← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

كتاب الرقاق

стр. 5847

(٧٥٤) باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء ٦٠٢٩ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء". ٦٠٣٠ - عن ابن عباس ﵄ قال قال محمد ﷺ "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء". ٦٠٣١ - وفي رواية عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ اطلع في النار فذكر بمثل حديث أيوب. ٦٠٣٢ - عن أبي التياح قال كان لمطرف بن عبد الله امرأتان فجاء من عند إحداهما فقالت الأخرى جئت من عند فلانة فقال جئت من عند عمران بن حصين فحدثنا أن رسول الله ﷺ قال "إن أقل ساكني الجنة النساء". ٦٠٣٣ - وفي رواية عن أبي التياح قال سمعت مطرفا يحدث أنه كانت له امرأتان بمعنى حديث معاذ. ٦٠٣٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 5848

"اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك". ٦٠٣٥ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء". ٦٠٣٦ - عن أسامة بن زيد بن حارثة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنهما حدثا عن رسول الله ﷺ أنه قال "ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء". ٦٠٣٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" وفي حديث ابن بشار "لينظر كيف تعملون". -[المعنى العام]- لما كانت الدنيا مزرعة للآخرة ووسيلة إليها وكانت الآخرة هي الغاية والنهاية كان الدعاء الشرعي المحبوب اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وكانت الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة لعبا ولهوا وزينة وتفاخر بين أهلها وتكاثرا في الأموال والأولاد ﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ [الحديد ٢٠] عذاب شديد لمن اغتر بها وبزينتها ورضوان لمن عمل فيها لآخرته وهي غرورة وما متاعها إلا قليل لهذا كانت وصيته ﷺ لعبد الله بن عمر "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وكان تحذير الله تعالى من الاغترار بها في قوله ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾ [آل عمران ١٤] وفي هذه الأحاديث يحذر النساء من النار ويحذر الرجال من النساء لقد خلقن من ضلع أعوج وطبيعته كالزئبق ناعمة غير مقدور على إمساكها إن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها لم تزل على عوجها خلقهن الله كذلك فتنة لهن واختبار للرجال إن استغلت هذه الطبيعة في الخير نجا أصحابها النساء من النار ونجا رجالهن

стр. 5849

من الضرر والإغواء وإن استخدمت هذه الإمكانات في الشر وما أكثر ما تكون سقطت في النار وأسقطت جزءا كبيرا من الرجال فكن لهذا ولكفرانهن العشير أكثر أهل النار أما الفتنة الثانية في الحديث فهي المال والغنى وفي الآية القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث تلك فتنة تبعد الناس في دنياهم عن الآخرة وتؤخرهم في دخول الجنة عن الفقراء حتى يصفوا حسابهم من أين اكتسبوها؟ وفيم أنفقوها وكلما كثر المال كلما زاد الحساب وكلما كثر الحساب زاد تأخير الدخول للجنة -[المباحث العربية]- (الرقاق) بكسر الراء جمع رقيقة وسميت هذه الأحاديث بذلك لأن في كل منها ما يحدث في القلب رقة قال أهل اللغة الرقة الرحمة وهي ضد الغلظ وقال الراغب متى كانت الرقة في جسم فضدها الصفاقة كثوب رقيق وثوب صفيق ومتى كانت في نفس فضدها القسوة كرقيق القلب وقاسي القلب اهـ (قمت على باب الجنة) الأقرب أن ذلك كان رؤيا منام وقيل رأى ذلك ليلة الإسراء والمراد من القيام على بابها الاطلاع على ما فيها (فإذا عامة من دخلها المساكين) وفي الرواية الثانية كما عند البخاري "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" وكل منهما يطلق على الآخر (وإذا أصحاب الجد محبوسون) "الجد" بفتح الجيم الغنى وقيل الحظ في الدنيا والوجاهة فيها وقيل أصحاب الولايات ومعناه محبوسون للحساب على أموالهم ممنوعون من دخول الجنة مع الفقراء وكأن هذا الحبس عند القنطرة التي يتقاصون فيها بعد الجواز على الصراط (إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار) أي من استحق النار من أهل الغنى فإنهم لم يحبسوا بل أمر بهم إلى النار (وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء) وفي الرواية الثانية "فرأيت أكثر أهلها النساء" وفي الرواية الثالثة "إن أقل ساكني الجنة النساء" وأن مطرف بن عبد الله ساق الحديث ردا على امرأته التي ادعت أنه كان عند ضرتها غيرة منها بينما كان عند عمران بن حصين الذي حدثه بهذا الحديث ووجه الرد أن كفران العشير وعدم تصديقه والادعاء عليه بما ليس بحق سبب في دخولهن النار (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع

стр. 5850

سخطك) قال النووي الفجأة بفتح الفاء وسكون الجيم وفتح الهمزة على وزن الضربة والفجاءة بضم الفاء وفتح الجيم والمد بعدها همزة لغتان بمعنى واحد وهي البغتة اهـ وهذا الحديث أولى به الباب السابق إذ لا علاقة له بهذا الباب (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء) في الرواية السادسة "ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء" قال تعالى ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء﴾ [آل عمران ١٤] فهي أشد الأشياء فتنة للرجال لما يقدمن من زينة ورقة وعاطفة حتى يتملكن قلب الرجل فيوحين إليه بما يشأن فيقع من حيث لا يشعر (إن الدنيا حلوة خضرة) أي ومن متعها وخضرتها وحلاوتها النساء ويحتمل أن المراد بذلك شيئان أحدهما حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة فإن النفوس تطلبها طلبا حثيثا فكذلك الدنيا والثاني سرعة فنائها فهي كالشيء الأخضر من هاتين الحيثيتين (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) أي احذروا أن يخدعكم متاع الدنيا فينسيكم الآخرة واحذروا فتنة النساء وإغواءهن وذكرهن بعد الدنيا من ذكر الخاص بعد العام لمزيد عناية بهذا الخاص وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن وإن كانت الفتنة أكثر بالزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن فقه الحديث ١ - في الحديث فضل الفقر على الغنى ٢ - وفضل الفقراء غالبا على الأغنياء لعسر حساب الأغنياء على أموالهم من أين اكتسبوها؟ وفيم أنفقوها ٣ - وفيه طبائع النساء وكفرانهن العشير ٤ - وأنهن لذلك يدخل الكثيرات منهن النار ٥ - والتحذير من إغواء النساء للرجال وفتنتهن لهم ٦ - والتحذير من زينة الدنيا ومتاعها أن تفتن صاحبها فيجري وراءها وينسى آخرته والله أعلم.

стр. 5851

(٧٥٥) باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال ٦٠٣٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال "بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم فقال أحدهم اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني وأنه نأى بي ذات يوم الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أسقي الصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء وقال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ففرج لهم وقال الآخر اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه فرقه فرغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعاءها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني حقي قلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها فقال اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك خذ ذلك البقر ورعاءها فأخذه فذهب به فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي ففرج الله ما بقي". ٦٠٣٩ - وفي رواية عن موسى بن عقبة وزادوا في حديثهم "وخرجوا

стр. 5852

يمشون" وفي حديث صالح "يتماشون" إلا عبيد الله فإن في حديثه "وخرجوا" ولم يذكر بعدها شيئا. ٦٠٤٠ - وفي رواية عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار" واقتص الحديث بمعنى حديث نافع عن ابن عمر غير أنه قال قال رجل منهم "اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا" وقال "فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار" وقال "فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فارتعجت" وقال "فخرجوا من الغار يمشون". -[المعنى العام]- ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث﴾ [آل عمران ١٤] ثلاث شهوات طبع عليها الإنسان وأمر أن يهذبها وأن يخالف طبعه ليوافق شرعه شهوة حب النساء وشهوة حب الأولاد وشهوة حب المال وفي هذا الحديث مثل عليا في مقاومة هذه الشهوات والتغلب عليها والميل بها نحو الروحانية والمبالغة للرقي بها تجاه المقربين قد نرى من يستجيب ويعمل بقوله تعالى ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء ٢٣ - ٢٤] وقد نسمع عن مسلم حمل أمه على عاتقه أميالا يحمي قدميها الضعيفتين من رمال ساخنة لو وضع عليها اللحم لنضج برا بها ورحمة لها لكن أن نسمع أن رجلا يقدم أمه وأباه الكبيرين على زوجته وبنيه في ظاهرة يومية بعد أن يشقى يومه يسعى على رزقهم فيجيء كل ليلة فيحلب شياهه ويحمل على يديه اللبن لأمه وأبيه يسقيهما حتى يشبعا فإذا شبعا توجه بفضلة ما معه من اللبن إلى أولاده وزوجته لكن أن نسمع بهذا فعجب وهو بهذا محسن أحسن الله إليه لكنه يزيد إحسانا بما لا طاقة له لكثير من المحسنين فهو في ليلة يتأخر في العودة فيحمل اللبن لوالديه فيجدهما قد ناما ماذا يفعل؟ وزوجته جائعة طول نهارها تنتظر عشاءها ماذا يعمل وأطفاله تحت قدمه يتعلقون به يصرخون من الجوع قد يقف

