← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

-[المباحث العربية]- (الطهور شطر الإيمان) بضم الطاء وفتحها وقيل: الضم اسم للفعل، والفتح اسم لما يتطهر به، والمراد من الطهور التطهر، أي رفع الحدث الأكبر أو الأصغر، والشطر في الأصل النصف، وقيل: الجزء من قولهم: أشطار الناقة أي أجزاؤها، والإيمان بمعناه الاصطلاحي: التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقيل: المراد من الإيمان هنا الصلاة، باعتبارها مظهرا من مظاهره؛ فيكون من قبيل ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] وسيأتي مزيد إيضاح لهذا في فقه الحديث. (والحمد لله تملأ الميزان) المراد من الميزان ميزان الأعمال يوم القيامة، ومعنى أن الحمد يملأ الميزان: أن ذاكرها يمتلئ ميزانه بالثواب، وقيل إن الأعمال نفسها والذكر نفسه يتجسم يوم القيامة، فيكون له ثقل وحجم يملأ الميزان. (وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السموات والأرض) "سبحان" اسم منصوب، على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف، تقديره: سبحت الله سبحانا. ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم منه نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة، والمراد منه هنا الأول، لقرنه بالحمد لله. وأما قوله "تملآن أو تملأ" قد ضبطه النووي بالتاء، فالأول " تملآن" أي الجملتان، والثاني "تملأ" أي الجملة بما فيها المعطوف والمعطوف عليه، وصحح صاحب التحرير فيهما التذكير "يملآن أو يملأ" بالياء بدل التاء، أما الأول فعلى إرادة النوعين من الكلام، أو الذكرين، وأما الثاني فعلى إرادة الذكر، والمعنى أنه لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السموات والأرض. (والصلاة نور) أي كالنور، يستضاء بها ويهتدي في ظلمات المعاصي، وقيل غير ذلك مما سيأتي في فقه الحديث. (والصدقة برهان) أي حجة ودليل على إيمان صاحبها، وقيل غير ذلك. (والصبر ضياء) "الصبر" الإمساك في ضيق، وحبس النفس على المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى، والمكابدة في التحمل وانتظار الفرج، وتختلف معانيه بتعلقاته، فإن كان عن مصيبة سمي صبرا، وإن كان في لقاء عدو سمي شجاعة، وإن كان عن كلام سمي كتمانا، وإن كان عن تعاطي ما نهي عنه سمي عفة، ومعنى أنه ضياء أنه محمود، لا يزال صاحبه مستضيئا به مهتديا مستمرا على الصواب. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا فرق بين النور والضياء إلا في اللفظ، لكن التحقيق أن الضياء هو الحاصل في الشيء من مقابلته المضيء بذاته، فالذي نراه على الأرض منبسطا من مقابلتها

стр. 702

للشمس ضوء، فإذا اشتد هو ضياء، أما النور فهو الحاصل في الشيء من مقابلته المضيء بالغير، فالذي نراه على الأرض من مقابلتها القمر الذي استمد ضوءه من مقابلته الشمس هو نور، وحسبنا القرآن الكريم إذ يقول ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس: ٥]. والحاصل أن الضياء فرط الإنارة، وإنما قرن بالصبر الذي هو حبس النفس لأنه عمل الذات والداخل، بخلاف الصلاة فإنها عمل الأركان والجوارح التابعة للباطن. (والقرآن حجة لك أو عليك) أي إن أخلصت في تلاوته وعملت به كان حجة لك، وإلا كان حجة عليك، والخطاب لكل من يتأتى خطابه، وقيل: المعنى أنه الحكم الفصل عند التنازع فتحتج به أو يحتج به عليك. (كل الناس يغدو) أي يبكر ويسعى ويعمل، والغدو السير أول النهار. (فبائع نفسه) معطوف على "يغدو" أي كل الناس بائع نفسه، إما لله تعالى بطاعته إياه، وإما للشيطان والهوى باتباعهما، ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية، شبه قطع العمر وعمل الدنيا في مقابل ما بعد الموت بالبيع، والمراد كل الناس يعمل دنياه. (فمعتقها أو موبقها) أي فمنهم معتقها ومخلصها من العذاب، ومنهم موبقها أي مهلكها، والتعبير بالمسبب وإرادة السبب، أي فمنهم من يعمل عملا يكون سببا في تخليصها وبعدها عن النار، ومنهم من يعمل عملا يكون سببا في عذابها. -[فقه الحديث]- يتناول الحديث فضل الطهور، والذكر، والصلاة، والصدقة، والصبر، والقرآن. أما الطهور فقد قال النووي: اختلف في معنى قوله ﷺ "الطهور شطر الإيمان" فقيل: معناه أن الأجر ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: معناه أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء، لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر، وقيل: إن للإيمان شطرين: تطهير السر من خبائث النفس، وتطهير الجوارح، فمن طهر ظاهره للوقوف بين يدي الله جاء بنصف الإيمان، فإذا طهر سره كمل إيمانه، وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة، كما قال تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] والطهارة شرط في صحة الصلاة، فصارت كالشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا قال: وهذا القول أقرب الأقوال. ثم قال: ويحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة، فهي انقياد في الظاهر، والله أعلم. اهـ. والذي اختاره الإمام النووي، واعتبره أقرب الأقوال هو بعيد الاحتمال، لأن تفسير الإيمان في قوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ بالصلاة أحد التفسيرات البعيدة، وفيه مجاز لا ضرورة له، ثم

