← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

(٧٣٩) باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة ٥٩١١ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه قال ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء ٥٩١٢ - وفي رواية قال جرير بن عبد الله قال رسول الله ﷺ "لا يسن عبد سنة صالحة يعمل بها بعده" ثم ذكر تمام الحديث. ٥٩١٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا -[المعنى العام]- الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله ومن فتح باب خير كان له أجر مثل أجر من عمل به ومن فتح باب شر كان عليه من الوزر مثل وزر من عمل به لأنه سبب ووسيلة في الخير أو

стр. 5777

الشر والسبب والوسيلة تعطي حكم الغاية حتى روي أن ابن آدم الذي شرع قتل أخيه وقتل أخاه عليه وزر في كل قتل لبني آدم لأنه أول من قتل فاقتدى به من يقتل وهذه دعوة إلى الناس عامة أن يكونوا مفاتيح خير مغاليق شر وأن ينصحوا بالخير ويعملوا به وأن يحذروا غيرهم من الشر بعد أن يبتعدوا عنه هدانا الله الصراط المستقيم -[المباحث العربية]- (جاء ناس من الأعراب إلى رسول لله ﷺ راغبين في أن يتصدق عليهم وأن يحسن عليهم (عليهم الصوف) ولباس صوف الغنم رمز في تلك الأيام على الفقر وسوء الحال ولهذا قال (فرأى سوء حالهم) في الملبس وعلم سوء حالهم بالشكوى (قد أصابتهم حاجة) بجدب الصحراء وقلة الزرع والضرع (فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه) كان ﷺ يوري ويعرض ولا يأمر ولا ينهي فربما فهموا عدم العزيمة مع جهد من سمع وضعف حال من وجد (ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق) أي من فضة فكان هذا الرجل فاتحة خير وبداية عطاء وسن لمن يراه أن يعمل مثل ما عمل (ثم جاء آخر) أي بصرة أيضا (ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه) أي تتابعوا يحملون صدقاتهم وعطاءاتهم (من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها) قيد "فعمل بها بعده" قيد في مثل الأجر لا في مطلق الأجر والبعدية تشمل العمل بها بعد سنه وفي حياته كما تشمل من عمل بها بعد مماته وأما إذا لم يعمل بها أحد فله أجر أيضا وإن لم يكن مثل التي عملت وكذلك من ابتدع سنة سيئة كان عليه وزر ما سن سواء عمل بها أم لم يعمل بها لكن كلما كثر العاملون بها زاد إثمه ووزره كما قال تعالى ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ [النحل ٢٥] (لا ينقص من أجورهم شيء) رفع لإيهام الاشتراك في أجر واحد وذلك فضل من الله

стр. 5778

-[فقه الحديث]- أخرجه الترمذي من وجه آخر بلفظ من سن سنة خير ومن سن سنة شر وقال مجاهد في قوله تعالى ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم﴾ [النحل ٢٥] قال حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم شيئا وقال المهلب هذا الباب في معنى التحذير من الضلال واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين قال الحافظ ابن حجر ووجه التحذير أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الأصل في إحداثها والله أعلم.

стр. 5779

كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار

стр. 5780

(٧٤٠) باب الحث على ذكر الله تعالى ٥٩١٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يقول الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ هم خير منهم وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ٥٩١٥ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد ولم يذكر وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا. ٥٩١٦ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ إن الله قال إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع. ٥٩١٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة ١٥٢] ويقول ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات ٥٦] وذكر الله تعالى عبادة الملائكة واعتراف من المخلوق للخالق وقد مدح الله الذاكرين له في آيات كثيرة وجعلهم أولي الألباب في قوله ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم .. ﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩١] والذاكرون لا يشقون ولا يشقى جليسهم ويباهي الله بهم ملائكته يذكرهم الله في الملأ الأعلى ويجيب دعاءهم ويثيبهم ويرحمهم ويضاعف أجرهم

стр. 5781

يقول لملائكته ماذا يطلبون؟ يقولون الجنة يقول فهل رأوها؟ يقولون لا فيقول كيف حالهم إذا رأوها؟ ومم يستعيذون؟ فيقولون من النار فيقول وهل رأوها؟ فيقولون لا فيقول فكيف إذا رأوها؟ أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهم -[المباحث العربية]- (أنا عند ظن عبدي بي) أي أنا قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به وقصره الكرماني على الرجاء وقصره القرطبي في المفهم على ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكا بصدق وعده ويؤيده حديث ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة (وأنا معه حين يذكرني) في رواية للبخاري وأنا معه إذا ذكرني أي بعلمي كقوله تعالى ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه ٤٦] وقيل أنا معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية وقيل أنا معه في ظنه الذي يظنه بي وذكره لي (إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) أي إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرا ذكرته بالثواب والرحمة سرا قال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة ١٥٢] ومعناه اذكروني بالتعظيم أذكركم بالإنعام ﴿ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت ٤٥] أي أكبر العبادات فمن ذكره وهو خائف آمنه أو مستوحش آنسه ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد ٢٨] ويجوز أن يكون المعنى إن ذكرني خاليا أثبته وجازيته بما لا يطلع عليه أحد (وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم) الملأ بفتح الميم واللام وبالهمز الجماعة وسيأتي في فقه الحديث خيرية الملأ على أنهم الملائكة (وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) الأصل تقربت منه ذراعا فعبر بإلى التي تفيد الانتهاء وعكس الحرفين من وإلى في الذراع والباع فتبادل الحرفان الموقعين وقد اختلفت الروايات في وضع الحرفين والحروف ينوب بعضها عن بعض قال ابن بطال وصف نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب إليه ووصفه بالإتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه تعالى محال فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز

стр. 5782

لشهرته في كلام العرب فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبرا وذراعا وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بالطاعة وأداء الفرائض والنوافل ويكون تقربه من عبده وإتيانه ومشيه عبارة عن إثابته على طاعته وتقريبه من رحمته ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا ونقل عن الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر ومثل مضاعفته الأجر والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلا على مبلغ كرامته لمن أدمن على طاعته وقال ابن التين القرب هنا نظير قوله تعالى ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم ٩] فإن المراد به قرب الرتبة وتوفير الكرامة والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الأجر قال والهرولة ضرب من المشي السريع وهي دون العدو وقال صاحب المشارق المراد في هذا الحديث سرعة قبول توبة العبد وتيسير طاعته وتقويته عليها وتمام هدايته وتوفيقه وقال الخطابي الباع معروف وهو قدر مد اليدين وأما البوع بفتح الباء فهو مصدر باع يبوع بوعا قال ويحتمل أن يكون بضم الباء جمع باع مثل دار ودور وقال الباجي الباع طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره وذلك قدر أربعة أذرع وهو من الدواب قدر خطوها في المشي وهو ما بين قوائمها اهـ وفي الرواية الثانية إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع وزاد في بعض الروايات ومن أتاني بقراب الأرض خطيئة لم يشرك بي شيئا جعلتها له مغفرة وستأتي هذه الرواية بعد أربعة أبواب قال النووي في رواية وإذا تلقاني بباع جئته أتيته هكذا هو في أكثر النسخ جئته أتيته وفي بعضها جئته بأسرع فقط وفي بعضها أتيته وهاتان ظاهرتان والأول صحيح أيضا والجمع بينهما للتوكيد وهو حسن لا سيما عند اختلاف اللفظ (جبل يقال له جمدان) بضم الجيم وإسكان الميم (سبق المفردون) بفتح الفاء وكسر الراء المشددة قال النووي هكذا نقله القاضي عن متقني شيوخه وذكر غيره أنه روى بتخفيفها وإسكان الفاء يقال فرد الرجل وفرد بالتخفيف والتشديد وأفرد وقد فسرهم رسول الله ﷺ (قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات) أي والذاكرات الله كثيرا فحذف المفعول كما

