← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

أربعين يوما يرد كل بلدة غير هاتين البلدتين مكة والمدينة حرمهما الله تعالى عليه" أي كيف يغطي هذه الأرض في أربعين يوما (قال كالغيث استدبرته الريح) أصله كالريح تثير السحاب فتنزله في مكان ثم تستدبره إلى مكان آخر (فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر) أي ترجع ماشيتهم من مرعاها أعلى أسناما وأضخم ضروعا وأكثر امتلاء لشحمها ولحمها فمعنى "تروح" ترجع آخر النهار والسارحة الماشية التي تسرح أي تذهب أول النهار للمرعى وأما الذري فبضم الذال وهي الأعالي والأسنمة جمع ذروة بضم الذال وكسرها ومعنى "وأسبغه ضروعا" فبالسين والغين أي أطوله وأعظمه انتفاخا لكثرة اللبن و"أمده خواصر" أي أضخم معدة ولحما وشحما من الشبع (ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم) أي فيكذبونه ولا يقبلون ادعاءه فيدعوا عليهم بالفقر وبالجدب وذهاب أموالهم فيصبحون كذلك وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه "وإن من فتنته أن يقول للأعرابي أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك فيقول نعم فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه يقولان له يا بني اتبعه فإنه ربك وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت ويمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت فتمطر وتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظم وأمده خواصر وأدره ضرعا" (ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) أي كذكور النحل وقال القاضي أي كجماعة النحل لا ذكورها خاصة لكنه كنى عن الجماعة باليعسوب وهو أميرها لأنه متى طار تبعته جماعته (ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف يقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك) "جزلتين" بفتح الجيم على المشهور وحكى كسرها أي قطعتين ومعنى "رمية الغرض" أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رميته هذا هو الظاهر المشهور وقيل في الكلام تقديم وتأخير وتقديره فيصيبه إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين قال النووي والصحيح الأول وفي الرواية الثانية عشرة "يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم

стр. 6092

أحييته أتشكون في الأمر أي في أمر أني إله فيقولون لا قال فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت فيك قط أشد بصيرتي مني الآن قال فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه" ويقال إن هذا الرجل هو الخضر ﵇ وفي الرواية الثالثة عشرة "يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فتلقاه أي فتتلقاه المسالح مسالح الدجال" أي المسلحون الذين يحرسون الدجال "فيقولون له أين تعمد فيقول أعمد إلى هذا الذي خرج قال فيقولون له أو ما تؤمن بربنا فيقول ما بربنا خفاء فيقولون اقتلوه فيقول بعضهم لبعض أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدا دونه قال فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن قال يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ قال فيأمر الدجال به فيشبح" أي يضرب حتى يشج "فيقول خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضربا" والشج الجرح في الرأس والوجه و"يوسع ظهره" بضم الياء وسكون الواو وفتح السين "فيقول أو ما تؤمن بي قال فيقول أنت المسيح الكذاب قال فيؤمر به فيؤشر بالمئشار من مفرقه" قال النووي "يؤشر" بالهمز والمئشار بالهمز أيضا هكذا الرواية بهمزة بعد الميم وهو الأفصح ويجوز تخفيفها فيهما فيجعل في الأول واوا وفي الثاني ياء ويجوز المنشار بالنون ومفرق الرأس وسطه والترقوة بفتح التاء وضم القاف هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق "فيؤشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه قال ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له أتؤمن بي فيقول ما ازددت فيك إلا بصيرة قال ثم يقول يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس قال فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا قال فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة فقال رسول الله ﷺ هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين" (قال وما ينصبك منه إنه لا يضرك) "ينصبك" بضم الياء على اللغة المشهورة أي ما يتعبك من أمره يقال أنصبه المرض ونصبه المرض (إنهم يقولون معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء قال هو أهون على الله من ذلك) قال القاضي معناه هو أهون على الله من أن يجعل ما خلقه الله تعالى على يده مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوبهم بل إنما جعله له ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويثبت الحجة على الكافرين والمنافقين وليس معناه أنه ليس معه شيء من ذلك فقد جاء في حديث مرفوع أخرجه أحمد والبيهقي في البعث بأنه "معه فعلا جبل من خبز ونهر من ماء" وعند أحمد أيضا "معه جبال من خبز والناس في جهد إلا من تبعه" ويحتمل أن يكون قوله "هو أهون" أي لا يجعل له ذلك حقيقة وإنما هو تخييل على الأبصار فيثبت المؤمن ويزل الكافر (فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ) أما المنارة فبفتح الميم قال النووي وهذه المنارة موجودة

стр. 6093

اليوم شرقي دمشق وأما "المهرودتان" فروى بالدال والذال وجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة وغيرهم وهما ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران وقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة أي هو داخل ثوبين لابسهما ومعنى "إذا طأطأ رأسه قطر" أي نزل من رأسه قطرات الماء و"إذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ" "الجمان" بضم الجيم وتخفيف الميم هي حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه كلما خفض رأسه وكلما رفعه (فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات) قال النووي هكذا الرواية "فلا يحل" بكسر الحاء و"نفسه" بفتح الفاء والضمير لعيسى ﵇ ومعنى "لا يحل" لا يمكن ولا يقع وقال القاضي معناه عندي حق وواجب قال ورواه بعضهم بضم الحاء وهو وهم وغلط (ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه) أي ونفس عيسى ﵇ يمتد من مجلسه إلى مسافة انتهاء مد بصره (فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله) "لد" بضم اللام وتشديد الدال مصروف وهو بلدة قريبة من بيت المقدس وفي الرواية السادسة عشرة "فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه" (ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة) قال القاضي يحتمل أن هذا المسح حقيقة على ظاهره فيمسح على وجوههم تبركا وبرا ويحتمل أنه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشدة والخوف (فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور) "لا يدان" بكسر النون تثنية "يد" وفي ملحق الرواية الحادية عشرة "لا يدي لأحد بقتالهم" قال العلماء معناه لا قدرة ولا طاقة لأحد بقتالهم يقال ما لي بهذا الأمر يد ومالي به يدان لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد وكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه ومعنى "حرز عبادي إلى الطور أي ضمهم إلى الطور" واجعله لهم حرزا وصيانه وحفظا ووقع في بعض النسخ "حزب" بالباء أي اجمعهم قال القاضي وروى "حوز" بالواو والزاي ومعناه نحهم وأزلهم عن طريقهم إلى الطور (وهم من كل حدب ينسلون) الحدب النشز و"ينسلون" يمشون مسرعين (فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة) "النغف" بنون وغين مفتوحتين هو دود يكون في أنوف الإبل والغنم الواحدة نغفة والفرسى بفتح الفاء وسكون الراء وسين مفتوحة مقصور أي قتلى واحدهم فريس والمعنى أن يأجوج ومأجوج

