← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

(٧٦٠) باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش ٦٠٧٤ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش". ٦٠٧٥ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله". ٦٠٧٦ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ ورفعه أنه قال "لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه". ٦٠٧٧ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل". ٦٠٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه".

стр. 5882

٦٠٧٩ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول "ليس شيء أغير من الله ". ٦٠٨٠ - عن أسماء ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال "لا شيء أغير من الله ". ٦٠٨١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "المؤمن يغار والله أشد غيرا". -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام في حديث سعد بن عبادة في الغيرة كما يراجع فضل التسبيح والتحميد والتكبير وبقية الأذكار ومجالس الذكر -[المباحث العربية]- (ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه) في أمثال قوله ﴿الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وأمرنا بمدحه بمثل قوله ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ [الأحزاب ٤٢] (وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش) الغيرة بفتح الغين وهي في حقنا الأنفة أما في حق الله تعالى فقد فسرها بقوله "وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه" أي غيرته تحريم المحرمات ومنعه منها (وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل) قال القاضي يحتمل أن المراد الاعتذار أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم

стр. 5883

وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم ويقبل اعتذارهم كما قال تعالى ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى ٢٥] (والله أشد غيرا) قال النووي هكذا هو في النسخ غيرا بفتح الغين وإسكان الياء منصوب بالألف وهو الغيرة قال أهل اللغة الغيرة والغير والغار بمعنى -[فقه الحديث]- إن مدح الله تعالى والثناء عليه يرجع خيره وفائدته إلى العبد نفسه فالله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية فالمادح والمثني على الله بما هو أهله يثاب على هذا الثناء فينتفع هو به وفي هذه الأحاديث فضل الثناء على الله وفضل تسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار والله أعلم.

стр. 5884

(٧٦١) باب قوله تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود ١١٤] ٦٠٨٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له قال فنزلت ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ قال فقال الرجل ألي هذه يا رسول الله قال "لمن عمل بها من أمتي". ٦٠٨٣ - وفي رواية عن ابن مسعود ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فذكر أنه أصاب من امرأة إما قبلة أو مسا بيد أو شيئا كأنه يسأل عن كفارتها قال فأنزل الله ثم ذكر بمثل حديث يزيد. ٦٠٨٤ - وفي رواية عن سليمان التيمي بهذا الإسناد قال أصاب رجل من امرأة شيئا دون الفاحشة فأتى عمر بن الخطاب فعظم عليه ثم أتى أبا بكر فعظم عليه ثم أتى النبي ﷺ فذكر بمثل حديث يزيد والمعتمر. ٦٠٨٥ - عن عبد الله ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك قال فلم يرد النبي ﷺ شيئا فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلا دعاه وتلا عليه هذه الآية ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة قال "بل للناس كافة".

стр. 5885

٦٠٨٦ - وفي رواية عن معاذ قال يا رسول الله هذا لهذا خاصة أو لنا عامة قال "بل لكم عامة". ٦٠٨٧ - عن أنس ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي قال وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله ﷺ فلما قضى الصلاة قال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله قال "هل حضرت الصلاة معنا" قال نعم قال "قد غفر لك". ٦٠٨٨ - عن أبي أمامة ﵁ قال بينما رسول الله ﷺ في المسجد ونحن قعود معه إذ جاء رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فسكت عنه رسول الله ﷺ ثم أعاد فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فسكت عنه وأقيمت الصلاة فلما انصرف نبي الله ﷺ قال أبو أمامة فاتبع الرجل رسول الله ﷺ حين انصرف واتبعت رسول الله ﷺ أنظر ما يرد على الرجل فلحق الرجل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال أبو أمامة فقال له رسول الله ﷺ "أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء" قال بلى يا رسول الله قال "ثم شهدت الصلاة معنا" فقال نعم يا رسول الله قال فقال له رسول الله ﷺ "فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذنبك". -[المعنى العام]- الميزان يوم القيامة بالحسنات والسيئات فمن ثقلت موازين حسناته فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازين حسناته عن موازين سيئاته فأولئك الذين خسروا أنفسهم فإذهاب الحسنات للسيئات إذهاب لعقوبتها وإن ظلت مكتوبة في كتاب صاحبها لقوله تعالى ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا﴾ [الكهف ٤٩] ويحتمل أن الحسنات تذهب السيئات بمعنى أنها لا تكتب حيث ورد أن الصغيرة إذا فعلت لم يكتبها كاتب السيئات

стр. 5886

فورا بل ينتظر لعل صاحبها يستغفر أو يعمل من الحسنات ما يكفرها فإذا فعل لم يكتبها ويحتمل أن الحسنات تذهب السيئات حتى بعد كتابتها فتمحوها من الصحيفة فلا تكون في رصيد سيئاته يوم القيامة وفي سبب نزول قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود ١١٤] يأتي حديث الباب وأن صحابيا ألم ببعض الصغائر وبعض مقدمات الفاحشة بينه وبين امرأة لكنه لم يزن بها وجاء إلى رسول الله ﷺ يقر بما فعل ويعترف ويطلب تطهيره بالعقوبة الشرعية ولعله كان يظن أن مقدمات الزنا لها حكم الزنا فطلب إقامة الحد وسكت ﷺ فلم يرد عليه انتظارا لحكم الله وأعاد الرجل السؤال وسكت ﷺ وأقيمت الصلاة فقاموا فصلوا وانصرف الرجل ونزل الوحي بالآية فدعي الرجل فبشر بالمغفرة وقرئت عليه وعلى الصحابة الآية الكريمة وفرح بها المسلمون وسأل سائلهم ليتأكد من عموم البشرى أهذه له خاصة أم لنا وله قال ﷺ بل للناس عامة إلى يوم القيامة -[المباحث العربية]- ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هذا جزء من الآية (١١٤) من سورة هود وهي قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ والمراد بالصلاة هنا المكتوبة ومعنى إقامتها أداؤها على تمامها ومعنى ﴿وزلفا من الليل﴾ أي ساعات من الليل قريبة من النهار من أزلفه إذا قربه قيل المراد بها صلاة المغرب والعشاء والفجر وطرفا النهار الظهر والعصر (أن رجلا أصاب من امرأة قبلة) في ملحق الرواية "أنه أصاب من امرأة إما قبلة أو مسا بيد أو شيئا كأنه يسأل عن كفارتها" وفي الملحق الثاني "أصاب رجل من امرأة شيئا دون الفاحشة فأتى عمر بن الخطاب" أي فأخبره فعظم عليه أي كبر الجرم عليه ثم أتى أبا بكر فأخبره فعظم عليه ثم أتى النبي ﷺ أي فنزلت الآية فقرأها عليه ونصحه بالصلاة وفي الرواية الثانية "إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك" قال فلم يرد النبي ﷺ شيئا فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلا دعاه وتلا عليه هذه الآية ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة قال بل للناس كافة ومعنى قوله عالجت امرأة أي تناولتها واستمتعت بها ومعنى دون أن أمسها أي دون جماعها أي استمتعت بها بأنواع التمتع من لمسة وقبلة ومعانقة غير الجماع فالمراد من المس هنا الجماع بدلالة المقام