стр. 5783

حذف في القرآن لمناسبة رءوس الآي ولأنه مفعول يجوز حذفه للعلم به قال ابن قتيبة وغيره وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم وانفردوا فبقوا يذكرون الله تعالى وجاء في رواية هم الذين اهتزوا في ذكر الله أي لهجوا به وقال ابن الأعرابي يقال فرد الرجل إذا تفقه واعتزل وخلا بمراعاة الأمر والنهي -[فقه الحديث]- استدلت المعتزلة ومن وافقهم بهذا الحديث على أن الملائكة أفضل من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ [الإسراء ٧٠] فالتقييد بالكثير احتراز من الملائكة قال النووي ومذهب أصحابنا وغيرهم أن الأنبياء أفضل من الملائكة لقوله تعالى في بني إسرائيل ﴿وفضلناهم على العالمين﴾ [الجاثية ١٦] والملائكة من العالمين اهـ قال ابن بطال هذا نص في أن الملائكة أفضل من بني آدم وهو مذهب جمهور أهل العلم وعلى ذلك شواهد من القرآن مثل ﴿إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾ [الأعراف ٢٠] والخالد أفضل من الفاني فالملائكة أفضل من بني آدم اهـ وفي كلامه نظر إذ لو صحت المقارنة لكان إبليس وهو من المنظرين أفضل قال الحافظ ابن حجر وتعقب بأن المعروف عن جمهور أهل السنة أن صالحي بني آدم أفضل من سائر الأجناس والذين ذهبوا إلى تفضيل الملائكة الفلاسفة ثم المعتزلة وقليل من أهل السنة من أهل التصوف وبعض أهل الظاهر فمنهم من فاضل بين الجنسين فقال حقيقة الملك أفضل من حقيقة الإنسان لأنها نورانية وخيرة ولطيفة مع سعة العلم والقوة وصفاء الجوهر وهذا لا يستلزم تفضيل كل فرد على كل فرد لجواز أن يكون في بعض الأناس ما في ذلك وزيادة ومنهم من خص الخلاف بصالحي البشر والملائكة ومنهم من خصه بالأنبياء ثم منهم من فضل الملائكة على غير الأنبياء ومنهم من فضلهم على الأنبياء أيضا إلا على نبينا محمد ﷺ قال ومن أدلة تفضيل النبي على الملك أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم على سبيل التكريم له حتى قال إبليس ﴿أرأيتك هذا الذي كرمت علي﴾ [الإسراء ٦٢] ومنها قوله تعالى ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص ٧٥] لما فيه من الإشارة إلى العناية به ولم يثبت ذلك للملائكة ومنها قوله تعالى ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ [آل عمران ٣٣] ومنها قوله تعالى ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الجاثية ١٣] فدخل في عمومه الملائكة والمسخر له أفضل من المسخر ولأن طاعة الملائكة بأصل الخلقة وطاعة البشر غالبا مع المجاهدة للنفس

стр. 5784

لما طبعت عليه من الشهوة والحرص والهوى والغضب فكانت عبادتهم أشق وأيضا فطاعة الملائكة بالأمر الوارد عليهم وطاعة البشر بالنص تارة وبالاجتهاد تارة وبالاستنباط تارة فكانت أشق ولأن الملائكة سلمت من وسوسة الشياطين وإلقاء الشبه والإغواء الجائزة على البشر ولأن الملائكة تشاهد حقائق الملكوت والبشر لا يعرفون ذلك إلا بالإعلام وأجابوا على أدلة الآخرين بأن الخبر المذكور أي حديثنا ليس نصا ولا صريحا في المراد بل يطرقه احتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خير من الملأ الذاكر الأنبياء والشهداء فإنهم أحياء عند ربهم فلم ينحصر ذلك في الملائكة وجواب آخر أقوى من الأول بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ الأعلى معا فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع ثم قال الحافظ ابن حجر ومن أدلة المعتزلة تقديم الملائكة في الذكر في قوله تعالى ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله﴾ [البقرة ٩٨] وقوله ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ [آل عمران ١٨] وقوله ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ [الحج ٧٥] وتعقب بأن مجرد التقديم في الذكر لا يستلزم التفضيل لأنه لم ينحصر فيه بل له أسباب أخرى كالتقديم بالزمان في مثل قوله ﴿ومنك ومن نوح وإبراهيم﴾ [الأحزاب ٧] فقدم نوحا على إبراهيم لتقدم زمان نوح مع أن إبراهيم أفضل ومنها قوله تعالى ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون﴾ [النساء ١٧٢] اهـ وهناك أدلة وردود أخرى يضيق عنها المقام وعندي أن هذا البحث ليس من ورائه كبير فائدة وعلمه عند الله تعالى يفضل ما يشاء على ما يشاء من غير مزية أو خصوصية فهو الواهب للمزايا والخصوصيات وفي الحديث فضيلة الذكر وقال الكرماني في الحديث إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف وكأنه أخذه من جهة التسوية فإن العاقل إذا سمع أنا عند ظن عبدي بي لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد وهو جانب الخوف لأنه لا يختاره لنفسه بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد وهو جانب الرجاء قال أهل التحقيق هذا التغليب مطلوب عند الاحتضار لقوله ﷺ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله والله أعلم.

стр. 5785

(٧٤١) باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها ٥٩١٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال لله تسعة وتسعون اسما من حفظها دخل الجنة وإن الله وتر يحب الوتر وفي رواية ابن أبي عمر من أحصاها. ٥٩١٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة" وزاد همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "إنه وتر يحب الوتر". -[المعنى العام]- كثرة الأسماء تدل على عظم المسمى والاسم غير الصفة ومن المعلوم أن الله تعالى يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقص وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في إطلاق أسماء عليه تعالى مأخوذة من الأوصاف الكمالية غير واردة في أسمائه تعالى المنصوص عليها في الكتاب أو في السنة الصحيحة والتحقيق أن أسماء الله توقيفية فلا يجوز أن نسمي الله إلا بما سمى به نفسه في قرآنه أو على لسان نبيه ﷺ وقد ورد في هذا الحديث أن لله تسعة وتسعين اسما ذكرت في بعض كتب السنن وحث على حفظها رسول الله ﷺ فقال من حفظها دخل الجنة ومن أحصاها عدا وذكرا ودعاء في الصلاة أو غيرها كثر أجره وثوابه فاستحق الجنة إن شاء الله -[المباحث العربية]- (لله تسعة وتسعون اسما) كذا في معظم النسخ اسما بالنصب على التمييز وفي الرواية الثانية إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا بتذكير واحدا قال ابن بطال وهو الصواب وفي رواية عند البخاري إلا واحدة بالتأنيث وخرجت على إرادة التسمية أي إلا تسمية واحدة وقال السهيلي بل أنث الاسم لأنه كلمة أي إلا كلمة واحدة وقال ابن مالك أنث باعتبار معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة وفائدة هذه الزيادة مائة إلا واحدا بعد تسعة وتسعين التقرير في