стр. 703

إنه في الحديث يضعف القصد والهدف، إذ قولنا: الوضوء شرط الصلاة لا يعطي فضل الوضوء والترغيب فيه، ولا يأتي بمعنى جديد للمخاطبين الذين لم يصلوا منذ شرعت الصلاة إلا بالوضوء. وعندي أن الهدف من الحديث هو الترغيب في استصحاب الوضوء، كما أن الغرض من المذكورات الخمسة بعده هو الحث على الإكثار منها والإخلاص فيها، لتكثير الثواب لا لتحصيل أصل الفعل. وحيث كان الهدف كذلك كان المعنى أن الطهور كشطر الإيمان، فكما يحرص المؤمن على استصحاب الإيمان كاملا في كل حين ينبغي أن يحرص على استصحاب الوضوء في كل حين، وكما أن الإيمان الكامل وقاية للمؤمن من الوقوع في المحرمات، فإن الوضوء سلاح المؤمن ضد إغواء الشيطان، فالوضوء كشطر الإيمان في انبغاء استصحابه في كل حين، وأما الذكر فقد رغب فيه في الحديث بعبارتين: "الحمد لله تملأ الميزان" "وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض" وظاهره أفضلية التحميد والتسبيح على سائر الأذكار، ويؤيده ما رواه مسلم عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله قال: "أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده" وفيه تلميح بقوله تعالى عن الملائكة ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ [البقرة: ٣٠]. لكن يعارضه ما رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم "أفضل الذكر لا إله إلا الله". ومن هنا قال بعضهم: التهليل أفضل، لأنه صريح في التوحيد، والتسبيح متضمن له، ولأن نفي الإله في قوله "لا إله إلا الله" فيه نفي ما يضاده ويخالفه من النقائص، فمنطوق "لا إله إلا الله" توحيد، فيكون "لا إله إلا الله" أفضل، لأن التوحيد أصل، والتنزيه ينشأ عنه. وقال الحافظ ابن حجر: الذكر بلا إله إلا الله أرجح من الذكر بالحمد لله، فقد أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال "قال موسى: يا رب، علمني شيئا أذكرك به قال: قل لا إله إلا الله" الحديث، وفيه "لو أن السموات السبع، وعامرهن، والأرضين السبع، جعلن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله" قال: وملء الميزان بالحمد لله في حديث أبي مالك الأشعري يدل على المساواة، والرجحان في حديث النسائي صريح في الزيادة، فيكون أولى. اهـ. وجمع القرطبي بما حاصله: إن هذه الأذكار إذا أطلق على بعضها أنه أفضل الكلام أو أحبه إلى الله فالمراد: إذا انضمت إلى أخواتها، بدليل حديث سمرة عن مسلم "أحب الكلام إليه أربع، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ويحتمل أن يكتفى في ذلك بالمعنى، فيكون من اقتصر على بعضها كفى، لأن حاصلها التعظيم والتنزيه، ومن نزهه فقد عظمه، ومن عظمه فقد نزهه. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يجمع بأن تكون "من" مضمرة في قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وفي قوله "أحب الكلام" بناء على أن لفظ "أفضل وأحب" متساويان في المعنى. اهـ. وقال النووي: هذا الإطلاق في الأفضلية محمول على كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. اهـ.

