← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

الفحوي لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو عبء على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ من السعي ووصل له منه النفع وتوجه إليه الخطاب بالحقوق اهـ وعندي أن هذا القيد ليس للاحتراز وإنما ذكر لما أن الصغير موضع الرحمة والشفقة وقوة الأسى غالبا فمدار الحكم شدة التعلق والحب ليكون الصبر في الفقد كبيرا والاحتساب قويا والتسليم عظيما وحيثما وجدت هذه العلة في الكبير أو الصغير كان هذا الأجر الموعود به وحيثما لم توجد من الطفل أو من الأبوين لا يكون هذا الأجر وإن ثبت له أجر آخر وقول الحافظ ابن حجر ويقوي الأول قوله في بقية الحديث الذي رواه البخاري "بفضل رحمته إياهم" لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم هذا القول لا يؤيده قول ابن التين إن الضمير في "رحمته" للأب أي لكونه كان يرحمهم في الدنيا فيجازى بالرحمة في الآخرة وهذا يتمشى مع توجيهنا للحديث والله أعلم ٣ - قال الحافظ ابن حجر وهل يلتحق بالصغار عند من قصر الحديث عليهم من بلغ مجنونا مثلا واستمر على ذلك فمات فيه نظر لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدة الحب ولا عدمه وكان القياس يقتضي ذلك لما يوجد من كراهة بعض الناس لمولده وتبرمه منه ولا سيما من كان ضيق الحال لكن لما كان الولد مظنة المحبة والشفقة نيط به الحكم وإن تخلف في بعض الأفراد ٤ - قال ابن التين تبعا لعياض قول السائلة "واثنان" يدل على أن مفهوم العدد ليس بحجة لأن الصحابية من أهل اللسان ولم تعتبره إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة لكنها جوزت ذلك فسألته قال الحافظ ابن حجر والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد إذ لو لم تعتبره لم تسأل والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية وإنما هي محتملة ومن ثم وقع السؤال عن ذلك ٥ - أخذ بعضهم بذكر الثلاثة أن الأربعة فما فوقهم لا يحصل بهم الأجر المذكور سواء ماتوا دفعة واحدة أو ماتوا واحدا بعد الآخر فالثلاثة تعظم بهم المصيبة وأما ما زاد عليها فقد يخف أمر المصيبة لأنها تصير كالعادة كما قيل روعت بالبين حتى ما أراع له قاله القرطبي قال الحافظ ابن حجر وهو جحود شديد فإن من مات له أربعة فقد مات له ثلاثة ضرورة لأنهم إن ماتوا دفعة واحدة فقد مات له ثلاثة وزيادة ولا خفاء بأن المصيبة بذلك أشد وإن ماتوا واحدا بعد واحد فإن الأجر يحصل له عند موت الثلاثة بمقتضى وعد الصادق فيلزم على قول القرطبي أنه إن مات له الرابع يرتفع عند ذلك الأجر مع تجدد المصيبة وكفى بهذا فسادا والحق أن تناول الحديث الأربعة فما فوقها من باب أولى وأحرى ويؤيد هذا أنهم لم يسألوا عن الأربعة ولا ما فوقها لأنه كالمعلوم عندهم إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم اهـ وهو كلام حسن

стр. 5707

٦ - أخذ بعضهم من إقراره ﷺ جزاء الاثنين التسوية في الحكم بين الثلاثة والاثنين وهو محمول على أنه أوحى إليه بذلك في الحال ولا بعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلا لكنه أشفق عليهم أن يتكلوا لأن موت الاثنين غالبا أكثر من موت الثلاثة اهـ أقول والتسوية بين الاثنين والثلاثة في هذا الحكم لا يستلزم عدم زيادة الثلاثة على الاثنين في الأجر والله أعلم ٧ - واستدل بقوله "ما من مسلم" على أن من مات له أولاد في الكفر ثم أسلم لا يحصل له ذلك ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والطبراني عن أبي ثعلبة الأشجعي قال "قلت يا رسول الله مات لي ولدان قال من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة" وما أخرجه أحمد عن رجاء الأسلمية قالت "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ادع الله لي في ابن لي بالبركة فإنه قد توفي لي ثلاثة فقال أمنذ أسلمت قالت نعم ... " فذكر الحديث ٨ - استدل بعضهم بقوله "ثلاثة من الولد" أن ذلك خاص بالولد الحقيقي ولا يدخل فيه أولاد الأولاد ويؤيده رواية النسائي "من صلبه" قال الحافظ ابن حجر والظاهر أن أولاد أولاد الصلب يدخلون وفي التقييد بكونهم "من صلبه" ما يدل على إخراج أولاد البنات ٩ - أخذ القاضي عياض من قوله "تحلة القسم" أن من حلف أن لا يفعل كذا ثم فعل منه شيئا يسيرا مهما قل برت يمينه خلافا لمالك ١٠ - وفي هذه الأحاديث أن أولاد المسلمين في الجنة لأنه يبعد أن الله يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء ولا يرحم الأبناء قاله المهلب قال الحافظ ابن حجر وكون أولاد المسلمين في الجنة قاله الجمهور وتوقفت طائفة قليلة والله أعلم.

стр. 5708

(٧٢٥) باب إذا أحب الله عبدا أمر جبريل فأحبه وأحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ٥٨٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض". ٥٨٣٥ - وفي رواية عن سهيل بهذا الإسناد غير أن حديث العلاء بن المسيب ليس فيه ذكر البغض. ٥٨٣٦ - وفي رواية عن سهيل بن أبي صالح قال كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال وما ذاك قلت لما له من الحب في قلوب الناس فقال بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر بمثل حديث جرير عن سهيل. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ [آل عمران ٣١] كذب من يدعي حبا لإنسان ويخالفه ويعصيه ويحاربه لأن آية الحب طاعة المحبوب والعمل على رضاه والحذر من غضبه من هنا كذب اليهود والنصارى في قولهم ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة ١٨] فاتباع الرسل علامة الحب لله وصدق الله العظيم في الحديث القدسي إذ يقول "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب

стр. 5709

إلي بالنوافل حتى أحبه" فلأجل أن يحبنا الله ويرضى عنا ويرحمنا ويغفر لنا علينا باتباع أوامره واجتناب نواهيه وإذا أردنا أن يحبنا الخلق ويحسنوا إلينا وأن ينفعونا في دنيانا علينا أولا أن نحب الله لأنه إذا أحبنا غرس الحب في قلوب العباد لنا إذا أحبنا نادى جبريل الروح الأمين ناداه من فوق عرشه يا جبريل إنني أنا الله أحب فلانا فأحبه وبلغ حبي له للملائكة ليحبوه وبلغ حبي لخلقي الذين يرونه ويتعاملون معه ليحبوه فيحبه جبريل ثم ينادي يا ملائكة الله إن الله يحب فلانا فأحبوه فتحبه الملائكة وتستغفر له وتدعو له ثم ينزل جبريل إلى الأرض فينادى فيمن حول فلان من الناس أيها الناس إن الله يحب فلانا فأحبوه وإن الله غرس في فلان من الصفات الحميدة ما يجذب حب الناس له وإن الله طبع فلانا بطابع القبول يتعامل مع الناس بما يحببهم فيه فيعاملونه بكل مودة وحب وهكذا يصبح حب الناس للمؤمن علامة حب الله له ويصبح حب الله للمؤمن مرتبطا بطاعته وعبادته والإخلاص في العبادة والطاعة حتى يكون من المقبولين والأمر نفسه في العاصين المغضوب عليهم ينادي الله جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل وينادي أهل السماء والملائكة فيبغضونه وينزل إلى الأرض فيزرع في قلوب من حوله بغضهم له هدانا الله الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين -[المباحث العربية]- (إن الله إذا أحب عبدا) قال النووي قال العلماء محبة الله تعالى لعبده هي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته وقال الحافظ ابن حجر وقع في بعض الطرق بيان سبب هذه المحبة والمراد بها ففي حديث ثوبان "إن العبد ليلتمس مرضاة الله تعالى فلا يزال كذلك حتى يقول يا جبريل إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني ألا وإن رحمتي غلبت عليه" أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط ويشهد له حديث أبي هريرة في الصحيح "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" الحديث (دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل) وفي رواية للبخاري "نادى جبريل إن الله قد أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل" (ثم ينادى في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء) في رواية للبخاري "فينادي جبريل في أهل السماء" (ثم يوضع له القبول في الأرض) زاد الطبراني في حديث ثوبان "ثم يهبط إلى الأرض" ثم قرأ ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ [مريم ٩٦] وثبتت هذه الزيادة عند الترمذي وابن أبي حاتم والمراد من القبول الرضا من قبيل قوله تعالى ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن﴾ [آل عمران ٣٧] أي

стр. 5710

رضيها وفي رواية "فيوضع له المحبة" وقبول الشيء والرضا بالشيء ميل النفس إليه والمراد بالقبول هنا قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه والمراد بمحبة الله إرادة الخير وحصول الثواب وبمحبة الملائكة استغفارهم له وإرادتهم له خيرى الدنيا والآخرة وميل قلوبهم إليه ليكون مطيعا لله محبا له ومحبة العباد له اعتقادهم فيه الخير وإرادتهم دفع الشر عنه ما أمكن قال الحافظ ابن حجر وحديث الباب يشتمل على الأقسام الثلاثة الإلهي والروحاني والطبيعي فحب الله العبد حب إلهي وحب جبريل والملائكة له حب روحاني وحب العباد له حب طبيعي قال النووي والمراد من بغض الله تعالى إرادة عقابه أو شقاوته ونحوه (فمر عمر بن عبد العزيز) الخليفة الخامس الذي أحبه المسلمون لعدله وسيرته في ملكه واتباعه سنة نبيه ﷺ (وهو على الموسم) أي على موسم الحج أميرا للمؤمنين -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - أخذ البخاري من الحديث كلام الله تعالى مع جبريل والملائكة ٢ - وأن حب العباد للعبد من الله تعالى وكذلك المقت والغضب ٣ - وأن الملائكة تحب المؤمن قال النووي وحب الملائكة يحتمل وجهين أحدهما استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم له والثاني أن محبتهم على ظاهرها المعروف من المخلوقين وهو ميل القلب إليه واشتياقهم إلى لقائه وسبب حبهم إياه كونه مطيعا لله تعالى محبوبا له والله أعلم

