Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
بغير ماء ويكون منهما أول طعام يطعمه أهل الجنة قدرة الله وحكمة الله ومشيئة الله وأمر الله ﴿إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس ٨٢]
-[المباحث العربية]-
(يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء) بفتح العين وسكون الفاء أي بيضاء مائلة إلى الحمرة وقيل العفر بياض ليس بناصع وقيل خالصة البياض
(كقرصة النقى) بفتح النون وكسر القاف أي الدقيق النقي من الغش والنخال
(ليس فيها علم لأحد) في رواية البخاري "ليس فيها معلم لأحد" والمعلم بفتح الميم واللام بينهما عين ساكنة هو الشيء الذي يستدل به على الطريق من سكن أو بناء أو أثر أو جبل أو صخرة بارزة
﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ قيل تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها وظاهر الحديث السابق يؤيده ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن مسعود قال "تبدل الأرض أرضا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة" وفي رواية عنه عند الحاكم "أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة" وعن عكرمة قال "بلغنا أن هذه الأرض يعني أرض الدنيا تطوى وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها"
وقيل تغير صفاتها فقط ويؤيده حديث " ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" ويؤيده قوله تعالى ﴿وإذا الأرض مدت﴾ وقيل يزاد فيها وينقص منها ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها" والله أعلم
(فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله) أي في لحظات التبديل
(فقال على الصراط) وفي رواية للترمذي "على جسر جهنم" ولأحمد "على متن جهنم" وفي رواية "يكونون في الظلمة دون الجسر" وجمع بينها البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط
(تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر) قال النووي الخبزة بضم الخاء هي الطلمة التي توضع في الملة اهـ و"الطلمة" بضم الطاء وسكون اللام العجين بعد البسط والنضج بالنار و"الملة" بفتح الميم واللام المشددة التراب الحار والجمر وهذا تفسير أهل اللغة نقله النووي ولو أنه قال الخبزة معروفة لكفانا و"يكفؤها" بالهمزة وروى في غير مسلم "يتكفؤها" بالهمز أيضا وخبزة المسافر هي التي يجعلها في الملة ويكتفؤها بيديه أي يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها ومعنى الحديث أن الله يجعل الأرض كالرغيف العظيم
стр. 5952
(نزلا لأهل الجنة) النزل ما يقدم للضيف أول نزوله من طعام عاجل والمعنى أن الله يجعل الأرض أو بعضها رغيفا يأكل منه أهل الجنة والله على كل شيء قدير وصدق هذا حبر اليهود
(قال ألا أخبرك بإدامهم) الإدام ما يؤكل مع الخبز من لحم ومطبوخ وجبن وغيرها
(إدامهم بالام ونون قالوا وما هذا قال ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا) قال النووي النون هو الحوت باتفاق العلماء وأما "بالام" فبالباء المفتوحة وتخفيف للام وميم مرفوعة غير منونة وفي معناها أقوال مضطربة الصحيح منها الذي اختاره القاضي وغيره من المحققين أنها لفظة عبرانية معناها بالعبرانية "ثور" وفسره بهذا ولهذا سألوا اليهودي عن تفسيرها ولو كانت عربية لعرفتها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها فهذا هو المختار في بيان هذه اللفظة وقال الخطابي لعل اليهودي أراد التعمية عليهم فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين على الآخر وهي لام ألف وياء يريد "لأي" على وزن "لعا" وهو الثور الوحشي فصحف الراوي الياء فجعلها باء قال الخطابي هذا أقرب ما يقع فيه
وأما زائدة الكبد فهي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد وهي أطيبها
وأما قوله "يأكل منه سبعون ألفا" فقال القاضي يحتمل أنهم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب فخصوا بأطيب النزل ويحتمل أنه عبر بالسبعين ألفا عن العدد الكثير
-[فقه الحديث]-
فيه أرض المحشر وصفتها ونزل أهل الجنة وأن علماء اليهود يعرفون من كتبهم كثيرا من أحوال الآخرة
والله أعلم.
стр. 5953
(٧٧٠) باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح وقوله تعالى ﴿ويسألونك عن الروح﴾
٦١٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ "لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم".
٦١٣٦ - عن عبد الله ﵁ قال بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح فقالوا ما رابكم إليه لا يستقبلكم بشيء تكرهونه فقالوا سلوه فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح قال فأسكت النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئا فعلمت أنه يوحى إليه قال فقمت مكاني فلما نزل الوحي قال ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾
٦١٣٧ - وفي رواية عن عبد الله ﵁ قال كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرث بالمدينة بنحو حديث حفص غير أن في حديث وكيع ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ وفي حديث عيسى بن يونس وما أوتوا من رواية ابن خشرم.
٦١٣٨ - وفي رواية عن عبد الله ﵁ قال كان النبي ﷺ في نخل يتوكأ على عسيب ثم ذكر نحو حديثهم عن الأعمش وقال في روايته ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾
-[المعنى العام]-
إن اليهود وأعداء الإسلام كانوا يحاولون معارضة رسول الله ﷺ وتعجيزه بأسئلة يعدونها وما
стр. 5954
ادعى ﷺ أنه يعلم كل شيء وإنما كان كثيرا ما يقول إنما أنا بشر يوحى إليه ولقد كان في كتب الأولين معلومات لم تصل إليه ﷺ فكان إذا سئل عن شيء منها هو يعلمه أجاب وإن سئل عن شيء منها لا يعلمه انتظر الوحي
وكان من أسئلة اليهود سؤال عن أصحاب الكهف وسؤال عن ذي القرنين وسؤال عن الروح وجاءت الإجابة في القرآن الكريم بالشرح والتفصيل لبعض الأسئلة وبقدر الإفادة الكافية للبعض الثاني وبفطم النفس عن البحث عما هو فوق طاقتها للبعض الثالث ومن هذا الأخير السؤال عن الروح وهي سر الله في الكائنات الحية وجودها في الجسم علامة حياته وبعدها عن الجسم علامة عدم الحياة
-[المباحث العربية]-
(لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم) الضمير في "ظهرها" للأرض وإن لم يسبق له ذكر اعتمادا على العلم قال صاحب التحرير المراد عشرة من أحبارهم اهـ فقد آمن عشرة من عوامهم ولم يؤمن جميعهم وفي هذا إشارة إلى أنهم مقلدون تابعون لأحبارهم في الحق وغير الحق وأن مسئولية عدم إيمانهم تقع أولا وبالذات على علمائهم
(بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث) قال النووي بثاء وهو موضع الزرع وهو مراده بقوله في الملحق الثاني للرواية الثانية "في نخل" واتفقت نسخ صحيح مسلم على أنه "حرث" وكذا رواه البخاري في مواضع ورواه في أول الكتاب في باب ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ بلفظ "خرب" بالباء والخاء أي خراب قال العلماء الأول أصوب وللآخر وجه ويجوز أن يكون الموضع فيه الوصفان اهـ
وفي رواية ابن مروديه "في حرث للأنصار" وفي الملحق الأول "في حرث بالمدينة" قال الحافظ وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة لكن روى الترمذي عن ابن عباس قال "قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فأنزل الله تعالى ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ قال ويمكن الجمع بتعدد النزول أو يحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان وفي حالة عدم قبول الجمع فما في الصحيح أصح اهـ
(وهو متكئ على عسيب) في رواية للبخاري وفي الملحق الثاني لروايتنا الثانية "وهو يتوكأ" أي يعتمد في مشيته والعسيب بوزن العظيم الجريدة التي لا خوص فيها
(إذ مر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض) في رواية للبخاري "إذ مر اليهود" برفع اليهود وفي رواية للطبري "إذ مررنا على يهود" ويحمل هذا الخلاف على أن الفريقين تلاقوا فيصدق أن كلا مر بالآخر
стр. 5955
(فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح فقالوا ما رابكم إليه لا يستقبلكم بشيء تكرهونه فقالوا سلوه فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح) قال النووي هكذا في جميع النسخ "ما رابكم إليه" أي ما دعاكم إلى سؤاله أو ما شككم فيه حتى احتجتم إلى سؤاله أو ما دعاكم إلى سؤال تخشون سوء عقباه اهـ