стр. 704

وقال البيضاوي: الظاهر أن المراد من الكلام كلام البشر، فإن الثلاث الأول وإن وجدت في القرآن لكن الرابعة لم توجد، ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه. اهـ. ويتحقق الكلمات الأربع غيرها من الذكر كالحوقلة، والبسملة، والحسبلة والاستغفار والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي حكم الذكر قراءة التفسير والحديث ومدارسة العلم، ثم الذكر يقع تارة باللسان، ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط ألا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي التناقض عنه ازداد كمالا، فإن وقع ذلك في عمل صالح من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا. ثم إن هذا الفضل الوارد في حديث الباب وما شابهه إنما هو لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام، ولا يلحق بهم من أصر على شهواته، وانتهك دين الله وحرماته، مصداقا لقوله جل شأنه ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١]. وقوله ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧]. وأما الصلاة: ففي معنى قوله ﷺ "والصلاة نور" يقول الإمام النووي: معناه أنها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه أن يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق، لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥]، وقيل: معناه: أنها تكون نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصل، والله أعلم. وأما الصدقة: وأنها برهان فقد قال صاحب التحرير: معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله، كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدقت به. قال: ويجوز أن يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها، فيكون برهانا له على حاله ولا يسأل عن مصرف ماله. اهـ. وقال بعضهم: معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها، لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه. وأما الصبر: فقد قيل: إنه ثلاثة أقسام: صبر عن المعصية فلا يرتكبها، وصبر على الطاعة حتى يؤديها، وصبر على البلية فلا يشكو ربه فيها، والصبر سبب في حصول كل كمال، وإلى ذلك أشار ﷺ بقوله "إن الصبر خير ما أعطيه العبد" ويقول جل شأنه ﴿وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. هذا، وإظهار البلاء لا على وجه الشكوى لا ينافي الصبر، إذ هو يتحقق بعدم الاعتراض على

стр. 705

المقدور، ففي أيوب ﵇ يقول الله تعالى ﴿إنا وجدناه صابرا نعم العبد﴾ [ص: ٤٤] مع أنه قال ﴿أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وأما القرآن: فهو حجة ودفاع عمن يقرؤه مخلصا مرتلا متدبرا عاملا بما فيه، وحجة على من قدر على قراءته فأهمله، أو نسيه بعد ما حفظه، أو راءى بقراءته أو اختال به على من سواه من الخلق، أو عرضه للسخرية والاستهزاء، أو لم يعمل بما فيه. القرآن شاهد صدق، وحكم عدل، فهو كلام الله جل شأنه ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ [النساء: ١٢٢]. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - فضل الطهور واستحباب استصحابه على الدوام. ٢ - فضل الحمد والتسبيح وذكر الله تعالى. ٣ - فضل الصلاة والمحافظة عليها والحث على الإكثار من التنفل بها. ٤ - الترغيب في الصدقة. ٥ - وفي الصبر. ٦ - وفي قراءة القرآن بإخلاص والعمل بما فيه. ٧ - الحث على سعي الإنسان للخير، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والكيس من أخذ من شبابه لهرمه، ومن صحته لمرضه، ومن غناه لفقره، والسفيه من أتبع نفسه هواها فأوردها هلاكها، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى: ٢٠].

стр. 706

(١١١) باب لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ٣٩٨ - عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض. فقال: ألا تدعو الله لي، يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة". -[المعنى العام]- عبد الله بن عامر هو ابن خال عثمان بن عفان، ولاه عثمان البصرة بعد أن عزل عنها أبا موسى الأشعري، وهو الذي افتتح خراسان، وأحرم من نيسابور شكرا لله تعالى، وجمع له عثمان ولاية فارس مع البصرة وهو ابن أربع وعشرين سنة، ولم يزل واليا لعثمان إلى أن قتل عثمان، ثم عقد له معاوية على البصرة، ثم عزله عنها، ومات قبل ابن الزبير بقليل، والحديث يحكي زيارة ابن عمر له في مرض وفاته، وكان ابن عامر يعرف فضل ابن عمر وصلاحه، ومن أجل ذلك حرص على استرضائه وطلب دعائه في وقت الشدة والفزع إلى الله تعالى، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ ورغم ما قيل من أن ابن عامر كان في ولايته سخيا كريما حليما، ورغم ما قيل من أنه هو الذي عمل السقايات بعرفة، فإن ابن عمر التقي الورع، الغيور على الحق والعدل كان يعتقد أن ابن عامر لم يسلم من الغلول، ولا من المال الحرام في ولايته وأن ما قام به من سخاء وكرم، ومن نفقة في الخير إنما كان مصدره حراما، وأن المال الحرام موبق لصاحبه ولو أنفق في الصدقات، وأنه لا ينجي صاحبه إلا رده إلى أصحابه، ومن هذه العقيدة أراد ابن عمر أن يوجه ابن عامر إلى اتخاذ أسباب النجاة، ولسان حاله يقول: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس وكأنه يقول: ماذا يفيدك دعائي لك وأنت مكبل بالمظالم؟ لقد أقمت زمنا طويلا واليا على البصرة، أكلت فيه المال الحرام، ولبست فيه ثوب الحرام، إن كنت تظن أنك تصدقت وأنك أنفقت في وجوه الخير، فاعلم أن ذلك غير نافعك، فإن رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صدقة من غلول وخيانة، كما لا تقبل صلاة بغير طهارة، إن طهارة المال شرط لقبول إنفاقه كما أن طهارة البدن شرط لقبول الصلاة، فسدد وقارب قبل أن تطلب الدعاء. وإذا كان ابن عمر قد بدا في هذا الموقف شديدا فإن الذي فعله كان شدة في الحق

