكون القاف وحقرة بضم الحاء وسكون القاف وحقارة بفتح الحاء وضمها وكسرها أي استهان به فهو محقور وحقير وأحقره بمعنى حقره وحقره بتشديد القاف بالغ في حقره
ويحتمل أن يكون الكلام من قبيل النهي عن الشيء والمقصود الأمر بضده فيكون كناية عن التحابب والتواد أي قوموا بما به تكون المودة والمحبة مهما كان قليلا
(ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) فيه حذف "كان" واسمها بعد "لو" أي ولو كان المعروف من الصغر لقاءك أخاك المسلم بوجه طلق قال النووي "طلق" روي على ثلاثة أوجه إسكان اللام وكسرها و"طليق" بزيادة ياء ومعناها سهل منبسط
стр. 5689
-[فقه الحديث]-
١ - في الحديث الحث على بذل المعروف وما تيسر منه وإن قل
٢ - وفيه فضل طلاقة الوجه عند اللقاء
وقد سبق قريبا الانبساط عند اللقاء ولو اتقاء الشر
والله أعلم
стр. 5690
(٧٢١) باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام
٥٨٢٠ - عن أبي موسى ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال "اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا﴾ [النساء ٨٥] الشفاعة وهي طلب الخير للغير من الغير دعت إليها ظروف المجتمعات الحضارية إذ ليس كل أحد يستطيع الوصول إلى الرئيس وليس كل أحد يتمكن من الدخول عليه ليوضح له مراده وليعرف حاله على حقيقته ومع أن النبي ﷺ كان لا يحتجب عن الناس وكان بوسع كل مسلم أن يدخل عليه إلا أنه كمشرع من عند الله يبني أحكامه جل شأنه على أساس صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ولكل حاكم حاشية وبطانة وجلساء إن كانوا محسنين أسهموا في إحسان الحاكم بما ينصحون وإن كانوا مسيئين أسهموا في إساءة الحاكم بما يزينون له من ظلم أو سوء وهذا الحديث توجيه للحاشية أن يكونوا ألسنة خير ومعروف ومساعدة لا أن يكونوا ألسنة شر وأعوانا للشياطين "اشفعوا تؤجروا" إذا عرضت قضية أمامكم فحاولوا جبر العثرات واقترحوا على الحاكم العفو وتخفيف العقوبات يكن لكم أجركم من الله قبلت شفاعتكم أو لم تقبل وما شفاعتكم إلا نصيحة ودعوة إلى الخير وسيقضي الحاكم بما يشاء الله حكمه وكان الله على كل شيء قديرا
-[المباحث العربية]-
(كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه) هذا الأسلوب يفيد التكرار والعادة ولعل ذلك من الجمع بين الفعل الماضي والفعل المضارع وفي رواية البخاري "كان النبي ﷺ جالسا إذ جاءه رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه" قال الحافظ ابن حجر هكذا وقع في النسخ وفي تركيبه قلق ولعله كان في الأصل كان إذا كان جالسا إذا جاءه رجل ... إلخ فحذف اختصارا أو سقط على الراوي لفظ "إذا كان" ولفظ مسلم لا إشكال فيه
وأخرجه الإسماعيلي بلفظ "إني أوتي فأسأل أو تطلب إلى الحاجة وأنتم عندي فاشفعوا ... " الحديث
стр. 5691
(فقال اشفعوا فلتؤجروا) قال القرطبي وقع في أصل مسلم "اشفعوا تؤجروا" بالجزم على جواب الأمر المتضمن معنى الشرط وهو واضح وجاء بلفظ "فلتؤجروا" وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة لتكون لام كي وتكون الفاء زائدة كما زيدت في حديث "قوموا فلأصلي لكم" ويكون معنى الحديث اشفعوا كي تؤجروا قال ويحتمل أن تكون لام الأمر ويجوز تسكينها تخفيفا لأجل الحركة التي قبلها اهـ قال الحافظ ابن حجر ووقع في رواية أبي داود "اشفعوا لتؤجروا" وهو يقوي أن اللام للتعليل وجوز الكرماني أن تكون الفاء سببية واللام بالكسر وهي لام كي وقال جاز اجتماعهما أي اجتماع أداتي سبب وتعليل لأنهما لأمر واحد ويحتمل أن تكون جزائية جوابا للأمر ويحتمل أن تكون زائدة على رأي أو عاطفة على "اشفعوا" واللام لام الأمر أو على مقدر أي اشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا
وقال الطيبي الفاء واللام زائدتان للتأكيد لأنه لو قيل اشفعوا تؤجروا صح أي إذا عرض المحتاج حاجته علي فاشفعوا له إلي، فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر سواء قبلت شفاعتكم أم لا
(وليقض الله على لسان نبيه ما أحب) كذا ثبت في هذه الرواية "وليقض" وفي رواية "ويقضي" بغير لام قال القرطبي لا يصح أن تكون هذه اللام لام الأمر لأن الله لا يؤمر ولا لام كي لأنه ثبت في الرواية "وليقض" بغير ياء مد ثم قال يحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أو الأمر هنا بمعنى الخبر
-[فقه الحديث]-
قال النووي في الحديث استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووال ونحوهما أم إلى واحد من الناس وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كف ظلم أو إسقاط تعزير أو في تخليص عطاء لمحتاج أو نحو ذلك
قال وأما الشفاعة في الحدود فحرام وكذا الشفاعة في تتميم باطل أو إبطال حق ونحو ذلك فهي حرام اهـ
وفي الحديث الحض على الخير بالفعل وبالتسبب إليه بكل وجه
وقال عياض ولا يستثنى من الوجوه التي تستحب فيها الشفاعة إلا الحدود
وقد ترجم البخاري بباب كراهة الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان والجمهور على تحريمها أما قبل أن يرفع إلى السلطان فهي على استحبابها فعند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في قصة الذي سرق رداؤه ثم أراد أن يقطع السارق فقال له
стр. 5692
النبي ﷺ "هلا قبل أن تأتيني به" وفي حديث آخر في قصة رجل سرق فأمر النبي ﷺ بقطعه فلما قطع رأوا منه أسفا عليه فقالوا يا رسول الله كأنك كرهت قطعه فقال "وما يمنعني لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم"
قال العلماء عن استحبابها قبل وصول الأمر إلى الحاكم ولا سيما إذا وقعت الحادثة من أهل العفاف وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا يشفع لهم لينزجرواعن ذلك
والله أعلم.