стр. 5853

الإنسان في دهشة وحيرة دقائق ثم يقرر ربما كان هذا ما حدث لكن ما القرار؟ كان من الممكن إيقاظ والديه فيشربا والإيقاظ في هذه الحالة لصالحهما فقد ناما طاويين بطونهما على جوع لكن المبالغة في الحفاظ على أحاسيسهما وراحتهما جعلته يرفض هذا القرار وكان من الممكن أن يسقي زوجته وولده نصيبهم من اللبن ويحتفظ بنصيب والديه وينام حتى يستيقظا ولا جناح عليه لكنه لا يجيز لنفسه أن يقدم زوجته وأولاده على أبيه وأمه حتى لو دعت الضرورة ذلك كما في هذه الحالة كما لا يجيز لنفسه أن ينام فيستيقظ أبواه ولو للحظات فلا يجدانه واقفا باللبن فيعودان إلى النوم بدون عشاء فالقرار أن يظل واقفا حاملا اللبن من مسائه حتى صباحه ضاربا بحاجة زوجته وبكاء أطفاله عرض الحائط حتى يناموا جائعين وحتى الصباح فيستيقظ أبواه فيشربان ورع وتقوى نادرة ورب الكعبة تستحق مكافأة كبرى من الكريم الذي قرن بر الوالدين بعبادته الصورة الثانية قد نسمع برجل مؤمن دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين فيظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قد لا تكون له إربة في النساء وقد يكون حاكما لشهوته الجنسية من بعد وقد لا يكون هناك حب ورغبة بينه وبينها أما أن يكون محبا كأشد حب ساعيا بكل ما يستطيع للوصول باذلا كل ما في وسعه عاما كاملا يجري وراءها فإذا تمكن منها وجلس منها مجلس الرجل من المرأة واستسلمت له وكشفها قال إني أخاف الله رب العالمين فانصرف عنها ودفع لها كل ما جمعه من مال مائة وعشرين دينارا تلك صورة نادرة يستحق صاحبها من الكريم الذي أمر بالعفة الإحسان والتقدير والإكرام الصورة الثالثة قد نسمع بصاحب عمل يدفع للعامل ضعف أجره أو عشرة أمثال ما يستحق وأن يحتفظ له بأجره أمانة سنوات حتى يعود فيؤدي له أمانته أما أن يعمل له دون مقابل في هذا الأجر ويستثمره له مضحيا بأجر نفسه وقيامه على هذا الأجر ليتحول من حفنات أرز إلى كومة كبيرة ثم إلى شياه ثم إلى قطيع من البقر فيأتي العامل بعد سنوات يطلب حفنات الأرز فيسلمه قطيعا من البقر وعشرة آلاف درهم أليست هذه الصورة أيضا صورة نادرة يستحق صاحبها ممن يضاعف الحسنات أضعافا كثيرة التقدير والنجدة والإحسان بالصورة الأولى رفعت الصخرة بأمر ربها عن فم الغار ثلث الفتحة وبالصورة الثانية رفعت ثلثا آخر وبالصورة الثالثة رفع الكرب نهائيا ألا نقرأ قوله تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ [الطلاق ٢] وحديث رسول الله ﷺ "احفظ الله يحفظك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" آمنا بالله رب العالمين -[المباحث العربية]- (بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر) في الملحق الثاني للرواية "انطلق ثلاثة رهط

стр. 5854

ممن كان قبلكم" وكذا عند البخاري وعند الطبراني "ثلاثة نفر من بني إسرائيل" وعند ابن حبان والبزار أنهم "خرجوا يرتادون لأهليهم" (فأووا إلى غار في جبل) الغار النقب في الجبل و"أووا" يجوز قصر الألف ومدها أي التجئوا إلى غار يحميهم من المطر وعند البزار والطبراني "فدخلوا غارا" (فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم) وعند البخاري "فأووا إلى غارهم فانطبق عليهم" وعند البزار والطبراني "فسقط عليهم حجر متجاف أي بعيد عنهم وسقط على باب الغار حجر غليظ حتى ما يرون منه خصاصة" أي فرجة وفي رواية "فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم" وفي رواية "فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار" وفي رواية للطبراني "إذ وقع حجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سد فم الغار" وفي رواية "حتى أووا المبيت إلى غار" وظاهرها أنهم استمروا في الغار إلى النصف الثاني من الليل إذ هو الذي يطلق عليه المبيت (فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم) وفي رواية للبخاري "فقال بعضهم لبعض إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه" وفي رواية للبخاري "ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه" وفي رواية "إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم" وفي رواية "فقال بعضهم لبعض عفا الأثر ووقع الحجر ولا يعلم بمكانكم إلا الله ادعوا الله بأوثق أعمالكم" وعند البزار "تفكروا في أحسن أعمالكم فادعوا الله بها لعل الله يفرج عنكم" وفي رواية "إنكم لن تجدوا شيئا خيرا من أن يدعو كل امرئ منكم بخير عمل عمله قط" (فقال أحدهم اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالداي فسقيتهما قبل بني وإنه نأى بي ذات يوم الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أسقي الصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء) وقوله "نأى بي ذات يوم الشجر" أي بعد بي عن المساكن السعي بحثا عن المرعى الخصب والشجر الطيب قال النووي في بعض النسخ "ناء بي" فالأول يجعل الهمزة قبل الألف وبه قرأ أكثر القراء السبعة في قوله تعالى ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه﴾ [فصلت ٥١] والثاني عكسه وهما لغتان وقراءتان ومعناهما بعد وفي الملحق الثاني للرواية "اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا" وفي رواية للبخاري "اللهم إن كنت تعلم"

стр. 5855

و"أبوان" أي أب وأم من باب التغليب وفي رواية "أبوان ضعيفان فقيران ليس لهما خادم ولا راع ولا ولي غيري فكنت أرعى لهما بالنهار وآوي إليهما بالليل" وقوله في ملحق الرواية "فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا" قال الداودي أراد بالمال الرقيق والدواب وقوله "لا أغبق" بفتح الهمزة وضم الباء والغبوق شرب العشاء والصبوح شرب أول النهار وقوله "أكره أن أوقظهما من نومهما" أي فيشق ذلك عليهما ويؤرقهما ويؤذيهما وقوله "أكره أن أسقي الصبية قبلهما" فيطويا بطونهما على جوع ويضعفا وأحس أني لم أبرهما حيث قدمت صبيتي عليهما وقوله "والصبية يتضاغون عند قدمي" أي يصيحون ببكاء زاد في رواية "من الجوع" وهذا القيد ملاحظ في روايتنا لرفع إيهام أنهم يبكون ويصيحون بسبب آخر غير الجوع وفائدة ذكر هذه الجملة إبراز مقاومة عواطفه نحو أولاده من أجل أبويه وقوله "فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم" أي ودأب أبوي وأولادي (وقال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ففرج لهم) بفتح الفاء والراء مبني للمعلوم أي فرج الله لهم فرجة أخرى لكنها لا تمكنهم من الخروج وقد صرح به في آخر الحديث ولفظه "ففرج الله ما بقي" وفي الملحق الثاني للرواية "فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين" أي حتى وقعت في سنة قحط "فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار" والكاف في "كأشد ما يحب الرجال النساء" زائدة ففي رواية في الصحيح "كانت أحب الناس إلي" أو أراد تشبيه محبته بأشد المحبات وفي رواية للبخاري "راودتها عن نفسها" وفي رواية "فأردتها على نفسها" "فأبت" وفي رواية "فقالت لا ينال منها ذلك حتى ... " وفي رواية "إلا أن آتيها بمائة دينار" قالوا والجمع بين رواية "مائة دينار" ورواية "عشرين ومائة" أن الرواية الأولى ألغت الكسر أو يحمل على أنها طلبت منه مائة فزادها عشرين وقوله "فلما وقعت بين رجليها" أي جلست منها مجلس الرجل من المرأة للوقاع وفي رواية للبخاري "فلما قعدت بين رجليها" وفي رواية "حتى إذا قدرت عليها" وفي رواية "فلما كشفتها" و"الخاتم" كناية عن عذرتها وبكارتها وكأنها كانت بكرا وعدم فتح الخاتم كناية عن عدم كسر الغشاء وأل في الخاتم للعهد أي خاتمي وفي رواية للبخاري "لا تفض" وهي بمعنى "لا تفتح" والمراد من "حقه" النكاح الحلال وعند الطبراني "إنه لا يحل لك أن تفض خاتمي إلا بحقه" وفي رواية "قالت أذكرك الله أن تركب مني ما حرم الله عليك قال فقلت أنا أحق أن أخاف ربي" وفي رواية "فلما أمكنتني من نفسها بكت فقلت ما يبكيك قالت فعلت هذا من الحاجة فقلت