стр. 707

وتوجيها لما هو خير، إن ابن عمر يؤمن بأن الدعاء ينفع، وهو يحب الخير للناس، ولا يأبى الدعاء للمؤمن بالخير، وخاصة إذا كان على مشارف الموت، ولكنه يخشى الاتكال أو التواكل، ويدفع للعمل، ويحذر غير ابن عامر من الولاة، ويغرس في نفوسهم الخوف ويحارب ركونهم إلى الرجاء والطمع مع التهاون والمظالم. فرضي الله عنه وأرضاه ورضي عن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (يعوده) العود الرجوع، وأطلق على زيارة المريض؛ لما أن الشأن فيها التكرار والرجوع، والجملة في محل النصب على الحال من فاعل "دخل". (وهو مريض) الجملة حال من "ابن عامر" أو من ضميره في "يعوده". (ألا تدعو الله لي) "ألا" للعرض أو التحضيض، ومعناها طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث، والمعنى هنا: أطلب منك الدعاء لي. (ولا صدقة من غلول) أصل الغلول السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، وسميت بذلك لأن الآخذ يغل المال في متاعه، أي يخفيه فيه، ويطلق على الخيانة مطلقا، والمراد منه هنا مطلق المال الحرام أخذ خفية أو جهرة. (وكنت على البصرة) أي كنت واليا على البصرة، ولم تسلم من الغلول والخيانة. -[فقه الحديث]- يمكن حصر نقاط الحديث في خمس: ١ - الوضوء، وموجبه، ومتى فرض؟ وطلبه لكل صلاة. ٢ - الفرق بين القبول والصحة، وتوجيه قوله "لا تقبل صلاة بغير طهور". ٣ - الطاعة بالمال الحرام، وإنفاقه في وجوه الخير. ٤ - تحليل موقف ابن عمر من مطلب ابن عامر. ٥ - ما يؤخذ من الحديث من الأحكام. وهذا هو التفصيل: ١ - الوضوء وموجبه، ومتى فرض؟ وطلبه لكل صلاة: في موجب الوضوء ذهب أهل الظاهر إلى أنه

стр. 708

القيام إلى الصلاة، مستدلين بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... ﴾ [المائدة: ٦] وذهب آخرون إلى أنه الحدث، وذهب الأكثرون إلى أنه إرادة الصلاة بشرط الحدث. قال النووي: اختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه: أحدها أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا، والثاني لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة، والثالث: يجب بالأمرين وهو الراجح عند أصحابنا. اهـ. واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة، فذهب ابن الجهم من المالكية إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنة، ثم نزل فرضه في آية التيمم، وقال ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، والجمهور أنه كان فرضا قبل نزول آية التيمم في سورة المائدة، وهذا ما لا يجهله عالم. اهـ. ويمكن الرد على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة بما رواه الحاكم عن ابن عباس "دخلت فاطمة على النبي ﷺ وهي تبكي، وتقول: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: إيتوني بوضوء فتوضأ" بل نقل ابن عبد البر أنه ﷺ لم يصل قط إلا بوضوء، قال: واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة؟ فذهب جماعة من السلف إلى أن الوضوء واجب لكل صلاة ولو من غير حدث، روي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... ﴾ فالحكم في الآية وهو الغسل معلق بالشرط، فيقتضي تكراره بتكرار الشرط. وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ، ويؤيدهم ما أخرجه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري "أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث". وعن النخعي أنه لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات. وجمهور العلماء والأئمة الأربعة وأكثر أصحاب الحديث وغيرهم أن الوضوء لا يجب إلا من حدث، ولكن تجديده لكل صلاة مستحب، قال النووي: وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه خلاف. اهـ. واستدلوا بالأحاديث الصحيحة الكثيرة منها ما رواه البخاري "لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" وما رواه مسلم من حديث بريدة "كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال: عمدا فعلته" وفي مسند الدارمي "لا وضوء إلا من حدث" وعند أبي داود والنسائي عن أنس "كان النبي ﷺ يتوضأ كل صلاة وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد". قال بعض العلماء: كانت هذه عادته ﷺ الغالبة، وإلا فقد جمع بين صلاتين فأكثر بوضوء واحد، كما في حديث بريدة السابق، وكما جاء في حديث سويد بن النعمان عند البخاري بلفظ "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رسول الله ﷺ العصر، فلما صلى دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام النبي ﷺ إلى المغرب، فمضمض، ثم صلى لنا المغرب، ولم يتوضأ".

