Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
علمت به قام رسول الله ﷺ خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال "أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله ما علمت على أهلي من سوء قط وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معي" وساق الحديث بقصته وفيه ولقد دخل رسول الله ﷺ بيتي فسأل جاريتي فقالت والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها أو قالت خميرها (شك هشام) فانتهرها بعض أصحابه فقال اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به فقالت سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر وقد بلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له فقال سبحان الله والله ما كشفت عن كنف أنثى قط قالت عائشة وقتل شهيدا في سبيل الله وفيه أيضا من الزيادة وكان الذين تكلموا به مسطح وحمنة وحسان وأما المنافق عبد الله بن أبي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره وحمنة.
٦١٠٢ - عن أنس ﵁ أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لعلي "اذهب فاضرب عنقه" فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها فقال له علي اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه ثم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر
-[المعنى العام]-
نكتفي بما أخذناه من حادثة الإفك من عبر في آخر فقه الحديث
-[المباحث العربية]-
(عن الزهري قال حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة إلخ) قال النووي هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا منع منه ولا كراهة فيه لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم وهؤلاء الأربعة أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضر وجاز الاحتجاج بها لأنهما
стр. 5917
ثقتان وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز الاحتجاج به
(وكلهم حدثني طائفة من حديثه) في رواية "وكل حدثني بعض هذا الحديث وقد جمعت لك كل الذي حدثوني"
(وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا) أي أحفظ وأحسن إيرادا وسردا للحديث
(وبعض حديثهم يصدق بعضا) قال الحافظ ابن حجر كأنه مقلوب والمقام يقتضي أن يقول وحديث بعضهم يصدق بعضا ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد أن بعض حديث كل منهم يدل على صدق الراوي الآخر في بقية حديثه
(كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه) أي أن يخرج إلى سفر فهو منصوب بنزع الخافض أو ضمن "يخرج" معنى ينشئ فيكون "سفرا" منصوبا على المفعولية وفي رواية للبخاري "كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه" ومعنى "أقرع بين نسائه" أي ضرب سهاما معلمة لكل واحدة
(فأقرع بيننا في غزوة غزاها) هي غزوة بني المصطلق وصرح بها في بعض الروايات
(وذلك بعد ما أنزل الحجاب) أي بعد ما أنزل الأمر بالحجاب أي حجاب أمهات المؤمنين عن رؤية الرجال لهن بقوله تعالى ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب ٥٣] وقالت هذا كالتوطئة للسبب في كونها كانت تستتر في الهودج حتى أفضى ذلك إلى الظن أنها فيه وهي ليست فيه بخلاف ما كان قبل الحجاب حيث كن يركبن ظهر الرواحل بغير هوادج أو يركبن الهوادج غير مستترات فما كان يقع لها الذي وقع
(فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا) الهودج بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة محمل له قبة تستتر بالثياب ونحوها يوضع على ظهر البعير يركب عليه النساء ليكون أستر لهن وفي رواية ابن إسحاق "فكنت إذا رحلوا بعيري جلست في هودجي ثم يأخذون بأسفل الهودج فيضعونه على ظهر البعير"
(حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل) أي رجع من غزوته
(ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل) قال النووي "آذن" روى بالمد وتخفيف الذال وبالقصر وتشديدها أي أعلم بتحرك الجيش بعد نزوله وفي رواية ابن إسحاق "فنزل منزلا فبات به بعض الليل ثم آذن بالرحيل"
(فقمت حين آذنوا بالرحيل) لأقضي حاجتي منفردة بعيدا عن الجيش
стр. 5918
(فلما قضيت من شأني) أي قضيت حاجتي
(أقبلت إلى الرحل) أي إلى الهودج
(فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع) "جزع ظفار" بفتح الجيم وإسكان الزاي وهو خرز يماني معروف في سواده بياض كالعروق و"ظفار" قرية باليمن مبنية على الكسر وفي رواية للبخاري "جزع أظفار" وحكى ابن التين أن قيمة هذا العقد كانت اثني عشر درهما وفي رواية الواقدي "فكان في عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمي أدخلتني به على رسول الله ﷺ " وفي رواية ابن إسحاق "قد انسل من عنقي وأنا لا أدري"
(فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه) وفي رواية ابن إسحاق "فرجعت عودي على بدئي إلى المكان الذي ذهبت إليه" زاد في رواية الواقدي "وكنت أظن أن القوم لو لبثوا شهرا لم يبعثوا بعيري حتى أكون في هودجي"
(وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي) بفتح الياء وسكون الراء يقال رحلت البعير إذا شددت عليه الرحل قال النووي هكذا وقع في أكثر النسخ "يرحلون لي" وفي بعض النسخ "بي"
(فحملوا هودجي فرحلوا على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه) قال النووي "لم يهبلن" ضبطوه على أوجه أشهرها ضم الياء وفتح الهاء والباء المشددة أي يثقلن باللحم والشحم والثاني بفتح الياء والباء وإسكان الهاء بينهما والثالث بفتح الياء وضم الباء ويجوز بضم الياء وسكون الهاء وكسر الباء قال أهل اللغة هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه وفي رواية للبخاري "لم يثقلهن اللحم" وهو أيضا المراد من قولها "لم يغشهن اللحم" ومعنى "يأكلن العلقة" بضم العين أي القليل ويقال لها أيضا "البلغة" وفي رواية للبخاري "ولم يستنكر القوم خفة الهودج" وهي أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه
(وكنت جارية حديثة السن) كان سنها إذ ذاك لا يتجاوز الخامسة عشرة وفائدة ذكر هذه الجملة المبالغة في خفتها أي إنها مع نحافتها كانت صغيرة السن أو الإشارة إلى بيان عذرها فيما فعلته من الحرص على العقد ومن استقلالها بالتنبيش عليه وترك إعلام أهلها بذلك
(فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب) أي منازل الجيش وفي رواية "وليس فيها أحد"
(فتيممت منزلي الذي كنت فيه) أي قصدت المكان الذي كان فيه هودجي
стр. 5919
(فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت) في الصحيح أنها أقامت في منزلها إلى أن أصبحت وعند ابن إسحاق "فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني"
(وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني) "المعطل" بفتح الطاء
(قد عرس من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي) التعريس النزول آخر الليل في السفر لنوم أو استراحة وقيل هو النزول في أي وقت كان و"ادلج" بتشديد الدال أي سار آخر الليل وفي رواية "أن صفوان سأل النبي ﷺ أن يجعله على الساقة فكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم تبع منازلهم فمن سقط له شيء أتاه به" وفي رواية "فكان صفوان يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والإداوة فيحمله فيقدم به فيعرفه في أصحابه" والمعنى كان صفوان قد نزل آخر الليل منزلا خلف الجيش يصلي وينتظر تحرك الجيش ورحيله فلما بدا ضوء الصبح أخذ يفتش عن الأشياء التي قد تكون منسية
(فرأى سواد إنسان نائم) سواد الإنسان شخصه أي إنسانا نائما من بعيد
(فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي) والظاهر أن وجهها كان قد انكشف وهي نائمة
(فاستيقظت باسترجاعه) أي بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون وصرح بها ابن إسحاق في روايته وكأنه شق عليه ما جرى لعائشة أو خشي أن يقع ما وقع أو أنه اكتفى بالاسترجاع رافعا به صوته عن الكلام معها صيانة لها عن المخاطبة
(فخمرت وجهي بجلبابي) أي غطيت وجهي بثوبي الذي كان علي
(حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها) وفي رواية "حين أناخ" وفي رواية "فقرب بعيره فوطئ على ذراعه فولاني قفاه فركبت"
(فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة) الموغر النازل في وقت الوغرة وهي شدة الحر و"نحر الظهيرة" وقت القائلة وشدة الحر وفي رواية "موعرين" بالعين بدل الغين
(فهلك من هلك في شأني) وفي رواية "فهنالك قال في وفيه أهل الإفك ما قالوا" أبهمت الذين خاضوا والمشهور في أسمائهم عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش
(وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول) قال النووي هكذا صوابه "ابن سلول" برفع "ابن" وكتابته بالألف صفة لعبد الله
стр. 5920
(فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك) "يفيضون" بضم الياء الأولى أي يخوضون وفي رواية ابن إسحاق "وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبوي ولا يذكرون لي شيئا من ذلك"
(وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي) "يريبني" بفتح الياء الأولى من الريب ويجوز الضم من الرباعي يقال رابه وأرابه وضمير "وهو" للحال والشأن و"إني لا أعرف" مسبوك بمصدر فاعل "يريبني" والجملة خبر ضمير الشأن و"اللطف" بضم اللام وإسكان الطاء ويقال بفتحهما معا لغتان وهو البر والرفق وفي رواية ابن إسحاق "أنكرت بعض لطفه" و"حين أشتكي" أي حين أمرض
(إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول كيف تيكم) "تيكم" اسم إشارة للمؤنثة كما في "ذاكم" وفي رواية ابن إسحاق "فكان إذا دخل قال لأمي وهي تمرضني كيف تيكم" وفي رواية "إلا أنه يقول وهو مار كيف تيكم ولا يدخل عندي ولا يعودني ويسأل عني أهل البيت" وفي رواية "وكنت أرى منه جفوة ولا أدري من أي شيء" واستدلت عائشة بهذه الحالة على أنها استشعرت منه بعض جفاء ولم تبالغ في التنقيب عن ذلك
(فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل) "نقهت" بفتح النون والقاف وبكسر القاف والفتح أشهر والناقه هو الذي أفاق من المرض وبرأ منه وهو قريب العهد به ولم يتراجع إليه كمال صحته و"أم مسطح" بكسر الميم وسكون السين و"المناصع" بفتح الميم أرض ترابية خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها
(وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا) بضم الكاف والنون جمع كنيف وهو الساتر مطلقا والمراد به هنا المكان المعد لقضاء الحاجة زاد ابن إسحاق "الكنف التي يتخذها الأعاجم"
(وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه) قال النووي ضبطوا "الأول" بوجهين الأول ضم الهمزة وتخفيف الواو والثاني بفتح الهمزة وتشديد الواو وكلاهما صحيح و"التنزه" طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء تريد أنهم لم يكونوا تخلقوا بأخلاق العجم وفي رواية البخاري "وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط" جهة الأرض البعيدة المنخفضة
(وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب) "رهم" بضم الراء وسكون الهاء و"أثاثة" بضم الهمزة وثاءين و"مسطح" في الأصل عود من أعواد الخباء وهو هنا لقب واسمه عامر وقيل عوف كنيته أبو عباد وقيل أبو عبد الله واسم أم مسطح سلمى وهي بنت خالة أبي
стр. 5921
بكر أسلمت وأسلم أبوها قديما مات مسطح سنة أربع وثلاثين وقيل سبع وثلاثين وكانت أمه من أشد الناس عليه حين تكلمه مع أهل الإفك كان هو وأمه من المهاجرين الأولين وكان أبوه مات وهو صغير فكفله أبو بكر لقرابة أم مسطح منه
(فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا) "عثرت" بفتح الثاء و"تعس" بفتح العين وكسرها لغتان ومعناه "عثر" وقيل هلك وقيل لزمه الشر وقيل بعد وقيل سقط بوجهه خاصة و"المرط" بكسر الميم كساء من صوف وقد يكون من غيره وظاهر هذه الرواية أن عثرة أم مسطح كانت في العودة بعد التبرز لكن في رواية للبخاري "أنها عثرت قبل أن تقضي عائشة حاجتها وأنها لما أخبرتها الخبر رجعت كأن الذي خرجت له لا تجد منه لا قليلا ولا كثيرا" وكذا في رواية ابن إسحاق "قالت فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي" وفي رواية "فذهب عني ما كنت أجد من الغائط ورجعت عودى على بدئي" وفي رواية "فأخذتني الحمى وتقلص ما كان مني" قال الحافظ ابن حجر ويجمع بينهما بأن معنى قولها "وقد فرغنا من شأننا" أي من شأن المسير لا قضاء الحاجة اهـ
(قالت أي هنتاه) بإسكان النون وفتحها والإسكان أشهر قال صاحب النهاية وتضم الهاء الأخيرة وتسكن ويقال في التثنية هنتان وفي الجمع هنات وهنوات وفي المذكر هن وهنان وهنون ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول يا هنه وأن تشبع حركة النون فتصير ألفا فتقول يا هناه ولك ضم الهاء الأخيرة فتقول يا هناه أقبل قالوا وهذه اللفظة تختص بالنداء ومعناه يا هذه وقيل يا امرأة وقيل يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم
قال ابن أبي جمرة يحتمل أن يكون قول أم مسطح هذا عمدا لتتوصل إلى إخبار عائشة بما قيل فيها وهي غافلة ويحتمل أن يكون اتفاقا أجراه الله على لسانها لتستيقظ عائشة من غفلتها عما قيل فيها أي لتدافع عن نفسها
وفي رواية "فقالت لها إنك لغافلة عما يقول الناس" وفيها "إن مسطحا وفلانا وفلانا يجتمعون في بيت عبد الله بن أبي يتحدثون عنك وعن صفوان يرمونك به" وفي رواية "أشهد أنك من الغافلات المؤمنات" وفي رواية للبخاري "فنقرت لي الحديث" أي أعلمتنيه وفي رواية للطبراني عن عائشة قالت "لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليبا فأطرح نفسي فيه"
(قلت أتأذن لي أن آتي أبوي ... فأذن لي رسول الله ﷺ في رواية "فقلت أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام"
(فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس فقالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها) في رواية "يا بنية خففي عليك الشأن" وفي رواية "حظية" أي محظية رفيعة المنزلة وفي رواية "ما
стр. 5922
كانت امرأة حسناء" وقد أسندت الكلام للضرائر لأنهن في العادة يختلقن مثل هذا ولأن حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش كانت من الخائضين وكان الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها
(قالت قلت سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا) زاد الطبري "وبلغ رسول الله ﷺ قالت نعم ورسول الله ﷺ " وفي رواية ابن إسحاق "فقلت لأمي غفر الله لك يتحدث الناس بهذا ولا تذكرين لي" وفي رواية "فقلت لأبوي أما اتقيتما الله في؟ وما وصلتما رحمي؟ يتحدث الناس بهذا ولم تعلماني" وفي رواية "فاستعبرت فبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال لأمي ما شأنها؟ فقالت بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت"
(قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي) "لا يرقأ" لا ينقطع و"لا أكتحل بنوم" استعارة للسهر وفي رواية "فخرت مغشيا عليها فما استفاقت إلا وعليها حمى بنافض فطرحت عليها ثيابها فغطيتها" وفي رواية "فألقت علي أمي كل ثوب في البيت
(ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله) "استلبث الوحي" أي أبطأ ولبث ولم ينزل وفي رواية "وكان إذا أراد أن يستشير أحدا في أمر أهله لم يعد عليا وأسامة"
(فأما أسامة .... فقال يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا) أي هي العفيفة اللائقة بك قيل عبر عن عائشة بالجمع "هم" لإرادة تعظيمها
(وأما علي بن أبي طالب فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك) وفي رواية الواقدي "قد أحل الله لك وأطاب طلقها وانكح غيرها" وسنوضح في فقه الحديث موقف علي من هذه القضية
(قالت له بريرة والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله) في رواية "فأرسل إلى بريرة فقال أتشهدين أني رسول الله قالت نعم قال فإني سائلك عن شيء فلا تكتميه قالت نعم قال هل رأيت من عائشة ما تكرهينه؟ قالت لا" وفي رواية "فانتهرها بعض أصحابه فقال اصدقي رسول الله ﷺ " وفي رواية "أن النبي ﷺ قال لعلي شأنك بالجارية فسألها علي وتوعدها فلم تخبره إلا بخير ثم ضربها وسألها فقالت والله ما علمت على عائشة سوءا"
و"إن" في قولها "إن رأيت عليها أمرا قط" نافية أي ما رأيت عليها مما تسألون عنه شيئا
стр. 5923
أصلا وأما من غيره ففيها ما ذكرت من غلبة النوم إلخ وفي رواية لابن إسحاق "ما كنت أعيب عليها إلا أني كنت أعجن عجيني وآمرها أن تحفظه فتنام عنه" وفي رواية "ما رأيت منها منذ كنت عندها إلا أني عجنت عجينا لي فقلت احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نارا لأخبزها فغفلت فجاءت الشاة فأكلتها" وفي رواية "ما علمت منها إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر" أي من الخلوص من العيب وفي رواية "فقالت الجارية الحبشية والله لعائشة أطيب من الذهب ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله قالت فعجب الناس من فقهها"
(فقام رسول الله ﷺ على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي) "فاستعذر" أي طلب العذر والإنصاف ورفع الملامة أي من يقوم بعذري فيما رمي به أهلي ومن يقوم بعذره إذا عاقبته على سوء ما صدر منه وقيل معناه من ينصرني وقيل معناه من ينتقم لي منه وفي رواية "من يعذرني فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني" وكان صفوان بن المعطل قد قعد لحسان فضربه ضربة بالسيف وهو يقول
تلق ذباب السيف مني فإنني
غلام إذا هوجيت لست بشاعر
فصاح حسان ففر صفوان فاستوهب النبي ﷺ من حسان ضربة صفوان فوهبها له وفي الرواية الثانية "قام رسول الله ﷺ خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي" قال النووي بباء مفتوحة مخففة ومشددة رووه هنا بالوجهين والتخفيف أشهر ومعناه اتهموها يقال أبنه بالفتح يأبنه ويأبنه بكسر الباء وضمها إذا اتهمه ورماه بخلة سوء فهو مأبون "وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء قط وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معي"
(فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت) قال القاضي عياض قال بعض شيوخنا ذكر سعد بن معاذ في هذا وهم والأشبه أنه غيره قال ابن إسحاق إن المتكلم أولا وأخيرا أسيد بن حضير ومعلوم أن سعد بن معاذ مات في إثر غزاة الخندق من الرمية
стр. 5924
التي أصابته سنة أربع وحديث الإفك كان في غزوة المريسيع سنة أربع قال القاضي ذكر القاضي إسماعيل الخلاف في تاريخ المريسيع والخندق وقال الأولى أن يكون المريسيع قبل الخندق قال القاضي فعلى هذا يستقيم فيه ذكر سعد بن معاذ وهو الذي في الصحيحين قال النووي هذا كلام القاضي وهو صحيح اهـ ولا يتعلق بهذا الخلاف كبير غرض وإنما الذي يعنينا أن المتكلم الأول رئيس الأوس سعد بن معاذ أو أسيد بن حضير وقال ضربنا عنقه لأنه كان سيدهم فحكمه فيهم نافذ فجزم بالحكم وأن سعد بن عبادة زعيم الخزرج وعبد الله بن أبي كان زعيم الخزرج ومن أشرافهم قبل الإسلام كادوا يتوجونه ملكا عليهم لكنه رأس المنافقين في الإسلام والكلام من زعيم الأوس لا شك يعنيه فدفاع سعد بن عبادة عنه صادر عن حمية العصبية القبلية ولهذا قالت عائشة "وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية" قال النووي هكذا هو هنا لمعظم رواة صحيح مسلم "اجتهلته" بالجيم والهاء أي استخفته وأغضبته وحملته على الجهل وفي رواية "احتملته" بالحاء والميم وكذا رواه مسلم [في آخر روايتنا هذه
وملحقها] وكذا رواه البخاري ومعناه أغضبته فالروايتان صحيحتان اهـ
وفي رواية ابن إسحاق "قال سعد بن عبادة ما قلت هذه المقالة إلا أنك علمت أنه من الخزرج" وفي رواية للبخاري "ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل" وفي رواية "قال يا ابن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله ﷺ ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية وإحن الجاهلية"
قال ابن التين تكلم سعد بن عبادة بحكم الأنفة ولم يرد الرضا بما نقل عن عبد الله بن أبي وإنما معنى قول عائشة "وكان قبل ذلك رجلا صالحا" [أي في رواية البخاري] أي لم يتقدم منه ما يتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية ولم ترد أنه ناضل عن المنافقين اهـ
وأما قول سعد بن عبادة "لا تقدر على قتله" مع أن سعد بن معاذ لم يقل بقتله فلأنه فهم أن قول ابن معاذ "أمرتنا ففعلنا أمرك" أي إن أمرتنا بقتله قتلناه وإن أمرت قومه بقتله قتلوه فنفي سعد بن عبادة قدرة سعد بن معاذ على قتله إن كان من الخزرج لعلمه أن النبي ﷺ لا يأمر غير قومه بقتله وهو بذلك لا يرد أمر الرسول ﷺ لو أمر ولا بحمية الجاهلية
وقد اعتذر المازري عن قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة "إنك منافق" أن ذلك وقع منه على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في زجر سعد بن عبادة عن المجادلة عن ابن أبي وغيره ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر
(وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه) معناه إن كنت فعلت ذنبا وليس ذلك لك بعادة وهذا أصل اللمم
(قلص ومعي) بفتح القاف واللام أي ارتفع لاستعظام الأمر
(فقلت لأبي أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال) تقصد بطلب الإجابة عنها تفويض الكلام إلى الكبار لأنهما أعرف بمقاصده وباللائق بالمواطن منها وردهما بأنهما لا يدريان ما
стр. 5925
يقولان أي ما عندهما من العلم بهذا الأمر لا يزيد على ما علمه رسول الله ﷺ بشأنه سوى حسن الظن بها وفي رواية "قال أبو بكر لا أفعل هو رسول الله والوحي يأتيه" وفي رواية "فأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله ﷺ وقد صلى العصر وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي" وفي رواية "وقد جاء رسول الله ﷺ حتى جلس على سرير وجاهي"
(قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم) في رواية "حتى وقر في أنفسكم" أي ثبت وزنا ومعنى
(ثم تحولت فاضجعت على فراشي) زاد في رواية "ووليت وجهي نحو الجدر"
(ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى) في رواية إسحاق "يقرأ به في المساجد ويصلى به"
(فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه) أي ما فارق مجلسه
(ولا خرج أحد من أهل البيت) الذين كانوا حينئذ حضورا
(فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي) بضم الباء وفتح الراء بعدها حاء ومد وهي شدة الحمى
وقيل شدة الكرب وقيل شدة الحر ومنه برح بي الهم إذا بلغ غايته
(حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق) "ليتحدر" أي لينصب و"الجمان" بضم الجيم وتخفيف الميم حب يعمل من الفضة كاللؤلؤ شبهت قطرات عرقه ﷺ بالجمان في الصفاء والحسن زاد في رواية "قال أبو بكر فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ أخشى أن ينزل من السماء ما لا مرد له وأنظر إلى وجه عائشة فإذا هو منبسق" أي صافي في اللون "فيطمعني ذلك فيها" وفي رواية ابن إسحاق "فأما أنا فوالله ما فزعت قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فما سرى عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما يقول الناس"
(فلما سري عن رسول الله ﷺ بضم السين وتشديد الراء المكسورة أي كشف وأزيل
(وهو يضحك) جملة حالية وفي رواية "فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب مازال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا ثم مسح وجهه"
(فقالت لي أمي قومي إليه فقلت والله ما أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي) وعند الطبري "أحمد الله لا إياكما" وفي رواية "نحمد الله ولا نحمدكم" وفي رواية "ولا نحمدك ولا نحمد أصحابك" وفي رواية "فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فانتزعت يدي منه فنهرني
стр. 5926
أبو بكر" وفي رواية "قالت لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها فقالت ألا عذرتني فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم"
﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ [النور ٢٢] أي لا يحلفوا والألية اليمين
(وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري ما علمت أو ما رأيت فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع) "تساميني" تفاخرني وتضاهيني بجمالها ومكانها عند النبي ﷺ من السمو وهو العلو ومعنى "أحمي سمعي وبصري" أي أصون سمعي من أن يدعي سماع شيء لم يسمعه وأصون بصري أن أدعي أني رأيت شيئا لم أره والمراد من "الورع" هنا المحافظة على الدين ومجانبة الزور
(وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها) "حمنة" بفتح الحاء وسكون الميم وكانت تحت طلحة بن عبيد الله أي جعلت تتعصب لها وشرعت تنشر الإفك عنها فتحكي ما يقول أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وتعلو منزلة أختها زينب
(وأما المنافق عبد الله بن أبي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره وحمنة) "يستوشيه" أي يخرجه بالبحث والمسألة ثم يشيعه ويفشيه ويحركه
-[فقه الحديث]-
استنبط الإمام النووي من حديث الإفك أربعة وخمسين مأخذا نذكرها كما ذكرها
١ - جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه وقد أجمع المسلمون على قبوله والاحتجاج به
٢ - قال النووي الحديث دليل للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء في العمل بالقرعة في القسم بين الزوجات وفي العتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك وقد جاءت فيها أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة قال أبو عبيد عمل بها ثلاثة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يونس وزكريا ومحمد ﷺ قال ابن المنذر استعمالها كالإجماع قال ولا معنى لقول من ردها والمشهور عن أبي حنيفة إبطالها وحكى عنه إجازتها قال ابن المنذر وغيره القياس تركها لكن عملنا بها للآثار
٣ - قال وفيه القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن ولا يجوز أخذ بعضهم بغير قرعة هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وآخرون وهو رواية عن مالك وعنه رواية أن له السفر بمن شاء منهن بلا قرعة لأنها قد تكون أنفع له في طريقه والأخرى أنفع له في بيته وماله
стр. 5927
٤ - أنه لا يجب قضاء ليالي السفر للنسوة المقيمات وهذا مجمع عليه إذا كان السفر طويلا وحكم السفر القصير حكم الطويل على المذهب الصحيح وخالف فيه بعض أصحابنا
٥ - جواز سفر الرجل بزوجته
٦ - جواز غزوهن
٧ - جواز ركوب النساء في الهوادج [على ظهر البعير حيث يكون مطيقا]
٨ - جواز خدمة الرجال لهن في تلك الأسفار
٩ - أن ارتحال العسكر يتوقف على أمر الأمير
١٠ - جواز خروج المرأة لحاجة الإنسان بغير إذن الزوج وهذا من الأمور المستثناه
١١ - جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر
١٢ - أن من يركب المرأة البعير وغيره لا يكلمها إذا لم يكن محرما لها إلا لحاجة لأنهم حملوا الهودج ولم يكلموا من يظنونها فيه اهـ وفيه نظر لأنه لا يلزم من عدم كلامهن منع الكلام
١٣ - فضيلة الاقتصار في الأكل للنساء وغيرهن وألا يكثر منه بحيث يهبله اللحم لأن هذا كان حالهن في زمن النبي ﷺ وما كان في زمانه ﷺ فهو الكامل الفاضل المختار اهـ وفيه نظر فقد كان هذا لقلة الطعام عندهم
١٤ - جواز تأخر بعض الجيش ساعة ونحوها لحاجة تعرض له عن الجيش إذا لم يكن ضرورة إلى الاجتماع اهـ وهذا المأخذ غير واضح وفيه نظر لأن تأخر عائشة ﵂ لم تقر عليه
١٥ - إعانة الملهوف وعون المنقطع وإنقاذ الضائع وإكرام ذوي الأقدار
١٦ - حسن الأدب مع الأجنبيات لا سيما في الخلوة بهن عند الضرورة في برية أو غيرها كما فعل صفوان من إبراكه الجمل من غير كلام ولا سؤال وأنه ينبغي أن يمشي قدامها لا بجنبها ولا وراءها
١٧ - استحباب الإيثار بالركوب ونحوه
١٨ - استحباب الاسترجاع عند المصائب سواء كانت في الدين أو في الدنيا وسواء كانت في نفسه أو فيمن يعز عليه
١٩ - تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره اهـ وفيه نظر فإن لأمهات المؤمنين حجابا خاصا
٢٠ - جواز الحلف من غير استحلاف
٢١ - يستحب أن يستر عن الإنسان ما يقال فيه إذا لم يكن في ذكره فائدة كما كتموا عن عائشة ﵂ هذا الأمر شهرا
٢٢ - استحباب ملاطفة الرجل زوجته وحسن المعاشرة
стр. 5928
٢٣ - أنه إذا عرض عارض بأن سمع عن زوجته شيئا أو نحو ذلك جاز التقليل من اللطف ونحوه لتفطن هي فتسأل عن سببه فتزيله
٢٤ - استحباب السؤال عن المريض
٢٥ - أنه يستحب للمرأة إذا أرادت الخروج لحاجة أن تكون معها رفيقة تستأنس بها ولئلا يتعرض لها أحد
٢٦ - كراهة الإنسان صاحبه أو قريبه إذا آذى أهل الفضل أو فعل قبيحا من القبائح كما فعلت أم مسطح مع ابنها ودعائها عليه
٢٧ - فضيلة أهل بدر والذب عنهم كما فعلت عائشة في ذبها عن مسطح
٢٨ - أن الزوجة لا تذهب إلى بيت أبويها إلا بإذن زوجها اهـ وفيه نظر فكونها استأذنت لا يلزم منه أن الاستئذان لازم لكن هناك أحاديث أخرى "لا تخرج من بيته إلا بإذنه"
٢٩ - جواز التعجب بلفظ التسبيح وقد تكرر في هذا الحديث وغيره
٣٠ - استحباب مشاورة الرجل بطانته وأهله وأصدقاءه فيما ينوبه من الأمور
٣١ - جواز البحث والسؤال عن الأمور المسموعة عمن له به تعلق أما غيره فهو منهي عنه وهو تجسس وفضول
٣٢ - خطبة الإمام عند نزول أمر مهم
٣٣ - اشتكاء ولي الأمر للمسلمين من تعرض له بأذى في نفسه أو أهله واعتذاره فيما يريد أن يؤذيه به
٣٤ - فضائل ظاهرة لصفوان بن المعطل ﵁ بما شهد له رسول الله ﷺ وبفعله الجميل في إركاب عائشة ﵂ وحسن أدبه في جملة القضية
٣٥ - فضيلة لسعد بن معاذ وأسيد بن حضير ﵄
٣٦ - المبادرة إلى قطع الفتن والخصومات والمنازعات وتسكين الغضب
٣٧ - قبول التوبة والحث عليها
٣٨ - تفويض الكلام إلى الكبار دون الصغار لأنهم أعرف
٣٩ - جواز الاستشهاد بآيات القرآن العزيز ولا خلاف في أنه جائز
٤٠ - استحباب المبادرة بتبشير من تجددت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه بلية ظاهرة
٤١ - براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين قال ابن عباس وغيره لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إكراما من الله لهم
стр. 5929
٤٢ - تجديد شكر الله تعالى عند تجدد النعم
٤٣ - فضائل لأبي بكر ﵁ في قوله تعالى ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ [النور ٢٢]
٤٤ - استحباب صلة الأرحام وإن كانوا مسيئين
٤٥ - العفو والصفح عن المسيء
٤٦ - استحباب الصدقة والإنفاق في سبيل الله في الخيرات
٤٧ - أنه يستحب لمن حلف على يمين ورأى خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه
٤٨ - فضيلة زينب أم المؤمنين ﵂
٤٩ - التثبيت في الشهادة
٥٠ - إكرام المحبوب بمراعاة أصحابه ومن خدمه أو أطاعه كما فعلت عائشة بمراعاة حسان وإكرامه إكراما للنبي ﷺ
٥١ - أن الخطبة تبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله
٥٢ - أنه يستحب في الخطب أن يقول بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ والشهادتين "أما بعد" وقد كثرت فيه الأحاديث الصحيحة
٥٣ - غضب المسلمين عند انتهاك حرمة أميرهم واهتمامهم بدفع ذلك
٥٤ - جواز سب المتعصب لمبطل
٥٥ - ومن الرواية الثالثة براءة حرم النبي ﷺ من الريبة أما أمر النبي ﷺ لعلي بأن يقتل المتهم فقيل لعله كان منافقا ومستحقا للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا وكف عنه علي ﵁ اعتمادا على أن القتل بالزنا وقد علم انتفاء الزنا والله أعلم
ونقل الحافظ ابن حجر ذلك كله وزاد كثيرا نقتطف منه
٥٦ - جواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمن إزالة توهم النقص عن الحاكي
٥٧ - واستعمال التوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام
٥٨ - وأن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة
٥٩ - وشؤم الحرص على المال لأنها لو لم تطل التفتيش لرجعت بسرعة ولما حصل ما حصل
٦٠ - ومن فعل أبي بكر وزوجه أنه لا ينبغي لأهل المريض أن يعلموه بما يؤذيه
٦١ - والتوقف في خبر الواحد ولو كان صادقا
стр. 5930
٦٢ - وطلب الارتقاء من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين
٦٣ - واستشارة الأعلى لمن هو دونه
٦٤ - وأن النبي ﷺ لم يكن يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي
٦٥ - واحتمال أخف الضررين بزوال أغلظهما
٦٦ - وفضل احتمال الأذى
٦٧ - وأن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج
٦٨ - وفضل من يفوض الأمر لربه
٦٩ - ووقوع المغفرة لمن أحسن إلى من أساء إليه أو صفح عنه
٧٠ - وذم الغيبة وذم سماعها وزجر من يتعاطاها لا سيما إذا تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه والله أعلم
-[ونأخذ من هذه الحادثة عبرا كثيرة منها]-
١ - اتقاء مواطن الشبهات فإن ما حدث كان بسبب أن عائشة ﵂ اعتمدت أكثر من اللازم على أنها أم المؤمنين وزوجة الرسول الأمين فلا يحوم حولها التهم واطمأنت للبراءة الواقعية فلم تحسب حسابا لقالة السوء ولم تقدر أن المنافقين يتربصون برسول الله ﷺ مغمزا ليطعنوه
٢ - تقدير المسئولية واحتمال أخف الضررين ولو أن أم المؤمنين وازنت بين تخلفها عن الجيش وما يتبع ذلك من مخاوف وبين ترك العقد رأسا لاختارت الثاني
٣ - الدقة واليقظة فيما يعهد إلى الإنسان من مهام فلو أن المكلفين بهودج عائشة انتبهوا للتأكد من وجودها فيه لاختلفت النتيجة
٤ - الحذر من تلقف الحديث ونقله باللسان إلى ميدان آخر أو من أذن إلى أذن
٥ - التأسي بأم المؤمنين زينب بنت جحش إذ حاربت في نفسها شهوة استغلال الفرص للنيل من الخصم
٦ - الاستيثاق من الأخبار قبل العمل بموجبها وخصوصا إذا جاءت من متهم في موضوع الاتهام
٧ - النصح والمشورة بخير والإمساك عن الشر مهما اعتقد الناصح أن في ذلك المصلحة فإن مشورة علي ﵁ ظل أثرها في نفس عائشة ﵂ سنين طويلة رغم أنه لم يعمل بها والروايات كلها تجمع على أن عليا ﵁ لم يدافع عن عائشة في الوقت الذي دافع عنها فيه كبار الصحابة بل تجمع على أنه أشار بطلاقها بطريق التصريح أو التلميح ومهما اعتذرنا عن هذا الموقف كما
стр. 5931
اعتذر العلماء المنصفون يبقى أنه لم يدافع عنها وهي غرقة في بحر التهم المظلم ولا يخالجني شك في أنه لم يقصد بمشورته إيذاء عائشة ﵂ أو التشكيك فيها وإذا كان خصومه قد نظروا إلى تلك النصيحة بعد نزول الآيات ووضوح الحقيقة فحكموا عليها بالخطأ فهذه النظرة هي التي تجافي الصواب لأن القصة كلها كانت امتحانا وابتلاء للجميع وكان تيار الإفك جارفا ولم يقاومه المسلمون لعدم الأدلة عندهم حتى أبو بكر ﵁
٨ - علاج الأمور في الفتن باللين والحكمة والبعد عن العنف والشدة فإن الفتن عمياء صماء لا عقل لها فالضرب فيها يزيدها اشتعالا كالنار ضربها يزيدها التهابا وموتها في حصارها وكتم أنفاسها
٩ - الأدب في الدفاع عن النفس واستنفاد الجهد ثم اللجوء إلى الله تعالى
١٠ - وللحب ضريبة يدفعها المحبوب وللنبوغ ضريبة يدفعها النابغ وكلما علا نجم المرء كثر حساده بمثل هذا هدأت أم رومان بنتها عائشة ﵄
١١ - وأخيرا لكل حادثة من الحوادث جوانب خير وجوانب شر وقد شاءت حكمة الله ألا تصفو الخيرات من الشوائب إلا في الآخرة كما شاءت أن يبتلى المؤمن أكثر من الكافر والمؤمن العاقل إذا أصابه خير لم يفرح به فرح البطر الأشر وإذا أصابه شر استرجع وحمد الله وتدبر فضل الله في هذا الابتلاء
ويعجبني قول أهل الحقيقة ما أصابني شر إلا عرفت فضل الله علي فيه في أربع فحمدت الله تعالى على كل منها
الأولى أحمد الله على أن مصيبتي لم تكن في ديني
الثانية أحمد الله أنها لم تكن أكبر من ذلك
الثالثة أحمد الله على أن الله منحني الصبر عليها وتحملها
الرابعة أحمد الله لما فيها من أجر أخره عنده
ومن هنا قال الله تعالى للمؤمنين عن حادث الإفك ﴿لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم﴾ [النور ١١] وفقنا الله للإيمان بالقضاء والصبر على الضراء والشكر على السراء إنه سميع مجيب
والله أعلم.