стр. 5856

انطلقي" وفي رواية "فأسلمت إلي نفسها فلما كشفتها ارتعدت من تحتي فقلت مالك قالت أخاف الله رب العالمين فقلت خفتيه في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها" وترك لها المال (وقال الآخر اللهم إني كنت قد استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه فرقه فرغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعاءها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني حقي قلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها فقال اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك خذ ذلك البقر ورعاءها فأخذه فذهب به فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي ففرج الله ما بقي) و"الفرق" بفتح الفاء والراء وقد تسكن الراء مكيال يسع ثلاثة آصع والأرز فيه ست لغات فتح الألف وضمها مع ضم الراء وبضم الألف مع سكون الراء وتشديد الزاي وتخفيفها وفي رواية "فرق ذرة" وجمع بينهما بأنه استأجر أجراء بعضهم بفرق أرز وبعضهم بفرق ذرة ويحتمل أن ثمن الأرز والذرة كان واحدا فكان الأجر بهذا أو بهذا وفي رواية بين السبب في أنه ترك أجره ولفظها "كان لي أجراء يعملون فجاءني عمال فاستأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم فجاء رجل ذات يوم نصف النهار فاستأجرته بشرط أصحابه فعمل في نصف نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه عما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله فقال رجل منهم تعطي هذا مثل ما أعطيتني فقلت يا عبد الله لم أبخسك شيئا من شرطك وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت قال فغضب وذهب وترك أجره" وفي رواية "فأتاني يطلب أجره وأنا غضبان فزبرته فانطلق وترك أجره" فيحتمل أن الأجير لما حسد الذي عمل نصف النهار وعاتب المستأجر غضب منه وقال له لم أبخسك ... وزبره فغضب الأجير وذهب وفي رواية "وترك واحد منهم أجره وزعم أن أجره أكثر من أجور أصحابه" ومعنى قوله "فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعاءها" يفسره ما في البخاري بلفظ "وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا" وفي رواية "وراعيها" وفي رواية "فجمعته" أي حصدت الزرع وجمعته وبعته "وثمرته حتى كان منه كل المال" وفي رواية "فبذرته على حدة فأضعف ثم بذرته فأضعف حتى كثر الطعام" وفي رواية "ثم مرت بي بقر فاشتريت منها فصيلة فبلغت ما شاء الله" والرعاء الراعي وفي رواية للبخاري "وإنه أتاني يطلب أجره" والواضح أن مجيئه كان بعد سنين من عمله "فقلت له اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال لي إن لي عندك فرق أرز فقلت له اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق" وفي رواية "فقال أتستهزئ بي؟ فقلت لا" وفي رواية "أتظلمني وتسخر بي"؟ وفي رواية "فأعطيته ذلك كله ولو شئت لم أعطه إلا الأجر الأول" وفي رواية أنه دفع له فوق ذلك عشرة آلاف درهم" هذا وترتيب الثلاثة في قصصهم ودعائهم يختلف هنا عما في البخاري إذ جاء فيه أن الأول الأجير والثاني صاحب الأبوين والثالث صاحب ابنة عمه والاختلاف من الرواة

стр. 5857

وفي ملحق الرواية "حتى كثرت منه الأموال فارتعجت" قال النووي بالعين ثم الجيم أي كثرت حتى ظهرت حركتها واضطرابها ومرج بعضها في بعض لكثرتها والارتعاج الاضطراب والحركة وزاد في هذا الملحق "وخرجوا من الغار يمشون" -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من هذا الحديث]- ١ - فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما عمن سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم ٢ - وفضل العفاف والانكفاف عن المحرمات لا سيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها ابتغاء وجه الله تعالى ٣ - وجواز الإجازة بالطعام المعلوم بين المتآجرين ٤ - وفضل حسن العهد والسماحة في المعاملة ٥ - وأداء الأمانة ٦ - وفيه إثبات كرامات الأولياء قاله النووي والأولى أن يقال فيه إجابة الدعاء والتشفع لذلك بصالح الأعمال ٧ - واستحباب الدعاء في الكرب ٨ - وفضل الإخلاص في العمل ٩ - قال الحافظ ابن حجر واستشكل تركه أولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما مع قدرته على تسكين جوعهم فقيل كان في شرعهم تقديم نفقة الأصول على غيرهم ١٠ - قال النووي واحتج بهذا الحديث أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ممن يجيز للإنسان مال غيره والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجازه المالك بعد ذلك قال وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن لا يجيز التصرف المذكور بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا وفي كونه شرعا لنا خلاف مشهور للأصوليين فإن قلنا ليس بشرع لنا فلا حجة وإلا فهو محمول على أنه استأجر بأرز في الذمة ولم يسلم إليه بل عرضه عليه فلم يقبله لرداءته فلم يتعين من غير قبض صحيح فبقى على ملك المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح ثم إن المستأجر تصرف فيه وهو ملكه فصح تصرفه سواء اعتقده لنفسه أم للأجير ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما اهـ ١١ - وفيه الإخبار عما جرى للأمم الماضية ليعتبر السامعون بأعمالهم فيعملوا بأحسنها ويتركوا أقبحها والله أعلم

стр. 5858

كتاب التوبة

стр. 5859

(٧٥٦) باب في الحض على التوبة والفرح بها وسقوط الذنوب بالاستغفار ٦٠٤١ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول". ٦٠٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لله أشد فرحا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها. ٦٠٤٣ - عن الحارث بن سويد قال دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثا عن نفسه وحديثا عن رسول الله ﷺ قال سمعت رسول الله ﷺ "يقول لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده". ٦٠٤٤ - عن الأعمش بهذا الإسناد وقال "من رجل بداوية من الأرض". ٦٠٤٥ - عن الحارث بن سويد قال حدثني عبد الله حديثين أحدهما عن رسول الله ﷺ والآخر عن نفسه فقال قال رسول الله ﷺ "لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن" بمثل حديث جرير.