стр. 5786

نفس السامع جمعا بين الإجمال والتفصيل أو رفعا للتصحيف الخطي والسمعي ووقع في رواية الحميدي مائة اسم غير واحد وعند ابن ماجه قال الله تعالى لي تسعة وتسعون اسما قال النووي واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين وإنما مقصود هذا الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء وسيأتي تتمة هذه المسألة في فقه الحديث (من حفظها دخل الجنة) وفي الرواية الثانية من أحصاها دخل الجنة قال النووي فاختلفوا في المراد بإحصائها فقال البخاري وغيره من المحققين معناه حفظها وهذا هو الأظهر لأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى وقيل أحصاها عدها في الدعاء بها وقيل أطاقها أي أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها وقيل معناه العمل بها والطاعة بكل اسمها قال والإيمان بها لا يقتضي عملا وقال بعضهم المراد حفظ القرآن وتلاوته كله لأنه مستوف لها قال وهو ضعيف والصحيح الأول (وإن الله وتر يحب الوتر) الوتر الفرد ومعناه في حق الله تعالى الواحد الذي لا شريك له ولا نظير ومعنى يحب الوتر تفضيل الوتر في الأعمال وكثير من الطاعات وقيل إن المعنى يحب أن يعبد ويذكر بما يفيد الوحدانية والتفرد مخلصا له -[فقه الحديث]- حكى ابن بطال عن المهلب أن المراد بالحديث الدعاء بهذه الأسماء لأن الحديث مبني على قوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف ١٨٠] فذكر النبي ﷺ أنها تسعة وتسعون فيدعى بها ولا يدعى بغيرها وتعقب بأنه ثبت في أخبار صحيحة الدعاء بكثير من الأسماء التي لم ترد في القرآن كما في حديث ابن عباس في قيام الليل أنت المقدم وأنت المؤخر وغير ذلك وقال الفخر الرازي لما كانت الأسماء من الصفات وهي إما ثبوتية حقيقية كالحي أو إضافية كالعظيم وإما سلبية كالقدوس وإما حقيقية إضافية كالقدير أو سلبية إضافية كالأول والآخر وإما من حقيقية وإضافية سلبية كالملك والسلوب غير متناهية لأنه عالم بلا نهاية قادر على ما لا نهاية فلا يمتنع أن يكون له من ذلك اسم فيلزم أن لا نهاية لأسمائه وحكى القاضي أبو بكر بن العربي عن بعضهم أن لله ألف اسم قال ابن العربي وهذا قليل فيها ونقل الفخر الرازي أن لله أربعة آلاف اسم استأثر بعلم ألف منها وأعلم الملائكة بالبقية والأنبياء بألفين منها وسائر الناس بألف اهـ وهذه دعوى بغير دليل فلا يلتفت إليها واستدل أيضا بعدم الحصر بأنه مفهوم عدد ومفهوم العدد ضعيف لا يعمل به

стр. 5787

وممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور ابن حزم وهو وإن كان لا يقول بالمفهوم أصلا لكنه احتج بالتأكيد في قوله ﷺ مائة إلا واحدا كما احتج بقوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف ١٨٠] قال أهل التفسير من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة وقال غيره المراد بالأسماء الحسنى في قوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ ما جاء في الحديث إن لله تسعة وتسعين اسما فإن ثبت الخبر الوارد في تعيينها وجب المصير إليه وإلا فيتتبع من الكتاب العزيز والسنة النبوية الصحيحة فإن التعريف في الأسماء للعهد فلا بد من المعهود فإنه أمر بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها فلا بد من وجود المأمور به وهذا سردها لتحفظ الله- الرحمن- الرحيم- الملك- القدوس- السلام- المؤمن- المهيمن- العزيز- الجبار- المتكبر- الخالق- البارئ- المصور- الغفار- القهار- التواب- الوهاب- الخالق- الرازق- الفتاح- العليم- الحليم- العظيم- الواسع- الحكيم- الحي- القيوم- السميع- البصير- اللطيف- الخبير- العلي- الكبير- المحيط- القدير- المولى- النصير- الكريم- الرقيب- المجيب- الوكيل- الحسيب- الحفيظ- المقيت- الودود- المجيد- الوارث- الشهيد- الولي- الحميد- الحق- المبين- القوي- المتين- الغني- المالك- الشديد- القادر- المقتدر- القاهر- الكافي- الشاكر- المستعان- الفاطر- البديع- الغافر- الأول- الآخر- الظاهر- الباطن- الكفيل- الغالب- الحكم- العدل- الرفيع- الحافظ- المنتقم- القائم- المحيي- الجامع- المليك- المتعالي- النور- الهادي- الغفور- الشكور- العفو- الرءوف- الأكرم- الأعلى- البر- الحفي- الرب- الإله- الواحد- الأحد- الصمد الذي لم يلد - ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد هذا وقد استدل بالحديث على صحة استثناء القليل من الكثير وهو متفق عليه وأبعد من استدل به على جواز الاستثناء مطلقا حتى يدخل استثناء الكثير حتى لا يبقى إلا القليل وأغرب الداودي فنقل الاتفاق على الجواز وأن من أقر ثم استثنى عمل باستثنائه حتى لو قال على ألف إلا تسعمائة وتسعة وتسعين أنه لا يلزمه إلا واحد وتعقب باستبعاد الاتفاق فالخلاف ثابت في مذهب مالك واستدل بالحديث على أن الاسم هو المسمى إذ لو كان غيره كانت الأسماء غيره لقوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ قال والمخلص من ذلك أن المراد بالاسم هنا التسمية وقال الفخر الرازي المشهور من قول أصحابنا أن الاسم نفس المسمى وغير التسمية وعند المعتزلة الاسم نفس التسمية وغير المسمى واختار الغزالي أن الثلاثة أمور متباينة قال الحافظ ابن حجر وهو الحق عندي وفي المبحث طول لا يليق بهذا المقام فمن أراده فليراجعه في فتح الباري

стр. 5788

قال النووي وفيه دليل على أن أشهر أسمائه الله لإضافة هذه الأسماء إليه وإليه ينسب كل اسم له فيقال مثلا الرءوف والكريم من أسماء الله تعالى ولا يقال من أسماء الرءوف أو الكريم الله وقد جرى في بحوثهم عبارة اسم الله الأعظم وقد أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني فقالوا لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض ونسب ذلك لمالك وحملوا ما ورد من ذكر ذلك على أن المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله كلها عظيمة وقال آخرون بوجوده ثم اختلفوا فمنهم من قال استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه وقيل الاسم الأعظم هو نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف وقيل الله لأنه لم يطلق على غيره ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه وقيل الرحمن الرحيم وقيل الحي القيوم وقيل الحنان المنان وقيل غير ذلك مما أوصله الحافظ ابن حجر إلى أربعة عشر قولا والله أعلم.