وقال الخطابي الصواب "ما أربكم" بتقديم الهمزة وفتحتين من الأرب وهو الحاجة وفي رواية للبخاري "فقام رجل منهم فقال يا أبا القاسم ما الروح" وفي رواية عند الطبري "فقالوا أخبرنا عن الروح" قال ابن التين اختلف الناس في المراد بالروح المسئول عنه في هذا الخبر على أقوال الأول روح الإنسان الثاني روح الحيوان الثالث جبريل الرابع عيسى الخامس القرآن السادس الوحي السابع ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة الثامن ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه التاسع خلق كخلق بني آدم لهم روح يأكلون ويشربون اهـ أما ألفاظ الروح الواردة في القرآن فمنها ﴿نزل به الروح الأمين﴾ [الشعراء ١٩٣] ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ [الشورى ٥٢] ﴿يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ [غافر ١٥] ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة ٢٢] ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾ [النبأ ٣٨] ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر ٤] فالأول جبريل والثاني القرآن والثالث الوحي والرابع القوة والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره وأطلق روح الله على عيسى وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح أي لا يعين المراد به والأكثرون على أن اليهود سألوا عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد وقال أهل النظر سألوه عن كيفية مسلك الروح في البدن وامتزاجه به وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه وقال القرطبي الظاهر أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله ولا تجهل أن جبريل ملك وأن الملائكة أرواح
وقال الفخر الرازي المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيتها وهل هي متميزة أم لا وهل هي حالة في متميز أم لا وهل هي قديمة أو حادثة وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من متعلقاتها قال وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن حقيقتها عن الماهية والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث وهو الله تعالى بقوله "كن" اهـ
فكأنه قال هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيها وفي الروح لغتان تذكيرها وتأنيثها
(فأسكت النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئا) أي سكت وقيل أطرق وقيل أعرض عنه وفي البخاري "فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليهم" زاد في رواية له "فقام متوكئا على العسيب وأنا خلفه"
(فعلمت أنه يوحى إليه) في رواية للبخاري "فظننت أنه يوحى إليه" وفي أخرى له "فقلت إنه يوحى إليه" وإطلاق العلم على الظن مشهور وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس وفي رواية "فقام وحنى من رأسه فظننت أنه يوحى إليه"
стр. 5956
(فقمت مكاني) وفي رواية للبخاري "فقمت مقامي" وفي أخرى له "فتأخرت عنه" أي أدبا معه لئلا يتشوش بقربي منه
(فلما نزل الوحي قال) في رواية للبخاري "حتى صعد الوحي فقال" وفي رواية له "فقمت فلما انجلى قال"
﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ قال الإسماعيلي يحتمل أن يكون جوابا وأن الروح من جملة أمر الله وأن يكون المراد أن الله اختص بعلمه ولا سؤال لأحد عنه وفي ملحق الرواية "وما أوتوا من العلم إلا قليلا" و"إلا قليلا" استثناء من "العلم" أي إلا علما قليلا وقيل الاستثناء من الإعطاء أي إلا إعطاء قليلا وقيل الاستثناء من ضمير المخاطبين إلا قليلا منكم
-[فقه الحديث]-
قال المازري الكلام في الروح والنفس مما يغمض ويدق ومع هذا أكثر الناس فيه الكلام وألفوا فيه التآليف
وقال أبو الحسن الأشعري هو النفس الداخل والخارج
وقال ابن الباقلاني هو متردد بين هذا الذي قاله الأشعري وبين الحياة
وقيل هو جسم لطيف مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة
وقال الجمهور هي معلومة واختلفوا فيها على هذه الأقوال
قال النووي وليس في الآية دليل على أنها لا تعلم ولا أن النبي ﷺ لم يكن يعلمها وإنما أجاب بما في الآية الكريمة لأنه كان عندهم أنه إن أجاب بتفسير للروح فليس بنبي
١ - وفي الحديث أن العالم مهما أوتي من العلم فعلمه قليل وعليه أن يقول دائما رب زدني علما
٢ - وفيه جواز سؤال العالم في حال قيامه ومشيه إذا كان لا يثقل ذلك عليه
٣ - وفيه أدب الصحابة مع النبي ﷺ
٤ - والعمل بما يغلب على الظن
٥ - والتوقف عن الجواب بالاجتهاد لمن يتوقع النص
٦ - وأن بعض المعلومات قد استأثر الله بعلمه حقيقة
٧ - وما كان عليه النبي ﷺ حين يسأل عما لم ينزل عليه
والله أعلم.
стр. 5957
(٧٧١) باب في مواقف للكفار والرد عليهم الذي قال لأوتين مالا وولدا - وإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى - الدخان - انشقاق القمر - ادعاء الند والولد
٦١٣٩ - عن خباب قال كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي لن أقضيك حتى تكفر بمحمد قال فقلت له إني لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال وإني لمبعوث من بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد قال وكيع كذا قال الأعمش قال فنزلت هذه الآية ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا﴾ إلى قوله ﴿ويأتينا فردا﴾
٦١٤٠ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد نحو حديث وكيع وفي حديث جرير قال كنت قينا في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملا فأتيته أتقاضاه.
٦١٤١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال أبو جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ إلى آخر الآية
٦١٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قال فقيل نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب قال فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال فقيل له ما لك فقال إن بيني
стр. 5958
وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فقال رسول الله ﷺ "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا" قال فأنزل الله لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى﴾ يعني أبا جهل ﴿ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه﴾ زاد عبيد الله في حديثه قال وأمره بما أمره به وزاد ابن عبد الأعلى ﴿فليدع ناديه﴾ يعني قومه.
باب الدخان
٦١٤٣ - عن مسروق قال كنا عند عبد الله جلوسا وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام فقال عبد الله وجلس وهو غضبان يا أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم فإن الله قال لنبيه ﷺ ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا فقال "اللهم سبع كسبع يوسف" قال فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان فأتاه أبو سفيان فقال يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم قال الله ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ إلى قوله ﴿إنكم عائدون﴾ قال أفيكشف عذاب الآخرة ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ فالبطشة يوم بدر وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم
٦١٤٤ - عن مسروق قال جاء إلى عبد الله رجل فقال تركت في المسجد رجلا
стр. 5959
يفسر القرآن برأيه يفسر هذه الآية ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ قال يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام فقال عبد الله من علم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به الله أعلم إنما كان هذا أن قريشا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد وحتى أكلوا العظام فأتى النبي ﷺ رجل فقال يا رسول الله استغفر الله لمضر فإنهم قد هلكوا فقال "لمضر إنك لجريء" قال فدعا الله لهم فأنزل الله ﴿إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون﴾ قال فمطروا فلما أصابتهم الرفاهية قال عادوا إلى ما كانوا عليه قال فأنزل الله ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ قال يعني يوم بدر
٦١٤٥ - عن عبد الله ﵁ قال خمس قد مضين الدخان واللزام والروم والبطشة والقمر
٦١٤٦ - عن أبي بن كعب ﵁ في قوله ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ قال مصائب الدنيا والروم والبطشة أو الدخان (شعبة الشاك في البطشة أو الدخان).
باب انشقاق القمر
٦١٤٧ - عن عبد الله ﵁ قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ بشقتين فقال رسول الله ﷺ "اشهدوا"
стр. 5960
٦١٤٨ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذا انفلق القمر فلقتين فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه فقال لنا رسول الله ﷺ "اشهدوا"
٦١٤٩ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين فستر الجبل فلقة وكانت فلقة فوق الجبل فقال رسول الله ﷺ "اللهم اشهد".
٦١٥٠ - وفي رواية عن شعبة بإسناد ابن معاذ عن شعبة نحو حديثه غير أن في حديث ابن أبي عدي فقال "اشهدوا اشهدوا".
٦١٥١ - عن أنس ﵁ أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين
٦١٥٢ - عن أنس ﵁ قال انشق القمر فرقتين وفي حديث أبي داود انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ
٦١٥٣ - عن ابن عباس ﵄ قال إن القمر انشق على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 5961
باب لا أحد أصبر على أذى من الله
٦١٥٤ - عن أبي موسى قال قال رسول الله ﷺ "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله إنه يشرك به ويجعل له الولد ثم هو يعافيهم ويرزقهم".
٦١٥٥ - عن أبي موسى عن النبي ﷺ بمثله إلا قوله "ويجعل له الولد" فإنه لم يذكره.
٦١٥٦ - عن عبد الله بن قيس ﵁ قال رسول الله ﷺ "ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى إنهم يجعلون له ندا ويجعلون له ولدا وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم".
