← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

٧ - وفيه أنه يغتفر للشخص في بعض الأحوال ما لا يغتفر له في بعضها كحالة الغضب والأسف وخصوصا ممن طبع على حدة الخلق وشدة الغضب فإن موسى ﵇ لما غلبت عليه حالة الغضب والإنكار في المناظرة خاطب آدم مع كونه والده باسمه مجردا وخاطبه بأشياء لم يكن ليخاطب بها في غير تلك الحالة ومع ذلك فأقره على ذلك وعدل إلى معارضته فيما أبداه من الحجة في دفع شبهته والله أعلم.

стр. 5742

(٧٣١) باب تصريف الله القلوب كيف شاء ٥٨٧٠ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" ثم قال رسول الله ﷺ "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك". -[المعنى العام]- قد يظن الإنسان أنه يفعل ما يريد ويختار ما يشاء وهذا الإحساس منه من قبيل الشكل لا الحقيقة فإن آلة الاختيار وهي العقل بيد الرحمن جل شأنه يديرها كيف شاء ويحركها نحو ما يريد وهو الذي يلهمها فجورها وتقواها فالله هو المتصرف في قلوب العباد ولا يفوته ما أراد كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه فكل شيء بقدر الله حتى القلوب كما يقول جل شأنه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [الأنعام ١١٠] -[المباحث العربية]- (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) القلب كعضلة جزء من البدن معروف قال أبو بكر بن العربي خلقه الله وجعله للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة وجعل ظاهر البدن محل التصرفات الفعلية والقولية اهـ والتحقيق أن المراد بالقلوب التي هي محل العلم والإدراك والفهم والذاكرة المخ الذي في الرأس والقلب يطلق على الجزء الداخلي مطلقا لكن الكلام في مثل قوله تعالى ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج ٤٦] الكلام في مثل هذا جرى على قدر أفهام المخاطبين ويمكن حمله على السبب فقلب الإنسان الذي هو العضلة المعروفة سبب في ضخ الدم إلى المخ آلة التعقل وبوقف الدم عن المخ يموت العقل والتفكير فالقلب سبب الحياة كلها

стр. 5743

وتصريف القلوب توجيه أحوالها وأغراضها وتحويلها من رأي إلى رأي وفي الكلام استعارة حسنة بتشبيه تمكن الله من تصريف القلوب بتمكن من يقبض على الشيء بأصابعه فخاطب العرب بما يفهمونه ومثله بالمعاني الحسية تأكيدا له في نفوسهم (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك) وفي رواية "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". -[فقه الحديث]- قال النووي هذا من أحاديث الصفات وفيها القولان السابقان أحدهما الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى بل يؤمن بأنها حق وأن ظاهرها غير مراد قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى ١١] والثاني: يتأول حسب ما يليق بها فعلى هذا المراد المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي لا يراد به أنه حال في كفه بل المراد تحت قدرتي ويقال فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت أي إنه مني على قهر أتصرف فيه كيف أشاء اهـ -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن إعراض القلوب من إرادة وغيرها تقع بخلق الله تعالى ٢ - وفيه حجة لمن أجاز تسمية الله تعالى بما ثبت في الخبر ولو لم يتواتر ٣ - وجواز اشتقاق اسم الله تعالى من الفعل الثابت ٤ - وقال البيضاوي فيه إشعار بأن الله يتولى قلوب عباده ولا يكلها إلى أحد من خلقه ٥ - وفي دعائه ﷺ بذلك إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء ورفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك وخص نفسه بالذكر إعلاما بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجأ إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك والله أعلم.

стр. 5744

(٧٣٢) باب كل شيء بقدر ٥٨٧١ - عن طاوس؛ أنه قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس. أو الكيس والعجز". ٥٨٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٨، ٤٩]. -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام في الأبواب السابقة واللاحقة. -[المباحث العربية]- (كل شيء بقدر) بفتح القاف والدال، قال النووي المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته. اهـ. وقال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلا، والقول نقلا، وحاصله وجود شيء في وقت، وعلى حال، يوافق العلم والإرادة والقول، وقدر الله الشيء بتشديد الدال، قضاه، ويجوز تخفيفها. وقال ابن القطاع: قدر الله الشيء، جعله بقدر، وقدر الله الرزق صنعه، وقدر على الشيء ملكه. وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله. ويفرق العلماء بين القضاء والقدر بأن القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله.

стр. 5745

والمعنى هنا: أن كل شيء يقع في الوجود، قد سبق به علم الله تعالى ومشيئته. (حتى العجز والكيس - أو الكيس والعجز) شك الراوي في تقديم هذا أو ذاك. والعجز عدم القدرة وقيل هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته ويحتمل أن يكون المراد العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم، أي العجز عن أمور الدنيا والآخرة. و"الكيس" بفتح الكاف وسكون الياء، ضد العجز، ومعناه الحذق في الأمور، والنشاط والعمل والمعنى أن العاجز قدر عجزه، والكيس بتشديد الياء قدر كيسه. وإنما جعلهما في الحديث غاية لذلك، للإشارة إلى أن أفعالنا - وإن كانت معلومة لنا، ومرادة منا لا تقع منا إلا بمشيئة الله. قال القاضي عياض: رويناه برفع "العجز والكيس" عطفا على "كل" وبجرهما، عطفا على "شيء". (جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر) أي يجادلونه ويناقشونه في ثبوته وعدم ثبوته. فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ الآيتان [٤٨، ٤٩] من سورة القمر، وقبلهما ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾ وبعدهما ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ أي إلا كلمة واحدة، وهي "كن" فيكون كلمح بالبصر في سرعة النفاذ. -[فقه الحديث]- في الحديث والآية تصريح بإثبات القدر. وتراجع أحاديث الأبواب السابقة واللاحقة.

стр. 5746

(٧٣٣) باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره ٥٨٧٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى. أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينين النظر. وزنى اللسان النطق. والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه". قال عبد في روايته: ابن طاوس عن أبيه. سمعت ابن عباس. ٥٨٧٤ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى. مدرك ذلك لا محالة. فالعينان زناهما النظر. والأذنان زناهما الاستماع. واللسان زناه الكلام. واليد زناها البطش. والرجل زناها الخطا. والقلب يهوى ويتمنى. ويصدق ذلك الفرج ويكذبه. -[المعنى العام]- خلق الله الإنسان، وخلق فيه شهوة الفرج، وحد لها حدودا، ونظمها، ونظم لها طريق الحلال، وحذر من طريق الحرام، وهو الزنى، بل حذر من القرب منه، مخافة الوقوع فيه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢] والقرب من الزنى يكون بمقدمات الحواس الظاهرة، والتوجهات النفسية، كالتفكير والتخيل، والهم، والقصد، والعزم، ويتمثل القرب من الزنى بالحواس الظاهرة في النظر الحرام، إلى المرأة الأجنبية، والسمع الحرام المثير للشهوة، والمس الحرام باليد أو بالشفاه، أو بأي جزء من البدن، وهذا القرب هو مقدمات يخشى منها أن تفضي إلى الكبيرة. ولما كانت هذه المقدمات مما تعم به البلوى، ويصعب التحرز منها، وكل ابن آدم يقع فيها أو في بعضها، جعلت صغائر، يعفى عنها، أو تغفر باجتناب فاحشة الزنى، مصداقا لقوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] أي الصغائر. وقد سماها الحديث -على الرغم من صغرها- زنى، فزنى العين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنى النفس التخيل والتمني والتشهي.