стр. 5860

٦٠٤٦ - عن سماك قال خطب النعمان بن بشير فقال "لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته عينه وانسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه فبينما هو قاعد إذ جاءه بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده فلله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره على حاله" قال سماك فزعم الشعبي أن النعمان رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ وأما أنا فلم أسمعه. ٦٠٤٧ - عن البراء بن عازب قال قال رسول الله ﷺ "كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه ثم مرت بجذل شجرة فتعلق زمامها فوجدها متعلقة به" قلنا شديدا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ "أما والله لله أشد فرحا بتوبة عبده من الرجل براحلته" قال جعفر حدثنا عبيد الله بن إياد عن أبيه. ٦٠٤٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح". ٦٠٤٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة". ٦٠٥٠ - عن أبي أيوب أنه قال حين حضرته الوفاة كنت كتمت عنكم شيئا

стр. 5861

سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغفر لهم" ٦٠٥١ - عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله ﷺ أنه قال "لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم". ٦٠٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم". -[المعنى العام]- يراجع في باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه والتوبة -[المباحث العربية]- (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة) وفي الرواية الثانية "لله أشد فرحا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها" أي أشد فرحا من فرح أحدكم بوجود ضالته بعد أن فقدها وفقد الأمل في الحصول عليها وفي الرواية الثالثة لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل ... قال النووي قال العلماء فرح الله تعالى هو رضاه وقال المازري الفرح ينقسم إلى وجوه منها السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به قال فالمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره اهـ وقال الخطابي الفرح الذي يتعارفه الناس بينهم غير جائز على الله وقال ابن العربي كل صفة تقتضي التغير لا يجوز أن يوصف الله بحقيقتها فإن ورد شيء من ذلك حمل على معنى يليق به وقد يعبر عن الشيء بسببه أو بثمرته الحاصلة عنه فإن من فرح بشيء جاء لفاعله بما سأل وبذل له ما طلب فعبر عن عطاء الباري وواسع كرمه بالفرح وقال ابن أبي جمرة كنى عن إحسان الله للتائب وتجاوزه عنه بالفرح لأن عادة الملك إذا فرح بفعل أحد أن يبالغ في الإحسان إليه

стр. 5862

وقال القرطبي في المفهم هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب وأنه يقبل عليه بمغفرته ويعامله معاملة من يفرح بعمله ووجه هذا المثل أن العاصي وقع بسبب معصيته في قبضة الشيطان وأسره وقد أشرف على الهلاك فإذا لطف الله به ووفقه للتوبة خرج من شؤم تلك المعصية وتخلص من أسر الشيطان ومن المهلكة التي أشرف عليها فأقبل الله عليه بمغفرته ورحمته وإلا فالفرح الذي هو من صفات المخلوقين محال على الله تعالى لأنه اهتزاز وطرب يجده الشخص من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به نقصانه أو يدفع به عن نفسه ضررا أو نقصا وكل ذلك محال على الله فإنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص ولا قصور فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في تسمية الشيء باسم ما جاوره أو بسببه قال وهذا القانون جار في جميع ما أطلق على الله تعالى على صفة من الصفات التي لا تليق به (من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده) "دوية" اتفق العلماء على أنها بفتح الدال وتشديد الواو المكسورة وتشديد الياء المفتوحة وفي ملحق الرواية الثالثة "من رجل بداوية من الأرض" بزيادة ألف وهي بتشديد الياء أيضا وكلاهما صحيح قال أهل اللغة الدوية الأرض القفر والفلاة الخالية وقال الخليل هي المفازة قالوا ويقال دوية وداوية فأما الدوية فمنسوب إلى الدو بتشديد الواو وهي البرية التي لا نبات فيها وأما الداوية فهي على إبدال إحدى الواوين ألفا كما قيل في النسب إلى طي طائي والمهلكة بفتح الميم وبفتح اللام وكسرها وهي موضع مخوف الهلاك ويقال لها مفازة قيل إنه من قولهم فوز الرجل بتشديد الواو المفتوحة إذا هلك وقيل سميت مفازة على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ سليم. وفي الرواية الرابعة "من رجل حمل زاده ومزاده على بعير" والمزاد والمزادة الماء ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته عينه وانسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا أي جرى مكانا عاليا من الأرض لينظر منه هل يراها؟ فلم ير شيئا ... فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه فبينما هو قاعد إذ جاءه بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده فلله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره على حاله أي وعليه زاده وماؤه ومتاعه. وفي الرواية الخامسة كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه ثم مرت بجذل شجرة بكسر الجيم وفتحها وسكون الذال وهو أصل الشجرة القائم فتعلق زمامها فوجدها متعلقة به قلنا شديدا أي نراه فرح فرحا شديدا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما والله لله أشد فرحا

стр. 5863

بتوبة عبده من الرجل براحلته ويجمع بين الروايات بأن الشجرة التي تعلقت بها كانت بجواره وفي الرواية السادسة كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه أي فنام فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها أي بعد البحث عنها أيس من استردادها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح فقلب اللفظ المراد وهو أنت ربي وأنا عبدك الشاكر لفضلك قال القاضي عياض ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به وفي الرواية السابعة "لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره" في الكلام مضاف محذوف أي إذا استيقظ على انسلال بعيره وهربه قد أضله أضل الرجل بعيره ففي رواية فأضلها بأرض فلاة وقال القاضي عياض هكذا هو في جميع النسخ إذا استيقظ على بعيره واتفقت عليه رواة صحيح مسلم قال قال بعضهم وهو وهم وصوابه إذا سقط على بعيره أي وقع عليه وصادفه من غير قصد قال ورواية استيقظ صحيحة لكن السياق يدل على سقط وصحته كما في البخاري فنام نومة فرفع رأسه فإذا راحلته عنده" اهـ وهكذا حمل القاضي عياض استيقاظ الرجل على النومة الثانية وحملناه على النومة الأولى والله أعلم (لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغفر لهم) في الرواية التاسعة لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم وفي الرواية العاشرة والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم فعبر عن التوبة بالاستغفار والاستغفار الذي هو طلب المغفرة يعتبر توبة والله أعلم -[فقه الحديث]- مضى الكلام عن التوبة وشروطها وقبولها ووقت صلاحيتها قبل أبواب عند باب التوبة ونضيف هنا ما يستفاد من هذا الحديث -[يؤخذ منه]- ١ - جواز سفر المرء وحده لأن الشارع لا يضرب المثل إلا بما يجوز ويحمل حديث النهي عن ذلك على الكراهة جمعا بين النصوص ٢ - وفيه تسمية المفازة التي ليس فيها ما يؤكل ولا يشرب مهلكة ٣ - وأن من ركن إلى الله كفاه وجعل له من ضيقه مخرجا ٤ - وفيه بركة الاستسلام لأمر الله بعد استنفاد الوسائل المشروعة ٥ - وفيه ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة والله أعلم

стр. 5864

(٧٥٧) باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا ٦٠٥٣ - عن حنظلة الأسيدي ﵁ قال وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ وما ذاك قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات. ٦٠٥٤ - عن حنظلة ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ فوعظنا فذكر النار قال ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة قال فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال وأنا قد فعلت مثل ما تذكر فلقينا رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله نافق حنظلة فقال "مه" فحدثته بالحديث فقال أبو بكر وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال "يا حنظلة ساعة وساعة ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق". -[المعنى العام]- خلق الله عالما طائعا لا يعصون الله ما أمرهم وهم الملائكة وعالما عاصيا وهم إبليس وجنوده

стр. 5865

وعالما يخلطون عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب على سيئاتهم وهم الإنس والجن المكلفون بالشرائع وكان هذا التكليف ذا شعب محرمات يجب الابتعاد عنها وواجبات يجب التزامها ومكروهات ينبغي التنزه عنها ومستحبات ينبغي الحرص عليها ومباحات ومتع دنيوية رخص بها بقدر الحاجة البشرية وفتح باب الطاعات ليترقى المؤمن في سلم الروحانية وليعرج إلى الملأ الأعلى قدر ما يستطيع لكن بعض الصحابة ﵃ بحكم سماعهم وعظ رسول الله ﷺ وبحكم تأثرهم به وبحكم شدة خوفهم من الله وبحكم عظيم مراقبتهم له ورغبتهم في فيض فضله ظنوا أن اشتغالهم بمتع الدنيا وشهواتها وإن كانت مباحة لا تليق بهم وأن الاشتغال بها نوع من النفاق وجمع بين الخشية الباطنة والعبث واللهو الظاهري وإن اختلفت أوقاتهما فبين الرسول ﷺ أن ذلك ليس نفاقا ممنوعا وأنهم غير مكلفين بأن يكونوا على التفكر الدائم والمراقبة المستمرة وإلا كانوا كالملائكة وصاحبتهم الملائكة ولكن المطلوب منهم أن يكونوا على التقوى والخشية وقتا وأن ينشغلوا بالدنيا المباحة وبزينتها المسموح بها وقتا آخر على أن لا تطغى وتسيطر الدنيا على قلب المؤمن فيكون من الخاسرين -[المباحث العربية]- (عن حنظلة الأسيدي وكان من كتاب رسول الله ﷺ وهو ابن حذيم بن حنيفة له ولأبيه وجده صحبة قال النووي "الأسيدي" ضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما ضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة والثاني كذلك إلا أنه بإسكان الياء وهو منسوب إلى بني أسيد بطن من بني تميم قال "وكان من كتاب رسول الله ﷺ " هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وذكره القاضي عن بعض شيوخه كذلك وعن أكثرهم وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وكلاهما صحيح لكن الأول أشهر في الرواية وأظهر في المعنى ويؤيده قوله في ملحق الرواية الثانية "عن حنظلة التميمي الأسيدي الكاتب" (قال لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة) في الرواية الثانية قال كنا عند رسول الله ﷺ فوعظنا فذكر النار قال ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة قال فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له وفي ملحق الرواية الثانية "قال كنا عند النبي ﷺ فذكرنا الجنة والنار ... " (قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا) كأنا رأي عين قال القاضي ضبطناه بالرفع أي كأنا بحال من يراها بعينه قال ويصح النصب على المصدر أي نراها رأي عين اهـ وقوله "عافسنا الأزواج" بالفاء والسين أي حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به وعالجنا معايشنا وحظوظنا وروى