стр. 5693
(٧٢٢) باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء
٥٨٢١ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة".
-[المعنى العام]-
عدوى الأخلاق السيئة كعدوى الأمراض ومجالسة الصالحين حماية من السيئات لأن مجلسهم يخلو من الذنوب بل وتحفه ملائكة الرحمة ويقول الله لملائكته عنهم وقت ذكرهم لله أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهم فيقولون يا ربنا إن فيهم فلانا ليس منهم وإنما جاء لحاجة من أحدهم فيقول لهم هم القوم لا يشقى جليسهم نعم فجليسهم إما أن يذكر الله معهم وإما أن يستمع لذكرهم وإما يشمله نور مجلسهم تماما كالجلوس بجوار حامل المسك وبائعه إما أن تشتري منه فتحمل معك ما ينفعك وإما أن يهديك لمسة من مسكه وإما أن تنتفع فترة جواره بالريح الطيبة
أما مجالسة أهل الشر والفساد فهي كمجالسة الحداد الذي ينفخ في الكير ليصنع الحديد فيتطاير منه الشرر فيحرق ثيابك أو يصيبك دخانه وريحه الخبيثة ومجالسة أهل الشر والفساد إما أن يعديك شرهم فيسحبك إلى الفساد في الأرض وإما أن تسمع منهم ما يضر ولا ينفع فتحيط بك الشياطين كما تحيط بهم وإما على الأقل أن يضعك الناس في حزبهم وسمعتهم وإن لم تكن منهم ولا على طريقتهم ومنوالهم ورحم الله امرأ أحب الصالحين وأهل الخير وجالسهم وكره الفاسدين وأهل الشر فجانبهم
-[المباحث العربية]-
(مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير) في الكلام لف ونشر مرتب والأصل مثل الجليس الصالح كحامل المسك ومثل الجليس السوء كنافخ الكير و"والسوء" بفتح السين يقال في القبح رجل سوء وعمل سوء ورجل السوء وعمل السوء و"السوء"
стр. 5694
بضم السين كل ما يغم الإنسان وكل ما يقبح وقد ضبط الحديث بكل منهما وجاء القرآن بهما في قوله ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء﴾ [النحل ٦٠] بفتح السين وقوله ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء﴾ [النمل ١٢]
و"المسك" بكسر الميم وسكون السين الطيب المعروف قال الجاحظ هو من دويبة تكون في الصين تصاد لنوافجها وسررها فإذا صيدت شدت بعصائب وهي موالية يجتمع فيها دمها فإذا ذبحت قورت السرة التي عصبت ودفنت في الشعر حتى يستحيل ذلك الدم المختنق الجامد مسكا ذكيا بعد أن كان دما نتنا
قال الحافظ ابن حجر والمشهور أن غزال المسك كالظبي لكن لونه أسود وله نابان لطيفان أبيضان في فكه الأسفل وأن المسك دم يجتمع في سرته وفي وقت معلوم من السنة فإذا اجتمع ورم الموضع فمرض الغزال إلى أن يسقط منه ويقال إن أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتادا في البرية تحتك بها ليسقط ونقل بعضهم أن النافحة في جوف الظبية كالأنفحة في جوف الجدي وعن بعضهم أنها تلقيها من جوفها كما تلقي الدجاجة البيضة
و"الكير" بكسر الكاف حقيقة البناء الذي يركب عليه الزق الذي ينفخ فيه الحداد ليشعل النار فأطلق الكير على الزق مجازا لمجاورته له وقيل الكير هو الزق نفسه ولا مجاز وأما البناء فاسمه الكور وفي رواية للبخاري "كمثل صاحب المسك وكير الحداد" فالتشبيه بكير الحداد نفسه لا بنافخه
(فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وأما أن تجد منه ريحا طيبة) الفاء في "فحامل المسك" تفريعية لبيان وجه الشبه
و"يحذيك" بضم الياء الأولى وسكون الحاء والمفعول محذوف أي يعطيك مسكا هدية بدون مقابل وكثيرا ما يفعل ذلك فيمسح بمسكه يدك ليرغبك في الشراء و"تبتاع منه" أي تشتري منه طيبا وإما أن تشم رائحة طيبة بجواره مادمت جالسا معه
(ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة) "يحرق" بفتح الياء من الثلاثي وبضمها من الرباعي يقال حرقه بالنار فالفاعل حارق والمفعول محروق وحريق ويقال أحرق بالنار فالفاعل محرق بكسر الراء والمفعول محرق بفتح الراء والخبيث الرديء المكروه
وفي رواية للبخاري "لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة" "لا يعدمك" بفتح الياء وسكون العين وفتح الدال من العدم أي لا يعدمك إحدى الخصلتين أي لا يعدوك ولا يتعداك وفي رواية "لا يعدمك" بضم الياء وكسر الدال من الإعدام أي لا يعدمك صاحب المسك إحدى الخصلتين ويحتمل إحدى الخصال الثلاث على أساس أن وجود الريح الطيبة إما بالإهداء وإما بالجوار
стр. 5695
-[فقه الحديث]-
في الحديث
١ - النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدنيا والدين
٢ - والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته في الدنيا والدين
٣ - وفيه ضرب الأمثال لتقريب المعاني
٤ - وفيه العمل في الحكم بالأشباه والنظائر
٥ - قال النووي وفيه طهارة المسك
٦ - واستحباب استعماله وجواز بيعه
٧ - وقد أجمع العلماء على جميع هذا ولم يخالف فيه من يعتد به ونقل عن الشيعة نجاسته والشيعة لا يعتد بهم في الإجماع ومن الدلائل على طهارته الإجماع وهذا الحديث وفيه "وإما أن تبتاع منه" والنجس لا يصح بيعه ولأنه ﷺ كان يستعمله في بدنه ورأسه ويصلي به ويخبر أنه أطيب ولم يزل المسلمون على استعماله وجواز بيعه قال القاضي وما روي من كراهة العمرين له فليس فيه نص منهما على نجاسته ولا صحت الرواية عنهما بالكراهة بل صحت قسمة عمر بن الخطاب المسك على نساء المسلمين والمعروف عن ابن عمر استعماله اهـ
وزاد بعضهم أنه مستثنى من قاعدة ما أبين من حي فهو ميت وحكى ابن التين عن ابن شعبان من المالكية أن فأرة المسك إنما تؤخذ في حال الحياة أو بذكاة من لا تصح ذكاته من الكفرة وهي مع ذلك محكوم بطهارتها لأنها تستحيل عن كونها دما حتى تصير مسكا كما يستحيل الدم إلى اللحم فيطهر ويحل أكله وليست بحيوان حتى يقال نجست بالموت وإنما هي شيء يحدث بالحيوان كالبيض
والله أعلم.