стр. 5747

وكما سبق كل حركة من حركات ابن آدم مكتوبة عليه، ومقدرة، قبل أن يخلق، فهذه الصغائر مقدرة، كما أن الكبائر مقدرة، وكما وضحنا من قبل: التقدير والقضاء والكتابة لا تمنع المسئولية، فعدم العلم بما كتب يمنح الحرية والاختبار عند الفعل ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]. -[المباحث العربية]- (ما رأيت شيئا أشبه باللمم ما قال أبو هريرة) قال النووي: معناه تفسير قوله تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣٢] واللمم في الأصل، ما قل قدره، ومنه لمة الشعر، لأنها دون الوفرة، وقيل: معناه الدنو من الشيء، دون ارتكاب له، من ألممت بكذا إذا نزلت به، وقاربته من غير مواقعة. قال النووي: معنى الآية - والله أعلم - الذين يجتنبون المعاصي غير اللمم، يغفر لهم اللمم، كما في قوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] فمعنى الآيتين أن اجتناب الكبائر يسقط الصغائر، وهي اللمم. (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا) كما، وكيفا، وزمنا (أدرك ذلك لا محالة) التعبير بالماضي لتحقق الوقوع، والأصل يدرك ذلك، ويقع فيه لا حيلة له في ذلك. (والنفس تمني) بحذف إحدى التاءين، أي تتمنى، وكل هذه أنواع الزنى المجازى، مجاز المقاربة. (والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه) معناه أنه قد يحقق الزنى، بالإيلاج الحرام، وقد لا يحقق الزنى، فلا يولج الفرج في الفرج الحرام. -[فقه الحديث]- يراجع فقه الحديث وشرح الأحاديث السابقة واللاحقة.

стр. 5748

(٧٣٤) باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موتى أطفال الكفار، وأطفال المسلمين ٥٨٧٥ - عن أبي هريرة ﵁؛ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقولا أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠]. ٥٨٧٦ - وفي رواية عن الزهري؛ بهذا الإسناد. وقال: "كما تنتج البهيمة بهيمة". ولم يذكر: جمعاء. ٥٨٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة". ثم يقول اقرءوا ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ [الروم: ٣٠]. ٥٨٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه". فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت لو مات قبل ذلك؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". ٥٨٧٩ - وفي رواية عن الأعمش، بهذا الإسناد في حديث ابن نمير: "ما من مولود يولد إلا وهو على الملة". وفي رواية أبي بكر، عن أبي معاوية "إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه" وفي رواية أبي كريب عن أبي معاوية: "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه". ٥٨٨٠ - عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها:

стр. 5749

وقال رسول الله ﷺ : "من يولد يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون الإبل فهل تجدون فيها جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها" قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". ٥٨٨١ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها" ٥٨٨٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن أولاد المشركين فقال "الله أعلم بما كانوا عاملين" ٥٨٨٣ - وفي رواية عن الزهري بإسناد يونس وابن أبي ذئب مثل حديثهما غير أن في حديث شعيب ومعقل سئل عن ذراري المشركين. ٥٨٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين من يموت منهم صغيرا فقال "الله أعلم بما كانوا عاملين". ٥٨٨٥ - عن ابن عباس ﵄ قال سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين قال "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم". ٥٨٨٦ - عن أبي بن كعب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا". ٥٨٨٧ - عن عائشة ﵂ أم المؤمنين قالت توفي صبي

стр. 5750

فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله ﷺ "أو لا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا". ٥٨٨٨ - عن عائشة ﵂ أم المؤمنين قالت دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال "أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" -[المعنى العام]- أحاديث كتابة الرزق والأجل والعمل والشقاء والسعادة والإنسان في بطن أمه تثير في النفس سؤالا لا بد منه وهو فما ذنب الكافر؟ وما مآل من يموت قبل البلوغ؟ وتأتي هذه الأحاديث لتجيب عن هذا التساؤل بأن الكتابة مبنية على سبق العلم الإلهي الذي لا يتخلف وقد خلق الله بني آدم كلهم على استعداد نفسي لقبول الإسلام وطبيعة صالحة لأن تكون شقية أو سعيدة فإذا خرج الطفل من بطن أمه بين أبوين مسلمين عمقا فيه هذه العقيدة وأكدا فيه هذه الصلاحية أما إذا خرج من بطن أمه بين أبوين كافرين صبغاه صبغة غير الصبغة التي طبع عليها وحولا هما والبيئة من إخوة وأصدقاء هذه الصفحة البيضاء الطاهرة النقية إلى تعاريج وخطوط غير مستقيمة خبيثة كدرة فكل مولود من بني آدم يولد على فطرة الإسلام وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يشركانه تماما كبقية المخلوقات تخرج من بطون أمهاتها سليمة الآذان فيشق أذنها أصحابها أما من يموت قبل البلوغ من أولاد المسلمين فهم في الجنة ومن يموت قبل البلوغ من أبناء الكفار فهم في مشيئة الله إن شاء عذبهم باستجابتهم لآبائهم فترة ما بين التمييز والبلوغ وإن شاء عفا عنهم حيث لم يصلوا إلى سن التكليف وإن شاء عاقب بعضهم على أساس ما علم عنهم لو أنهم عاشوا ونعم بعضهم على أساس أنهم لو عاشوا لأحسنوا والله أعلم بما كانوا سيفعلون بعد بلوغهم وتكليفهم فغلام الخضر ﵇ لو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا -[المباحث العربية]- (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) وفي ملحق الرواية الثالثة "ما من مولود يولد إلا وهو

стр. 5751

على الملة" وفي ملحقها الثاني "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة" وفي الرواية الرابعة "من يولد يولد على هذه الفطرة" والمراد ما من مولود يولد من بني آدم وصرح به في الرواية الخامسة ولفظها "كل إنسان تلده أمه على الفطرة" وفي رواية عن أبي هريرة "كل بني آدم يولد على الفطرة" وفي الرواية الثالثة "ما من مولود إلا يلد على الفطرة" قال النووي هكذا هو في جميع النسخ "يلد" بضم الياء وكسر اللام فعل ماض على وزن "ضرب" مبني للمجهول حكاه القاضي عن رواية السمرقندي قال وهو صحيح على إبدال الواو ياء لانضمامها وأصله ولد بضم الواو وكسر اللام قال وقد ذكر الهجري في نوادره يقال ولد ويلد بمعنى اهـ وزاد في ملحق الرواية الثالثة "حتى يعبر عنه لسانه" تعبير مسئولية وتكليف أي حتى يبلغ وفي المراد بالفطرة أقوال كثيرة نذكرها هنا باختصار ونفصلها في فقه الحديث قيل المراد منها الإسلام وهو قول الأكثرين وقيل العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم في عالم الذر ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف ١٧٢] فالمراد الربوبية وقيل المآل في علم الله من شقاوة أو سعادة وقيل المعرفة وقيل الخلقة القابلة للتشكل وقيل اللام للعهد والمراد فطرة أبويه ودينهما (فأبواه يهودنه وينصرانه ويمجسانه) وفي الرواية الثالثة "ويشركانه" بدل "ويمجسانه" بضم الياء وفتح الشين وكسر الراء المشددة والواو بمعنى "أو" والفاء إما للتعقيب أو السببية أو في جزاء شرط مقدر أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه إما بتعليمهما إياه أو بترغيبهما فيه وخص الأبوين بالذكر مع أن التغيير قد يكون من غيرهما لأنه الغالب واستشكل على هذا التركيب بأنه يقتضي أن كل مولود يقع له التهويد وغيره مما ذكر مع أن البعض يستمر مسلما ولا يقع له تهويد أو تنصير والجواب أن في التركيب قيدا ملاحظا أي فإذا حصل له تهويد أو تنصير فأبواه ... فالمقصود من التركيب إفادة أن الكفر إذا حصل ليس من ذات المولود ولا من مقتضى طبعه فإذا وقع كان بسبب خارجي فإن سلم من ذلك السبب استمر على الحق (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) "تنتج" بضم التاء الأولى وفتح الثانية بينهما نون ساكنة مبني للمجهول و"البهيمة" مرفوع نائب فاعل و"بهيمة" بالنصب حال و"جمعاء" صفة "بهيمة" أي مجتمعة الأعضاء لم يذهب من بدنها شيء يقال نتج الله الناقة بفتح التاء ينتجها بفتح الياء وكسر التاء أي يولدها فهو ناتج والناقة منتوجة وبناء الفعل للمجهول يقال نتجت الناقة تنتج الناقة وهذه روايتنا وفي الرواية الرابعة "كما تنتجون الإبل فهل تجدون فيها جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ " فتنتجون بفتح التاء الأولى وكسر الثانية أي تولدونها والجدعاء مقطوعة الأذن ومعنى "هل تحسون" من الإحساس والمراد به العلم بالشيء والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا تجدون فيها جدعا يريد أنها تولد لا جدع فيها وإنما يجدعها