стр. 5789

(٧٤٢) باب العزم في الدعاء ولا يقل إن شئت ٥٩٢٠ - عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء ولا يقل اللهم إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له". ٥٩٢١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه" ٥٩٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له" -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف ٢٣ - ٢٤] لأن الإنسان لا حول له ولا قوة له إلا بحول الله وقوته أمر بتعليق كل تحركاته وكل أفعاله المستقبلة على إرادة الله ومشيئته أما في الدعاء وفي الطلب من الله فيكره له أن يعلق هذا الطلب على المشيئة وإن كان فعلا موقوفا إجابته على المشيئة لأن الطلب من الكريم الجواد لا يصح أن يعلق على شيء إذ التعليق يتنافى مع الإيمان بالسخاء مع الأمل والرجاء والطمع في رحمة الله وإن طالب الحاجة من الكريم الذي لا ينقص ملكه بالعطاء يجزم بالإجابة ويتأكد ويثق أن الله الكريم سيستجيب فقد وعد متفضلا بذلك إذ يقول في القرآن الكريم ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر ٦٠] -[المباحث العربية]- (إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء ولا يقل اللهم إن شئت فأعطني) وفي الرواية

стр. 5790

الثانية "إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة" وفي الرواية الثالثة "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم في الدعاء" وعند البخاري "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني ... " والمراد من المسألة السؤال والدعاء ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه وأن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى وإن كان مأمورا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة وقوله "اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت" أمثلة ففي رواية للبخاري زيادة "اللهم ارزقني إن شئت" ومعنى قوله في الرواية الثانية "ليعظم الرغبة" أي يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء والإلحاح فيه ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير ويؤيده قوله في آخر الرواية الثانية "فإن الله لا يتعاظمه شيء" وطلب الشيء العظيم إنما يكون من العظيم (فإن الله لا مستكره له) بضم الميم وكسر الراء وفي الرواية الثالثة "لا مكره له" وهما بمعنى أي لا أحد يكرهه والذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة من إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الطالب الأمر عليه ويعلمه بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه وأما الله تعالى فمنزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة ويحتمل أن التعليق على المشيئة في حالة الطلب يوهم اعتقاد البخل فإن البخيل هو الذي يتردد في الإعطاء والإجابة ويحتمل أن في التعليق على المشيئة إيهاما بالاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه والأول أولى ففي الرواية الثالثة "فإن الله صانع ما شاء لا مكره له" -[فقه الحديث]- قال ابن عبد البر لا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا لأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه لا يفعل إلا ما شاءه اهـ وظاهره أنه حمل النهي عن التحريم قال الحافظ ابن حجر وهو الظاهر وحمل النووي النهي في ذلك على كراهة التنزيه وهو أولى ويؤيده حديث الاستخارة وقال ابن بطال في الحديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعوا كريما وقد قال ابن عيينة لا يمنعن أحدا الدعاء ما يعلم في نفسه يعني من التقصير فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال ﴿قال أنظرني إلى يوم يبعثون﴾ [الأعراف ١٤] وقال الداودي معنى قوله "ليعزم المسألة" أن يجتهد ويلح ولا يقل إن شئت كالمستثني ولكن دعاء البائس الفقير قال الحافظ ابن حجر وكأنه أشار بقوله المستثني إلى أنه إذا قالها على سبيل التبرك لا يكره وهو كلام جيد اهـ والله أعلم.

стр. 5791

(٧٤٣) باب كراهة تمني الموت لضر نزل به ٥٩٢٣ - عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي". ٥٩٢٤ - وفي رواية عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ بمثله غير أنه قال "من ضر أصابه". ٥٩٢٥ - عن النضر بن أنس وأنس يومئذ حي قال أنس لولا أن رسول الله ﷺ قال "لا يتمنين أحدكم الموت" لتمنيته. ٥٩٢٦ - عن قيس بن أبي حازم قال دخلنا على خباب وقد اكتوى سبع كيات في بطنه فقال لو ما أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعوا بالموت لدعوت به. ٥٩٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" -[المعنى العام]- الدنيا مزرعة الآخرة وكلما اتسعت هذه المزرعة كلما تهيأت الفرصة للاستفادة منها ولما كان الدعاء معرضا للإجابة كان الدعاء بتضييق الفرص دعاء ليس في صالح صاحبه وكان الدعاء بالموت أو تمنيه دعاء منهيا عنه "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه ولا يدع بالموت لضر نزل به"

стр. 5792

لأنه إن كان محسنا فطول عمره يزيد رصيد حسناته وإن كان مسيئا كان طول عمره فرصة لتوبته وتعديل مساره فإن آلمه المرض واشتدت به نكبات الحياة ولم يكن له مفر من تمني الموت فليلاحظ في دعائه التسليم للقضاء والرضا بالقدر وليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي بهذا يظل المؤمن حسن الظن بالله راضيا بقضاء الله صابرا محتسبا ما يصيبه في دنياه -[المباحث العربية]- (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به) في ملحق الرواية "من ضر أصابه" والخطاب ككل خطاب الشرع إما للمخاطبين الحاضرين وغيرهم ممن على شاكلتهم مكلفون بما كلفوا به ومخاطبون بما خوطبوا به عن طريق القياس وإما أن يكون الخطاب لكل من يتأتى خطابه في كل زمان ومكان وقوله "من ضر أصابه" حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي و"من" في قوله "من ضر أصابه" سببية أي بسبب ضر أصابه وفي الرواية الرابعة "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه" (فإن كان لا بد متمنيا) الموت وفي رواية للبخاري "فإن كان لا بد فاعلا" وفي رواية أخرى له "فإن كان ولا بد متمنيا للموت" (فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي) "ما " في "ما كانت الحياة" ظرفية دوامية أي مدة كون الحياة خيرا وعبر بها في جانب الحياة لأنها حاصلة فحسن أن يأتي بالصيغة المقتضية للاتصاف بالحياة ولما كانت الوفاة لم تقع بعد حسن أن يأتي بصيغة الشرط (لولا أن الرسول ﷺ قال لا يتمنين أحدكم الموت لتمنيته) في الرواية الثالثة "لو ما أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعوا بالموت لدعوت به" و"لو ما" مثل "لولا" حرف امتناع لوجود أي امتنع دعائي بالموت لوجود النهي (إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لن يزيد المؤمن عمره إلا خيرا) هذا تعليل للنهي وإشارة إلى أن طول العمر خير من الموت فإنه فرصة للعمل ولفظ التعليل عند البخاري "إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وإما مسيئا فلعله أن يستعتب" "يستعتب" بضم الياء وفتح التاء الأولى وكسر الثانية أي يرجع عن موجب العتب عليه

стр. 5793

-[فقه الحديث]- قال النووي فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا فأما إذا خاف ضررا في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وغيره وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم قال وفيه أنه إن خالف ولم يصبر على حاله في بلواه بالمرض ونحوه فليقل اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرا لي ... إلخ والأفضل الصبر والسكون للقضاء اهـ وقلنا إن بعض السلف حملوا هذا الحديث على الضرر الدنيوي كما أشار إلى ذلك النووي قال الحافظ ابن حجر ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا" على أن "في" سببية أي بسبب أمر من أمور الدنيا وقول النووي وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف يشير بذلك إلى ما في الموطأ عن عمر ﵁ أنه قال "اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط" ويروى أن عابس الغفاري قال "يا طاعون خذني فقال له عليم الكندي لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله ﷺ "لا يتمنين أحدكم الموت"؟ فقال إني سمعته يقول "بادروا بالموت ستا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم .. " وأخرج أبو داود وصححه الحاكم حديث معاذ وفيه "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون" وقد استشكل الحديث بأن أوله نهي عن تمني الموت وآخره إجازة لتمني الموت وأجيب بأن النهي موجه إلى التمني المطلق وفيه نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم وفي آخره جواز التمني المقيد وفيه نوع من التفويض والتسليم للقضاء وفي الأمر بالقول "اللهم أحيني ... " إلخ أن الأمر يصرف عن حقيقته من الوجوب والاستحباب إلى الإباحة وخاصة إذا كان بعد حظر فإنه يكون لمطلق الإذن وقد أخذ بعضهم من مفهوم قوله في روايتنا الرابعة "من قبل أن يأتيه" أنه إذا حل به لا يمنع من تمنيه رضا بلقاء الله فقد قال ﷺ "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" وقد استشكل على الحديث وهو يفيد أن طول العمر خير بأن طول العمر قد يكون شرا فقد يرتد عن الإيمان والعياذ بالله وأجيب بأن ذلك نادر وبأن من سبق عليه القدر بخاتمة السوء فلا بد من وقوعها طال عمره أو قصر فتعجيله طلب الموت لا خير فيه والله أعلم.