стр. 5696
(٧٢٣) باب فضل الإحسان إلى البنات
٥٨٢٢ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها فسألتني فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا ثم قامت فخرجت وابنتاها فدخل علي النبي ﷺ فحدثته حديثها فقال النبي ﷺ "من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار".
٥٨٢٣ - عن عائشة أنها قالت جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال "إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار".
٥٨٢٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو" وضم أصابعه
-[المعنى العام]-
قال ﷺ "ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة" وقال لعائشة "لا يرجع من عندك سائل ولو بشق تمرة" وعملت عائشة ﵂ بهذه الأحاديث حرفيا إذ جاءتها امرأة مسكينة معها ابنتان صغيرتان تسألها الصدقة والإحسان ودخلت عائشة تفتش عن شيء تقدمه للمسكينة فلم تجد إلا ثلاث تمرات فقالت لنفسها تمرة لكل واحدة منهن وماذا تغني هذه التمرة وتذكرت قول رسول الله ﷺ لها "استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تقع من الجائع موقعها من الشبعان" فالشبعان يأكلها ليتمتع بحلاوتها والجائع يأكلها فتسد شيئا من جوعته ويتمتع بحلاوتها أكثر من الشبعان فأعطت التمرات الثلاث للمسكينة فأعطت المسكينة كل بنت تمرة
стр. 5697
وأخذت تمرة وأكلت كل بنت تمرتها بنهم وسرعة فهما جائعتان ووضعت المسكينة تمرتها في فمها فتعلق بها البنتان تطلبان التمرة التي في فمها فقسمتها نصفين وأخرجتها من فمها وأعطت كل واحدة من بنتيها شقا ولم تأكل هي شيئا وأثر هذا الموقف في عائشة عجبا فلما دخل عليها ﷺ بادرت تقص هذه القصة عليه فقال ﷺ لقد أحسنت إلى بناتها فقدمتهن على نفسها ولها أجرها فمن ولاه الله أمر بنات فأنفق عليهن وأحسن إليهن كن سترا وحجابا له من نار يوم القيامة
-[المباحث العربية]-
(جاءتني امرأة ومعها بنتان لها) لم يقف العلماء على أسمائهن وقد سقطت الواو من قولها "ومعها" في بعض الروايات
(فسألتني) الصدقة والعطاء وفي رواية للبخاري "تسألني" صفة ثانية لامرأة
(فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة) كان الأصل أن تقول فلم أجد عندي لكن لما كانت تنوي إعطاءها كل ما عندها كان ما تجده عائشة تجده المرأة وما لا تجده عائشة لا تجده المرأة
(فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا) وفي الرواية الثانية عن عائشة ﵂ "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلا ث تمرات فأعطت كل واحدة منهن تمرة ورفعت تمرة إلى فمها لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها أي طلبتا منها أن تطعمهما إياها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها فأعجبني شأنها" الحديث وللطبراني نحوه
ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها "فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة" أي أخصها بها ويحتمل أنها لم يكن عندها في أول الحال سوى واحدة فأعطتها ثم وجدت ثنتين والجمع الأول أوجه ويحتمل تعدد القصة
(ثم قامت فخرجت وابنتاها) معطوف على الضمير في "خرجت"
(فدخل على النبي ﷺ فحدثته حديثها) في رواية للبخاري "فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته" وحدثته بقصتها لأنها أعجبت بها
(من ابتلى من البنات بشيء فأحسن إليهن كن سترا من النار) أي سترا وحجابا له من النار يوم القيامة قال النووي إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهونهن في العادة وفي رواية للبخاري "من يلي من هذه البنات شيئا" من الولاية قال الحافظ ابن حجر واختلف في المراد
стр. 5698
بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو المعنى ابتلى بما يصدر منهن واختلف كذلك هل هو على العموم في البنات أو المراد من اتصف منهن بالحاجة
وهل هذا الوعد خاص بمن ابتلى بأكثر من واحدة ظاهر قوله في الرواية الثالثة "من عال جاريتين أي قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما حتى تبلغا" أن هذا الوعد خاص بمن ابتلى بأكثر من واحدة ويؤكده ما جاء عند أحمد من حديث أم سلمة "من أنفق على ابنتين أو أختين أو ذاتي قرابة يحتسب عليهما" لكن هناك من الأحاديث ما يفيد شمول الوعد من أحسن إلى واحدة ففي رواية "فقال رجل من الأعراب أو اثنتين فقال أو اثنتين" وفي رواية "فرأى بعض القوم أن لو قال وواحدة لقال وواحدة" وعند الطبراني "من كانت له ابنة فأدبها وأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأوسع عليها من نعمة الله التي أوسع عليه" الحديث وهل هذا الوعد خاص بالإحسان أو يكفي أداء الواجب والصبر الظاهر الأول فروايتنا "فأحسن" وشق التمرة وعدم الأكل منها إحسان فوق الواجب وعند ابن ماجه "فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن" وعند الطبراني "فأنفق عليهن وزوجهن وأحسن أدبهن" وفي الأدب المفرد "يؤدبهن ويرحمهن ويكفلهن" وعند الترمذي "فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن" وهذه الأوصاف يجمعها لفظ الإحسان وليس الاقتصار على الواجب إحسانا في مثل هذه الحالة وإن كان له ثوابه وأجره فالمناسب تفسير الإحسان هنا بأنه فعل معروف لم يكن واجبا أو فعل معروف زائد على الواجب وشرط الإحسان أن يكون الفعل موافقا للشرع
