← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

نعمة الله" أي أحق وأحرى بعدم الازدراء والازدراء افتعال من زريت عليه وأزريت به إذا تنقصته وفي معناه ما أخرجه الحاكم "أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله" وفي الحديث "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به" ومن نظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته فإنه لا يكتب شاكرا ولا صابرا قال ابن بطال هذا الحديث جامع لمعاني الخير لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهدا فيها إلا وجد من هو فوقه فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله فيكون أبدا في زيادة تقربه من ربه ولا يكون على حالة خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس منه حالا فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده (إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى) بالنصب بدل من "ثلاثة" (فأراد الله أن يبتليهم) وفي بعض النسخ "أن يبليهم" بإسقاط التاء ومعناهما الاختبار وفي رواية البخاري "بدا لله أن يبتليهم" بفتح الباء والدال بغير الهمز أي سبق في علم الله فأراد إظهاره وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيا لأن ذلك محال في حق الله تعالى وقال صاحب المطالع ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمز أي ابتدأ الله أن يبتليهم قال ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ اهـ قال الحافظ ابن حجر وأولى ما يحمل عليه أن المراد قضى الله أن يبتليهم (فبعث إليهم ملكا) ليأتي كل واحد منهم على حدة (فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس) "قذرني" بفتح القاف والذال مخففة يقال قذره الناس وقذر الرجل الشيء يقذره بضم الذال قذرا بسكونها جعله واعتبره قذرا بكسر الذال وقذر بكسر الذال يقذر بفتحها أي اتسخ فهو قذر بكسرها وقذر الشيء بكسر الذال وجده قذرا وكرهه لوسخه واجتنبه فيصح في روايتنا كسر الذال وفتحها أي اشمأز الناس من رؤيتي وفي رواية حكاها الكرماني "قذروني الناس" على لغة أكلوني البراغيث (فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا) أي مسح على جسمه (قال فأي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر) شك في ذلك فالأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر فشك إسحاق (فأعطي ناقة عشراء فقال بارك الله لك فيها) الناقة العشراء بضم العين

стр. 6127

وفتح الشين الحامل القريبة الولادة أي أعطي الذي تمنى الإبل وفي رواية البخاري "يبارك لك فيها" (فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس ... ) قوله "ويذهب عني ... تصريح باللازم لتأكيد المطلب (فأي المال أحب إليك قال البقر فأعطي بقرة حاملا) أي حبلى ولم يؤنث لأنه وصف خاص بالإناث (وأتى الأعمى ... فأعطي شاة والدا) أي ذات ولد أي حاملا وقيل وضعت ولدها وهو معها (فأنتج هذان) قال النووي هكذا الرواية "فأنتج" رباعي بضم الهمزة وهي لغة قليلة الاستعمال والمشهور "نتج" بضم النون ثلاثي وممن حكى اللغتين الأخفش ومعناه توالي الولادة وهي النتج والإنتاج اهـ والإشارة "هذان" لصاحب الإبل وصاحب البقر (وولد هذا) بفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة والإشارة لصاحب الغنم والناتج للإبل والمولد للغنم أي القائم على توليدها كالقابلة بالنسبة للنساء ويلاحظ في الثلاثة وصف الفقر والمسكنة في حالتهم الأولى وإن لم يذكر أخذا من المقام (ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته) الأولى أي في صورة أبرص (فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري) "الحبال" بكسر الحاء وفتح الباء مخففة جمع حبل أي الأسباب التي أقطعها في طلب الرزق وقيل العقبات وقيل الحبل هو المستطيل من الرمل ولبعض رواة مسلم "الحيل" بالياء بدل الباء جمع حيلة أي لم يبق لي حيلة ولبعض رواة البخاري "الجبال" بالجيم وهو تصحيف ومعنى "أتبلغ عليه" وفي رواية "به" من البلغة وهي الكفاية والمعنى أتوصل به إلى مرادي (فقال الحقوق كثيرة) أي مطالب الحياة كثيرة يضيق عنها ما ترى من مال فلا أستطيع إجابة طلبك (إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر) أي أنا كبير وغني عن أب كبير وغني عن جد كذلك "وكابرا" منصوب على الحالية ولم يتعرض في جوابه للبرص لأنه غير المطلوب (إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت) فعل "صيرك" لفظه خبر ومعناه دعاء وقيل

стр. 6128

هو خبر لفظا ومعنى معبر فيه عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع على احتمال أن الملك كان عالما بالنتيجة من الله تعالى (رجل مسكين وابن سبيل ... ) أي قال له مثل ما قال للآخرين وزيادة "ابن سبيل" هنا ليست زيادة فمعناها حاصل في كلامه لأخويه (فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله) بفتح التاء للمخاطب قال النووي هكذا هو في رواية الجمهور "أجهدك" بالجيم والهاء أي لا أشق عليك برد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي والجهد المشقة وفي رواية للبخاري "لا أحمدك" أي لا أحمدك على ترك شيء تحتاج إليه من مالي فلم تأخذه فالحمد المنفي ليس على الأخذ بل على عدم الأخذ ففي الكلام مضاف محذوف كقول الشاعر وليس على طول الحياة تندم إذ مراده وليس على عدم طول الحياة تندم قال القاضي عياض لم يتضح هذا المعنى لبعض الناس فقال لعله "لا أمنعك" وهذا تكلف اهـ ويحتمل أن قوله "أحمدك" بتشديد الميم أي لا أطلب حمدك وشكرك ولا أمتن عليك (فإنما ابتليتم) بضم التاء الأولى مبني للمجهول أي اختبرتم والخطاب للثلاثة (فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك) بضم الراء وكسر الضاد مبني للمجهول وكذا "سخط" (وكان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ بالله من شر هذا الراكب) أي لما رأى سعد ابنه من بعيد راكبا مسرعا دخل في قلبه أن هذا الراكب جاء بشر فاستعاذ بالله من شره وكان إلهامه صحيحا فقد جاء ابنه يطلب منه السعي وراء الأضواء وزهرة الدنيا وهو لا يريدها (أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم) الاستفهام إنكاري توبيخي أي لا ينبغي ولا يليق أن تفعل ذلك وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر ﵁ للخلافة بعده وقال فيه إن وليها سعد فذاك وإلا فليستعن به الوالي وهو من السابقين إلى الإسلام قيل كان سابع ستة وكان مسدد الرمية مجاب الدعوة أحد الفرسان الشجعان من قريش الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ في مغازيه وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وتوفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم وهو الذي تولى قتال فارس وفتح الله على يديه القادسية وغيرها وولاه عمر الكوفة ثم عزله وكانت هذه المقولة بين ابنه وبينه بعد مقتل عثمان وكان سعد ممن قعد عن الفتنة ولزم بيته وأمر أهله ألا يخبروه بشيء من أخبار الناس حتى تجتمع الأمة على إمام وظن معاوية أن سعدا بذلك

стр. 6129

يتخلى عن علي ﵁ وأنه يمكن أن يضمه إليه فكتب إليه يدعوه إلى عونه على المطالبة بدم عثمان فأجابه سعد معاوي داءك الداء العياء ... وليس لما تجيء به دواء أيدعوني أبو حسن علي ... فلم أردد عليه ما يشاء وقلت له أعطني سيفا بصيرا ... تميز به العداوة والولاء فإن الشر أصغره كثير ... وإن الظهر تثقله الدماء أتطمع في الذي أعطى عليا ... على ما قد طمعت به العفاء ليوم منه خير منك حيا ... وميتا أنت للمرء الفداء فأما أمر عثمان فدعه ... فإن الرأي أذهبه البلاء مات ﵁ في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل إلى المدينة فدفن بها بالبقيع سنة خمس وخمسين وله من العمر بضع وسبعون على المشهور روى أنه لما حضره الموت دعا بجبة خلق من صوف فقال كفنوني فيها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وكنت أخبؤها لهذا ﵁ وأرضاه (فضرب سعد في صدره فقال اسكت سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) قال النووي المراد بالغني غني النفس هذا هو الغني المحبوب لقوله ﷺ "ولكن الغني غني النفس" وأشار القاضي إلى أن المراد الغني بالمال وأما "الخفي" فبالخاء هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في الروايات وذكر القاضي أن بعض رواة مسلم رواه بالحاء ومعناه بالخاء الخامل المنقطع إلى العبادة وللاشتغال بأمور نفسه وهو مراقب ربه ومعناه بالحاء الوصول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء والمناسب للمقام رواية الخاء (إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله) وذلك في سرية عبيدة بن الحارث وكان معه يومئذ المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان ويروى أن سعدا قال في ذلك شعرا ألا هل جا رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي أذود بها عدوهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل فما يعتد رام من معد ... بسهم مع رسول الله قبلي (ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة) "الحبلة" بضم الحاء وسكون الباء و"السمر" بفتح