стр. 5752

أهلها بعد ذلك وفي رواية للبخاري "كمثل البهيمة تنتج البهيمة" فالبهيمة الثانية بالنصب على المفعولية وقوله "كما تنتج" تشبيه لتهويد المولود بعد فطرته وسلامته بقطع أذن الناقة بعد ولادتها كاملة الأعضاء سليمتها قال الطيبي قوله "كما" حال من الضمير المنصوب في "يهودانه" أي يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة شبيها بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة أو هو صفة لمصدر محذوف أي يغيرانه تغييرا مثل تغييرهم البهيمة السليمة وقد تنازعت الأفعال الثلاثة [يهودانه وينصرانه ويمجسانه] "كما" على التقديرين اهـ ثم يقول اقرءوا ﴿فطرة الله .. ﴾ هذا صريح في أن هذه الجملة من كلام أبي هريرة مدرجة في الحديث خلافا لرواية من طريق يونس أوهمت أنها من الحديث المرفوع (فقال رجل يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك؟ ) أي قبل أن يهوداه أو ينصراه أو يمجساه أي قبل أن يتحمل مسئولية ذلك أي قبل البلوغ وفي الرواية الرابعة "أفرأيت من يموت صغيرا"؟ أي أخبرنا عمن يموت من أبناء اليهود والنصارى والمجوس صغيرا قبل البلوغ وفي الرواية السادسة "سئل عن أولاد المشركين" أي إذا ماتوا قبل البلوغ وفي ملحقها "سئل عن ذراري المشركين" وفي الرواية السابعة "سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين من يموت منهم صغيرا" أي قبل البلوغ (الله أعلم بما كانوا عاملين) أي لو أبقاهم فلا نحكم عليهم بشيء أي هو يعلم ماذا كانوا سيفعلون لو عاشوا لما بعد البلوغ كما قال ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام ٢٨] ولكنه مع ذلك لا يجازيهم على ما كانوا سيفعلونه لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل وفي الرواية الثامنة "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" وسيأتي الكلام عنهم في فقه الحديث (كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها) قال النووي هكذا هو في جميع النسخ "في حضنيه" بحاء مكسورة ثم ضاد ثم نون ثم ياء تثنية "حضن" وهو الجنب وقيل الخاصرة قال القاضي ورواه ابن ماهان خصييه بالخاء والصاد وهو الأنثيان قال القاضي وأظن هذا وهما بدليل قوله "إلا مريم وابنها" اهـ واللكز الضرب بمجموع الكف يقال لكزه بفتح الكاف يلكزه بضمها لكزا بسكونها (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا) "الخضر" بفتح الخاء وكسر الضاد وقد سبق الكلام عنه في آخر كتاب الفضائل

стр. 5753

-[فقه الحديث]- يتعرض الحديث لقضيتين أساسيتين الأولى تفصيل القول في الفطرة التي فطر الله الناس عليها الثانية مصير من مات من المسلمين أو الكافرين قبل البلوغ أما عن القضية الأولى فأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام قال ابن عبد البر وهو المعروف عند عامة السلف وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم ٣٠] الإسلام واحتجوا بقول أبي هريرة في روايتنا الأولى "اقرءوا إن شئتم ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وبحديث "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم" وفي رواية "حنفاء مسلمين" ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى ﴿فطرة الله﴾ لأنها إضافة مدح وقد أمر الله نبيه بلزومها بقوله ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ فعلم أنها الإسلام ودلل الطيبي على أن المراد بها الإسلام بأن التعريف في "ما من مولود يولد إلا على الفطرة" إشارة إلى معهود وهو قوله ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وبأن بعض الروايات جاءت بلفظ الملة بدل الفطرة [ملحق روايتنا الثالثة] وجاء القرآن الكريم بلفظ "الدين" في قوله ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ والدين هو عين الملة قال تعالى ﴿دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا﴾ [الأنعام ١٦١] ومعنى أنه يولد على الإسلام أنه يولد متمكنا من الهدى في أصل الجبلة والتهيؤ لقبول الدين فلو ترك المرء بدون مؤثرات خارجية لاستمر على لزوم الإسلام ولم يفارقه إلى غيره لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية كالترغيب عنه إلى غيره والتقليد قال القرطبي في المفهم المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام هو الدين الحق وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث حيث قال "كما تنتج البهيمة" يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة فلو ترك كذلك كان بريئا من العيب لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلا فخرج عن الأصل وقال ابن القيم ليس المراد بقوله "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين لأن الله تعالى يقول ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل ٧٨] ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية فلو خلى وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف ومن هنا شبهت الفطرة باللبن اهـ

стр. 5754

وليس معنى أنه يولد على الإسلام أن تجري عليه أحكام المسلم لو لم يهوده أبواه بأن مات أبواه اليهوديان قبل ولادته مثلا كما روي هذا عن الإمام أحمد حيث قال ابن القيم جاء عن أحمد أجوبة كثيرة يحتج فيها بهذا الحديث على أن الطفل إنما يحكم بكفره بأبويه فإذا لم يكن بين أبوين كافرين فهو مسلم اهـ القول الثاني في المراد بالفطرة هنا أنها ما يصير إليه من الشقاوة أو السعادة فمن علم الله أنه يصير مسلما ولد على الإسلام ومن علم أنه يصير كافرا ولد على الكفر وتعقب أنه لو كان كذلك لم يكن لقوله "فأبواه يهودانه ... إلخ" معنى لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها فينافي التمثيل بحال البهيمة القول الثالث أن المراد بها هنا العهد الذي أخذه الله على الذرية فقالوا جميعا بلى أما أهل السعادة فقالوها طوعا وأما أهل الشقاوة فقالوها كرها فكل مولود يولد على ما أقر عليه في الميثاق فإن كان طوعا ولد على الإسلام وإن كان قد قالها كرها ولد على الكفر وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السدي ولم يسنده وكأنه أخذه من الإسرائيليات القول الرابع أن المراد بالفطرة هنا الخلقة غير المطبوعة على شيء الصالحة للسعادة والشقاوة أي يولد سالما لا يعرف كفرا ولا إيمانا ثم يعتقد إذا بلغ التكليف ورجحه ابن عبد البر وقال إنه يطابق التمثيل بالبهيمة وتعقب بأن لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر [يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] دون ملة الإسلام ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى القول الخامس أن المراد بها فطرة أبويه وهو متعقب بما تعقب به ما قبله قال ابن القيم والقدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل بما ابتدأ الناس إحداثه والجواب أن معنى "فأبواه يهودانه" محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى أما عن القضية الثانية أولاد المسلمين وأولاد الكافرين فالجمهور على أن أولاد المسلمين في الجنة قالوا لأنهم سبب في حجب آبائهم عن النار كما سبق في باب "من مات له ولد فاحتسب" ومن كان سببا في حجب النار عن أبويه فأولى به أن يحجب النار عن نفسه لأنه أصل الرحمة وسببها قال النووي أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة وتوقف بعضهم في مآلهم لحديث عائشة روايتنا العاشرة والحادية عشرة قال والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة اهـ وقال المازري الخلاف في غير أولاد الأنبياء اهـ وفيه نظر فأولاد الأنبياء ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم وقد كان بعض أولاد الأنبياء كافرا كابن نوح أما من ثبت دخوله الجنة منهم