وفي الرواية الثانية "إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار" أي بالتمرة التي شقتها بين ابنتيها
وفي الرواية الثالثة "جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه" أي جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين أي متصاحبين متجاورين
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث]-
١ - قال النووي في هذه الأحاديث فضل الإحسان إلى البنات والنفقة عليهن وعلى سائر أمورهن
٢ - الحث على الصدقة بما قل وما جل والعمل بقوله ﷺ "يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان"
٣ - وألا يحتقر ما يتصدق به
٤ - وأن الإحسان إلى البنات يستر من النار قال الحافظ ابن حجر والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره
стр. 5699
كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث والإحسان يختلف باختلاف الأحوال ولكل أحد بحسب حاله
٥ - قال الحافظ ابن حجر وفي الحديث تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالبا عن القيام بمصالح أنفسهن بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن وجزالة الرأي وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال اهـ
أقول وحتى لو كانت البنات مستغنيات فإن الإحسان إليهن له نفس الأجر والإحسان إلى الأولاد لا يقل أجرا عن الإحسان إلى البنات وإنما خص البنات بالذكر علاجا لما استقر في نفوس الناس من احتقارهن حتى وصل الأمر بالناس أن وأدوهن قال تعالى ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب﴾ [النحل ٥٨ - ٥٩] فلما كانت الطبيعة البشرية والعادات الإنسانية حب الذكور والاعتزاز بهم والإحسان إليهم لم يكونوا في حاجة إلى الوصية بهم والله أعلم
٦ - قال ابن بطال وفي هذه الأحاديث جواز سؤال المحتاج
٧ - وسخاء عائشة ﵂
٨ - وجواز ذكر المعروف إن لم يكن على وجه الفخر ولا المنة
٩ - وفيه الحث على التقوى والتزام أمر الله تعالى فإن من لا يتقى الله لا يأمن أن يتضجر بمن وكله الله إليه أو يقصر عما أمر بفعله أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله وتحصيل ثوابه
١٠ - وفيه حكمة الرسول ﷺ والاستفادة من المناسبات والظروف في تعميق أحكام الشرع الحنيف كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان يطبق هذا القول بالفعل على نفسه فكان يحمل أمامة بنت أبي العاص بنت ابنته زينب ﵂ يحملها على عاتقه في الصلاة وهو يؤم المسلمين فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها وإذا سجد وضعها وإذا جلس حملها ﷺ
١١ - وفيه ما كانت عليه بيوت النبي ﷺ وكيف كانت عيشته وأهله وليس في بيتهم ما يؤكل غير تمرة أو ثلاث تمرات
والله أعلم.
стр. 5700
(٧٢٤) باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه
٥٨٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم"
٥٨٢٦ - وفي رواية عن الزهري بإسناد مالك وبمعنى حديثه إلا أن في حديث سفيان "فيلج النار إلا تحلة القسم".
٥٨٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لنسوة من الأنصار لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة" فقالت امرأة منهن أو اثنين يا رسول الله قال "أو اثنين"
٥٨٢٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله قال "اجتمعن يوم كذا وكذا" فاجتمعن فأتاهن رسول الله ﷺ فعلمهن مما علمه الله ثم قال "ما منكن من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابا من النار" فقالت امرأة واثنين واثنين واثنين فقال رسول الله ﷺ "واثنين واثنين واثنين".
٥٨٢٩ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال "ثلاثة لم يبلغوا الحنث".
٥٨٣٠ - عن أبي حسان قال قلت لأبي هريرة إنه قد مات لي ابنان فما أنت
стр. 5701
محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا قال قال نعم "صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بثوبه أو قال بيده كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا فلا يتناهى أو قال فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة".
٥٨٣١ - وفي رواية عن التيمي بهذا الإسناد وقال فهل سمعت من رسول الله ﷺ شيئا تطيب به أنفسنا عن موتانا قال نعم
٥٨٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال أتت امرأة النبي ﷺ بصبي لها فقالت يا نبي الله ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة قال "دفنت ثلاثة" قالت نعم قال "لقد احتظرت بحظار شديد من النار" قال عمر من بينهم عن جده وقال الباقون عن طلق ولم يذكروا الجد.