-[المعنى العام]-
لقد لاقى الرسول ﷺ وكثير من صحابته الذين أسلموا قديما أنواعا من الأذى والعنت والاضطهاد وقد خصصنا بابا سبق لما لاقاه ﷺ من أذى المشركين
وفي هذا الباب نجد ألوانا أخرى وصورا أخرى
فهذا خباب بن الأرت كان عبدا حدادا يسلم سادس ستة فيضطهده عتاة قريش ويستخدمونه في صناعة سيوفهم ولا يدفعون أجره بل يسخرون منه ويستهزئون به وبعقيدته في اليوم الآخر يذهب إلى العاص بن وائل يطلب منه أجره فيقول له لن أعطيك أجرك حتى تكفر بمحمد فيقول له خباب لن أكفر بمحمد حتى لو مت ثم بعثت فيقول له وهل هناك بعث إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر إن صدقت يا خباب أن هناك بعثا فانتظر بأجرك يوم أبعث ويبعث مالي وأولادي فأقضيك دينك فينزل قوله تعالى ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا﴾ [مريم ٧٧ - ٨٠]
стр. 5962
وهذا أبو جهل وعصابته يسخرون من الوعيد بالعذاب فيقولون اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فينزل القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [الأنفال ٣٣]
ويحاول أبو جهل أن يمنع الرسول ﷺ من صلاته فينزل ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية﴾ [العلق ٦ - ١٨]
ويطلب طغاة قريش من رسول الله ﷺ آية كبرى حسية فينشق القمر نصفين فيقول لهم اشهدوا اشهدوا فيشهدون ثم ينكرون
وهكذا نجد الكافرين يحاربون ربهم الذي خلقهم ورزقهم ويشركون به وينسبون له الند والولد ومع ذلك يملي لهم ويحلم عنهم ويرزقهم حتى إذا كان يوم القيامة عاقبهم بنار لم يروا مثلها يهون أمامها كل نعيم تنعموا به في دنياهم حتى يتمنى الواحد منهم أن يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا يقولون لو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيقال لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون لقد أمركم في الدنيا بكلمة سهلة أن توحدوه فعصيتم ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه إنكم لظالمون
-[المباحث العربية]-
(عن خباب قال كان لي على العاص بن وائل دين) في ملحق الرواية "كنت قينا في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملا "القين" بفتح القاف الحداد وخباب بن الأرت بتشديد التاء سبي في الجاهلية فبيع بمكة فكان مولى أم أنمار الخزاعية من السابقين إلى الإسلام قيل إنه أسلم سادس ستة وكان من المستضعفين وعذب عذابا شديدا لأجل ذلك وكان حدادا يعمل السيوف وجاهد جهادا كبيرا شهد بدرا وكل المشاهد بعدها ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين والعاص والد عمرو بن العاص وكان له قدر في الجاهلية وكان من حكام قريش ولم يوفق للإسلام وكان موته بمكة قبل الهجرة
(لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث) ليس مراده أن يكفر بعد هذه الغاية بل لن أكفر بمحمد أبدا لأنه بعد البعث لا كفران بمحمد أبدا وفي كلامه إثبات للبعث الذي ينكره العاص
(قال وإني لمبعوث من بعد الموت) الكلام على الاستفهام الاستبعادي أو الإنكاري
(فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد) يستهزئ ويسخر من البعث وكأنه يربط قضاء الدين بالمستحيل في نظره
стр. 5963
﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا﴾ [مريم ٧٧ - ٨٠]
(قال أبو جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) نسب هذا القول إلى جماعة كثيرة من سفهاء قريش فلعله أول من قالها وتبعه الآخرون أو رضوا به فنسب إليهم
فنزلت ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال ٣٣ - ٣٤] روى ابن جرير "أنهم قالوا ذلك ثم لما أمسوا ندموا فقالوا غفرانك اللهم فأنزل الله ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ وأخرج الطبري أيضا "كان رسول الله ﷺ بمكة فأنزل الله تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ ثم خرج إلى المدينة وبقي من بقي بمكة من المسلمين يستغفرون فأنزل الله تعالى ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ فلما خرجوا أنزل الله تعالى ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ فأذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم الله تعالى"
(عن أبي هريرة قال قال أبو جهل) هذا مرسل إذ لم يدرك أبو هريرة أبا جهل
(هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم) أي بسجوده على الأرض قالوا نعم
(فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته) تنفيذا لتهديده أي فذهب نحوه
(فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه) بكسر الجيم ويقال أيضا "فجأهم" بفتح الجيم لغتان في رواية النسائي "فلم يفجأهم منه .... " و"ينكص" بكسر الكاف رجع على عقبيه يمشي على ورائه
(قال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة) قال النووي لهذا الحديث أمثلة كثيرة في عصمته ﷺ من أبي جهل وغيره ممن أراد به ضررا
(لو دنا مني لأختطفته الملائكة عضوا عضوا) عند البلاذري "نزل اثنا عشر ملكا من الزبانية رءوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض" وفي رواية "فبلغ النبي ﷺ أي ما قال أبو جهل فقال لو دنا .... " إلخ
(إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام) باب كندة باب من أبواب الكوفة والقاص هو
стр. 5964
الحاكي الذي يعظ بالقصص والحكايات وظاهر مراد القاص أن آية الدخان تقع في الآخرة وأنها ستكون يوم القيامة
(فقال عبد الله وجلس وهو غضبان يا أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم فإن الله قال لنبيه ﷺ ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ [ص ٨٦] إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا فقال اللهم سبع كسبع يوسف قال فأخذتهم سنة حصت كل شيء [أي استأصلته] حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان) إلى آخر الحديث
وهكذا يرى ابن مسعود أنها في الدنيا وأنها وقعت فعلا في السنين الماضية ويستدل ابن مسعود على رأيه بقوله
(أفيكشف عذاب الآخرة ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ [الدخان ١٦] فالبطشة يوم بدر وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم) واللزام المراد به قوله تعالى ﴿فسوف يكون لزاما﴾ [الفرقان ٧٧] أي يكون عذابهم لازما قالوا وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر وهي البطشة الكبرى
(انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ بشقتين) في الرواية التاسعة "فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه" وفي الرواية الحادية عشرة "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين" وفي الرواية العاشرة "فستر الجبل فلقة وكانت فلقة فوق الجبل" وجمهور العلماء على أن ذلك الانشقاق كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين وقبيل هجرة الحبشة
(لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله إنه يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم) وفي الرواية الرابعة عشرة "إنهم يجعلون له ندا ويجعلون له ولدا وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم"
قال النووي قال العلماء معناه أن الله تعالى واسع الحلم حتى على الكافر الذي ينسب إليه الولد والند وقال المازري حقيقة الصبر منع النفس من الانتقام أو غيره فالصبر نتيجة الامتناع فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى لذلك قال القاضي والصبور من أسماء الله تعالى وهو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام وهو بمعنى الحليم في أسمائه والحليم هو الصفوح مع القدرة على الانتقام
стр. 5965
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الأحاديث]-
١ - من الرواية الأولى مدى ما لاقى أصحاب رسول الله ﷺ الأولون من العنت والقهر
٢ - واستهزاء الكفار بالبعث والسخرية من المؤمنين به
٣ - وأن القرآن رد عليهم بالتهديد والوعيد
٤ - ومن الرواية الثالثة محاربة أبي جهل وطغيانه مع رسول الله ﷺ
٥ - وحماية الله لرسوله ودفاعه عنه
٦ - وتهديد القرآن الكريم لأبي جهل وقد أنجز الله الوعيد في بدر وبقي له الوعيد بالزبانية
٧ - معجزة الدخان
٨ - ومعجزة انشقاق القمر قال القاضي انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ وقد رواها عدة من الصحابة ﵃ مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها قال الزجاج وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين المخالفي الملة وذلك لما أعمى الله قلبه ولا إنكار للعقل فيها لأن القمر مخلوق لله تعالى ويفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره في آخر أمره
وأما قول بعض الملاحدة لو وقع هذا لنقل متواترا واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته ولم يختص بها أهل مكة فأجاب العلماء بأن هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون والأبواب مغلقة وهم متغطون بثيابهم فقل من يتفكر في السماء أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره من العجائب والأنوار الطوالع والشهب العظام وغير ذلك مما يحدث في السماء في الليل يقع ولا يتحدث بها إلا الآحاد ولا علم عند غيرهم لما ذكرناه وكان هذا الانشقاق آية حصلت في الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها فلم يتنبه غيرهم لها قالوا وقد يكون القمر كان حينئذ في بعض المجاري والمنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عن قوم كما يجد الكسوف قوم دون قوم وأهل بلد دون أهل بلد
والله أعلم.
стр. 5966
(٧٧٢) باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا
٦١٥٧ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال "يقول الله ﵎ لأهون أهل النار عذابا لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديا بها فيقول نعم فيقول قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال) ولا أدخلك النار فأبيت إلا الشرك"
٦١٥٨ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ بمثله إلا قوله "ولا أدخلك النار" فإنه لم يذكره.
٦١٥٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال "يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك".
٦١٦٠ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ بمثله غير أنه قال "فيقال له كذبت قد سئلت ما هو أيسر من ذلك".