стр. 5711

(٧٢٦) باب الأرواح جنود مجندة ٥٨٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ٥٨٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال "الناس معادن كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف". -[المعنى العام]- المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وإن الطيور على أشكالها تقع وشبه الشيء منجذب إليه أمثلة وحكم تعبر عن الواقع اللصوص يتجمعون ويتعارفون ويتحابون والبغاة يتجمعون ويتعارفون وأهل الفساد والخلاعة والليالي الحمراء يتعارفون ويتصادقون نعم كل تجمع على المعاصي مآله التفكك والنار يأكل بعضها بعضا لكن الواقع أنهم يتعارفون ويتعاونون ولو لبعض الزمن والصالحون يتعارفون ويتعاونون ويتماسكون ويتجالسون ويتحابون وتعارفهم يدوم لأنه لله وفي طاعة الله وما كان لله دام واتصل تعارفهم ليس لفائدة دنيوية ينتهي بانتهائها وليس لغاية شخصية نفعية دنيوية يزول بالحصول عليها أو باليأس من حصولها وإنما تعارفهم على الطاعة الإلهية وعلى أن يبقى هذا التعارف ليوم القيامة يوم تراهم على سرر متقابلين يقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن المجرمين فالأرواح جنود مجندة وأهل الخير يميلون إلى أهل الخير وأهل الشر يميلون إلى أهل الشر وما تشاكل من الأرواح تجمع ومن اتفقت ميولهم أو تقاربت يتجمعون ويتآنسون -[المباحث العربية]- (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) قال الخطابي يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد وأن الخير

стр. 5712

من الناس يحن إلى شكله والشرير يميل إلى نظيره فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير أو شر فإذا اتفقت تعارفت وإذا اختلفت تناكرت قال ويحتمل أن يكون إخبارا عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجسام وكانت تلتقي وكانت قسمين متقابلين قسم السعادة وقسم الشقاوة فلما بثت في الأجساد متفرقة تعارفت وتناكرت على ما كانت عليه في الحال الأولى على ما سبق من العهد المتقدم اهـ فالتعارف والتناكر على الرأي الأول مبني على أخلاق وصفات وتصرفات في الدنيا والتعارف والتناكر على الرأي الثاني مبني على ما خلقت عليه الأرواح في الغيب قبل خلق الأجسام ويرد عليه أن بعض المتنافرين قد يتفقا وأن بعض المتفقين قد يتناكرا ولو كان الأمر مرتبطا بأصل الخلقة ما حصل التغير فالرأي الأول أولى وأن التنافر والتعارف يبني على أفعال وأوصاف مكتسبة وقد يقتضي وصف مكتسب انقلاب التعارف إلى تناكر أو انقلاب التناكر إلى تعارف وقد ظهر هذا بوضوح في الأعداء قبل الإسلام الذين صاروا أحبة بعد الإسلام وبالأحبة قبل الإسلام الذين صاروا أعداء بعد الإسلام قال القرطبي الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحا تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها فتتشاكل أشخاص النوع الواحد وتتناسب بسبب ما اجتمعت عليه من المعنى الخاص ولذلك نشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها ثم إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر وذلك بحسب الأمور التي يحصل بها الاتفاق والنفور -[فقه الحديث]- قال ابن الجوزي يستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح وجب عليه أن يبحث عن المقتضى لذلك وأن يسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم وكذلك القول في عكسه اهـ وفي الحديث الحث على مصاحبة الأخيار وأهل الصلاح وحبهم ليحبوه ولن يكون ذلك إلا بالعمل الذي يرضونه والتخلق بمثل أخلاقهم والله أعلم.

стр. 5713

(٧٢٧) باب المرء مع من أحب ٥٨٣٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ متى الساعة قال له رسول الله ﷺ "ما أعددت لها" قال حب الله ورسوله قال "أنت مع من أحببت" ٥٨٤٠ - عن أنس ﵁ قال قال رجل يا رسول الله متى الساعة قال "وما أعددت لها" فلم يذكر كبيرا قال ولكني أحب الله ورسوله قال "فأنت مع من أحببت" ٥٨٤١ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ بمثله غير أنه قال ما أعددت لها من كثير أحمد عليه نفسي ٥٨٤٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله متى الساعة قال "وما أعددت للساعة" قال حب الله ورسوله قال "فإنك مع من أحببت" قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ "فإنك مع من أحببت" قال أنس فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم. ٥٨٤٣ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ولم يذكر قول أنس فأنا أحب وما بعده. ٥٨٤٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجين من

стр. 5714

المسجد فلقينا رجلا عند سدة المسجد فقال يا رسول الله متى الساعة قال رسول الله ﷺ "ما أعددت لها" قال فكأن الرجل استكان ثم قال يا رسول الله ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله قال "فأنت مع من أحببت" ٥٨٤٥ - عن عبد الله ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم قال رسول الله ﷺ "المرء مع من أحب" ٥٨٤٦ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ بمثله. -[المعنى العام]- يكتفي بالمعنى العام في الباب السابق -[المباحث العربية]- (عن أنس بن مالك أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ متى الساعة) في الرواية الثانية "قال رجل" وفي الرواية الثالثة "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ " وفي الرواية الثالثة عن أنس ﵁ قال "بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجين من المسجد فلقينا رجلا عند سدة المسجد" وهي الظلال المسقفة عند باب المسجد وعند أبي نعيم عن أنس "دخل رجل والنبي ﷺ يخطب" وفي رواية "جاء رجل فقال متى الساعة فقام النبي ﷺ إلى الصلاة ثم صلى ثم قال أين السائل عن الساعة" ويجمع بينهما بأنه سأل والنبي ﷺ يخطب فلم يجبه حينئذ فلما انصرف من الصلاة وخرج من

стр. 5715

المسجد رآه فتذكر سؤاله أو عاوده الأعرابي فسأل فأجابه وفي الرواية الرابعة عن عبد الله بن مسعود "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ " وعند البخاري عن أبي موسى "أتى النبي ﷺ رجل" قال الحافظ ابن حجر أولى ما فسر به هذا المبهم أنه أبو موسى راوي الحديث فعند أبي عوانة عن أبي موسى "قلت يا رسول الله ... " فذكر الحديث لكن يعكر عليه ما وقع عند أبي نعيم عن عبد الله بن مسعود قال جاء أعرابي وأبو موسى إن جاز أن يبهم نفسه فيقول "أتى رجل" فغير جائز أن يصف نفسه بأنه أعرابي وعند الترمذي والنسائي عن زر بن حبيش أنه سأل السؤال نفسه وعند الطبراني ما يحتمل أن السائل صفوان بن قدامة وعند أبي عوانة وأحمد وأبي داود وابن حبان عن أبي ذر قال قلت "يا رسول الله ... " الحديث قال الحافظ ابن حجر المحفوظ لأبي ذر بهذا الإسناد "الرجل يعمل العمل من الخير ويحمد الناس عليه" أخرجه مسلم فلعل بعض الرواة دخل عليه حديث في حديث اهـ (متى الساعة قال وما أعددت لها) قال الكرماني سلك مع السائل أسلوب الحكيم وهو إجابة السائل بغير ما يطلب مما يهمه أو ما هو أهم اهـ (قال حب الله ورسوله) "حب" بالنصب مفعول به لفعل محذوف مفهوم من السؤال أي أعددت لها حب الله ورسوله وفي الرواية الثانية "فلم يذكر كبيرا" من العمل الصالح "قال ولكني أحب الله ورسوله" وفي ملحق الرواية "ما أعددت لها من كثير أحمد عليه نفسي" وفي الرواية الرابعة "قال فكأن الرجل استكان ثم قال يا رسول الله ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله" أي ما أعددت لها كثيرا من نوافل الصلاة والصيام والصدقة أما الفرائض فقد أعدها وفي الرواية الخامسة "فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم" وفي رواية للبخاري "ولم يلحق بهم" و"لما" أبلغ من "لم" لأن "لم" لنفي الماضي فقط و"لما" لنفي الماضي المستمر فتدل على نفي اللحاق في الماضي وقربه في الحاضر (أنت مع من أحببت) كذا في الرواية الأولى والثالثة وفي الثانية "فإنك مع من أحببت" وفي الرابعة "المرء مع من أحب" زاد أبو نعيم في رواية "وعليك ما اكتسبت وعلى الله ما احتسبت" -[فقه الحديث]- قال النووي في الحديث فضل حب الله ورسوله ﷺ والصالحين وأهل الخير الأحياء والأموات ومن لوازم محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما والتأدب بالآداب الشرعية ولا يشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم وقد صرح في الحديث [في روايتنا الرابعة] بذلك فقال "أحب قوما ولما يلحق بهم" اهـ هذا وليس من لوازم المعية الاستواء في الدرجات.

