← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

الثالث جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال [أي فالنصوص التي تسند دخول الجنة للأعمال يراد منها اقتسام منازلها والنصوص التي تسند دخول الجنة للرحمة يراد منها أصل دخولها] الرابع أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال [بمعنى أن العمل له مقابل أصلا لكن العطاء أضعاف أضعاف أضعاف ما يستحق فأسند دخول الجنة إلى الاستحقاق تارة وإلى الأضعاف تارة أخرى] وهناك أجوبة أخرى لكنها تقرب مما ذكرنا منها أن المعطي بعوض قد يعطي مجانا بخلاف المعطي بسبب فإنه لا يوجد بدون السبب فالباء في الآية للعوض وليست للسببية كما يقول المعتزلة فالحديث ينفي مقابلة دخول الجنة بالعمل إذ العمل بمجرده ولو تناهى لا يقابل دخول الجنة ولا أن يكون عوضا لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها وهو لم يوفها حق شكرها أما الجبرية فقد أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة من كل وجه والقدرية زعموا أن الجنة عوض العمل وأنها ثمنه وأن دخولها بمحض الأعمال فالحديث يبطل دعوى الطائفتين وقال الحافظ ابن حجر ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولا وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل ٣٢] أي تعملونه من العمل المقبول اهـ والتحقيق أن هذا القول لا يبعد كثيرا عن القول الأول لابن الجوزي غايته أن الرحمة في التوفيق لأداء العمل أو في التوفيق لقبوله والأول أدق لأن عدم قبوله مع استيفائه شروط الصحة والقبول مستبعد ويؤخذ من قول السائل ولا أنت يا رسول الله أنهم كانوا يظنون أن العمل سبب وأن رسول الله ﷺ بما كان عليه من شدة الخشية والتقوى وعظم الأجر لا يدخل في هذا القرار وفي قوله "ولكن سددوا" رد على من ينفي فائدة العمل واستدراك على من يفهم من العبارة الأولى النفي المذكور وكأنه قيل بل له فائدة وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة فاعملوا واقصدوا وتحروا بعملكم السنة من الإخلاص وغيره وفي قوله "قاربوا" الحث على الرفق في العبارة والله أعلم.

стр. 5987

(٧٧٨) باب الإكثار من الطاعة والاجتهاد في العبادة ٦١٩٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت قدماه فقيل له أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال "أفلا أكون عبدا شكورا". ٦١٩٤ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال قام النبي ﷺ حتى ورمت قدماه قالوا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال "أفلا أكون عبدا شكورا". ٦١٩٥ - عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه قالت عائشة يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال "يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا" -[المعنى العام]- شكر النعمة وشكر المنعم سمة من سمات الرقي البشري إذ هو تقدير لعطية المعطي واعتراف بها ووفاء له ولها ومحاولة لمقابلة الإحسان بالإحسان وفي الحديث "من أولاكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له بخير" وشكر المعروف يدفع المعطي إلى تكرار العطاء والزيادة فيه وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم ٧] وشكر الله تعالى على نعمائه المتكررة المتجددة في كل لحظة على عباده مهما بلغ هذا الشكر كما وكيفا لا يكافئ نعمة واحدة من نعمه فما بالنا بالتوفيق للعبادة والعون عليها حتى تكون وسيلة لجنة عرضها السماوات والأرض أكلها دائم وظلها ولقد كان رسول الله ﷺ أكثر الناس عبادة لربه وأكثرهم عملا صالحا فلما سئل أجاب بأن العبادة قد تكون خوفا من نار وطمعا في جنة وقد تكون شكرا على نعمة النبوة والرسالة والأعمال الصالحة أفلا أكون عبدا شكورا

стр. 5988

-[المباحث العربية]- (صلى حتى انتفخت قدماه) من طول الوقوف على قدميه للصلاة وفي الرواية الثانية "حتى ورمت قدماه" وفي الرواية الثالثة "قام حتى تفطر رجلاه" وفي نسخة "حتى تفطرت رجلاه" أي تشققت (فقيل له أتكلف هذا) بفتح الهمزة للاستفهام وبفتح التاء والكاف واللام المشددة مع حذف إحدى التاءين والأصل أتتكلف هذا الجهد والاستفهام تعجبي (وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الجملة حالية من فاعل "تكلف" والمراد من "ما تقدم وما تأخر" جميع الذنوب وذنوبه ﷺ من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين (أفلا أكون عبدا شكورا) الاستفهام إنكاري توبيخي بمعنى لا ينبغي والفاء عاطفة على محذوف أي أأترك المبالغة في العبادة فلا أكون عبدا شكورا لا ينبغي ولا يليق بي ذلك -[فقه الحديث]- قال القاضي الشكر معرفة إحسان المحسن والتحدث به وسميت المجازاة على فعل الجميل شكرا لأنها تتضمن الثناء عليه وشكر العبد الله تعالى اعترافه بنعمته وثناؤه عليه وتمام مواظبته على طاعته وأما شكر الله تعالى العبد وأفعال عباده فمجازاته إياهم عليها وتضعيف ثوابها وثناؤه عليها عند ملائكته والملأ الأعلى فهو المعطي والمثني والشكور اسم من أسمائه بهذا المعنى والله أعلم.

стр. 5989

(٧٧٩) باب الاقتصاد في الموعظة ٦١٩٦ - عن شقيق قال كنا جلوسا عند باب عبد الله ننتظره فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي فقلنا أعلمه بمكاننا فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال إني أخبر بمكانكم فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا ٦١٩٧ - عن شقيق أبي وائل قال كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم فقال ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا -[المعنى العام]- إن النفوس تصدأ بالإهمال كما تصدأ المعادن وجلاؤها الموعظة وذكر الله تعالى وكثرة جليها وحكها يصيبها بالضعف والتآكل وكذلك القلوب دوام وعظها يصيبها بالسآمة والملل والحكمة تقتضي الأخذ بجزء من الجلي وجزء من الراحة والفضيلة دائما وسط بين طرفين فالشجاعة وسط بين التهور والجبن والكرم وسط بين الإسراف والتقتير من هنا كان الرسول ﷺ يتعاهد أصحابه بالموعظة أياما ويتركهم لمهامهم ومعايشهم أياما فبذلك يتحقق هدف التذكير مع دوام الحرص والشوق إليه وقديما قالوا زر غبا تزدد حبا -[المباحث العربية]- (كنا جلوسا عند باب عبد الله ننتظره) أي عند باب بيت عبد الله بن مسعود ينتظرونه

стр. 5990

ليعظهم وفي الرواية الثانية "كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم" وهذا الرجل يشبه أن يكون يزيد بن معاوية النخعي المذكور في الرواية الأولى قاله الحافظ ابن حجر (أعلمه بمكاننا) أي بطلبنا ورغبتنا وانتظارنا (إني أخبر بمكانكم) بضم الهمزة وسكون الخاء وفتح الباء أي أخبرني أحدكم بمكانكم وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا للصورة (فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم) بضم الهمزة وكسر الميم وفتح اللام المشددة أي أوقعكم في الملل والضجر و"كراهية" بتخفيف الياء فاعل "يمنعني" وفي الرواية الثانية "ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم" أي أحدثكم يوميا (إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام) قال النووي أي يتعاهدنا هذا هو المشهور في تفسيرها قال القاضي وقيل يصلحنا وقال ابن الأعرابي معناه يتخذنا خولا وقيل يفاجئنا بها وقال أبو عبيد يدللنا وقيل يحبسنا كما يحبس الإنسان خوله و"يتخولنا" بالخاء عند جميعهم إلا أبا عمرو فقال بالحاء أي يطلب حالاتنا وأوقات نشاطنا (مخافة السآمة علينا) مخافة الملل الطارئ علينا وكان الأصل أن يقول مخافة سآمتنا فضمن السآمة معنى المشقة فعداها بعلى والصلة محذوفة أي سآمتنا من الموعظة -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - استحباب ترك المداومة في الجد وفي العمل الصالح خشية الملال وإن كانت المواظبة مطلوبة لكنها على قسمين إما كل يوم مع عدم التكلف وإما يوم بعد يوم فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط وإما يوم في الجمعة للموعظة وبقية الأيام للمعاش والأمر يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط مراعاة الحاجة مع وجود النشاط ٢ - منقبة لابن مسعود لاقتدائه بالنبي ﷺ حتى في اليوم الذي عينه للوعظ ويحتمل أن الاقتداء كان في مجرد التخلل بين العمل والترك ٣ - الحفاظ على تأليف القلوب والبعد عن سآمتها ولو بعمل الخير ٤ - استدل به البخاري على من جعل لأهل العلم يوما معلوما أو أياما معلومة والله أعلم.