стр. 5866

الخطابي "عانسنا" بالنون قال ومعناه لاعبنا ورواه ابن قتيبة بالشين عافشنا قال ومعناه عانقنا قال النووي والأول هو المعروف وهو أعم اهـ والضيعات جمع ضيعة وهي معاش الرجل من مال وحرفة وصناعة (قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا) الذي تلقاه وفي الرواية الثانية فقال وأنا قد فعلت مثل ما تذكر (فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت نافق حنظلة يا رسول الله) أي كان في داخله شيء من التقوى والخوف فأظهر مع زوجته وأولاده خلافه وأصل النفاق إظهار ما يبطن خلافه من الشر فخاف أن يكون ذلك الذي فعله مع أولاده نفاقا (فقال رسول الله ﷺ وما ذاك) الذي حصل حتى حكمت على نفسك هذا الحكم في الرواية الثانية "فقال مه" قال القاضي معناه الاستفهام أي ما تقول والهاء هنا هي هاء السكت أي أصلها ما اسم استفهام مبتدأ حذف خبره أي ما حصل قال ويحتمل أنها للكف والزجر والتعظيم لذلك أي أنها اسم فعل أمر بمعنى كف عما تقول فما تقوله أمر عظيم (قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا) في الرواية الثانية فحدثته بالحديث فقال أبو بكر وأنا قد فعلت مثل ما فعل (فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم) إن بسكون النون مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الحال والشأن محذوف والجملة بعده هي الخبر والمعنى إن الحال والشأن لو تدومون على الحال التي تكونون عليها عندي وتدومون في الذكر لكنتم مثل الملائكة لا تشتغلون بالدنيا ولا تشغلهم إلا طاعة الله ولتصاحبتم مع الملائكة لمشابهتكم لهم وفي الرواية الثانية لو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق أي لو كانت قلوبكم تظل على ما تكون عليه عندي حين الذكر والوعظ لكنتم أصحابا للملائكة تلاقونهم ويلاقونكم وتسلمون عليهم ويسلمون عليكم (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) بالرفع جملتان عطفت الثانية على الأولى وحذف الخبر في كل منهما للعلم به أي ساعة للآخرة وساعة للدنيا ساعة للتقوى والعبادة والمراقبة وساعة للمعاش واللهو المباح أي لهذا كلفتم ولهذا جعلتم خلفاء في الأرض وبنصب "ساعة وساعة" على الظرف لفعل محذوف أي راقبوا الله وخافوه ساعة والهوا وتمتعوا بما أباحه الله لكم من زينة الحياة الدنيا ساعة

стр. 5867

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - فضل التذكير والوعظ ٢ - وأن المطلوب التخول بالموعظة فترة بعد فترة لئلا تمل القلوب ٣ - وفضل التفكر والمراقبة ٤ - والرخصة في التمتع بالحلال من زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ٥ - ما كان عليه الصحابة من رقة القلوب التي تنفعل بالوعظ مصداقا لقوله تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾ [الأنفال ٢] ٦ - ما كانوا عليه من الحرص على مجانبة النفاق ٧ - منقبة لحنظلة وأبي بكر ﵄ ٨ - استنصاح المسلم أخاه بشأن مصلحته الشخصية ٩ - يسر الدين الإسلامي ومسايرته لمطالب العصر ولكل زمان ومكان ١٠ - ومن تكراره ﷺ النصيحة ثلاث مرات استحباب تكرار النصائح لتستقر في النفس وللتأكيد والإشعار بالاهتمام والله أعلم

стр. 5868

(٧٥٨) باب سعة رحمة الله وأنها تغلب غضبه ٦٠٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي". ٦٠٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "الله سبقت رحمتي غضبي". ٦٠٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي". ٦٠٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه". ٦٠٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه وخبأ عنده مائة إلا واحدة". ٦٠٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة". ٦٠٦١ - عن سلمان الفارسي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم وتسعة وتسعون ليوم القيامة".

стр. 5869

٦٠٦٢ - عن سلمان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة". ٦٠٦٣ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله ﷺ "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار" قلنا لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال رسول الله ﷺ "لله أرحم بعباده من هذه بولدها". ٦٠٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد". ٦٠٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له". ٦٠٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه به أحدا قال ففعلوا ذلك به

стр. 5870

فقال للأرض أدي ما أخذت فإذا هو قائم فقال له ما حملك على ما صنعت فقال خشيتك يا رب أو قال مخافتك فغفر له بذلك". ٦٠٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا" قال الزهري ذلك لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل. ٦٠٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "أسرف عبد على نفسه" بنحو حديث معمر إلى قوله "فغفر الله له" ولم يذكر حديث المرأة في قصة الهرة وفي حديث الزبيدي قال "فقال الله لكل شيء أخذ منه شيئا أد ما أخذت منه". ٦٠٦٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ "أن رجلا فيمن كان قبلكم راشه الله مالا وولدا فقال لولده لتفعلن ما آمركم به أو لأولين ميراثي غيركم إذا أنا مت فأحرقوني (وأكثر علمي أنه قال) ثم اسحقوني واذروني في الريح فإني لم أبتهر عند الله خيرا وإن الله يقدر علي أن يعذبني قال فأخذ منهم ميثاقا ففعلوا ذلك به وربي فقال الله ما حملك على ما فعلت فقال مخافتك قال فما تلافاه غيرها". ٦٠٧٠ - وفي رواية عن شعبة نحو حديثه وفي حديث شيبان وأبي عوانة "أن رجلا من الناس رغسه الله مالا وولدا" وفي حديث التيمي "فإنه لم يبتئر عند الله خيرا" قال فسرها قتادة لم يدخر عند الله خيرا وفي حديث شيبان "فإنه والله ما ابتأر عند الله خيرا" وفي حديث أبي عوانة "ما امتأر" بالميم.

стр. 5871

-[المعنى العام]- يقول الله تعالى على لسان موسى ﵇ ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ [الأعراف ١٥٦] ولا يشك مسلم في سعة رحمة الله ولا يشك مؤمن أن رحمة الله محيطة بالإنسان في كل لحظة من لحظاته من حين كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة ثم رضيعا ثم فطيما ثم ... ثم ... إلخ ولكن هذه المجموعة من الأحاديث تذكر من لا يتذكر ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات ٥٥] فتزيدهم إيمانا وثقة ويقينا وعبرة ودفعا إلى الخيرات والطاعات بدأت هذه المجموعة بأن رحمة الله تعالى بعباده ثابتة ثبوت المكتوب في لوح لا تبديل فيه ولا تغيير عند مالك الملك وخالق الكون الذي إذا قال فعل والذي لا يتخلف عنده ما وعد وما كتب وقد كتب فيما كتب إن رحمتي تغلب غضبي وتغطي عليه وتسبقه وهي كثيرة شاملة لم أنزل منها للخلائق في الأرض إلا جزءا واحدا من مائة جزء من هذا الجزء تتراحم المخلوقات الإنسان والحيوان والطير والهوام أما التسعة والتسعون جزءا فهي لي أرحم بها في الدنيا وأرحم بها في الآخرة بل وأضم إليها في الآخرة جزء المخلوقات فأرحم بالمائة جزء وأنا الرحمن الرحيم ويؤكد رسول الله ﷺ هذا المعنى ويرسخه في نفوس أصحابه ليبعث في نفوسهم الرجاء بعد أن رآهم وقد غلب عليهم الخوف حين يرى امرأة من السبي حانية على أطفال غيرها تحتضنهم وتضمهم إلى صدرها وترضعهم من ثديها فيقول لهم انظروا إلى هذه المرأة هل ترونها وهي بهذه الرحمة تؤذي طفلا من الأطفال أو تحرقه بالنار قالوا لا قال هل ترون أنه لو كان ابنها هو الذي في أحضانها أتظنون أنها تلقي به في النار مهما كانت الأسباب قالوا لا والله ما تلقي به في النار باختيارها أبدا قال فإن الله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها ويزيد ﷺ هذه الجرعة السارة المبشرة يزيدها بشرى وسرورا فيحكي لهم قصة رجل كان قبلنا في بني إسرائيل كان نباشا ينبش القبور عقب دفن الموتى فيسرق الأكفان وما يستطيع أن يسرقه من الميت وكم انتهك الحرمات واعتدى على الأموات مع أن الله كان قد آتاه مالا وولدا ونعمة ومتعا لكن نفسه الأمارة بالسوء حالت بينه وبين فعل الخير أي خير لم يقدم في حياته إلا الشر وجاءه الموت ووهن منه العظم وتحشرج النفس وتجمع حوله أولاده ومرت على خاطره أعماله الشريرة التي مارسها في حياته [كفيلم سينمائي أو كشريط تليفزيوني] وهو يعلم أن الحساب قريب وهو مقدم عليه إنه فعل من الشر ما لم يفعله أحد فقال لأبنائه إن الله سيعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ولعله كان جاهلا بالبعث وإن كان مؤمنا بوقوعه ظن أنه إن تحول إلى