стр. 5887

وقوله فاقض في ما شئت أي من حد أو تعزير وربما ظن الرجل أن ما فعله يستوجب حد الزنا إذ جاء في الرواية الثالثة أصبت حدا فأقم في كتاب الله والجمع بين قول عمر هنا وبين تعظيمه أنه في أول الأمر عظمه وشدد على الرجل مستقبحا الفعل فلما رأى رسول الله ﷺ لم يعظم على الرجل خف عنده الجرم وطبق قاعدة ستر المسلم على نفسه وإنما لم يرد ﷺ لأنه انتظر الوحي والجواب من الله وقد بدت له بشائر الوحي في الحال والسبب في انطلاق الرجل دون انتظاره أن أدب الإسلام علمهم أن عدم رد النبي ﷺ انصراف عن السؤال وعن صاحبه وعدم رضا عليه فكانوا يخشون سوء عاقبة الإلحاح وقوله فأتبعه النبي ﷺ رجلا دعاه معطوف على محذوف أي فأوحى إليه بالآية فأرسل خلف الرجل وقد بين ملحق الرواية أن الذي سأل عن عموم الآية أو خصوصها هو معاذ بن جبل فلعله هو الذي أرسل النبي ﷺ لإعادة الرجل قال النووي هكذا تستعمل "كافة" حالا أي كلهم ولا يضاف فلا يقال كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام وهو معدود في تصحيف العوام وتوضح الرواية الرابعة أن الرجل سأل سؤاله قبل الصلاة ثم بعد أن صلى فقوله في الرواية "ثم أعاد" أي بعد أن صلى فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر وقدم بعض الرواة ما أخر الآخر وأحداث القصة حسبما أرجح أن الرجل سأل فسكت رسول الله ﷺ وأقيمت الصلاة فصلى وصلوا فلما انصرف ﷺ من الصلاة تبعه الرجل فأعاد السؤال فسكت ﷺ وانطلق الرجل فأوحي إلى رسول الله ﷺ بالآية فأرسل من يحضر الرجل فجاء فأعاد السؤال وأبو أمامة والصحابة ينظرون ويرقبون الجواب فقال رسول الله ﷺ أتوضأت فأحسنت الوضوء قبل أن تخرج من بيتك قال نعم قال وشهدت معنا الصلاة قال نعم يا رسول الله قال إن من أحسن الوضوء فصلى غفر له ما قدم من صغائر الذنوب وقد غفر الله لك وأنزل قرآنا بشأنك وشأن أمثالك ثم قرأ الآية -[فقه الحديث]- قال النووي الحد الوارد في الحديث معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعزير وهي هنا من الصغائر لأنها كفرتها الصلاة ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث وحكى القاضي عن بعضهم أن المراد بالحد الحد المعروف قال وإنما لم يحده لأنه لم يفسر موجب الحد ولم يستفسره النبي ﷺ عنه إيثارا للستر بل المستحب تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحا اهـ وقال الحديث صريح في أن الحسنات تكفر السيئات واختلفوا في المراد بالحسنات هنا فنقل

стр. 5888

الثعلبي عن أكثر المفسرين أنها الصلوات الخمس واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة وقال مجاهد هي قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ويحتمل أن المراد الحسنات مطلقا وقد قدمنا في كتاب الإيمان تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر وتقسيم الكبائر إلى كبائر وأكبر الكبائر وحققنا القول بأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر وأن الصلاة إلى الصلاة والوضوء إلى الوضوء والجمعة إلى الجمعة والعمرة إلى العمرة كل ذلك يكفر ما قبله من الصغائر والله أعلم

стр. 5889

(٧٦٢) باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله ٦٠٨٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة" قال قتادة فقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره. ٦٠٩٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلا قتل تسعة وتسعين نفسا فجعل يسأل هل له من توبة فأتى راهبا فسأله فقال ليست لك توبة فقتل الراهب ثم جعل يسأل ثم خرج من قريته إلى قرية فيها قوم صالحون فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت فنأى بصدره ثم مات فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها" ٦٠٩١ - وفي رواية عن قتادة بهذا الإسناد نحو حديث معاذ بن معاذ وزاد فيه "فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي". -[المعنى العام]- وما زال الكلام مع سعة رحمة الله وأنها تشمل الطائع والعاصي وأنه لا ييأس منها إلا القوم

стр. 5890

الكافرون فهذا رجل كان سفاكا للدماء في الأمم التي قبلنا وفي بني إسرائيل وفيما بعد عيسى ﵇ يقتل تسعة وتسعين إنسانا ثم تداركه رحمة من ربه فيرغب في التوبة ويعزم على الرجوع إلى الله ويسأل الناس هل له من توبة ويدله العامة على راهب في صومعة يظنونه مصلحا لغيره حيث أصلح نفسه فيذهب إليه ويحكي له قصته وأنه يريد أن يتوب وبحاسة العبادة والرهبانية يستبشع الراهب هذه الجرائم ويقول للرجل اخرج عني لا تحرقني بنارك أين كان ضميرك حين قتلت عشرة ثم عشرة ثم عشرة حتى وصلت إلى تسعة وتسعين اخرج لا توبة لك ويئس الرجل من قبول الله له واستوى عنده تسعة وتسعون ومائة فضرب الراهب بحجر فقتله ثم خرج يسأل قتلت مائة فهل لي من توبة فدلوه هذه المرة على عالم فذهب إليه وحكى له ما جرى وسأله هل لي من توبة قال العالم ومن يملك إغلاق باب التوبة عنك وعمن هو أعظم جرما منك لكن أدلك على طريق التوبة اذهب إلى قرية كذا ففيها عباد ورعون فاسلك مسلكهم وعش معهم وتب وسيقبل الله توبتك واتجه الرجل نحو القرية وفي الطريق أدركه الموت فكان من أهل المغفرة والجنة برحمة الله تعالى وفضله -[المباحث العربية]- (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا) في رواية البخاري "كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا" (فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه) في الرواية الثانية "فجعل يسأل هل له من توبة فأتى راهبا" ففيها إشعار بأن ذلك كان بعد عيسى ﵇ لأن الرهبانية إنما ابتدعها أتباعه كما نص عليه في القرآن (فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة) في الأسلوب تجريد أو التفات لأن حق السياق أن يقول إنني قتلت ... فهل لي من توبة (فقال لا فقتله فكمل به مائة) وفي الرواية الثانية "فقال ليست لك توبة فقتل الراهب" (ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم) في الرواية الثانية "ثم جعل يسأل ثم خرج من قريته إلى قرية" (فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت) في