стр. 6130

السين وضم الميم نوعان من شجر البادية قيل الحبلة شجر العضاء قال ابن العربي شجر يشبه اللوبية وفي ملحق الرواية "حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع العنز ما يخلطه بشيء" أي يتبرز بفضلات ورق الأشجار برازا غير مخلوط بأصناف الطعام (ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين لقد خبت إذا وضل عملي) قالوا المراد ببني أسد بنو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى قالوا ومعنى "تعزرني" بضم التاء وفتح العين وكسر الزاي المشددة أي تعلمني وتقومني ومنه تعزير السلطان وهو تقويمه بالتأديب وقال بعضهم معناه اللوم والعتب وقيل معناه توبخني على التقصير في الدين يستكثر أن يكون من السابقين إلى الإسلام ويقدمه آخرون في الدين ولعله يشير بذلك إلى الشكوى التي قدمها فيه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب يقولون عنه إنه لا يحسن يصلي والتنوين في "إذا" في قوله "لقد خبت إذا" عوض عن المضاف إليه والتقدير لقد خبت إذا كنت سيئ الدين (فإن الدنيا قد آذنت بصرم) بضم الصاد وسكون الراء أي انقطاع وذهاب و"آذنت" بهمزة ممدودة وفتح الذال أي أعلمت (وولت حذاء) "ولت" بفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة من ولى يولي بمعنى ذهب و"حذاء" بفتح الحاء ثم ذال مشددة بعدها ألف ممدودة أي مسرعة الانقطاع (ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها) "الصبابة" بضم الصاد النقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء وقوله "يتصابها" أي يشربها (لا يدرك لها قعرا) قعر كل شيء أسفله (وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام) أي ممتلئ (ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا) أي صارت فيها قروح وجراح من خشونة الورق وحرارته (فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار) يقارن بين حالة الفقر والضنك التي كانوا فيها وبين حالة العز والسيادة التي صاروا فيها وسعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بضم العين وسكون التاء وفتح الباء و"غزوان" بفتح الغين وسكون الزاي من السابقين الأولين هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة كان رفيقا للمقداد شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ فتح الفتوح واختط البصرة قدم على عمر ﵄ يستعفيه من الإمارة فأبى فرجع فمات في الطريق سنة سبع عشرة وهو ابن سبع وخمسين على الصحيح وفي ملحق الرواية الثالثة عشرة "وكان أميرا على البصرة"

стр. 6131

(وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت) أي إلا أزيلت ومحيت وحل محلها شيء آخر (حتى يكون آخر عاقبتها ملكا) وقد كان وتحولت الخلافة إلى ملك (فستخبرون) بفتح التاء وسكون الخاء وضم الباء أي ستختبرون الأمراء وتختبرون بهم وترون منهم ما يذكركم أحوالنا وما كنا عليه من إصلاح (ألم أكرمك وأسود له) أي أجعلك سيدا والاستفهام للتقرير (وأذرك ترأس وتربع) "أذرك" بفتح الهمزة والذال وسكون الراء من يذر ذر أي يدع دع و"ترأس" بفتح التاء وسكون الراء وفتح الهمزة بعدها سين ومعناه رئيس القوم وكبيرهم وأما "تربع" فبفتح التاء والباء بينهما راء ساكنة معناه تأخذ المرباع الذي كانت ملوك الجاهلية تأخذه من الغنيمة وهو ربعها يقال ربعتهم أي أخذت ربع أموالهم ومعناه ألم أجعلك رئيسا مطاعا وقال القاضي عندي أن معناه تركتك مستريحا لا تحتاج إلى مشقة وتعب من قولهم أربع على نفسك أي أرفق بها وفي رواية "ترتع" بتاءين ومعناه تنعم وقيل تأكل وقيل تلهو وقيل تعيش في سعة (فيقول ههنا إذا) معناه قف ههنا حتى تشهد عليك جوارحك (فيقال لأركانه انطقي) أي فيقال لجوارحه انطقي (فعنكن كنت أناضل) أي أدافع وأجادل (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) وفي الرواية الثامنة عشرة "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" وفي ملحقها "كفافا" قيل المعنى اجعل رزقهم كفاية من غير إسراف وقيل "قوتا" أي كفافا أي سد الرمق (ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض) في الرواية العشرين "ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله" وفي الرواية الواحدة والعشرين "ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض" وفي الرواية الثالثة والعشرين "من خبز البر ثلاثا" وفي الرابعة والعشرين "يومين من خبز بر إلا وأحدهما تمر" وفي الرواية الثامنة والعشرين "ما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين" وعند ابن سعد "كانت تأتي عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز البر" وفي رواية "خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير في اليوم الواحد غداء وعشاء" وعند ابن سعد "ما شبع من غداء أو عشاء حتى لقى الله" (إن كنا آل محمد ﷺ لنمكث شهرا ما نستوقد بنار إن هو إلا التمر والماء) وفي ملحق الرواية "إن كنا لنمكث" و"إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الحال والشأن محذوف

стр. 6132

والجملة بعدها خبرها والتقدير إنه كنا ... وزاد في هذا الملحق "إلا أن يأتينا اللحيم" وفي الرواية السابعة والعشرين "إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار قال لها عروة ابن أختها يا خالة ما كان يعيشكم قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه" "ما كان يعيشكم" بضم الياء وفتح العين وكسر الياء المشددة قال النووي وفي بعض النسخ المعتمدة "فما كان يقيتكم" وفي الرواية الثالثة والثلاثين "لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل" بفتح الدال والقاف هو تمر ردئ "ما يملأ به بطنه" زاد في ملحق الرواية "وما ترضون دون ألوان التمر والزبد" وفي الرواية الرابعة والثلاثين "لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه" (توفي رسول الله ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففنى) الرف بفتح الراء تجويف في حائط أو خشبة توضع على جانبي حائط ليوضع عليها الشيء والشطر هنا معناه شيء من شعير وقيل معناه نصف وسق و"ذو كبد" يشمل جميع الحيوان و"فكلته" بكسر الكاف -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى مواساة أهل البلاء بأن الدنيا سجن المؤمن ٢ - ومن الرواية الثانية أدب التابعين مع المتبوع والإحاطة به من جانبيه ٣ - هوان الدنيا على الله وتحقير شأنها بالنسبة للآخرة ونعيمها ٤ - وجواز تمثيلها بالشيء الحقير والميت النتن ٥ - ومن الرواية الثالثة الحث على التصدق بالمال ومحاولة استخدامه للآخرة ٦ - ومن الرواية الخامسة أنه لا ينفع الميت إلا عمله ٧ - ومن الرواية السادسة خشيته ﷺ على أمته من فتنة المال ٨ - وهو علم من أعلام النبوة وقد وقع ٩ - وفيها إشارة إلى أن مضرة الفقر دون مضرة الغنى لأن مضرة الفقر دنيوية ومضرة الغنى دينية غالبا ١٠ - وقد يستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى

стр. 6133

١١ - وفيها الاعتبار والتبصير بالأمم السابقة ١٢ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة فضيلة النظر إلى من هو فوقه في الدين والنظر إلى من هو دونه في الدنيا ١٣ - والحث على شكر نعمة الله وعدم ازدرائها ١٤ - ومن الرواية العاشرة من قول الملك "رجل مسكين" استخدام المعاريض وضرب الأمثال ليتيقظ المخاطب ١٥ - وفيها جواز ذكر ما وقع لمن مضى ليتعظ به من سمعه ولا يكون ذلك غيبة فيهم ١٦ - والتحذير من كفران النعم ١٧ - والترغيب في شكرها والاعتراف بها وحمد الله عليها ١٨ - وفيها فضل الصدقة ١٩ - والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم وتبليغهم مآربهم ٢٠ - والزجر عن البخل لأنه حمل صاحبه على الكذب وعلى جحد نعمة الله تعالى ٢١ - وفي الرواية الحادية عشرة منقبة لسعد بن أبي وقاص ٢٢ - والزهد في الإمارة والمناصب ٢٣ - وفضيلة الخامل المنقطع للعبادة المشتغل بأمور نفسه ٢٤ - قال النووي وفيها حجة لمن يقول الاعتزال أفضل من الاختلاط وفي المسألة خلاف ٢٥ - وفيها جواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة إذا أمن العجب قال ابن الجوزي فإن قيل كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه فالجواب أن ذلك ساغ له لما عيره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة فاضطر إلى ذكر فضله ٢٦ - وفيها بيان ما كانوا عليه من الزهد في الدنيا والتقلل منها والزهد والصبر في طاعة الله على المشاق الشديدة ٢٧ - ومن الرواية الثالثة عشرة ما كانت عليه حالتهم في أول الأمر من شدة الحال وخشونة العيش والجهد ثم إنهم اتسعت عليهم الدنيا بالفتوحات وولوا الولايات ٢٨ - ومن الرواية التاسعة عشرة وما بعدها ما كان عليه ﷺ من الزهد في الدنيا قال الطبري استشكل بعض الناس كون النبي ﷺ وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا مع ما ثبت أنه ﷺ كان يرفع لأهله قوت سنة وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير

стр. 6134

مما أفاء الله عليه وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين وأنه أمر لأعرابي بقطيع غنم وغير ذلك مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم قال والجواب أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة لا لعوز وضيق بل تارة للإيثار وتارة لكراهة الشبع ثم قال وما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث اهـ قال الحافظ ابن حجر والحق أن الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم نعم كان النبي ﷺ يختار ذلك مع إمكان التوسع والتبسط في الدنيا له كما أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة "عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وإذا شبعت شكرتك" ٢٩ - ومن الرواية السادسة والعشرين قال ابن بطال فيه أن الطعام المكيل يكون فناؤه معلوما للعلم بكيله وأن الطعام غير المكيل فيه البركة لأنه غير معلوم مقداره قال الحافظ ابن حجر في تعميمه كل الطعام بذلك نظر والذي يظهر أنه كان من الخصوصية لعائشة ببركة النبي ﷺ ونحوه ما وقع في عكة المرأة قال القرطبي سبب رفع النماء عند الكيل الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله ومواهب كراماته وكثرة بركاته والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة ٣٠ - ويستفاد منها أن من رزق شيئا أو أكرم بكرامة أو لطف به في أمر ما فالمتعين عليه موالاة الشكر وإضافة المنة لله تعالى والله أعلم.

стр. 6135

(٧٩٣) باب النهي عن الدخول على أهل الحجر إلا من يدخل باكيا ٦٤٩١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" ٦٤٩٢ - عن ابن شهاب وهو يذكر الحجر مساكن ثمود قال سالم بن عبد الله إن عبد الله بن عمر قال مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر فقال لنا رسول الله ﷺ "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم" ثم زجر فأسرع حتى خلفها ٦٤٩٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. ٦٤٩٤ - -/- وفي رواية عن عبيد الله بهذا الإسناد مثله غير أنه قال فاستقوا من بئارها واعتجنوا به -[المعنى العام]- في طريق المسلمين إلى غزوة تبوك وقبل الشام من أرض الحجاز مروا على آبار ثمود قوم صالح وقد قطعوا صحراء واسعة قليلة الماء فلما وصلوا إلى آبار ثمود وكانوا في حاجة إلى الماء استقوا من آبارها وعجنوا دقيقهم بمائها وخاف رسول الله ﷺ على أصحابه من آثار غضبة الله تعالى فأمر أصحابه أن لا يأكلوا خبزا عجنوه بماء قوم صالح وليطعموا الخبز الذي عجنوه بمائهم

стр. 6136

الدواب والأنعام وقال لهم لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا مضطرين على أن تدخلوا باكين تائبين خائفين من أن يصيبكم مثل ما أصابهم خائفين من أن تحل عليكم غضبة الله التي حلت بهم واجتهدوا أن تسرعوا السفر ومجاوزة ديار الظالمين -[المباحث العربية]- (قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر) أصحاب الحجر ثمود قوم صالح وقد هلكوا جميعا لتكذيبهم رسولهم وعقرهم الناقة أخذتهم الصيحة مصبحين فاللام في قوله "لأصحاب الحجر" بمعنى "عن" أي قال لأصحابه عن أصحاب الحجر وشأنهم (لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين) أي لا تدخلوا على آثارهم ولا تدخلوا بيوتهم وطرقاتهم (إلا أن تكونوا باكين) متضرعين إلى الله أن يحفظكم من غضبه وأن يحميكم من أن يصيبكم مثل ما أصابهم (أن يصيبكم مثل ما أصابهم) بفتح همزة "أن" أي خشية أن يصيبكم أو حذر أن يصيبكم (ثم زجر فأسرع حتى خلفها) مفعول "زجر" محذوف للعلم به أي زجر ناقته وساقها سوقا شديدا حتى خلف الديار وجعلها خلفه وجاوزها -[فقه الحديث]- فيه الحث على المراقبة والخشية والخوف عند المرور بديار الظالمين ومواضع العذاب قال النووي ومثلة الإسراع في وادي محسر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك وقد مضى في كتاب الحج فينبغي للمار في هذه المواضع التذكر والاعتبار والخوف والبكاء وأن يستعيذ بالله من غضب الله والله أعلم.

стр. 6137

(٧٩٤) باب فضل الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم ٦٤٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر". ٦٤٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة" وأشار مالك بالسبابة والوسطى -[المعنى العام]- الإسلام دين التكافل الاجتماعي ومثل المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ومثل المؤمنين كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وعلى الرغم من الصدقة الواجبة لمستحقيها يدعو الإسلام لصدقات أخرى فوق الواجبة إلى المستحقين والمحتاجين من المسلمين وعلى رأسهم الأرملة والمسكين واليتيم وإذا كان الحديث قد شبه المحسن إلى الأرملة والمسكين بالمجاهد في سبيل الله من حيث الأجر ومن حيث إحياء الدين فكلاهما إحياء فإن المنفلوطي قد بالغ وجعل المحسن أفضل من المجاهد إذ يقول ما معناه إن الإحسان إلى الفقير خير من الجهاد في سبيل الله وإن شرح القلوب خير من شق الصدور وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي اهـ وإن كان في كلامه مغالطة كبيرة لكنه الأدب والبيان وإن من البيان لسحرا -[المباحث العربية]- (الساعي على الأرملة والمسكين) "الأرملة" التي لا زوج لها سواء كانت تزوجت أم لا وقيل هي التي فارقت زوجها قال ابن قتيبة سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج يقال أرمل الرجل إذا فنى زاده و"المسكين" مفعيل من السكون فكأنه من

стр. 6138

قلة المال سكنت حركاته ولذا قال تعالى ﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ [البلد ١٦] أي لاصق بالتراب وفي حد الغني والفقير والمسكين خلاف طويل تقدم في مصارف الزكاة ومعنى الساعي الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين (كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر) هكذا بالشك هنا وفي رواية للبخاري "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل" والقائل "أحسبه" في روايتنا القعنبي وقد أخرجه ابن ماجه بلفظ البخاري لكنه بالواو لا بلفظ "أو" (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والوسطى) كافل اليتيم القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك واليتيم الصغير الذي مات أبوه وقوله "له أو لغيره" الذي له أن يكون قريبا كجده وأمه وجدته وأخيه وعمه وخاله وغيرهم من أقاربه والذي لغيره أن يكون أجنبيا -[فقه الحديث]- فيه فضيلة الساعي والمعين للأرملة والمسكين وعظم أجره لأنه بذلك من المجاهدين في سبيل الله الجهاد الأكبر وهو مغالبة النفس والهوى والشيطان وفي الحديث الثاني فضيلة كافل اليتيم وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية على أن يقوم بالكفالة على الوجه الشرعي الكامل والله أعلم.