стр. 5932
كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
стр. 5933
(٧٦٦) باب صفات المنافقين وأحكامهم
٦١٠٣ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله قال زهير وهي قراءة من خفض حوله وقال ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ قال فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقال كذب زيد رسول الله ﷺ قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل الله تصديقي ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ قال ثم دعاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم قال فلووا رءوسهم وقوله ﴿كأنهم خشب مسندة﴾ وقال كانوا رجالا أجمل شيء
٦١٠٤ - عن جابر ﵁ قال أتى النبي ﷺ قبر عبد الله بن أبي فأخرجه من قبره فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه فالله أعلم.
٦١٠٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال جاء النبي ﷺ إلى عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فذكر بمثل حديث سفيان.
٦١٠٦ - عن ابن عمر ﵄ قال لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه فقال رسول الله ﷺ "إنما خيرني الله فقال ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ وسأزيده على سبعين" قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾
стр. 5934
٦١٠٧ - وفي رواية عن عبيد الله بهذا الإسناد نحوه وزاد قال فترك الصلاة عليهم.
٦١٠٨ - عن ابن مسعود ﵁ قال اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم فقال أحدهم أترون الله يسمع ما نقول وقال الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا فأنزل الله ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ الآية
٦١٠٩ - عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه فكان أصحاب النبي ﷺ فيهم فرقتين قال بعضهم نقتلهم وقال بعضهم لا فنزلت ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾
٦١١٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم النبي ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾
٦١١١ - عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال اذهب يا رافع
стр. 5935
(لبوابه) إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس ما لكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ هذه الآية وتلا ابن عباس ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ وقال ابن عباس سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه
٦١١٢ - عن قيس قال قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله ﷺ فقال ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال قال النبي ﷺ "في أصحابي اثنا عشر منافقا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة وأربعة" لم أحفظ ما قال شعبة فيهم.
٦١١٣ - عن قيس بن عباد قال قلنا لعمار أرأيت قتالكم أرأيا رأيتموه فإن الرأي يخطئ ويصيب أو عهدا عهده إليكم رسول الله ﷺ فقال ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة وقال إن رسول الله ﷺ قال "إن في أمتي" قال شعبة وأحسبه قال حدثني حذيفة وقال غندر أراه قال "في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم".
٦١١٤ - عن أبي الطفيل قال كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة قال فقال له القوم أخبره إذ سألك قال كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وعذر
стр. 5936
ثلاثة قالوا ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم وقد كان في حرة فمشى فقال "إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد" فوجد قوما قد سبقوه "فلعنهم يومئذ".
٦١١٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل" قال فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج ثم تتام الناس فقال رسول الله ﷺ "وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر" فأتيناه فقلنا له تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم قال وكان رجل ينشد ضالة له.
٦١١٦ - وفي رواية عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "من يصعد ثنية المرار أو المرار" بمثل حديث معاذ غير أنه قال وإذا هو أعرابي جاء ينشد ضالة له.
٦١١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب لرسول الله ﷺ فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه قالوا هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا.
٦١١٨ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله ﷺ قال "بعثت هذه الريح لموت منافق" فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات.
٦١١٩ - عن إياس حدثني أبي قال عدنا مع رسول الله ﷺ رجلا موعوكا قال
стр. 5937
فوضعت يدي عليه فقلت والله ما رأيت كاليوم رجلا أشد حرا فقال نبي الله ﷺ "ألا أخبركم بأشد حرا منه يوم القيامة هذينك الرجلين الراكبين المقفيين" لرجلين حينئذ من أصحابه.
٦١٢٠ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة".
٦١٢١ - وفي رواية عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بمثله غير أنه قال "تكر في هذه مرة وفي هذه مرة".
-[المعنى العام]-
بعد أن قويت شوكة الإسلام في المدينة ظهر النفاق وظاهرة النفاق دائما وليدة الجبن والضعف أمام قوة وغلبة إما رغبة في خير القوى وإما رهبة من بطشه وانتقامه وقد يكونان معا رغبة ورهبة
كان عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم الخزرج في المدينة قبل الإسلام وقد أعدوا له تاجا ليعلنوه ملكا على المدينة ودخل الإسلام المدينة وقانونه ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات ١٣] وأسلمت جماهير الأوس والخزرج وأقيمت المعاهدات بين المسلمين ويهود المدينة فلم يكن بد أمام عبد الله بن أبي من أن يعلن إسلامه ظاهرا وأخذ في الباطن يكيد للإسلام ولرسول الإسلام وللمسلمين وانضم إليه في هذه السياسة جماعة سموا بالمنافقين كما سمي عبد الله بن أبي برأس النفاق وداراهم رسول الله ﷺ واعتبرهم مؤلفة قلوبهم وأحسن إليهم وأكرم معاملتهم مع إيمانه بحقيقتهم لكنه مأمور من ربه بالعمل بالظاهر والله يتولى السرائر
كانت حكمة في المعاملة ترعى خاطر أهليهم المؤمنين بحق وتغطي عن الكافرين واليهود حقيقة الشرخ في الجدار على أمل إصلاحه في يوم من الأيام
هددوا المسلمين في غزوة بني قريظة وقالوا لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجن منها محمدا وأصحابه المهاجرين لقد عظموا علينا ونحن الذين رفعناهم وما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك
وعلم الرسول ﷺ بقولهم فجاء بهم فحلفوا ما قالوا فصدقهم ظاهرا وهو يعلم أن المنافقين
стр. 5938
كاذبون ونزل فيهم القرآن الكريم في سورة سميت باسمهم ومن قبل خانوا الله ورسوله عند الخروج إلى غزوة أحد فخذلوا الضعفاء ورجعوا بثلث جيش المسلمين وواسى الله المسلمين بقوله ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ [التوبة ٤٧]
ونزلت آيات كثيرة تكشف أستارهم ليأخذ المسلمون حذرهم منهم لكن مع إحسان معاملتهم وكانت هذه الأحاديث التي تحكي بعض تحركاتهم وموقف رسول الله ﷺ والمسلمين منهم
-[المباحث العربية]-
(خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر) سبق عنه الحديث وأن السفر كان غزوة بني المصطلق وقيل تبوك
(أصاب الناس فيه شدة) سبق أن وضحنا أن الشدة كانت حمية الجاهلية بين الأوس والخزرج بسبب غلام من هؤلاء وغلام من هؤلاء وعلى القول بأنها تبوك فإن الشدة العسر
(حتى ينفضوا) أي ينفردوا
(من حوله) قال زهير وهي قراءة من خفض "حوله" أي بكسر الميم في "من" قال النووي واحترز به عن القراءة الشاذة بفتح "من" قال الحافظ ابن حجر هذا من كلام عبد الله بن أبي ولم يقصد الراوي بسياقه التلاوة وغلط بعض الشراح فقال هذا وقع في قراءة ابن مسعود وليس في المصاحف المتفق عليها فيكون على سبيل البيان من ابن مسعود قال الحافظ ولا يلزم من كون عبد الله بن أبي قالها قبل أن ينزل القرآن بحكاية جميع كلامه