стр. 5991

كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها

стр. 5992

(٧٨٠) باب صفة نعيمها وأهلها ٦١٩٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" ٦١٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "قال الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" مصداق ذلك في كتاب الله ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة ١٧] ٦٢٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "قال الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعكم الله عليه" ٦٢٠١ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يقول الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعكم الله عليه" ثم قرأ ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ ٦٢٠٢ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال شهدت من رسول الله ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال ﷺ في آخر حديثه "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ثم اقترأ هذه الآية ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة ١٦، ١٧]

стр. 5993

٦٢٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة" ٦٢٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثله وزاد "لا يقطعها". ٦٢٠٥ - عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها". ٦٢٠٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها" إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا ٦٢٠٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال "إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا". ٦٢٠٨ - عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء" قال فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال سمعت أبا سعيد الخدري يقول "كما تراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي"

стр. 5994

٦٢٠٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" ٦٢١٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله". ٦٢١١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا". ٦٢١٢ - عن محمد قال إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال أبو هريرة أو لم يقل أبو القاسم ﷺ "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوإ كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب". ٦٢١٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "أول من يدخل الجنة" ح وحدثنا قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب (واللفظ لقتيبة) قالا حدثنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك

стр. 5995

ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء" ٦٢١٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون أمشاطهم الذهب ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعا" قال ابن أبي شيبة على خلق رجل وقال أبو كريب على خلق رجل وقال ابن أبي شيبة على صورة أبيهم صفات أهل الجنة ٦٢١٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ومجامرهم من الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا" ٦٢١٦ - عن جابر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون" قالوا فما بال الطعام قال "جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس" ٦٢١٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذاك جشاء

стр. 5996

كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس" قال وفي حديث حجاج "طعامهم ذلك". ٦٢١٨ - وفي رواية عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ بمثله غير أنه قال "ويلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس". ٦٢١٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" ٦٢٢٠ - عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال "ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا" فذلك قوله ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الأعراف ٤٣] ٦٢٢١ - عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا". ٦٢٢٢ - عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن". ٦٢٢٣ - عن أبي بكر بن أبي موسى بن قيس عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال "الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون".

стр. 5997

ما في الدنيا من أنهار الجنة ٦٢٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة". ٦٢٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير" ٦٢٢٦ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله قال فزادوه ورحمة الله قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن" -[المعنى العام]- في الترغيب في الطاعة والأعمال الصالحة تذكر الجنة وما فيها من نعيم مقيم وفي الترهيب من المعاصي تذكر النار وجهنم وما تفعله من عذاب أليم وفي القرآن الكريم كثير من الآيات وفي الأحاديث النبوية كثير من الأحاديث التي هي وحي دون شك فلا يعلم ما في يوم القيامة وما بعده إلا الله تعالى نذكر من آيات القرآن في الجنة قوله تعالى ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي ءالاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان فبأي ءالاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي ءالاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان فبأي ءالاء ربكما تكذبان متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان فبأي ءالاء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس

стр. 5998

قبلهم ولا جان فبأي ءالاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان فبأي ءالاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فبأي ءالاء ربكما تكذبان ومن دونهما جنتان فبأي ءالاء ربكما تكذبان مدهامتان فبأي ءالاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان فبأي ءالاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان فبأي ءالاء ربكما تكذبان فيهن خيرات حسان فبأي ءالاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام فبأي ءالاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي ءالاء ربكما تكذبان متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان فبأي ءالاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ [الرحمن ٤٦ - ٧٨] وقوله تعالى ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا﴾ [الواقعة ١٧ - ٣٧] وقوله تعالى ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ [الإنسان ١٩ - ٢١] ويكفينا في هذا المقام قوله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة ١٧] -[المباحث العربية]- (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) قال النووي هكذا رواه مسلم "حفت" اهـ بضم الحاء وفتح الفاء المشددة من الحفاف وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره والنار لا ينجى منها إلا ترك الشهوات والبعد عنها وفي البخاري "حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره" والمعنى أنهما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره ويدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة والإحسان إلى المسيء والصبر عن الشهوات ونحو ذلك وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات والظاهر أن المراد هنا بالشهوات الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والغيبة أما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذه لكن يكره الإكثار منها مخافة أن يجر إلى المحرمة أو يقسي القلب أو يشغل عن الطاعات ونحو ذلك قاله النووي

стр. 5999

قال العلماء وهو من جوامع كلمه ﷺ وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفس والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشق عليها وقد ورد إيضاح ذلك من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ رفعه "لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال انظر إليها قال فرجع إليه فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بها فحفت بالمكاره فقال ارجع إليها فرجع فقال وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها فرجع فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مصداق ذلك في كتاب الله ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ زاد في الرواية الثالثة "ذخرا بله ما أطلعكم الله عليه" وفي بعض النسخ "ذخرا بله ما أطلعتكم عليه" و"ذخرا" أي مدخرا محفوظا وروى بالدال المهملة و"بله" بفتح الباء وسكون اللام بعدها هاء قال ابن هشام في مغني اللبيب "بله" على ثلاثة أوجه اسم لدع ومصدر بمعنى الترك واسم مرادف لكيف وما بعدها منصوب على الأول ومخفوض على الثاني ومرفوع على الثالث وفتحها بناء على الأول والثالث وإعراب على الثاني قال واستعملت معربة مجرورة بمن خارجة عن المعاني الثلاثة وفسرها بعضهم بغير اهـ والمعنى هنا دعوا عنكم الذي أطلعكم الله عليه فالذي لم يطلعكم عليه أعظم ووقع في رواية أن سبب هذا الحديث "أن موسى ﵇ سأل ربه من أعظم أهل الجنة منزلة فقال غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" زاد في رواية "ولا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل" وقرأ الجمهور "ما أخفي لهم" بكسر الفاء وفتح الياء مبني للمفعول وقرأ حمزة بالإسكان فعلا مضارعا مسندا للمتكلم وقرأ محمد بن كعب "أخفي" بفتح الهمزة والفاء على البناء للفاعل وهو الله وقرئ "قرة" بالإفراد و"قرات" بالجمع (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة) زاد في ملحق الرواية السادسة "لا يقطعها" وفي الرواية الثامنة "يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" وفي الرواية التاسعة "يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها" والمراد من "ظلها" كنفها وما يستره أغصانها وقيل في نعيمها وراحتها ومنه قولهم عيش ظليل قال القرطبي والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس ولا أذى و"المضمر" بضم الميم الأولى وفتح الضاد وفتح الميم الثانية مشددة أي الذي ضمر ليشتد جريه قال القاضي ورواه بعضهم بكسر الميم الثانية صفة الراكب المضمر لفرسه قال والمعروف الأول