стр. 5891

الرواية الثانية "ثم خرج من قريته إلى قرية فيها قوم صالحون فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت فناء بصدره ثم مات "ناء" بفتح النون مع المد أي بعد بصدره أي مال به ومده نحو القرية الصالحة وضبطه بعضهم "نأى" أي بعد عن الأرض التي خرج منها (فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) في الرواية الثانية "فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها" وفي رواية البخاري "فأوحى الله إلى هذه" أي القرية الصالحة أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أي القرية السوء أن تباعدي فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر ومن هذه الروايات يعلم أن قوله في الرواية الأولى "حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت" فيه مجاز المشارفة والمقاربة أي حتى إذا كاد الطريق ينتصف أتاه مقدمات الموت -[فقه الحديث]- قال النووي مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس معتمدا على ظاهر قوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ [النساء ٩٣] قال النووي وإما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة لا أنه يعتقد بطلان توبته والحديث وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف فليس موضع الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد في شرعنا ما يوافقه ويقرره فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك وهذا قد ورد شرعنا به وهو قوله تعالى ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ... ﴾ إلى قوله تعالى ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ... ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] الآية وأما قوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ [النساء ٩٣] فالصواب في معناها أن جزاءه جهنم وقد يجازى به وقد يجازى بغيره وقد لا يجازى فيعفى عنه فإن قتل عمدا مستحلا له بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد به في جهنم بالإجماع وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا فيها لكن بفضل الله تعالى وبخبره الصادق أنه لا يخلد من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا ولكن قد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلا وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار فهذا هو الصواب في معنى الآية ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء وليس في الآية إخبار

стр. 5892

بأنه يخلد في جهنم وإنما فيها أنها جزاؤه أي يستحق أن يجازى بذلك وقيل إن المراد من قتل مستحلا وقيل وردت الآية في رجل بعينه وقيل المراد بالخلود طول المدة لا الدوام وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة فالصواب ما قدمناه -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - مشروعية التوبة من جميع الكبائر ويحمل قبول توبة القاتل على أن الله تعالى يتكفل برضا خصمه ٢ - وفيه أن المفتي قد يجيب بالخطأ كذا قيل والأولى أن يقال إن الراهب أو العابد قد لا يكون عالما فيفتي بغير الصواب ٣ - وفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب لأنه كان من حقه التحرز ممن تجرأ على القتل حتى صار له عادة بأن لا يواجهه بخلاف مراده وكان حقه أن يستعمل معه المعاريض مداراة عن نفسه ٤ - وفيه استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب فيها الذنوب والأصدقاء الذين ساعدوه على المعاصي وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين ومن يقتدي بهم وينتفع بصحبتهم وتتأكد بذلك توبته ٥ - وفيه أن الملائكة الموكلين ببني آدم يختلف اجتهادهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعا أو عاصيا ٦ - وأنهم يختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم ٧ - وفيه فضل العالم على العابد ٨ - واستدل به على أن في بني آدم من يصلح للحكم بين الملائكة إذا تنازعوا لأنهم قبلوا حكمه وهو في صورة آدمي ٩ - وفيه حجة لمن أجاز التحكيم ١٠ - وأن من رضى الفريقان حكمه فحكمه جار عليهم والله أعلم

стр. 5893

(٧٦٣) باب سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار ٦٠٩٢ - عن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار". ٦٠٩٣ - عن أبي بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن النبي ﷺ قال "لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا" قال فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ قال فحلف له قال فلم يحدثني سعيد أنه استحلفه ولم ينكر على عون قوله. ٦٠٩٤ - عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى" فيما أحسب أنا قال أبو روح لا أدري ممن الشك قال أبو بردة فحدثت به عمر بن عبد العزيز فقال أبوك حدثك هذا عن النبي ﷺ قلت نعم. ٦٠٩٥ - عن صفوان بن محرز قال قال رجل لابن عمر كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى قال سمعته يقول "يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله".

стр. 5894

-[المعنى العام]- خلق الله الجنة تتسع لجميع أفراد الإنس والجن ومن شاء من المخلوقين وخلق النار تتسع لجميع أفراد الإنس والجن ومن شاء من المخلوقين وكأن لكل من المخلوقين مكانا في الجنة ومكانا في النار لكن شاءت حكمته أن يكون للجنة أهلها من الطائعين وللنار أهلها من العاصين ونتيجة لذلك يحتل أهل الجنة في الجنة مكان العاصين الذين أدخلوا النار ويحتل أهل النار في النار مكان الطائعين الذين أدخلوا الجنة وكأن أهل النار فكوا أهل الجنة من سجنهم الذي كان ينتظرهم في النار وكأن أهل الجنة حملوا أهل النار أوزارهم وسيئاتهم التي غفرها الله لهم هذا ما تصوره الأحاديث في توريث الجنة والنار وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف ٧٢] -[المباحث العربية]- (إذا كان يوم القيامة) "كان" تامة و"يوم القيامة" فاعل أي إذا جاء وحصل يوم القيامة (دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار) وفي الرواية الثانية "لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا" وفي الرواية الثالثة "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى" قال النووي الفكاك بفتح الفاء وكسرها والفتح أفصح وأشهر وهو الخلاص والفداء قال ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاق ذلك بكفره فمعنى أن يقال له "هذا فكاكك من النار" أنك كنت معرضا لدخول النار وهذا فكاكك لأن الله تعالى قدر لها عددا يملؤها فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين ثم قال وأما معنى "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب" فهو أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين قال ولا بد من هذا التأويل لقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام ١٦٤] وأما قوله "ويضعها" فمجاز والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم لكن لما أسقط عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم حملوا الإثم الباقي وهو إثمهم قال ويحتمل أن يكون المراد آثاما كان للكفار سبب فيها بأن سنوها فتسقط

стр. 5895

عن المسلمين بعفو الله تعالى ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها والله أعلم -[فقه الحديث]- نكتفي بما ذكرناه في المباحث العربية والمعنى العام والله أعلم

стр. 5896

(٧٦٤) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ٦٠٩٦ - عن ابن شهاب قال ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قال كعب بن مالك لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الديوان) قال كعب فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعب بن مالك" قال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال له

стр. 5897

معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله ﷺ فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله ﷺ "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون فقال كعب بن مالك فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه وصبح رسول الله ﷺ قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي "ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك" قال قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله ﷺ "أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك" فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك قال فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي قال ثم قلت لهم هل لقي هذا معي من أحد قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك قال قلت من هما قالوا مرارة بن الربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة قال فمضيت حين ذكروهما لي قال ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال فاجتنبنا الناس وقال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 5898

فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله قال فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك قال فقلت حين قرأتها وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور فسجرتها بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها فلا تقربنها قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال "لا ولكن لا يقربنك" فقالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج قال فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت

стр. 5899

له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" قال فقلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله فقال "لا بل من عند الله" وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر قال وكنا نعرف ذلك قال فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال رسول الله ﷺ "أمسك بعض مالك فهو خير لك" قال فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال وقلت يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي قال فأنزل الله ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم﴾ حتى بلغ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قال كعب والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد وقال الله ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ قال كعب كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى فيه فبذلك قال الله ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه

стр. 5900

عن الزهري سواء. ٦٠٩٧ - وفي رواية عن كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وساق الحديث وزاد فيه على يونس فكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ولم يذكر في حديث ابن أخي الزهري أبا خيثمة ولحوقه بالنبي ﷺ . ٦٠٩٨ - وفي رواية عن كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم يحدث أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط غير غزوتين وساق الحديث وقال فيه وغزا رسول الله ﷺ بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف ولا يجمعهم ديوان حافظ. -[المعنى العام]- أمثلة حية للتوبة وقبولها فقاتل المائة نفس قبلت توبته بدون جهد وبدون عمل صالح والمخلفون الثلاثة قبلت توبتهم بعد جهاد نفسي وعقوبة دنيوية قاسية وأيام مريرة ذلك ليجمع المسلم بين الخوف والرجاء لا يطمع طمع اغترار بناء على قاتل المائة وإنما يخاف ويعمل ويندم ويعزم ويكفر عن ذنوبه بالحسنات وهنا مثال حي آخر للقائد الحكيم نرى فيه الرسول الرءوف الرحيم الذي يعز عليه عنتنا ومشقتنا الحريص على يسرنا يحزم بوحي من ربه ويعاقب عقوبات نفسية مادية قاسية ومثال حي آخر أن الفتنة والابتلاء قد تصيب من لم يذنب إيلاما للمذنب فقد جوزيت الزوجات بجريرة الأزواج ومثال حي كبير في التزام الرعية بحكم الحاكم وتنفيذه بدقة ولو كان فيه ما فيه لآلام الأحبة والأقربين

стр. 5901

ونكتفي بذلك اعتمادا على البيان والتوضيح الآتي في شرح الحديث -[المباحث العربية]- (غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك) أي أراد أن يغزو وهيأ الأمة للغزو وكانت في شهر رجب سنة تسع من الهجرة وتبوك مكان معروف في نصف الطريق بين المدينة ودمشق وتسمى غزوة العسرة (وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام) ذكر ابن سعد أنه بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء وعند الطبراني "كانت نصارى العرب قد كتبت إلى هرقل إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا فبلغ النبي ﷺ ذلك ولم يكن للناس قوة" وذكر البيهقي في الدلائل "أن اليهود قالوا يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء فغزا تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها﴾ [الإسراء ٧٦] (أن عبد الله بن كعب بن مالك كان قائد كعب من بنيه حين عمي) كعب بن مالك أنصاري خزرجي سلمي غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر أسلم وشهد العقبة وكان أحد شعراء رسول الله ﷺ الذين كانوا يردون الأذى عنه وغلب على شعره تخويف الكفار من قوة المسلمين ويقال إن دوسا أسلمت فرقا وخوفا من قول كعب بن مالك قضينا من تهامة كل وتر ... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا فقالت دوس انطلقوا إلى محمد وأسلموا وخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف آخى رسول الله ﷺ بينه وبين طلحة بن عبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأنصار روى أنه قال يا رسول الله ماذا ترى في الشعر فقال رسول الله ﷺ "المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه" وروى أنه قال جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب فقال له رسول الله ﷺ "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا" عمي في أواخر عمره وتوفي بالمدينة وسنه خمس وسبعون سنة سنة اثنتين وخمسين في عهد معاوية

стр. 5902

(سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك) "حين تخلف" ليست ظرفا لسمعت ولا ليحدث وإنما هي حال من "حديثه" أي حديثه وقصته الواقعة وقت تخلفه (لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر) وسيعتذر عن تخلفه عن غزوة بدر ثم يحكي قصة تبوك واستخدم أسلوب اللف والنشر المشوش فقدم تبوك أولا لأهميتها ولأنها صاحبة المقام وقدم عذر بدر لأنها الأولى في الواقع ولطول كلامه عن تبوك وذكر هذه الجملة توطئة لتقدير جهاده وقبول اعتذاره وقد شهد الغزوات كلها كما قال عدا بدر وتبوك (ولم يعاتب أحدا تخلف عنه) فاعل يعاتب ضمير رسول الله ﷺ (إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) هذا اعتذاره عن تخلفه عن بدر وأنه لم يعاتب متخلف إذ لم تكن عزيمة فلا عتب عليه في تخلفه على أنه كان قد قدم منقبة قبلها تغطي ضياع فضل بدر عليه وهي (ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها) العقبة معروفة في طرف منى وهي التي يضاف إليها جمرة العقبة وبايع الرسول ﷺ أهل المدينة بيعتين في عامين الأول بايع فيها ستة نفر من الخزرج ثلاثة منهم من بني سلمة قبيلة كعب بن مالك ولم يكن فيهم كعب وبايع في البيعة الثانية ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين حضرها كعب ﵁ وكلهم من الأنصار ومعنى قوله "حين تواثقنا على الإسلام" أي حين تبايعنا عليه وتعاهدنا ولم يذكر الإيواء الوارد في هذه البيعة تأدبا ومعنى قوله "وإن كانت بدر أذكر في الناس منها" أي وإن كانت بدر أشهر عند الناس بالفضل والذكر (وكان من خبري حين تخلفت .... أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه ... إلخ) أي لا عذر لي من حيث الصحة والمرض ولا من حيث القدرة المالية فقد كان شابا قويا لم يتجاوز الثالثة والثلاثين وكان يملك راحلتين كان من السهل أن يجاهد بواحدة ويحمل عددا من المسلمين على راحلة وقد عذر الله تعالى غير القادر صحيا أو ماليا فقال ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة ٩١ - ٩٢] أي فلا عذر لي من هذه الناحية وهذه مصادقة حميدة مع النفس ومع الغير ثم زاد المسئولية وعدم العذر بأمور أخرى هي

стр. 5903

الأولى أن زمنها كان شديد الحرارة فالجهاد فيها كبير الأجر لما فيها من المشقة ثانيا أن ميدانها بعيد يحتاج سفرا طويلا الثالث أن طريقها صحراء ومفازة مهلكة الرابع أن عدوها كبير العدد والعِدد والشوكة الخامس أن رسول الله ﷺ لم يستخدم التورية بموعد ومكان هذه الغزوة كما كان يفعل بل جلا الأمر وصرح به للمسلمين ليأخذوا الأهبة "جلا" بتخفيف اللام أي كشف وبين وأوضح السادس أن كثرة المسلمين الخارجين تجعل من الصعب كشف المتخلف إذ لم يكن هناك ديوان يحصى من حضر ولا من غاب مما يسمح للمنافقين بالتقاعس ويوجب على المجاهد المخلص أن لا يتخلف لأنه يتعامل مع الله العليم الخبير قال كعب "والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله فقل بفتح الفاء والقاف وتشديد اللام أي فبعض من تسول له نفسه بالغياب يظن أن غيابه لا ينكشف قال القاضي عياض هكذا هو في جميع نسخ مسلم وصوابه "أن لا يظن" بزيادة "ألا" وفي رواية البخاري "فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفي له" وفي ملحق الرواية "وغزا رسول الله ﷺ بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف ولا يجمعهم ديوان حافظ" السابع أن موعد هذه الغزوة كان مناسبا إذ كانت الثمار قد طابت ويمكن حمل الأزواد منها "فأنا إليها أصعر" بضم العين أي أميل وفي مسند أحمد "وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاز وخفة الحاذ" أي وخفة الحال (وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ... إلخ) بيان لسبب عدم خروجه معهم وأنه الكسل وعدم التوفيق ولا شيء سواه (ولم أقض من جهازي شيئا) بفتح الجيم وكسرها أي أهبة سفري (حتى أسرعوا وتفارط الغزو) أي حتى تقدم الغزاة فسبقوا وفاتوا (يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق) أي متهما به مطعونا عليه في دينه وقيل معناه مستحقرا يقال أغمصت فلانا إذا استحقرته (ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك) قال النووي في أكثر النسخ "تبوكا" بالنصب وكذا هو في نسخ البخاري وكأنه صرفها لإرادة الموضع دون البقعة (فقال رجل من بني سلمة حبسه برداه والنظر في عطفيه) بنو سلمة قوم كعب