стр. 709

قال بعض العلماء: يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه ﷺ خاصة، ثم نسخ يوم الفتح، ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا، ثم خشي أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز، وهذا أقرب، وأجابوا عن قوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... ﴾ بأنها في حق المحدثين، أو أن الأمر بالغسل فيها للندب، وحكى الشافعي عمن لقيه من أهل العلم أن التقدير: إذا قمتم من النوم. قال الزمخشري عند تفسير الآية: فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلنا: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب، فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملا للمحدثين وغيرهم؟ لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا. لأن تناول الكلمة الواحدة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية. اهـ. وفي استحباب تجديد الوضوء ذكر النووي أوجها: أحدها: أنه يستحب لمن صلى به صلاة، سواء أكانت فريضة أم نافلة، الثاني: لا يستحب إلا لمن صلى فريضة، الثالث: يستحب لمن فعل به ما لا يجوز إلا بطهارة، كمس المصحف وسجود التلاوة، الرابع: يستحب وإن لم يفعل به شيئا أصلا بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء زمن يقع بمثله تفريق. ولا يستحب تجديد الغسل على المذهب المشهور، وفي استحباب تجديد التيمم وجهان أشهرهما ولا يستحب. والوضوء واجب على المحدث عند القيام إلى أي نوع من أنواع الصلاة. قال النووي: وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه، ولو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم، ولا يكفر عند الشافعية وعند الجماهير وحكي عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه يكفر لتلاعبه، ودليل الشافعية: أن الكفر للاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيح، وهذا كله إذا لم يكن للمصلي محدثا عذر، وأما المعذور، كمن لم يجد ماء ولا ترابا ففيه أربعة أقوال للشافعي -رحمه الله تعالى- وهي مذاهب العلماء، قال بكل واحد منها قائلون: أصحها يجب عليه أن يصلي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكن من الطهارة، والثاني يحرم عليه أن يصلي، ويجب القضاء، والثالث يستحب أن يصلي ويجب القضاء، والرابع يجب أن يصلي ولا يجب القضاء، وهو أقوى الأقوال دليلا، فأما وجوب الصلاة فلقوله ﷺ "وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم" وأما الإعادة فإنها تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه. اهـ. والقول الأول مشهور وهو مذهب الشافعية، وقول لبعض المالكية، والقول الثاني قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يتشبه بالمصلي فلا ينوي ولا يقرأ ويركع ويسجد، ويعيد الصلاة متى قدر على إحدى الطهارتين، والقول الرابع قول أحمد، واختاره المزني من الشافعية.

стр. 710

٢ - والفرق بين القبول والصحة دقيق، فالقبول يفسر بوقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، والصحة الإتيان بها مستوفية الأركان والشروط، وقد يتخلف القبول مع تحقق الصحة، فصلاة العبد الآبق، وشارب الخمر مادام في جسده شيء منها، والصلاة في الدار المغصوبة صحيحة عند الشافعية غير مقبولة، فقد تقع العبادة صحيحة ولا تقبل لمانع. وقد يطلق القبول ويراد به الصحة لما بينهما من تلازم غالبا، كما في قوله ﷺ "لا تقبل صلاة بغير طهور" أي لا تقبل ولا تصح صلاة بغير طهور، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه النقطة في الحديث التالي. ٣ - الطاعة بالمال الحرام وإنفاقه في وجوه الخير: وأما الطاعة بالمال الحرام فباطلة غير مقبولة، وإذا بطلت الصدقة بسبب ما يتبعها من معصية بنص قوله تعالى ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] بطلت إن قارنتها السيئة من باب أولى، بل إن المتصدق من غلول يجعل الصدقة بعين المعصية، لأن الغال في دفعه المال إلى الفقير غاصب متصرف في ملك الغير، فهو آثم باستيلائه على المال، آثم بتصرفه فيه، لأن كل من أخذ مال غيره بلا وجه شرعي لزمه رده لصاحبه إن كان حيا، وإلا رده على ورثته، ولا يغني عنه شيئا التصدق به. نعم إن لم يكن له ورثة، أو لم يدر صاحبه، أو استولى عليه بعقد فاسد ولم يتمكن من فسخه فإنه يتصدق به، وثوابه لمالكه، ويرجى لهذا الغال الخلاص يوم القيامة إن أدركه عفو الله. قال الأبي: وانظر الحج بالمال الحرام، والظاهر الصحة كالصلاة في الدار المغصوبة، وأما النكاح به فقال مالك فيه: أخاف أن يضارع الزنا. اهـ. ٤ - وفي تحليل موقف ابن عمر من مطلب ابن عامر يقول النووي: معناه أنك لست بسالم من الغول، فقد كنت واليا على البصرة، وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدعاء لمن هذه صفته، كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من متصون، والظاهر -والله أعلم- أن ابن عمر قصد زجر ابن عامر، وحثه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات، ولم يرد القطع حقيقة بأن الدعاء للفساق لا ينفع، فلم يزل النبي ﷺ والسلف والخلف يدعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة. اهـ. ويقول الأبي: لعله مذهب لابن عمر أنه لا يدعي للمتلبس بالمخالفة، وإلا فهو جائز. اهـ. والذي تستريح إليه النفس أن ابن عمر لم يقصد بكلامه أن الدعاء لا يقبل لمن هذه صفته، كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من متصون، كما يقول النووي، لأن ابن عمر وفقهه يبعد هذا الفهم الخطأ، ويبعد أن يراد بالفتوى الخاطئة الزجر والتغليظ. كما أن ابن عمر وفقهه يبعد أن يكون ذلك مذهبا له كما ذهب إليه الأبي. إن الحديث لم يتعرض لدعاء ابن عمر بنفي ولا إثبات، فيحتمل الإثبات، ويكون المعنى: لقد ارتكبت ظلما في ولايتك، وما أنفقته من مال حرام غير مقبول، فرد المظالم والجأ إلى التوبة لتساعد