стр. 5716

(٧٢٨) باب إذا أثنى على الصالح فهي بشرى ولا تضره ٥٨٤٧ - عن أبي ذر ﵁ قال قيل لرسول الله ﷺ أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال "تلك عاجل بشرى المؤمن". ٥٨٤٨ - وفي رواية عن شعبة عن أبي عمران الجوني بإسناد حماد بن زيد بمثل حديثه غير أن في حديثهم عن شعبة غير عبد الصمد ويحبه الناس عليه وفي حديث عبد الصمد ويحمده الناس كما قال حماد -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران ١٨٨] نعم الإنسان بطبيعته يحب أن يحمد على خير يفعله ويسعد كثيرا بشكر من يشكره على جميله وليس في ذلك إحباط لأجر المعروف إذا لم يطلب والمسألة لها طرفان طرف المستفيد الآخذ للمعروف وواجبه أن يكافئ من قدم إليه المعروف بقدر ما يستطيع وفي ذلك حديث "تهادوا تحابوا" وحديث "من قدم إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له بخير" وما كان النساء أكثر أهل النار إلا لأنهن يجحدن المعروف وينكرنه ولا يكافئنه ولا يعترفن به ولا يحمدن صاحبه بل يكفرن العشير والإحسان إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا تكرهه قالت ما رأيت منك خيرا قط إن الاعتراف بالمعروف إحسان إلى صاحبه وقد أمر الله تعالى رسوله أن يدعوا لصاحب الزكاة والصدقة حين قال ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ [التوبة ١٠٣] ووعد بزيادة الخير في مقابلة الشكر إذ قال ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم ٧] وفي الأثر "لم يشكرني من لم يشكر من أجريت النعمة على يديه" الطرف الثاني طرف المعطى للجميل وواجبه أن لا ينبغي بجميله مقابلا فإنه إن بغي مقابلا كان تاجرا وبائعا ولم يكن صانعا لمعروف والأرقى من هذا أن لا ينتظر جزاء ولا شكرا لجميلة إلا من

стр. 5717

الله وهكذا كان السلف الصالح حتى نزل فيهم ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ [الإنسان ٨ - ٩] وكما يبالغ الطرف الأول في الجحود وعدم الشكر قد يبالغ الطرف الثاني في الفرح والإعجاب بقليل ما أعطى ويحب أن يحمد بما لم يفعل لكن إذا أدى كل من الطرفين واجبه فهل على أي منهما جناح إن الطرف الثاني المعطى يخشى من شكر الآخذ على ما أخذ أن ينقص ذلك من أجر عطائه فيسأل رسول الله ﷺ يا رسول الله أخبرنا عن حكم الرجل الذي يعمل العمل الخير في الغير فيحمده ذلك الغير ويحمده الناس ويحبونه هل ينقص ذلك من أجره فيقول ﷺ لا لا ينقص ذلك من أجره وإنما هذا بشرى عاجلة بجزاء محفوظ عند الله والبشرى كما هو معلوم غير المبشر به فمن بشرك بالنجاح لم ينتقص النجاح -[المباحث العربية]- (أرأيت) أي أخبرني وقد تكرر كثيرا وجه دلالة هذا اللفظ على المعنى المراد والمعنى أخبرني عن حكم الرجل (ويحمده الناس عليه) أل في "الناس" للعهد والمراد المستفيدون من هذا الخير وبعض العالمين به من المنصفين (تلك عاجل بشرى) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي بشرى عاجلة أي معجلة لجزاء مؤجل -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - حرص الصحابة على الإخلاص في العمل وصفاء الأجر من الشوائب ٢ - أن شكر الجميل لا يضر المنعم المعطي ولا ينقصه أجره عند الله بل يزيده ٣ - الترغيب في صنع المعروف لينال صاحبه الجزاء من الله والحب من الناس ٤ - أن الله تعالى يحب صانع المعروف ويحب الشاكر عليه فحب الناس للمرء هو بوضع الله قبوله في الأرض كما مضى في الحديث السابق والله أعلم

стр. 5718

كتاب القدر

стр. 5719

(٧٢٩) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ٥٨٤٩ - عن عبد الله ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". ٥٨٥٠ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد قال في حديث وكيع "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة" وقال في حديث معاذ عن شعبة "أربعين ليلة أربعين يوما" وأما في حديث جرير وعيسى "أربعين يوما". ٥٨٥١ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فيقول أي رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص". ٥٨٥٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد

стр. 5720

من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص". ٥٨٥٣ - عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك" قال زهير حسبته قال الذي يخلقها "فيقول يا رب أذكر أو أنثى فيجعله الله ذكرا أو أنثى ثم يقول يا رب أسوي أو غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه ما أجله ما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا". ٥٨٥٤ - وفي رواية عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ "أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة" ثم ذكر نحو حديثهم. ٥٨٥٥ - عن أنس بن مالك ﵁ ورفع الحديث أنه قال "إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه". ٥٨٥٦ - عن علي ﵁ قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله

стр. 5721

صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال "ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" قال فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة" فقال "اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾ [الليل ٥ - ١٠]. ٥٨٥٧ - عن علي ﵁ قال كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار" قالوا يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل قال "لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾ إلى قوله ﴿فسنيسره للعسرى﴾ ٥٨٥٨ - عن جابر ﵁ قال جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيما العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل قال "لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" قال ففيم العمل قال زهير ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه فسألت ما قال فقال "اعملوا فكل ميسر" ٥٨٥٩ - عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ بهذا المعنى وفيه فقال رسول الله ﷺ "كل عامل ميسر لعمله"

стр. 5722

٥٨٦٠ - عن عمران بن حصين ﵁ قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال فقال "نعم" قال قيل ففيم يعمل العاملون قال "كل ميسر لما خلق له" ٥٨٦١ - عن أبي الأسود الدئلي قال قال لي عمران بن الحصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم قال فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس ٧، ٨]. ٥٨٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة". ٥٨٦٣ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة"

стр. 5723

-[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر ٤٩] ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصص ٦٨] وينبه القرآن الكريم على هذه القضية العامة بقضية خلق الإنسان نفسه فآدم من تراب من طين من صلصال من حمأ مسنون وذريته من نطفة من ماء مهين حفظت في قرار مكين أربعين يوما تتحول فيها إلى دم متجمد يلتصق بجدار الرحم علقة ثم تتحول هذه العلقة في أربعين يوما أخر إلى مضغة قطعة لحم لا يتجاوز حجمها التمرة تبدأ هذه المضغة غير مخلقة ثم تصبح في الأربعين يوما مخلقة تتميز بعض أعضائها وترتبط بالأم للغذاء عن طريق سرتها وللرحم ملك موكل به ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ [المدثر ٣١] يرى النطفة وقد استقرت في الرحم فيقول يا رب هذه نطفة هل ستبقى إلى أن تكون علقة فلما تصبح علقة يقول يا رب هذه علقة فهل ستبقى لتصبح مضغة فلما تصير مضغة يؤمر بنفخ الروح فيها بعد مائة وعشرين يوما فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيجاب فما أجلها فيجاب وما عملها في حياتها دنيويا وأخرويا فيجاب وهل هي شقية أم سعيدة فيجاب فيكتب كل ذلك في جبينها وفي صحيفتها ثم يطوي الصحيفة لا يزاد فيها ولا ينقص منها هذه المعلومات وهذه الكتابة مبنية على سبق علم الله تعالى بما سيكون فعلمه تعالى بما سيكون كعلمه تعالى بما كان فقد أحاط بكل شيء علما وما يعلمه مما سيكون لا يتخلف أبدا وإلا كان علمه جهلا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد أثارت هذه القضية شبهة في رءوس الصحابة إذا كان كل شيء قد كتب علينا ونحن في بطون أمهاتنا وإذا كنا لا محيد لنا عن تحقيق وإيقاع ما كتب فنحن على هذا مرغمون لا مختارون وإذا كانت السعادة أو الشقاء قد كتب وتحدد فما فائدة عملنا أفلا نترك العمل وسنصل حتما إلى النتيجة المحتومة المكتوبة أفلا نتكل على ما قدر لنا وكتب في صحيفتنا وسألوا رسول الله ﷺ يا رسول الله بين لنا هذه القضية بيانا شافيا افترض أن عقولنا خالية من المعلومات الدينية تماما ووضحها لنا من ألفها إلى يائها هل العمل الذي نعمله الآن من صلاة وصيام وطاعة أو من معصية كتب علينا قبل أن نولد وجفت به الأقلام وجرت به المقادير وتحدد لكل منا مصيره وهو في بطن أمه إن كان من أهل الجنة أو كان من أهل النار وإن كان من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة أو هو شيء نستقبله ونتحرى فيه شريعة ربنا وسنة نبينا فنتحرك باختيارنا ودون إلزام لنا فتثبت بذلك مسئوليتنا وتقوم بذلك الحجة علينا وكان الجواب بل شيء قضى عليكم ومضى فيكم وتصديق ذلك قوله تعالى ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس ٧] قالوا يا رسول الله ففيم يعمل العاملون ويكدح الكادحون قال ﷺ اعملوا الخير وآمنوا بأن الله هو الذي يسره لكم واجتنبوا الشر والفواحش وآمنوا بأن الله هو الذي يسر لكم اجتنابها فكل ميسر لما خلق له أهل السعادة سيعملون بطاعة الله ليكونوا من