стр. 5904

والعطف الجانب يتهمه الرجل بأن الذي حبسه إعجابه بنفسه وكبره ودافع عنه معاذ فقال بئس ما قلت ما علمنا عليه إلا خيرا (فسكت رسول الله ﷺ فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا) بالياء المشددة المكسورة مع ضم الميم وفتح الباء أي لابسا البياض (يزول به السراب) أي يتحرك به السراب وينهض من إسراعه وإقدامه (فقال رسول الله ﷺ كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري) قال النووي قيل معناه أنت أبو خيثمة قال ثعلب والعرب تقول كن زيدا أي أنت زيد وكأن رسول الله ﷺ شبه عليه ببعض الصفات فقالها بالعرافة وشدة الفطنة وقال القاضي عياض الأشبه عندي أن "كن" هنا للتحقيق والوجود أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة قال صاحب التحرير تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة (وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون) قصتها أن النبي ﷺ قام مقاما في الناس فأمرهم بالصدقة فقام عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول الله عندي ثمانية آلاف تركت منها أربعة لعيالي وجئت بأربعة أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ونسبوه للرياء وجاء عاصم بن عدي الأنصاري فقال يا رسول الله عندي سبعون وسقا من تمر أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ثم قام أبو خيثمة وقيل قام رجل من الأنصار اسمه الحبحاب وكنيته أبو عقيل والأول أولى وهو الذي في الصحيح فقال يا رسول الله مالي من مال غير أني آجرت نفسي البارحة من بني فلان على صاعين من تمر فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى فلمزه المنافقون وتغامزوا عليه وقالوا جاء أهل الإبل بالإبل وجاء أهل الفضة بالفضة وجاء هذا بتمرات يحملها فأنزل الله تعالى ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾ [التوبة ٧٩] وقد روى الطبراني من حديث أبي حنيفة قال "تخلفت عن رسول الله ﷺ فدخلت حائطا فرأيت عريشا قد رش بالماء ورأيت زوجتي فقلت ما هذا بإنصاف رسول الله ﷺ في السموم والحرور وأنا في الظل والنعيم فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت فلما طلعت على العسكر فرآني الناس قال النبي ﷺ كن أبا خيثمة فجئت فدعا لي" يذكر كعب قصة أبي خيثمة في حديثه ليزيد نفسه تأنيبا مقارنا بين موقفه هو وتخلفه مع القدرة وموقف أبي خيثمة ومبادرته مع الجهد وعدم القدرة (فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي) بفتح الباء وتشديد الثاء المكسورة وهو أشد الحزن (فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا ... فلما قيل لي إن

стр. 5905

رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل ... فأجمعت صدقه) أي جزمت بذلك وعقدت عليه عزمي وقصدي وفي رواية "وعرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق" (حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك) أي اشتريت راحلتك وأعددتها للخروج وفي رواية "فأعرض عني فقلت يا نبي الله لم تعرض عني فوالله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت قال فما خلفك" (ولقد أعطيت جدلا) أي فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي بما يقبل ولا يرد (ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما كان لي عذر ... ) "تجد علي فيه" بكسر الجيم وتخفيف الدال أي تغضب وإني أرجو أن يعقبني الله خيرا وأن يثبتني عليه (قال رسول الله ﷺ أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت ... فوالله مازالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع ... فأكذب نفسي) أي أخذوا يلومونني أشد اللوم (قالوا مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ مسلم "العامري" وأنكره العلماء وقالوا هو غلط وصوابه "العمري" بفتح العين وإسكان الميم من بني عمرو بن عوف وأما قوله "مرارة بن ربيعة" فكذا وقع في نسخ مسلم وفي البخاري "ابن الربيع" قال ابن عبد البر يقال بالوجهين قيل كان سبب تخلف ابن ربيعة أنه كان له حائط فزهى فقال في نفسه قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا فلما تذكر ذنبه قال اللهم إني أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك وقيل سبب تخلف هلال أنه كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فرغب في الإقامة معهم بعد فراق طويل فلما تذكر ذنبه قال اللهم لك علي أن لا أرجع إلى أهل ولا مال (أيها الثلاثة) قال القاضي هو بالرفع وموضعه نصب على الاختصاص (حتى تنكرت لي في نفسي الأرض) معناه تغير علي كل شيء حتى الأرض فإنها توحشت علي (حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة) أي علوته وصعدت سوره (أنشدك بالله) بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألك الله وأصله من النشيد وهو الصوت (إذا نبطي من نبط أهل الشام) النبط والأنباط والنبيط فلاحو العجم

стр. 5906

(ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك) "المضيعة" بكسر الضاد وبإسكانها وفتح الياء لغتان أي في موضع يضيع فيه حقك وقوله "نواسك" بالجزم في جواب الأمر وفي نسخة "نواسيك" أي ونحن نواسيك (فتياممت بها التنور فسجرتها) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وهي لغة في تيممت ومعناهما قصدت ومعنى "سجرتها" أحرقتها وأنث الضمير لأنه أراد الصحيفة (واستلبث الوحي) أي أبطأ وتأخر (فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) يستعمل هذا اللفظ في كناية الطلاق وهو هنا لم يرد به الطلاق وهي أم أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد الله ومحمد (وأنا رجل شاب) أقدر على خدمة نفسي ولست مثل هلال فعذره لا يصلح عذرا لي (سمعت صوت صارخ أو في على سلع) أي صعده وارتفع عليه و"سلع" بفتح السين وإسكان اللام جبل معروف بالمدينة وفي رواية "وكنت قد ابتنيت خيمة في ظهر سلع فكنت أكون فيها نهارا" (يا كعب بن مالك أبشر) في رواية عند أحمد "إذ سمعت رجلا على الثنية يقول كعبا كعبا حتى دنا مني فقال بشروا كعبا" وفي رواية الواقدي أن الذي أوفى على سلع كان أبا بكر الصديق فصاح قد تاب الله على كعب (فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج) في رواية "فخر ساجدا يبكي فرحا بالتوبة" (فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر) أي أعلمهم وفي رواية "فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية بأمري فقال يا أم سلمة تيب على كعب قالت أفلا أرسل إليه فأبشره قال إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة حتى إذا صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا" (فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما) قيل الذي خرج على فرسه الزبير بن العوام