стр. 6000

(أحل عليكم رضواني) قال القاضي أنزله بكم والرضوان بكسر الراء وضمها وقرئ بهما في السبع (إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء) "كما تراءون" بحذف إحدى التاءين وأصله كما تتراءون زاد في آخر الرواية "كما تراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي" وفي الرواية الثانية عشرة "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قال النووي "دري" بضم الدال وتشديد الياء بلا همز ومثلها مهموز ممدود والثالثة بكسر الدال مهموز ممدود ثلاث قراءات في السبع وهو الكوكب العظيم وقيل سمي دريا لبياضه كالدر وقيل لإضاءته وقيل لشبهه بالدر في كونه أرفع من باقي النجوم كالدر أرفع الجواهر وقال وقوله "كما تراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب" هكذا هو في عامة النسخ "من الأفق" قال القاضي لفظة "من" لابتداء الغاية ووقع في رواية البخاري في الأفق قال بعضهم وهو الصواب قال وذكر بعضهم أن "من" في رواية مسلم لانتهاء الغاية وقد جاءت كذلك كقولهم رأيت الهلال من خلال السحاب قال القاضي وهذا صحيح لكن حملهم لفظة "من" هنا على انتهاء الغاية غير مسلم بل هي على بابها أي كان ابتداء رؤيته إياه رؤيته من خلل السحاب ومن الأفق قال وقد جاء في رواية "على الأفق الغربي" ومعنى "الغابر" الذاهب الماشي أي الذي تدلى للغروب وبعد عن العيون وروى في غير مسلم "الغارب" وهو بمعنى ما ذكرنا وروى "العازب" بالعين والزاي ومعناه البعيد في الأفق وكلها راجعة إلى معنى واحد اهـ والمعنى أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل حتى إن أهل الدرجات العليا ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم لتفاضل ما بينهم (قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) قال القرطبي "بلى" حرف جواب وتصديق والسياق يقتضي أن يكون الجواب بالإضراب عن الأول وإيجاب الثاني فلعلها كانت "بل" وقوله "رجال" خبر مبتدأ محذوف تقديره هم رجال أي تلك المنازل منازل رجال آمنوا وقوله "وصدقوا المرسلين" أي حق تصديقهم وإلا لكان كل من آمن بالله وصدق رسله وصل إلى تلك الدرجة وليس كذلك وعند الترمذي "إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله قال هي لمن آلان الكلام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام" (إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة) قال النووي المراد بالسوق مجمع لهم

стр. 6001

يجتمعون فيه كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق ومعنى "يأتونها كل جمعة" أي في مقدار كل جمعة أي أسبوع وليس هناك حقيقة أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار والسوق يذكر ويؤنث وهو أفصح (فتهب ريح الشمال) قال صاحب العين الشمال والشمأل والشأملة بهمزة قبل الميم والشمل بفتح الميم من غير ألف والشمول بفتح الشين وضم الميم وهي التي تأتي من دبر القبلة قال القاضي وخص ريح الجنة بالشمال لأنها ريح المطر عند العرب كانت تهب من جهة الشام وبها يأتي سحاب المطر وكانوا يرجون السحابة الشامية وجاءت في الحديث تسمية هذه الريح "المثيرة" أي المحركة لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها (إن أول زمرة) الزمرة الجماعة (لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان) قال النووي هكذا في الروايات بالثاء وهي لغة متكررة في الأحاديث وكلام العرب والأشهر حذف التاء وبه جاء القرآن وأكثر الأحاديث "زوجان" والزوجتان من نساء الدنيا أما الحور العين فعدد كثير في الأحاديث قال الحافظ ابن حجر والذي يظهر أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان (يرى مخ سوقهما من وراء اللحم) والعظم وهو كناية عن الصفاء البالغ (وما في الجنة أعزب) بالألف وهي لغة والمشهور في اللغة عزب بغير ألف ونقل القاضي أن جميع رواتهم رووه "وما في الجنة عزب" بغير ألف إلا العذرى فرواه بالألف قال القاضي وليس بشيء والعزب من لا زوجة له والعزوب البعد وسمي عزبا لبعده عن النساء (ورشحهم المسك) أي عرقهم المسك (ومجامرهم الألوة) بفتح الهمزة وضم اللام أي العود الهندي الذي يبخر به قيل جعلت مجامرهم نفس العود وقيل في الكلام مضاف محذوف أي وقود مجامرهم والمجامر جمع مجمرة وهي المبخرة سميت مجمرة لأنها يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها من البخور وليس في الجنة نار وإنما سميت مجمرة باعتبار ما كان والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا ينعمون به في الدنيا (أخلاقهم على خلق رجل واحد) قال النووي يرويه ابن أبي شيبة بضم الخاء واللام ويرويه أبو كريب بفتح الخاء وإسكان اللام وكلاهما صحيح وقد اختلف فيه رواة البخاري ويرجح الضم بقوله في الرواية الثامنة عشرة "لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا" وقد يرجح الفتح بقوله ﷺ "على صورة أبيهم آدم أو على طوله" (قالوا فما بال الطعام قال جشاء ورشح كرشح المسك) الجشاء بضم الجيم تنفس المعدة وقيل صوت مع ريح يخرج من الفم عند الشبع

стр. 6002

(من يدخل الجنة ينعم لا يبأس) "ينعم" بفتح الياء وسكون النون وفتح العين أي يدوم ويتجدد نعيمه والبأس والبؤس والبأساء والبؤساء بمعنى وهو شدة الحال (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة) قال النووي هكذا هو في عامة النسخ "مجوفة" بالفاء قال القاضي وفي رواية السمرقندي "مجوبة" بالباء وهي المثقوبة وهي بمعنى المجوفة وأما الخيمة فبيت مربع من بيوت الأعراب معروف (طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا) في الرواية الرابعة والعشرين "في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة" أي لكل مؤمن "عرضها ستون ميلا" فهي مربعة "في كل زاوية منها" أي في كل جانب وناحية منها "أهل" أي أزواج للمؤمن "ما يرون الأخرين يطوف عليهم المؤمن" وفي الرواية الخامسة والعشرين "طولها في السماء" أي ارتفاعها "ستون ميلا" فهي مكعبة طولها يساوي عرضها وعرضها يساوي ارتفاعها (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة) قال النووي اعلم أن سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون فأما سيحان وجيحان المذكوران في هذا الحديث اللذان هما من أنهار الجنة في بلاد الأرمن فسيحان نهر المصيصة وجيحان نهر إذنه وهما نهران عظيمان جدا أكبرهما جيحان هذا هو الصواب في موضعهما وأما قول الجوهري في صحاحه جيحان نهر بالشام فغلط أو أنه أراد المجاز من حيث إنه ببلاد الأرمن وهي مجاورة للشام قال الحازمي سيحان نهر عند المصيصة قال وهو غير سيحون وقال صاحب نهاية الغريب سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس واتفقوا كلهم على أن جيحون بالواو نهر وراء خراسان عند بلخ واتفقوا على أنه غير جيحان وكذلك سيحون غير سيحان وأما قول القاضي عياض هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام فالنيل بمصر والفرات بالعراق وسيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون ببلاد خراسان ففي كلامه إنكار من أوجه أحدها قوله الفرات بالعراق وليس بالعراق بل هو فاصل بين الشام والجزيرة والثاني قوله سيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون فجعل الأسماء مترادفة وليس كذلك بل سيحان غير سيحون وجيحان غير جيحون باتفاق الناس كما سبق الثالث أنه ببلاد خراسان وأما سيحان وجيحان فهما ببلاد الأرمن بقرب الشام والله أعلم وأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة ففيه تأويلان ذكرهما القاضي عياض أحدهما أن الإيمان عم بلادها أو الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة والثاني وهو الأصح أنها على ظاهرها وأن له مادة من الجنة والجنة مخلوقة موجودة اليوم عند أهل السنة وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان في حديث الإسراء أن الفرات والنيل يخرجان من الجنة وفي البخاري "من أصل سدرة المنتهى"