٦١٦١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال "أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة" قال قتادة بلى وعزة ربنا
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو
стр. 5967
افتدى به﴾ [آل عمران ٩١] ويقول ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ [الشعراء ٨٨] ويقول ﴿يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا﴾ [المعارج ١١ - ١٥]
إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة تصغر الدنيا كلها أمام هول ما يلاقى فكيف بمن عظمت ناره واشتد عذابه إن الله تعالى سيبكت الظالمين والكافرين يوم القيامة لإيلامهم النفسي مع آلامهم الجسمية فيقول لهم لو أن لكم ملك الأرض كلها ورجعتم إلى الدنيا وطلب منكم أن تفدوا أنفسكم بما تملكون أكنتم تفدون أنفسكم بما تملكون فيقولون نعم فيقال لهم كذبتم فقد طلب منكم طلب يسير جدا ليكون فداء لعذابكم أن لا تشركوا بالله شيئا فأشركتم ولو رددتم لعدتم
-[المباحث العربية]-
(قد أردت منك أهون من هذا) قال النووي المراد بأردت طلبت منك وأمرتك وقد أوضحه في الروايتين الأخيرتين بقوله "قد سئلت أيسر" فيتعين تأويل "أردت" على ذلك جمعا بين الروايات لأنه يستحيل عند أهل الحق أن يريد الله تعالى شيئا فلا يقع
(كذبت) معناه أن يقال له لو رددناك إلى الدنيا وكانت لك كلها أكنت تفتدي بها فيقول نعم فيقال له كذبت قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت ويكون هذا من معنى قوله تعالى ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام ٢٨] ولا بد من هذا التأويل ليجمع بينه وبين قوله تعالى ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة﴾ [الزمر ٤٧] أي لو كان لهم يوم القيامة ما في الأرض جميعا ومثله معه وأمكنهم الافتداء لافتدوا
-[فقه الحديث]-
قال النووي مذهب أهل الحق أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها ومنها الإيمان والكفر فهو مريد لإيمان المؤمن ومريد لكفر الكافر خلافا للمعتزلة في قولهم إنه أراد إيمان الكافر ولم يرد كفره تعالى الله عن قولهم الباطل فإنه يلزم من قولهم إثبات العجز في حقه سبحانه وأنه وقع في ملكه ما لم يرده
قال وأما هذا الحديث فقد بينا تأويله وأن المراد من "أردت منك" أمرتك بدلالة الروايات الأخرى
قال وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز أن يقول الإنسان الله يقول وقد أنكره بعض السلف وقال يكره أن يقول الله يقول وإنما يقال قال الله
والصواب جوازه وبه قال عامة العلماء من السلف والخلف وبه جاء القرآن العزيز في قوله تعالى ﴿والله يقول الحق﴾ [الأحزاب ٤] وفي الصحيحين أحاديث كثيرة مثل هذا.
стр. 5968
(٧٧٣) باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل جزاء حسنات الكافر في الدنيا
٦١٦٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط".
٦١٦٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها".
٦١٦٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه حدث عن رسول الله ﷺ "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته".
-[المعنى العام]-
يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة واختير الأنعم لأن غير الأنعم سيكون جوابه كجوابه من باب أولى
أما أن الجنة لمن آمن والنار لمن كفر وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهو أمر مقرر وما يعطاه الكافر من نعيم في الدنيا من مال وصحة وولد وراحة بال وعلو منصب ورفعة مقدار إنما هو في مقابل ما يعمل من حسنات فإذا لم يكن قدم شيئا من الحسنات فنعيمه الدنيوي يزيد من عذابه الأخروي أما إذا نعم في الدنيا فما له في الآخرة من نصيب ويقال له أذهبت طيباتك في حياتك الدنيا واستمتعت بها فاليوم تجزى عذاب الهون
стр. 5969
-[المباحث العربية]-
(فيصبغ في النار صبغة) أي يغمس في النار غمسة والصبغة بفتح الصاد الغمسة
(هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب) لأنه أمام العذاب ينسى كل نعيم سابق
(ويؤتى بأشد الناس بؤسا) بالهمز وهو الشدة
(فيصبغ صبغة في الجنة) أي يمر به نسيم الجنة فينسى كل شقاء مر به في الدنيا
(إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة) وقد يحفظ الجزاء كله له للآخرة
(وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) أي ولا يظلم كافرا حسنة فكل حسنة يعملها لله يجزى بها نعيما ومتعه في الدنيا من غنى أو صحة أو أولاد أو نحو ذلك
-[فقه الحديث]-
قال النووي أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا متقربا به إلى الله تعالى
وصرح في هذا الحديث بأنه يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات أي مما فعله متقربا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر إلى النية كصلة الرحم والصدقة والعتق والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها
وأما المؤمن فيدخر له حسناته وثواب أعماله في الآخرة ويجزى بها ذلك أيضا في الدنيا ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة وقد ورد الشرع به فيجب اعتقاده
ثم قال وأما إذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات ثم أسلم فإنه يثاب عليها في الآخرة على المذهب الصحيح اهـ
أقول إن كان مرادهم أن الكافر لا ينتفع بما عمل من حسنات الدنيا نعيما في الآخرة فمسلم لأن حسناته الدنيوية مهما عظمت فعقوبة الكفر أعظم فلا جنة ولا نعيما وإن أرادوا أنه لا ينتفع بها في الآخرة إطلاقا ففيه نظر لأنه قد لا ينتفع بها في الدنيا فمقتضى العدل أن ينتفع بها في الآخرة تخفيفا من العذاب وليس الكفار في الآخرة في نار واحدة ودرجة تعذيب واحدة وقد علمنا أن أبا طالب يخفف عنه العذاب بما عمل في الدنيا فلا مانع من أن يخفف عنه شيئا من العذاب لقاء ما قدم.
стр. 5970
(٧٧٤) باب مثل المؤمن كالزرع ومثل المنافق والكافر كالأرزة
٦١٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد".
٦١٦٦ - وفي رواية عن الزهري غير أن في حديث عبد الرزاق مكان قوله تميله "تفيئه".
٦١٦٧ - عن ابن كعب عن أبيه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها لا يفيئها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة".
٦١٦٨ - عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تصرعها مرة وتعدلها حتى يأتيه أجله ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة".
٦١٦٩ - وفي رواية عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ غير أن محمودا قال في روايته عن بشر "ومثل الكافر كمثل الأرزة" وأما ابن حاتم فقال "مثل المنافق" كما قال زهير.
стр. 5971
٦١٧٠ - وفي رواية عن ابن كعب بن مالك عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ بنحو حديثهم وقال جميعا في حديثهما عن يحيى "ومثل الكافر مثل الأرزة".
-[المعنى العام]-
ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ورفع له بها من درجاته
وقد روى "أن رسول الله ﷺ طرقه وجع فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي فقالت له عائشة لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال إن الصالحين يشدد عليهم وإنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة فما فوقها إلا كتب الله له بها حسنة ورفع له بها درجة"
وهكذا نجد الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليه زيادة على ثواب المصيبة
وقد فتح الله للمسلم أبواب تكفير السيئات ورفع الدرجات فكان حال المسلم خيرا كله إن أصابته نعماء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له
فالمؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له أما الكافر والفاجر والمنافق فقد يمدهم الله بالنعم الكثيرة مدا لكنه كما قال جل شأنه ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾ [آل عمران ١٧٨]
وكثيرا لا يتفقد الله الكافر باختباره بل يهيئ له التيسير في الدنيا ليتعسر عليه الحال في المعاد حتى إذا أراد إهلاكه قصمه فيكون موته أشد عذابا عليه
-[المباحث العربية]-
(مثل المؤمن كمثل الزرع) المثل هنا يراد به الصفة أي صفة المؤمن كصفة الزرع أي صاحب العود الضعيف اللين وفي الرواية الثانية والثالثة "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع" و"الخامة" بالميم المخففة الطاقة والقصبة اللينة من الزرع وألفها منقلبة عن واو
стр. 5972
(لا يزال الريح تميله) أي تميل الزرع يمينا وشمالا وفي الرواية الثانية "كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح" أي تميلها الريح "تصرعها مرة وتعدلها أخرى" أي تخفضها مرة وترفعها أخرى "حتى تهيج" أي حتى تستوي ويكمل نضجها وتيبس وفي الرواية الثالثة "تفيئها الرياح تصرعها مرة وتعدلها"
(ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء) هذه هي حالة المشبه أي شبهنا المؤمن في كثرة أمراضه وابتلائه وهمومه وأحزانه بالزرعة الضعيفة في كثرة تأثرها بالرياح
(ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد) بفتح التاء الأولى والثانية وكسر الصاد قال النووي كذا ضبطناه وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين أي يقوم بها الحصد وعن بعضهم بضم أوله وفتح الصاد على ما لم يسم فاعله أي حتى يقع عليها الحصد قال والأول أجود أي لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة وفي الرواية الثانية "ومثل الكافر" وفي رواية للبخاري "ومثل الفاجر" والأرزة بفتح الهمزة وراء ساكنة ثم زاي قال النووي هذا هو المشهور في ضبطها وهو المعروف في الروايات وكتب الغريب وذكر الجوهري وصاحب نهاية الغريب أنها تقال أيضا بفتح الراء وقال بعضهم هي الآرزة بالمد وكسر الراء على وزن الفاعلة وأنكرها أبو عبيد وقد قال أهل اللغة الآرزة بالمد هي الثابتة قال النووي وهذا المعنى صحيح هنا فإنكار أبي عبيد محمول على إنكار روايتها كذلك لا إنكار صحة معناها قال أهل اللغة والغريب الأرز شجر معروف يقال له الأرزن يشبه شجر الصنوبر بفتح الصاد يكون بالشام وبلاد الأردن وقيل هو الصنوبر
وفي الرواية الثانية "ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها" أي الثابتة المنتصبة على جذرها و"مجذبة" بضم الميم وسكون الجيم وكسر الذال وفتح الباء يقال جذب يجذب وأجذب يجذب
(لا يفيئها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة) والانجعاف الانقلاع
-[فقه الحديث]-
المؤمن كثير الآلام في بدنه وأهله وماله وذلك مكفر لسيئاته ورافع لدرجاته وأما الكافر فقليل الآلام وإن وقع به شيء لم يكفر شيئا من سيئاته بل يأتي بها يوم القيامة كاملة وهذه الحال هي الغالبة والكثيرة في حال الاثنين
وفي الحديث تشبيه المعقول بالمحسوس للإيضاح وليستقر في النفس فضل استقرار
والله أعلم.