(فاجتهد يمينه ما فعل) أي اجتهد في يمينه وأكثر من الحلف ما قال وعبر عن نفي القول بنفي الفعل وفي رواية للبخاري "فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا"
(لووا رءوسهم) قرئ في السبع بتشديد الواو وتخفيفها
(كأنهم خشب) بضم الشين وبإسكانها والضم للأكثرين
(ملحوظة) حديث صلاة النبي ﷺ على عبد الله بن أبي وإلباسه قميصه واستغفاره له إلخ سبق شرحه قريبا بما يغني عن إعادته
(اجتمع عند البيت) أي عند الكعبة
(قرشيان وثقفي أو ثقفيا وقرشي) في رواية للبخاري "كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش"
стр. 5939
(قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم) "قليل" خبر مقدم و"فقه قلوبهم" مبتدأ مؤخر
(أترون الله يسمع) بضم التاء أي أتظنون
(وما كنتم تستترون) أي تستخفون وقيل ما كنتم تظنون
(خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه) هم عبد الله بن أبي ابن سلول ومن تبعه وقد تقدم ذلك في غزوة أحد
(فما لكم في المنافقين فئتين) أي أمن شيء حصل لكم حتى تكونوا فئتين وفرقتين بشأن رجوع المنافقين أي لا ينبغي أن تختلفوا بشأنهم دعوهم فإن الله أركسهم بما كسبوا وبددهم وأوقعهم في شر أعمالهم فهم خبث الفضة وخبث الحديد والشدائد تنفي الخبث
(كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه) سبق شيء من هذا في باب توبة كعب بن مالك وفي هذا المعنى قال تعالى ﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله﴾ [التوبة ٨١] وقوله ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس﴾ [التوبة ٩٥]
وفي الحديث الآتي أن ابن عباس قال إن الآية نزلت في اليهود ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معا
(أن مروان قال اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس) أصل العبارة قال مروان لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس وهكذا رواها البخاري وقد روى ابن مردويه ما يدل على سبب إرسال مروان إلى ابن عباس بذلك فقال عن زيد بن أسلم قال "كان أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج عند مروان فقال يا أبا سعيد أرأيت قول الله ... فذكر الآية فقال إن هذا ليس من ذاك إنما ذاك أن أناسا من المنافقين" فذكر مثل حديثنا
قال الحافظ ابن حجر فكأن مروان توقف في ذلك وأراد زيادة الاستظهار فأرسل بوابه رافعا إلى ابن عباس يسأله عن ذلك
(أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي) أي أخبرونا عن موقفكم
(في أصحابي اثنا عشر منافقا) أي فيمن ينتسبون إلي وإلى صحبتي أي من أمتي كما قال في الرواية الثانية
﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ أي في ثقب المخيط (الإبرة) وسم بفتح السين وكسرها وهو تعليق على مستحيل فيستحيل أي لا يدخلون الجنة أبدا
(ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة) بضم الدال وفتح الباء وفسرها بقوله
стр. 5940
(سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم) "وينجم" بضم الجيم أي يظهر وروى "تكفتهم الدبيلة" بتاء بعد الفاء من الكفت وهو الجمع والستر أي تجمعهم في قبورهم وتسترهم نار تعلو أكتافهم إلى صدورهم
(كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس) قال النووي هذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمنى التي كانت عندها بيعة الأنصار ﵃ وإنما هذه عقبة على طريق تبوك اجتمع المنافقون فيها ليفسدوا على رسول الله ﷺ غزوته وليغدروا به في غزوة تبوك فعصمه الله منهم اهـ أي قال حذيفة لهذا الرجل المنافق كم كنتم يوم تآمرتم في العقبة
(وقد كان في حرة) بفتح الحاء وتشديد الراء وهي الأرض ذات الحجارة السود وقد مضت القصة في غزوة تبوك
(من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج ثم تتام الناس) أصل الثنية الطريق بين جبلين وهذه الثنية عند الحديبية قال ابن إسحاق هي مهبط الحديبية وثنية المرار بفتح الميم وضمها وكسرها روايات أي الثنية التي تمتلئ بالشجر المر فسبق إليها خيل الخزرج ثم تتابع الناس حتى تموا كلهم في الثنية وفيهم أعرابي على جمل أحمر وكان منافقا
(فقال رسول الله ﷺ وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر) كأنه علم ﷺ أنه منافق عن طريق الوحي وقد ثبت ذلك لما ذهبوا إليه والواو في "وكلكم" عاطفة على محذوف أي كلكم حط عنكم وكلكم مغفور له أي صغائر ذنوبه
(وكان رجل ينشد ضالة له) الرواية برفع "رجل" اسم كان و"ينشد" خبرها وفي ملحق الرواية بعد "وإذا هو أعرابي جاء ينشد ضالة له" و"ينشد" بفتح الياء وضم الشين أي يسأل عنها قال القاضي قيل هذا الرجل الجد بن قيس المنافق
(قصم الله عنقه) أي أهلكه
(فنبذته الأرض) أي طرحته على ظهرها عبرة للناظرين
(هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب) قال النووي هكذا هو في جميع النسخ "تدفن" بالفاء والنون أي تغيبه عن الناس وتذهب به لشدتها
(بعثت هذه الريح لموت منافق) قال النووي أي عقوبة له وعلامة لموته وراحة البلاد والعباد منه
стр. 5941
(هذينك الرجلين الراكبين المقفيين) "هذين" مثنى هذا اسم إشارة منصوب أو مجرور بعامل محذوف أي أقصد هذين أو أخبركم بهذين و"المقفيين" تثنية مقفي بضم الميم وفتح القاف والفاء المشددة أي المنصرف المولي قفاه
(لرجلين حينئذ من أصحابه) أي قال ذلك عن رجلين من أصحابه سماهما وكانا منافقين يظهران الإسلام فهما من أصحابه ظاهرا لا أنهما ممن نالته فضيلة الصحبة
(مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة) "العائرة" الحائرة المترددة بين مجموعتين من الغنم تتردد وتذهب إلى هذه المجموعة مرة وتكر وترجع وتنعطف على المجموعة الثانية مرة وتشبيه المنافق بالشاة للتنفير عن النفاق والتشبيه موافق لقوله تعالى ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ [النساء ١٤٣]
-[فقه الحديث]-
-[في هذه الأحاديث]-
كشف للمنافقين وأحوالهم ومكارم أخلاقه ﷺ وحسن معاشرته لمن انتسب إلى صحبته
والله أعلم
стр. 5942
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
стр. 5943
(٧٦٧) باب من صفات القيامة
٦١٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرءوا ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾
٦١٢٣ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال يا محمد أو يا أبا القاسم إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ تعجبا مما قال الحبر تصديقا له ثم قرأ ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾
٦١٢٤ - وفي رواية عن منصور بهذا الإسناد قال جاء حبر من اليهود إلى رسول الله ﷺ بمثل حديث فضيل ولم يذكر ثم يهزهن وقال فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه تعجبا لما قال تصديقا له ثم قال رسول الله ﷺ ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ وتلا الآية
٦١٢٥ - عن عبد الله ﵁ جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فقال يا أبا القاسم إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك أنا الملك قال فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه ثم قرأ ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾
٦١٢٦ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد غير أن في حديثهم جميعا
стр. 5944
والشجر على إصبع والثرى على إصبع وليس في حديث جرير والخلائق على إصبع ولكن في حديثه والجبال على إصبع وزاد في حديث جرير تصديقا له تعجبا لما قال.
٦١٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض".
٦١٢٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون".
٦١٢٩ - عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ قال "يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله (ويقبض أصابعه ويبسطها) أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ .
٦١٣٠ - وفي رواية عن عبد الله بن عمر ﵄ قال رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول "يأخذ الجبار سماواته وأرضيه بيديه" ثم ذكر نحو حديث يعقوب.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء ١٠٤] ويقول ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [الزمر ٦٧]
مشهد واحد من مشاهد يوم القيامة مشهد رهيب تتحول فيه الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات وكما قال لهما في أول الخلق ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت ١١] يقول
стр. 5945
لهما يوم القيامة انطويا طوعا أو كرها وكونا على إصبعين من أصابعي فتقولان أتينا طائعين منظر رهيب لكنه لا يراه إلا هو فإنه يكون بعد فناء الخلق وكل شيء هالك إلا وجهه يكون بعد فناء الملوك والجبابرة وبعد العودة إلى ما يشبه المبدأ المبدأ الذي كان الله فيه ولا شيء معه حينئذ يقول ﷻ لمن الملك اليوم فيجيب نفسه لله الواحد القهار
-[المباحث العربية]-
(إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) "العظيم" تصلح عظم قدر وعظم مقدار أما السمين فلا تصلح عظم قدر ومكانة إلا على المجاز والاستعارة ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى أن الموازنة في القدر والمنزلة فصاحب المنزلة والسطوة في الدنيا قد يكون لا قدر له ولا منزلة في الآخرة وبعضهم ذهب إلى أن الموازنة في الكمية والمقدار فضخم الجثة في الدنيا قد يكون هزيل الجسم يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة وهذا القول الثاني لا يصح لأن الأجسام لا أثر لها والعبرة بالأعمال
(اقرءوا ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ [الكهف ١٠٥]) ونفي الوزن مستعمل بكثرة في نفي القيمة والمكانة
(جاء حبر إلى النبي ﷺ "الحبر" بفتح الحاء وسكون الباء العالم وغلب هذا إذا أطلق على عالم أهل الكتاب قال تعالى ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة ٣١]
(إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الملك) قال النووي هذا من أحاديث الصفات وقد سبق فيها المذهبان التأويل والإمساك عنه مع الإيمان بها مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار أي يقتدر على هذه الأجرام الكبرى كما لو كانت على طرف أصبع بلا ملل ولا تعب والناس يذكرون الإصبع في مثل هذا للمبالغة والاحتقار فيقول أحدهم بإصبعي أقتل زيدا أي لا كلفة علي في قتله ويحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته وهذا غير ممتنع والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة اهـ والمراد من "هزهن" المبالغة في السهولة وعظم القدرة
وانظر جعل الجبال والشجر على إصبع مع أنها من الأرض وجعل الماء والثرى على إصبع مع أنها من الأرض والأرض بكمالها بما فيها وما عليها لا تعدل شيئا بجوار المجرات والسموات فلو وضعت على إصبع كانت كذرة رمل مما يرشح أن الكلام على التمثيل
وانظر الآية الكريمة المعبرة عن هذا المعنى والمستشهد بها عليه أو المردود بها عليه
стр. 5946
قال النووي ظاهر الحديث أن النبي ﷺ صدق الحبر في قوله إن الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالأصابع ثم قرأ الآية التي فيها الإشارة إلى نحو ما يقول وقال القاضي عياض وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه ﷺ وتعجبه وتلاوته الآية تصديقا للحبر بل هو رد لقوله وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده فإن مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك وقول الراوي "تصديقا له" إنما هو على ما فهم والأول أظهر
وفي الرواية الخامسة "يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون" وفي الرواية السادسة "يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها" قال النووي قال العلماء المراد بـ "يقبض أصابعه ويبسطها" النبي ﷺ وأما إطلاق اليدين لله تعالى فمتأول على القدرة وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوكد وأوضح في النفوس وذكر اليمين والشمال حتى يتم المثال لأنا نتناول باليمين ما نكرمه وبالشمال ما دونه ولأن اليمين في حقنا يقوي لما لا يقوي له الشمال ومعلوم أن السماوات أعظم من الأرض فأضافها إلى اليمين والأرضين إلى الشمال ليظهر التقريب في الاستعارة وإن كان الله لا يوصف بأن شيئا أخف عليه من شيء ولا أثقل من شيء
قال القاضي وفي هذا الحديث ثلاثة ألفاظ "يقبض" و"يطوي" و"يأخذ" وكلها بمعنى الجمع لأن السماوات مبسوطة والأرضين مدحوة وممدودة ثم يرجع ذلك إلى معنى الرفع والإزالة وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات فعاد كله إلى ضم بعضها إلى بعض ورفعها وتبديلها بغيرها قال وقبض النبي ﷺ أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وحكاية للمبسوط والمقبوض وهو السماوات والأرضون لا إشارة إلى القبض والبسط الذي هو صفة القابض والباسط ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة
(حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ "من أسفل شيء منه" أي من أسفله إلى أعلاه لأنه بحركة الأسفل يتحرك الأعلى ويحتمل أن تحركه بحركة النبي ﷺ بهذه الإشارة قال القاضي ويحتمل أن يكون بنفسه هيبة لسمعه كما حن الجذع ثم قال والله أعلم بمراد نبيه ﷺ فيما ورد في هذه الأحاديث من مشكل ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا به ولا نشبهه بشيء ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى ١١] وما قاله رسول الله ﷺ وثبت عنه فهو حق وصدق فما أدركنا علمه فبفضل الله تعالى وما خفي علينا آمنا به ووكلنا علمه إليه وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به
стр. 5947
-[فقه الحديث]-
١ - في هذه الأحاديث أن موازين الدنيا تختلف كلية عن موازين الآخرة
٢ - وأن في الكتب السماوية السابقة ما يؤيد القرآن الكريم في بعض أمور الآخرة
٣ - وأن أحبار أهل الكتاب كانوا يعرفون صدق محمد ﷺ
٤ - وفيها بعض أهوال يوم القيامة
والله أعلم
стр. 5948
(٧٦٨) باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇
٦١٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال "خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" قال إبراهيم حدثنا البسطامي (وهو الحسين بن عيسى) وسهل بن عمار وإبراهيم ابن بنت حفص وغيرهم عن حجاج بهذا الحديث.
-[المعنى العام]-
خلق الله الأرض ثم دحاها ثم أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها كانت الأرض كرة من نار فبرد سطحها وصار حجرا وترابا وماء لتقوم عليها الحياة
وهذا الحديث يرتب خلق بعض ما على الأرض فيبدأ بالتراب وهو أول ما تخلفه النار ثم يتجمد فيصير جبالا ثم ينبت في التراب مع الماء الشجر ثم ينعكس ضوء الشمس على الأرض فيكون النور ثم تخلق الدواب ثم مخلوقات أخرى ثم تتوج مخلوقات الأرض بآدم ﵇ ثم تأخذ الأرض زخرفها وتتزين على يد بني آدم فيظنون أنهم قادرون عليها فيأتيها أمر الله ليلا أو نهارا فيجعلها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك يفصل الآيات لقوم يعلمون
-[المباحث العربية]-
(وخلق المكروه يوم الثلاثاء) قال النووي كذا رواه ثابت بن قاسم قال وهو ما يقوم به المعاش ويصلح به التدبير كالحديد وغيره من جواهر الأرض
(وخلق النور يوم الأربعاء) كذا هو في صحيح مسلم "النور" بالراء وروايات ثابت بن قاسم "النون" بالنون في آخره قال القاضي وكذا رواه بعض رواة صحيح مسلم وهو الحرث ولا منافاة أيضا كلاهما خلق يوم الأربعاء وفي الأربعاء ثلاث لغات بفتح الهمزة وكسر الباء وفتحها وضمها وجمعه أربعاوات وحكى أيضا أرابيع
стр. 5949
-[فقه الحديث]-
في الحديث إشارة إلى خلق بعض المخلوقات على الأرض
ولا يتعلق بالإيمان بهذا الترتيب وجوب ولا ندب لأنه قابل للتوجيه والتأويل
والله أعلم.
стр. 5950
(٧٦٩) باب صفة الأرض يوم القيامة ونزل أهل الجنة
٦١٣٢ - عن سهل بن سعد ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد".
٦١٣٣ - عن عائشة ﵂ قالت سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله فقال "على الصراط".