стр. 5724

أهل السعادة وأهل الشقاوة سيعملون عمل الأشقياء فيكونون من الأشقياء لقد خفي عليكم ما كتبه الله فاجتهدوا في الخير وتسابقوا إليه واعلموا إن فعلتم ذلك أنكم ميسرون له من الله فالله تعالى يقول ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾ [الليل ٥ - ١٠] -[المباحث العربية]- (وهو الصادق المصدوق) "الصادق" المخبر بالقول الحق ويطلق على فعله المطابق للحق فيقال صادق في فعله وصادق في قوله أي يقول الأقوال الحقة ويفعل الأفعال الحقة "أما المصدوق" فهو الذي يقول له الآخرون القول الحق لا يكذبون عليه ويكون المراد به ما ينبغي أن يكون لا ما هو كائن أي الذي يجب أن يصدقه الناس إذا أخبروه بخبر يقال صدقته الحديث بتخفيف الدال إذا أخبرته به إخبارا جازما مطابقا للواقع فأنا صادق وهو مصدوق وقيل معناه الذي صدق الله وعده بتخفيف الدال أي أنجز له ما وعده به كقوله تعالى ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ [آل عمران ١٥٢] وقال النووي الصادق في قوله المصدوق فيما يأتي به من الوحي الكريم وجملة "وهو الصادق المصدوق" يحتمل أن تكون حالية من فاعل "حدثنا رسول الله ﷺ " ويحتمل أن تكون اعتراضية وهو أولى لتعم الأحوال كلها وأن ذلك من دأبه وعادته بخلاف ما لو كانت حالا إذ يصير المعنى وهو الصادق المصدوق في هذا الحديث إذ الحال وصف للصاحب قيد في العامل وعن فائدة ذكر هذه الجملة قال الكرماني لما كان مضمون الخبر أمرا مخالفا لما عليه الأطباء أشار بذلك إلى بطلان ما ادعوه ويحتمل أنه قال ذلك تلذذا به وتبركا وافتخارا ويؤيده وقوع هذا اللفظ بعينه في حديث أنس "سمعت الصادق المصدوق يقول لا تنزع الرحمة إلا من شقي" وليس فيه إشارة إلى بطلان شيء يخالف ما ذكر أخرجه أبو داود (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما) في ملحق الرواية "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة" قال الحافظ ابن حجر "خلق أحدكم يجمع" فيه تعبير بالمصدر عن الجثة وحمل على أنه بمعنى المفعول أي إن المخلوق من أحدكم أو على حذف مضاف أي ما يقوم به خلق أحدكم أو أطلق المصدر مبالغة كقولهم هي إقبال وإدبار جعلها نفس الإقبال والإدبار لكثرة الوقوع وفي الرواية الرابعة "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة" و"إن" بكسر الهمزة على حكاية اللفظ وفي المراد من قوله "يجمع خلقه في بطن أمه" قال ابن الأثير في النهاية يجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم أربعين يوما تخمر فيه حتى تتهيأ للتصوير ثم تخلق بعد ذلك اهـ فالمراد من الجمع المكث وقال القرطبي في المفهم المراد أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثا متفرقا فيجمعه الله في محل الولادة

стр. 5725

من الرحم اهـ وقيل إن في رحم المرأة قوتين قوة انبساط عند ورود مني الرجل حتى ينتشر في جسد المرأة وقوة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسا ومع كون المني ثقيلا بطبعه وفي مني الرجل قوة الفعل وفي مني المرأة قوة الانفعال فعند الامتزاج يصير مني الرجل كالأنفحة للبن اهـ فالمراد من الجمع التجمع بعد الانتشار والتماسك والامتزاج والتفاعل وقيل إن ابن مسعود فسره بأن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرا طارت في جسد المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم تنزل دما في الرحم فذلك جمعها اهـ وقد رجح الطيبي هذا التفسير وقال الصحابي أعلم بتفسير ما سمع وتأويله أولى بالقبول وأكثر احتياطا في ذلك من غيره اهـ وظاهر تفسير ابن مسعود أن ابتداء الجمع من ابتداء الأربعين وظاهر التوجيهات الأخرى أن ابتداء الجمع من حين اختلاط ماء الرجل بماء المرأة ولا يضر التعبير في بعض الروايات باليوم وبعضها بالليلة فالمراد أربعون ليلة بأيامها أو أربعون يوم بلياليها ولا يضر التعبير في بعض الروايات بالبطن كما في روايتنا الأولى وفي بعضها بالرحم كما في روايتنا الثانية والرابعة فإن المقصود حقيقة في الرحم والرحم في البطن والمظروف في المظروف في شيء مظروف في ذلك الشيء ولكن المشكل ما جاء في بعض الروايات من زيادات على الأربعين كروايتنا الثانية ولفظها "بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة" وروايتنا الثالثة "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة" وملحق روايتنا الرابعة "لبضع وأربعين ليلة" فالبعض جزم بالأربعين والبعض زاد ثنتين أو ثلاثا أو خمسا أو بضعا ثم منهم من جزم ومنهم من تردد وقد جمع بينها القاضي عياض بأنه ليس في رواية ابن مسعود بأن ذلك يقع عند انتهاء الأربعين الأولى وابتداء الأربعين الثانية بل أطلق الأربعين فاحتمل أن ذلك يقع في أوائل الأربعين الثانية قال ويحتمل أن يجمع الاختلاف في العدد الزائد على أنه بحسب اختلاف الأجنة قال الحافظ ابن حجر وهو جيد لو كانت مخارج الحديث مختلفة لكنها متحدة وراجعة إلى أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد فدل على أنه لم يضبط القدر الزائد على الأربعين والخطب فيه سهل اهـ أي مادام المخرج واحدا كان نطق الرسول ﷺ بالعدد واحدا والاختلاف من الرواة (ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك) أي ثم يكون في الرحم علقة أربعين يوما وفي رواية للبخاري "ثم علقة مثل ذلك" والعلقة قطعة دم جامد تتعلق بجدار الرحم ولفظ "يكون" معناه يصير (ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك) والمضغة قطعة اللحم الصغيرة سميت بذلك لأنها قدر ما يمضغ الماضغ والمعنى أن النطفة تكون في نهاية الأربعين الأولى علقة ثم تنقلب إلى صفة المضغة في نهاية الأربعين الثانية ولا شك أن انقلابها من صفة إلى صفة لا يكون فجأة بل شيئا فشيئا فيخالط الدم النطفة في الأربعين الأولى بعد انعقادها وامتدادها وتجري في أجزائها شيئا فشيئا حتى تتكامل علقة في الأربعين الثانية ثم يخالطها اللحم شيئا فشيئا إلى أن تشتد فتصير

стр. 5726

مضغة ولا تسمى علقة مادامت نطفة ولا تسمى مضغة مادامت علقة قال الحافظ ابن حجر وأما ما أخرجه أحمد "إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما على حالها لا تتغير" ففي سنده انقطاع وعلى فرض صحته فيحمل على نفي التغيير الكامل التام (ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح) قال الحافظ ابن حجر واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر اهـ والنفخ في الأصل إخراج ريح من جوف النافخ ليدخل في المنفوخ فيه و"يرسل" بالبناء للمجهول و"أل" في "الملك" للعهد والمراد به ملك من جنس الملائكة الموكلين بالأرحام وظاهر هذه الرواية أن الملك إنما يرسل بعد أربعة أشهر لكن الرواية الثانية "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة ... " والرواية الثالثة "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا ... " والرواية الرابعة "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك ... " قال النووي هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "يتصور" بالصاد وذكر القاضي "يتسور" بالسين قال والمراد بيتسور ينزل وهو استعارة من تسورت الدار إذا نزلت فيها من أعلاها ولا يكون التسور إلا من فوق فيحتمل أن تكون الصاد الواقعة في نسخ بلادنا مبدلة من السين اهـ أقول هذه الروايات ظاهرها أن الكتب يكون بعد الأربعين الأولى مما يتعارض وروايتنا الأولى ويجمع العلماء بأن ملائكة الله الذين يقومون بذلك أكثر من ملك فهناك ملك موكل بالرحم كما تنص على ذلك روايتنا الخامسة ولفظها "إن الله قد وكل بالرحم ملكا" هذا الملك يدخل على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيسأل ربه سوي أم غير سوي ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما أجله ما عمله ما رزقه ما أثره الذي يتركه بعد موته أشقي أم سعيد فيجيبه ربه فيكتب الملك الموكل بالرحم الجواب في كتاب عنده وعندما تتحول النطفة إلى علقة والعلقة إلى مضغة ويحين تخليقها يرسل الله تعالى ملكا آخر يحضر تخليقها يخلق الله سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها وصورتها فالمضغة في أيامها الأولى غير مخلقة وفي أواخر أيامها تكون مخلقة وهذا الملك يسأل عند التخليق ويجاب ويكتب ولا تعارض بين سؤال الأول وسؤال الثاني ما داما في وقتين مختلفين وما دام الثاني لا يعلم الجواب الذي أجيب به الأول ولا تعارض بين كتابة كل منهما ولا أن يكتب الأمر الواحد في بضعة كتب تسجيلا وتأكيدا لعدم تغيره وهو قبل هذا وذاك مكتوب في اللوح المحفوظ وعلى هذا التوجيه فقوله في الرواية الأولى "ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح" مراد به الملك الثاني والنافخ هو الله بقوله كن فيكون أو الملك في الصورة بأمر الله (ويؤمر بأربع كلمات ... ) أي بكتابة أربع كلمات والعدد لا مفهوم له