стр. 5907

وكان الذي بشره فنزع له ثوبيه حمزة بن عمرو الأسلمي وأن الذي أعاره الثوبين الآخرين أبو قتادة وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد قال وخرجت إلى بني واقف فبشرته فسجد قال سعيد فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه يعني لما كان فيه من الجهد فقد قيل إنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صائما ولا يفتر من البكاء (فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك) في رواية البخاري "ليهنك" بكسر النون وزعم ابن التين أنه بفتحها قيل وهو أصوب لأنه من الهناء (حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام أحد من المهاجرين غيره قال فكان كعب لا ينساها لطلحة) في رواية البخاري "ولا أنساها لطلحة" قيل كان النبي ﷺ قد آخى بينه وبين طلحة وقيل إن الزبير هو الذي كان قد آخى النبي ﷺ بينه وبين طلحة فطلحة أخو أخيه (قال كعب فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) قال النووي معناه سوى يوم إسلامك إنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه اهـ قال الحافظ ابن حجر والأحسن أن يقال إن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فيوم إسلامه بداية سعادته ويوم توبته مكمل لها فهو خير جميع أيامه (فقلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله فقال لا بل من عند الله) زاد في رواية "إنكم صدقتم الله فصدقكم" (وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر) وفي رواية "كأن وجهه قطعة من القمر" قال الحافظ ابن حجر ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد في كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر من غير تقييد قيل للاحتراز من السواد الذي في القمر ورد بأن المراد تشبيهه بالقمر في تمامه من الضياء والاستنارة وقيل للإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين وفيه يظهر السرور كما قالت عائشة "مسرورا تبرق أسارير وجهه" فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر (قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ﷺ أي أن أخرج منه وأتصدق به (قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر) في رواية أبي داود "أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة قال لا قلت نصفه قال لا قلت فثلثه قال نعم" وفي رواية "يجزئ عنك الثلث"

стр. 5908

(فوالله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث أحسن مما أبلاني الله به) البلاء والإبلاء يكون في الخير والشر لكن إذا أطلق كان للشر غالبا فإذا أريد الخير قيد كما قيده هنا فقال "أحسن مما أبلاني الله به" (والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ ألا أكون كذبته فأهلك) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخاري قال العلماء لفظة "لا" زائدة في قوله "ألا أكون" ومعناه أن أكون كذبته فأهلك كقوله تعالى ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف ١٢] (يزيدون على عشرة آلاف) قال النووي هكذا وقع هنا ولم يبين قدر الزيادة وقال أبو زرعة الرازي كانوا سبعين ألفا وقال ابن إسحاق كانوا ثلاثين ألفا وهذا أشهر وجمع بينهما بعض الأئمة بأن أبا زرعة عد التابع والمتبوع وابن إسحاق عد المتبوع فقط -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - التصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره ٢ - وأن الإمام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد فرد أن لو تخلف قال السهيلي إنما اشتد غضب النبي ﷺ على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا على ذلك فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة لأنها كالنكث لبيعتهم قال الحافظ ابن حجر وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي ﷺ ويؤيده قوله تعالى ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ [التوبة ١٢٠] وعلى هذا فيتوجه العتاب على من تخلف مطلقا ٣ - وفيه أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه ٤ - وفيه ترك قتل المنافقين ٥ - وفيه عظم أمر المعصية وقد نبه الحسن البصري على ذلك إذ قال يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما ولا سفكوا دما حراما ولا أفسدوا في الأرض أصابهم ما أصابهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر ٦ - وفيه أن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين ٧ - وجواز إخبار المرء عن تقصيره وتفريطه وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره تحذيرا ونصيحة لغيره

стр. 5909

٨ - وجواز مدح المرء نفسه بما فيه من خير إذا أمن الفتنة ٩ - وفضيلة أهل بدر والعقبة ١٠ - والحلف للتأكيد من غير استحلاف ١١ - وفيه أن المرء إذا لاحت له فرصة الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها قال تعالى ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال ٢٤] ١٢ - وجواز تمني ما فات من الخير ١٣ - وفي طعن الرجل في كعب وعدم رد الرسول ﷺ عليه جواز الطعن فى الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن عن حمية لله ولرسوله ﷺ ١٤ - وجواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه قال النووي فيه دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك في الباطل وهو من مهمات الآداب وحقوق الإسلام ١٥ - وفيه أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء ١٦ - وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته فيصلي ١٧ - ومشروعية السلام على القادم وتلقيه ١٨ - وفي معاملة الرسول ﷺ للمنافقين المتخلفين الحكم بالظاهر ووكول السرائر إلى الله تعالى ١٩ - وفيه ترك السلام على من أذنب ٢٠ - وأن الإمام لا يهمل من تخلف عنه فى بعض الأمور بل يذكره ليراجع التوبة ٢١ - وأن التبسم قد يكون عن غضب كما يكون عن تعجب ولا يختص بالسرور ٢٢ - وفيه معاتبة الكبير أصحابه ومن يعز عليه دون غيره ٢٣ - وفيه الحزم والإغلاظ فى اللوم للمصلحة ٢٤ - وفيه العمل بمفهوم اللقب إذا حفته قرينة لقوله ﷺ لما حدثه كعب "أما هذا فقد صدق" فإنه يشعر بأن من سواه كذب لكن ليس على عمومه فى حق كل أحد سواه لأن صاحبيه قد صدقا كذلك ففيه إشارة إلى كذب من اعتذر لا من اعترف ٢٥ - وفيه تبرير حر المصيبة بالتأسي بالنظير لراحة كعب حين ذكر صاحباه ٢٦ - وفيه عظم مقدار الصدق في القول والفعل وحسن عاقبته ٢٧ - وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به

стр. 5910

٢٨ - وجواز هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام لمصلحة وسبب وفيه استحباب هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم ومقاطعتهم تحقيرا لهم وزجرا ٢٩ - وأن من عوقب بالهجر يعذر في التخلف عن صلاة الجماعة لأن مرارة وهلالا لم يخرجا من بيتيهما تلك المدة ٣٠ - وفيه سقوط وجوب رد السلام على المهجور إذ لو كان واجبا لم يقل كعب هل حرك شفتيه برد السلام ٣١ - وفيه جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه وإذا لم يكن هناك كشف حرمة ٣٢ - وفيه أن قول الله ورسوله أعلم ليس بخطاب ولا كلام مع المهجور ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم الآخر إذا لم ينوبه مكالمته وإنما قال أبو قتادة ذلك لما ألح عليه كعب وأن السلام كلام وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد ﵇ حنث ٣٣ - وفيه مبالغة الصحابة في اتباع الأوامر واجتناب النواهي فقد جعل الناس يشيرون إلى كعب لرسول ملك غسان ولا يتكلمون وكان بمقدورهم أن يقولوا هذا هو ولا يكون هذا تكليما له ٣٤ - وفيه أن مسارقة النظر في الصلاة لا يقدح في صحتها ٣٥ - وإيثار طاعة الرسول ﷺ على مودة القريب ٣٦ - وجواز ترك وطء الزوجة مدة ٣٧ - وخدمة المرأة زوجها ٣٨ - وفي إرسال كعب زوجته إلى أهلها الاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه وأن عبارة الحقي بأهلك ليس صريحا في الطلاق ٣٩ - وفي تحريق كعب لرسالة ملك غسان جواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة إذ كان في الورقة "لم يجعلك الله بدار هوان" ٤٠ - وفيه دليل للشافعي وموافقيه في استحباب سجود الشكر بكل نعمة ظاهرة حصلت أو نقمة ظاهرة اندفعت قاله النووي وفيه نظر إذ ما حصل كان من أعظم النعم ٤١ - وفيه استحباب إجازة البشير بخلعة ٤٢ - وجواز العارية وإعارة الثوب للبسه ٤٣ - وفي استقبال طلحة لكعب استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراما والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحا

стр. 5911

٤٤ - وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة لا سيما ما عظم منها ٤٥ - ومن قوله عن الثوبين "والله ما أملك غيرهما" في حين أنه كان يملك راحلتين وبيتا وسهم خيبر دليل على تخصيص اليمين بالنية قال النووي وهو مذهبنا فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أو حلف لا يأكل ونوى تمرا لم يحنث بالخبز ٤٦ - واستحباب بكاء المسلم على نفسه إذا وقعت منه معصية ٤٧ - واستحباب التبشير بالخير ٤٨ - واستحباب تهنئة من رزقه الله خيرا ظاهرا أو صرف عنه شرا ظاهرا ٤٩ - واستحباب سرور الإمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه ٥٠ - واستحباب اجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة ٥١ - وأنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على ذلك السبب كما فعل كعب في الصدق والله أعلم.

стр. 5912

(٧٦٥) باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف وبراءة حرم النبي ﷺ من الريبة ٦٠٩٩ - عن حديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني وبعض حديثهم يصدق بعضا ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه قالت عائشة فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعد ما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يرآني قبل أن يضرب الحجاب علي فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك في

стр. 5913

شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول "كيف تيكم" فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا قالت أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال قلت وماذا قال قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله ﷺ فسلم ثم قال "كيف تيكم" قلت أتأذن لي أن آتي أبوي قالت وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس فقالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت قلت سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك قالت فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال "أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة" قالت له بريرة والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله قالت فقام رسول الله ﷺ على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال أنا أعذرك منه يا

стр. 5914

رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي قالت فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه" قالت فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال فقال والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله ﷺ فقالت والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقونني وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي قالت وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه ﷺ فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال "أبشري يا عائشة أما الله فقد

стр. 5915

برأك" فقالت لي أمي قومي إليه فقلت والله ما أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي قالت فأنزل الله ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ عشر آيات فأنزل الله هؤلاء الآيات براءتي قالت فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾ إلى قوله ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ قال حبان بن موسى قال عبد الله بن المبارك هذه أرجى آية في كتاب الله فقال أبو بكر والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال لا أنزعها منه أبدا قالت عائشة وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري "ما علمت أو ما رأيت" فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك قال الزهري فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط وقال في حديث يونس احتملته الحمية. ٦١٠٠ - وفي رواية عن الزهري بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما وفي حديث فليح اجتهلته الحمية كما قال معمر وفي حديث صالح احتملته الحمية كقول يونس وزاد في حديث صالح قال عروة كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول فإنه قال فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء وزاد أيضا قال عروة قالت عائشة والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط قالت ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله وفي حديث يعقوب بن إبراهيم موعرين في نحر الظهيرة وقال عبد الرزاق موغرين قال عبد بن حميد قلت لعبد الرزاق ما قوله موغرين قال الوغرة شدة الحر. ٦١٠١ - عن عائشة ﵂ قالت لما ذكر من شأني الذي ذكر وما

стр. 5916

علمت به قام رسول الله ﷺ خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال "أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله ما علمت على أهلي من سوء قط وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معي" وساق الحديث بقصته وفيه ولقد دخل رسول الله ﷺ بيتي فسأل جاريتي فقالت والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها أو قالت خميرها (شك هشام) فانتهرها بعض أصحابه فقال اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به فقالت سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر وقد بلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له فقال سبحان الله والله ما كشفت عن كنف أنثى قط قالت عائشة وقتل شهيدا في سبيل الله وفيه أيضا من الزيادة وكان الذين تكلموا به مسطح وحمنة وحسان وأما المنافق عبد الله بن أبي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره وحمنة. ٦١٠٢ - عن أنس ﵁ أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لعلي "اذهب فاضرب عنقه" فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها فقال له علي اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه ثم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر -[المعنى العام]- نكتفي بما أخذناه من حادثة الإفك من عبر في آخر فقه الحديث -[المباحث العربية]- (عن الزهري قال حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة إلخ) قال النووي هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا منع منه ولا كراهة فيه لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم وهؤلاء الأربعة أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضر وجاز الاحتجاج بها لأنهما

стр. 5917

ثقتان وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز الاحتجاج به (وكلهم حدثني طائفة من حديثه) في رواية "وكل حدثني بعض هذا الحديث وقد جمعت لك كل الذي حدثوني" (وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا) أي أحفظ وأحسن إيرادا وسردا للحديث (وبعض حديثهم يصدق بعضا) قال الحافظ ابن حجر كأنه مقلوب والمقام يقتضي أن يقول وحديث بعضهم يصدق بعضا ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد أن بعض حديث كل منهم يدل على صدق الراوي الآخر في بقية حديثه (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه) أي أن يخرج إلى سفر فهو منصوب بنزع الخافض أو ضمن "يخرج" معنى ينشئ فيكون "سفرا" منصوبا على المفعولية وفي رواية للبخاري "كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه" ومعنى "أقرع بين نسائه" أي ضرب سهاما معلمة لكل واحدة (فأقرع بيننا في غزوة غزاها) هي غزوة بني المصطلق وصرح بها في بعض الروايات (وذلك بعد ما أنزل الحجاب) أي بعد ما أنزل الأمر بالحجاب أي حجاب أمهات المؤمنين عن رؤية الرجال لهن بقوله تعالى ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب ٥٣] وقالت هذا كالتوطئة للسبب في كونها كانت تستتر في الهودج حتى أفضى ذلك إلى الظن أنها فيه وهي ليست فيه بخلاف ما كان قبل الحجاب حيث كن يركبن ظهر الرواحل بغير هوادج أو يركبن الهوادج غير مستترات فما كان يقع لها الذي وقع (فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا) الهودج بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة محمل له قبة تستتر بالثياب ونحوها يوضع على ظهر البعير يركب عليه النساء ليكون أستر لهن وفي رواية ابن إسحاق "فكنت إذا رحلوا بعيري جلست في هودجي ثم يأخذون بأسفل الهودج فيضعونه على ظهر البعير" (حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل) أي رجع من غزوته (ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل) قال النووي "آذن" روى بالمد وتخفيف الذال وبالقصر وتشديدها أي أعلم بتحرك الجيش بعد نزوله وفي رواية ابن إسحاق "فنزل منزلا فبات به بعض الليل ثم آذن بالرحيل" (فقمت حين آذنوا بالرحيل) لأقضي حاجتي منفردة بعيدا عن الجيش