стр. 5973
(٧٧٥) باب مثل المؤمن مثل النخلة
٦١٧١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ يقول قال رسول الله ﷺ "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي" فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله قال فقال "هي النخلة" قال فذكرت ذلك لعمر قال لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا.
٦١٧٢ - عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ يوما لأصحابه "أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن" فجعل القوم يذكرون شجرا من شجر البوادي قال ابن عمر وألقي في نفسي أو روعي أنها النخلة فجعلت أريد أن أقولها فإذا أسنان القوم فأهاب أن أتكلم فلما سكتوا قال رسول الله ﷺ "هي النخلة".
٦١٧٣ - وفي رواية عن مجاهد قال صحبت ابن عمر إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثا واحدا قال كنا عند النبي ﷺ فأتي بجمار فذكر بنحو حديثهما.
٦١٧٤ - وفي رواية عن ابن عمر ﵄ قال أتي رسول الله ﷺ بجمار فذكر نحو حديثهم
٦١٧٥ - عن ابن عمر ﵄ قال كنا عند رسول الله ﷺ فقال "أخبروني بشجرة شبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها" قال إبراهيم لعل مسلما قال وتؤتي أكلها وكذا وجدت عند غيري أيضا ولا تؤتي أكلها كل حين قال ابن عمر فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا فقال عمر لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.
стр. 5974
-[المعنى العام]-
أرقى أساليب التربية تحصر طرق التدريس في طريقتين الطريقة الإلقائية والطريقة الاستنباطية وقد استعملهما ﷺ في التدريس لأمته فاستعمل الطريقة الإلقائية في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء وفي الحج وفي المناسبات واستعمل طريقة الاستنباط والسؤال والجواب في دروس العلم وكان تاره يقول اسألوني ويجيب على أسئلتهم وتارة يسأل وينتظر جوابهم ليثير فيهم حب البحث والفهم كما في هذا الحديث وتارة يسأل ولا ينتظر الجواب بل يجيب هو وفائدة سؤاله في هذه الحالة إثارة انتباههم للجواب ليتمكن في نفوسهم
ثم إنه ﷺ كثيرا ما يشبه المعقول بالمحسوس مستخدما وسائل الإيضاح الميسورة في البيئة وأكثر ما يشد انتباههم ويعمق استفادتهم واستيعابهم فيمثل المؤمن في أنه خير لمجتمعه ولنفسه من وجوه كثيرة بالنخلة ويقلب التشبيه المقصود فيشبه النخلة بالمؤمن ليجعل المؤمن أصلا وأقوى في وجه الشبه صلى الله وبارك على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب
-[المباحث العربية]-
(إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي) في الرواية الثانية "أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن" وفي الملحق الثالث "أخبروني بشجرة شبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها وتؤتي أكلها" وفي رواية "ولا تؤتي أكلها كل حين" وكلمة "مثل" ضبطت بكسر الميم وسكون الثاء وبفتح الميم والثاء وهما بمعنى قال الجوهري مثله ومثله كلمة تسوية كما يقال شبهه وشبهه بمعنى ومعنى "لا يتحات ورقها" بتشديد التاء الأخيرة لا يسقط كما فى الرواية الأولى وكأن وجه الشبه بين النخلة وبين المؤمن عدم ضياع شيء منه ففي رواية عن ابن عمر ﵄ قال "كنا عند رسول الله ﷺ ذات يوم فقال إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة أتدرون ما هي قالوا لا قال هي النخلة لا تسقط لها أنملة ولا تسقط لمؤمن دعوة"
وعند المحققين أن وجه الشبه أعم من ذلك بكثير وأنه البركة وعموم النفع والبركة في النخلة في جميع أجزائها ومستمرة في جميع أحوالها فمن حين تطلع إلى أن تيبس تخرج ثمرا يؤكل في مراحل مختلفة ثم يدخر حتى النوى ينتفع به في علف الدواب والليف في الحبال والسعف والخوص وغير ذلك ما لا يخفى وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته ويؤيد هذا العموم رواية البخاري عن ابن عمر ﵄ قال "كنا عند رسول الله ﷺ فقال أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ... ولا .... ولا ... " كذا ذكر النفي ثلاث مرات فقيل في تفسيره "ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيؤها ولا يبطل نفعها" ووقع في الملحق الثالث "لا يتحات ورقها قال إبراهيم لعل مسلما قال وتؤتي أكلها وكذا وجدت عند غيري أيضا
стр. 5975
ولا تؤتي أكلها كل حين" قال النووي معنى هذا أنه وقع في رواية إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم ورواية غيره أيضا من مسلم "لا يتحات ورقها ولا تؤتي أكلها كل حين" واستشكل إبرهيم بن سفيان هذا فقال لعل مسلما رواه "وتؤتي أكلها" بإسقاط "لا" وأكون أنا وغيري غلطنا في إثبات "لا"
قال القاضي وغيره من الأئمة وليس هو بغلط كما توهمه إبراهيم بل الذي في مسلم صحيح بإثبات "لا" وكذا رواه البخاري بإثبات "لا" ووجهه أن لفظة "لا" ليست متعلقة بـ "تؤتي" بـ متعلقة بمحذوف تقديره لا يتحات ورقها ولا ... ولا ... أي لا يصيبها كذا ولا كذا لكن لم يذكر الراوي تلك الأشياء المعطوفة ثم ابتدأ فقال ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ اهـ
وقد حاول بعض العلماء أن يعمم الشبه بين المسلم وبين النخلة فقال من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت أو لأنها لا تحمل حتى تلقح أو لأنها تموت إذا غرقت أو لأنه لطلعها رائحة مني بني آدم أو لأنها تعشق أو لأنها تشرب من أعلاها إلى غير ذلك من أوجه الشبه وهذا القول ضعيف جدا لأن هذه الأوجه يشترك فيها جميع الآدميين وليست خاصة بالمسلم وأضعف من هذا قول من قال لكونها خلقت من فضلة طين آدم فإن الحديث في ذلك لم يثبت والله أعلم
(فجعل القوم يذكرون شجرا من شجر البوادي) أي ذهبت أفكارهم إلى أشجار البوادي وكان كل إنسان يفسرها بنوع من أنواع الشجر وذهلوا عن النخلة
(وألقى في نفسي أو روعي أنها النخلة) الروع بضم الراء النفس والقلب ومركز الإدراك وفي الرواية الأولى وفي الملحق الثالث "فوقع في نفسي أنها النخلة" يقال وقع الطائر على الشجرة إذا نزل عليها وقد بينت رواية أبي عوانة القرينة التي ساعدت ابن عمر على صحة ما وقع في نفسه ولفظها "فظننت أنها النخلة من أجل الجمار الذي أتى به" وفي الملحق الأول "كنا عند النبي ﷺ فأتى بجمار" وفي الملحق الثاني "أتى رسول الله ﷺ بجمار"
(فاستحييت) في الرواية الثانية "فجعلت أريد أن أقولها فإذا أسنان القوم أي كبار السن في القوم فأهاب أن أتكلم" وفي الملحق الثالث "ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا" وفي رواية للبخاري "فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم" وفي رواية أخرى للبخاري "فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم"
(ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله فقال هي النخلة) في الرواية الثانية "فلما سكتوا قال هي النخلة"
(فذكرت ذلك لعمر قال لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا) وفي الملحق الثالث "لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا" وفي رواية "فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه ... " وفي رواية "فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال لأن تكون قلتها .... " زاد ابن حبان في صحيحه "أحسبه قال أحب إلي من حمر النعم"
стр. 5976
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم إن لم يفهموه وأما ما رواه أبو داود "أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات" وهي صعاب المسائل فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه أو ما خرج على سبيل التعنت أو التعجيز
٢ - وفيه إشارة إلى أن الملغز ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للملغز له بابا يدخل منه بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه
٣ - وأن الملغز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال
٤ - وفيه التحريض على الفهم في العلم
٥ - واستحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت
٦ - وفيه دليل على بركة النخلة وما تثمره
٧ - وفيه دليل على أن بيع الجمار جائز لأن ما جاز أكله جاز بيعه
٨ - وفيه دليل على جواز تجمير النخل وليس ذلك من قبيل إضاعة المال
٩ - وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام وتصوير المعاني لترسخ في الذهن
١٠ - وفيه توقير الكبير وتقديم الصغير أباه في القول وأنه لا يبادره بما فهمه
١١ - وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه لأن العلم مواهب والله يؤتي فضله من يشاء
١٢ - واستدل به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها الله وذلك مستفاد من تمني عمر المذكور ووجه تمني عمر ﵁ ما طبع عليه الإنسان من محبة الخير لنفسه ولولده ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره ليزداد من النبي ﷺ حظوة ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم
١٣ - وفيه إشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها
والله أعلم.