стр. 5755

كقوله ﷺ عن ولده إبراهيم ﵇ "إن له مرضعا في الجنة" فبالنص لا بالقاعدة والله أعلم أما أولاد الكفار فروايتنا السادسة والسابعة وفيها "الله أعلم بما كانوا عاملين" ظاهرهما التوقف قال الحافظ ابن حجر واختلف العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة على أقوال أحدها: أنهم في مشيئة الله تعالى وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق ونقله البيهقي في الاعتقاد عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة قال ابن عبد البر وهو مقتضى صنيع مالك وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار خاصة في المشيئة ثانيها: أنهم تبع لآبائهم فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار حكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج واحتجوا بقوله تعالى ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح ٢٦] وتعقب بأن المراد قوم نوح خاصة وإنما دعا بذلك لما أوحى الله إليه ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ [هود ٣٦] وأما حديث "هم من آبائهم أو منهم" فذاك ورد في حكم الحربي وروى أحمد من حديث عائشة "سألت رسول الله ﷺ لم يدركوا الأعمال قال ربك أعلم بما كانوا عاملين لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" قال الحافظ ابن حجر وهو حديث ضعيف جدا لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية وهو متروك اهـ ثالثها: أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة ولا سيئات يدخلون بها النار رابعها: أنهم يكونون خدم أهل الجنة وفيه حديث ضعيف أخرجه الطيالسي وأبو يعلى والطبراني والبزار خامسها: أنهم يصيرون ترابا سادسها: أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن أبى عذب وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء سابعها: أنهم في الجنة قال النووي وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء ١٥] وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب أولى والله أعلم

стр. 5756

(٧٣٥) باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر ٥٨٨٩ - عن عبد الله قال قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية قال فقال النبي ﷺ "قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا عن حله ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل" قال وذكرت عنده القردة قال مسعر وأراه قال والخنازير من مسخ فقال "إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك". ٥٨٩٠ - وفي رواية عن مسعر بهذا الإسناد غير أن في حديثه عن ابن بشر ووكيع جميعا "من عذاب في النار وعذاب في القبر". ٥٨٩١ - عن أم حبيبة ﵂ اللهم متعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال لها رسول الله ﷺ "إنك سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأرزاق مقسومة لا يعجل شيئا منها قبل حله ولا يؤخر منها شيئا بعد حله ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرا لك" قال فقال رجل يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ فقال النبي ﷺ "إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك" ٥٨٩٢ - وفي رواية عن سفيان بهذا الإسناد غير أنه قال "وآثار مبلوغة" قال ابن معبد وروى بعضهم "قبل حله" أي نزوله

стр. 5757

-[المعنى العام]- يراجع المعنى العام في أحاديث القدر وفي أحاديث صلة الرحم وعلاقتها بطول العمر -[المباحث العربية]- (أم حبيبة زوج النبي ﷺ بنت أبي سفيان كانت زوجة لعبيد الله بن جحش خرج بها مهاجرا من مكة إلى أرض الحبشة مع المهاجرين وولدت له هناك حبيبة وبها كانت تكنى ثم افتتن وتنصر ومات نصرانيا وأبت أم حبيبة أن تتنصر وثبتها الله على الإسلام والهجرة فخطبها النبي ﷺ من النجاشي فزوجه إياها والعاقد عثمان بن عفان وهي بنت عمته تزوجها رسول الله ﷺ سنة ست وتوفيت سنة أربع وأربعين قال ابن سعد قدم أبو سفيان المدينة قبل انتهاء الهدنة يريد تجديد العقد فدخل على أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه فقال يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم رغبت بي عنه قالت بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك فقال لقد أصابك بعدي شر (اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ يقال متع الله فلانا بكذا بفتح التاء مخففة أي أطال له الانتفاع به وملأه به ويقال أمتع الله فلانا بكذا ومتعه بكذا بتشديد التاء أي أبقاه لينتفع به ويسر بمكانه والرواية هنا بهمزة قطع (قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة) الإمتاع يشمل كل ذلك وإن لم تطلبه تفصيلا ومضروبة أي محددة يقال ضرب له أجلا وموعدا إذا حدده وعينه (لن يعجل شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا عن حله) قال النووي أما "حله" فضبطناه بوجهين بفتح الحاء وكسرها في المواضع الخمسة من هذه الروايات [فقد ذكر كلمة "حله" في رواياتنا خمس مرات] وذكر القاضي أن جميع الرواة على الفتح ومراده رواة بلادهم وإلا فالأشهر عند رواة بلادنا الكسر وهما لغتان ومعناه وجوبه وحينه يقال حل الأجل يحل حِلا وحَلا اهـ وفي الرواية الثانية "إنك سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأرزاق مقسومة لا يعجل شيئا منها قبل حله ولا يؤخر منها شيئا بعد حله" والمراد من الآثار الموطوءة ما يخلف من بعده من الأعمال التي عملها وفي ملحق الرواية الثانية "وآثار مبلوغة" أي أعمال لا بد له من بلوغها وعملها (وذكرت عنده القردة والخنازير من مسخ) "من" بيانية بمعنى "أي" أي ذكر عنده

стр. 5758

مسخ القردة والخنازير والمصدر مضاف للمفعول والتقدير مسخ الله لنا قردة وخنازير وفي الرواية الثانية "فقال رجل يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ؟ " والمعنى هل القردة والخنازير التي نراها اليوم هي مما مسخ من بني إسرائيل؟ (فقال إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك) أي الجواب بالنفي من وجهين الأول: أن الممسوخ لا ينسل ولا يكون له عقب وهذا أمر يرجع إلى الوحي وحكمة الله تعالى الثاني: أن القردة والخنازير مخلوقة قبل بني إسرائيل وقبل مسخ بني إسرائيل وفي الرواية الثانية "وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك" بضمير الذكور العقلاء في "كانوا" مجازا لكونه جرى في الكلام ما يقتضي مشاركتهما للعقلاء كما في قوله تعالى ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف ٤] -[فقه الحديث]- قال النووي هذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك وأما ما ورد في حديث "صلة الرحم تزيد في العمر" ونظائره فقد سبق تأويله في باب صلة الرحم واضحا قال المازري هنا قد تقرر بالدلائل القطعية أن الله تعالى أعلم بالآجال والأرزاق وغيرها وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله تعالى أن زيدا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها لئلا ينقلب العلم جهلا فاستحال أن الآجال التي علمها الله تعالى تزيد وتنقص فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره ممن وكله الله تعالى بقبض الأرواح وأمره فيها بآجال محدودة فإنه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على حسب ما سبق به علمه في الأزل وهو معنى قوله تعالى ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد ٣٩] وعلى ما ذكرناه يحمل قوله تعالى ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ [الأنعام ٢] قال النووي واعلم أن مذهب أهل الحق أن المقتول مات بأجله وقالت المعتزلة قطع أجله ثم قال فإن قلت ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بالزيادة في الأجل وندبها إلى الدعاء بالاستعاذة من العذاب مع أنه مفروغ منه كالأجل فالجواب أن الجميع مفروغ منه لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة وقد أمر الشرع بالعبادات وأما الدعاء بطول الأجل فليس عبادة وكما لا يحسن ترك الصلاة والصوم اتكالا على القدر فكذلك الدعاء بالنجاة من النار ونحوه والله أعلم

стр. 5759

(٧٣٦) باب الإيمان بالقدر والإذعان له ٥٨٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان". -[المعنى العام]- قد يظن البعض أن القوة المطلوبة هي القوة في العبادة والطاعة وأعمال الآخرة فيهمل الدنيا فيذله الأعداء ويستهين به الناس ويصبح مسودا لا سيدا بل قد يكبله الأعداء عن العبادة ويحولون بينه وبين الطاعة كما حدث للمسلمين في الاتحاد السوفيتي قبل تفككه وكما يحدث للأقليات المسلمة في البلاد غير المسلمة والحق أن القوة شرعا مطلوبة من المؤمن في كل اتجاه لم يخالف الشريعة حتى الزراعة وفلاحة الأرض لا يأكل من نتاجها إنسان أو طير أو بهيمة ولو رغم أنف مالكها إلا كان له به صدقة وما عز الإسلام وانتصر وانتشر إلا بالقوة قوة العقيدة وقوة السلاح استجابة لقوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ [الأنفال ٦٠] وقوله تعالى ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة ١٠] وقوله ﷺ "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ... " الحديث المشهور فكانوا كما وصفهم الله ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح ٢٩] فسادوا الدنيا وملكوا خزائن كسرى وقيصر حرصوا على ما ينفعهم واستعانوا بالله في أمور دنياهم وأمور أخراهم ولم يعجزوا ولم يتواكلوا وقل ندمهم على ما فاتهم فكانوا خيرا من غيرهم عند ربهم كانوا خيرا من مؤمنين ضعفوا وتواكلوا وأسفوا على ما فاتهم وفتحوا الباب للشيطان يزيدهم ضعفا ويزيدهم أسفا وكلما تأخروا نسبوا تأخرهم للشيطان وغواية الشيطان حيث لا ينفعهم الأسف ولا يفيدهم الندم -[المباحث العربية]- (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) القوة لها اتجاهات دنيوية