٥٨٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ بابن لها فقالت يا رسول الله إنه يشتكي وإني أخاف عليه قد دفنت ثلاثة قال "لقد احتظرت بحظار شديد من النار" قال زهير عن طلق ولم يذكر الكنية.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة ١٥٥ - ١٥٧] وكلما عظمت المصيبة عظم الصبر المطلوب لها وكلما عظم الصبر والاحتساب كلما عظم الأجر
ومن أعظم المصائب موت الأطفال وبخاصة في بداية الحياة الزوجية في الوقت الذي يتشوف فيه الوالدان إلى الأولاد وفي الوقت الذي يكون الأولاد فيه هم سعادة الأبوين
وإذا كان الإسلام يدعوا الآباء إلى الرحمة والعطف وحب الأبناء فمن حق الآباء وقد تعلقوا بأطفالهم أن يتألموا لفقد من أحبوه وتعلقوا به ومن حقهم أن يواسيهم الإسلام ويضمد جروحهم
стр. 5702
ومن واجب العلماء أن يطيبوا نفوسهم في وقت محنتهم وهذا رسول الله ﷺ يقول لأصحابه في مناسبة موت بعض أطفالهم ما من مسلم يموت له ثلاثة من الأولاد ذكورا أو إناثا قبل أن يبلغوا الحلم إلا حرم الله عليه النار وأدخله الجنة ورغب الصحابة في زيادة الفضل فقال أحدهم واثنان يا رسول الله قال واثنان ويتأسف السائل بعد انفضاض المجلس على أنه لم يقل وواحد وهو يظن أنه لو قال ذلك لأجيب ووسعته رحمة الله تعالى ولم يكتف ﷺ بإخبار الرجال بهذه البشرى مع أنه يعلم أنهم سيخبرون بها نساءهم بل خاطب بها النساء في اليوم الذي حدده لوعظهن تقديرا لعواطفهن وشدة حزنهن وعدم تملكهن لمشاعرهن أخبرهن بالثلاثة ليطلب شمول هذا الفضل للاثنين كما فعل الرجال ففعلن وسألن وأجبن بما أجيب به الرجال
وهذا أبو هريرة يسأله مكلوم بفقد ابنه أن يواسيه بما سمع من رسول الله ﷺ عن فقد الأولاد فيجيبه بأن الأطفال الذين يموتون ينتظرون آباءهم يوم القيامة فإذا رأوهم أخذ الواحد منهم بثوب أبيه وأمه يمسك به لا يتركه ويسأل الله أن يشفعه فيهما ويغفر لهما ذنوبهما ويدخلهما معه الجنة فيرحم الله الآباء برحمته للأبناء ويقول لهم خذوا بأيديهم إلى الجنة فقد غفرت لهم برحمتي لكم فيأخذون بأيدي آبائهم إلى الجنة
-[المباحث العربية]-
(لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد) الظاهر أنه ﷺ قال ذلك للرجال مرة وللنساء مرة ففي الرواية الثانية أنه ﷺ قال ذلك لنسوة من الأنصار وزاد فيها "فتحتسبه" والاحتساب هنا الصبر والرضا بقضاء الله مع رجاء فضله قال الحافظ ابن حجر وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية فلا بد من قيد الاحتساب والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة وقال بعضهم يقال في البالغ احتسب ويقال في الصغير افترط لكن قد يستعمل كل مكان الآخر وذكر ابن دريد وغيره احتسب فلان بكذا أي طلب أجرا عند الله وهذا أعم من أن يكون لكبير أو صغير
ولفظ "ولد" يتناول الواحد فصاعدا ويشمل الذكر والأنثى وهل يدخل فيه أولاد الأولاد محل نظر وفي البخاري "ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث" بحذف التاء من "ثلاثة" وهو جائز لكون المميز محذوفا وقيد "مسلم" و"مسلمين" للاحتراز عن الكافر
وزاد في ملحق الرواية الثالثة "لم يبلغوا الحنث" بكسر الحاء وسكون النون وضبط بفتح الحاء والنون والمحفوظ الأول والمعنى لم يبلغوا الحلم فتكتب عليهم الآثام والحنث في الأصل الإثم والذنب قال تعالى ﴿وكانوا يصرون على الحنث العظيم﴾ [الواقعة ٤٦] وقيل المراد بلغ زمانا يؤاخذ فيه بيمينه إذا حنث قال الراغب عبر بالحنث عن البلوغ لأن الصبي قد يثاب وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر
стр. 5703
وعلى هذا فالقيد للاحتراز عمن مات له ثلاثة بالغون وسيأتي مزيد بحثه في فقه الحديث
(فتمسه النار إلا تحلة القسم) وفي ملحق الرواية "فيلج النار إلا تحلة القسم" وفي الرواية الثالثة "إلا كانوا لها حجابا من النار" وفي الرواية الثانية "إلا دخلت الجنة" وهي محمولة على دخول الجنة بدون دخول النار أي دخول الجنة لأول وهلة فمن المسلمين من يدخل الجنة بعد النار والمراد بالولوج الورود وهو عام يخفف بموت الأولاد بشروطه
وقوله "فتمسه النار" وقوله "فيلج النار" بنصب الفعل لأن المضارع ينصب بعد النفي بتقدير "أن" لكن حكى الطيبي أن شرطه أن يكون بين ما قبل الفاء وما بعدها سببية ولا سببية هنا إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببا لولوج الأب والأم النار قال وإنما الفاء بمعنى الواو التي للجمع وتقديره لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من ولده وولوجه النار قال لا محيد عن ذلك إن كانت الرواية بالنصب وأقره على هذا جماعة قال وإن كانت الرواية بالرفع فمعناه لا يوجد ولوج النار عقب موت الأولاد إلا مقدارا يسيرا اهـ
قال الحافظ ابن حجر ووقع في البخاري في الأيمان والنذور بلفظ "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحلة القسم" فقوله "تمسه" بالرفع جزما
و"تحلة القسم" بفتح التاء وكسر الحاء وتشديد اللام أي ما ينحل به القسم وهو اليمين وهو مصدر حلل اليمين أي كفرها يقال حلل تحليلا وتحلة وتحلا بغير هاء والثالث شاذ وقال أهل اللغة يقال فعلة تحلة القسم أي قدر ما حللت به قسمي ويميني ولم أبالغ وقال الخطابي حللت القسم تحلة أي أبررتها
وقال القرطبي اختلف في هذا القسم والمراد منه فقيل هو معين وقيل هو غير معين فالجمهور على الأول وقيل لم يعن به قسم بعينه وإنما معناه التقليل لأمر ورودها وهذا اللفظ يستعمل في هذا وقيل الاستثناء بمعنى الواو أي لا تمسه النار قليلا ولا كثيرا ولا تحلة القسم