٦١٣٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة" قال فأتى رجل من اليهود فقال بارك الرحمن عليك أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة قال "بلى" قال تكون الأرض خبزة واحدة (كما قال رسول الله ﷺ قال فنظر إلينا رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه قال ألا أخبرك بإدامهم قال "بلى" قال إدامهم بالام ونون قالوا وما هذا قال ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم ٤٨] ويقول ﴿وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت﴾ [الانشقاق ٣، ٤] وسواء كانت أرض الآخرة خلقا جديدا في ذاتها وجرمها وصفاتها أو كانت هي كوكبنا تجدد خلقها وتغيرت صفاتها فإن أرض الآخرة ستكون مستوية كرغيف الخبز ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ [طه ١٠٧] ولا جبالا ولا بحارا كلوح مسبوك من الفضة
وكذلك ما كان عليها من حيوان ومرعى وطعام سيتغير ويتبدل ويعيش الثور بغير مرعى والحوت
стр. 5951
بغير ماء ويكون منهما أول طعام يطعمه أهل الجنة قدرة الله وحكمة الله ومشيئة الله وأمر الله ﴿إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس ٨٢]
-[المباحث العربية]-
(يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء) بفتح العين وسكون الفاء أي بيضاء مائلة إلى الحمرة وقيل العفر بياض ليس بناصع وقيل خالصة البياض
(كقرصة النقى) بفتح النون وكسر القاف أي الدقيق النقي من الغش والنخال
(ليس فيها علم لأحد) في رواية البخاري "ليس فيها معلم لأحد" والمعلم بفتح الميم واللام بينهما عين ساكنة هو الشيء الذي يستدل به على الطريق من سكن أو بناء أو أثر أو جبل أو صخرة بارزة
﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ قيل تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها وظاهر الحديث السابق يؤيده ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن مسعود قال "تبدل الأرض أرضا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة" وفي رواية عنه عند الحاكم "أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة" وعن عكرمة قال "بلغنا أن هذه الأرض يعني أرض الدنيا تطوى وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها"
وقيل تغير صفاتها فقط ويؤيده حديث " ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" ويؤيده قوله تعالى ﴿وإذا الأرض مدت﴾ وقيل يزاد فيها وينقص منها ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها" والله أعلم
(فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله) أي في لحظات التبديل
(فقال على الصراط) وفي رواية للترمذي "على جسر جهنم" ولأحمد "على متن جهنم" وفي رواية "يكونون في الظلمة دون الجسر" وجمع بينها البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط
(تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر) قال النووي الخبزة بضم الخاء هي الطلمة التي توضع في الملة اهـ و"الطلمة" بضم الطاء وسكون اللام العجين بعد البسط والنضج بالنار و"الملة" بفتح الميم واللام المشددة التراب الحار والجمر وهذا تفسير أهل اللغة نقله النووي ولو أنه قال الخبزة معروفة لكفانا و"يكفؤها" بالهمزة وروى في غير مسلم "يتكفؤها" بالهمز أيضا وخبزة المسافر هي التي يجعلها في الملة ويكتفؤها بيديه أي يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها ومعنى الحديث أن الله يجعل الأرض كالرغيف العظيم
стр. 5952
(نزلا لأهل الجنة) النزل ما يقدم للضيف أول نزوله من طعام عاجل والمعنى أن الله يجعل الأرض أو بعضها رغيفا يأكل منه أهل الجنة والله على كل شيء قدير وصدق هذا حبر اليهود
(قال ألا أخبرك بإدامهم) الإدام ما يؤكل مع الخبز من لحم ومطبوخ وجبن وغيرها
(إدامهم بالام ونون قالوا وما هذا قال ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا) قال النووي النون هو الحوت باتفاق العلماء وأما "بالام" فبالباء المفتوحة وتخفيف للام وميم مرفوعة غير منونة وفي معناها أقوال مضطربة الصحيح منها الذي اختاره القاضي وغيره من المحققين أنها لفظة عبرانية معناها بالعبرانية "ثور" وفسره بهذا ولهذا سألوا اليهودي عن تفسيرها ولو كانت عربية لعرفتها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها فهذا هو المختار في بيان هذه اللفظة وقال الخطابي لعل اليهودي أراد التعمية عليهم فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين على الآخر وهي لام ألف وياء يريد "لأي" على وزن "لعا" وهو الثور الوحشي فصحف الراوي الياء فجعلها باء قال الخطابي هذا أقرب ما يقع فيه
وأما زائدة الكبد فهي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد وهي أطيبها
وأما قوله "يأكل منه سبعون ألفا" فقال القاضي يحتمل أنهم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب فخصوا بأطيب النزل ويحتمل أنه عبر بالسبعين ألفا عن العدد الكثير
-[فقه الحديث]-
فيه أرض المحشر وصفتها ونزل أهل الجنة وأن علماء اليهود يعرفون من كتبهم كثيرا من أحوال الآخرة
والله أعلم.
стр. 5953
(٧٧٠) باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح وقوله تعالى ﴿ويسألونك عن الروح﴾
٦١٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ "لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم".
٦١٣٦ - عن عبد الله ﵁ قال بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح فقالوا ما رابكم إليه لا يستقبلكم بشيء تكرهونه فقالوا سلوه فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح قال فأسكت النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئا فعلمت أنه يوحى إليه قال فقمت مكاني فلما نزل الوحي قال ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾
٦١٣٧ - وفي رواية عن عبد الله ﵁ قال كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرث بالمدينة بنحو حديث حفص غير أن في حديث وكيع ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ وفي حديث عيسى بن يونس وما أوتوا من رواية ابن خشرم.
٦١٣٨ - وفي رواية عن عبد الله ﵁ قال كان النبي ﷺ في نخل يتوكأ على عسيب ثم ذكر نحو حديثهم عن الأعمش وقال في روايته ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾
-[المعنى العام]-
إن اليهود وأعداء الإسلام كانوا يحاولون معارضة رسول الله ﷺ وتعجيزه بأسئلة يعدونها وما
стр. 5954
ادعى ﷺ أنه يعلم كل شيء وإنما كان كثيرا ما يقول إنما أنا بشر يوحى إليه ولقد كان في كتب الأولين معلومات لم تصل إليه ﷺ فكان إذا سئل عن شيء منها هو يعلمه أجاب وإن سئل عن شيء منها لا يعلمه انتظر الوحي
وكان من أسئلة اليهود سؤال عن أصحاب الكهف وسؤال عن ذي القرنين وسؤال عن الروح وجاءت الإجابة في القرآن الكريم بالشرح والتفصيل لبعض الأسئلة وبقدر الإفادة الكافية للبعض الثاني وبفطم النفس عن البحث عما هو فوق طاقتها للبعض الثالث ومن هذا الأخير السؤال عن الروح وهي سر الله في الكائنات الحية وجودها في الجسم علامة حياته وبعدها عن الجسم علامة عدم الحياة
-[المباحث العربية]-
(لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم) الضمير في "ظهرها" للأرض وإن لم يسبق له ذكر اعتمادا على العلم قال صاحب التحرير المراد عشرة من أحبارهم اهـ فقد آمن عشرة من عوامهم ولم يؤمن جميعهم وفي هذا إشارة إلى أنهم مقلدون تابعون لأحبارهم في الحق وغير الحق وأن مسئولية عدم إيمانهم تقع أولا وبالذات على علمائهم
(بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث) قال النووي بثاء وهو موضع الزرع وهو مراده بقوله في الملحق الثاني للرواية الثانية "في نخل" واتفقت نسخ صحيح مسلم على أنه "حرث" وكذا رواه البخاري في مواضع ورواه في أول الكتاب في باب ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ بلفظ "خرب" بالباء والخاء أي خراب قال العلماء الأول أصوب وللآخر وجه ويجوز أن يكون الموضع فيه الوصفان اهـ
وفي رواية ابن مروديه "في حرث للأنصار" وفي الملحق الأول "في حرث بالمدينة" قال الحافظ وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة لكن روى الترمذي عن ابن عباس قال "قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فأنزل الله تعالى ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ قال ويمكن الجمع بتعدد النزول أو يحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان وفي حالة عدم قبول الجمع فما في الصحيح أصح اهـ
(وهو متكئ على عسيب) في رواية للبخاري وفي الملحق الثاني لروايتنا الثانية "وهو يتوكأ" أي يعتمد في مشيته والعسيب بوزن العظيم الجريدة التي لا خوص فيها
(إذ مر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض) في رواية للبخاري "إذ مر اليهود" برفع اليهود وفي رواية للطبري "إذ مررنا على يهود" ويحمل هذا الخلاف على أن الفريقين تلاقوا فيصدق أن كلا مر بالآخر
стр. 5955
(فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح فقالوا ما رابكم إليه لا يستقبلكم بشيء تكرهونه فقالوا سلوه فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح) قال النووي هكذا في جميع النسخ "ما رابكم إليه" أي ما دعاكم إلى سؤاله أو ما شككم فيه حتى احتجتم إلى سؤاله أو ما دعاكم إلى سؤال تخشون سوء عقباه اهـ
وقال الخطابي الصواب "ما أربكم" بتقديم الهمزة وفتحتين من الأرب وهو الحاجة وفي رواية للبخاري "فقام رجل منهم فقال يا أبا القاسم ما الروح" وفي رواية عند الطبري "فقالوا أخبرنا عن الروح" قال ابن التين اختلف الناس في المراد بالروح المسئول عنه في هذا الخبر على أقوال الأول روح الإنسان الثاني روح الحيوان الثالث جبريل الرابع عيسى الخامس القرآن السادس الوحي السابع ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة الثامن ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه التاسع خلق كخلق بني آدم لهم روح يأكلون ويشربون اهـ أما ألفاظ الروح الواردة في القرآن فمنها ﴿نزل به الروح الأمين﴾ [الشعراء ١٩٣] ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ [الشورى ٥٢] ﴿يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ [غافر ١٥] ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة ٢٢] ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾ [النبأ ٣٨] ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر ٤] فالأول جبريل والثاني القرآن والثالث الوحي والرابع القوة والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره وأطلق روح الله على عيسى وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح أي لا يعين المراد به والأكثرون على أن اليهود سألوا عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد وقال أهل النظر سألوه عن كيفية مسلك الروح في البدن وامتزاجه به وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه وقال القرطبي الظاهر أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله ولا تجهل أن جبريل ملك وأن الملائكة أرواح
وقال الفخر الرازي المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيتها وهل هي متميزة أم لا وهل هي حالة في متميز أم لا وهل هي قديمة أو حادثة وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من متعلقاتها قال وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن حقيقتها عن الماهية والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث وهو الله تعالى بقوله "كن" اهـ
فكأنه قال هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيها وفي الروح لغتان تذكيرها وتأنيثها
(فأسكت النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئا) أي سكت وقيل أطرق وقيل أعرض عنه وفي البخاري "فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليهم" زاد في رواية له "فقام متوكئا على العسيب وأنا خلفه"
(فعلمت أنه يوحى إليه) في رواية للبخاري "فظننت أنه يوحى إليه" وفي أخرى له "فقلت إنه يوحى إليه" وإطلاق العلم على الظن مشهور وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس وفي رواية "فقام وحنى من رأسه فظننت أنه يوحى إليه"
следующие страницы →