стр. 5794

(٧٤٤) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ٥٩٢٨ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". ٥٩٢٩ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فقلت يا نبي الله أكراهية الموت فكلنا نكره الموت فقال "ليس كذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه". ٥٩٣٠ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه والموت قبل لقاء الله". ٥٩٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" قال فأتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثا إن كان كذلك فقد هلكنا فقالت إن الهالك من هلك بقول رسول الله ﷺ وما ذاك قال قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت فقالت قد قاله رسول الله ﷺ وليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص

стр. 5795

البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد وتشنجت الأصابع فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. ٥٩٣٢ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". -[المعنى العام]- الدنيا سجن المؤمن جعلها الله مزرعة الآخرة فمن يعمل فيها مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل فيها مثقال ذرة شرا يره والموت هو باب الخروج من السجن إلى الدار الأخرى لكن قد تكون الدار التي بعد السجن دار عذاب وشقاء وجحيم وقد تكون دار سعادة وهناء ونعيم نتيجة لما زرع الزارع في سجنه وما عمل العامل في دنياه فمن زرع حصد ومن زرع قمحا حصد قمحا ومن زرع شوكا ومرا لم يحصد إلا شوكا ومرا والشقي يلهو في دنياه ناسيا أخراه ينعم بما يأكل ويشرب ويتمتع كما تأكل الأنعام ويغتر بطول الليالي والأيام لا يعرف حقيقتها وأنها ساعة النهاية تكون كفيلم شاهده مرت أحداثه في دقائق من ليل أو نهار عند النهاية ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون﴾ ولا تملكون له شيئا ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٧] هل يستطيع أحد منكم مهما بلغ من الطب أن يرجعها إلى الجسد إذا بلغت الحلقوم وهل يستطيع المحتضر أن يخبركم بما يرى إنه يرى مقعده من الجنة أو مقعده من النار لكنه قد ختم على لسانه وعلى قلبه فلا ينطق ولا يشير إنه إن كان شقيا كره المصير وكره الدار الآخرة وقال أخروني أخروني إلى أين أذهب لا أحب أن أذهب لا أحب أن أذهب إلى قبري إنه حفرة من حفر النار وأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم يراها في انتظاره فيحب لقاء الله ويحب التقدم للآخرة ويقول لمن حوله وإن كانوا لا يسمعون أسرعوا بي أسرعوا بي أسرعوا بي إلى قبري إلى روضة من رياض الجنة ويقول كما قال ﷺ "اللهم الرفيق الأعلى" في هذه الساعة الحرجة وفي هذه اللحظات الدقيقة من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وفتح له أبواب رحمته ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه وأعد له جزاء ما قدمت يداه جعلنا الله ممن يحبون لقاءه ويحب لقاءهم -[المباحث العربية]- (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) لقاء الله

стр. 5796

يطلق ويراد به معان مختلفة فيطلق ويراد به البعث ومنه قوله تعالى ﴿الذين كذبوا بلقاء الله﴾ [يونس ٤٥] ويطلق ويراد به الموت ومنه قوله تعالى ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾ [العنكبوت ٥] وقوله ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ [الجمعة ٨] وليسا مرادين هنا ولكن المراد منه هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض منه الموت فعائشة تقول في روايتنا الثالثة "والموت قبل لقاء الله" أي إن الموت غير اللقاء ولكنه معترض دون الغرض المطلوب فيجب أن يصير عليه ويحتمل مشاقه حتى يصل إلى الفوز باللقاء وتنفي عائشة أن المراد بلقاء الله الموت فتقول في الرواية الرابعة لمن قال لها ليس منا أحد إلا وهو يكره الموت تقول "ليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص البصر" بفتح الشين والخاء أي فتح المحتضر عينيه إلى فوق فلم يطرف "وحشرج الصدر" بفتح الحاء وسكون الشين وفتح الراء أي ترددت الروح في الصدر وعلا وانخفض واضطرب الشهيق والزفير "واقشعر الجلد" أي قام شعره "وتشنجت الأصابع" بفتح التاء والنون المشددة بينهما شين أي تقبضت وهذه الأمور هي حالة المحتضر وهذه الزيادة من كلام عائشة ذكرتها استنباطا فكراهة الموت وشدته ليس المراد بلقاء الله فإن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة وقد عاب الله قوما بحب الحياة فقال ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ [يونس ٧] وقال النووي معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة حيث ينكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه اهـ وفي البخاري "قالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ﷺ ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" فهذا حديث آخر غير أحاديثنا وقصة أخرى حضرها عبادة بن الصامت وبعض أمهات المؤمنين وبعض الصحابة ولما كان الشرط سببا في الجواب غالبا ذهب بعضهم إلى أن "من" في قوله "من أحب لقاء الله" موصولة وليست شرطية والمعنى عليها الذي يحب لقاء الله يحب الله لقاءه قال الكرماني ليس الشرط هنا سببا للجزاء بل الأمر بالعكس ولكنه على تأويل الخبر أي من أحب لقاء الله أخبره الله بأنه يحب لقاءه كذا الكراهة وقال ابن عبد البر "من" هنا خبرية وليست شرطية فليس معناه أن سبب حب الله لقاء العبد حب العبد لقاء الله ولا الكراهة ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم عند ربهم والتقدير من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه وكذا الكراهة قال الحافظ ابن حجر ولا حاجة إلى دعوى نفي الشرطية فسيأتي في التوحيد من حديث أبي هريرة رفعه "قال الله إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه" الحديث فتعين أن "من" في حديث الباب شرطية وتأويلها كما سبق في قول الكرماني أي التأويل في خبر "من" وليس في "من" وفي العدول عن الضمير إلى الظاهر في قوله "أحب الله لقاءه" ولم يقل أحب لقاءه تفخيم

стр. 5797

وتعظيم ودفع لتوهم عود الضمير على الموصول لئلا يتحد في الصورة المبتدأ والخبر ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى وأيضا فعود الضمير على المضاف إليه قليل -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفهم وإن كان أهل الشر أكثر ٢ - وأن المجازاة من جنس العمل فإنه قابل المحبة بالمحبة والكراهة بالكراهة ٣ - وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة على أن المراد من اللقاء الرؤية وهو غير لازم فاللقاء أعم من الرؤية ٤ - وفيه أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلا على أنه بشر بالخير وكذا بالعكس ٥ - وفيه أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت السابق حديثه لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت كأن تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره قاله الحافظ ابن حجر ٦ - وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا تدخل تحت النهي بل هي مستحبة ٧ - وفيه أن في كراهة الموت في حال الصحة تفصيلا فمن كرهه إيثارا للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموما ومن كرهه خشية أن يفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصرا في العمل لم يستعد له بالأهبة بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب فهو معذور لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه بل يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله تعالى والله أعلم.

стр. 5798

(٧٤٥) باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله وحسن الظن به ٥٩٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني". ٥٩٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "قال الله إذا تقرب عبدي مني شبرا تقربت منه ذراعا وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا أو بوعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة". ٥٩٣٥ - وفي رواية عن معتمر عن أبيه بهذا الإسناد ولم يذكر "إذا أتاني يمشي أتيته هرولة". ٥٩٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يقول الله أنا عند ظن عبدي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" ٥٩٣٧ - عن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يقول الله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة" قال إبراهيم حدثنا الحسن بن بشر حدثنا وكيع بهذا الحديث.