وقال بعضهم المراد به قوله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم ٧١] قال الخطابي معناه لا يدخل النار ليعاقب بها ولكنه يدخلها مجتازا ولا يكون ذلك الجواز إلا مقدار ما يحلل به الرجل يمينه ويدل على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق بلفظ "إلا تحلة القسم يعني الورود" وعند سعيد بن منصور "ثم قرأ سفيان ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وعند الطبراني "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل" يعني الجواز على الصراط وأخرج الطبراني مثله مرفوعا "من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم فإن الله قال ﴿وإن منكم إلا واردها﴾
واختلف في موضع القسم من الآية فقيل هو مقدر أي والله ما منكم إلا واردها وقيل معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ أي وربك ما منكم إلا واردها وقيل هو مستفاد من قوله تعالى ﴿حتما مقضيا﴾ أي قسما واجبا وقال الطيبي يحتمل أن يكون المراد
стр. 5704
بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق فإن قوله تعالى ﴿كان على ربك﴾ تذييل وتقرير لقوله ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فهذا بمنزلة القسم بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات قال الحافظ ابن حجر واختلف السلف في المراد بالورود في الآية فقيل هو الدخول روى أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعا "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما" وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال "يردونها أو يلجونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم" وقيل المراد بالورود المرور عليها وزاد الطبري من طريق كعب الأحبار "يستوون كلهم على متنها ثم ينادى مناد أمسكي أصحابك ودعي أصحابي فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم" قال الحافظ ابن حجر وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك ولا تنافي بينهما لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور لأن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم فأعلاهم درجة من يمر كلمح البرق كما سيأتي في الرقاق إن شاء الله تعالى
ومن الأقوال الضعيفة قول من قال الورود مختص بالكفار ومن قال معنى الورود الدنو منها ومن قال معناه الإشراف عليها ومن قال معنى ورودها ما يصيب المؤمن من الحمى
(قال لنسوة من الأنصار) في الرواية الثالثة "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله قال اجتمعن يوم كذا وكذا فاجتمعن فأتاهن رسول الله ﷺ فعلمهن مما علمه الله ثم قال ما منكن من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابا من النار فقالت امرأة واثنين واثنين واثنين فقال رسول الله ﷺ واثنين واثنين واثنين" وفي رواية "واثنتين" بزيادة تاء وهو منصوب بالعطف على "ثلاثة" ويسمى العطف التلقيني وكأنها فهمت الحصر وطمعت في الفضل قيل هي أم سليم الأنصارية والدة أنس رواه الطبراني ووقع لأم مبشر الأنصارية أيضا السؤال عن ذلك أخرجه الطبراني أيضا وأم أيمن أيضا ممن سأل وعائشة أيضا وأم هانئ أيضا سألت عن ذلك ويحتمل أن يكون كل منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس فتكون المتكلمة واحدة والأخريات قلن في أنفسهن ووافقن السائلة قال الحافظ ابن حجر وأما تعدد القصة ففيه بعد لأنه ﷺ لما سئل عن الاثنين بعد الثلاثة أجاب بأن الاثنين كذلك فالظاهر أنه كان أوحى إليه في ذلك في الحال
نعم في حديث جابر أنه ممن سأل عن ذلك وروى أن عمر سأل أيضا قال الحافظ وهذا لا بعد في تعدده لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به
(صغارهم دعاميص الجنة) بفتح الدال والعين وكسر الميم وأحدهم دعموص بضم الدال أي صغار أهلها وأصل الدعموص دويبة تكون في الماء لا تفارقه فوجه الشبه عدم المفارقة
(يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بثوبه أو قال بيده كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا) صنفة الثوب بفتح الصاد وكسر النون طرفه ويقال لها صنيفة الثوب أي وأخذ أبو هريرة بثوب أبي حسان وأمسكه بشدة لا يدعه
стр. 5705
(فلا يتناهى أو قال فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة) أي فلا يتركه أي لا يكون نهاية لإمساكه إياه حتى يقبل الله شفاعة الصغير فيدخل الله الصغير وأباه الجنة
(أتت امرأة النبي ﷺ بصبي لها فقالت يا نبي الله ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة) أي وأخشى عليه أن يكون رابعهم وهو مريض وفي الرواية السادسة "فقالت يا رسول الله إنه يشتكي وإني أخاف عليه قد دفنت ثلاثة" قيل إنها رجاء الأسلمية
(قال دفنت ثلاثة) بحذف أداة الاستفهام
(لقد احتظرت بحظار شديد من النار) أي لقد امتنعت من النار بمانع وثيق وأصل الحظر المنع وأصل الحظار بكسر الحاء وفتحها ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط أو السور
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - فضل من مات له ولد فاحتسبه وأحاديث الباب قيدت الولد بثلاثة أو اثنين لكن الطبراني في الأوسط أخرج عن جابر بن سمرة مرفوعا "من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة فقالت أم أيمن أو اثنين فقال أو اثنين فقالت وواحد فسكت ثم قال وواحد"
وعن ابن مسعود مرفوعا "من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا من النار قال أبو ذر قدمت اثنين قال واثنين قال أبي بن كعب قدمت واحدا قال وواحد" أخرجه الترمذي وقال غريب وعنده عن ابن عباس رفعه "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة فقالت عائشة فمن كان له فرط قال ومن كان له فرط" قال الحافظ ابن حجر وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج قال وأصح ما ورد في ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة مرفوعا "يقول الله ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه اهـ