стр. 6003

وعندي أن كلا من القولين بعيد والأولى أن يكون ذلك تعبيرا عن مستقبل وأن هذه الأنهار وغيرها من أنهار الدنيا المعتز بها ستكون في الجنة مع التغاير في الصفات كما في بقية نعيم الجنة والله أعلم (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) قيل مثلها في رقتها وضعفها كما في حديث "أهل اليمن أرق قلوبا وأضعف أفئدة" وقيل في الخوف والهيبة والطير أكثر الحيوان خوفا وفزعا وكأن المراد قوم غلب عليهم الخوف كما جاء عن جماعات من السلف في شدة خوفهم وقيل المراد متوكلون كالطير (خلق الله آدم على صورته) سبق شرح هذا الحديث قريبا والله أعلم -[فقه الحديث]- قال النووي مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون ويشربون فيها يتنعمون بما ذكر وبغيره من ملاذ وأنواع نعيمها تنعما دائما لا آخر له ولا انقطاع أبدا وأن تنعمهم بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا يشارك نعيم الدنيا فيها إلا في التسمية وأصل الهيئة وإلا في أنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبصقون وقد دلت دلائل القرآن والسنة في هذه الأحاديث أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له أبدا اهـ وفي هذه الأحاديث أن نعيم الجنة فوق الخيال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كخيمة الدر واللؤلؤ وحجمها وأطوال البشر والزوجات والحور العين ورشح المسك وقد أخرج البخاري غير أحاديثنا أحاديث كثيرة كحديث منديل سعد وأبواب الجنة والمرأة التي تتوضأ بجوار القصر وأخرج الإمام أحمد في صفة أدنى أهل الجنة منزلة "أن له من الحور العين اثنين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا" وأخرج الترمذي "إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم وثنتان وسبعون زوجة" وظاهر الرواية الخامسة عشرة والثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين والخامسة والعشرين أن النساء في الجنة أكثر من الرجال لكن يعارضه الحديث الصحيح "رأيتكن أكثر أهل النار" وأجيب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة فيخرج على أن النساء أكثر ولد آدم لكن يشكل عليه قوله ﷺ في الحديث الآخر "اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنها النساء" قال المحققون يحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه أن يكن أقل ساكني الجنة وليس ذلك بلازم قال الحافظ ابن حجر ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة اهـ وهذا الاحتمال لا يدفع الإيراد فالنساء كذلك يخرجن من النار بالشفاعة وغيرها ولا ضير في أكثرية النساء في الجنة والله أعلم.

стр. 6004

(٧٨١) باب جهنم أعاذنا الله منها وصفتها وأهلها ٦٢٢٧ - عن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". ٦٢٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم" قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها" ٦٢٢٩ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثل حديث أبي الزناد غير أنه قال "كلهن مثل حرها" ٦٢٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم قال "هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها" ٦٢٣١ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ بهذا الإسناد وقال "هذا وقع في أسفلها فسمعتم وجبتها" ٦٢٣٢ - عن سمرة ﵁ أنه سمع نبي الله ﷺ "يقول إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه إلى عنقه" ٦٢٣٣ - عن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال "منهم من تأخذه النار إلى

стр. 6005

كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته" ٦٢٣٤ - وفي رواية عن سعيد بهذا الإسناد وجعل مكان حجزته حقويه. ٦٢٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء (وربما قال أصيب بك من أشاء) وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها" ٦٢٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم فقال الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكم ملؤها فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض" ٦٢٣٧ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "احتجت الجنة والنار" واقتص الحديث بمعنى حديث أبي الزناد ٦٢٣٨ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم قال الله للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله تقول قط قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا"

стр. 6006

٦٢٣٩ - وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "احتجت الجنة والنار" فذكر نحو حديث أبي هريرة إلى قوله "ولكليكما علي ملؤها" ولم يذكر ما بعده من الزيادة ٦٢٤٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول قط قط وعزتك ويزوى بعضها إلى بعض" ٦٢٤١ - عن عبد الوهاب بن عطاء في قوله ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ فأخبرنا عن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة" ٦٢٤٢ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال "يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى ثم ينشئ الله تعالى لها خلقا مما يشاء" ٦٢٤٣ - عن أبي سعيد ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح (زاد أبو كريب) فيوقف بين الجنة والنار (واتفقا في باقي الحديث) فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت قال ويقال يا أهل النار هل تعرفون هذا قال فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت قال فيؤمر به فيذبح قال ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت" قال ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ وأشار بيده إلى الدنيا

стр. 6007

٦٢٤٤ - وفي رواية عن أبي سعيد ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قيل يا أهل الجنة" ثم ذكر بمعنى حديث أبي معاوية غير أنه قال "فذلك قوله " ولم يقل ثم قرأ رسول الله ﷺ ولم يذكر أيضا وأشار بيده إلى الدنيا. ٦٢٤٥ - عن عبد الله ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال "يدخل الله أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" ٦٢٤٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم" ٦٢٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث" ٦٢٤٨ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال "ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع" ولم يذكر الوكيعي "في النار" ٦٢٤٩ - عن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال "ألا أخبركم بأهل الجنة" قالوا بلى قال ﷺ "كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره" ثم قال "ألا أخبركم بأهل النار" قالوا بلى قال كل عتل جواظ مستكبر".

стр. 6008

٦٢٥٠ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد بمثله غير أنه قال "ألا أدلكم". ٦٢٥١ - عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل جواظ زنيم متكبر". ٦٢٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" ٦٢٥٣ - عن عبد الله بن زمعة ﵁ قال خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال ﴿إذ انبعث أشقاها﴾ انبعث بها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة" ثم ذكر النساء فوعظ فيهن ثم قال "إلام يجلد أحدكم امرأته" في رواية أبي بكر "جلد الأمة" وفي رواية أبي كريب "جلد العبد ولعله يضاجعها من آخر يومه" ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال "إلام يضحك أحدكم مما يفعل" ٦٢٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار" ٦٢٥٥ - عن ابن شهاب قال سمعت سعيد بن المسيب يقول إن البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس وأما السائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء وقال ابن المسيب قال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السيوب"

стр. 6009

٦٢٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" ٦٢٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله" ٦٢٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن طالت بك مدة أوشكت أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر" -[المعنى العام]- ذكر البخاري أحاديث أخرى في وصف النار ووصف أهلها منها حديث "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة من النار يغلي منها دماغه" وحديث "آخر أهل النار خروجا منها" و"آخر أهل الجنة دخولا" وحديث الكلاليب على جسر جهنم والمقصود من ذكر هذه الأحاديث ترقيق القلوب والترغيب في وسائل دخول الجنة والتنفير من أسباب دخول النار والمؤمن الكيس هو الذي يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ولو يؤاخذ الله الناس بذنوبهم ما ترك على ظهرها من دابة وعذابه العدل يصيب به من يشاء ورحمته وسعت كل شيء وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ﴿فأما من طغى وءاثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات ٣٧ - ٤١]