стр. 6094

يشربون ماء البحيرة ويحاصر عيسى وأصحابه بدون طعام ولا ماء فيرسل الله على يأجوج ومأجوج ميكروبا يصبحون به قتلى تملأ الأرض بأجسادهم (ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم) الزهم الدسم والمعنى أن عيسى ﵇ وأصحابه ينزلون إلى الأرض التي مات فيها يأجوج ومأجوج فيجدها ممتلئة بشحوم الموتى ورائحتهم النتنة (فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله) أي فيلجأ عيسى وأصحابه إلى الله أن ينقذهم من القذر والريح الكريهة (فيرسل الله طيرا كأعناق البخت) "البخت" الإبل الخراسانية وهي مشهورة بطول الأعناق (فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله) أي فتحمل لحوم الموتى وتلقيهم في أماكن بعيدة عنهم لا يعلمونها (ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر) أي لا يمنع منه بيت مبني بالطوب والحجر ولا يحمي منه بيت من خيام (فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة) روى بفتح الزاي واللام وبالفاء وروى بالقاف بدل الفاء وبفتح اللام وبإسكانها فيهما مع فتح الزاي قال النووي وكلها صحيحة قيل معناه كالمرآة شبهها بالمرآة في صفائها ونظافتها وقيل كمصانع الماء أي إن الماء يستنقع فيها حتى تصير المصنع الذي يجتمع فيه الماء وقيل كالصحفة وقيل كالروضة (فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها) العصابة الجماعة والقحف بكسر القاف وسكون الحاء هو مقعر قشرها شبهها بقحف الرأس وهو الذي فوق الدماغ وقيل ما انفلق من جمجمته وانفصل (ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس) "الرسل" بكسر الراء وسكون السين هو اللبن واللقحة بكسر اللام وفتحها لغتان مشهورتان والكسر أشهر وهي القريبة العهد بالولادة واللقوح ذات اللبن وجمعها لقاح والفئام بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة وهي الجماعة الكثيرة قال القاضي ومنهم من لا يجيز الهمز بل يقول بالياء وذكره بعضهم بفتح الفاء وتشديد الياء وهو غلط فاحش (واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس) قال أهل اللغة الفخذ الجماعة من

стр. 6095

الأقارب وهو دون البطن والبطن دون القبيلة قال ابن فارس الفخذ هنا بإسكان الخاء لا غير فلا يقال إلا بإسكانها بخلاف الفخذ التي هي العضو فإنها تكسر وتسكن (ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر) أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما تفعل الحمير ولا يكترثون لذلك والهرج بإسكان الراء الجماع يقال هرج زوجته أي جامعها يهرجها بفتح الراء وضمها وكسرها (ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر) بفتح الخاء والميم وهو الشجر الملتف الذي يستر من فيه وقد فسره في الحديث بأنه جبل بيت المقدس والضمير في "يسيرون" ليأجوج ومأجوج بعد أن شربوا ماء بحيرة طبرية (فيرمون بنشابهم) أي بسهامهم (وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة) بكسر النون أي طرقها وفجاجها وهو جمع نقب وهو الطريق بين الجبلين (حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه) كبد الجبل وسطه وداخله وكبد كل شيء وسطه (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع) قال العلماء معناه يكونون في سرعتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كطيران الطير وفي العدوان وظلم بعضهم بعضا في أخلاق السباع العادية (فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا) الليت بكسر اللام صحفة العنق وهي جانبه و"أصغى" أمال (وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق) أي يطينه ويصلحه (ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل) قال العلماء الأصح الطل وهو الموافق للحديث الآخر "أنه كمني الرجال" إذ الطل من معانيه اللبن (وذلك يوم يكشف عن ساق) قال العلماء معناه ومعنى ما في القرآن ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [القلم ٤٢] يوم يكشف عن شدة الأمر وهوله العظيم أي يظهر ذلك يقال كشفت الحرب عن ساقها إذا اشتدت وأصله أن من جد في أمره كشف عن ساق مستمرا في الخفة والنشاط له -[فقه الحديث]- قال القاضي عياض هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل

стр. 6096

الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب ومن جنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ﵇ ويثبت الله الذين آمنوا هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وخلافا للبخاري المعتزلى وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنه لو كان حقا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حالة ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص فيصدقه من صدقه في هذه الحالة ولهذا حذرت الأنبياء من فتنته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله وأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون لما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه ما ازددت فيك إلا بصيرة هذا آخر كلام القاضي اهـ ونحن انطلاقا من الإيمان بالغيب نرى أن هذا أمر غيبي أخبر به الصادق المصدوق فلا يقاس بالعلم والقواعد والعقول ولا يقال فيه لو كان كذا كان كذا ولا لم يكن كذا والكلام عنه كلام عن أمارات الساعة ومقدماتها وفيها ما هو أشد هولا من ذلك ولا عاصم إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - أوصاف الدجال البدنية عيب في عينيه مكتوب بين عينيه ك ف ر كثيف الشعر شاب قطط قصير ٢ - الخوارق التي تظهر على يديه معه نهران أحدهما فيما يرى الناس ماء عذب والناس عطشى والثاني فيما يرى الناس نار وحقيقة نهر النار جنة وحقيقة نهر الماء نار فمن صدقه وذهب إلى نهر الماء دخل النار ومن كذبه فألقى به في النار ألقى به في برد وسلام وهذان النهران هما ما أطلق عليهما في بعض الروايات "معه جنة ونار" يسيح في الأرض وينتقل من بلد إلى

стр. 6097

بلد جري الريح بالسحاب فيترك آثاره الخبيثة في موطن لينشرها في موطن آخر حتى يستوعب بلاد الأرض عدا مكة والمدينة يدعي أنه الإله فمن صدقه من أهل البادية أمر السماء أن تمطر لهم فتمطر والأرض أن تنبت لهم فتنبت فتشبع مواشيهم ويشبعون بلبنها ومن كذبه من أهل البادية أمر بالقحط والجدب لهم فتأخذهم السنة والقحط والجدب ويفتقرون ومن صدقه من غير أهل البادية أغدق عليه من كنوز الأرض التي معه والتي تسير خلفه ومن كذبه منهم حرمه من المال فاشتد عليه الحال ومعه جبل من خبز وجبل من لحم يمر بهما على الفقراء الجائعين فمن صدقه أطعمه ومن كذبه حرمه ويدعو شابا في غاية القوة والنشاط يقول له آمن بي فيقول كلا أنت المسيح الدجال الذي حذرنا منه رسول الله ﷺ فيقول للقوم إن قتلت هذا وأحييته تؤمنون بي فيقولون نعم فيشقه بالمنشار نصفين ويمشي بين نصفيه ثم يأمره فيجتمع نصفاه ويعود للحياة الكاملة النشطة الضاحكة المبتهجة لكنه ينادي في الناس لا تصدقوه فهو الدجال الكذاب فيقول له قتلتك وأحييتك فيقول ما زادني ذلك إلا تأكيدا أنك الدجال فيأمر به فيلقى في ناره فيحسبه الناس في النار والحقيقة أنه ألقى به في النعيم والجنة ٣ - من أين يخرج قال الحافظ ابن حجر إنه يخرج من قبل المشرق واستدل على أنه يخرج من خراسان بما أخرجه أحمد والحاكم وعلى أنه يخرج من أصبهان بما أخرجه مسلم ٤ - وماذا يدعي قال الحافظ ابن حجر يدعي أولا الإيمان والصلاح ثم يدعي النبوة ثم يدعي الإلهية وظاهر أحاديثنا أنه يدعي الإلهية واستدل الحافظ بما أخرجه الطبراني عن النبي ﷺ قال "الدجال ليس به خفاء يجيء من قبل المشرق فيدعو إلى الدين فيتبع ويظهر فلا يزال حتى يقدم الكوفة فيظهر الدين ويعمل به ويحث على ذلك فيتبع ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه فيمكث بعد ذلك فيقول أنا الله فتغشى عينه وتقطع أذنه ويكتب بين عينيه "كافر" فلا يخفى على كل مسلم فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" ٥ - ومدة مكثه في الأرض تحكيه الرواية الحادية عشرة "أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم" ٦ - ونهايته تحكيها الرواية الحادية عشرة وفيها "فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ... فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله" والرواية السادسة عشرة وفيها "فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه" ٧ - الذي يحدث بعده كما يؤخذ من الرواية الحادية عشرة يحرز عيسى ﵇ المؤمنين الذين عصمهم الله منه إلى الطور