стр. 5760

وأخروية والاتجاهات الدنيوية متعددة وكثير منها مشروع والأخروية أيضا متعددة وكثير من الاتجاهات الأخروية نافعة في الدنيا فتعميم القوة لأعمال الدنيا والآخرة ما دامت مشروعة أولى مما ذهب إليه النووي حيث قال في شرح مسلم والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد وأسرع خروجا إليه وذهابا في طلبه وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالى وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك (وفي كل خير) التنوين عوض عن المضاف إليه والأصل وفي كليهما خير أي في كل واحد من المؤمن القوي والمؤمن الضعيف خير بالإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات وكلمة "خير" استعملت في أول الحديث بمعنى أخير أفعل تفضيل واستعملت هنا بمعنى الوصف الأصلي بدون التفضيل (احرص على ما ينفعك) بكسر الراء من حرص بفتحها يحرص بكسرها أي زد تمسكا ورغبة فيما ينفعك في الدنيا والآخرة (ولا تعجز) قال النووي بكسر الجيم وحكى فتحها والمعنى احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ولا تعجز ولا تكسل على طلب الطاعة ولا عن طلب الإعانة (وإن أصابك شيء) من البلاء والآلام نتيجة فعل من أفعالك (فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا) مفعول "فعلت" على هذه الرواية محذوف أي لو أني فعلت كذا كان كذا و"لو" حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره غالبا وستأتي في فقه الحديث هذه القضية بالتفصيل (ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) "قدر الله" بفتح القاف والدال خبر مبتدأ محذوف أي هذا قدر الله ويحتمل أن تكون جملة فعلية بتشديد الدال ومفعولها محذوف أي قدر الله وقوع هذا الأمر ومفعول المشيئة محذوف كما هو الغالب -[فقه الحديث]- قال القاضي عياض قال بعض العلماء هذا النهي في قوله "فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا" إنما هو لمن قاله معتقدا ذلك حتما وأنه لو فعل ذلك لم تصبه قطعا فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وما شاء الله له فليس من هذا واستدل بقول

стр. 5761

أبي بكر الصديق ﵁ في الغار "لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا" قال القاضي وهذا لا حجة فيه لأنه إنما أخبر عن مستقبل وليس فيه دعوى لرد قدر بعد وقوعه قال وكذا جميع ما ذكره البخاري في باب ما يجوز من "اللو" كحديث "لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم" و"لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه" و"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" وشبه ذلك فكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر فلا كراهة فيه لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته فأما ما ذهب فليس في قدرته قال القاضي فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه لكنه نهي تنزيه ويدل عليه قوله ﷺ "فإن لو تفتح عمل الشيطان" أي يلقي في القلب معارضة القدر ويوسوس به الشيطان اهـ وقال النووي قد جاء استعمال "لو" في الماضي في قوله ﷺ "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" وغير ذلك فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه فيكون نهي تنزيه لا تحريم فأما من قاله تأسفا على ما فات من طاعة الله تعالى أو ما هو متعذر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث اهـ وقال القرطبي في المفهم المراد من الحديث أن الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله والرضا بما قدر والإعراض عن الالتفات لما فات فإنه إذا فكر فيما فات من ذلك فقال لو أني فعلت كذا لكان كذا جاءته وساوس الشيطان فلا تزال به حتى يفضي إلى الخسران فنهى عن أسباب عمل الشيطان بقوله "فلا تقل "لو" فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" وليس المراد ترك النطق بلو مطلقا إذ قد نطق النبي ﷺ بها في عدة أحاديث ولكن محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت معارضة للقدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور لا ما إذا أخبر بالمانع على جهة أن يتعلق به فائدة في المستقبل فإن مثل هذا لا يختلف في جواز إطلاقه وليس فيه فتح لعمل الشيطان ولا ما يفضى إلى تحريم والله أعلم

стр. 5762

كتاب العلم

стр. 5763

(٧٣٧) باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه والنهي عن الاختلاف في القرآن ٥٨٩٤ - عن عائشة ﵂ قالت تلا رسول الله ﷺ ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ [آل عمران ٧] قالت قال رسول الله ﷺ "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". ٥٨٩٥ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما قال فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". ٥٨٩٦ - عن جندب بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله ﷺ "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا". ٥٨٩٧ - عن جندب يعني ابن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا". ٥٨٩٨ - وفي رواية عن أبي عمران قال قال لنا جندب ونحن غلمان بالكوفة قال رسول الله ﷺ "اقرءوا القرآن" بمثل حديثهما. ٥٨٩٩ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"

стр. 5764

٥٩٠٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم" قلنا يا رسول الله آليهود والنصارى قال "فمن". ٥٩٠١ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا -[المعنى العام]- اختلاف القلوب ليس من الإسلام في شيء بل الإسلام في ائتلافها كما يقول جل شأنه ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ [آل عمران ١٠٣] وكم حذر رسول الله ﷺ من الاختلاف ولو كان في مسائل العلم إذا أدى إلى تباعد القلوب والضغائن أو إذا أدى إلى التشكك فيما يجب الإيمان به ومن هنا يقول إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ويثيرون حوله الجدل ويتشدقون بأنهم عالمون فاحذروهم ولا تجالسوهم وابتعدوا عن لقائهم ويقول عنهم هلك المتنطعون هلكوا لأن تنطعهم فرق بين قلوبهم وقلوب المؤمنين وأهلكوا بتنطعهم من يلوذ بهم ويقتدي بهم من المقلدين ويحذر ﷺ من زمن يصبح فيه المسلمون أتباعا لأعدائهم مقلدين لهم في شعائرهم وحياتهم والتابع مغرم بتقليد المتبوع يحذر من اتباعهم يحذر من هذا الزمن الذي نعيش فيه نحتفل فيه بأعيادهم ونلبس ملابسهم ونحلق لحانا لتكون كلحاهم ونسمح لنسائنا أن يقلدن نساءهم في الاختلاط واللباس والعلاقات الجنسية والاجتماعية وحتى في أخلاقهم الفاسدة وجحورهم الخربة ندخلها اليوم كما يدخلون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم -[المباحث العربية]- تلا رسول الله ﷺ ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾

стр. 5765

عنى علماء التفسير بموضوع المحكم والمتشابه وقد بسطت القول فيه في كتاب اللآلئ الحسان في علوم القرآن" ونوجز القول هنا بما يحقق الهدف من الحديث وقد اختلف المفسرون والأصوليون وغيرهم فيه اختلافا كثيرا وهذا موجز لأهم أقوالهم ١ - المتشابه أمر مدة هذه الأمة فإن علمه خفي عن العباد ٢ - المحكم من القرآن ما وضح معناه لوضوح المفردات والتراكيب والمتشابه نقيضه ٣ - المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل والمتشابه ما استأثر بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المتقطعة في أوائل السور ٤ - المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما لم يعلموه وهو قريب من سابقه ٥ - المحكم الوعد والوعيد والحلال والحرام والمتشابه القصص والأمثال والزيغ عدم الاستقامة ويقابل الرسوخ في العلم الذي لا يحصل إلا بعد التتبع التام الاجتهاد البليغ فإذا استقام القلب على طريق الرشاد ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق وفي هذا ميل إلى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه والوقف في الآية على ﴿في العلم﴾ و ﴿الراسخون﴾ معطوف على لفظ الجلالة ويحتمل أن يكون الوقف على ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ثم يبتدئ قوله تعالى ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ قال النووي وكل واحد من القولين محتمل واختاره طوائف والأصح الأول وأن الراسخين يعلمونه لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته وقد اتفق أصحابنا وغيرهم من المحققين على أنه يستحيل أن يتكلم الله تعالى بما لا يفيد اهـ ويقول الآخرون لا مانع أن يكون في القرآن الكريم ما لا يدركه عقول البشر وما استأثر الله بعلمه كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سر ولو لم يخضع العقل الذي هو أشف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم ووصل إلى حد التمرد فخضوعه يدفعه إلى التذلل لعز الربوبية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لباريها استسلاما واعترافا بقصورها ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود ١] ولا قوله تعالى ﴿كتابا متشابها مثاني﴾ [الزمر ٢٣] حتى زعم بعضهم أن كله محكم وعكس آخرون لا تعارض لأن المراد بالإحكام في قوله "أحكمت" الإتقان في النظم وأن كلها حق من عند الله والمراد من المتشابه كونه يشبه بعضه بعضا في حسن السياق والنظم وليس المراد اشتباه معناه على سامعه فللمحكم معنيان وللمتشابه معنيان (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) وفي رواية "فاحذرهم" بالإفراد والخطاب لكل من يتأتى خطابه