стр. 6010

رحمنا الله وغفر لنا وأدخلنا الجنة بفضله ورضوانه وأعاذنا من النار ومن عذاب النار ومن كل عمل يقربنا إلى النار إنه رءوف رحيم -[المباحث العربية]- (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) الزمام الحبل الذي تشد به الدابة وتقاد "ويومئذ" أي يوم القيامة والعدد المذكور مراد به التكثير وهذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال رفعه وهم رواه موقوفا الثوري ومروان وغيرهما عن العلاء بن خالد قال النووي وحفص ثقة حافظ إمام وزاد رفعه وزيادة الثقة مقبولة كما نقل عن الأكثرين (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم) عائد الصلة مفعول "يوقد" محذوف أي يوقدها (جزء من سبعين جزءا من حر جهنم) أثر النار ليس في شكلها ولا في جرمها وإنما في حرارتها لهذا كانت الأجزاء في حرها والمقصود من هذا العدد التكثير والمبالغة في حر جهنم (والله إن كانت لكافية) "إن" مخففة من الثقيلة واللام في خبرها فارقة بينها وبين النافية والأصل لو كانت مثل نارنا إنها لكافية في الحرق والتخويف (فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها) أي فإن نار جهنم زادت على ناركم تسعة وستين مثلا وفي ملحق الرواية "كلهن" بدل "كلها" (إذ سمع وجبة) بفتح الواو وسكون الجيم وهي صوت سقطة أي سمع وسمعنا صوت جسم صلب يقع ويصطدم بجسم صلب آخر ولا نرى حجرا ولا جرما (هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار حتى انتهى إلى قعرها) وفي ملحق الرواية "هذا أي حجر وقع في أسفلها فسمعتم وجبتها" قال النووي هكذا هو في النسخ وهو صحيح فيه محذوف دل عليه الكلام أي هذا حجر وقع اهـ والخريف يعبر به عن العام لأنه يحدث مرة واحدة في السنة وعندي أن رسول الله ﷺ حين سمع صوت حجر لا يعرف مصدره أراد أن يشبه به حجرا يرمى في جهنم يستمر هابطا فيها مدة تعدل سبعين سنة من سنى الدنيا لعمقها وبعد قعرها فكأنه يقول هذا الحجر المجهول المصدر والورود بشبهه حجر يرمي به في جهنم فلا يصل قعرها إلا بعد سبعين سنة وهو عمق معقول إذا قارناه بالسنوات الضوئية بين الأجرام السماوية وفي الكلام على هذا تعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق الوقوع

стр. 6011

(إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه إلى عنقه) وفي الرواية الخامسة "ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته" وفي ملحقها "ومنهم من تأخذه النار إلى حقويه" والحجزة بضم الحاء وسكون الجيم معقد الإزار والسراويل من وسط الإنسان والترقوة بفتح التاء وضم القاف هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق والحقو بفتح الحاء وكسرها مع سكون القاف معقد الإزار كالحجزة والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه والمراد من "منهم" أهل النار من الكافرين وقد جاء في الصحيح "إن أهون أهل النار عذابا رجل يضع أخمصتاه على جمرتين من النار يغلي منهما دماغه" فالأصناف المذكورة في أحاديثنا ليست للحصر (احتجت النار والجنة) أي شكت كل منهما إلى ربها وأقامت حجتها وفي الرواية الثامنة "تحاجت الجنة والنار" أي تجادلت كل منهما وأقامت كل منهما حجتها (فقالت هذه) في الكلام لف ونشر مرتب والإشارة الأولى للنار وفي الرواية الثامنة "فقالت النار" (يدخلني الجبارون والمتكبرون) فأنا صاحبة الحظوة والتقدم وفي الرواية السابعة والثامنة "أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين" (وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين) وفي الرواية السابعة والثامنة "قالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم" وفي الرواية الثامنة "وغرثهم" قال النووي أما "سقطهم" فبفتح السين والقاف أي ضعفاؤهم والمحتقرون منهم وأما "عجزهم" فبفتح العين والجيم جمع عاجز أي العاجزون عن طلب الدنيا العاجزون عن التمكن فيها وعن الثراء والشوكة وأما رواية "لا يدخلني إلا ضعاف الناس وغرثهم" فروي على ثلاثة أوجه حكاها القاضي وهي موجودة في النسخ إحداها "غرثهم" بغين مفتوحة وراء ساكنة بعدها ثاء ومعناها أهل الحاجة والفاقة والجوع والغرث الجوع الثاني "عجزتهم" بعين وجيم وزاي جمع عاجز الثالث "غرتهم" بغين مكسورة وراء مشددة مفتوحة وهكذا هو الأشهر في نسخ بلادنا أي البله الغافلون الذين ليس بهم فتك وحذق في أمور الدنيا وهو نحو الحديث الآخر "أكثر أهل الجنة البله" قال القاضي ٣٢٣ معناه سواد الناس وعامتهم من أهل الإيمان الذين لا يفطنون للسنة فتدخل عليهم الفتنة أو تدخلهم في البدعة أو غيرها فهم ثابتو الإيمان وصحيحو العقائد وهم أكثر المؤمنين وهم أكثر أهل الجنة وأما العارفون والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون وهم أصحاب الدرجات قال وقيل معنى الضعفاء هنا وفي الحديث الآخر "أهل الجنة كل ضعيف متضعف" أنه الخاضع لله المذل نفسه لله ضد المتجبر المستكبر قال النووي وهذه المحاجة على

стр. 6012

ظاهرها وأن الله تعالى جعل في النار والجنة تمييزا تدركان به فتحاجتا ولا يلزم من هذا أن يكون ذلك التمييز فيهما دائما اهـ ويحتمل أن تكون هذه المحاجة بلسان الحال وليس بلسان المقال (ولكل واحدة منكما ملؤها) فلا فضل لإحداكما على الأخرى وفي ملحق الرواية الثامنة "ولكليكما علي ملؤها" (فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض) وفي الرواية التاسعة "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول قط قط وعزتك ويزوى بعضها إلى بعض" وفي الرواية العاشرة "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك" قال ابن هشام في مغني اللبيب "قط" على ثلاثة أوجه أحدها أن تكون ظرف زمان لاستغراق ما مضى وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات وتختص بالنفي يقال ما فعلته قط والعامة يقولون لا أفعله قط وهو لحن وهذه لا تصلح في حديثنا الثاني أن تكون بمعنى حسب وهذه مفتوحة القاف ساكنة الطاء يقال قطى كما يقال حسبي وهي مبنية على السكون وتصلح في حديثنا الثالث اسم فعل بمعنى يكفي فيقال قطني (وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا) وفي الرواية العاشرة "ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة" وفي الرواية الحادية عشرة "يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى ثم ينشئ الله تعالى لها خلقا مما يشاء" (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار) في ملحق الرواية "إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار" وفي الرواية الرابعة عشرة "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار" وفي رواية للبخاري "يؤتي بالموت كهيئة كبش أملح" وعند الترمذي "فيوقف على السور الذي بين الجنة والنار" قال المازري الموت عند أهل السنة عرض يضاد الحياة وقال بعض المعتزلة ليس بعرض بل معناه عدم الحياة قال وهذا خطأ لقوله تعالى ﴿خلق الموت والحياة﴾ [الملك ٢] فأثبت الموت مخلوقا وعلى المذهبين ليس الموت بجسم في صورة كبش أو غيره فيتأول الحديث على أن الله تعالى يخلق هذا الجسم ثم يذبح مثالا على أن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة اهـ وقال القرطبي الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله كبشا ... إلخ وقال بعضهم لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجساما كما ثبت في صحيح مسلم "أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان" وذكر مقاتل والكلبي في تفسير قوله تعالى ﴿الذي خلق الموت

стр. 6013

والحياة﴾ قال خلق الموت في صورة كبش لا يمر على أحد إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس لا يمر على شيء إلا حيي اهـ والقول قول المازري والكبش الأملح هو الأبيض فيه سواد قال القرطبي والحكمة في الإتيان بالموت في هذه الصورة الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء كما فدى ولد إبراهيم بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة والنار اهـ (فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون فيقولون نعم هذا الموت ... ) "يشرئبون" بالهمزة أي يرفعون رءوسهم إلى المنادي ويمدون أعناقهم للنظر قال القرطبي يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا الموت اهـ وفي رواية "فيقولون نعم وكلهم قد رآه وعرفه" والقائل يا أهل الجنة هل تعرفون هذا هو المنادي الذي سيقول لهم بعد الذبح خلود فلا موت (قال فيؤمر به فيذبح قال ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت) في الرواية الثالثة عشرة "ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" وفي الرواية الرابعة عشرة "ثم يذبح ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم" وعند الترمذي "فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار" وعند ابن ماجه وابن حبان "فيوقف على الصراط فيقال يا أهل الجنة فيطلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ثم يقال يا أهل النار فيطلعون فرحين مستبشرين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ثم يقال للفريقين كلاهما خلود فيما تجدون لا موت فيه أبدا" (ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث) وفي ملحق الرواية الخامسة عشر وعند البخاري "ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع" وعند الحسن بن سفيان في مسنده "خمسة أيام" وعند أحمد في حديث ابن عمر "يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" وللبيهقي في البعث "مسيرة سبعين خريفا" ولابن المبارك في الزهد عن أبي هريرة "ضرس الكافر يوم القيامة أعظم من أحد يعظمون لتمتلئ منهم وليذوقوا العذاب" وعند البزار "غلظ جلد الكافر وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا" وعند البيهقي "وفخذه مثل ورقان" بفتح الواو وسكون الراء جبل معروف بالحجاز وعند الترمذي "ومقعده مثل ما بين مكة والمدينة" وعند الترمذي "إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس" قال الحافظ ابن حجر قال القرطبي كأن اختلاف هذه المقادير محمول على اختلاف تعذيب الكفار في النار ولا شك أن الكفار متفاوتون في العذاب كما علم من الكتاب والسنة ونحن نعلم بالقطع أن عذاب من قتل الأنبياء وفتك بالمسلمين وأفسد في