стр. 6098

٨ - ويبعث الله يأجوج ومأجوج فيشربون بحيرة طبرية ويأكلون خيرات الأرض حتى يكاد الجوع يودي بعيسى ﵇ والمؤمنين ٩ - ومن ملحق الرواية الحادية عشرة "ينتهي يأجوج ومأجوج إلى جبل بيت المقدس فيرمون سهامهم إلى السماء ليقتلوا من فيها فتعود إليهم سهامهم فتقتل كثيرا منهم ١٠ - ويبعث الله على يأجوج ومأجوج "ميكروبا" يقتلهم ١١ - وتمتلئ الأرض بجثثهم ونتنهم فيدعو عيسى ربه فيرسل طيرا تحمل جيفهم فترمي بها بعيدا عنهم ١٢ - ويدعو عيسى ربه فيرسل مطرا غزيرا يغسل الأرض من آثارهم ١٣ - وتفيض الخيرات فتعظم الفواكه وتكثر الألبان واللحوم ١٤ - ومن الرواية السادسة عشرة يمكث الناس سبع سنين في خير ومودة ووئام ١٥ - ثم يرسل الله ريحا باردة طيبة فتقبض كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فلا يبقى على الأرض إلا شرار الناس ١٦ - وأن هؤلاء الناس يكونون ضعاف العقول متسارعين إلى الفساد لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا ١٧ - وفي الرواية الحادية عشرة أنهم يتقاتلون ويتناكحون في الطرقات دون حياء ١٨ - وفي الرواية السادسة عشرة يتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها مع اتساع رزقهم وراحة عيشتهم ١٩ - ينفخ الله في الصور في هذه الحالة "فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله" وأول من يصعق رجل كان طويل الأمل يجهز حوضا لماء إبله فيصعق وهو يبني حوضه ٢٠ - ومن ملحق الرواية السابعة عشرة أن أول الأشراط الكبرى للساعة خروج الدجال ٢١ - ومن الرواية السابعة عشرة أن طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة تخرجان في أواخر أشراط الساعة وأيهما خرجت قبل صاحبتها كانت الأخرى على إثرها قريبا ٢٢ - ومن الرواية السادسة عشرة أنه بعد صعقة الموت تمطر السماء ماء يشبه اللبن فيبعث الناس وإذا هم قيام ينظرون ٢٣ - ثم يسيرون إلى الموقف العظيم ٢٤ - ثم يميز بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ٢٥ - وأن هذا اليوم شديد يجعل الولدان شيبا ولكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه

стр. 6099

٢٦ - ومن الرواية العاشرة أن نوحا والرسل كلهم أنذروا قومهم الدجال وحذروهم منه ٢٧ - ومن الرواية الحادية عشرة أهمية الصلاة ووجوب الحفاظ عليها ٢٨ - ومن قوله "غير الدجال أخوفني عليكم" أن الفتن كثيرة والإشارة إلى تقاتل المسلمين ٢٩ - وأن من الاستعانة على الدجال قراءة أول سورة الكهف ٣٠ - ومن الرواية الرابعة عشرة والخامسة عشرة الحث على عدم الإكثار من السؤال عن الدجال ونحوه ٣١ - وجواز التقليل من الأمر الكبير البعيد لتوجيه النفوس إلى الأهم القريب والله أعلم.

стр. 6100

(٧٨٩) باب قصة الجساسة والدجال ٦٤٢٢ - عن عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس وكانت من المهاجرات الأول فقال حدثيني حديثا سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره فقالت لئن شئت لأفعلن فقال لها أجل حدثيني فقالت نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يومئذ فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وخطبني رسول الله ﷺ على مولاه أسامة بن زيد وكنت قد حدثت أن رسول الله ﷺ قال "من أحبني فليحب أسامة" فلما كلمني رسول الله ﷺ قلت أمري بيدك فأنكحني من شئت فقال "انتقلي إلى أم شريك" وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان فقلت سأفعل فقال "لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم" (وهو رجل من بني فهر فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه) فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله ﷺ فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال "ليلزم كل إنسان مصلاه" ثم قال "أتدرون لم جمعتكم" قالوا الله ورسوله أعلم قال "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم" لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقالوا ويلك ما أنت فقالت أنا الجساسة قالوا وما الجساسة قالت أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق قال لما سمت لنا رجلا فرقنا

стр. 6101

منها أن تكون شيطانة قال فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا ويلك من أنت قال قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم قالوا نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهرا ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا ويلك ما أنت فقالت أنا الجساسة قلنا وما الجساسة قالت اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سراعا وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة فقال أخبروني عن نخل بيسان قلنا عن أي شأنها تستخبر قال أسألكم عن نخلها هل يثمر قلنا له نعم قال أما إنه يوشك أن لا تثمر قال أخبروني عن بحيرة الطبرية قلنا عن أي شأنها تستخبر قال هل فيها ماء قالوا هي كثيرة الماء قال أما إن ماءها يوشك أن يذهب قال أخبروني عن عين زغر قالوا عن أي شأنها تستخبر قال هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين قلنا له نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها قال أخبروني عن نبي الأميين ما فعل قالوا قد خرج من مكة ونزل يثرب قال أقاتله العرب قلنا نعم قال كيف صنع بهم فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه قال لهم قد كان ذلك قلنا نعم قال أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه وإني مخبركم عني إني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها قالت قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر "هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة" يعني المدينة "ألا هل كنت حدثتكم ذلك" فقال الناس نعم فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنه في بحر الشأم أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو" وأومأ بيده إلى المشرق قالت فحفظت هذا من رسول الله ﷺ . ٦٤٢٣ - عن الشعبي قال دخلنا على فاطمة بنت قيس ﵂ فأتحفتنا

стр. 6102

برطب يقال له رطب بن طاب وأسقتنا سويق سلت فسألتها عن المطلقة ثلاثا أين تعتد قالت طلقني بعلي ثلاثا فأذن لي النبي ﷺ أن أعتد في أهلي قالت فنودي في الناس إن الصلاة جامعة قالت فانطلقت فيمن انطلق من الناس قالت فكنت في الصف المقدم من النساء وهو يلي المؤخر من الرجال قالت فسمعت النبي ﷺ وهو على المنبر يخطب فقال "إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر" وساق الحديث وزاد فيه قالت "فكأنما أنظر إلى النبي ﷺ وأهوى بمخصرته إلى الأرض وقال "هذه طيبة" يعني المدينة ٦٤٢٤ - عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت قدم على رسول الله ﷺ تميم الداري فأخبر رسول الله ﷺ أنه ركب البحر فتاهت به سفينته فسقط إلى جزيرة فخرج إليها يلتمس الماء فلقي إنسانا يجر شعره واقتص الحديث وقال فيه ثم قال أما إنه لو قد أذن لي في الخروج قد وطئت البلاد كلها غير طيبة فأخرجه رسول الله ﷺ إلى الناس فحدثهم قال "هذه طيبة وذاك الدجال". ٦٤٢٥ - عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂ أن رسول الله ﷺ قعد على المنبر فقال "أيها الناس حدثني تميم الداري أن أناسا من قومه كانوا في البحر في سفينة لهم فانكسرت بهم فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة فخرجوا إلى جزيرة في البحر" وساق الحديث ٦٤٢٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق". ٦٤٢٧ - وفي رواية عن أنس أن رسول الله ﷺ قال فذكر نحوه غير أنه قال فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه وقال فيخرج إليه كل منافق ومنافقة.