стр. 5727

وقوله في الرواية الثالثة "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها ... " المراد به الملك الثاني أيضا وفي الكلام محذوف وطي تقديره إذا مر ثنتان وأربعون ليلة تحولت النطفة إلى علقة فإذا مر على العلقة أربعون ليلة تحولت العلقة إلى مضغة فإذا شاء الله أن يخلق المضغة بعث إليها ملكا ... إلخ و"خلق" بفتح الخاء وتشديد اللام المفتوحة والفاعل يعود على الله أو على الملك بأمر الله ومثل هذا يقال في الرواية الرابعة وتقدير المطوي فيها إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم تتحول إلى علقة ثم تتحول إلى مضغة ثم يتصور عليها الملك الذي يخلقها ... إلخ ويحاول النووي توجيه الروايات والجمع بينها على أساس الملك الواحد حتى في الرواية الخامسة فيجعل في الكلام طيا وحذفا في بعضها كما ذكرنا عن الملك الثاني ويجعله هو الوحيد وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين إحداهما في صحيفة والأخرى على جبين المولود ويحاول القاضي عياض توجيه الروايات على أساس الملك الواحد لكنه ينحو نحوا آخر فيقول عن الرواية الرابعة ليس الكلام على ظاهره ولا يصح حمله على ظاهره بل المراد بتصويرها وخلق سمعها ... إلى آخره أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة وهي مدة المضغة كما قال الله تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما﴾ [المؤمنون ١٢ - ١٤] ثم يكون للملك فيه تصوير آخر وهو وقت نفخ الروح عقب الأربعين الثالثة حين يكمل له أربعة أشهر ولا تنفخ الروح إلا بعد تمام التصوير هذا كلام القاضي وتبعه النووي وغيره ويرد عليه تعدد سؤال الملك عن أشياء قد أجيب عنها كما يرد عليه خروجه بالصحيفة والتعبير بيرسل ويبعث مع أنه موكل بالرحم والله أعلم (ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) "يكتب رزقه" بالياء في أوله على البدل من "أربع" بإعادة حرف الجر وضبط "يكتب" بياء المضارع وقوله "شقي أو سعيد" مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي وهو شقي أو سعيد والذي يكتب أحد الأمرين فالأوامر أربعة لا خمسة والعدد لا مفهوم له ففي بعض الروايات ما يزيد الكلمات المكتوبات عن أربع ففي الرواية الثانية "أذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره" وقد يحمل الأثر على الشقاوة أو السعادة وفي الرواية الرابعة "أسوي أو غير سوي" وفيها "ما خلقه" بضم الخاء واللام والمراد بالكلمات القضايا المقدرة وكل قضية تسمى كلمة وفي رواية للبخاري "فيؤمر بأربعة" بحذف المعدود والمراد من كتابة الرزق تقديره قليلا أو كثيرا وصفته حراما أو حلالا زاد في الرواية الثانية "ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص" وفي الرواية الثالثة "ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر به ولا ينقص"

стр. 5728

(فوالذي لا إله غيره) في رواية للبخاري "فوالله" وعند ابن ماجه "فوالذي نفسي بيده" وفي رواية "فوالله الذي لا إله غيره" (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) في الرواية الحادية عشرة "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار" وفي الرواية الثانية عشرة "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" فقوله في روايتنا "بعمل" الباء زائدة والأصل ليعمل عمل فعمل مفعول به أو مفعول مطلق وكلاهما مستغن عن الباء فكان زيادة الباء للتأكيد أو ضمن "يعمل" معنى يتلبس في عمله بعمل أهل الجنة والمراد من عمل أهل الجنة الطاعات الاعتقادية والقولية والفعلية ويحتمل أن الحفظة تكتب ذلك ويقبل بعضها ويرد بعضها ويحتمل أن تقع الكتابة ثم تمحي وأما القبول فيتوقف على الخاتمة وظاهره أنه يعمل بذلك حقيقة ويختم له بعكسه وقيل هذا في المنافق والمرائي لقوله في روايتنا الحادية عشرة "فيما يبدو للناس" والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت قال الحافظ ابن حجر وقد ذكر في هذا الحديث أهل الخير صرفا وأهل الشر صرفا إلى الموت ولم يذكر الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وماتوا على الإسلام لأنه لم يقصد في الحديث تعميم أحوال المكلفين وإنما قصد بيان أن الاعتبار بالخاتمة و"حتى" في قوله "حتى ما يكون" ناصبة و"ما" نافية والفعل منصوب بحتى وأجاز بعضهم أن تكون "حتى" ابتدائية والفعل مرفوع والمراد من "الكتاب" في "فيسبق عليه الكتاب" المكتوب والمراد بسبقه سبق ما تضمنه فالكلام على حذف مضاف أو المراد أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة والمكتوب في اقتضاء الشقاوة فيتحقق مقتضى المكتوب فعبر عن ذلك بالسبق (الشقي من شقي في بطن أمه) معناه أن الشقي مقدر شقاوته وهو في بطن أمه (كنا في جنازة في بقيع الغرقد) هو مدفن المدينة (فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة) بكسر الميم وسكون الخاء وهي ما أخذه الإنسان بيده واختصره وأسند به خصره كالعصا (فنكس) بفتح النون وتشديد الكاف المفتوحة وبتخفيفها لغتان فصيحتان أي خفض رأسه إلى الأرض على هيئة المهموم (فجعل ينكت بمخصرته) بفتح الياء وضم الكاف أي يخط بها خطا يسيرا مرة بعد مرة

стр. 5729

(ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار) يقال نفست المرأة بكسر الفاء تنفس بفتحها نفاسا ولدت فالمنفوسة المولودة وجملة "ما من نفس منفوسة" بدل من التي قبلها وفي الرواية السابعة "إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار" أي قبل ولادتها (وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة) وهي في بطن أمها (فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل) في الرواية السابعة "يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل" وفي الرواية الثامنة "ففيم العمل" وفي الرواية التاسعة "ففيم يعمل العاملون" وفي الرواية الثامنة "جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن" أي بيانا شافيا غير معتمد على معلومات سابقة "فيما العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل قال لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال ففيم العمل" وجفاف الأقلام وفي الرواية العاشرة قال عمران بن الحصين لأبي الأسود الدؤلي أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم قال أبو الأسود بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم فقال عمران أفلا يكون ظلما ففزع أبو الأسود من عبارة عمران فزعا شديدا وقال لعمران لا ظلم فكل شيء خلق الله وكل شيء ملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال عمران يرحمك الله يا أبا الأسود لقد ظننت أني أعترض ولست كذلك ولكني أردت أن أحرز عقلك أي أمتحن عقلك وفهمك يقال حرز الرجل الشيء بفتح الحاء والزاي بعدها راء يحرزه بضمها حرزا بسكون الزاي قدره بالتخمين ثم أخذ عمران يسوق قصة رجلين من مزينة سألا رسول الله ﷺ السؤال نفسه فأجاب الجواب نفسه مؤكدا له بقوله تعالى ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس ٧، ٨] (فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾ [الليل ٥ - ١٠] -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - قال النووي عن أحاديث الكتابة فيها تصريح بإثبات القدر ٢ - وأن التوبة تهدم الذنوب قبلها اهـ أي لأنه إذا هدم الله الذنوب لمن عمل بعمل أهل النار حتى لم يكن بينه وبين النار إلا قليل بدون توبة هدم الذنوب بالتوبة من باب أولى

стр. 5730

٣ - قال وأن من مات على شيء حكم له به من خير أو شر إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة ٤ - وأن العبرة بالخاتمة فقد تغاير واقع العمل في طول الحياة قال وهذا قد يقع في نادر الناس لا أنه غالب فيهم ثم إنه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة وأما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة وهو نحو قوله تعالى "إن رحمتي سبقت غضبي" قال ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو معصية لكن يختلفان في التخليد وعدمه فالكافر يخلد في النار والعاصي الذي مات موحدا لا يخلد فيها ٥ - ثم قال وفي هذه الأحاديث دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في أن جميع المواقعات بقضاء الله وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في الابتداء وقد سبق في أول الكتاب في كتاب الإيمان قطعة صالحة من هذا عند الكلام على حديث سؤال جبريل وتعريف الإيمان والإسلام وسبق هناك الرد على القدرية ٦ - وفيه أن الأعمال حسنها وسيئها أمارات وليست بموجبات ٧ - وفيه القسم على الخبر الصادق تأكيدا في نفس السامع ٨ - وفيه الإشارة إلى علم المبدأ والمعاد وما يتعلق ببدن الإنسان وحاله في الشقاوة والسعادة ٩ - وفيه أن عموم مثل قوله تعالى ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ... ﴾ [النحل ٩٧] مخصوص بمن مات على ذلك ١٠ - قال الحافظ ابن حجر وفيه أن من عمل السعادة وختم له بالشقاوة فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس قال وقد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية وتمسك الأشاعرة بمثل هذا الحديث وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد ٣٩] وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله والحق أن النزاع لفظي وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند الله ١١ - وفي الأحاديث التنبيه على صدق البعث بعد الموت لأن من قدر على خلق الشخص من ماء مهين ثم نقله إلى علقة ثم مضغة ثم نفخ فيه الروح قادر على نفخ الروح بعد أن يصير ترابا ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها ١٢ - وفيه أن مقادير الخلائق تكتب وهم في بطون أمهاتهم وأما ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات بخمسين ألف سنة" فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله تعالى