أقول واستحقاق الجنة ودخولها لا يستلزم عدم مس النار وأحاديثنا في الحجب عن النار فليس فيما استند إليه الحافظ دليل على المدعى وهو الواحد نعم لوالديه أجر كبير لكن غير الموعود به هنا فالثابت أن الموعود بعدم المس للنار هو من قدم اثنين فأكثر
٢ - أخذ بعضهم من ملحق الرواية الثالثة من قوله "لم يبلغوا الحنث" أن من مات له أولاد كبار لا يستحق هذا الجزاء وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة وبهذا صرح كثير من العلماء وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور من البالغ العقوق المقتضى لعدم الرحمة بخلاف الصغير فإنه لا يصدر منه ذلك إذ ليس بمخاطب وقال الزبير بن المنير بل يدخل الكبير أيضا في ذلك بطريق
стр. 5706
الفحوي لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو عبء على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ من السعي ووصل له منه النفع وتوجه إليه الخطاب بالحقوق اهـ
وعندي أن هذا القيد ليس للاحتراز وإنما ذكر لما أن الصغير موضع الرحمة والشفقة وقوة الأسى غالبا فمدار الحكم شدة التعلق والحب ليكون الصبر في الفقد كبيرا والاحتساب قويا والتسليم عظيما وحيثما وجدت هذه العلة في الكبير أو الصغير كان هذا الأجر الموعود به وحيثما لم توجد من الطفل أو من الأبوين لا يكون هذا الأجر وإن ثبت له أجر آخر
وقول الحافظ ابن حجر ويقوي الأول قوله في بقية الحديث الذي رواه البخاري "بفضل رحمته إياهم" لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم هذا القول لا يؤيده قول ابن التين إن الضمير في "رحمته" للأب أي لكونه كان يرحمهم في الدنيا فيجازى بالرحمة في الآخرة وهذا يتمشى مع توجيهنا للحديث والله أعلم
٣ - قال الحافظ ابن حجر وهل يلتحق بالصغار عند من قصر الحديث عليهم من بلغ مجنونا مثلا واستمر على ذلك فمات فيه نظر لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدة الحب ولا عدمه وكان القياس يقتضي ذلك لما يوجد من كراهة بعض الناس لمولده وتبرمه منه ولا سيما من كان ضيق الحال لكن لما كان الولد مظنة المحبة والشفقة نيط به الحكم وإن تخلف في بعض الأفراد
٤ - قال ابن التين تبعا لعياض قول السائلة "واثنان" يدل على أن مفهوم العدد ليس بحجة لأن الصحابية من أهل اللسان ولم تعتبره إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة لكنها جوزت ذلك فسألته قال الحافظ ابن حجر والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد إذ لو لم تعتبره لم تسأل والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية وإنما هي محتملة ومن ثم وقع السؤال عن ذلك
٥ - أخذ بعضهم بذكر الثلاثة أن الأربعة فما فوقهم لا يحصل بهم الأجر المذكور سواء ماتوا دفعة واحدة أو ماتوا واحدا بعد الآخر فالثلاثة تعظم بهم المصيبة وأما ما زاد عليها فقد يخف أمر المصيبة لأنها تصير كالعادة كما قيل روعت بالبين حتى ما أراع له قاله القرطبي
قال الحافظ ابن حجر وهو جحود شديد فإن من مات له أربعة فقد مات له ثلاثة ضرورة لأنهم إن ماتوا دفعة واحدة فقد مات له ثلاثة وزيادة ولا خفاء بأن المصيبة بذلك أشد وإن ماتوا واحدا بعد واحد فإن الأجر يحصل له عند موت الثلاثة بمقتضى وعد الصادق فيلزم على قول القرطبي أنه إن مات له الرابع يرتفع عند ذلك الأجر مع تجدد المصيبة وكفى بهذا فسادا والحق أن تناول الحديث الأربعة فما فوقها من باب أولى وأحرى ويؤيد هذا أنهم لم يسألوا عن الأربعة ولا ما فوقها لأنه كالمعلوم عندهم إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم اهـ وهو كلام حسن
стр. 5707
٦ - أخذ بعضهم من إقراره ﷺ جزاء الاثنين التسوية في الحكم بين الثلاثة والاثنين وهو محمول على أنه أوحى إليه بذلك في الحال ولا بعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلا لكنه أشفق عليهم أن يتكلوا لأن موت الاثنين غالبا أكثر من موت الثلاثة اهـ
أقول والتسوية بين الاثنين والثلاثة في هذا الحكم لا يستلزم عدم زيادة الثلاثة على الاثنين في الأجر والله أعلم
٧ - واستدل بقوله "ما من مسلم" على أن من مات له أولاد في الكفر ثم أسلم لا يحصل له ذلك ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والطبراني عن أبي ثعلبة الأشجعي قال "قلت يا رسول الله مات لي ولدان قال من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة" وما أخرجه أحمد عن رجاء الأسلمية قالت "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ادع الله لي في ابن لي بالبركة فإنه قد توفي لي ثلاثة فقال أمنذ أسلمت قالت نعم ... " فذكر الحديث
٨ - استدل بعضهم بقوله "ثلاثة من الولد" أن ذلك خاص بالولد الحقيقي ولا يدخل فيه أولاد الأولاد ويؤيده رواية النسائي "من صلبه" قال الحافظ ابن حجر والظاهر أن أولاد أولاد الصلب يدخلون وفي التقييد بكونهم "من صلبه" ما يدل على إخراج أولاد البنات
٩ - أخذ القاضي عياض من قوله "تحلة القسم" أن من حلف أن لا يفعل كذا ثم فعل منه شيئا يسيرا مهما قل برت يمينه خلافا لمالك
١٠ - وفي هذه الأحاديث أن أولاد المسلمين في الجنة لأنه يبعد أن الله يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء ولا يرحم الأبناء قاله المهلب قال الحافظ ابن حجر وكون أولاد المسلمين في الجنة قاله الجمهور وتوقفت طائفة قليلة
والله أعلم.