стр. 5977
(٧٧٦) باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا
٦١٧٦ - عن جابر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم".
٦١٧٧ - عن جابر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "إن عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة".
٦١٧٨ - عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت" قال الأعمش أراه قال "فيلتزمه".
٦١٧٩ - عن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول "يبعث الشيطان سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة".
٦١٨٠ - عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن" قالوا وإياك يا رسول الله قال "وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
стр. 5978
٦١٨١ - وفي رواية عن منصور بإسناد جرير مثل حديثه غير أن في حديث سفيان "وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة".
٦١٨٢ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا قالت فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع فقال "ما لك يا عائشة أغرت" فقلت وما لي لا يغار مثلي على مثلك فقال رسول الله ﷺ "أقد جاءك شيطانك" قالت يا رسول الله أو معي شيطان قال "نعم" قلت ومع كل إنسان قال "نعم" قلت ومعك يا رسول الله قال "نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم".
-[المعنى العام]-
بدأت المعركة بين إبليس وآدم منذ بداية خلق آدم وكانت نتيجة الجولة الأولى أن يهبطوا إلى الأرض آدم وحواء وإبليس ليحتنك إبليس وذريته آدم وذريته إلا قليلا متوعدا إبليس آدم وذريته ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف ١٦ - ١٧]
وبدأت الجولة الثانية بين الفريقين وبعدد بني آدم يكون عدد الشياطين ذرية إبليس وجنوده مع كل واحد واحد قرينه وملازمه يجري منه مجرى الدم يزين له ما يغضب الله ليوقع الآدمي في المعصية ليشارك إبليس المصير والنار وبقدر نجاح الشيطان في الوسوسة والغواية يكون حب إبليس له وتقديره لجهوده وتقريبه منه واحتضانه أما من غلب من الشياطين أمام مؤمن من المؤمنين أو من عجز من الشياطين أن يصل إلى إضلال وإغواء مؤمن من المؤمنين فذاك المغضوب عليه من إبليس والمعاقب منه بشتى العقوبات
وقد حذر الله تعالى المؤمنين من الشيطان فقال ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [فاطر ٦]
-[المباحث العربية]-
(إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) "المصلون" أي
стр. 5979
المسلمون والمراد من عبادة الشيطان الكفر و"أيس" يئس وانقطع رجاؤه والمراد من الشيطان إبليس وجنوده و"إبليس" اسم أعجمي عند الأكثر وقيل مشتق من أبلس إذا أيئس وهو ممنوع من الصرف قيل سمي بذلك بعد يأسه وطرده من رحمة الله قيل كان اسمه مع الملائكة عزازيل قيل ومن أسمائه الحارث والحكم وكنيته أبو مرة وقيل كنيته أبو الكروبيين والمعنى إن إبليس وجنوده قد يئسوا من أن يردوكم كافرين بعد أن آمنتم
(ولكن في التحريش بينهم) أي ولكنه لم ييأس من الإيقاع بينهم والتحريش الإغراء والتهييج يقال حرشه بفتح الراء مخففة ومشددة يحرشه بكسرها حرشا بسكونها وتحريشا ويقال حرش الدابة إذا حك ظهرها بعصا أو نحوها لتسرع وحرش الصيد هيجه ليصيده وحرش الإنسان والحيوان أغراه وحرش بين القوم أفسد والمعنى أنه يتمكن من الإفساد بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها
(إن عرش إبليس على البحر) معناه أن مركز قيادته البحر ومعلوم أن المياه ثلاثة أرباع الكرة الأرضية واليابسة الربع
(فيبعث سراياه فيفتنون الناس) السرية جزء من الجيش وهذه السرايا فرق يبعثها لتساعد القرين الملازم للإنسان
(فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة) أي أعظم جنوده قيمة ومقدارا ومكانة هو الذي تعظم فتنته للمسلمين وفي الرواية الثالثة "فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة" أي للمسلمين "يجيء أحدهم" أي أحد جنوده "فيقول فعلت كذا وكذا فيقول" له تقليلا لجهوده "ما صنعت شيئا" يذكر "قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول له نعم أنت" أي الممدوح أنت وفي الرواية "فيلتزمه" أي يضمه إلى نفسه ويعانقه إعجابا بصنعه وتشجيعا لغيره
وعند ابن حبان والحاكم والطبراني "إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول من أضل مسلما ألبسته التاج"
(ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن) وفي ملحق الرواية الخامسة "إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة" وقال تعالى ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين﴾ [الصافات ٥١] قال مجاهد شيطان وقال تعالى ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم﴾ [فصلت ٢٥] قال مجاهد شياطين
(قالوا وإياك يا رسول الله) الواو عاطفة على محذوف تقديره وكل الله لكل منا قرينا صاحبنا وقرينا يصاحبك يا رسول الله
(إلا أن الله أعانني عليه فأسلم) قال النووي "فأسلم" بضم الميم والفاعل ضمير المتكلم أي فأسلم أنا من شره وفتنته وبفتح الميم والفاعل ضمير الغيبة أي فأسلم هو أي القرين روايتان
стр. 5980
مشهورتان من الإسلام وهو الظاهر أي صار مؤمنا فلا يأمرني إلا بخير وقيل من الاستسلام بمعنى فاستسلم وانقاد أي فأسلم نفسه لي وقد جاء في غير مسلم "فاستسلم" واختلفوا في الأرجح من الروايتين فقال الخطابي الصحيح المختار الرفع ورجح القاضي عياض الفتح قال النووي هو المختار لقوله ﷺ "فلا يأمرني إلا بخير"
-[فقه الحديث]-
١ - في الحديث أن الشيطان يصعب عليه تكفير المسلم ولكنه كثيرا ما يلجأ إلى إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين
٢ - وأن منه القرين لبني آدم يوحى إليه الشر ويزين له المنكر ويكره إليه المعروف
٣ - وأن أبا الجن إبليس هو قائد الشريرين منهم
٤ - وأنه يحاول بجنوده فتنة بني آدم قال تعالى ﴿يا بني ءادم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ [الأعراف ٢٧]
٥ - وأن جنوده يتبارون في الفساد وأن المقدم عنده من كثرت فتنته لبني آدم وعظمت
٦ - وأن لرسول الله ﷺ قرينا من الجن
٧ - ولكنه لا يأمر رسول الله ﷺ إلا بخير
٨ - وفيه عصمة رسول الله ﷺ قال القاضي واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه
٩ - وفي هذا الحديث التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان
١٠ - وفي الحديث وجود الجن قال عبد الجبار المعتزلي الدليل على إثباتهم السمع دون العقل إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق ولو كان إثباتهم باضطرار ما وقع الاختلاف فيه إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي ﷺ كان يتدين بإثباتهم وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده اهـ
واختلف في صفتهم فقال أبو بكر الباقلاني قال بعض المعتزلة الجن أجساد رقيقة بسيطة وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها قال الحافظ ابن حجر وهو مردود فإن الرقة ليست بمانعة عن الرؤية ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها
وروى البيهقي في مناقب الشافعي عن الشافعي أنه قال من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته إلا أن يكون نبيا اهـ
стр. 5981
قال الحافظ وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم فقيل إن أصلهم من ولد إبليس فمن كان منهم كافرا سمي شيطانا وإلا قيل له جني
واختلف في تكليفهم فقال ابن عبد البر الجن عند الجماعة مكلفون وقال عبد الجبار لا نعلم خلافا بين أهل النظر في ذلك إلا ما حكي عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا بمكلفين قال والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم وما أعد لهم من العذاب وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل
وإذا تقرر كونهم مكلفين فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي منهم أم لا والجمهور على أنه لم يكن فيهم نبي منهم
قال الحافظ ابن حجر واختلف أيضا هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا فقيل بالنفي وقيل بمقابله ثم اختلفوا فقيل أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع ورجح الحافظ ابن حجر أن أكلهم بمضغ وبلع مستدلا بما رواه أبو داود من أن رسول الله ﷺ كان جالسا ورجل يأكل ولم يسم ثم سمى في آخره فقال النبي ﷺ "ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمى استقاء ما في بطنه" وبما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "لا يأكلن أحدكم بشماله ويشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله"
وروى ابن عبد البر عن وهب بن منبه أن الجن أصناف فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون وجنس منهم يقع ذلك منهم قال الحافظ وهذا إن ثبت كان جامعا للقولين الأولين
واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن ٥٦، ٧٤] وبقوله تعالى ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني﴾ [الكهف ٥٠]
أما ثوابهم وعقابهم فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي واختلف هل يثابون فذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم وعن أبي حنيفة ثواب الجن أن يجاروا من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا
والله أعلم.