стр. 6103

٦٤٢٨ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة". ٦٤٢٩ - عن أم شريك ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول "ليفرن الناس من الدجال في الجبال" قالت أم شريك يا رسول الله فأين العرب يومئذ قال "هم قليل" ٦٤٣٠ - عن رهط منهم أبو الدهماء وأبو قتادة قالوا كنا نمر على هشام بن عامر نأتي عمران بن حصين فقال ذات يوم إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني ولا أعلم بحديثه مني سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال" ٦٤٣١ - وفي رواية عن حميد بن هلال عن ثلاثة رهط من قومه فيهم أبو قتادة قالوا كنا نمر على هشام بن عامر إلى عمران بن حصين بمثل حديث عبد العزيز بن مختار غير أنه قال "أمر أكبر من الدجال" ٦٤٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم أو أمر العامة" ٦٤٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "بادروا بالأعمال ستا

стр. 6104

الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم" -[المعنى العام]- نكتفي بما ذكرناه في المباحث العربية من أحداث القصة -[المباحث العربية]- (عن فاطمة بنت قيس قالت نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يومئذ فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ "تأيمت" صرت أيما وهي التي لا زوج لها "فأصيب" ظاهره أنه استشهد وأنها تأيمت بموته ولكن الواقع أنه طلقها طلاقا بائنا ففي ملحق الرواية "قالت طلقني بعلي ثلاثا" قال الحافظ ابن حجر في الإصابة فاطمة بنت قيس كانت من المهاجرات الأول وكانت ذات جمال وعقل وكانت عند أبي بكر بن حفص المخزومي فطلقها فتزوجت بعده أسامة بن زيد وهي التي روت قصة الجساسة فانفردت بها مطولة رواها عنها الشعبي لما قدمت إلى الكوفة على أخيها الضحاك بن قيس وهو أمير الكوفة وفي بيتها اجتمع أهل الشورى لما قتل عمر فمعنى قولها "فأصيب" أي بجراحة أو أصيب في ماله أو نحو ذلك قال القاضي إنما أرادت بذلك عد فضائله فابتدأت بكونه خير شباب قريش ثم ذكرت الباقي وقد تقدمت قصتها مع زوجها وطلاقها وعدتها وسكناها في العدة في حديث خاص في باب المطلقة البائن لا نفقة لها من كتاب الطلاق ومرادها من النفر أسامة ومعاوية وأبو الجهم بن حذيفة القرشي كما سبق وفي ملحق الرواية عن الشعبي قال "دخلنا على فاطمة بنت قيس فأتحفتنا برطب يقال له رطب بن طاب نوع من الرطب معروف وأسقتنا سويق سلت" بضم السين وإسكان اللام وهو حب يشبه الحنطة ويشبه الشعير ويقال سقاه وأسقاه وقولها "فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف" ظاهره أن الخطبة كانت في نفس العدة قال النووي وليس كذلك وإنما كانت بعد انقضائها كما صرح به في كتاب الطلاق فيتأول هذا اللفظ الواقع هنا على ذلك ويكون قوله "انتقلي إلى أم شريك وإلى ابن أم مكتوم" مقدما من تأخير وعطف جملة على جملة من غير ترتيب جائز (فلما انقضت عدتي نادى المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي الصلاة جامعة) فخرجت إلى المسجد "منادي رسول الله" بدل من "المنادي" و"ينادي" مستأنف في جواب سؤال تقديره بماذا ينادي و"الصلاة جامعة" بنصب "الصلاة" على الإغراء و"جامعة" على الحال وفي

стр. 6105

ملحق الرواية "طلقني بعلي .. فأذن لي النبي ﷺ أن أعتد في أهلي قالت فنودي في الناس إن الصلاة جامعة قالت فانطلقت فيمن انطلق من الناس" (ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال) "تميم الداري" ينسب إلى الدار وهو بطن من لخم كان إسلامه سنة تسع من الهجرة وكان يسكن المدينة ثم انتقل منها إلى الشام بعد قتل عثمان رحمه الله تعالى (حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام) في ملحق الرواية "إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر" (فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة) "أرفئوا" بالهمز أي التجئوا وقوله في "أقرب" بضم الراء جمع "قارب" بفتح الراء وكسرها وهي سفن صغيرة تكون معلقة بجوانب الكبيرة والجمع صحيح لكنه خلاف القياس وقيل المراد من "أقرب السفينة" أخرياتها وما قرب منها للنزول والمعنى لجئوا إلى الشاطئ بسفينتهم فجلسوا في القوارب الصغيرة واتجهوا بها إلى الشاطئ فنزلوا منها إلى الجزيرة لكن في الملحق الثاني للرواية "فانكسرت بهم فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة فخرجوا إلى جزيرة في البحر" ويمكن الجمع بأن بعضهم ركب القوارب وبعضهم ركب ألواح السفينة أو أطلق القوارب على ألواح السفينة (فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر) وفي ملحق الرواية "فلقي إنسانا يجر شعره" والأهلب غليظ الشعر كثيره (فقالوا ويلك ما أنت) التعبير بـ "ما" التي لغير العاقل لجهلهم بحقيقته (فقالت أنا الجساسة قالوا وما الجساسة) بفتح الجيم وتشديد السين الأولى قيل سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال وجاء عن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن (قالت أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق) "الدير" بفتح الدال مكان عبادة النصارى والإشارة إلى رجل في الدير والمعنى أنه في شوق شديد إلى أن يسمع منكم أخبار النبي وأخبار العرب (قال لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة) أي لما أحالتنا إلى رجل ووصفت لنا مكانه خفنا منها أن تكون مضللة لنا شأن الشياطين يستهوون الناس في الأرض يحيرونهم

стр. 6106

(دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا) أي ضخم الجسم (وأشده وثاقا) أي أشد المربوطين رباطا (مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا ويلك ما أنت قال قد قدرتم على خبري) أي قد وقفتم الآن على خبري وحالي (فأخبروني ما أنتم قالوا نحن أناس من العرب ركبنا سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم) أي صادف سفرنا ورحلتنا اغتلام البحر أي هيجانه وتجاوزه حده المعتاد قال الكسائي الاغتلام أن يتجاوز الإنسان ما حد له من الخير والمباح (فقال أخبروني عن نخل بيسان) منطقة في جزيرة العرب (أخبروني عن عين زغر) بضم الزاي وفتح الغين بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام (إني أنا المسيح) أي الدجال (استقبلني ملك بيده السيف صلتا) بفتح الصاد وضمها مع سكون اللام أي مسلولا (قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر) المخصرة بكسر الميم وسكون الخاء اسم الآلة التي يتكئ عليها كالعصاة وفي الرواية الثانية "وأهوى بمخصرته إلى الأرض" (فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه فيخرج إليه كل منافق ومنافقة) الجرف بضم الجيم والراء مكان خارج المدينة والرواق ما يشبه الخيمة أي ينزل هناك ويضع أمتعته (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة) جمع طيلسان وهو ثوب معروف والعدد للتكثير قال النووي هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا "سبعون" بالسين وبالباء وهو رواية الأكثرين وفي رواية "تسعون ألفا" بالتاء والصحيح المشهور الأول و"أصبهان" بفتح الهمزة وكسرها وبالباء والفاء (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال) أي أكبر فتنة على الأديان وأعظم شوكة وأخطر على رسالات الرسل من الدجال (بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم أو أمر العامة) في الرواية بعدها "الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم" قال النووي ذكر الستة في الرواية الأولى معطوفة بأو التي هي للتقسيم وفي الثانية بالواو قلت وخالف في ترتيب الستة وخاصة أحدكم أي ما يخصه وفسر بالموت أي بادروا بالأعمال الصالحة الموت "وخويصة" تصغير خاصة و"أمر العامة" قيل المراد به الساعة والقيامة

стр. 6107

-[فقه الحديث]- -[ما يؤخذ من الأحاديث]- ١ - فيها الاعتماد على خبر الواحد فقد استدل ﷺ على ما أخبر به هو بخبر تميم الداري ٢ - وفيها قبول تحمل الكافر فقد كان تميم الداري حين الواقعة نصرانيا ٣ - وفيها ثبوت الجساسة ٤ - وأن المسيح الدجال موجود وقد سبق قول ابن صائد عنه في الباب قبل الماضي أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو ٥ - وخطبة الإمام عند الأمور المهمة ٦ - وفيها الإشارة إلى ما سيقع مع الدجال من خوارق سبقت في الباب السابق ٧ - وأن الدجال لا يدخل المدينة ٨ - وفي الرواية الأخيرة قلة العرب بالنسبة للمسلمين عامة في آخر الزمان والله أعلم.