стр. 6139

(٧٩٥) باب فضل بناء المساجد ٦٤٩٧ - عن عثمان بن عفان ﵁ عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول ﷺ إنكم قد أكثرتم وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من بنى مسجدا قال بكير حسبت أنه قال يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" وفي رواية هارون "بنى الله له بيتا في الجنة" ٦٤٩٨ - عن عثمان بن عفان ﵁ حين أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول "من بنى مسجدا لله بنى الله له في الجنة مثله" ٦٤٩٩ - -/- وفي رواية عن عبد الحميد بن جعفر بهذا الإسناد غير أن في حديثهما "بنى الله له بيتا في الجنة" هذان الحديثان بلفظهما سبق شرحهما في باب خاص بعنوان باب فضل بناء المساجد والحث عليها من كتاب المساجد

стр. 6140

(٧٩٦) باب فضل الإنفاق على المسكين وابن السبيل ٦٥٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته فقال له يا عبد الله ما اسمك قال فلان للاسم الذي سمع في السحابة فقال له يا عبد الله لم تسألني عن اسمي فقال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه" ٦٥٠١ - -/- وفي رواية عن وهب بن كيسان بهذا الإسناد غير أنه قال "وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل" -[المعنى العام]- رجل فيمن كان قبلنا ولعله من عباد بني إسرائيل سمع صوتا آمرا ملك السحاب والمطر يقول له حول السحاب فوق أرض فلان بن فلان فتحولت السحابة إلى جهة تتبعها سامع الصوت من بني إسرائيل فإذا هي تمطر فوق أرض ووجد رجلا يعمل في هذه الأرض بفأسه فسأله ما اسمك فقال الرجل اسمي فلان بن فلان لماذا تسأل عن اسمي قال له سمعت اسمك في السماء فأخبرني كيف وصلت إلى هذه الدرجة وماذا تفعل في ثمراتها قال له ما كنت أحب أن أذكر شيئا من هذا فهو بيني وبين الله ولكن مادمت بهذا القصد الصالح فاعلم أنني أقسم الثمرة أثلاثا أتصدق بثلثها وآكل أنا وعيالي ثلثها وأستخدم الثلث بذرا أعيد به زراعتها وهكذا نرى كيف يخلف الله على المتصدق والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون -[المباحث العربية]- (بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة) أي سمع صوتا يأمر صادرا لأذن الرجل من جهة سحابة

стр. 6141

(فتنحى ذلك السحاب) أي غير وجهته يقال تنحيت الشيء وانتحيته ونحوته إذا قصدته ومنه سمي علم النحو لأنه قصد كلام العرب كذا قال النووي (فأفرغ ماءه في حرة) بفتح الحاء وهي الأرض الصلبة الملبسة بالحجارة السوداء (فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله) الشرجة بفتح الشين وسكون الراء طريق سيلان السيل من الهضاب ونحوها إلى السهل أي أخذت الماء كله لتوزعه على أرض الرجل (يحول الماء بمسحاته) المسحاة معروفة تشبه الفأس (وابن السبيل) هو المسافر المنقطع عن ماله وألحق به كل من هو غائب عن ماله -[فقه الحديث]- ١ - في الحديث فضل الصدقة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل ٢ - وفضل أكل الإنسان من كسبه ٣ - وفضل الإنفاق على الأهل والعيال ٤ - وفضل الزرع والله أعلم

стр. 6142

(٧٩٧) باب تحريم الرياء ٦٥٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "قال الله ﵎ أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ٦٥٠٣ - عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "من سمع سمع الله به ومن راءى رءاى الله به" ٦٥٠٤ - عن جندب العلقي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من يسمع يسمع الله به ومن يرائي يرائي الله به" -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿فاعبد الله مخلصا له الدين﴾ [الزمر ٢] ويقول ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ والله تعالى غني عن العبادة التي يشرك العابد فيها غير الله يكره أن نقصد الناس بعبادتنا فيتركنا لهم ويحيلنا في الثواب والأجر والجزاء عليهم قال جل شأنه ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب [أي كمثل حجر أملس عليه تراب] فأصابه وابل [مطر] فتركه صلدا﴾ [البقرة ٢٦٤] أي أملس خاليا من التراب وأثره ولا يقتصر أثر الرياء على إحباط الأجر بل هناك من الوزر والعقوبة ما هناك فالله تعالى يقول ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون ٤ - ٧] -[المباحث العربية]- (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عملا عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)

стр. 6143

قال النووي هكذا وقع في بعض الأصول "وشركه" وفي بعضها "وشريكه" وفي بعضها "وشركته" ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها فمن عمل شيئا لي ولغيري لم أقبله بل أتركه لذلك الغير والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ويأثم فيه (من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به) وفي الرواية الثالثة "من يسمع يسمع الله به ومن يرائي يرائي الله به" "من سمع" بفتح السين والميم المشددة و"سمع الله به" مثلها و"من راءى" بمد الراء بعدها همزة و"من يرائي" بضم الياء والمد وكسر الهمزة و"يرائي" الثانية مثلها وثبتت الياء في آخر كل منهما للإشباع وهما مجزومان أو التقدير كما قال الحافظ فإنه يرائي أي على الاستئناف وهذا عن "يرائي" الثانية أما الأولى فهي للإشباع فحسب وفي المعنى قال الخطابي من عمل عملا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه [وظاهر هذا أن الجزاء في الدنيا ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا والآخرة] وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة ومعنى "يرائي الله به" يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه ومنه قوله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ إلى قوله ﴿ما كانوا يعملون﴾ [هود ١٥، ١٦] وقيل المراد من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه ليعظموه وتعلو منزلته عندهم حصل له ما قصد وكان ذلك جزاءه على عمله ولا يثاب عليه في الآخرة وهذا القول قريب من سابقه إلا أن يراد من السابق أن يضيع هدفه من الناس فلا يحصل له ما قصد كما يضيع أجره في الآخرة وقيل المعنى من سمع بعيوب الناس وأذاعها ونقلها من سمع إلى سمع أظهر الله عيوبه ونشر أسراره وقيل المعنى من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله وادعى خيرا لم يصنعه ونشر ذلك على مسامع الناس فإن الله يفضحه ويظهر كذبه وقيل المعنى من يرائي الناس بعمله أراه الله ما كان يستحق بعمله من الثواب لولا المراءاة وحرمه إياه وقيل معنى "سمع الله به" شهره أو ملأ أسماع الناس بسوء الثناء عليه في الدنيا أو في القيامة بما ينطوي عليه من خبث السريرة أقول واللفظ يحتمل كل هذه المعاني فليشملها والله أعلم

стр. 6144

-[فقه الحديث]- في الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح قال الحافظ ابن حجر لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدي به على إرادته الاقتداء به ويقدر ذلك بقدر الحاجة قال ابن عبد السلام يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدي به أو لينتفع به ككتابة العلم قال فمن كان إماما يستن بعلمه عالما بما لله عليه قاهرا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي لصحة قصده ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل وعلى ذلك جرى عمل أهل السلف والله أعلم.

стр. 6145

(٧٩٨) باب حفظ اللسان ٦٥٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" ٦٥٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" -[المعنى العام]- يراجع المعنى العام لحديث "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" في باب إكرام الجار والضيف وفضيلة حفظ اللسان في كتاب الإيمان بالجزء الأول من هذا الكتاب -[المباحث العربية]- (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها) ذكر "الرجل" لا مفهوم له فالمرأة كذلك ومعنى "ما يتبين ما فيها" أي لا يتدبرها ولا يفكر في قبحها ولا يخاف ما يترتب عليها كالكلمة عند السلطان تقتل أو تؤذي إنسانا وكلمة القذف وكلمة نميمة وفتنة تثير معركة (يهوي بها في النار) ينزل بها في النار (أبعد ما بين المشرق والمغرب) كناية عن المسافة البعيدة وعمق النار يقصد به شدة إيلامها كما وكيفا (ملحوظة) يراجع الحديث الخاص باللسان في باب "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" وفي باب إكرام الجار والضيف وفضيلة حفظ اللسان في كتاب الإيمان والله أعلم

стр. 6146

(٧٩٩) باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله ٦٥٠٧ - عن أسامة بن زيد ﵁ قال قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه فقال أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه ولا أقول لأحد يكون علي أميرا إنه خير الناس بعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه". ٦٥٠٨ - وفي رواية عن أبي وائل قال كنا عند أسامة بن زيد فقال رجل ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع وساق الحديث بمثله -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف ٢ - ٣] إن القدوة الحسنة العملية أدخل في الوعظ من الكلمة والكلمة الحسنة مع القدوة الحسنة هما الغاية المؤثرة في الوعظ والإرشاد وهما ركنان متكاملان نعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي والعمل بما يأمر به والبعد عما ينهى عنه واجب شرعي فإن قصر في الواجبين عوقب عليهما وإن قصر في أحدهما عوقب على ما قصر فيه وحديثنا فيمن قصر في أحدهما وقد كانت عقوبته فظيعة مخيفة فما بالنا بمن قصر في الأمرين نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة رب العالمين