стр. 5708
(٧٢٥) باب إذا أحب الله عبدا أمر جبريل فأحبه وأحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض
٥٨٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض".
٥٨٣٥ - وفي رواية عن سهيل بهذا الإسناد غير أن حديث العلاء بن المسيب ليس فيه ذكر البغض.
٥٨٣٦ - وفي رواية عن سهيل بن أبي صالح قال كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال وما ذاك قلت لما له من الحب في قلوب الناس فقال بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر بمثل حديث جرير عن سهيل.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ [آل عمران ٣١] كذب من يدعي حبا لإنسان ويخالفه ويعصيه ويحاربه لأن آية الحب طاعة المحبوب والعمل على رضاه والحذر من غضبه من هنا كذب اليهود والنصارى في قولهم ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة ١٨] فاتباع الرسل علامة الحب لله وصدق الله العظيم في الحديث القدسي إذ يقول "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب
стр. 5709
إلي بالنوافل حتى أحبه" فلأجل أن يحبنا الله ويرضى عنا ويرحمنا ويغفر لنا علينا باتباع أوامره واجتناب نواهيه وإذا أردنا أن يحبنا الخلق ويحسنوا إلينا وأن ينفعونا في دنيانا علينا أولا أن نحب الله لأنه إذا أحبنا غرس الحب في قلوب العباد لنا إذا أحبنا نادى جبريل الروح الأمين ناداه من فوق عرشه يا جبريل إنني أنا الله أحب فلانا فأحبه وبلغ حبي له للملائكة ليحبوه وبلغ حبي لخلقي الذين يرونه ويتعاملون معه ليحبوه فيحبه جبريل ثم ينادي يا ملائكة الله إن الله يحب فلانا فأحبوه فتحبه الملائكة وتستغفر له وتدعو له ثم ينزل جبريل إلى الأرض فينادى فيمن حول فلان من الناس أيها الناس إن الله يحب فلانا فأحبوه وإن الله غرس في فلان من الصفات الحميدة ما يجذب حب الناس له وإن الله طبع فلانا بطابع القبول يتعامل مع الناس بما يحببهم فيه فيعاملونه بكل مودة وحب وهكذا يصبح حب الناس للمؤمن علامة حب الله له ويصبح حب الله للمؤمن مرتبطا بطاعته وعبادته والإخلاص في العبادة والطاعة حتى يكون من المقبولين والأمر نفسه في العاصين المغضوب عليهم ينادي الله جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل وينادي أهل السماء والملائكة فيبغضونه وينزل إلى الأرض فيزرع في قلوب من حوله بغضهم له هدانا الله الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين
-[المباحث العربية]-
(إن الله إذا أحب عبدا) قال النووي قال العلماء محبة الله تعالى لعبده هي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته وقال الحافظ ابن حجر وقع في بعض الطرق بيان سبب هذه المحبة والمراد بها ففي حديث ثوبان "إن العبد ليلتمس مرضاة الله تعالى فلا يزال كذلك حتى يقول يا جبريل إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني ألا وإن رحمتي غلبت عليه" أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط ويشهد له حديث أبي هريرة في الصحيح "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" الحديث
(دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل) وفي رواية للبخاري "نادى جبريل إن الله قد أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل"
(ثم ينادى في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء) في رواية للبخاري "فينادي جبريل في أهل السماء"
(ثم يوضع له القبول في الأرض) زاد الطبراني في حديث ثوبان "ثم يهبط إلى الأرض" ثم قرأ ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ [مريم ٩٦] وثبتت هذه الزيادة عند الترمذي وابن أبي حاتم
والمراد من القبول الرضا من قبيل قوله تعالى ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن﴾ [آل عمران ٣٧] أي
стр. 5710
رضيها وفي رواية "فيوضع له المحبة" وقبول الشيء والرضا بالشيء ميل النفس إليه والمراد بالقبول هنا قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه والمراد بمحبة الله إرادة الخير وحصول الثواب وبمحبة الملائكة استغفارهم له وإرادتهم له خيرى الدنيا والآخرة وميل قلوبهم إليه ليكون مطيعا لله محبا له ومحبة العباد له اعتقادهم فيه الخير وإرادتهم دفع الشر عنه ما أمكن قال الحافظ ابن حجر وحديث الباب يشتمل على الأقسام الثلاثة الإلهي والروحاني والطبيعي فحب الله العبد حب إلهي وحب جبريل والملائكة له حب روحاني وحب العباد له حب طبيعي قال النووي والمراد من بغض الله تعالى إرادة عقابه أو شقاوته ونحوه
(فمر عمر بن عبد العزيز) الخليفة الخامس الذي أحبه المسلمون لعدله وسيرته في ملكه واتباعه سنة نبيه ﷺ
(وهو على الموسم) أي على موسم الحج أميرا للمؤمنين
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - أخذ البخاري من الحديث كلام الله تعالى مع جبريل والملائكة
٢ - وأن حب العباد للعبد من الله تعالى وكذلك المقت والغضب
٣ - وأن الملائكة تحب المؤمن قال النووي وحب الملائكة يحتمل وجهين
أحدهما استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم له
والثاني أن محبتهم على ظاهرها المعروف من المخلوقين وهو ميل القلب إليه واشتياقهم إلى لقائه وسبب حبهم إياه كونه مطيعا لله تعالى محبوبا له
والله أعلم
следующие страницы →