стр. 6108

(٧٩٠) باب فضل العبادة في آخر الزمان ٦٤٣٤ - عن معقل بن يسار ﵁ رده إلى النبي ﷺ قال "العبادة في الهرج كهجرة إلي" -[المعنى العام]- إن فضل الهجرة عظيم فهي خروج من المال والأهل والوطن ابتغاء مرضاة الله وهي تمسك بالدين أمام الوعيد والتعذيب ومحاربة الأعداء الأشداء ثم هي جهاد في سبيل الله وتعريض للنفس أن تستشهد في سبيل الله فهل هناك ما يعدلها في الأجر إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وإن آخر الزمان سيكثر الهرج والقتل والكذب والخيانة والجهل والفحش والزنا وسيصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر فما أشبه الليلة بالبارحة وما أشبه العبادة والتمسك بالدين بالعبادة في أول الإسلام وبالهجرة إلى رسول الله ﷺ فرارا بالدين ونصرة لله ولرسوله ومن هنا صدق الحديث الشريف "العبادة في الهرج كهجرة إلي" والمتمسك بدينه في آخر الزمان كالمتمسك بدينه في أوائل الإسلام -[المباحث العربية]- (العبادة في الهرج كهجرة إلي) سبق تفسير الهرج بالقتل والمراد منه هنا الفتنة واختلاط الأمور على الناس وانشغالهم بالدنيا ووجه الشبه كثرة الثواب على العبادة قال النووي سبب كثرة فضل العبادة في هذه الحال أن الناس يغفلون عن العبادة وينشغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد -[فقه الحديث]- من ظواهر آخر الزمان انشغال الناس بدنياهم وقلة عبادتهم وأن أجر العبادة حين يقل العابدون أكبر من أجرها عند كثرة العابدين والله أعلم.

стр. 6109

(٧٩١) باب قرب الساعة وما بين النفختين ٦٤٣٥ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" ٦٤٣٦ - عن سهل بن سعد ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول "بعثت أنا والساعة هكذا" ٦٤٣٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "بعثت أنا والساعة كهاتين" قال شعبة وسمعت قتادة يقول في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة. ٦٤٣٨ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "بعثت أنا والساعة هكذا" وقرن شعبة بين إصبعيه المسبحة والوسطى يحكيه. ٦٤٣٩ - عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "بعثت أنا والساعة كهاتين" قال وضم السبابة والوسطى ٦٤٤٠ - عن عائشة ﵂ قالت كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة متى الساعة فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال "إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم"

стр. 6110

٦٤٤١ - عن أنس ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ متى تقوم الساعة وعنده غلام من الأنصار يقال له محمد فقال رسول الله ﷺ "إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" ٦٤٤٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ قال متى تقوم الساعة قال فسكت رسول الله ﷺ هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" قال قال أنس ذاك الغلام من أترابي يومئذ ٦٤٤٣ - عن أنس ﵁ قال مر غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أقراني فقال النبي ﷺ "إن يؤخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" ٦٤٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال "تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم والرجل يلط في حوضه فما يصدر حتى تقوم" ٦٤٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ما بين النفختين أربعون" قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون سنة قال أبيت "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل" قال "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة" ٦٤٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب"

стр. 6111

٦٤٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا فيه يركب يوم القيامة" قالوا أي عظم هو يا رسول الله قال "عجب الذنب" -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها﴾ [النازعات ٤٢ - ٤٤] ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾ [النحل ٧٧] ﴿يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا﴾ [الأحزاب ٦٣] ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾ [محمد ١٨] ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر ١] الساعة هي القيامة هي النفخة الأولى في الصور إذ بها يصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله هي أمر الله كن فيكون ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس ٢٤] وقد اختص الله تعالى بعلمها لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" ومع هذا لا يفتأ الناس يسألون وماذا يفيدهم السؤال إن لكل إنسان ساعة ومن مات فقد قامت قيامته وجاءت ساعته فليشتغل كل إنسان بنفسه وليعمل لما بعد ساعته أما الساعة الكبرى فلا يشغل نفسه بها لكنها قريبة قريبة من بعثة محمد ﷺ فهو آخر الرسل ولا نبي بعده فهو وهي كالإصبعين السبابة والوسطى لكن القرب أمر نسبي فألف سنة بالنسبة لألف ألف قريبة ومليون سنة بجوار مائتي مليون سنة قريبة فما قدر قرب الساعة الله أعلم -[المباحث العربية]- (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس) سبق شرحه عند حديث المسيح الدجال (بعثت أنا والساعة هكذا) يشير بإصبعيه التي تلي الإبهام والوسطى وفي الرواية الثالثة "بعثت أنا والساعة كهاتين" وفي الرواية الرابعة "وقرن شعبة بين إصبعيه المسبحة والوسطى يحكيه" وفي الرواية الخامسة "وضم السبابة والوسطى" قال النووي "أنا والساعة" روى بنصب الساعة أي على أنها مفعول معه ورفعها على عطفها على الضمير قال وأما معناه فقيل المراد

стр. 6112

بينهما شيء يسير كما بين الإصبعين في الطول وقيل هو إشارة إلى قرب المجاورة اهـ فالإصبعان السبابة والوسطى متقاربان بل متلاصقان فوجه الشبه القرب والإصبعان أيضا متقاربان في الطول والفرق بينهما في الطول يسير فوجه الشبه القرب على المعنيين (كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة متى الساعة) أي كانوا يفعلون ذلك غالبا لا دائما وإنما خص الأعراب بذلك لأن أهل المدينة كانوا قد فطموا عن السؤال عن الساعة بما جاء عن ذلك في القرآن وفي الأحاديث أما الأعراب فكانوا يأتون من البادية يجهلون النهي عن السؤال عنها (فنظر إلى أحدث إنسان منهم) في الرواية السابعة "وعنده غلام من الأنصار يقال له محمد" وفي الرواية الثامنة "فسكت هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة" وفي الرواية التاسعة "قال أنس مر غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أقراني" فيحتمل أن الغلام لم يكن بدويا وقوله "منهم" أي في الوجود والمجلس والظاهر أن الغلام لم يكن جاوز العشرين فأنس يوم وفاة النبي ﷺ كان ابن عشرين سنة وهو من أقرانه (إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم) وفي الرواية السابعة "إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" وفي الرواية الثامنة "إن عمر هذا عمر بضم العين وتشديد الميم المكسورة لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" وفي الرواية التاسعة "إن يؤخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" قال القاضي هذه الروايات كلها محمولة على معنى الأول والمراد بساعتكم موتكم ومعناه يموت ذلك القرن أو أولئك المخاطبون اهـ وقال النووي ويحتمل أنه ﷺ علم أن ذلك الغلام لا يبلغ الهرم ولا يعمر ولا يؤخر اهـ (تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم) سبق تفسير اللقحة بأنها قريبة العهد بالولادة كثيرة اللبن والمراد أنها تقوم فجأة (والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم) أي فلا يتمان البيع (والرجل يلط في حوضه فما يصدر حتى تقوم) أي الرجل يطلي حوض ماء شرب الدواب بالطين فلا يكمله ولا ينصرف عنه حتى تقوم والمراد من الكل أنها تفاجئ الناس وهم في أعمالهم فتأخذهم قبل أن يتموا عملهم (قالوا أربعون يوما قال أبيت) معناه أبيت أن أجزم أن المراد أربعون يوما أو شهرا أو سنة بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة قال النووي وقد جاءت مفسرة في غير مسلم "أربعون سنة" (وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب

стр. 6113

الخلق يوم القيامة) وفي الرواية الثانية عشرة "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" وفي الرواية الثالثة عشرة "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا فيه يركب يوم القيامة قالوا أي عظم هو يا رسول الله قال عجب الذنب" قال النووي عجب الذنب بفتح العين وإسكان الجيم أي العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب وهو رأس العصعص ويقال له "عجم" بالميم وهو أول ما يخلق من الآدمي وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه -[فقه الحديث]- ١ - من الرواية الأولى أن الساعة تقوم على شرار الخلق ٢ - ومن الرواية الثانية وما بعدها إلى العاشرة أن الساعة قريبة الوقوع ٣ - وأنها لا تأتي إلا بغتة ٤ - وأنها تأتي والناس لا هون في دنياهم ٥ - ومن الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة أن كل ابن آدم يأكله التراب بعد الموت إلا عظمة منه هي عجب الذنب واستثنى بعضهم من هذا العموم أجسام الأنبياء والشهداء والله أعلم.

стр. 6114

كتاب الزهد

стр. 6115

(٧٩٢) باب هوان الدنيا والزهد فيها والتحذير من الاغترار بها ٦٤٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ٦٤٤٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفته فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال "أيكم يحب أن هذا له بدرهم" فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به قال "أتحبون أنه لكم" قالوا والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت فقال "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" ٦٤٥٠ - وفي رواية عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ بمثله غير أن في حديث الثقفي فلو كان حيا كان هذا السكك به عيبا ٦٤٥١ - عن مطرف عن أبيه ﵁ قال أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ ﴿ألهاكم التكاثر﴾ قال "يقول ابن آدم مالي مالي (قال) وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت" ٦٤٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يقول العبد مالي مالي إنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس"

стр. 6116

٦٤٥٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" ٦٤٥٤ - عن عمرو بن عوف ﵁ وهو حليف بني عامر بن لؤي وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم ثم قال "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين" فقالوا أجل يا رسول الله قال "فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم" ٦٤٥٥ - وفي رواية عن الزهري بإسناد يونس ومثل حديثه غير أن في حديث صالح "وتلهيكم كما ألهتهم" ٦٤٥٦ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم قال عبد الرحمن بن عوف نقول كما أمرنا الله قال رسول الله ﷺ "أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون أو نحو ذلك ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض"

стр. 6117

٦٤٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه" ٦٤٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله" قال أبو معاوية "عليكم" ٦٤٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول "إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال الإبل (أو قال البقر شك إسحق) إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر (قال فأعطي ناقة عشراء فقال بارك الله لك فيها قال فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر فأعطي بقرة حاملا فقال بارك الله لك فيها قال فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا قال فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم قال ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله

стр. 6118

فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد على هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك". ٦٤٦٠ - عن عامر بن سعد قال كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ بالله من شر هذا الراكب فنزل فقال له أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم فضرب سعد في صدره فقال اسكت سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي" ٦٤٦١ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال والله إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين لقد خبت إذا وضل عملي. ولم يقل ابن نمير إذا. ٦٤٦٢ - وفي رواية عن إسمعيل بن أبي خالد بهذا الإسناد وقال حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع العنز ما يخلطه بشيء ٦٤٦٣ - عن خالد بن عمير العدوي قال خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك

стр. 6119

لها قعرا ووالله لتملأن أفعجبتم ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكا فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا. ٦٤٦٤ - وفي رواية عن خالد بن عمير وقد أدرك الجاهلية قال خطب عتبة بن غزوان وكان أميرا على البصرة فذكر نحو حديث شيبان ٦٤٦٥ - عن عتبة بن غزوان ﵁ قال لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما طعامنا إلا ورق الحبلة حتى قرحت أشداقنا؟ ٦٤٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة" قالوا لا قال "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة" قالوا لا قال "فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما قال فيلقى العبد فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى قال فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول فإني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى أي رب فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول فإني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول ها هنا إذا قال ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي

стр. 6120

فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه" ٦٤٦٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال "هل تدرون مم أضحك" قال قلنا الله ورسوله أعلم قال "من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلي بينه وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل" ٦٤٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" ٦٤٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" وفي رواية عمرو "اللهم ارزق" ٦٤٧٠ - وفي رواية عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد وقال "كفافا". ٦٤٧١ - عن عائشة ﵂ قالت ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض. ٦٤٧٢ - عن عائشة ﵂ قالت ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله.

стр. 6121

٦٤٧٣ - عن عائشة ﵂ أنها قالت ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ . ٦٤٧٤ - عن عائشة ﵂ قالت ما شبع آل محمد ﷺ من خبز بر فوق ثلاث. ٦٤٧٥ - عن عائشة ﵂ ما شبع آل محمد ﷺ من خبز البر ثلاثا حتى مضى لسبيله. ٦٤٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت ما شبع آل محمد ﷺ يومين من خبز بر إلا وأحدهما تمر ٦٤٧٧ - عن عائشة ﵂ قالت إن كنا آل محمد ﷺ لنمكث شهرا ما نستوقد بنار إن هو إلا التمر والماء ٦٤٧٨ - -/- وفي رواية عن هشام بن عروة بهذا الإسناد إن كنا لنمكث ولم يذكر آل محمد وزاد أبو كريب في حديثه عن ابن نمير إلا أن يأتينا اللحيم ٦٤٧٩ - عن عائشة ﵂ قالت توفي رسول الله ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني. ٦٤٨٠ - عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار قال قلت يا خالة فما كان يعيشكم قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد

стр. 6122

كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه ٦٤٨١ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين ٦٤٨٢ - عن عائشة ﵂ قالت توفي رسول الله ﷺ حين شبع الناس من الأسودين التمر والماء ٦٤٨٣ - عن عائشة ﵂ قالت توفي رسول الله ﷺ وقد شبعنا من الأسودين الماء والتمر ٦٤٨٤ - -/- وفي رواية عن سفيان وما شبعنا من الأسودين. ٦٤٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال والذي نفسي بيده (وقال ابن عباد والذي نفس أبي هريرة بيده) ما أشبع رسول الله ﷺ أهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا ٦٤٨٦ - عن أبي حازم قال رأيت أبا هريرة يشير بإصبعه مرارا يقول والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله ﷺ وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا ٦٤٨٧ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال ألستم في طعام وشراب ما

стр. 6123

شئتم لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه. وقتيبة لم يذكر به. ٦٤٨٨ - وفي رواية عن سماك بهذا الإسناد نحوه وزاد في حديث زهير وما ترضون دون ألوان التمر والزبد. ٦٤٨٩ - عن سماك بن حرب قال سمعت النعمان يخطب قال ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا فقال لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه. ٦٤٩٠ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال ألسنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال ألك مسكن تسكنه قال نعم قال فأنت من الأغنياء قال فإن لي خادما قال فأنت من الملوك قال أبو عبد الرحمن وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا عنده فقالوا يا أبا محمد إنا والله ما نقدر على شيء لا نفقة ولا دابة ولا متاع فقال لهم ما شئتم إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا" قالوا فإنا نصبر لا نسأل شيئا -[المعنى العام]- مجموعة من الأحاديث تشترك في الدعوة إلى الزهد والتقلل من الدنيا نعم لكل حديث منها طعم ولون ورائحة ولكل حديث أسلوبه ووقائعه ولكن الهدف واحد الدعوة إلى الزهد فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة وهي أهون على الله من جدي ميت على الناس وما يعتز به ابن آدم من مال وأملاك وبنين سيتخلى عنه يوم يموت ولا يبقى معه إلا عمله وكل ما يجمعه ويجري وراءه لن يأخذ منه إلا لقمة يأكلها أو خرقة يلبسها ثم يتركه إلى الورثة