стр. 711

على قبول الدعاء، وأسأل الله لك العفو والقبول. فسكت الراوي عن حكاية الدعاء، وحكى الزجر والوعظ، ويحتمل النفي، ويكون المعنى: سأحجب دعائي عنك حتى تتخلص من معاصيك، ويكون قد قصد بذلك وعظه ودفعه إلى عدم الاتكال على الدعاء، وإلى إبراء الذمة مادام قادرا بنفسه على إبرائها. والله أعلم. -[٥ - ويؤخذ من الحديث]- ١ - عيادة المريض، وهي مشروعة، وتكرارها ومقدارها يختلف باختلاف الظروف. ٢ - أن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة، ويدخل فيها صلاة الجنازة وغيرها؛ لأن لفظ "صلاة" نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم. ٣ - قال الكرماني: فيه أن الطواف لا يجزئ بغير طهور، لأن النبي ﷺ سماه صلاة فقال "الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام" ورد العيني هذا الاستدلال، وحمل الحديث على التشبيه، وقال: الطواف كالصلاة في الثواب دون الحكم، ثم يقول: ألا ترى أن الانحراف والمشي في الطواف لا يفسده؟ ٤ - وفيه أن الصدقة من المال الحرام غير مقبولة. ٥ - وفيه طلب الدعاء من أهل التقوى والصلاح، فإنه لم ينكر أحد على ابن عامر طلبه. ٦ - فيه شدة ابن عمر في الدين، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام دون مجاملة أو مداراة. ٧ - وفيه جمع الرسول ﷺ بين الصلاة والصدقة، ووضعهما في قرن واحد كعنوان للعبادات البدنية، والعبادات المالية. والله أعلم

стр. 712

(١١٢) باب الوضوء من الحدث ٣٩٩ - عن همام بن منبه أخي وهب بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ "لا تقبل صلاة أحدكم، إذا أحدث، حتى يتوضأ". -[المعنى العام]- الصلاة لقاء بين الإنسان وربه، فيها يقف العبد بين يدي مولاه، يناجيه ويذكره ويدعوه، ومن حق العظيم أن يكون لقاؤنا له على أجمل مظهر، وأطهر مخبر، ومن هنا وجبت الطهارة للصلاة، طهارة الثوب والبدن والمكان، ومن هنا وجب الغسل والوضوء ورفع الحدث. إن بعض الخبائث كالفساء والضراط يؤثر في البدن تأثيرا معنويا، ويحدث حالة تقوم به وإن كانت غير محسوسة، تعرف عند الفقهاء بالحدث، ولا يليق بالمؤمن أن يقف بين يدي الله بهذه الحالة الخبيثة، حتى يطهر نفسه بالوضوء أو ما يقوم مقامه عند عدمه؛ فإن الله لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ. -[المباحث العربية]- (لا تقبل صلاة أحدكم) المخاطبون الحاضرون ليسوا وحدهم المقصودين بالخطاب، بل المقصود الأمة، أي لا تقبل صلاة أحدكم معشر أمة الإسلام، وفي بعض نسخ البخاري "لا تقبل صلاة من أحدث" وفي بعضها "لا يقبل الله صلاة من أحدث". (إذا أحدث) من الحدوث، وهو وجود شيء لم يكن، يقال: أحدث أي وجد منه الحدث، أو قام به الحدث، والحدث يطلق على الخارج المعتاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكمي، المقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية، وعلى المنع من العبادة المترتب على كل واحد من الثلاث، والمراد في الحديث، أحد الأخيرين (الوصف الحكمي أو المنع من العبادة) لأنه جعل الوضوء رافعا للحدث، فلا يعني بالحدث الخارج المعتاد ولا نفس الخروج، لأن الواقع لا يرتفع. (حتى يتوضأ) بالماء أو ما يقوم مقامه، ومعنى "لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" أي مع باقي شروط الصلاة.