стр. 5766

أي إذا رأيتم الذين يتتبعون المشكلات لإثارة الفتنة وبلبلة العقول فاحذروا مخالطتهم والاستماع لقولهم (هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما) بتشديد الجيم المفتوحة أي سرت في الهاجرة والهاجرة نصف النهار والمراد هنا بكرت وبادرت ولم أنتظر للمساء كما هو الكثير والغالب (فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية) أي في قراءة آية وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي ﷺ قرأ خلافها قال فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي ﷺ فقال "كلاكما محسن لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم" قال الحافظ ابن حجر هذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب (فخرج علينا رسول الله ﷺ الظاهر أن عبد الله بن عمرو وقف معهما حتى خرج إليهم رسول الله ﷺ (فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب) قال النووي المراد بهلاك من قبلنا هنا هلاكهم في الدين بكفرهم وابتداعهم فحذر رسول الله ﷺ من مثل فعلهم وفي الرواية الثالثة "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا" أي إذا اختلفتم في فهم معانيه فقوموا عنه وتفرقوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر قال القاضي عياض يحتمل أن يكون النهي خاصا بزمنه ﷺ لئلا يكون ذلك سببا لنزول ما يسوؤهم ويحتمل أن يكون المعنى اقرءوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة ويحتمل أنه ينهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) الألد بفتح اللام وتشديد الدال شديد الخصومة مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر وأما الخصم فهو بفتح الخاء وكسر الصاد وهو الحاذق بالخصومة قال النووي والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل (لتتبعن سنن الذين قبلكم) بفتح السين والنون وهو الطريق والمراد اتباع طريقهم في المعاصي والسيئات لا في الكفر (شبرا بشبر وذراعا بذراع) كناية عن تمام الموافقة لهم (حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم) جحر الضب مثل في الضيق والتعاريج وهو كناية عن تمام المتابعة وفيه تمثيل بالمستحيل

стр. 5767

(قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن) مبتدأ حذف خبره أي فمن غيرهما؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أحد غيرهما (هلك المتنطعون) أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم يقال نطع اللقمة إذا أكل منها ثم ردها إلى الخوان وتنطع في الشيء غالى فيه وتكلف وتنطع في كلامه إذا تفصح وتعمق وتشدق -[فقه الحديث]- ١ - قال النووي في هذا الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع ومن يتبع المشكلات للفتنة فأما من سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد وتلطف في ذلك فلا بأس عليه وجوابه واجب وأما الأول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عذر عمر بن الخطاب ﵁ ضبيع بن عسل حين كان يتتبع المتشابه اهـ ٢ - وفيه الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف ٣ - والنهي عن المراء في القرآن بغير حق والنهي عن الخلاف فيه ٤ - وفي الرواية الثانية غضب الرسول ﷺ وانفعاله حتى يرى في وجهه ٥ - وفيها التنظير بالأمم السابقة ٦ - وفي الرواية الرابعة الحث على القيام والتفرق وتغيير الأوضاع إذا حصل الاختلاف قال النووي والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمول عند العلماء على اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القرآن أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة وشجار ونحو ذلك قال وأما الاختلاف في استنباط فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهيا عنه بل هو مأمور به وهو فضيلة ظاهرة وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن ٧ - وفي الرواية الخامسة ذم اللجاج والمخاصمة في المناقشة والجدال ٨ - وفي الرواية السادسة التحذير من التقليد في الأعمال السيئة ٩ - وفيها معجزة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أنذر به وحذر منه ١٠ - وفي الرواية السابعة التحذير من التنطع والتشدق والتقعر في النقاش والله أعلم.

стр. 5768

(٧٣٨) باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ٥٩٠٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنى". ٥٩٠٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال ألا أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لا يحدثكم أحد بعدي سمعه منه "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنى ويشرب الخمر ويذهب الرجال وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد". ٥٩٠٤ - عن أبي وائل قال كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى فقالا قال رسول الله ﷺ "إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج والهرج القتل" ٥٩٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج" قالوا وما الهرج قال "القتل"

стр. 5769

٥٩٠٦ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يتقارب الزمان ويقبض العلم" ثم ذكر مثله ٥٩٠٧ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "يتقارب الزمان وينقص العلم" ثم ذكر مثل حديثهما. ٥٩٠٨ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال عن النبي ﷺ بمثل حديث الزهري عن حميد عن أبي هريرة غير أنهم لم يذكروا "ويلقى الشح". ٥٩٠٩ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ٥٩١٠ - عن عروة بن الزبير قال قالت لي عائشة يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج فالقه فسائله فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا قال فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ قال عروة فكان فيما ذكر أن النبي

стр. 5770

صلى الله عليه وسلم قال "إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم ويبقي في الناس رءوسا جهالا يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون" قال عروة فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته قالت أحدثك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا قال عروة حتى إذا كان قابل قالت له إن ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم قال فلقيته فساءلته فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى قال عروة فلما أخبرتها بذلك قالت ما أحسبه إلا قد صدق أراه لم يزد فيه شيئا ولم ينقص. -[المعنى العام]- في حجة الوداع وفي خطبه ﷺ فيها وفي وصاياه ﷺ لأمته وتحذيرهم من أمور تحدث لهم في مستقبل أيامهم وفي آخر أزمانهم ليأخذوا حذرهم وليقللوا من أضرار الفتن التي تنتظرهم يقول لهم من أشراط الساعة وعلاماتها وأماراتها أن يرفع الله العلم وليس من صدور العلماء بل بموت العلماء فكل عالم يموت إن لم يورث علمه لتلميذ أو لتلاميذ يموت معه علمه وكلما بعد الناس عن مصدر التشريع وطال بهم الزمن كلما نضب معين العلم الديني وبردت حرارته في القلوب حتى ينتهي الأمر بقبض العلم وانتشار الجهل واستعلاء الجهلاء وتقمصهم دور العلماء يستفتون فيفتون بغير علم فيضلون في أنفسهم ويضلون غيرهم ومن أشراط الساعة أيضا انتشار الزنى وشيوعه وقلة الاستحياء منه والمجاهرة به ومن أشراطها كثرة شرب الخمر والتجاهر بها وتسميتها بغير اسمها واستحلالها ومن أشراطها كثرة النساء وقلة الرجال بسبب الحروب وغيرها ومن أشراطها كثرة القتل لأتفه الأسباب بل قتل الولد أباه وأمه وأخاه وأخته وكثرة الحروب وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومن أشراطها كثرة الفتن والوشايات والضغائن والتحاسد والتدابر ومن أشراطها تقارب الزمان وضعف البركة فيه وقلة العمل الأخروي وتضييع الوقت فيما لا يغني ولا يفيد حتى تضيع قيمته ويمر مر السحاب ولا يحس المرء بعمره وكأنه لم يعش إلا ساعة من نهار ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به﴾ [إبراهيم ٥٢] ﴿فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها﴾ [الأنعام ١٠٤] ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت ٤٦]