стр. 5982
(٧٧٧) باب لن يدخل أحدا عمله الجنة
٦١٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "لن ينجي أحدا منكم عمله" قال رجل ولا إياك يا رسول الله قال "ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ولكن سددوا".
٦١٨٤ - وفي رواية عن بكير بن الأشج بهذا الإسناد غير أنه قال "برحمة منه وفضل" ولم يذكر "ولكن سددوا".
٦١٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "ما من أحد يدخله عمله الجنة" فقيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني ربي برحمة".
٦١٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ "ليس أحد منكم ينجيه عمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بمغفرة ورحمة" وقال ابن عون بيده هكذا وأشار على رأسه "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بمغفرة ورحمة"
٦١٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ليس أحد ينجيه عمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتداركني الله منه برحمة"
٦١٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة" قالوا ولا أنت يا رسول الله قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة"
стр. 5983
٦١٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله" قالوا يا رسول الله ولا أنت قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"
٦١٩٠ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثله وزاد "وأبشروا"
٦١٩١ - عن جابر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله"
٦١٩٢ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول قال رسول الله ﷺ "سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل"
-[المعنى العام]-
لو أن ملكا عنده قصر كبير من أرقى وأعظم القصور يجري من تحته الأنهار وفيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين لو أنه عرض عليك أن تعطيه درهما واحدا ليعطيك هذا القصر ثم أعطاك هذا الدرهم لتعطيه إياه فأعطاك القصر هل تقول إنك اشتريت هذا القصر بمالك هذا هو مثل الجنة والعمل جنة فيها كذا وكذا وكذا من النعيم الدائم الخالد في مقابل طاعة وعبادة ستين سنة مثلا ثم هو الله الذي منحنا الصحة والقوة والهداية
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
стр. 5984
فبماذا نأخذ جنته هل نقول بعملنا كما يقول الرجل الجاهل اشتريت القصر بدرهمي أو نقول إنها هبة وفضل ورحمة هذا الذي يقصده الحديث لن يدخل أحدكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يدخلك عملك الجنة يا رسول الله قال ولا أنا لكن ندخل الجنة بفضل الله ورحمته وحاولوا بعملكم إرضاء ربكم لتفوزوا برحمته وعطفه وجنته
-[المباحث العربية]-
(لن ينجي أحدا منكم عمله) في الرواية الثانية "ما من أحد يدخله عمله الجنة" وفي الرواية الثالثة والرابعة "ليس أحدا منكم ينجيه عمله" وفي الرواية الخامسة والسابعة "لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة" وفي الرواية السادسة "لن ينجو أحد منكم بعمله" والنجاة من النار تستلزم دخول الجنة غالبا قال تعالى ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ [آل عمران ١٨٥] لذلك عبرت بعض الروايات باللزوم وهو النجاة من النار وبعضها باللازم وهو دخول الجنة وفي الرواية السابعة جمعت بينهما فقالت "لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار" والنجاة من الشيء معناها التخلص منه
(قال رجل ولا إياك يا رسول الله) في الروايات الأخرى "قالوا" وأسند القول للمجموع والقائل واحد لموافقتهم له ورضاهم بسؤاله وفي الرواية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والثامنة "ولا أنت يا رسول الله" والواو عاطفة على محذوف تقديره لا يدخل أحدا عمله الجنة ولا أنت يدخلك عملك الجنة وقد تورمت من العبادة قدماك
(ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمته) في الروايات الأخرى "ولا أنا" وفي الرواية الثالثة "إلا أن يتغمدني الله منه بمغفرة ورحمة" وفي الرواية الرابعة "إلا أن يتداركني الله برحمة" وفي الرواية السادسة "إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" والمراد بالتغمد الستر مأخوذ من غمد السيف لأنك إذا أغمدت السيف فقد ألبسته الغمد وسترته به وفي الرواية الثالثة "قال ابن عون بيده هكذا وأشار على رأسه".
(ولكن سددوا) وفي الرواية الثامنة "سددوا وقاربوا" معناه اقصدوا السداد والصواب وقاربوا نهاية العبادة ولا تغلوا وتجهدوا أنفسكم فيها لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل ولذلك زاد في الرواية الثامنة "واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل" زاد البخاري "واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا" والمراد بالغدو السير من أول النهار وبالرواح السير من أول النصف الثاني من النهار و"الدلجة" بضم الدال وسكون اللام ويجوز فتحها جميع الليل و"القصد" منصوب على الإغراء.
стр. 5985
-[فقه الحديث]-
قال المازري ذهب أهل السنة إلى أن إثابة الله تعالى من أطاعه بفضل منه وكذلك انتقامه ممن عصاه بعدل منه ولا يثبت واحد منهما إلا بالسمع وله أن يعذب الطائع وينعم العاصي ولكنه أخبر أنه لا يفعل ذلك وخبره صدق لا خلف فيه وهذا الحديث يقوي مقالتهم ويرد على المعتزلة حيث أثبتوا بعقولهم أعواض الأعمال ولهم في ذلك خبط كثير اهـ
وقال النووي اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب ولا إيجاب ولا تحريم ولا غيرهما من أنواع التكليف ولا تثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع ومذهب أهل السنة أيضا أن الله تعالى لا يجب عليه شيء تعالى الله بل العالم كله ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه يفعل فيهما ما يشاء
وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل ويوجبون ثواب الأعمال ويوجبون الأصلح ويمنعون خلاف هذا اهـ
وقد استشكل على الحديث بقوله تعالى ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف ٧٢] وجمع ابن بطال بما محصله تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها وأورد على هذا الجواب قوله تعالى ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل ٣٢] إذ ظاهره أن دخول الجنة أيضا بالأعمال وأجاب بأن في الكلام مضافا محذوفا والتقدير ادخلوا منازل الجنة بما كنتم تعملون وليس المراد بذلك أصل دخول الجنة ثم قال ويجوز أن يكون الحديث مفسرا للآية والتقدير ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم لأن اقتسام منازل الجنة برحمته وأصل دخول الجنة هو برحمته حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله وقد تفضل عليهم ابتداء بإيجادهم ثم برزقهم ثم بتعليمهم اهـ
وقال ابن الجوزي يتحصل من أوجه الجمع أربعة أجوبة
الأول أن التوفيق للعمل من رحمة الله ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة [أي الرحمة أساس التوفيق للعمل والعمل أساس دخول الجنة فالرحمة أساس دخول الجنة لأن أساس الأساس لشيء أساس لذلك الشيء أو سبب سبب الشيء سبب لذلك الشيء]
الثاني أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله [معنى ذلك أن الرحمة هي السبب الحقيقي وأن العمل سبب شكلي ظاهري لا يستحق شيئا فأسند للسبب الحقيقي في الحديث وأسند للسبب الشكلي في الآية]
стр. 5986
الثالث جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال [أي فالنصوص التي تسند دخول الجنة للأعمال يراد منها اقتسام منازلها والنصوص التي تسند دخول الجنة للرحمة يراد منها أصل دخولها]
الرابع أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال [بمعنى أن العمل له مقابل أصلا لكن العطاء أضعاف أضعاف أضعاف ما يستحق فأسند دخول الجنة إلى الاستحقاق تارة وإلى الأضعاف تارة أخرى] وهناك أجوبة أخرى لكنها تقرب مما ذكرنا منها
أن المعطي بعوض قد يعطي مجانا بخلاف المعطي بسبب فإنه لا يوجد بدون السبب فالباء في الآية للعوض وليست للسببية كما يقول المعتزلة
فالحديث ينفي مقابلة دخول الجنة بالعمل إذ العمل بمجرده ولو تناهى لا يقابل دخول الجنة ولا أن يكون عوضا لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها وهو لم يوفها حق شكرها
أما الجبرية فقد أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة من كل وجه
والقدرية زعموا أن الجنة عوض العمل وأنها ثمنه وأن دخولها بمحض الأعمال فالحديث يبطل دعوى الطائفتين
وقال الحافظ ابن حجر ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولا وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل ٣٢] أي تعملونه من العمل المقبول اهـ
والتحقيق أن هذا القول لا يبعد كثيرا عن القول الأول لابن الجوزي غايته أن الرحمة في التوفيق لأداء العمل أو في التوفيق لقبوله والأول أدق لأن عدم قبوله مع استيفائه شروط الصحة والقبول مستبعد
ويؤخذ من قول السائل ولا أنت يا رسول الله أنهم كانوا يظنون أن العمل سبب وأن رسول الله ﷺ بما كان عليه من شدة الخشية والتقوى وعظم الأجر لا يدخل في هذا القرار
وفي قوله "ولكن سددوا" رد على من ينفي فائدة العمل واستدراك على من يفهم من العبارة الأولى النفي المذكور وكأنه قيل بل له فائدة وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة فاعملوا واقصدوا وتحروا بعملكم السنة من الإخلاص وغيره
وفي قوله "قاربوا" الحث على الرفق في العبارة
والله أعلم.