стр. 713

-[فقه الحديث]- بينا في الحديث السابق الفرق بين الصحة والقبول، ونزيد هنا أن بعضهم فسر الإجزاء بمطابقة الأمر، والقبول بترتب الثواب، فلم يتم الاستدلال بالحديث على نفي الصحة، قال ابن دقيق العيد: إلا أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفى انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة. اهـ. وهذا التلازم الذي ذكره ابن دقيق العيد تلازم في الغالب، فقد نفى القبول بمعنى نفي الثواب مع ثبوت الصحة في قوله ﷺ "من أتى عرافا لم تقبل له صلاة" رواه أحمد والبخاري. وقوله ﷺ "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة" رواه مسلم. نعم المراد من نفي القبول في هذا الحديث والذي قبله نفي الصحة، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، ويكفي التلازم الغالبي في هذا الإطلاق. والحدث المذكور في الحديث مقصود به الحدث الأصغر، لأنه الذي يستوجب الوضوء ويرفعه الوضوء، ويكون بخروج شيء من أحد السبيلين، سواء كان ريحا أو غيره، نعم فسر أبو هريرة الحدث في رواية البخاري بالريح، ولفظها "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: "فساء أو ضراط" بل فسره في رواية أخرى للبخاري بالضراط فقط، ولفظها "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث" فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت. "يعني الضرطة". ولما كان العلماء متفقين على أن ما يخرج من السبيلين من غير الريح ناقض للوضوء وجهوا تفسير أبي هريرة للحدث بأنه تفسير بالأخص للتنبيه بالأخف على الأغلظ، ولأن الفساء والضراط قد يقعان في أثناء الصلاة، أو لعلمه أن السائل كان يعلم حكم غيرهما ويجهل كونهما حدثا، فتعرض لحكمهما بيانا لذلك. وليس في تفسير أبي هريرة حجة لمن قصر الحدث على ما يخرج من السبيلين؛ لأن تفسير أبي هريرة ليس بحجة، فقد يكون رأيا له، على أنه -كما سبق- فسره بالأخف وترك الأغلظ، على أن العلماء اتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، ولم يذكره أبو هريرة. وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء فهي: ١ - النوم: وقد اختلف العلماء فيه على مذاهب ثمانية ذكرها النووي، الأول: أنه لا ينقض الوضوء على أي حال، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب والشيعة الإمامية، واستدلوا بما

стр. 714

رواه أبو داود ومسلم والترمذي عن أنس قال "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون". الثاني أن النوم ينقض الوضوء بكل حال: قليله وكثيره، وهو مذهب الحسن البصري والمزني وابن المنذر، واستدلوا بما رواه أحمد والنسائي والترمذي عن صفوان بن عسال قال "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم" فذكر الأحداث التي ينزع منها الخف، وعد من جملتها النوم، وجعله مقترنا بالبول والغائط اللذين هما ناقضان بالإجماع، كما استدلوا بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" لم يفرق بين قليل النوم وكثيره ولا بين حال للنائم وحال أخرى. الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بكل حال، وهو مذهب الأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، واستدلوا بحديث أنس السابق، وحملوا ما فيه على قليل النوم. الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد مستلقيا على قفاه انتقض، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وهو قول غريب للشافعي، واستدلوا بما رواه البيهقي "إذا نام العبد في سجوده باهي الله به الملائكة" الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، وهو مروي عن أحمد، ولعل وجهه أن الركوع والسجود مظنة للانتقاض. السادس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد وهو مروي أيضا عن أحمد. السابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، ونسب إلى أبي حنيفة. الثامن: أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي، وعنده أن النوم ليس حدثا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، قال النووي: وهذا أقرب المذاهب عندي، وبه يجمع بين الأدلة. اهـ. ٢ - لمس المرأة: ومذهب الشافعي وأصحابه وابن مسعود وابن عمر والزهري أن لمس المرأة الأجنبية من غير حائل ناقض للوضوء، صغيرة كانت أو كبيرة، تشتهي أو لا تشتهي سدا للذرائع، واستدلوا بقوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] فهو صريح بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمس اليد ويؤيد بقاءه على معناه الحقيقي قراءة ﴿أو لمستم﴾ فإنها ظاهرة في مجرد اللمس، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف وعلي وعطاء وابن عباس إلى أنه لا ينقض. قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إلا إذا تباشر الفرجان وانتشر، حصل مذي أو لم يحصل، واستدلوا بحديث عائشة "أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه، ثم يصلي -ولا يتوضأ" رواه أبو داود والنسائي، فهذا الحديث قرينة على أن المراد من اللمس في الآية الجماع، ورد بأن الحديث مرسل وضعيف.