стр. 5771

-[المباحث العربية]- (من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل) قال النووي هكذا هو في كثير من النسخ "يثبت الجهل" من الثبوت وفي بعضها "يبث" بضم الياء وفتح الباء بعدها ثاء مشددة أي ينشر ويشيع وفي الرواية الثانية "ويظهر الجهل" وفي الرواية الثالثة "وينزل فيها الجهل" و"أشراط" جمع "شرط" بفتح الراء وهو العلامة وفي الرواية الثالثة "إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم" وسيأتي كيفية رفع العلم وثبوت الجهل والتعبير برفعه معناه خلو الأرض منه وهو المراد من قبضه في الرواية الرابعة وفي ملحقها "وينقص العلم" ونقصانه حالة سابقة على قبضه وهو المراد بانتزاعه في الروايات الأخيرة (ويشرب الخمر) بضم الياء مبني للمجهول ومنصوب عطفا على "يرفع العلم" والمراد كثرة شربها إذ لم يتوقف شربها (ويظهر الزنى) المراد من ظهوره كثرته وإعلانه وعدم الاستحياء منه وفي الرواية الثانية "ويفشو الزنى" زاد في الرواية الثانية "ويذهب الرجال" أي بالحروب وغيرها والمراد من ذهابهم ذهاب الكثيرين منهم وتبقى النساء أي يكثر عددهن عن الرجال "حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد" أي ولي أمر واحد لخمسين امرأة بنتا وأختا وأما وليس المراد زوجا وزاد في الرواية الثالثة والرابعة ويكثر فيها الهرج والهرج القتل والهرج بفتح الهاء وسكون الراء القتل بلسان الحبشة وزاد في الرواية الرابعة "ويلقى الشح" بضم الياء وسكون اللام أي يلقى في القلوب ويكثر وفي الأوسط للطبراني "يظهر الفحش والبخل" وزاد في الرواية الرابعة أيضا وتظهر الفتن أي تكثر وتنتشر وتعظم وزاد في ملحق الرواية الرابعة تقارب الزمان أي قصره وعدم البركة فيه وقلة ما يشغله من الأعمال النافعة في الدنيا والآخرة وفي رواية للبخاري يتقارب الزمان وينقص العمل وقيل المراد به قصر الأعمار وقيل المراد به ضعف مدة استلذاذ العيش قال الخطابي وما زال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت ويستطيلون مدة المكروه وإن قصرت وهذا القول غير سليم وقيل المراد به تقارب أحوال الناس في الشر والفساد والجهل قاله الطحاوي والأول أقرب فعند أحمد "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة" (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) قال النووي ضبطناه في البخاري رءوسا بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس

стр. 5772

وضبطوه في مسلم هنا بوجهين أحدهما هذا والثاني رؤساء بالمد جمع رئيس وكلاهما صحيح والأول أشهر اهـ والمراد من علم العلماء هنا العلم الديني وهذا لا يمنع انتشار العلوم الأخرى كما أن المراد من العلماء الذين يقبضون العلماء المعرضون للفتوى والذين يلجأ الناس إليهم ويعتقدون في فتواهم فلا يعارضه كثرة علماء الدين في هذه الأيام حتى ولو كانوا متعمقين في العلم لأنهم وقد لبسوا لباسا غير لباسهم أصبحوا مجهولين لا يعرفهم الناس ولا يفيدون منهم ومن لا يؤدي رسالته في حكم المعدوم وقد تصدر للفتوى في هذه الأيام نتيجة لتخلي العلماء المؤهلين عن رسالتهم الجهال فكثرت الفتاوى الضالة المضلة (عن عروة بن الزبير قال قالت لي عائشة يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج فالقه فسائله فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا قال فلقيته فساءلته) عبد الله بن عمرو كان يكتب عن رسول الله ﷺ وأبو هريرة لا يكتب ومن هنا اشتهر بأنه المكثر الأول رواية عن رسول الله ﷺ وكان في ظروف هذا الحديث يسكن مصر وكانت عائشة وابن أختها عروة بن الزبير يسكنان المدينة وقدم عبد الله بن عمرو من مصر إلى مكة مارا بالمدينة في طريقه إلى الحج فلقيه عروة فسأله (فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ قال إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم ويبقى في الناس رءوسا جهالا يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته) في رواية للبخاري إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه وفي رواية بعد أن أعطاهموه ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم وعند الحميدي من قلوب العباد وعند الطبراني إن الله لا ينزع العلم من صدور الناس بعد أن يعطيهم إياه وفي رواية ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته ثلاث مرات أخرجه أحمد والطبراني وفي رواية عند أحمد والبزار إن قبض العلم ليس شيئا ينزع من صدور الرجال ولكنه فناء العلماء وفي رواية ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم وفي رواية ولكن يقبض العلم بقبض العلماء وفي رواية ولكن يذهب العلماء كلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى يبقى من لا يعلم (قال عروة ثم لقيت عبد الله بن عمرو على رأس الحول فسألته فرد علينا الحديث كما حدث) في الرواية السادسة قال عروة حتى إذا كان قابل قالت له إن ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله الحديث الذي ذكره لك في العلم قال فلقيته فسألته فذكر لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى قال عروة فلما أخبرتها بذلك قالت ما أحسبه إلا قد صدق أراه لم يزد فيه شيئا ولم ينقص قال النووي ليس معناه أنها اتهمته لكنها خافت أن يكون اشتبه عليه أو قرأه من كتب الحكمة فتوهم عن النبي ﷺ فلما كرره مرة أخرى وثبت عليه غلب على ظنها

стр. 5773

أنه سمعه من النبي ﷺ وقولها أراه بفتح الهمزة أي أعلمه اهـ وقال الحافظ ابن حجر ويحتمل أن عائشة كان عندها علم من الحديث وظنت أنه زاد فيه أو نقص فلما حدث به ثانيا كما حدث به أولا تذكرت أنه على وفق ما كانت سمعت وفي رواية قال عروة ثم لبثت سنة ثم لقيت عبد الله بن عمرو في الطواف فسألته .. الحديث قال الحافظ ابن حجر أفاد أن لقاءه إياه في المرة الثانية كان بمكة وكأن عروة كان حج في تلك السنة من المدينة وحج عبد الله من مصر فبلغ عائشة ويكون قولها إن ابن عمرو قد قدم أي من مصر طالبا مكة لا أنه قدم المدينة إذ لو دخلها للقيه عروة بها ويحتمل أن تكون عائشة حجت تلك السنة وحج معها عروة فقدم عبد الله بعد فلقيه عروة بأمر عائشة -[فقه الحديث]- أثارت هذه الأحاديث قضيتين الأولى استدل بها الجمهور على خلو الزمان عن مجتهد لأنها صريحة في رفع العلم وقبضه بقبض العلماء وفي ترئيس أهل الجهل ومن لازمه الحكم بالجهل وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد وأكثر الحنابلة وبعض من غيرهم يقولون لا يخلو زمان عن مجتهد ويستدلون بحديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وفي لفظ حتى تقوم الساعة فإنه ظاهر في عدم الخلو وقالوا إن الاجتهاد فرض كفاية وانتفاؤه يستلزم الاتفاق على الباطل وأجيب بأن فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء فلا لأن بفقدهم تنتفي القدرة والتمكن من الاجتهاد وإذا انتفى أن يكون مقدورا لم يقع التكليف به هذا وينبغي أن نحدد موطن الخلاف أولا لوضوح القول الفصل إن كان المراد جواز خلو الزمان عن مجتهد فهو جائز كما أن عدم خلو الزمان عن مجتهد جائز وإن كان المراد وقوع وحصول خلو الزمان عن مجتهد في آخر الزمان يوم لا يقال في الأرض الله الله ويوم يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب كما رواه أحمد ويوم تأتي الريح اللينة فتقبض كل مؤمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان فلا يبقى إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة فخلو الزمان حينئذ عن مجتهد محقق لا يقبل النزاع فيه وحديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يعارضه لأنه معنيا بقوله حتى يأتي أمر الله وقوله حتى تقوم الساعة معناه حتى إشرافها ووجود آخر أشراطها كما وضحنا ذلك في شرح هذا الحديث وإن كان المراد وقوع خلو الزمان عن مجتهد في أيام الضعف كأيامنا التي نعيشها فلا دليل في حديثنا للجمهور لأن قضايا العصر تتجدد ولا بد من حكم شرعي وإلا لم يكن الإسلام صالحا لكل زمان ومكان فلا بد من وجود مجتهد وإن لم يكن على مستوى المجتهدين الأوائل