стр. 5987
(٧٧٨) باب الإكثار من الطاعة والاجتهاد في العبادة
٦١٩٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت قدماه فقيل له أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال "أفلا أكون عبدا شكورا".
٦١٩٤ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال قام النبي ﷺ حتى ورمت قدماه قالوا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال "أفلا أكون عبدا شكورا".
٦١٩٥ - عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه قالت عائشة يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال "يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا"
-[المعنى العام]-
شكر النعمة وشكر المنعم سمة من سمات الرقي البشري إذ هو تقدير لعطية المعطي واعتراف بها ووفاء له ولها ومحاولة لمقابلة الإحسان بالإحسان وفي الحديث "من أولاكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له بخير" وشكر المعروف يدفع المعطي إلى تكرار العطاء والزيادة فيه وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم ٧] وشكر الله تعالى على نعمائه المتكررة المتجددة في كل لحظة على عباده مهما بلغ هذا الشكر كما وكيفا لا يكافئ نعمة واحدة من نعمه
فما بالنا بالتوفيق للعبادة والعون عليها حتى تكون وسيلة لجنة عرضها السماوات والأرض أكلها دائم وظلها ولقد كان رسول الله ﷺ أكثر الناس عبادة لربه وأكثرهم عملا صالحا فلما سئل أجاب بأن العبادة قد تكون خوفا من نار وطمعا في جنة وقد تكون شكرا على نعمة النبوة والرسالة والأعمال الصالحة أفلا أكون عبدا شكورا
стр. 5988
-[المباحث العربية]-
(صلى حتى انتفخت قدماه) من طول الوقوف على قدميه للصلاة وفي الرواية الثانية "حتى ورمت قدماه" وفي الرواية الثالثة "قام حتى تفطر رجلاه" وفي نسخة "حتى تفطرت رجلاه" أي تشققت
(فقيل له أتكلف هذا) بفتح الهمزة للاستفهام وبفتح التاء والكاف واللام المشددة مع حذف إحدى التاءين والأصل أتتكلف هذا الجهد والاستفهام تعجبي
(وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الجملة حالية من فاعل "تكلف" والمراد من "ما تقدم وما تأخر" جميع الذنوب وذنوبه ﷺ من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين
(أفلا أكون عبدا شكورا) الاستفهام إنكاري توبيخي بمعنى لا ينبغي والفاء عاطفة على محذوف أي أأترك المبالغة في العبادة فلا أكون عبدا شكورا لا ينبغي ولا يليق بي ذلك
-[فقه الحديث]-
قال القاضي الشكر معرفة إحسان المحسن والتحدث به وسميت المجازاة على فعل الجميل شكرا لأنها تتضمن الثناء عليه وشكر العبد الله تعالى اعترافه بنعمته وثناؤه عليه وتمام مواظبته على طاعته وأما شكر الله تعالى العبد وأفعال عباده فمجازاته إياهم عليها وتضعيف ثوابها وثناؤه عليها عند ملائكته والملأ الأعلى فهو المعطي والمثني والشكور اسم من أسمائه بهذا المعنى
والله أعلم.
стр. 5989
(٧٧٩) باب الاقتصاد في الموعظة
٦١٩٦ - عن شقيق قال كنا جلوسا عند باب عبد الله ننتظره فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي فقلنا أعلمه بمكاننا فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال إني أخبر بمكانكم فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا
٦١٩٧ - عن شقيق أبي وائل قال كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم فقال ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا
-[المعنى العام]-
إن النفوس تصدأ بالإهمال كما تصدأ المعادن وجلاؤها الموعظة وذكر الله تعالى وكثرة جليها وحكها يصيبها بالضعف والتآكل وكذلك القلوب دوام وعظها يصيبها بالسآمة والملل والحكمة تقتضي الأخذ بجزء من الجلي وجزء من الراحة والفضيلة دائما وسط بين طرفين فالشجاعة وسط بين التهور والجبن والكرم وسط بين الإسراف والتقتير
من هنا كان الرسول ﷺ يتعاهد أصحابه بالموعظة أياما ويتركهم لمهامهم ومعايشهم أياما فبذلك يتحقق هدف التذكير مع دوام الحرص والشوق إليه وقديما قالوا زر غبا تزدد حبا
-[المباحث العربية]-
(كنا جلوسا عند باب عبد الله ننتظره) أي عند باب بيت عبد الله بن مسعود ينتظرونه
стр. 5990
ليعظهم وفي الرواية الثانية "كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم" وهذا الرجل يشبه أن يكون يزيد بن معاوية النخعي المذكور في الرواية الأولى قاله الحافظ ابن حجر
(أعلمه بمكاننا) أي بطلبنا ورغبتنا وانتظارنا
(إني أخبر بمكانكم) بضم الهمزة وسكون الخاء وفتح الباء أي أخبرني أحدكم بمكانكم وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا للصورة
(فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم) بضم الهمزة وكسر الميم وفتح اللام المشددة أي أوقعكم في الملل والضجر و"كراهية" بتخفيف الياء فاعل "يمنعني" وفي الرواية الثانية "ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم" أي أحدثكم يوميا
(إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام) قال النووي أي يتعاهدنا هذا هو المشهور في تفسيرها قال القاضي وقيل يصلحنا وقال ابن الأعرابي معناه يتخذنا خولا وقيل يفاجئنا بها وقال أبو عبيد يدللنا وقيل يحبسنا كما يحبس الإنسان خوله و"يتخولنا" بالخاء عند جميعهم إلا أبا عمرو فقال بالحاء أي يطلب حالاتنا وأوقات نشاطنا
(مخافة السآمة علينا) مخافة الملل الطارئ علينا وكان الأصل أن يقول مخافة سآمتنا فضمن السآمة معنى المشقة فعداها بعلى والصلة محذوفة أي سآمتنا من الموعظة
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - استحباب ترك المداومة في الجد وفي العمل الصالح خشية الملال وإن كانت المواظبة مطلوبة لكنها على قسمين إما كل يوم مع عدم التكلف وإما يوم بعد يوم فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط وإما يوم في الجمعة للموعظة وبقية الأيام للمعاش والأمر يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط مراعاة الحاجة مع وجود النشاط
٢ - منقبة لابن مسعود لاقتدائه بالنبي ﷺ حتى في اليوم الذي عينه للوعظ ويحتمل أن الاقتداء كان في مجرد التخلل بين العمل والترك
٣ - الحفاظ على تأليف القلوب والبعد عن سآمتها ولو بعمل الخير
٤ - استدل به البخاري على من جعل لأهل العلم يوما معلوما أو أياما معلومة
والله أعلم.
следующие страницы →