стр. 6124

محبين له أو مبغضين فليضع جزءا منه للصدقات وأعمال البر لينفعه يوم القيامة إن الإنسان مسئول عن كل درهم من ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وكلما زاد ماله زادت مسئوليته فالغنى أشد خطرا على المسلم من الفقر فما أهلك الأمم السابقة إلا التنافس في الأموال حملهم ذلك على الحقد والحسد والتدابر والتباغض بل على القتل وسفك الدماء فليحمد كل إنسان ربه على ما أعطاه ولينظر إلى من هو أقل منه مالا ودنيا ليعلم مقدار ما عنده من نعم وشكر النعمة يزيدها مصداقا لقوله تعالى ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم ٧] وشكر النعمة يكون بالاعتراف بها ونفع الناس بها وقد كانت عاقبة الثلاثة من بني إسرائيل شاهدة على ذلك لم يشكر الأقرع والأبرص فمحقت نعمتهما وشكر الأعمى فبورك له فيها ويوم القيامة يسأل الإنسان عما كان فيه من نعيم مصداقا لقوله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ [التكاثر ١ - ٧] والمتدبر لمعيشة الرسول ﷺ يعلم قيمة الزاهدين -[المباحث العربية]- (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) معناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة مكلف بفعل الطاعات الشاقة فإذا مات استراح من هذا وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد (داخلا من بعض العالية) العالية ضاحية من ضواحي المدينة (والناس كنفتيه) بفتح الكاف والنون والفاء والتاء أي جانبيه وفي بعض النسخ "كنفته" بالإفراد أي جانبه (فمر بجدي أسك ميت) "أسك" بفتح الهمزة والسين وتشديد الكاف أي صغير الأذنين وصغر الأذنين عيب فيه (فتناوله فأخذ بأذنه) أي فتناوله ولمسه بعصاه ولمس أذنه بالعصا (أتحبون أنه لكم) بدون درهم (ألهاكم التكاثر) أي شغلكم جمع المال والإكثار منه عن آخرتكم والعمل من أجلها (يقول ابن آدم مالي) في الرواية الثالثة والرابعة "مالي مالي" مرتين أي يعتز به ويفتخر به ويعتمد عليه

стр. 6125

(وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت) أي فنفذت عطاءك وأكملته وأتممته من غير من ولا أذى والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي ليس لك من مالك إلا كذا وكذا وكذا وما عدا ذلك فهو لورثتك ففي الرواية الرابعة "يقول العبد مالي مالي إنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى" قال النووي هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة "فاقتنى" بالتاء ومعناه ادخره لآخرته أي ادخر ثوابه وفي بعضها "فأقنى" بحذف التاء أي أرضى الله وأرضى الفقير "وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس" (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله) تبعية هذه الثلاثة غالبية فقد لا يتبعه إلا عمله فقط والمراد من يتبع جنازته من أهله ورفاقه وإذا انقضى أمر الحزن عليه رجعوا سواء أقاموا بعد الدفن أم لا ومعنى بقاء عمله أنه يدخل معه القبر والتبعية بعضها حقيقة وبعضها مجاز ففيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه (ما الفقر أخشى عليكم) "الفقر" منصوب مفعول به مقدم لأخشى وقال الطيبي فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقر فإنه الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال فأعلم ﷺ أصحابه أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده (فتنافسوها) بفتح التاء مع حذف إحدى التاءين أي فتتنافسوها والتنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به والمغالبة عليه وأصلها من الشيء النفيس (وتهلككم كما أهلكتهم) لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه فتمنع منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك وفي الرواية السابعة" إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم" أي على أي حال ستكونون قال "نقول كما أمرنا الله" أي نحمده ونشكره ونسأله المزيد من فضله قال ﷺ "أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض" أي تنطلقون في ضعاف المهاجرين فتجعلون بعضهم أمراء على بعض (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه) "فضل" بضم الفاء مبني للمجهول و"الخلق" بفتح الخاء وسكون اللام أي الصورة والخلقة ويحتمل أن يدخل فيه الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا وفي الرواية التاسعة "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا

стр. 6126

نعمة الله" أي أحق وأحرى بعدم الازدراء والازدراء افتعال من زريت عليه وأزريت به إذا تنقصته وفي معناه ما أخرجه الحاكم "أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله" وفي الحديث "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به" ومن نظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته فإنه لا يكتب شاكرا ولا صابرا قال ابن بطال هذا الحديث جامع لمعاني الخير لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهدا فيها إلا وجد من هو فوقه فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله فيكون أبدا في زيادة تقربه من ربه ولا يكون على حالة خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس منه حالا فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده (إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى) بالنصب بدل من "ثلاثة" (فأراد الله أن يبتليهم) وفي بعض النسخ "أن يبليهم" بإسقاط التاء ومعناهما الاختبار وفي رواية البخاري "بدا لله أن يبتليهم" بفتح الباء والدال بغير الهمز أي سبق في علم الله فأراد إظهاره وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيا لأن ذلك محال في حق الله تعالى وقال صاحب المطالع ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمز أي ابتدأ الله أن يبتليهم قال ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ اهـ قال الحافظ ابن حجر وأولى ما يحمل عليه أن المراد قضى الله أن يبتليهم (فبعث إليهم ملكا) ليأتي كل واحد منهم على حدة (فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس) "قذرني" بفتح القاف والذال مخففة يقال قذره الناس وقذر الرجل الشيء يقذره بضم الذال قذرا بسكونها جعله واعتبره قذرا بكسر الذال وقذر بكسر الذال يقذر بفتحها أي اتسخ فهو قذر بكسرها وقذر الشيء بكسر الذال وجده قذرا وكرهه لوسخه واجتنبه فيصح في روايتنا كسر الذال وفتحها أي اشمأز الناس من رؤيتي وفي رواية حكاها الكرماني "قذروني الناس" على لغة أكلوني البراغيث (فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا) أي مسح على جسمه (قال فأي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر) شك في ذلك فالأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر فشك إسحاق (فأعطي ناقة عشراء فقال بارك الله لك فيها) الناقة العشراء بضم العين

стр. 6127

وفتح الشين الحامل القريبة الولادة أي أعطي الذي تمنى الإبل وفي رواية البخاري "يبارك لك فيها" (فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس ... ) قوله "ويذهب عني ... تصريح باللازم لتأكيد المطلب (فأي المال أحب إليك قال البقر فأعطي بقرة حاملا) أي حبلى ولم يؤنث لأنه وصف خاص بالإناث (وأتى الأعمى ... فأعطي شاة والدا) أي ذات ولد أي حاملا وقيل وضعت ولدها وهو معها (فأنتج هذان) قال النووي هكذا الرواية "فأنتج" رباعي بضم الهمزة وهي لغة قليلة الاستعمال والمشهور "نتج" بضم النون ثلاثي وممن حكى اللغتين الأخفش ومعناه توالي الولادة وهي النتج والإنتاج اهـ والإشارة "هذان" لصاحب الإبل وصاحب البقر (وولد هذا) بفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة والإشارة لصاحب الغنم والناتج للإبل والمولد للغنم أي القائم على توليدها كالقابلة بالنسبة للنساء ويلاحظ في الثلاثة وصف الفقر والمسكنة في حالتهم الأولى وإن لم يذكر أخذا من المقام (ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته) الأولى أي في صورة أبرص (فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري) "الحبال" بكسر الحاء وفتح الباء مخففة جمع حبل أي الأسباب التي أقطعها في طلب الرزق وقيل العقبات وقيل الحبل هو المستطيل من الرمل ولبعض رواة مسلم "الحيل" بالياء بدل الباء جمع حيلة أي لم يبق لي حيلة ولبعض رواة البخاري "الجبال" بالجيم وهو تصحيف ومعنى "أتبلغ عليه" وفي رواية "به" من البلغة وهي الكفاية والمعنى أتوصل به إلى مرادي (فقال الحقوق كثيرة) أي مطالب الحياة كثيرة يضيق عنها ما ترى من مال فلا أستطيع إجابة طلبك (إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر) أي أنا كبير وغني عن أب كبير وغني عن جد كذلك "وكابرا" منصوب على الحالية ولم يتعرض في جوابه للبرص لأنه غير المطلوب (إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت) فعل "صيرك" لفظه خبر ومعناه دعاء وقيل