стр. 5774

وفي هذا المقام يعجبني تقرير الحافظ ابن حجر إذ يقول ويمكن أن تنزل هذه الأحاديث على الترتيب في الواقع فيكون أولا رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق ثم المقيد فإذا لم يبق مجتهد استووا في التقليد لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيد من بعض ولا سيما إن فرعنا على جواز تجزؤ الاجتهاد ولكن لغلبة الجهل يقدم أهل الجهل أمثالهم وإليه الإشارة بقوله اتخذ الناس رءوسا جهالا وهذا لا ينفي ترئيس بعض من لم يتصف بالجهل التام كما لا يمتنع ترئيس من ينسب إلى الجهل في الجملة في زمن أهل الاجتهاد وقد أخرج ابن عبد البر في كتاب العلم عن دراج أبي السمح يقول يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى يسير عليها في الأمصار يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن فيحمل على أن المراد الأغلب الأكثر في الحالين وقد وجد هذا مشاهدا ثم يجوز أن يقبض أهل هذه الصفة ولا يبقى إلا المقلد الصرف وحينئذ يتصور خلو الزمان عن مجتهد ولو في بعض الأبواب بل في بعض المسائل ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم في الجملة ثم يزداد حينئذ غلبة الجهل وترئيس أهله ثم يجوز أن يقبض أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وذلك جدير بأن يكون عند خروج الدجال أو بعد موت عيسى ﵇ وحينئذ يتصور خلو الزمان عمن ينسب إلى العلم أصلا ثم تهب الريح فتقبض كل مؤمن وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم فضلا عن عالم فضلا عن مجتهد ويبقى شرار الناس وعليهم تقوم الساعة والعلم عند الله اهـ القضية الثانية الإفتاء بالرأي وروايتنا الخامسة والسادسة تذم الإفتاء بغير علم والقرآن الكريم يقول ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء ٣٦] ورواية البخاري فيتبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون والتحقيق أن الذم موجه إلى القول بغير علم فيخص به من تكلم برأي مجرد عن استناد إلى أصل وذم من أفتى مع الجهل ولذلك وصفهم بالضلال والإضلال وقد امتدح القرآن الكريم من استنبط من الأصل بقوله ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء ٨٣] فالرأي إن كان مستندا إلى أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع فهو المحمود وإذا كان لا يستند إلى شيء منها فهو المذموم وحديث سهل بن حنيف في البخاري وقوله يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم وإن كان يدل على ذم الرأي لكنه مخصوص بما إذا كان معارضا للنص فكأنه قال اتهموا رأيكم إذا خالف السنة وقد ثبت أن عمر ﵁ كتب إلى أبي شريح انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا فإن لم يتبين لك من كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله ﷺ وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد فيه رأيك وفي رواية أنه كتب لشريح اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن فبما قضى به الصالحون فإن لم يكن فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك فهذا عمر يأمر بالاجتهاد فدل على أن الرأي المذموم ما خالف الكتاب والسنة -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - الحث على حفظ العلم

стр. 5775

٢ - وفي الرواية الخامسة والسادسة حض أهل العلم وطلبته على أخذ بعضهم عن بعض ٣ - وشهادة بعضهم لبعض بالحفظ والفضل ٤ - وحض العالم تلميذه على الأخذ عن غيره ليستفيد ما ليس عنده ٥ - والتثبت فيما يحدث به المحدث إذا قامت قرينة الذهول ٦ - ومن قول عائشة فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم ولم تقل له سله عنه ابتداء خشية من استيحاشه يؤخذ من هذا مراعاة الفاضل واحترام قدره ٧ - وفي هذه الأحاديث الزجر عن ترئيس الجاهل لما يترتب عليه من المفسدة قال الحافظ ابن حجر وقد يتمسك به من لا يجيز تولية الجاهل ولو كان عاقلا عفيفا لكن إذا دار الأمر بين العالم الفاسق والجاهل العفيف فالجاهل العفيف أولى لأن ورعه يمنعه عن الحكم بغير علم فيحمله على البحث والسؤال ٨ - وفي الأحاديث بعض أشراط الساعة من رفع العلم وظهور الجهل والشح وشرب الخمر والزنى وقلة الرجال وكثرة النساء والقتل والفتن وتقارب الزمان والله أعلم.

стр. 5776

(٧٣٩) باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة ٥٩١١ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه قال ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء ٥٩١٢ - وفي رواية قال جرير بن عبد الله قال رسول الله ﷺ "لا يسن عبد سنة صالحة يعمل بها بعده" ثم ذكر تمام الحديث. ٥٩١٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا -[المعنى العام]- الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله ومن فتح باب خير كان له أجر مثل أجر من عمل به ومن فتح باب شر كان عليه من الوزر مثل وزر من عمل به لأنه سبب ووسيلة في الخير أو

стр. 5777

الشر والسبب والوسيلة تعطي حكم الغاية حتى روي أن ابن آدم الذي شرع قتل أخيه وقتل أخاه عليه وزر في كل قتل لبني آدم لأنه أول من قتل فاقتدى به من يقتل وهذه دعوة إلى الناس عامة أن يكونوا مفاتيح خير مغاليق شر وأن ينصحوا بالخير ويعملوا به وأن يحذروا غيرهم من الشر بعد أن يبتعدوا عنه هدانا الله الصراط المستقيم -[المباحث العربية]- (جاء ناس من الأعراب إلى رسول لله ﷺ راغبين في أن يتصدق عليهم وأن يحسن عليهم (عليهم الصوف) ولباس صوف الغنم رمز في تلك الأيام على الفقر وسوء الحال ولهذا قال (فرأى سوء حالهم) في الملبس وعلم سوء حالهم بالشكوى (قد أصابتهم حاجة) بجدب الصحراء وقلة الزرع والضرع (فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه) كان ﷺ يوري ويعرض ولا يأمر ولا ينهي فربما فهموا عدم العزيمة مع جهد من سمع وضعف حال من وجد (ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق) أي من فضة فكان هذا الرجل فاتحة خير وبداية عطاء وسن لمن يراه أن يعمل مثل ما عمل (ثم جاء آخر) أي بصرة أيضا (ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه) أي تتابعوا يحملون صدقاتهم وعطاءاتهم (من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها) قيد "فعمل بها بعده" قيد في مثل الأجر لا في مطلق الأجر والبعدية تشمل العمل بها بعد سنه وفي حياته كما تشمل من عمل بها بعد مماته وأما إذا لم يعمل بها أحد فله أجر أيضا وإن لم يكن مثل التي عملت وكذلك من ابتدع سنة سيئة كان عليه وزر ما سن سواء عمل بها أم لم يعمل بها لكن كلما كثر العاملون بها زاد إثمه ووزره كما قال تعالى ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ [النحل ٢٥] (لا ينقص من أجورهم شيء) رفع لإيهام الاشتراك في أجر واحد وذلك فضل من الله

стр. 5778

-[فقه الحديث]- أخرجه الترمذي من وجه آخر بلفظ من سن سنة خير ومن سن سنة شر وقال مجاهد في قوله تعالى ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم﴾ [النحل ٢٥] قال حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم شيئا وقال المهلب هذا الباب في معنى التحذير من الضلال واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين قال الحافظ ابن حجر ووجه التحذير أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الأصل في إحداثها والله أعلم.

стр. 5779

كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار

стр. 5780

(٧٤٠) باب الحث على ذكر الله تعالى ٥٩١٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يقول الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ هم خير منهم وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ٥٩١٥ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد ولم يذكر وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا. ٥٩١٦ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ إن الله قال إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع. ٥٩١٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة ١٥٢] ويقول ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات ٥٦] وذكر الله تعالى عبادة الملائكة واعتراف من المخلوق للخالق وقد مدح الله الذاكرين له في آيات كثيرة وجعلهم أولي الألباب في قوله ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم .. ﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩١] والذاكرون لا يشقون ولا يشقى جليسهم ويباهي الله بهم ملائكته يذكرهم الله في الملأ الأعلى ويجيب دعاءهم ويثيبهم ويرحمهم ويضاعف أجرهم
следующие страницы →