стр. 6014

الأرض ليس مساويا لعذاب من كفر فقط وأحسن معاملة المسلمين مثلا وقال إنما عظمت خلقة الكافر في النار ليعظم عذابه ويضاعف ألمه وهذا إنما هو في حق البعض دون البعض اهـ والذي أستريح إليه أن هذه الأساليب تعبيرات عن التهويل والتفخيم للعذاب نفسه لا للجسم المعذب إذ استقر في نفوسنا أن كمية العذاب المحدودة لو وزعت على جسم كبير خفت وضعف الألم ولو ضغطت في جسم صغير اشتدت وزاد الألم فرفع هذا الفهم على معنى أن زيادة العذاب متناسبة ومطردة مع زيادة الأجسام أخذا من مقام تهويل العذاب وسواء قلنا إن جسم الكافر يصل من الضخامة هذا القدر حقيقة أو مجازا أو قلنا إن هذه الضخامة تكون في نظر الرائي كمن ينظر من عدسة مكبرة فالمقصود تهويل عذاب الكافر وتفخيمه والله أعلم (ألا أخبركم بأهل الجنة) أي بطابعهم وأكثرهم وغالب صفاتهم فليس أهل الجنة كلهم بهذا الوصف (كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره) خبر مبتدأ محذوف أي أهل الجنة كل ضعيف ... إلخ أي غالبا وفي الرواية الثامنة عشرة "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" قال النووي ضبطوا قوله "متضعف" بفتح العين وكسرها والمشهور الفتح ولم يذكر الأكثرون غيره ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا يقال تضعفه واستضعفه وأما رواية الكسر فمعناها متواضع متذلل خامل واضع من نفسه قال القاضي وقد يكون الضعف هنا رقة القلب ولينه وإخباته قال والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء كما أن معظم أهل النار القسم الآخر وليس المراد الاستيعاب في الطرفين ومعنى "الأشعث" متلبد الشعر مغبره الذي لا يدهنه ولا يكثر غسله ومعنى "مدفوع بالأبواب" أنه لا يؤذن له بل يحجب ويطرد لحقارته عند الناس ومعنى "لو أقسم على الله لأبره" أي لو حلف يمينا طمعا في كرم الله تعالى بإبراره لأبره وقيل لو دعاه لأجابه يقال أبررت قسمه وبررته والأول هو المشهور (كل عتل جواظ مستكبر) "العتل" بضم العين والتاء هو الجافي الشديد الخصومة بالباطل وأما "الجواظ" بفتح الجيم وتشديد الواو فهو الجموع المنوع وقيل كثير اللحم المختال في مشيته وقيل القصير البطين وأما "المستكبر" والمتكبر فهو صاحب الكبر وهو بطر الحق وغمط الناس وفي الرواية السابعة عشرة "كل جواظ زنيم متكبر" والزنيم الدعي في النسب الملصق بالقوم وليس منهم شبه بزنمة الشاة (انبعث بها رجل عزيز عارم) بفتح العين الممدودة وكسر الراء بعدها ميم وهو الشرير المفسد الخبيث وقيل القوي الشرس يقال عرم بضم الراء وفتحها وكسرها عرامة بفتح العين وعراما بضمها فهو عارم وعرم

стр. 6015

(إلام يجلد أحدكم امرأته جلد الأمة أو جلد العبد ولعله يضاجعها من آخر يومه) الاستفهام إنكاري توبيخي أي لا ينبغي أن يجلد أحدكم زوجته (إلام يضحك أحدكم مما يفعل) "مما يفعل" بفتح الياء أي مما يفعله هو كثيرا وهو من الأمور العادية التي لا تثير الضحك وضحكه يحرج من وقعت منه وقد يكون مضطرا لها لا ينبغي أن تضحكوا لما وقع من أخيكم بل ينبغي أن تتغافلوا عنه وعما وقع منه ووجه إيراد هذا الحديث في هذا الباب أن ما فيه أمور قد يستهان بها وهي عند الله عظيمة مستوجبة لنار جهنم (رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب هؤلاء) وفي الرواية الواحدة والعشرين "إن البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس وأما السائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء قال ﷺ رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السيوب" قال النووي أما "قمعة" فضبطوه على أربعة أوجه أشهرها بكسر القاف وفتح الميم المشددة والثاني كسر القاف والميم المشددة والثالث فتح القاف مع إسكان الميم والرابع فتح القاف وفتح الميم مخففة وأما "خندف" فبكسر الخاء والدال هذا هو الأشهر وحكى القاضي في المشارق فيه وجهين أحدهما هذا والثاني كسر الخاء وفتح الدال وهي اسم القبيلة فلا تنصرف واسمها ليلى بنت عمران بن الجاف بن قضاعة وقوله "أبا بني كعب" ضبطناه "أبا" بالباء وكذا هو في كثير من نسخ بلادنا وفي بعضها "أخا" بالخاء وأما "لحي" فبضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء وأما "قصبه" فبضم القاف وإسكان الصاد قال الأكثرون يعني أمعاءه وقال أبو عبيد الأمعاء واحدها قصب قال وأما قوله "عمرو بن عامر" فالمعروف في نسب ابن خزاعة عمرو بن لحي بن قمعة كما في الرواية الأولى وهو قمعة بن إلياس بن مضر وإنما "عامر" عم أبيه أبي قمعة وهو مدركة بن إلياس فالمعنى أن عمرو بن لحي من أهل النار يجر أمعاءه من خلفه في النار لأنه أول من ابتدع أن الناقة يتركها أهلها لآلهتهم وأصنامهم فلا يحملون عليها ولا يفيدون منها وقد رد القرآن الكريم هذا الشرك بقوله ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾ [المائدة ١٠٣] (صنفان من أهل النار لم أرهما) أي في الدنيا وسيكونان في العصور المتأخرة (قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) فسرهم بعض الشراح بشرطة الحاكم الظالم وفي الرواية الثالثة والعشرين يقول ﷺ لأبي هريرة "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله" أي يتحركون ذهابا وإيابا فيما يغضب الله من إيذائهم للناس وفي الرواية الرابعة والعشرين "إن طالت بك مدة أوشكت أن ترى قوما يغدون في سخط الله