стр. 5799

٥٩٣٨ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال "فله عشر أمثالها أو أزيد". -[المعنى العام]- يراجع باب الحث على ذكر الله تعالى قبل أربعة أبواب -[المباحث العربية]- (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد) في ملحق الرواية "أو أزيد" بأو بدل الواو قال النووي معناه أن التضعيف بعشرة أمثالها لا بد بفضل الله ورحمته ووعده الذي لا يخلف والزيادة بعد بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة يحصل لبعض الناس دون بعض على حسب مشيئته اهـ وهذا المعنى على لفظ "أو" (ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر) أي أو أغفرها وفي رواية "فجزاء سيئة بمثلها" (ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة) "قراب" بضم القاف على المشهور وهو ما يقارب ملأها وحكى كسر القاف نقله القاضي وغيره (وتراجع بقية المباحث العربية قبل أربعة أبواب باب الحث على ذكر الله تعالى) -[فقه الحديث]- يراجع قبل أربعة أبواب باب الحث على ذكر الله تعالى

стр. 5800

(٧٤٦) باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا ٥٩٣٩ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ فقال له رسول الله ﷺ "هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه" قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال رسول الله ﷺ "سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه أفلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" قال فدعا الله له فشفاه ٥٩٤٠ - وفي رواية عن حميد بهذا الإسناد إلى قوله "وقنا عذاب النار" ولم يذكر الزيادة. ٥٩٤١ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من أصحابه يعوده وقد صار كالفرخ بمعنى حديث حميد غير أنه قال "لا طاقة لك بعذاب الله" ولم يذكر فدعا الله له فشفاه. -[المعنى العام]- إذا عجز الإنسان عن العمل بسبب المرض وقرب الأجل ينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف وأن يطمع أكثر في عفو الله ورحمته ويسأله العفو والعافية ولا يسأله العقوبة العاجلة حتى لو كان نادما على ذنبه راغبا في تطهير نفسه ففضل الله أوسع وليطلب من الله الصفح وأن يمنحه في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وأن يقيه عذاب النار هذا ما أوصى به النبي ﷺ رجلا مريضا خاف عقوبة الآخرة وفضل عليها عقوبة الدنيا فدعا ربه قائلا اللهم إن كنت معاقبي بذنبي في الآخرة فعجله لي في الدنيا وسمع الرسول الكريم همس هذا المريض وهو يعوده فقال له ماذا كنت تقول قال كنت أقول كذا قال له عجبا لك هل تعرف مقدار العقوبة الدنيوية إنها لو وقعت وجوزيت بقدر جرمك ما استطعت وقد أصبحت لا تطيق القليل فاسأل الله العفو والعافية

стр. 5801

-[المباحث العربية]- (عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ) يقال خفت بفتح الفاء يخفت بكسرها وضمها خفتا بسكونها وخفوتا وخفاتا سكن وضعف وخفت المريض انقطع كلامه والأصل في الفرخ ولد الطائر والمراد هنا تشبيهه به في الضعف وفي ملحق الرواية "دخل على رجل من أصحابه يعوده وقد صار كالفرخ" (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه) مفعول "تسأله" يعود على الله ولم يسبق له ذكر لكنه معلوم والظاهر أن رسول الله ﷺ سمع همسا من الرجل أو رأى تحريك لسانه (لا تطيقه أو لا تستطيعه) الضمير يعود على العقاب الذي يطلبه وفي ملحق الرواية "لا طاقة لك بعذاب الله" (أفلا قلت) حض على أن يقول -[فقه الحديث]- ١ - قال النووي في هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة ٢ - وجواز التعجب بقول سبحان الله ٣ - واستحباب عيادة المريض والدعاء له ٤ - وفيه كراهة تمني البلاء لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكا ٥ - وفضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وسيأتي فضل هذا الدعاء بعد باب واحد والله أعلم

стр. 5802

(٧٤٧) باب فضل مجالس الذكر ٥٩٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلا يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء قال فيسألهم الله وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجيرونني قالوا من نارك يا رب قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم قال فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة ٣٠] نعم الملائكة منهم الراكع أبدا ومنهم الساجد أبدا ومنهم الذاكر أبدا ومنهم المسبح أبدا وما كانوا يظنون أن سيكون من بني آدم من يذكر الله كثيرا على الرغم من اختلاف طبيعة الخلقتين من هنا كان السائحون من الملائكة إذا وجدوا مجلس ذكر في الأرض أسرعوا إليه يحفونه بأجنحتهم ويستمعون لهم ويذكرون بذكرهم فإذا قام الذاكرون وتفرقوا وانصرفوا صعدت الملائكة لربها فيسألهم ربهم سؤال تقرير واعتراف وهو أعلم بالجواب يسألهم كيف رأيتم عبادي في الأرض فيقولون رأيناهم يذكرونك يكبرونك يهللونك يسبحونك يحمدونك يقدسونك يمجدونك يدعونك يقول هل رأوني يقولون لا يقول فكيف إذا رأوني يقولون يزيدون في عبادتهم وذكرهم فيقول لهم ماذا يسألونني فيقولون يسألونك أن تدخلهم الجنة ونعيمها فيقول هل رأوها فيقولون لم يروها فيقول فكيف حالهم لو رأوها يقولون يزيدون شوقا إليها وحرصا عليها فيقول من ماذا يستعيذون فيقولون من النار فيقول فهل رأوها فيقولون لا لم يروها فيقول فكيف إذا رأوها

стр. 5803

فيقولون يكونون أشد نفورا وخوفا منها فيقول أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهم وأعطيتهم الجنة طلبهم وأعذتهم من النار مخيفتهم فيقولون ربنا إن فيهم فلانا ليس منهم جاء إليهم طالب حاجة من أحدهم فجلس حتى يفرغ له ولم يذكر معهم فيقول لهم وفلان هذا قد غفرت له هم القوم لا يشقى جليسهم بل يكرم معهم لأجلهم -[المباحث العربية]- (إن لله ﵎ ملائكة سيارة) بفتح السين والياء المشددة صيغة مبالغة أي كثيرة السير أي سياحون في الأرض (فضلا) بضم الفاء والضاد وبضم الفاء وسكون الضاد قال النووي ورجحها بعضهم وادعى أنها أكثر وأصوب والثالثة بفتح الفاء وإسكان الضاد قال القاضي هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا في البخاري ومسلم والرابعة "فضل" بضم الفاء والضاد ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف والخامسة "فضلاء" بالمد جمع فاضل قال العلماء معناه على جميع الروايات أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم وإنما مقصودهم حلق الذكر (يتتبعون مجالس الذكر) قال النووي ضبطوه على وجهين أحدهما بالعين من التتبع وهو البحث عن الشيء والتفتيش والثاني "يبتغون" بالغين من الابتغاء وهو الطلب وكلاهما صحيح (فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا) قال النووي هكذا هو في كثير من نسخ بلادنا "حف" بالحاء والفاء وفي بعضها "حض" بالضاد أي حث بعضهم بعضا على الحضور والاستماع وحكى القاضي عن بعض رواتهم "وحط" بالطاء واختاره القاضي قال ومعناه أشار بعضهم إلى بعض بالنزول ويؤيد هذه الرواية قوله بعده في البخاري "هلموا إلى حاجتكم" ويؤيد الرواية الأولى وهي "حف" قوله في البخاري "يحفونهم بأجنحتهم ويحدقون بهم ويستديرون حولهم ويحوف بعضهم بعضا" وعند البخاري "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا" وفي رواية "هلموا إلى بغيتكم" ومعنى "يحفونهم بأجنحتهم" أي يدنون بأجنحتهم حول الذاكرين (فإذا تفرقوا عرجوا) أي فإذا تفرق الذاكرون عرج الملائكة (فيسألهم الله وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند

стр. 5804

عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك) زاد في رواية "ويمجدونك" وزاد عند البزار "ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم" وفي رواية البخاري "فيقول هل رأوني فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول كيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا" وفي رواية "وتحميدا" وفي رواية "وأشد لك ذكرا" (قال وماذا يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي) في رواية البخاري "فكيف لو أنهم رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة" (قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجيرونني قالوا من نارك يا رب قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري) يقال استجار من كذا أي طلب الأمان منه وفي رواية البخاري "فمم يتعوذون قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها قال فيقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة" (قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا) في رواية البخاري "فأشهدكم أني قد غفرت لهم" (فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم قال فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) في رواية البخاري "يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى جليسهم" وفي رواية "فيقولون إن فيهم فلانا الخطاء" بتشديد الطاء أي كثير الخطايا "لم يردهم إنما جاء لحاجة" وفي رواية "هم الجلساء لا يشقى لهم جليس" -[فقه الحديث]- ذكر الله باللسان يؤجر عليه الناطق ولو كان مشغول القلب إذ لا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه فإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالا فإن وقع ذلك في عمل صالح من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال ولبعض العارفين فهم للذكر على نطاق واسع إذ يرى أن العينين تذكران وذكرهما البكاء وأن

стр. 5805

الأذنين تذكران وذكرهما بالإصغاء وأن اللسان يذكر بالثناء وأن اليدين تذكر بالعطاء وأن البدن يذكر بالوفاء وأن القلب يذكر بالخوف والرجاء وأن الروح تذكر بالتسليم والرضاء واشتهرت أذكار خاصة بأسماء خاصة فالتهليل لا إله إلا الله والتسبيح سبحان الله والتكبير الله أكبر والتحميد الحمد لله والحوقلة لا حول ولا قوة إلا بالله والبسملة بسم الله الرحمن الرحيم والحسبلة حسبي الله ونعم الوكيل والاستغفار أستغفر الله العظيم وهل يدخل في مجالس الذكر مجالس العلم الشرعي والوعظ والتفسير والحديث أو لا يدخل خلاف والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما ويضاف إليهما التلاوة وإن كانت المجالس المذكورة من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في الذكر نذكر منها (أ) أخرج الترمذي أن رجلا قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به قال "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله" (ب) وأخرج الترمذي "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة قال حلق الذكر" (جـ) وأخرج الترمذي والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء مرفوعا "ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله " (د) وعند البخاري "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - في الحديث فضل مجالس الذكر ٢ - وفضل الذاكرين ٣ - وفضل الاجتماع على ذلك ٤ - وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم إكراما لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر ٥ - وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم ٦ - وفيه أن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول لإظهار العناية بالمسئول عنه والتنويه بقدره والإعلان بشرف منزلته ٧ - وقيل يؤخذ منه أن الذكر الحاصل من بني آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة لحصوله مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب بخلاف الملائكة في ذلك كله ٨ - وفيه جواز القسم في الأمر المحقق تأكيدا له وتنويها به.

стр. 5806

(٧٤٨) باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ٥٩٤٣ - عن عبد العزيز (وهو ابن صهيب) قال سأل قتادة أنسا أي دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر قال كان أكثر دعوة يدعو بها يقول "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" قال وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. ٥٩٤٤ - عن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". -[المعنى العام]- من الدعوات التامة الشاملة التي كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بها ترديد الآية الكريمة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة ٢٠١] كان ﷺ يكثر أمام أصحابه الدعاء بها وكان ينصح أصحابه أن يدعوا بها وكان أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ شديد الاقتداء بأفعاله ﷺ فكان يكثر من الدعاء بها وكان إذا طلب منه بعض أصحابه أن يدعو لهم بخير دعا لهم بها ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ -[المباحث العربية]- ﴿اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ وفي الرواية الثانية بلفظ الآية ﴿ربنا آتنا .. ﴾ (وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها) أي كثيرا وغالبا (فإذا أراد أن يدعو بدعاء) آخر يحتاجه

стр. 5807

(دعا بها فيه) أي ضم إليه هذا الدعاء وهو أيضا على سبيل الغالب -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في تفسير حسنة الدنيا فمنهم من ضيقها اعتمادا على بعض الأحاديث ومنهم من وسع دائرتها شيئا ما ومنهم من وسعها لدرجة تشمل كل خير الدنيا فمنهم من قال هي المال قاله السدي ومنهم من قال هي العلم والعمل به قاله عطية وعن عبد الله بن عمر هي المنى وعن قتادة هي العافية في الدنيا وعن محمد بن كعب القرظي الزوجة الصالحة ونقله الثعلبي عن علي ﵁ وعن ابن الزبير العمل في الدنيا للدنيا والآخرة وعن سفيان الثوري الرزق الطيب والعلم وعن السدي ومقاتل حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح وعن عوف من آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد فقد آتاه في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وعن بعض سلف الصوفية السلامة في الدنيا وعن ابن كثير الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي (مشروع) من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة وولد بار ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنئ وثناء جميل إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا ويؤيده ما جاء في رواية ابن أبي حاتم من زيادة قوله "إذا آتاكم الله ذلك فقد آتاكم الخير كله" أما حسنة الآخرة فقيل هي الجنة وقيل الحور وقيل النعيم وقيل العافية وقيل المغفرة والثواب وقيل تيسير الحساب وكلها تدور حول الجنة وتوابعها والله أعلم.

стр. 5808

(٧٤٩) باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء ٥٩٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر". ٥٩٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه". ٥٩٤٧ - عن عمرو بن ميمون قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسمعيل وقال سليمان حدثنا أبو عامر حدثنا عمر حدثنا عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن ربيع بن خثيم بمثل ذلك قال فقلت للربيع ممن سمعته قال من عمرو بن ميمون قال فأتيت عمرو بن ميمون فقلت ممن سمعته قال من ابن أبي ليلى قال فأتيت ابن أبي ليلى فقلت ممن سمعته قال من أبي أيوب الأنصاري يحدثه عن رسول الله ﷺ . ٥٩٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"

стр. 5809

٥٩٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس". ٥٩٥٠ - عن مصعب بن سعد عن أبيه قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال علمني كلاما أقوله قال "قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا سبحان الله رب العالمين لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم" قال فهؤلاء لربي فما لي قال "قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني" قال موسى أما عافني فأنا أتوهم وما أدري ولم يذكر ابن أبي شيبة في حديثه قول موسى ٥٩٥١ - عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ يعلم من أسلم يقول "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني" ٥٩٥٢ - عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". ٥٩٥٣ - عن أبي مالك عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي قال قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني" ويجمع أصابعه إلا الإبهام "فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك" ٥٩٥٤ - عن مصعب بن سعد حدثني أبي قال كنا عند رسول الله ﷺ فقال "أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة" فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة قال "يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة"