стр. 5872

طحين وذرات ثم ذرى في يوم شديد الريح على البحار والأراضي سيضيع جسمه وسيغيب وسيتعذر جمعه فلا يعذب فوصى أولاده أن يحرقوه بعد موته ثم يطحنوه ثم يذرونه في الهواء إن لم يفعلوا ذلك لم يستحقوا شيئا من ثروته ففعلوا ما أمرهم به فقال الله للأرض اجمعي ما وصل إليك منه وقال للبحر اجمع ما لديك منه ثم قال له كن فقام الرجل واقفا فقال له لماذا فعلت ما فعلت وأوصيت بما أوصيت قال خوفا من عذابك وعدلك قال شملتك رحمتي وغفرت لك هذا تصوير لما سيحدث لهذا الرجل ساقه ﷺ لأصحابه لئلا يقنطوا من رحمة الله و ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف ٨٧] -[المباحث العربية]- (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش) في البخاري وفي الرواية الثالثة "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده" قضى بمعنى خلق أي لما خلق الله الخلق كقوله تعالى ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ [فصلت ١٢] أو قضى بمعنى أحكم وأتقن وفرغ وأمضى ومعنى "فهو عنده فوق العرش" أي دون العرش لاستبعاد أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش واستعمال "فوق" بمعنى دون صحيح كما في قوله تعالى ﴿بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة ٢٦] وقيل هو على ظاهره والعرش خلق من خلق الله ولا مانع أن يخلق فوقه شيء ويحتمل أن يكون المراد فذكره أو علمه عنده أي علم المكتوب عند الله فلا تكون العندية مكانية بل هي إشارة إلى كمال كونه مخفيا عن الخلق مرفوعا عن حيز إدراكهم وفي الرواية الثالثة "كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده" وكلمة "موضوع" تبعد العندية غير المكانية (إن رحمتي تغلب غضبي) وفي الرواية الثانية سبقت غضبي وإن بكسر الهمزة على حكاية مضمون الكتاب وبفتح الهمزة على أنها بدل من "كتب" قال العلماء والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة غالب على تعلق الغضب لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة غير مسبوقة بسبب أما الغضب فهو متوقف على سابقة عمل من العبد فإسكان آدم الجنة كان بالرحمة وخروجه منها كان بسبب عمله ثم إن الرحمة تشمل الإنسان جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا قبل أن تصدر منه طاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك وقيل معنى السبق والغلب الكثرة والشمول كما يقال غلب على فلان الكرم والشجاعة

стр. 5873

(جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) وفي الرواية الخامسة خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه وخبأ عنده مائة إلا واحدة وفي الرواية السادسة إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة وفي الرواية السابعة إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم وتسعة وتسعون ليوم القيامة وفي الرواية الثامنة إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة قال النووي هكذا وقع في نسخ بلادنا جميعا الرحمة وذكر القاضي عياض جعل الله الرحم بضم الراء وحذف الهاء قال ويجوز فتح الراء ومعناه الرحمة اهـ وفي رواية للبخاري "جعل الله الرحمة في مائة جزء" قال الكرماني المعنى يتم بدون الظرف "في" فلعلها زائدة أو متعلقة بمحذوف مبالغة إذ جعلها مظروفا لها معنى بحيث لا يفوت منها شيء اهـ وأكثر الطرق خالية من الظرف وقال القرطبي يجوز أن يكون معنى "خلق" اخترع وأوجد ويجوز أن يكون بمعنى قدر بمعنى أن الله أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقدير السموات والأرض وقوله "كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض" المراد به التعظيم والتكثير اهـ وقوله "فأمسك عنده تسعة وتسعين" جزءا "وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق ... " إلخ حكى القرطبي عن بعض الشراح أن هذا العدد الخاص أطلق لإرادة التكثير والمبالغة فيه وتعقبه بأنه لم تجر عادة العرب بذلك في المائة وإنما جرى في السبعين وقال الكرماني الرحمة هنا عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير والقدرة في نفسها غير متناهية والتعلق غير متناه لكن حصره في مائة على سبيل التمثيل تسهيلا للفهم وتقليلا لما عند الخلق وتكثيرا لما عند الله اهـ وهو كلام حسن أولى بالقبول من توجيهات كثير من الشراح لحكمة هذا العدد وأما قوله في الرواية الثامنة "فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة" ففيه إشارة إلى أن الرحمة التي في الدنيا بين الخلق تكون فيهم يوم القيامة يتراحمون بها أيضا صرح بذلك المهلب فقال الرحمة التي خلقها الله لعباده وجعلها في نفوسهم في الدنيا هي التي يتغافرون بها يوم القيامة التبعات بينهم قال ويجوز أن يستعمل الله تلك الرحمة فيهم فيرحمهم بها سوى رحمته التي وسعت كل شيء وهي التي من صفة ذاته ولم يزل موصوفا بها فهي التي يرحمهم بها زائدا على الرحمة التي خلقها لهم قال ويجوز أن تكون الرحمة التي أمسكها عند نفسه هي التي عند

стр. 5874

ملائكته المستغفرين لمن في الأرض لأن استغفارهم لهم دال على أن في نفوسهم الرحمة لأهل الأرض وقال القرطبي مقتضى هذا الحديث أن الله علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد انتظمت به مصالحهم وحصلت به مرافقهم فإذا كان يوم القيامة كمل لعبادة المؤمنين ما بقى فبلغت مائة وكلها للمؤمنين اهـ وتفسير الرحمة بالنعمة على الناس عامة لا يناسب بقية ألفاظ الأحاديث التي تفيد أن المراد بالرحمة نعمة واحدة من النعم التي منحها الإنسان وغيره في الدنيا وهي نعمة الحب والتعاطف والشفقة ورقة القلوب (عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قدم على رسول الله ﷺ بسبي) فيه نساء وكان هذا السبي من هوازن ولفظ "قدم" ضبط بضم القاف وكسر الدال (فإذا امرأة من السبي تبتغي) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم "تبتغي" من الابتغاء وهو الطلب قال القاضي عياض وهذا وهم والصواب ما في رواية البخاري "تسعى" بالسين من السعي قال النووي وكلاهما صحيح صواب لا وهم فيه فهي ساعية وطالبة مبتغية لابنها (إذا وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته) وفي رواية للبخاري "فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي" "ثديها" بالرفع على الفاعلة أي تسيل ثديها باللبن وفي رواية "ثدياها" بالتثنية و"تحلب" بفتح التاء والحاء وتشديد اللام المفتوحة وأصله تتحلب ومفعول "تسقي" محذوف أي الأطفال التي في السبي "إذا وجدت صبيا أخذته فأرضعته فوجدت صبيا فأخذته فألزمته بطنها" وعرف من السياق أنها كانت قد فقدت صبيها فكانت كلما وجدت صبيا حنت له واندفعت بالرحمة نحوه فضمته لصدرها وليس كما قال الحافظ ابن حجر أنها كانت تفعل ذلك لتضررها باجتماع اللبن في ثديها فقد كان بإمكانها حلبه وإهداره ولما كان الحديث مستدلا به على الرحمة (أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار قلنا لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه) "أترون" بضم التاء أي أتظنون بهذه الرحمة التي هي عليها ترمي ولدها في النار قالوا لا والله لا تطرحه في النار طائعة أبدا (فقال رسول الله ﷺ لله أرحم بعباده من هذه بولدها) "لله" بفتح اللام الأولى وهي لام تأكيد وصرح بالقسم في رواية فقال والله لله أرحم والمراد من العباد هنا قيل من مات على الإسلام وسيأتي في فقه الحديث توضيح هذه المسألة (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما

стр. 5875

عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد) عبر بالمضارع "لو يعلم" دون الماضي للإشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك ولا يقع لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعا فيما مضى ذكره الحافظ ابن حجر وفي رواية للبخاري قدم الكافر ولفظها "فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له) في الرواية الثانية عشرة "أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني" وفي رواية "اسهكوني" وفي رواية "اطحنوني" ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه به أحدا" ولعله ظن أنه إن صار ذرا رمادا مبثوثا في الماء والريح لعله يخفى قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدي ما أخذت فإذا هو قائم وفي رواية للبخاري فقال الله كن فإذا رجل قائم فقال له ما حملك على ما صنعت فقال خشيتك يا رب أو قال مخافتك فغفر له بذلك وفي ملحق الرواية الثالثة عشرة "فقال الله لكل شيء أخذ منه شيئا أد ما أخذت منه" وفي الرواية الرابعة عشرة "أن رجلا فيمن كان قبلكم راشه الله مالا وولدا فقال لولده لتفعلن ما آمركم به أو لأولين ميراثي غيركم إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني واذروني في الريح فإني لم أبتهر عند الله خيرا وإن الله يقدر علي أن يعذبني قال فأخذ منهم ميثاقا ففعلوا ذلك به وربي فقال الله ما حملك على ما فعلت فقال مخافتك وفي رواية "فرق منك" قال فما تلافاه غيرها وفي ملحق هذه الرواية لم يبتئر عند الله خيرا وفسرها الراوي قتادة أي لم يدخر عند الله خيرا وفي رواية والله ما ابتأر عند الله خيرا وفي رواية ما امتأر عند الله خيرا قال النووي لم أبتهر عند الله خيرا هكذا هو في بعض الأصول ولبعض الرواة أبتئر بهمزة بعد التاء وفي أكثرها لم أبتهر بالهاء وكلاهما صحيح والهاء مبدلة من الهمزة ومعناهما لم أقدم خيرا ولم أدخره وفي رواية لم يبتئر قال النووي هكذا هو في جميع النسخ وفي رواية ما امتأر بالميم مهموزا أيضا والميم مبدلة من الباء ومعنى أسرف رجل على نفسه أي بالغ وعلا في المعاصي والسرف مجاوزة الحد وفي معنى "راشه الله مالا" قال النووي هذه اللفظة رويت بوجهين في صحيح مسلم أحدهما راشه بألف ساكنة غير مهموزة وبشين معجمة والثاني رأسه بهمزة وسين قال القاضي والأول هو الصواب وهو رواية الجمهور ومعناه أعطاه الله مالا قال ولا وجه للسين هنا وعن قوله ففعلوا ذلك به وربي قال هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم وربي على القسم ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه أيضا في كتاب مسلم قال وهو على القسم من المخبر بذلك عنهم

стр. 5876

لتصحيح خبره وفي صحيح البخاري فأخذ منهم ميثاقا وربي ففعلوا ذلك له قال بعضهم وهو الصواب قال القاضي بل هما متقاربان في المعنى والقسم قال وفي بعض نسخ صحيح مسلم ففعلوا ذلك وذرى فإن صحت هذه الرواية فهي وجه الكلام لأنه أمرهم أن يذروه ولعل الذال سقطت لبعض النساخ وتابعه الباقون قال النووي هذا كلام القاضي والروايات الثلاث المذكورات صحيحات المعنى ظاهرات فلا وجه لتغليط شيء منها ومعنى فما تلافاه غيرها أي ما تداركه غيرها والتاء فيه زائدة أي الأصل ما لافاه غيرها ومعنى قوله في ملحق الرواية الأخيرة أن رجلا من الناس رغسه الله مالا وولدا بالغين المفتوحة المخففة أي أعطاه مالا وبارك له فيه -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - من الرواية الأولى والثانية والثالثة أن رحمة الله بعباده واسعة وهذا الإخبار يفيد كثيرا من الرجاء ٢ - وفيها حث على التراحم وفضيلته ٣ - وفيها إثبات العرش ٤ - والكتابة في اللوح المحفوظ ٥ - ومن الرواية الرابعة حتى الثامنة إدخال السرور والبشرى على المؤمنين لأن العادة أن النفس يكمل فرحها بما وهب لها إذا كان معلوما مما يكون موعودا ٦ - وفيها الحث على الإيمان ٧ - وفي الرواية التاسعة من قوله "لله أرحم بعباده" أن من مات على الإسلام شملته الرحمة وقد خص العباد هنا بالمسلمين وأكد هذا الخصوص بحديث أحمد والحاكم عن أنس ﵁ قال "مر النبي ﷺ في نفر من أصحابه وصبي على الطريق فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول ابني ابني وسعت فأخذته فقال القوم يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار فقال ولا الله بطارح حبيبه في النار" فالتعبير بحبيبه يخرج الكافر وكذا من شاء الله إدخاله ممن لم يتب من مرتكبي الكبائر قال ابن أبي جمرة لفظ العباد عام ومعناه خاص بالمؤمنين وهو كقوله تعالى ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ [الأعراف ١٥٦] فهي عامة من جهة الصلاحية وخاصة بمن كتبت له ٨ - وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلقه في جميع أموره بالله وحده وأن كل من

стр. 5877

فرض أن فيه رحمة ما حتى يقصد لأجلها فالله أرحم منه فليقصد العاقل لحاجته من هو أشد له رحمة ٩ - وفيه جواز النظر للنساء المسبيات لأنه ﷺ لم ينه عن النظر إلى المرأة المذكورة بل في سياق الحديث ما يقتضي إذنه في النظر إليها ١٠ - وفيه ضرب المثل بما يدرك بالحواس لما لا يدرك بها لتحصيل معرفة الشيء على وجهه وإن كان الذي ضرب به المثل لا يحاط بحقيقته لأن رحمة الله لا تدرك بالعقل ومع ذلك فقربها النبي ﷺ للسامعين بحال المرأة المذكورة ١١ - وفيه جواز ارتكاب أخف الضررين لأنه ﷺ لم ينه المرأة عن إرضاع الأطفال الذين أرضعتهم مع احتمال أن يكبر بعضهم فيتزوج بعض من أرضعته المرأة لكن لما كانت حالة الإرضاع ناجزة وما يخشى من المحرمية متوهم اغتفر قاله الحافظ ابن حجر وفيه نظر ١٢ - وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة من جهة أن الأطفال لولا أنهم كان بهم ضرورة إلى الإرضاع في تلك الحالة ما تركها النبي ﷺ ترضع أحدا منهم وقد يستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة وهو أقوى لأنه ﷺ أقرها على إرضاعهم من قبل أن تتبين الضرورة كذا نقل الحافظ ابن حجر وهو غير مسلم فلا دلالة في الحديث لأحد القولين ١٣ - ومن الرواية العاشرة سعة الرجاء والطمع في رحمة الله إذ المعنى لو علم الكافر سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظم العذاب فيحصل له الرجاء وقد ورد "أن إبليس يتطاول للشفاعة لما يرى يوم القيامة من سعة الرحمة" أخرجه الطبراني في الأوسط ١٤ - بل قيل إن هذه الرواية فيها وعد ووعيد المقتضيين للرجاء والخوف فمن علم أن من صفات الله الرحمة لمن أراد أن يرحمه والانتقام ممن أراد أن ينتقم منه لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه والمقصود من الحديث أن يكون المكلف بين الخوف والرجاء ١٥ - ومن الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة درجة الخوف من الله فإن الخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتصديق بالوعيد عليها فلما وقع ذلك للرجل غفر له وقالت المعتزلة غفر له لأنه تاب عند موته وندم على ما فعله وكان نباشا وتعقب بأنه لم يرد أنه رد المظالم فالمغفرة حينئذ بفضل الله لا بالتوبة لأنها لا تتم إلا بأخذ المظلوم حقه من الظالم وقالت المرجئة غفر له بأصل توحيده الذي لا تضر معه معصية وتعقب بأنه ورد في بعض الروايات أنه عذب وتحمل الرحمة والمغفرة على ترك الخلود في النار فيكون في هذه الرواية ردا على المرجئة والمعتزلة معا قال ابن أبي جمرة كان الرجل مؤمنا لأنه قد أيقن بالحساب وأن السيئات يعاقب عليها وأما ما أوصى به فلعله كان جائزا في شرعهم ذلك لتصحيح التوبة فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قتلهم أنفسهم لصحة التوبة ١٦ - قال النووي استدل بالحديث على أن الرجل كان مؤمنا لأنه قال في آخره إنما فعل هذا من