стр. 5918

(فلما قضيت من شأني) أي قضيت حاجتي (أقبلت إلى الرحل) أي إلى الهودج (فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع) "جزع ظفار" بفتح الجيم وإسكان الزاي وهو خرز يماني معروف في سواده بياض كالعروق و"ظفار" قرية باليمن مبنية على الكسر وفي رواية للبخاري "جزع أظفار" وحكى ابن التين أن قيمة هذا العقد كانت اثني عشر درهما وفي رواية الواقدي "فكان في عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمي أدخلتني به على رسول الله ﷺ " وفي رواية ابن إسحاق "قد انسل من عنقي وأنا لا أدري" (فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه) وفي رواية ابن إسحاق "فرجعت عودي على بدئي إلى المكان الذي ذهبت إليه" زاد في رواية الواقدي "وكنت أظن أن القوم لو لبثوا شهرا لم يبعثوا بعيري حتى أكون في هودجي" (وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي) بفتح الياء وسكون الراء يقال رحلت البعير إذا شددت عليه الرحل قال النووي هكذا وقع في أكثر النسخ "يرحلون لي" وفي بعض النسخ "بي" (فحملوا هودجي فرحلوا على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه) قال النووي "لم يهبلن" ضبطوه على أوجه أشهرها ضم الياء وفتح الهاء والباء المشددة أي يثقلن باللحم والشحم والثاني بفتح الياء والباء وإسكان الهاء بينهما والثالث بفتح الياء وضم الباء ويجوز بضم الياء وسكون الهاء وكسر الباء قال أهل اللغة هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه وفي رواية للبخاري "لم يثقلهن اللحم" وهو أيضا المراد من قولها "لم يغشهن اللحم" ومعنى "يأكلن العلقة" بضم العين أي القليل ويقال لها أيضا "البلغة" وفي رواية للبخاري "ولم يستنكر القوم خفة الهودج" وهي أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه (وكنت جارية حديثة السن) كان سنها إذ ذاك لا يتجاوز الخامسة عشرة وفائدة ذكر هذه الجملة المبالغة في خفتها أي إنها مع نحافتها كانت صغيرة السن أو الإشارة إلى بيان عذرها فيما فعلته من الحرص على العقد ومن استقلالها بالتنبيش عليه وترك إعلام أهلها بذلك (فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب) أي منازل الجيش وفي رواية "وليس فيها أحد" (فتيممت منزلي الذي كنت فيه) أي قصدت المكان الذي كان فيه هودجي

стр. 5919

(فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت) في الصحيح أنها أقامت في منزلها إلى أن أصبحت وعند ابن إسحاق "فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني" (وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني) "المعطل" بفتح الطاء (قد عرس من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي) التعريس النزول آخر الليل في السفر لنوم أو استراحة وقيل هو النزول في أي وقت كان و"ادلج" بتشديد الدال أي سار آخر الليل وفي رواية "أن صفوان سأل النبي ﷺ أن يجعله على الساقة فكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم تبع منازلهم فمن سقط له شيء أتاه به" وفي رواية "فكان صفوان يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والإداوة فيحمله فيقدم به فيعرفه في أصحابه" والمعنى كان صفوان قد نزل آخر الليل منزلا خلف الجيش يصلي وينتظر تحرك الجيش ورحيله فلما بدا ضوء الصبح أخذ يفتش عن الأشياء التي قد تكون منسية (فرأى سواد إنسان نائم) سواد الإنسان شخصه أي إنسانا نائما من بعيد (فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي) والظاهر أن وجهها كان قد انكشف وهي نائمة (فاستيقظت باسترجاعه) أي بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون وصرح بها ابن إسحاق في روايته وكأنه شق عليه ما جرى لعائشة أو خشي أن يقع ما وقع أو أنه اكتفى بالاسترجاع رافعا به صوته عن الكلام معها صيانة لها عن المخاطبة (فخمرت وجهي بجلبابي) أي غطيت وجهي بثوبي الذي كان علي (حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها) وفي رواية "حين أناخ" وفي رواية "فقرب بعيره فوطئ على ذراعه فولاني قفاه فركبت" (فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة) الموغر النازل في وقت الوغرة وهي شدة الحر و"نحر الظهيرة" وقت القائلة وشدة الحر وفي رواية "موعرين" بالعين بدل الغين (فهلك من هلك في شأني) وفي رواية "فهنالك قال في وفيه أهل الإفك ما قالوا" أبهمت الذين خاضوا والمشهور في أسمائهم عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش (وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول) قال النووي هكذا صوابه "ابن سلول" برفع "ابن" وكتابته بالألف صفة لعبد الله

стр. 5920

(فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك) "يفيضون" بضم الياء الأولى أي يخوضون وفي رواية ابن إسحاق "وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبوي ولا يذكرون لي شيئا من ذلك" (وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي) "يريبني" بفتح الياء الأولى من الريب ويجوز الضم من الرباعي يقال رابه وأرابه وضمير "وهو" للحال والشأن و"إني لا أعرف" مسبوك بمصدر فاعل "يريبني" والجملة خبر ضمير الشأن و"اللطف" بضم اللام وإسكان الطاء ويقال بفتحهما معا لغتان وهو البر والرفق وفي رواية ابن إسحاق "أنكرت بعض لطفه" و"حين أشتكي" أي حين أمرض (إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول كيف تيكم) "تيكم" اسم إشارة للمؤنثة كما في "ذاكم" وفي رواية ابن إسحاق "فكان إذا دخل قال لأمي وهي تمرضني كيف تيكم" وفي رواية "إلا أنه يقول وهو مار كيف تيكم ولا يدخل عندي ولا يعودني ويسأل عني أهل البيت" وفي رواية "وكنت أرى منه جفوة ولا أدري من أي شيء" واستدلت عائشة بهذه الحالة على أنها استشعرت منه بعض جفاء ولم تبالغ في التنقيب عن ذلك (فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل) "نقهت" بفتح النون والقاف وبكسر القاف والفتح أشهر والناقه هو الذي أفاق من المرض وبرأ منه وهو قريب العهد به ولم يتراجع إليه كمال صحته و"أم مسطح" بكسر الميم وسكون السين و"المناصع" بفتح الميم أرض ترابية خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها (وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا) بضم الكاف والنون جمع كنيف وهو الساتر مطلقا والمراد به هنا المكان المعد لقضاء الحاجة زاد ابن إسحاق "الكنف التي يتخذها الأعاجم" (وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه) قال النووي ضبطوا "الأول" بوجهين الأول ضم الهمزة وتخفيف الواو والثاني بفتح الهمزة وتشديد الواو وكلاهما صحيح و"التنزه" طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء تريد أنهم لم يكونوا تخلقوا بأخلاق العجم وفي رواية البخاري "وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط" جهة الأرض البعيدة المنخفضة (وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب) "رهم" بضم الراء وسكون الهاء و"أثاثة" بضم الهمزة وثاءين و"مسطح" في الأصل عود من أعواد الخباء وهو هنا لقب واسمه عامر وقيل عوف كنيته أبو عباد وقيل أبو عبد الله واسم أم مسطح سلمى وهي بنت خالة أبي
следующие страницы →