стр. 6147

-[المباحث العربية]- (قيل لأسامة بن زيد ألا تدخل على عثمان فتكلمه) في ملحق الرواية "كنا عند أسامة بن زيد فقال رجل ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع" أسامة بن زيد الحبيب بن الحبيب أمره رسول الله ﷺ على بعث فيه أبو بكر وعمر قبيل وفاته وأنفذ أبو بكر هذا البعث أول خلافته وكان عمر يجله ويحترمه وله بين الصحابة مكانته من هنا حرصوا على أن يكلم عثمان ﵁ فيما أخذ عليه في أواخر خلافته فحضوا أسامة أن يكلمه (فقال أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم) "ترون" بفتح التاء أي أتعلمون وتعتقدون أني لم أكلمه والاستفهام إنكاري توبيخي بمعنى نفي الانبغاء أي لا ينبغي أن تعتقدوا ذلك فإني أكلمه أو كلمته دون أن أسمعكم قال النووي وفي بعض النسخ "إلا سمعكم" والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال أي أترون أني لا أكلمه في حال من الأحوال إلا في حال سمعكم وقال وفي بعض النسخ "أسمعكم" بضم الهمزة وكله بمعنى أي أتظنون أني لا أكلمه إلا وأنتم تسمعون (والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه) الظاهر أن "ما" زائدة والمعنى كلمته دون أن أجاهر بالإنكار على الأمراء في الملأ ودون أن أكون أول من فتح باب الخروج على الحاكم (ولا أقول لأحد يكون علي أميرا إنه خير الناس) الظاهر أن اللام في "لأحد" بمعنى "عن" أي ولا أقول لكم عن أحد يكون أميرا إنه خير الناس نفاقا وتزلفا أو على أصلها والمعنى ولم أقل له إنه خير الناس فأكون بذلك مخادعا أقول ما لا أعتقد ولكن قلت له ما عندي (فتندلق أقتاب بطنه) قال النووي "تندلق" بالدال والاندلاق خروج الشيء من مكانه والأقتاب جمع قتبة أو قتب وهي الأمعاء وقال ابن عيينة هي ما استدار في البطن وهي الحوايا والأمعاء (فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى) أي يدور حولها في النار كما يدور الحمار حول الرحى (فيقولون يا فلان ما لك) القائلون أصحابه ومن كان يعرفه في الدنيا معرفة سطحية غير واقعية و"ما لك" مبتدأ وخبر والاستفهام حقيقي أو تعجبي أي نتعجب من حالك -[فقه الحديث]- ١ - فيه عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله ومن ينهى عن المنكر ويفعله

стр. 6148

٢ - وفيه أن الناس في الآخرة يعرف بعضهم بعضا ٣ - ويسأل بعضهم بعضا عما أدى بهم إلى النتيجة ٤ - وأن الصدق أسلوب يوم القيامة حتى من هو في النار ٥ - وفيه منقبة ظاهرة لأسامة بن زيد ٦ - وأمره الحاكم بالمعروف ونهيه عن المنكر ٧ - وأدبه مع الأمراء ولطفه بهم ووعظهم سرا وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه وهذا كله إذا أمكن قال النووي فإن لم يكن الوعظ سرا والإنكار خفية فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق والله أعلم.

стр. 6149

(٨٠٠) باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه ٦٥٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "كل أمتي معافاة إلا المجاهرين وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه فيقول يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه" قال زهير "وإن من الهجار" -[المعنى العام]- إن الحياء في الإنسان ميزان رقيه الإنساني وهو الحاجز للمؤمن عن فعل القبيح وإذا وقع منه القبيح كان الحياء الشرعي مانعا من الجهر والتبجح بارتكابه ومن يجاهر بارتكاب القبيح سواء بفعله أمام آخرين وعدم اكتراثه بمن يراه أو بالإخبار عن فعله بعد أن ستره الله هو مستهتر بالناس وبصالحيهم وبحكامهم وبأولياء أمورهم ثم هو فوق ذلك مستهتر بالدين مستهتر بخالقه القادر على إخراسه وشل حركته مجابه له جل شأنه بالمجاهرة وكأنه لا يهتم بمن عصاه ولا يخاف منه في الدنيا ولا في الآخرة من هنا كان كل الناس قابلين للعفو والعافية وللرحمة والسلام إلا المجاهرين -[المباحث العربية]- (كل أمتي معافاة إلا المجاهرين) قال النووي هكذا هو في معظم الأصول "معافاة" بالهاء في آخره والضمير يعود إلى الأمة اهـ وفي رواية البخاري وبعض النسخ "معافى" بفتح الفاء مقصور اسم مفعول من العافية بمعنى عفا الله عنه أو بمعنى سلمه الله وسلم منه وقوله "إلا المجاهرين" بالنصب على الاستثناء والكلام تام موجب قال المحققون كذا للأكثر ولبعضهم "إلا المجاهرون" بالرفع قال ابن بطال كذا وقع وصوابه عند البصريين بالنصب وأجاز الكوفيون الرفع في الاستثناء المنقطع فتكون "إلا" بمعنى "لكن" ويكون المعنى لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون فالمجاهرون مبتدأ خبره محذوف وقال الكرماني حق الكلام النصب إلا أن يقال العفو بمعنى الترك وهو نوع من النفي اهـ فالكلام تام منفي

стр. 6150

والمجاهر الذي يظهر معصيته ويكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها لغير ضرورة ولا حاجة و"المجاهر" اسم فاعل من "جاهر" بكذا بمعنى جهر به يقال جهر بأمره وأجهر به وجاهر به وتكون المفاعلة هنا للمبالغة أو المفاعلة على ظاهرها من الجانبين ويكون المراد بالمجاهرين الذين يفاخر بعضهم بعضا بالمعاصي (وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ... إلخ) قال النووي كذا هو في جميع النسخ "الإجهار" إلا نسخة ابن ماهان ففيها "وإن من الجهار" وهما صحيحان الأول من أجهر والثاني من جهر وأما قول مسلم قال زهير "وإن من الهجار" بتقديم الهاء على الجيم فقيل إنه خلاف الصواب قال النووي وليس كذلك بل هو صحيح قال القاضي عياض هو الفحش والخنا وكثرة الكلام وهو قريب من معنى المجانة الواردة في بعض الروايات "وإن من المجانة" بدل المجاهرة والماجن هو الذي يستهتر في أموره ولا يبالي بما قال وما قيل له بل رجح الحافظ ابن حجر رواية "وإن الهجار" بتقديم الهاء فقال بل الذي يظهر رجحان هذه الرواية لأن الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحد أنه من المجاهرة فليس في إعادة ذكره كبير فائدة وأما الرواية بلفظ المجانة [أو معناها] فتفيد معنى زائدا وهو أن الذي يجاهر بالمعصية يكون من جملة المجان والمجانة مذمومة شرعا وعرفا فيكون الذي يظهر المعصية قد ارتكب محذورين إظهار المعصية وتلبسه بفعل المجن وأما قول عياض [وأما لفظ الهجار فبعيد لفظا ومعنى لأن الهجار الحبل أو الوتر تشد به يد البعير ولا يصح له هنا معنى] فقد رده الحافظ ابن حجر بقوله بل له معنى صحيح أيضا فإنه يقال هجر وأهجر إذا أفحش في كلامه فهو مثل جهر وأجهر فما صح في هذا صح في هذا ولا يلزم من استعمال الهجار في معنى الحبل أن لا يستعمل مصدرا من الهجر بضم الهاء -[فقه الحديث]- أخرج الحاكم عن ابن عمر رفعه "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله" قال ابن بطال في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد لهم وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف لأن المعاصي تذل أهلها وإذا تمحص حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة والذي يجاهر يفوته كل ذلك اهـ والحديث صريح في ذم من يجاهر بالمعصية وهذا يستلزم مدح من يستتر والله أعلم.