стр. 5878

خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يغفر له فلا يحمل قوله فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا" على أنه أراد نفي قدرة الله تعالى فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر وإنما له تأويلان أحدهما أن معناه لئن قدر علي العذاب أي قضاه يقال منه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد والثاني إن "قدر" هنا بمعنى ضيق علي كما قال تعالى ﴿فقدر عليه رزقه﴾ [الفجر ١٦] وهو أحد الأقوال في تفسير قوله تعالى ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء ٨٧] وقالت طائفة اللفظ على ظاهره ولكن الرجل قاله في حالة الدهشة والخوف وشدة الجزع فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو وقالت طائفة كان هذا الرجل في زمن الفترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء ١٥] وقالت طائفة يجوز أنه كان في زمن شرعهم جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع بقوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء ١١٦] والله أعلم ١٧ - وفي هذا الحديث جواز تسمية الشيء بما قرب منه لأنه قال "حضره الموت" وإنما الذي حضره في تلك الحالة علامات الموت ومقدماته ١٨ - وفي الرواية الثالثة عشرة أنه يستحب للواعظ أن يجمع في موعظته بين الخوف والرجاء لئلا يقنط أحد ولا يتكل فابن شهاب لما خاف أن السامع للرجاء ولقصة هذا الرجل يتكل على ما فيه من سعة رحمة الله ضم إليه حديث المرأة التي دخلت النار في حبسها هرة لما فيه من التخويف ١٩ - وفيه وضوح قدرة الله تعالى على البعث فإن أمر الله للأرض والبحر أن يؤدي كل منها ما عنده وقيام الرجل بأمر "كن" واضح في ذلك وإن كان المراد به المستقبل وأنه سيكون والله أعلم

стр. 5879

(٧٥٩) باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة ٦٠٧١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه "قال أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال ﵎ عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك" قال عبد الأعلى لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة "اعمل ما شئت". ٦٠٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن عبدا أذنب ذنبا" بمعنى حديث حماد بن سلمة وذكر ثلاث مرات أذنب ذنبا وفي الثالثة "قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء". ٦٠٧٣ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". -[المعنى العام]- تقدم ما يغني عنه في أبواب التوبة السابقة

стр. 5880

-[المباحث العربية]- (اعمل ما شئت فقد غفرت لك) قال النووي معناه فقد غفرت لك ما دمت تذنب ثم تتوب اهـ وفي ملحق الرواية "قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" ثم يستغفر (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) قال المازري المراد من بسط اليد قبول التوبة وإنما ورد لفظ "بسط اليد" لأن العرب إذا رضى أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه وهو مجاز ويد الجارحة مستحيلة على الله اهـ -[فقه الحديث]- سبقت مسائل هذا الباب في أبواب سابقة في التوبة وقال النووي هذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة على قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة مائة مرة أو ألف أو أكثر ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته ثم قال ولا يختص قبول توبته بوقت دون وقت والله أعلم.

стр. 5881

(٧٦٠) باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش ٦٠٧٤ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش". ٦٠٧٥ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله". ٦٠٧٦ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ ورفعه أنه قال "لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه". ٦٠٧٧ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل". ٦٠٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه".

стр. 5882

٦٠٧٩ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول "ليس شيء أغير من الله ". ٦٠٨٠ - عن أسماء ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال "لا شيء أغير من الله ". ٦٠٨١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "المؤمن يغار والله أشد غيرا". -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام في حديث سعد بن عبادة في الغيرة كما يراجع فضل التسبيح والتحميد والتكبير وبقية الأذكار ومجالس الذكر -[المباحث العربية]- (ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه) في أمثال قوله ﴿الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وأمرنا بمدحه بمثل قوله ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ [الأحزاب ٤٢] (وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش) الغيرة بفتح الغين وهي في حقنا الأنفة أما في حق الله تعالى فقد فسرها بقوله "وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه" أي غيرته تحريم المحرمات ومنعه منها (وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل) قال القاضي يحتمل أن المراد الاعتذار أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم

стр. 5883

وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم ويقبل اعتذارهم كما قال تعالى ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى ٢٥] (والله أشد غيرا) قال النووي هكذا هو في النسخ غيرا بفتح الغين وإسكان الياء منصوب بالألف وهو الغيرة قال أهل اللغة الغيرة والغير والغار بمعنى -[فقه الحديث]- إن مدح الله تعالى والثناء عليه يرجع خيره وفائدته إلى العبد نفسه فالله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية فالمادح والمثني على الله بما هو أهله يثاب على هذا الثناء فينتفع هو به وفي هذه الأحاديث فضل الثناء على الله وفضل تسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار والله أعلم.

стр. 5884

(٧٦١) باب قوله تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود ١١٤] ٦٠٨٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له قال فنزلت ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ قال فقال الرجل ألي هذه يا رسول الله قال "لمن عمل بها من أمتي". ٦٠٨٣ - وفي رواية عن ابن مسعود ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فذكر أنه أصاب من امرأة إما قبلة أو مسا بيد أو شيئا كأنه يسأل عن كفارتها قال فأنزل الله ثم ذكر بمثل حديث يزيد. ٦٠٨٤ - وفي رواية عن سليمان التيمي بهذا الإسناد قال أصاب رجل من امرأة شيئا دون الفاحشة فأتى عمر بن الخطاب فعظم عليه ثم أتى أبا بكر فعظم عليه ثم أتى النبي ﷺ فذكر بمثل حديث يزيد والمعتمر. ٦٠٨٥ - عن عبد الله ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك قال فلم يرد النبي ﷺ شيئا فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلا دعاه وتلا عليه هذه الآية ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة قال "بل للناس كافة".

стр. 5885

٦٠٨٦ - وفي رواية عن معاذ قال يا رسول الله هذا لهذا خاصة أو لنا عامة قال "بل لكم عامة". ٦٠٨٧ - عن أنس ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي قال وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله ﷺ فلما قضى الصلاة قال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله قال "هل حضرت الصلاة معنا" قال نعم قال "قد غفر لك". ٦٠٨٨ - عن أبي أمامة ﵁ قال بينما رسول الله ﷺ في المسجد ونحن قعود معه إذ جاء رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فسكت عنه رسول الله ﷺ ثم أعاد فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فسكت عنه وأقيمت الصلاة فلما انصرف نبي الله ﷺ قال أبو أمامة فاتبع الرجل رسول الله ﷺ حين انصرف واتبعت رسول الله ﷺ أنظر ما يرد على الرجل فلحق الرجل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال أبو أمامة فقال له رسول الله ﷺ "أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء" قال بلى يا رسول الله قال "ثم شهدت الصلاة معنا" فقال نعم يا رسول الله قال فقال له رسول الله ﷺ "فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذنبك". -[المعنى العام]- الميزان يوم القيامة بالحسنات والسيئات فمن ثقلت موازين حسناته فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازين حسناته عن موازين سيئاته فأولئك الذين خسروا أنفسهم فإذهاب الحسنات للسيئات إذهاب لعقوبتها وإن ظلت مكتوبة في كتاب صاحبها لقوله تعالى ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا﴾ [الكهف ٤٩] ويحتمل أن الحسنات تذهب السيئات بمعنى أنها لا تكتب حيث ورد أن الصغيرة إذا فعلت لم يكتبها كاتب السيئات
следующие страницы →