стр. 6016

ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر" والمقصود من مثل أذناب البقر السياط وما في معناها من العصى والخناجر والمدافع والبنادق وغيرها (ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) "كذا وكذا" كناية عن المسافة الطويلة متعددة الأميال قال النووي أما "الكاسيات" ففيه أوجه أحدها معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها والثاني كاسيات من الثياب عاريات من فعل الخير والثالث كاسيات ببعض الثياب كاشفات بعض أجسادهن إظهارا لجمالها والرابع تلبس ثيابا رقاقا تبين عما تحتها من جسدها قال وأما "مائلات مميلات" فقيل زائغات عن طاعة الله تعالى غير حافظات لفروجهن فهن مائلات عن طاعة الله مميلات يعلمن غيرهن مثل فعلهن وقيل مائلات متبخترات في مشيتهن مميلات أكتافهن وقيل مائلات يتمشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا المعروفة لهن مميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة وقيل مائلات إلى الرجال مميلات لهم بما يبدين من زينتهن قال وأما "رءوسهن كأسنمة البخت" فمعناه يعظمن رءوسهن بالخمر والعمائم وغيرها مما يلف على الرأس [ومثلها الباروكة] حتى تشبه أسنمة الإبل ويجوز أن يكون معناه يطمحن إلى الرجال ولا يغضضن عنهم ولا ينكسن رءوسهن تبجحا وجرأة وفجورا واختار القاضي أن المائلات اللائي يمشطن المشطة الميلاء قال وهي ضفر الغدائر وشدها إلى فوق وجمعها في وسط الرأس فتصير كأسنمة البخت قال وهذا يدل على أن المراد بالتشبيه بأسنمة البخت إنما هو لارتفاع الغدائر فوق رءوسهن وتكثيرها بما يضفرن مع شعورهن حتى تميل إلى ناحية من جوانب الرأس كما يميل السنام -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من هذه الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى هول منظر جهنم ٢ - ومن الرواية الثانية هول نارها وشدتها ٣ - ومن الرواية الثالثة عمق قاعها وقعرها ٤ - ومن الرواية الرابعة والخامسة دركاتها ومناطق نفوذها في أجسام البشر ٥ - ومن الرواية السادسة أصناف أهلها وما كانوا عليه في دنياهم وكذا الجنة ٦ - وفيها فضل الفقر والتواضع

стр. 6017

٧ - ومقت التجبر والكبر والغلظة ٨ - وأن الظلم مستحيل على الله ٩ - وكلام الله لمخلوقاته وكلامها له جل شأنه ١٠ - ومن الرواية الثامنة أن كلا من الجنة والنار ستملأ بالخلق يوم القيامة ١١ - وأن النار مع اتساعها ومع تقبلها للمزيد ستمتلئ عن طريق انزواء بعضها لبعض بأمر الله وعن طريق ضخامة الأجسام التي ستدخلها ١٢ - وأن الجنة مع اتساعها ستملأ عن طريق خلق جديد يخلقه الله تعالى لها ١٣ - ومن الرواية الثانية عشرة قدرة الله تعالى وتجسيدها المعنويات ١٤ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قال القرطبي في هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها لا إلى غاية أمد وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة كما قال تعالى ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ [فاطر ٣٦] وكما قال ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة ٢٠] قال فمن زعم أنهم يخرجون منها وأنها تبقى خالية أو أنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول ﷺ وأجمع عليه أهل السنة اهـ ونقل الحافظ ابن حجر جمع بعض المتأخرين في هذه المسألة سبعة أقوال أحدها هذا الذي قاله القرطبي ونقل فيه الإجماع والثاني يعذبون فيها إلى أن تنقلب طبيعتهم فتصير نارية حتى يتلذذوا بها لموافقتها طبعهم وهذا قول بعض من ينسب إلى التصوف من الزنادقة والثالث يدخلها قوم ويخلفهم آخرون كما ثبت في الصحيح عن اليهود وقد أكذبهم الله تعالى بقوله ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة ١٦٧] والرابع يخرجون منها وتستمر على حالها الخامس تفنى لأنها حادثة وكل حادث يفنى وهو قول الجهمية والسادس تفنى حركاتهم البتة وهو قول أبي الهذيل العلاف من المعتزلة السابع يزول عذابها ويخرج أهلها منها جاء ذلك عن بعض الصحابة وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول قال الحافظ ابن حجر وهو مذهب رديء ١٥ - ومن الرواية التاسعة عشرة النهي عن ضرب النساء لغير ضرورة التأديب ١٦ - والنهي عن الضحك من الضرطة ونحوها ١٧ - وحسن الأدب والمعاشرة ١٨ - ومن الرواية المتممة للعشرين عقوبة من سن سنة سيئة ١٩ - ومن الرواية الثانية والعشرين وما بعدها عقوبة التسلط وإيذاء الناس ٢٠ - وعقوبة التبرج وزيادة إغواء النساء للرجال والله أعلم.

стр. 6018

(٧٨٢) باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ٦٢٥٩ - عن مستورد ﵁ أخي بني فهر قال قال رسول الله ﷺ "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه وأشار يحيى بالسبابة في اليم فلينظر بم ترجع" وفي حديثهم جميعا غير يحيى سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك وفي حديث أبي أسامة عن المستورد بن شداد أخي بني فهر وفي حديثه أيضا قال وأشار إسمعيل بالإبهام. ٦٢٦٠ - عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا" قلت يا رسول الله النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض قال ﷺ "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض". ٦٢٦١ - وفي رواية عن ابن عباس ﵄ سمع النبي ﷺ يخطب وهو يقول "إنكم ملاقو الله مشاة حفاة عراة غرلا" ولم يذكر زهير في حديثه يخطب. ٦٢٦٢ - عن ابن عباس ﵄ قال قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا بموعظة فقال "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾ ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وكنت

стр. 6019

عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ قال فيقال لي إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" وفي حديث وكيع ومعاذ "فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". ٦٢٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا". ٦٢٦٤ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ قال "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" وفي رواية ابن المثنى قال "يقوم الناس" لم يذكر يوم. ٦٢٦٥ - وفي حديث موسى بن عقبة وصالح "حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" ٦٢٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم" يشك ثور أيهما قال.

стр. 6020

٦٢٦٧ - عن المقداد بن الأسود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل" قال سليم بن عامر فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين قال "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما" قال وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه -[المعنى العام]- ﴿الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة﴾ [الحاقة ١ - ٣] يوم القيامة وما أدراك ما يوم القيامة أهوال وأهوال تحدث عنها القرآن في كثير من الآيات إنه مراحل ومواطن تبدأ بأشراط الساعة الكبرى وينتهي بدخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وأحاديثنا واضحة المعاني ظاهرة الأهداف ونحن نسوق بعض الآيات القرآنية التي تتناول جوانب أخرى من أهوال هذا اليوم المرعب يقول الله تعالى ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار﴾ [يونس ٤٥] ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ [هود ١٠٣] ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ [الإسراء ٩٧] ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة﴾ [الكهف ٤٧ - ٤٨] ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ [الحج ١ - ٢] ﴿وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين﴾ [غافر ١٨] ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان ١٠] ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير﴾ [ق ٤٢ - ٤٤] ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ [المعارج ٤٣ - ٤٤] يوم تدنو الشمس من الرءوس ويتصبب منهم العرق ويتمنون الانصراف ولو إلى النار يوم يلجئون إلى الرسل ﵈ يستشفعون بهم فيقول كل منهم نفسي نفسي في هذا اليوم يظل الله سبعة في ظله يوم لا ظل إلا ظله ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧] ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ [الشعراء ٨٨ - ٨٩]