стр. 5731

١٣ - واستدل به على أن السقط بعد الأربعة أشهر يصلى عليه لأنه وقت نفخ الروح فيه قال الحافظ ابن حجر وهو منقول عن القديم للشافعي والمشهور عن أحمد وإسحاق وعن أحمد إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا ففي تلك العشر ينفخ فيه الروح ويصلى عليه قال والراجح عند الشافعية أنه لا بد من وجود الروح وهو الجديد قالوا وإذا بلغ مائة وعشرين يوما غسل وكفن ودفن بغير صلاة وما قبل ذلك لا يشرع له غسل ولا غيره ١٤ - وفيه الحث القوي على القناعة والزجر الشديد عن الحرص لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره لم يغن التعني في طلبه وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا كذا قال الحافظ ابن حجر وفيه نظر فعدم العلم بما كتب يحتم على المسلم السعي بكل ما يستطيع إلى زيادة رزقه وبناء حياته والحرص على كل ما ينفعه "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" والقناعة والرضا إنما تكون بعد بذل الجهد الكامل والطلب المستطاع وهذا معنى "وإن فاتك شيء فلا تقل لو فعلت كذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان" "فالمسلم القوي ولو في أمور الدنيا في الحدود الشرعية خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف" ١٥ - وفيه أن الأعمال سبب دخول الجنة أو النار ولا يعارض ذلك حديث "لن يدخل أحدا عمله الجنة" فالأعمال سبب مرتبط بمشيئة الله تعالى ١٦ - وفيه الحث على الاستعاذة من سوء الخاتمة ١٧ - واستدل به المعتزلة على أن من عمل عمل أهل النار وجب أن يدخلها لترتب دخولها في الحديث على العمل وترتب الحكم على الشيء يشعر بعليته وأجيب بأنه علامة لا علة والعلامة قد تتخلف ١٨ - قال الحافظ ابن حجر وفيه أن الأقدار غالبة والعاقبة غائبة فلا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر حاله ومن هنا شرع الدعاء بالثبات على الدين وبحسن الخاتمة نسأله ذلك بفضله وكرمه ومنه إنه سميع مجيب والله أعلم

стр. 5732

(٧٣٠) باب حجاج آدم وموسى ﵉ ٥٨٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة" فقال النبي ﷺ "فحج آدم موسى فحج آدم موسى" وفي حديث ابن أبي عمر وابن عبدة قال أحدهما خط وقال الآخر كتب لك التوراة بيده. ٥٨٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق". ٥٨٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما فحج آدم موسى قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض فقال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم فهل وجدت فيها ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة" قال رسول الله ﷺ "فحج آدم موسى". ٥٨٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "احتج آدم وموسى فقال

стр. 5733

له موسى أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة فقال له آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق فحج آدم موسى" ٥٨٦٨ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال وعرشه على الماء" ٥٨٦٩ - وفي رواية عن أبي هانئ بهذا الإسناد مثله غير أنهما لم يذكرا وعرشه على الماء -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة ٣٠] وخلق آدم من الأرض من ترابها ومائها كمية من التراب والماء صارت طينا مضى عليها زمن فأنتنت مضى عليها زمن فيبست وجمدت صورها وخلقها جل شأنه قال لها كوني آدم فكانت بشرا سويا وتسلطت عليها الشمس فطبخت وصارت كالفخار ونفخ فيها من روحه فتحركت إنسانا عاقلا علمه الأسماء كلها ولم يعلمها ملائكته كان من الممكن أن يبقى في الأرض التي منها خلق والتي إليها سيعود ولكنه جل شأنه أراد من الأزل وقضى وقدر لآدم وذريته أن يقطعوا مشوارا طويلا قبل أن يصلوا إلى النهاية وبدأت رحلة آدم عرج به إلى الجنة سجد له الملائكة إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين فطرد من الجنة وطلب الإنظار إلى يوم القيامة فكان من المنظرين وتوعد آدم وذريته ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ [الحجر ٣٩] وخلقت لآدم حواء من جنبه أسكن هو وزوجه الجنة أمرا بأول تكليف لينفذ قضاء الله ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة ٢٢] وحذرهما من إبليس عدوهما ﴿إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ [الأعراف ٢٢] وكان الامتحان قاسيا ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ

стр. 5734

الشَّجَرَةِ إِلَاّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَاّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٠ - ٢٣] ثم اجتباه ربه وتاب عليه وهداه لكنه حكم عليه بعقوبة مؤقتة ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٤ - ٢٥] وهبط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض وبدأت الرحلة الشاقة وبدأ أبناؤهما يدفعون ثمن خطيئتهما هل كان آدم في مقدوره أن يخالف القضاء لقد قال تعالى للملائكة ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة ٣٠] فالمقدر والمكتوب أن يقضى هو وذريته رحلة في الأرض يشاركهم فيها إبليس وجنوده ولا بد من نفاذ القدر فهل يلام آدم أن كان سببا في رحلة العذاب أو لا يلام فالأمر أمر قدر وقضاء تلك قضية حديثنا التقت روح موسى ﵇ بروح آدم ﵇ في الملأ الأعلى قال له موسى أنت آدم أبو البشر قال نعم قال أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته قال نعم قال أنت الذي نهاك ربك عن الأكل من شجرة واحدة فعصيته وأكلت منها أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة أنت الذي أشقيت الناس أنت الذي أدخلت ذريتك النار فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار خيبتنا وحرمتنا من نعيم الجنة زمنا لا ذنب لنا فيه بل حرمت بعض ذريتك من نعيم الجنة حرمانا أبديا لماذا يا آدم أشقيت نفسك وأشقيت ذريتك وعرضتنا للغواية والمعصية والضلال وكما هو الشأن في طبيعة الآباء مع الأبناء مهما ظهرت من الأبناء قسوة أو تعنيف أو ما لا يليق تبسم آدم وقال من أنت قال أنا موسى قال نبي بني إسرائيل قال نعم قال أنت الذي اصطفاك ربك وكلمك تكليما دون وسيط من خلقه قال نعم قال أنت الذي أعطاك التوراة وكتب لك الألواح بيده وعلمك حتى ظننت أنك أعلم أهل الأرض كيف خفي عليك أن كل شيء مخلوق بقدر لقد قتلت نفسا بغير حق ففتنك الله فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى كيف تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة وقال لملائكته ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة ٣٠] أنا لم أخرجكم من الجنة لقد أكلت من الشجرة وتاب الله علي وكان يمكن أن نبقى في الجنة لكنه جل شأنه نفذ قضاءه وقدره فهبطنا إلى الأرض ولولا ذلك ما كان هناك كفار وما اصطفاك الله وما كنت رسولا تأدب يا موسى فأنا أبوك وغلب آدم موسى وأسكت آدم موسى وعاد بينهما التعاطف والرضا صلى الله عليهما وسلم

стр. 5735

-[المباحث العربية]- (احتج آدم وموسى) بفتح التاء وتشديد الجيم يقال احتج بمعنى أقام الحجة أي أقام كل منهما الحجة على الآخر مستنكرا فعله وفي الرواية الثانية "تحاج آدم وموسى" بتشديد الجيم ومعناه تجادل وأصله تحاجج بجيمين مفتوحتين وفي رواية للبخاري في تفسير سورة طه "حاج موسى آدم" بالجيم المشددة يقال حاجه محاجة وحجاجا جادله وفي القرآن الكريم ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ [البقرة ٢٥٨] وأما معنى قوله في آخر الحديث "فحج آدم موسى فحج آدم موسى" برفع "آدم" على الفاعلية فمعناه غلبه بالحجة قال الحافظ ابن حجر واتفق الرواة والنقلة والشراح على أن "آدم" بالرفع وهو الفاعل وشذ بعض الناس فقرأه بالنصب على أنه المفعلول وموسى" في محل الرفع فاعل وهو محجوج بالاتفاق قبله وقد أخرجه أحمد بلفظ "فحجه آدم" وهذا يرفع الإشكال ورواته أئمة حفاظ اهـ وقد جاء في رواية أيوب بن النجار ويحيى بن كثير "حج آدم وموسى" بدل "احتج آدم وموسى" وشرحها الطيبي بقوله معناه غلبه بالحجة اهـ وهو غير سليم لوجود الواو بينهما بل معنى هذه الرواية قدم آدم وموسى فهي كرواية محمد بن سيرين "التقى آدم وموسى" وفي مكان هذا الاحتجاج وزمانه وكيفيته أقوال لا تخلو من نظر فزعم بعض الشيوخ أن هذه المحاجة ستقع يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع واستند إلى رواية أحمد ولفظها "احتج أدم وموسى عند ربهما" وعليها بوب البخاري للحديث بقوله باب تحاج آدم وموسى عند الله قال الحافظ ابن حجر ليس قول البخاري "عند الله" صريحا في أن ذلك يقع يوم القيامة فإن العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان فيحتمل وقوع ذلك في كل من الدارين وقد وردت العندية في القيامة بقوله تعالى ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ [القمر ٥٥] ووقعت في الدنيا في قوله ﷺ "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" اهـ كما يستدل لهذا القول بما وقع في حديث عمر وأنهما حين يلتقيان في الموقف يقول موسى أنت آدم يقول له من أنت يقول أنا موسى فيقول نبي بني إسرائيل فيقول نعم القول الثاني أنه وقع في الدنيا في حياة موسى فعند أبي داود "قال موسى يا رب أرني آدم ... " فأحيا الله له آدم معجزة له وكلمه وتحاجا القول الثالث كالقول الثاني لكن كشف الله لموسى عن قبر آدم فتحدثا القول الرابع كالقول الثاني لكن أراه الله روحه كما أرى نبينا ﷺ ليلة المعراج أرواح الأنبياء فتحدثا