стр. 6151

(٨٠١) باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب ٦٥١٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال عطس عند النبي ﷺ رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال الذي لم يشمته عطس فلان فشمته وعطست أنا فلم تشمتني قال "إن هذا حمد الله وإنك لم تحمد الله" ٦٥١١ - عن أبي بردة قال دخلت على أبي موسى وهو في بيت بنت الفضل بن عباس فعطست فلم يشمتني وعطست فشمتها فرجعت إلى أمي فأخبرتها فلما جاءها قالت عطس عندك ابني فلم تشمته وعطست فشمتها فقال إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته وعطست فحمدت الله فشمتها سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه". ٦٥١٢ - عن إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أنه سمع النبي ﷺ وعطس رجل عنده فقال له "يرحمك الله" ثم عطس أخرى فقال له رسول الله ﷺ "الرجل مزكوم". ٦٥١٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع". ٦٥١٤ - عن سهيل بن أبي صالح قال سمعت ابنا لأبي سعيد الخدري ﵁ يحدث أبي عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ "إذا تثاوب أحدكم فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل".

стр. 6152

٦٥١٥ - عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال "إذا تثاوب أحدكم فليمسك بيده فإن الشيطان يدخل". ٦٥١٦ - عن ابن أبي سعيد الخدري ﵁ عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ "إذا تثاوب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخل" -[المعنى العام]- من آداب الإسلام ومحاسنه محافظته على أحاسيس المجتمع وحماية المجتمع من كل ما يورث البغض ومن كل ما يسيء ويجرح المشاعر وحرصه على تهذيب الطباع وعلاج السلوك غير القويم ولو كان هذا السلوك ناشئا عن طبيعة الخلقة فالمسلم مأمور بمخالفة طبعه لموافقة شرعه والعطاس والتثاؤب عمل لا إرادي نتيجة لتفاعلات غذائية وانفعالات عضوية ومع أن أحدهما ممدوح شرعا مرغوب فيه صحيا وهو العطاس إلا أن له أمورا جانبية يحرص الإسلام على تهذيبها فهو يلازم خروج رذاذ اللعاب مما قد يصل إلى بعض الحاضرين وهو يلازم صوتا مزعجا للغافل عنه من الحاضرين والأعراض الجانبية تحتمل من أجل الإصلاح المهم وتعالج قدر الاستطاعة وعلى من يؤذي من الأعراض الجانبية أن يغفر لصاحبها ما لم يقدر على منعه فيعلن له الرضا والسماحة بالدعاء له بقوله يرحمك الله ويدعو العاطس للمشمت فيكتسب كل منهما أجرا من هذا السلوك البشري أما السلوك البشري الآخر فهو مذموم شرعا وعرفا وعلى صاحبه مقاومته وهو التثاؤب الذي ينشأ عن كثرة الأكل وينشأ عنه الكسل والخمول وضعف الحركة والعبادة وبمقاومته والتقليل منه يحصل المسلم على أجر كبير وهكذا يفتح الله تعالى أبواب الحسنات للمؤمن ليذهب بها السيئات ذلك ذكرى للذاكرين -[المباحث العربية]- (عطس رجلان) "عطس" بفتح الطاء من باب ضرب وقتل والاسم العطاس وهو انحدار الرطوبة من تجويف في الجبهة إلى الأنف من قناة واصلة بينهما وبقاء هذه الرطوبة يفسد الدماغ ويثقل الجسم فالعطاس يوقظ الفكر وينشط الجسم

стр. 6153

والرجلان عامر بن الطفيل وابن أخيه كما جاء في رواية الطبراني وفي رواية للبخاري "أحدهما أشرف من الآخر وأن الشريف لم يحمد الله" (فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر) "التشميت" أصله إزالة شماتة الأعداء والتفعيل يأتي للسلب نحو قشرت الشجرة أي أزلت قشرتها فاستعمل للدعاء بالخير وهو قولك للعاطس يرحمك الله وقيل معناه صان الله شوامتك أي قوائمك التي بها قوامك فقوام الدابة مثلا بسلامة قوائمها التي تنتفع بها إذا سلمت وقوائم الإنسان التي بها قوامة الرأس وما اتصل به من صدر وعنق وفي رواية "فسمت" بالسين فيكون دعاء له بأن يكون على سمت حسن قال ابن العربي المعنى على كلا اللفظين شمت وسمت بديع وذلك أن العاطس ينحل كل عضو في رأسه وما يتصل به من العنق والصدر فإذا قال له يرحمك الله كان معناه أعطاك الله رحمة يرجع بها كل عضو إلى حاله فالتسميت بالسين رجوع كل عضو إلى سمته والتشميت الدعاء بسلامة ما به قوام الإنسان (فقال الذي لم يشمته) في رواية البخاري "فقيل له" (عطس فلان فشمته وعطست أنا فلم تشمتني) الكلام على الاستفهام أي فلم فرقت في المعاملة (دخلت على أبي موسى وهو في بيت بنت الفضل بن عباس) هذه البنت هي أم كلثوم بنت الفضل بن العباس امرأة أبي موسى الأشعري تزوجها بعد فراق الحسن بن علي لها وولدت لأبي موسى ومات عنها فتزوجت بعده عمران بن طلحة ففارقها وماتت بالكوفة ودفنت بها (فعطست فلم يشمتني وعطست فشمتها) التاء في "عطست" الأولى مضمومة ضمير المتكلم وفي الثانية ساكنة علامة المؤنثة أي قال أبو بردة عطست أنا فلم يشمتني أبي وعطست أم كلثوم ابنة الفضل زوجة أبي موسى فشمتها أبي أبو موسى (فرجعت إلى أمي فأخبرتها) زوجة أبي موسى الأخرى (فلما جاءها) زوجها أبو موسى في ليلتها (التثاؤب من الشيطان) أي من كسله وتسببه وقيل أضيف إليه لأنه يرضيه وفي البخاري "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب" قالوا لأن التثاؤب غالبا يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل وإضافته إلى الشيطان لأنه الذي يدعوا إلى الشهوات والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك وهو التوسع في المأكل (فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع) وفي الرواية الخامسة "إذا تثاءب أحدكم

стр. 6154

فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل" وفي الرواية السابعة "إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخل" قال النووي وقع هنا في بعض النسخ "تثاءب" بالمد مخففا وفي أكثرها "تثاوب" بالواو قال القاضي لا يقال "تثاءب" بالمد مخففا بل "تثأب" بتشديد الهمزة وقال الجوهري يقال تثاءبت بالمد مخففا ولا يقال تثاوبت وعند البخاري "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" ومحبة الله للعطاس رضاه به من حيث سببه الذي هو عدم التوسع في الأكل فتنفتح المسام وصمائم الأجهزة المخرجة للسموم والرطوبات من الدماغ وسائر الجسد فيخف البدن وينشط الفكر فيكون داعية إلى النشاط في العبادة ومن حيث ما يترتب على العطاس من الحمد والتشميت إلى غير ذلك وأما كراهيته تعالى للتثاؤب وهو النفس الذي يخرج من الفم فينفتح فمن حيث سببه أيضا وهو امتلاء المعدة وثقل الجسم وضعف الفكر واستيلاء الكسل وانحطاط الهمة عن العبادة وغيرها ومن حيث منظر المتثائب وفتحه فمه ومعنى "فليرده ما استطاع" أي مدة وقدر استطاعته فـ "ما" ظرفية مصدرية وهذا هو معنى "فليكظم" ومعنى "فليمسك بيده على فيه" محاولا منعه أو التقليل منه وإضافته للشيطان للتنفير وكذلك دخول الشيطان للتنفير -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - حمد الله تعالى عند العطاس وقد نقل النووي استحباب الحمد للعاطس وأن يرفع به صوته وأما لفظه فنقل ابن بطال عن طائفة أنه لا يزيد على الحمد لله وعن طائفة يقول الحمد لله رب العالمين وروي عن ابن عباس أنه قال "إذا عطس الرجل قال الحمد لله قال الملك رب العالمين فإن قال رب العالمين قال الملك يرحمك الله" وعن طائفة ما زاد من الثناء فيما يتعلق بالحمد فهو حسن فقد أخرج الطبراني عن أم سلمة قالت "عطس رجل عند النبي ﷺ فقال الحمد لله فقال النبي ﷺ يرحمك الله وعطس آخر فقال الحمد لله رب العالمين حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه فقال النبي ﷺ ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة" وأخرج الترمذي عن رفاعة بن رافع ﵁ قال صليت مع النبي ﷺ فعطست فقلت الحمد لله حمدا طيبا مباركا