стр. 5810

-[المعنى العام]- لا شك أن ذكر الله بأي لفظ من الألفاظ وبأية صيغة من الصيغ لها أجرها وثوابها لكن ذكره تعالى بالأذكار الواردة خير منه بالأذكار المؤلفة في الأوراد المشهورة المعروفة للطرق الصوفية ومن المعلوم أن الأذكار الواردة يفضل بعضها بعضا للمعاني التي تتضمنها ويكاد يكون التهليل خيرها وأفضلها فقد وعد عليه من الأجر أكثر مما وعد على غيره ثم هو يشمل معنى التسبيح الذي وعد به الخير الكثير ولا شك أن الاستغفار من خير الذكر وكذا الدعاء وله مناسبات وألفاظ واردة يستجاب لها ولها أجر كبير ولا ننسى فضل الباقيات الصالحات نختم بها فنقول "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" -[المباحث العربية]- (التهليل والتسبيح) "التهليل" قول لا إله إلا الله و"التسبيح" قول سبحان الله ومعناه تنزيه الله تعالى عن النقائص وعما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة وسمات الحدوث مطلقا (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي) وفي الرواية الثالثة "من قال ذلك عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" أي من العرب وفي رواية للبخاري "من قال عشرا كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل" قال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق الروايات واختلاف هذه الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها فالأكثر على ذكر "أربعة" ويجمع بينه وبين حديث أبي هريرة بذكر "عشرة" لكل مائة فيكون مقابل كل عشر مرات رقبة من قبل المضاعفة فيكون لكل مرة بالمضاعفة رقبة وهي مع ذلك لمطلق الرقاب ومع وصف كون الرقبة من بني إسماعيل يكون مقابل العشرة من غيرهم أربعة منهم لأنهم أشرف من غيرهم من العرب فضلا عن العجم وأما ذكر "رقبة" بالإفراد في حديث أبي أيوب فشاذ والمحفوظ "أربعة" كما بينته وجمع القرطبي في المفهم بين الاختلاف على اختلاف أحوال الذاكرين فقال إنما يحصل الثواب الجسيم لمن قام بحق هذه الكلمات فاستحضر معانيها بقلبه وتأملها بفهمه ثم لما كان الذاكرون في إراكاتهم ومفهومهم مختلفين كان ثوابهم بحسب ذلك وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الثواب في الأحاديث فإن في بعضها ثوابا معينا ونجد ذلك الذكر بعينه في رواية أخرى أكثر أو أقل اهـ قال الحافظ ابن حجر إذا تعددت مخارج الحديث فلا بأس بهذا الجمع وإذا اتحدت فلا وقد يتعين الجمع الذي قدمته ويحتمل فيما إذا تعددت أيضا أن

стр. 5811

يختلف المقدار بالزمان كالتقييد بما بعد صلاة الصبح مثلا وعدم التقييد إن لم يحمل المطلق في ذلك على المقيد اهـ ونحن مع القرطبي حتى لو اتحد المخرج فقد يتحد المخرج ويحضر الراوي الواحد القصة المتعددة ويسمع الروايات المختلفة في الثواب ويفهم كما يفهم عامة الناس أن اختلاف الثواب للذكر الواحد مبني على اختلاف ملابساته وأحواله جزما والعمل بكل الروايات خير من العمل ببعضها ورد بعضها وبخاصة في مثل الفضل والإحسان و"عدل" بفتح العين قال الفراء العدل بالفتح ما عدل الشيء من غير جنسه وبالكسر المثل و"الحرز" الحصن وقوله "حتى يمسي" أي إذا قال ذلك حين يصبح زاد في رواية "ومن قال ذلك حين يمسي كان له مثل ذلك" أي إلى حين يصبح وزاد في رواية "ولا تعجزوا أن تستكثروا من الرقاب" (ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) كناية عن المبالغة في الكثرة وزبد البحر رغوته (الله أكبر كبيرا) منصوب مفعول به لفعل محذوف تقديره أكبر كبيرا أو أذكر كبيرا (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ... ) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي يعني لا يعجز أحدكم (فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة) قال النووي هكذا هو في عامة النسخ "أو يحط" بأو وفي بعضها "ويحط" بالواو -[فقه الحديث]- قال القاضي عياض قوله "حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" مع قوله في التهليل "محيت عنه مائة سيئة" قد يشعر بأفضلية التسبيح على التهليل يعني لأن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة لكن تقدم في التهليل "ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به" فيحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون التهليل أفضل وأنه بما زيد من رفع الدرجات وكتب الحسنات ثم ما جعل مع ذلك من فضل عتق الرقاب قد يزيد على فضل التسبيح وتكفيره جميع الخطايا لأنه قد جاء "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار" فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عموما مع زيادة مائة درجة وما زاده عتق الرقاب الزيادة على الواحدة ويؤيده "أفضل الذكر التهليل" وأنه أفضل ما قاله النبيون من قبله وهو كلمة التوحيد والإخلاص وقيل إنه اسم الله الأعظم

стр. 5812

وفي تفضيل التهليل على التسبيح أو عكسه كلام طويل لا يليق بالمقام قال النووي هذا الإطلاق في الأفضلية محمول على كلام الآدمي وإلا فالقرآن أفضل الذكر ثم قال النووي وظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور في هذا الحديث من قال هذا التهليل مائة مرة في يومه سواء قاله متوالية أو متفرقة في مجالس أو بعضها أول النهار وبعضها آخره لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار ليكون حرزا له في جميع نهاره وفي هذه الأحاديث فضيلة الدعاء مع الذكر والدعاء بما ورد فيها من طلب المغفرة والهداية والرحمة والرزق والمعافاة والله أعلم

стр. 5813

(٧٥٠) باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٥٩٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ٥٩٥٦ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي معاوية غير أن حديث أبي أسامة ليس فيه ذكر التيسير على المعسر. ٥٩٥٧ - عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده" ٥٩٥٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك قالوا والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال "ما أجلسكم" قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا قال "آلله ما أجلسكم إلا ذاك" قالوا والله ما

стр. 5814

أجلسنا إلا ذاك قال "أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة". -[المعنى العام]- يراجع باب فضل مجالس الذكر قبل بابين -[المباحث العربية]- (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) تنفيس الكربة إزالتها أو المساعدة فيها (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) التيسير المطلوب بتأخير السداد أو بالتنازل عن بعض الدين (ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة) سبق في باب بشارة من ستر الله تعالى عليه في الدنيا في كتاب البر والصلة (ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) ذكر "طريقا" و"علما" ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية وليندرج فيه القليل والكثير وتسهيل الطريق إلى الجنة إما في الدنيا بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة وإما في الآخرة (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم) "في بيت من بيوت الله" ليس قيدا للاحتراز ففي الرواية الثانية "لا يقعد قوم يذكرون الله " فالتقييد للغالب في ذلك الزمان (إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) قيل المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه وقيل الطمأنينة والوقار وهو أحسن (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي من كان عمله ناقصا فلم يلحقه بأصحاب الأعمال مرتبة فلا ينبغي أن يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء (قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك) أي أستحلفكم بالله ما أجلسكم إلا ذكر الله

стр. 5815

(أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم) "تهمة" بفتح الهاء وإسكانها وهي فعلة وفعلة من الوهم والتاء بدل من الواو واتهمته بكذا إذا ظننت له ذلك (إن الله يباهي بكم الملائكة) أي يظهر فضلكم لهم ويريهم حسن عملكم ويثني عليكم عندهم وأصل البهاء الحسن والجمال وفلان يباهي بماله أي يفخر ويتجمل به على غيره ويظهر حسنه لهم -[فقه الحديث]- يراجع فقه الحديث في باب فضل مجالس الذكر قبل بابين والله أعلم.
следующие страницы →