стр. 5736

القول الخامس كالقول الثاني لكن أراه الله له في المنام فتحدثا ورؤيا الأنبياء وحي القول السادس أن ذلك وقع في البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي القول السابع أن ذلك ضرب مثل والمعنى لو اجتمعا لقالا ذلك قاله ابن الجوزي وقال وخص موسى بالذكر لكونه أول نبي بعث بالتكاليف الشديدة وأقرب هذه الأقوال للقبول الأول والخامس والسادس والسابع والعلم عند الله قال ابن الجوزي وهذا مما يجب الإيمان به لثبوته عن خبر الصادق وإن لم يطلع على كيفية الحال وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر ونعيمه ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق إلا التسليم وقال ابن عبد البر مثل هذا عندي يجب فيه التسليم ولا يوقف فيه على التحقق لأنا لم نؤت عن جنس هذا العلم إلا قليلا (فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) في الرواية الثانية "أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة" أي الذي كنت سببا في تعرض الناس للغواية وكنت سببا في سكناهم الأرض بدل الجنة وفي الرواية الثالثة "أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض" وفي الرواية الرابعة "أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة" وفي رواية "أنت الذي أشقيت الناس" وعند أحمد "أنت الذي أدخلت ذريتك النار" وفي رواية "يا آدم خلقك الله بيده ثم نفخ فيك من روحه ثم قال لك كن فكنت ثم أمر الملائكة فسجدوا لك ثم قال لك ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة ٣٥] فنهاك عن شجرة واحدة فعصيت" زاد في رواية "وأكلت منها" وفي رواية "أنت آدم قال نعم قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر الملائكة فسجدوا لك قال نعم قال فلم أخرجتنا ونفسك من الجنة" وفي رواية "فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار" قال الحافظ ابن حجر وهذا يشعر بأن جميع ما ذكر في هذه الروايات محفوظ وأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر ومعنى "خيبتنا" أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان والخسران يقال خاب يخيب ويخوب أي كنت سبب خيبتنا وإغوائنا بالخطيئة التي ترتب عليها إخراجك من الجنة ثم تعرضنا نحن لإغواء الشياطين والغي الانهماك في الشر والاستفهام في الروايات كلها للتقرير (فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده) في الرواية الثانية "أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم" وفي الرواية

стр. 5737

الثالثة "أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا" وفي رواية ابن سيرين "اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة" وفي رواية "أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه قال نعم" وفي هذا كله مدح لموسى لكن فيه تعريضا بالذم أي إذا كنت بهذه المنزلة كيف يخفى عليك أنه لا محيد من القدر أو تعريضا بفضل ما أنكره موسى وكأنه يقول لو لم يقع إخراجي الذي ترتب على أكلي من الشجرة ما حصلت لك هذه المناقب لأني لو بقيت في الجنة واستمر نسلي فيها ما وجد من يجاهر بالكفر الشنيع كما جاهر فرعون وما أرسلت أنت وما أعطيت ما أعطيت فإذا كنت أنا السبب في حصول هذه الفضائل لك فكيف يسوغ لك أن تلومني (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ) في الرواية الثانية "فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق" وفي الرواية الثالثة "فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة" وعند أحمد "فهل وجدت فيها أي في الألواح أو التوراة أني أهبط" وفي رواية "أفليس تجد فيما أنزل الله عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها قال بلى" وفي رواية "فلم تلومني على شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء" وفي رواية "أتلومني على أمر قدره علي قبل أن يخلق السماوات والأرض" قال الحافظ والجمع بينه وبين الرواية المقيدة بأربعين سنة حملها على ما يتعلق بالكتابة وحمل الأخرى على ما يتعلق بالعلم وقال ابن التين يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ إلى نفخ الروح في آدم وأجاب غيره بأن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح وآخرها ابتداء خلق آدم وقال ابن الجوزي المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة وقد ثبت في صحيح مسلم "أن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كتبت قبل خلقه بأربعين سنة ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طينا إلى أن نفخت فيه الروح فقد ثبت في صحيح مسلم أن بين تصويره طينا ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عموما قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقال المازري الأظهر أن المراد أنه كتبه قبل خلق آدم بأربعين عاما ويحتمل أن يكون المراد أظهره للملائكة أو فعل فعلا ما أضاف إليه هذا التاريخ وإلا فمشيئة الله وتقديره قديم وقال النووي المراد بتقديرها كتبه في اللوح المحفوظ أو في التوارة أو في الألواح ولا يجوز أن يراد به أصل القدر لأنه أزلي والله أعلم

стр. 5738

(فحج آدم موسى فحج آدم موسى) كررت الجملة مرتين في الرواية الأولى ولم تكرر في الثالثة ولا في الرابعة وفي رواية للبخاري "فحج آدم موسى فحج آدم موسى ثلاثا" وفي رواية "فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى قالها ثلاث مرات" وفي رواية "لقد حج آدم موسى لقد حج آدم موسى لقد حج آدم موسى" وفي رواية "فخصم آدم موسى فخصم آدم موسى" (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له (وعرشه على الماء) أي قبل خلق السماوات والأرض -[فقه الحديث]- مشكلة الحديث هل لأحد أن يلوم من عصى على معصيته وخصوصا إذا أصابه منها أذى ومتاعب إن كان الجواب بنعم كما هو ظاهر شريعتنا فموسى محق وحجته قوية غالبة فكيف عد في الحديث مهزوما محجوجا مغلوبا وهل لمن عصى أن يعتذر عن معصيته بالقدر وبأنه سبق عليه القضاء وهو مكتوب عليه إن كان الجواب بلا كما هو ظاهر شريعتنا فلم عد آدم غالبا وعدت حجته قوية وإن كان الجواب ليس لأحد أن يلوم العاصي على معصيته وللعاصي أن يعتذر عن معصيته بجريان القلم كنا مع الجبرية الذين يقولون إن معنى سبق القضاء والقدر يستلزم الجبر وقهر العبد والمجبور لا يلام فالجبرية يتمسكون بموقف آدم وحجته التي احتج بها والتي صدقه رسول الله ﷺ فيها وأقره عليها وشهد له بأنه غلب خصمه بها والمعتزلة الذين يقولون إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية وهو مسئول عنها مسئولية كاملة إرادة واختيارا ونزوعا وحركة وفعلا وإنجازا وإن وافقهم موقف موسى لكنه موقف مهزوم وحجة مردودة مغلوبة فلا يستدل بها يرون أن حجة آدم مرفوضة رفضا قاطعا لأنه لو ساغ الاعتذار عن المعصية السابقة بالقدر لانسد باب القصاص والحدود ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش والإفساد في الأرض وهذا يفضي إلى لوازم قطعية مرفوضة عقلا وشرعا وعلى هذا الأساس يردون الحديث ويقولون عنه حديث لا أصل له وأهل السنة يقفون بين الجبرية وبين المعتزلة في هذه القضية وموقفهم حرج دقيق وهم يميلون نحو الجبرية لكنهم يلتمسون للمسئولية خيطا كخيط العنكبوت فبعضهم يرى أن الحجة والمسئولية تقع على القصد والتعمد والاختيار وأما الفعل فهو لله فإن قيل لهم القصد والتعمد والاختيار فعل من أفعال النفس الاختيارية فجعله للعبد وجعل النزوع والحركة لقدرة الله تحكم إن قيل لهم ذلك قالوا ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء ٢٣]

стр. 5739

وبعضهم يرى أن الحجة والمسئولية تقع على الكسب الذي هو مقارنة قدرة العبد لقدرة الرب حين الفعل ودون تأثير لها فإن قيل لهم كيف تقع المسئولية من غير تأثير قالوا ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء ٢٣] وأهل السنة أمام حديثنا يحاولون تبرير حجة آدم وتقويتها وتضعيف موقف موسى وحجته فالخطابي يقول اللوم من قبل موسى ساقط إذ ليس لأحد أن يعير أحدا بذنب كان منه لأن الخلق كلهم تحت العبودية سواء وإنما يتجه اللوم من قبل الله الذي نهاه فباشر ما نهاه عنه ولم يقع من آدم إنكار لما صدر منه بل عارضه بأمر دفع به عنه اللوم اهـ ومعنى هذا أن آدم لم يعتذر عن معصيته بالقدر وإنما دفع اللوم من اللائم بأنه ليس من حقه أن يلوم بل عليه أن يسلم بالقدر الغالب لكل البشر فقد غلب القدر موسى فقتل نفسا لم يؤمر بقتلها وللمعترض على هذا التوجيه أن يقول إذا كان الله هو الذي يوجه اللوم فلم لا يباشره من تلقى عن الله من الرسل ولم لا يباشره من تلقى عن رسله ممن يحملون أمر تبليغ شريعتهم والحافظ ابن حجر يرى أن آدم لم يعتذر عن المعصية بالقدر أي لم يعتذر عن الأكل من الشجرة بالقدر إذ محصل لوم موسى إنما هو على الإخراج فكأنه قال أنا لم أخرجكم وإنما أخرجكم الذي رتب الإخراج على الأكل من الشجرة وقدره هو الذي رتب ذلك قبل أن أخلق فكيف تلومني على أمر ليس لي فيه نسبة والإخراج ليس من فعلي اهـ ومحصل هذا أن موسى لام آدم على أشياء ليست من كسبه فلا حق له في اللوم وقد سبق إلى هذا القول الداوودي فيما نقله ابن التين حيث قال إنما قامت حجة آدم لأن الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة فلم يحتج آدم في أكله من الشجرة بسابق العلم لأنه كان عن اختيار منه وإنما احتج بالقدر لخروجه لأنه لم يكن بد من ذلك وحكى القرطبي وغيره أن آدم أب وموسى ابن وليس للابن أن يلوم أباه وهذا القول بعيد لأنه لا يعتذر الأب عن المعصية للابن بالقدر ثم هو ليس على عمومه فقد يجوز للابن أن يلوم أباه في عدة مواطن وقيل إنما غلبه آدم لأنهما في شريعتين متغايرتين فقد تسمح شريعة آدم بالاحتجاج بسابق القدر ولا تسمح شريعة موسى أن يحتج به وتسمح أن يتوجه اللوم على المخالف به وتعقب بأنها دعوى لا دليل عليها وقال ابن حجر أيضا إن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب والتوبة تمحو أثر الكسب وقد كان تاب الله عليه فلم يبق إلا القدر والقدر لا يتوجه عليه لوم لأنه فعل الله ولا يسأل عما يفعل وقد سبقه إلى ذلك ابن عبد البر حيث قال هذا عندي مخصوص بآدم لأن المناظرة بينهما وقعت بعد أن تاب الله على آدم قطعا كما قال تعالى ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ [البقرة ٣٧] فحسن من آدم أن ينكر على موسى لومه على الأكل من الشجرة لأنه كان قد تيب عليه