стр. 6155

فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى فلما انصرف قال من المتكلم ثلاثا فقلت أنا يا رسول الله فقال والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها قال الحافظ ابن حجر ولا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله الحمد لله رب العالمين وكذا العدول عن الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله أو تقديمها على الحمد اهـ وحكمة مشروعية الحمد أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي بسلامته تسلم الأعضاء ويخرج الفضلات ويصفي الروح فهو نعمة جليلة يناسبها أن تقابل بالحمد ومن آداب العاطس أن يخفض بالعطاس صوته وأن يرفع صوته بالحمد وأن يغطي وجهه أو مقابل فمه وأنفه لئلا يخرج من فمه وأنفه ما يؤذي جليسه وأن لا يلوي عنقه يمينا أو شمالا لئلا يتضرر بذلك ٢ - مشروعية تشميت العاطس واستدل جمهور أهل الظاهر وجماعة من المالكية بقوله في رواية البخاري "كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله" على أن التشميت واجب عيني وقال الحنفية وجمهور الحنابلة وهو الراجح عند المالكية إن قوله "على كل مسلم" محمول على حال انفراد السامع فإذا سمع العاطس اثنان فأكثر كان التشميت واجبا على الكفاية فيسقط الإثم بتشميت بعضهم وقال الشافعية وبعض المالكية إن المراد من الحديث أن التشميت حق في حسن الأدب ومكارم الأخلاق فهو مستحب عينا إن انفرد السامع وإلا فعلى الكفاية ٣ - وظاهر الحديث أن الأمر بالتشميت خاص بمن حمد الله أما من لم يحمد الله فقد قال النووي يستحب لمن حضر من عطس فلم يحمد أن يذكره بالحمد ليحمد فيشمته وهو من باب النصيحة والأمر بالمعروف وزعم ابن العربي أن الذي يذكر بالحمد جاهل لأنه يلزم نفسه بما لم يلزمها ثم قال ابن العربي لو ذكر وشمت فقال الحمد لله يرحمك الله جمع جهالتين جهالة التذكير وجهالة إيقاع التشميت قبل وجود الحمد من العاطس وقد خطأ العلماء ابن العربي فيما زعم والصواب استحباب التذكير كذلك يشرع التشميت إذا عرف الحاضر أن العاطس حمد الله وإن لم يسمعه لعموم الأمر به لمن عطس فحمد قاله بعضهم وقال النووي المختار أنه يشرع لمن سمعه دون غيره اهـ واستثنى العلماء ممن يشمت (أ) الكافر قال ابن دقيق العيد إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة إن التشميت دعاء بالخير دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا وقد روى أبو موسى الأشعري قال "كانت اليهود يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم" قال الحافظ ابن حجر هذا

стр. 6156

الحديث يدل على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت لكن لهم تشميت خاص وهو الدعاء لهم بالهداية وإصلاح البال (ب) والمزكوم الذي تكرر منه العطاس فزاد على الثلاث قال النووي إذا تكرر العطاس متتابعا فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاث مرات فيقول له في الثالثة أنت مزكوم ومعناه أنك لست ممن يشمت لأن الذي بك مرض وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن قال ابن حجر فإن قيل فإذا كان مريضا فإنه ينبغي أن يشمت بطريق الأولى لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره قلنا نعم لكن يدعى له بدعاء آخر يلائمه كالدعاء بالعافية والشفاء لا بالدعاء المشروع للعاطس وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه يكرر التشميت إذا تكرر العطاس حتى يعرف أنه مزكوم ولو زاد على ثلاث ومعنى ذلك أن الأمر بالتشميت يسقط عند العلم بالزكام ولو بدون تكرار وهذا ظاهر روايتنا الثالثة فإن رسول الله ﷺ قال "الرجل مزكوم" بعد الثانية (جـ) ومن عرف من حاله أنه يكره التشميت فإنه لا يشمت إجلالا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه ولا يقال كيف تترك السنة لذلك فإنما هي سنة لمن أحبها أما من كرهها ورغب عنها فلا ويطرد ذلك في السلام وعيادة المريض قال ابن دقيق العيد والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا مع من خاف منه ضررا فأما غيره فيشمت امتثالا للأمر ومناقضة للتكبر في مراده وكسرا لسورته في ذلك وهو أولى من إجلال التشميت (د) ومن عطس والإمام يخطب فإن التشميت يتعارض والأمر بالإنصات لمن يسمع الخطيب فتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب أو يشرع له التشميت بالإشارة (هـ) ومن كان عطاسه في حالة امتنع عليه فيها ذكر الله كما إذا كان على الخلاء أو في الجماع ثم يحمد الله تعالى بعد الفراغ من ذلك فيشمت ٤ - ويؤخذ من الرواية الثالثة أن لفظ التشميت "يرحمك الله" قال ابن بطال يخصه بالدعاء وحده وأخرج الطبري عن ابن مسعود ﵁ قال "يقول يرحمنا الله وإياكم" وعن ابن عباس ﵄ يقول "عافانا الله وإياكم من النار يرحمكم الله" وحكمة مشروعية التشميت تحصيل المودة والتأليف بين المسلمين وتأديب العاطس بتخلية نفسه من الكبر وتحليتها بالتواضع لما في ذلك من ذكر الرحمة والإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه أكثر المكلفين ذكره ابن دقيق العيد ويقول العاطس بعد التشميت يرحمنا الله وإياكم أو يغفر الله لنا ولكم وقيل يقول يهديكم الله ويصلح بالكم قال ابن بطال ذهب مالك والشافعي إلى أنه يتخير بين اللفظين قال ابن رشد والجمع بينهما أحسن إلا للذمي

стр. 6157

٥ - وفي الحديث التنفير من التثاؤب وفي البخاري "إن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" لأنها حالة تتغير فيها صورة المتثائب والشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائبا والتثاؤب مكروه وكراهته في الصلاة أشد منها في غيرها ولذلك نص عليها في روايتنا السابعة ٦ - والحث على كظم التثاؤب والحد منه ما أمكن ومحاولة منعه ابتداء بالأخذ في أسباب منعه ثم بالحد منه ومحاولة رده عند الرغبة فيه ثم بوضع يده على فمه وبإطباق شفتيه عند حدوثه تخفيفا من هيئته ثم يزجر نفسه لعدم رفع صوته فعند ابن ماجه "فليضع يده على فيه ولا يعوي" ٧ - ومن الرواية الأولى والثانية جواز السؤال عن علة الحكم ٨ - وبيان علة الحكم للسائل إذا كان في ذلك منفعة له ٩ - أن الإسلام دين الإحساس المرهف المحافظ على مشاعر الآخرين ١٠ - الدعوة إلى كل ما يورث التواد والمحبة والتنفير مما يورث البغضاء والله أعلم.

стр. 6158

(٨٠٢) باب في أحاديث متفرقة ٦٥١٧ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم". ٦٥١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته" قال أبو هريرة فحدثت هذا الحديث كعبا فقال آنت سمعته من رسول الله ﷺ قلت نعم قال ذلك مرارا قلت أأقرأ التوراة وقال إسحق في روايته "لا ندري ما فعلت". ٦٥١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال "الفأرة مسخ وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه" فقال له كعب أسمعت هذا من رسول الله ﷺ قال أفأنزلت علي التوراة. ٦٥٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين". ٦٥٢١ - عن صهيب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".