стр. 6021

-[المباحث العربية]- (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه [وأشار بالسبابة في اليم فلينظر بم ترجع) وفي رواية "وأشار بالإبهام" قال النووي هكذا هو في نسخ بلادنا "بالإبهام" وهي الأصبع العظمى المعروفة كذا نقله القاضي عن جميع الرواة إلا السمرقندي فرواه "البهام" قال وهو تصحيف قال القاضي ورواية السبابة أظهر من رواية الإبهام وأشبه بالتمثيل لأن العادة الإشارة بها لا بالإبهام ويحتمل أنه أشار بهذه مرة وبهذه مرة واليم البحر وقوله "بم يرجع" ضبطوا "ترجع" بالمثناه فوق وبالمثناه تحت والأول أشهر ومن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى "أحدكم" ومن رواه بالمثناة فوق أعاد الضمير على الإصبع وهو الأظهر ومعناه لا يعلق بها كثير شيء من الماء قال ومعنى الحديث ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها وفناء لذتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر اهـ وهذا واضح بالنسبة لنعيم الدنيا ونعيم الجنة للمؤمنين أما بالنسبة للكافرين كما هي لعموم الناس فالنسبة في الزمن والمدة فالدنيا بالنسبة للآخرة كأن لم يلبثوا إلا ساعة لحظة من نهار (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا) قال القرطبي الحشر الجمع وهو أربعة حشران في الدنيا وحشران في الآخرة فاللذان في الدنيا أحدهما المذكور في قوله تعالى ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ [الحشر ٢] والثاني المذكور في أشراط الساعة الذي أخرجه مسلم من حديث حذيفة رفعه "إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ... " فذكره وفي حديث ابن عمر عند أحمد مرفوعا "تخرج نار قبل يوم القيامة من حضرموت فتسوق الناس ... " وفي لفظ "ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس إلى المحشر" وفي حديث أنس "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" وعند الحاكم "تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا ويكون لها ما سقط منهم وتخلف تسوقهم سوق الجمل الكسير" وكل حديث من هذه الأحاديث تصور مرحلة من مراحل هذا الحشر ومنظرا من مناظره بالصورة الحقيقية تارة وبصورة الكناية تارة أخرى قال الحافظ ابن حجر ويحتمل أن تكون النار في هذا الحشر كناية عن الفتن التي تنتشر فتثير الشر العظيم اهـ وحمل النووي روايتنا الخامسة على هذا الحشر فقال عنها وهذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة وقبل النفخ في الصور بدليل قوله ﷺ "وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا" وهذا آخر أشراط الساعة اهـ

стр. 6022

ثم قال القرطبي وأما الحشران اللذان في الآخرة فأولهما حشر الأموات من قبورهم جميعا بعد البعث إلى الموقف قال تعالى ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾ [الكهف ٤٧] وثانيهما حشرهم إلى الجنة أو النار اهـ وحديثنا "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا" يتحدث عن الحشر الأول من حشرى الأخرة وهو الجمع بعد البعث والسوق إلى أرض المحشر و"حفاة" أي بدون نعال و"عراة" لا ثياب تسترهم و"غرلا" بضم الغين وسكون الراء أي غير مختونين جمع أغرل وهو الذي لم يختتن وبقيت معه غرلته وهي قلفته وهي الجلدة التي تقطع في الختان والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء (النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض) عقبت عائشة على "عراة" واستنكرت الوضع بما جبلت عليه من الحياء والتحرز من رؤية العورات فعند ابن أبي شيبة "قلت يا رسول الله فما نستحي" وعند النسائي "قلت يا رسول الله فكيف بالعورات" وعند الترمذي والحاكم "فقالت واسوأتاه" و"النساء" مرفوع نائب فاعل لمحذوف مأخوذ من الجملة الأولى وفي الكلام استفهام تعجبي أي أيحشر النساء والرجال جميعا وجملة "ينظر بعضهم إلى بعض" حالية وقد نفى رسول الله ﷺ في الجواب هذا القيد فقط مع ثبوت المقيد فقال (الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) وعند البخاري "الأمر أشد من أن يهمهم ذلك" وعند النسائي والحاكم ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ [عبس ٣٧] زاد الترمذي "لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض" (ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ سبق الكلام عنه (ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي ... ) سبق الكلام عنه (يحشر الناس على ثلاث طرائق) أي ثلاث فرق (راغبين راهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار ... ) هذه هي الفرق الثلاث فعلى ما ذهب إليه الخطابي وتبعه النووي من أن هذا عن الحشر في آخر زمان الدنيا تكون الفرقة الأولى هي من اغتنم الفرصة وسار على الفسحة من الظهر والزاد راغبا فيما يستقبله راهبا فيما يستدبره الصنف الثاني من توانى حتى قل الظهر وضاق بهم فاشتركوا وركبوا مترادفين إذا أطاق البعير ومتعاقبين في العدد الأكثر عن طاقة البعير ويشارك هؤلاء في فرقتهم المشاة الفارون القادرون الصنف الثالث المعبر عنه بقوله "وتحشر بقيتهم النار" فهم الذين عجزوا عن تحصيل ما يركبونه وعجزوا عن إنقاذ أنفسهم من الفتن فوقعوا فيها أما على ما ذهب إليه الغزالي ومال إليه الحليمي من أن هذا الحشر في الآخرة وعند الخروج

стр. 6023

من القبور وهو حشر الحفاة العراة الغرل فالفرقة الأولى "راغبين راهبين" يراد بها عوام المؤمنين وهم من خلط عملا صالحا وآخر سيئا فيترددون بين الخوف والرجاء وهؤلاء أصحاب الميمنة أما فرقة الركوب فهم السابقون وهم أفاضل المؤمنين يحشرون ركبانا وسكت عن الراكب وحده إشارة إلى من فوق المشتركين وهم الأنبياء أما الفرقة الثالثة فهم فرقة الكفار الذين يسحبون على وجوههم إلى النار ومال الحافظ ابن حجر إلى ترجيح رأي الخطابي ونقل الترجيح عن الطيبي (يقوم الناس لرب العالمين يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه) في الرواية السابعة "إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم" وفي الرواية الثامنة "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل قال الراوي ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين قال فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما" قال القاضي ويحتمل أن المراد عرق نفسه وغيره ويحتمل عرق نفسه خاصة وسبب كثرة العرق تراكم الأهوال ودنو الشمس من رءوسهم وزحمة بعضهم بعضا اهـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الذي يلجمه العرق هو الكافر أخرج البيهقي عنه بإسناد حسن قال "يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق قيل له فأين المؤمنون قال على الكراسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام" وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة في المصنف عن سلمان قال "تعطي الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل" زاد ابن المبارك "ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة" قال القرطبي أي ولا يضر مؤمنا كامل الإيمان وقال ابن أبي جمرة ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك ولكن دلت الأحاديث الأخرى أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر ويستثني الأنبياء والشهداء ومن شاء الله فأشدهم في العرق الكفار ثم أصحاب الكبائر ثم من بعدهم -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى تحقير مدة الدنيا بالنسبة إلى مدة الآخرة ٢ - ومن الرواية الثانية كيفية الحشر بعد البعث وأن الناس يحشرون حفاة عراة غرلا ٣ - وأن كرب يوم القيامة يحول بينهم وبين التكفير في رؤية عورة غيرهم

стр. 6024

٤ - ومناقشة التلميذ للشيخ ٥ - وصبر الشيخ وحلمه على التلميذ ٦ - وأن إبراهيم ﵇ أول من يكسى لأنه عري يوم ألقي في النار ٧ - وأن بعض الصحابة يذاد عن حوض الرسول ﷺ ٨ - وأن رسول الله ﷺ لا يعلم ما أحدث أصحابه بعده ٩ - ومن الرواية الخامسة اختلاف الناس في الحشر تبعا لأعمالهم ١٠ - ومن الرواية السادسة وما بعدها شدة الموقف العظيم على الناس ١١ - ودنو الشمس من الرءوس ١٢ - وأن عرق الناس سيختلف قدره على حسب أعمالهم ١٣ - وجوب الإيمان بكل ما جاء صحيحا عن اليوم الآخر قال الشيخ محمد بن أبي جمرة إن هذا لمما يبهر العقول ويدل على عظيم القدرة ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة وليس للعقل في ذلك مجال ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة وإنما يؤخذ بالقبول ويدخل تحت الإيمان بالغيب ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال ويبادر إلى التوبة من التبعات ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان وإدخاله دار الكرامة بمنه وكرمه والله أعلم.

стр. 6025

(٧٨٣) باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار وعرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ٦٢٦٨ - عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان وإن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة مثله وقاتل بمن أطاعك من عصاك قال وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال قال وأهل النار خمسة الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخل أو الكذب "والشنظير الفحاش" ولم يذكر أبو غسان في حديثه "وأنفق فسننفق عليك". ٦٢٦٩ - وفي رواية عن قتادة بهذا الإسناد ولم يذكر في حديثه "كل مال نحلته عبدا حلال".
следующие страницы →