стр. 5740

من ذلك ومن ثبت أن الله قد تاب عليه سقط عنه اللوم وقد ثبت النهي عن لعن من أقيم عليه الحد وقبلت توبته أما من فعل معصية فقتل أو زنا أو سرق فلا يجوز أن يقال لمن لامه لا تلمه فقد سبق هذا في علم الله وقدره قبل أن يخلقه لا يجوز إنكار لومه فإن الأمة اجتمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك بل على استحباب ذلك كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة قاله ابن عبد البر وقال ابن حجر إنما توجهت الحجة لآدم لأن موسى لامه بعد أن مات واللوم إنما يتوجه على المكلف مادام في دار التكليف فإن الأحكام حينئذ جارية عليهم فيلام العاصي ويقام عليه الحد والقصاص وغير ذلك وأما بعد أن يموت فلا فقد ثبت النهي عن سب الأموات "ولا تذكروا موتاكم إلا بخير" لأن مرجع أمرهم إلى الله وإذا كان كذلك فلوم موسى لآدم بعد انتقاله عن دار التكليف مردود وحاصل هذا أن غلبة آدم لموسى في إنكاره اللوم لا في اعتذار آدم عن المعصية بالقدر قال الحافظ ابن حجر وبالجملة فأصح الأجوبة سقوط اللوم بالتوبة أو الموت ولا تنافي بينهما فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد وهو أن التائب لا يلام على ما تيب عليه منه ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف قال وقد سلك النووي هذا المسلك -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله "خيبتنا" إلخ جواز إطلاق الشيء على سببه ٢ - قال النووي وفيه ذكر الجنة وأنها موجودة من قبل آدم وهذا مذهب أهل الحق وقال القاضي عياض فيه حجة لأهل السنة في أن الجنة التي أخرج منها آدم هي جنة الخلد التي وعد المتقون ويدخلونها في الآخرة خلافا لمن قال من المعتزلة وغيرهم إنها جنة أخرى ومنهم من زعم أنها كانت في الأرض ٣ - ومن قوله في الرواية الثانية "أنت الذي أعطاك الله علم كل شيء" إطلاق العموم وإرادة الخصوص إذ المراد به علم كل شيء يتعلق بكتابه وليس المراد عمومه لأنه ثبت علم الخضر بما لا يعلمه موسى ٤ - وفيه مشروعية الحجج في المناظرة لإظهار الحق ٥ - وإباحة التوبيخ والتعريض في أثناء الحجاج ليتوصل إلى ظهور الحجة ٦ - وفيه مناظرة العالم من هو أكبر منه والابن أباه ومحل مشروعية ذلك إذا كان لإظهار الحق أو الازدياد من العلم والوقوف على حقائق الأمور

стр. 5741

٧ - وفيه أنه يغتفر للشخص في بعض الأحوال ما لا يغتفر له في بعضها كحالة الغضب والأسف وخصوصا ممن طبع على حدة الخلق وشدة الغضب فإن موسى ﵇ لما غلبت عليه حالة الغضب والإنكار في المناظرة خاطب آدم مع كونه والده باسمه مجردا وخاطبه بأشياء لم يكن ليخاطب بها في غير تلك الحالة ومع ذلك فأقره على ذلك وعدل إلى معارضته فيما أبداه من الحجة في دفع شبهته والله أعلم.

стр. 5742

(٧٣١) باب تصريف الله القلوب كيف شاء ٥٨٧٠ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" ثم قال رسول الله ﷺ "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك". -[المعنى العام]- قد يظن الإنسان أنه يفعل ما يريد ويختار ما يشاء وهذا الإحساس منه من قبيل الشكل لا الحقيقة فإن آلة الاختيار وهي العقل بيد الرحمن جل شأنه يديرها كيف شاء ويحركها نحو ما يريد وهو الذي يلهمها فجورها وتقواها فالله هو المتصرف في قلوب العباد ولا يفوته ما أراد كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه فكل شيء بقدر الله حتى القلوب كما يقول جل شأنه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [الأنعام ١١٠] -[المباحث العربية]- (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) القلب كعضلة جزء من البدن معروف قال أبو بكر بن العربي خلقه الله وجعله للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة وجعل ظاهر البدن محل التصرفات الفعلية والقولية اهـ والتحقيق أن المراد بالقلوب التي هي محل العلم والإدراك والفهم والذاكرة المخ الذي في الرأس والقلب يطلق على الجزء الداخلي مطلقا لكن الكلام في مثل قوله تعالى ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج ٤٦] الكلام في مثل هذا جرى على قدر أفهام المخاطبين ويمكن حمله على السبب فقلب الإنسان الذي هو العضلة المعروفة سبب في ضخ الدم إلى المخ آلة التعقل وبوقف الدم عن المخ يموت العقل والتفكير فالقلب سبب الحياة كلها

стр. 5743

وتصريف القلوب توجيه أحوالها وأغراضها وتحويلها من رأي إلى رأي وفي الكلام استعارة حسنة بتشبيه تمكن الله من تصريف القلوب بتمكن من يقبض على الشيء بأصابعه فخاطب العرب بما يفهمونه ومثله بالمعاني الحسية تأكيدا له في نفوسهم (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك) وفي رواية "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". -[فقه الحديث]- قال النووي هذا من أحاديث الصفات وفيها القولان السابقان أحدهما الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى بل يؤمن بأنها حق وأن ظاهرها غير مراد قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى ١١] والثاني: يتأول حسب ما يليق بها فعلى هذا المراد المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي لا يراد به أنه حال في كفه بل المراد تحت قدرتي ويقال فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت أي إنه مني على قهر أتصرف فيه كيف أشاء اهـ -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن إعراض القلوب من إرادة وغيرها تقع بخلق الله تعالى ٢ - وفيه حجة لمن أجاز تسمية الله تعالى بما ثبت في الخبر ولو لم يتواتر ٣ - وجواز اشتقاق اسم الله تعالى من الفعل الثابت ٤ - وقال البيضاوي فيه إشعار بأن الله يتولى قلوب عباده ولا يكلها إلى أحد من خلقه ٥ - وفي دعائه ﷺ بذلك إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء ورفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك وخص نفسه بالذكر إعلاما بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجأ إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك والله أعلم.

стр. 5744

(٧٣٢) باب كل شيء بقدر ٥٨٧١ - عن طاوس؛ أنه قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس. أو الكيس والعجز". ٥٨٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٨، ٤٩]. -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام في الأبواب السابقة واللاحقة. -[المباحث العربية]- (كل شيء بقدر) بفتح القاف والدال، قال النووي المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته. اهـ. وقال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلا، والقول نقلا، وحاصله وجود شيء في وقت، وعلى حال، يوافق العلم والإرادة والقول، وقدر الله الشيء بتشديد الدال، قضاه، ويجوز تخفيفها. وقال ابن القطاع: قدر الله الشيء، جعله بقدر، وقدر الله الرزق صنعه، وقدر على الشيء ملكه. وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله. ويفرق العلماء بين القضاء والقدر بأن القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله.

стр. 5745

والمعنى هنا: أن كل شيء يقع في الوجود، قد سبق به علم الله تعالى ومشيئته. (حتى العجز والكيس - أو الكيس والعجز) شك الراوي في تقديم هذا أو ذاك. والعجز عدم القدرة وقيل هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته ويحتمل أن يكون المراد العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم، أي العجز عن أمور الدنيا والآخرة. و"الكيس" بفتح الكاف وسكون الياء، ضد العجز، ومعناه الحذق في الأمور، والنشاط والعمل والمعنى أن العاجز قدر عجزه، والكيس بتشديد الياء قدر كيسه. وإنما جعلهما في الحديث غاية لذلك، للإشارة إلى أن أفعالنا - وإن كانت معلومة لنا، ومرادة منا لا تقع منا إلا بمشيئة الله. قال القاضي عياض: رويناه برفع "العجز والكيس" عطفا على "كل" وبجرهما، عطفا على "شيء". (جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر) أي يجادلونه ويناقشونه في ثبوته وعدم ثبوته. فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ الآيتان [٤٨، ٤٩] من سورة القمر، وقبلهما ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾ وبعدهما ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ أي إلا كلمة واحدة، وهي "كن" فيكون كلمح بالبصر في سرعة النفاذ. -[فقه الحديث]- في الحديث والآية تصريح بإثبات القدر. وتراجع أحاديث الأبواب السابقة واللاحقة.
следующие страницы →