стр. 6159

-[المعنى العام]- واضح من شرح الأحاديث أنها لا تجمعها رابطة ولذا بوب لها النووي بأحاديث متفرقة والله أعلم -[المباحث العربية]- (خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم) "الجان" الجن و"المارج" اللهب المختلط بسواد النار (فقدت أمة من بني إسرائيل) بضم الفاء مبني للمجهول أي فقدت صورتها وهيئتها ومسخت (لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته) قال النووي معنى هذا أن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها فاستدل بامتناع الفأرة من لبن الإبل دون الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل اهـ وفيه إشكال يفرضه الواقع والرواية الثالثة تنسبه إلى أبي هريرة ﵁ والله أعلم (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) قال النووي الرواية المشهورة "لا يلدغ" بضم الغين وقال القاضي يروى على وجهين أحدهما بضم الغين على الخبر ومعناه المؤمن الممدوح وهو الكيس الحازم الذي لا يستغفل فيخدع مرة بعد أخرى ولا يفطن لذلك وقيل إن المراد الخداع في أمور الآخرة دون الدنيا والوجه الثاني بالغين المكسورة على النهي أن يؤتى من جهة الغفلة اهـ والنهي نهي عما ينبغي أي لا يليق بالمؤمن الحازم القوي أن يلدغ من جحر واحد مرتين بل ينبغي أن يكون يقظا حكيما فيفطن ويحذر من أول مرة قالوا وسبب هذا المثل أن النبي ﷺ أسر أبا غرة الشاعر يوم بدر فمن عليه وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه وأطلقه فلحق بقومه ثم رجع إلى التحريض والهجاء ثم أسره يوم أحد فسأله المن فقال النبي ﷺ المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وهذا السبب يضعف الوجه الثاني وفيه أنه ينبغي لمن ناله الضرر من جهه أن يتجنبها لئلا يقع فيها ثانية -[فقه الحديث]- ١ - فيه مبدأ خلق الملائكة

стр. 6160

٢ - ومبدأ خلق الجان ٣ - وإحالة على القرآن الكريم في مبدأ خلق آدم ٤ - وفيه إثبات المسخ ٥ - وأنه نتيجة لفعل السوء في الأمم السابقة ٦ - وفيه حث المؤمن على اتخاذ الحذر من الضرر والاستفادة من التجارب والله أعلم.

стр. 6161

(٨٠٣) باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه الفتنة على الممدوح ٦٥٢٢ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ قال فقال "ويحك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك" مرارا "إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه إن كان يعلم ذاك كذا وكذا" ٦٥٢٣ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده رجل فقال رجل يا رسول الله ما من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل منه في كذا وكذا فقال النبي ﷺ "ويحك قطعت عنق صاحبك" مرارا يقول ذلك ثم قال رسول الله ﷺ "إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا إن كان يرى أنه كذلك ولا أزكي على الله أحدا" ٦٥٢٤ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد نحو حديث يزيد بن زريع وليس في حديثهما فقال رجل ما من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل منه. ٦٥٢٥ - عن أبي موسى ﵁ قال سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال "لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل". ٦٥٢٦ - عن أبي معمر قال قام رجل يثني على أمير من الأمراء فجعل المقداد يحثي عليه التراب وقال أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثي في وجوه المداحين التراب

стр. 6162

٦٥٢٧ - عن همام بن الحارث أن رجلا جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلا ضخما فجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال له عثمان ما شأنك فقال إن رسول الله ﷺ قال "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب". ٦٥٢٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر فدفعته إلى الأكبر" -[المعنى العام]- مدح الإنسان نفسه مستقبح اللهم إلا إن كان للتعريف كقول الرجل أنا الشيخ فلان أو الأستاذ فلان وإلا إذا كان المدح ببعض الفعال التي يراد الاقتداء بها كذكر المرء بعض أفعاله الحسنة ليقتدي به فيها كما سبق لنا في بعض الأحاديث عن جابر وعن سلمة بن الأكوع وغيرهما وأما مدح الإنسان غيره والثناء عليه في غيبته فهو ممدوح وبخاصة إذا كان الممدوح أهلا لذلك أما مدح الخير في مواجهته فهو خطر خطر على الممدوح حتى لو كان بما فيه فإنه كثيرا ما يؤدي إلى الإعجاب بالنفس وغرورها وهو المقول عنه في حديثنا "قطعت عنق صاحبك" وإذا لم يكن بما فيه فهو الكذب والنفاق والتزلف ويزيد الطاغية طغيانا ويزيد الفاجر فجورا ولما كانت خفايا الإنسان عن الناس أكثر مما يظهر لهم كان المدح بما يظهر لنا مدحا بغير علم وكثيرا لا يطابق الواقع ومن هنا وجب على من يمدح أن يقول إن كان مادحا لا محالة أن يقول أحسبه كذا وكذا والله حسيبه وكافيه والعالم به ولا أزكي على الله أحدا -[المباحث العربية]- (مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ يشبه أن يكون المادح محجن بن الأدرع الأسلمي وأن

стр. 6163

يكون الممدوح عبد الله ذا النجادين المزني ففي أحمد عن محجن "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فدخل المسجد فإذا رجل يصلي فقال لي من هذا فأثنيت عليه خيرا" وفي رواية "هذا فلان وهو من أحسن أهل المدينة صلاة ... " "فقال اسكت لا تسمعه فتهلكه" وفي ترجمة ذي النجادين في الصحابة ما يشبه ذلك وفي الرواية الثانية "عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده رجل فقال رجل يا رسول الله ما من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل منه في كذا وكذا" وفي الرواية الثالثة "سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة" من الإطراء وهو المبالغة في المدح والمدحة بكسر الميم المدح وفي رواية "في المدح" وفي رواية "في مدحه" (فقال ويحك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك مرارا) "ويحك" كلمة رحمة وتوجع و"مرارا" مفعول مطلق لقال والمقصود بقطع العنق الإضرار إضرارا بالغا في دينه أو في دنياه بإحساسه بالإعجاب وفي الرواية الثالثة "لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل" أي أهلكتموه (إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه إن كان يعلم ذاك كذا وكذا) أي لا أقطع على الله بعاقبة أحد ولا بضميره وسره وخفاياه لأن ذلك مغيب عنا ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضي لذلك ومعنى "والله حسيبه" أي كافيه أو محاسبه على عمله الذي يعلم حقيقته وهي جملة معترضة وقال الطيبي هي من تتمة المقول ومعنى "لا محالة" لا حيلة له في ذلك وهي بمعنى لا بد. (قام رجل يثني على أمير من الأمراء فجعل المقداد يحثي عليه التراب وقال أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثي في وجوه المداحين التراب) وفي الرواية الخامسة "أن رجلا جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلا ضخما فجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال له عثمان ما شأنك فقال إن رسول الله ﷺ قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" قال النووي هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه ووافقه طائفة وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة وقال آخرون معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئا لمدحهم وقيل إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ولا تعجبوا قال النووي وهذا ضعيف اهـ لكنه وجيه إذ معناه أن ذلك يتعلق بالممدوح كأن يأخذ ترابا فيبذره بين يديه يتذكر بذلك مصيره. -[فقه الحديث]- قال ابن بطال حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالا على ما وصف به ولذلك تأول العلماء في الحديث الآخر "احثوا في وجوه المداحين التراب" أن المراد من يمدح الناس في

стр. 6164

وجوههم بالباطل وأما من مدح بما فيه فلا يدخل في النهي فقد مدح ﷺ في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجه مادحه ترابا اهـ وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة من المبالغة الممنوعة بأن الجائزة يصحبها شرط أو تقريب والممنوعة بخلافها ويستثني من ذلك ما جاء عن معصوم فإنه لا يحتاج إلى قيد وقال الغزالي في الإحياء آفة المدح في المادح أنه قد يكذب وقد يرائي الممدوح بمدحه ولا سيما إن كان فاسقا أو ظالما وآفته في الممدوح أنه لا يأمن أن يحدث فيه المدح كبرا أو إعجابا فإن سلم المدح من هذه الأمور لم يكن به بأس وربما كان مستحبا اهـ وقال بعض السلف إذا مدح الرجل في وجهه فليقل اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون والله أعلم.

стр. 6165

(٨٠٤) باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم ٦٥٢٩ - عن هشام عن أبيه قال كان أبو هريرة يحدث ويقول اسمعي يا ربة الحجرة اسمعي يا ربة الحجرة وعائشة تصلي فلما قضت صلاتها قالت لعروة ألا تسمع إلى هذا ومقالته آنفا إنما كان النبي ﷺ يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه. ٦٥٣٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب علي قال همام أحسبه قال متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" -[المعنى العام]- يكتفى بما في الشرح -[المباحث العربية]- (كان أبو هريرة يحدث ويقول اسمعي يا ربة الحجرة) سبق شرح هذا الحديث قريبا (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) مفعول "لا تكتبوا عني" محذوف أي لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن -[فقه الحديث]- قال القاضي كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم [لما تؤدي إليه من إهمال الحفظ والحافظة] وأجازها أكثرهم ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف قال واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث "اكتبوا لأبي شاه" وحديث صحيفة علي ﵁ وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن
следующие страницы →