стр. 6128

هو خبر لفظا ومعنى معبر فيه عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع على احتمال أن الملك كان عالما بالنتيجة من الله تعالى (رجل مسكين وابن سبيل ... ) أي قال له مثل ما قال للآخرين وزيادة "ابن سبيل" هنا ليست زيادة فمعناها حاصل في كلامه لأخويه (فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله) بفتح التاء للمخاطب قال النووي هكذا هو في رواية الجمهور "أجهدك" بالجيم والهاء أي لا أشق عليك برد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي والجهد المشقة وفي رواية للبخاري "لا أحمدك" أي لا أحمدك على ترك شيء تحتاج إليه من مالي فلم تأخذه فالحمد المنفي ليس على الأخذ بل على عدم الأخذ ففي الكلام مضاف محذوف كقول الشاعر وليس على طول الحياة تندم إذ مراده وليس على عدم طول الحياة تندم قال القاضي عياض لم يتضح هذا المعنى لبعض الناس فقال لعله "لا أمنعك" وهذا تكلف اهـ ويحتمل أن قوله "أحمدك" بتشديد الميم أي لا أطلب حمدك وشكرك ولا أمتن عليك (فإنما ابتليتم) بضم التاء الأولى مبني للمجهول أي اختبرتم والخطاب للثلاثة (فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك) بضم الراء وكسر الضاد مبني للمجهول وكذا "سخط" (وكان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ بالله من شر هذا الراكب) أي لما رأى سعد ابنه من بعيد راكبا مسرعا دخل في قلبه أن هذا الراكب جاء بشر فاستعاذ بالله من شره وكان إلهامه صحيحا فقد جاء ابنه يطلب منه السعي وراء الأضواء وزهرة الدنيا وهو لا يريدها (أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم) الاستفهام إنكاري توبيخي أي لا ينبغي ولا يليق أن تفعل ذلك وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر ﵁ للخلافة بعده وقال فيه إن وليها سعد فذاك وإلا فليستعن به الوالي وهو من السابقين إلى الإسلام قيل كان سابع ستة وكان مسدد الرمية مجاب الدعوة أحد الفرسان الشجعان من قريش الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ في مغازيه وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وتوفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم وهو الذي تولى قتال فارس وفتح الله على يديه القادسية وغيرها وولاه عمر الكوفة ثم عزله وكانت هذه المقولة بين ابنه وبينه بعد مقتل عثمان وكان سعد ممن قعد عن الفتنة ولزم بيته وأمر أهله ألا يخبروه بشيء من أخبار الناس حتى تجتمع الأمة على إمام وظن معاوية أن سعدا بذلك

стр. 6129

يتخلى عن علي ﵁ وأنه يمكن أن يضمه إليه فكتب إليه يدعوه إلى عونه على المطالبة بدم عثمان فأجابه سعد معاوي داءك الداء العياء ... وليس لما تجيء به دواء أيدعوني أبو حسن علي ... فلم أردد عليه ما يشاء وقلت له أعطني سيفا بصيرا ... تميز به العداوة والولاء فإن الشر أصغره كثير ... وإن الظهر تثقله الدماء أتطمع في الذي أعطى عليا ... على ما قد طمعت به العفاء ليوم منه خير منك حيا ... وميتا أنت للمرء الفداء فأما أمر عثمان فدعه ... فإن الرأي أذهبه البلاء مات ﵁ في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل إلى المدينة فدفن بها بالبقيع سنة خمس وخمسين وله من العمر بضع وسبعون على المشهور روى أنه لما حضره الموت دعا بجبة خلق من صوف فقال كفنوني فيها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وكنت أخبؤها لهذا ﵁ وأرضاه (فضرب سعد في صدره فقال اسكت سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) قال النووي المراد بالغني غني النفس هذا هو الغني المحبوب لقوله ﷺ "ولكن الغني غني النفس" وأشار القاضي إلى أن المراد الغني بالمال وأما "الخفي" فبالخاء هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في الروايات وذكر القاضي أن بعض رواة مسلم رواه بالحاء ومعناه بالخاء الخامل المنقطع إلى العبادة وللاشتغال بأمور نفسه وهو مراقب ربه ومعناه بالحاء الوصول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء والمناسب للمقام رواية الخاء (إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله) وذلك في سرية عبيدة بن الحارث وكان معه يومئذ المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان ويروى أن سعدا قال في ذلك شعرا ألا هل جا رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي أذود بها عدوهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل فما يعتد رام من معد ... بسهم مع رسول الله قبلي (ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة) "الحبلة" بضم الحاء وسكون الباء و"السمر" بفتح

стр. 6130

السين وضم الميم نوعان من شجر البادية قيل الحبلة شجر العضاء قال ابن العربي شجر يشبه اللوبية وفي ملحق الرواية "حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع العنز ما يخلطه بشيء" أي يتبرز بفضلات ورق الأشجار برازا غير مخلوط بأصناف الطعام (ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين لقد خبت إذا وضل عملي) قالوا المراد ببني أسد بنو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى قالوا ومعنى "تعزرني" بضم التاء وفتح العين وكسر الزاي المشددة أي تعلمني وتقومني ومنه تعزير السلطان وهو تقويمه بالتأديب وقال بعضهم معناه اللوم والعتب وقيل معناه توبخني على التقصير في الدين يستكثر أن يكون من السابقين إلى الإسلام ويقدمه آخرون في الدين ولعله يشير بذلك إلى الشكوى التي قدمها فيه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب يقولون عنه إنه لا يحسن يصلي والتنوين في "إذا" في قوله "لقد خبت إذا" عوض عن المضاف إليه والتقدير لقد خبت إذا كنت سيئ الدين (فإن الدنيا قد آذنت بصرم) بضم الصاد وسكون الراء أي انقطاع وذهاب و"آذنت" بهمزة ممدودة وفتح الذال أي أعلمت (وولت حذاء) "ولت" بفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة من ولى يولي بمعنى ذهب و"حذاء" بفتح الحاء ثم ذال مشددة بعدها ألف ممدودة أي مسرعة الانقطاع (ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها) "الصبابة" بضم الصاد النقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء وقوله "يتصابها" أي يشربها (لا يدرك لها قعرا) قعر كل شيء أسفله (وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام) أي ممتلئ (ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا) أي صارت فيها قروح وجراح من خشونة الورق وحرارته (فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار) يقارن بين حالة الفقر والضنك التي كانوا فيها وبين حالة العز والسيادة التي صاروا فيها وسعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بضم العين وسكون التاء وفتح الباء و"غزوان" بفتح الغين وسكون الزاي من السابقين الأولين هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة كان رفيقا للمقداد شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ فتح الفتوح واختط البصرة قدم على عمر ﵄ يستعفيه من الإمارة فأبى فرجع فمات في الطريق سنة سبع عشرة وهو ابن سبع وخمسين على الصحيح وفي ملحق الرواية الثالثة عشرة "وكان أميرا على البصرة"
следующие страницы →