стр. 715

وذهب مالك والليث وأحمد إلى أن اللمس بشهوة ينقض وبدونها لا ينقض جمعا بين الآية والحديث، فحملوا اللمس في الآية على ما إذا كان بشهوة، وفي الحديث على ما إذا كان بدونها. ٣ - مس ذكر الآدمي وقبل المرأة: ومذهب الشافعي وأحمد وإسحق ومالك في المشهور عنه أنه ناقض للوضوء، سواء كان ذكر نفسه أو غيره، واستدلوا بما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" وبما رواه ابن ماجه وصححه أحمد عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من مس فرجه فليتوضأ". ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم أنه لا ينقض، واحتجوا بما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد مرفوعا بلفظ "الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ قال ﷺ : إنما هو بضعة منك". ٤ - القيء: ومذهب أبي حنيفة أنه من نواقض الوضوء بشرط أن يكون من المعدة، وأن يكون ملء الفم، وأن يكون دفعة واحدة، ودليله ما رواه أحمد والترمذي عن أبي الدرداء "أن النبي ﷺ قاء فتوضأ" ومذهب الشافعي وأصحابه أنه لا ينقض الوضوء، وأجابوا عن الحديث بأن المراد بالوضوء غسل اليدين، أو أنه مندوب. ٥ - الدم: ومذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل أن الدم من نواقض الوضوء وقيدوه بالسيلان، واستدلوا مما رواه ابن ماجه والدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "من أصابه قيء أو رعاف [وهو خروج الدم من الأنف] أو قلس [القلس بفتح اللام ما يخرج من الحلق ملء الفم وليس بقيء] أو مذي فلينصرف فليتوضأ" وذهب مالك والشافعي إلى أنه غير ناقض، وردوا الحديث السابق بأنه ضعيف، ولم يثبت عند أحد من أئمة الحديث المعتبرين. ٦ - أكل لحوم الإبل: وقد ذهب أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وابن خزيمة وغيرهم إلى انتقاض الوضوء به، واستدلوا بما رواه أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ، أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. توضأ من لحوم الإبل" وذهب الخلفاء الأربعة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم إلى أنه لا ينقض الوضوء، واحتجوا بما عند الأربعة وابن حبان من حديث جابر "إنه كان آخر الأمرين منه ﷺ عدم الوضوء مما مست النار". -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن الوضوء لا يجب لكل صلاة، لأنه جعل نفي القبول ممتدا إلى غاية هي الوضوء وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا حتى الحدث، وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانية. قاله ابن دقيق العيد. ٢ - واستدل به على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريا أو اضطراريا لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث، وأن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة.

стр. 716

٣ - وفيه رد على أبي حنيفة حيث يقول: إذا سبقه الحدث في الصلاة يتوضأ ويبني على صلاته، ووجه الرد أنه لا يخلو حال انصرافه أن يكون مصليا أو غير مصل، فإن قيل: هو مصل رد لأن الصلاة لا تقبل مع الحدث، وإن قيل: هو غير مصل لم يقبل أن يبني على ما تقدم. ٤ - وفيه رد على أبي حنيفة حيث يقول: إن من أحدث في القعدة الأخيرة من غير تعمد بعد التشهد توضأ وسلم، وإن تعمده فصلاته صحيحة، ويكون حدثه كلامه، ووجه الرد أن التحلل من الصلاة ركن منها، فلا تصح مع الحدث، إذا الحديث صريح في أن صلاة المحدث لا تقبل، أحدث قبل الصلاة أو في أثنائها. والله أعلم

стр. 717

(١١٣) باب صفة الوضوء وكماله ٤٠٠ - عن حمران مولى عثمان أن عثمان بن عفان ﵁ دعا بوضوء. فتوضأ. فغسل كفيه ثلاث مرات. ثم مضمض واستنثر. ثم غسل وجهه ثلاث مرات. ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات. ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك. ثم مسح رأسه. ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات. ثم غسل اليسرى مثل ذلك. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال رسول الله ﷺ "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه". قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة. ٤٠١ - عن حمران مولى عثمان؛ أنه رأى عثمان دعا بإناء. فأفرغ على كفيه ثلاث مرار. فغسلهما. ثم أدخل يمينه في الإناء. فمضمض واستنثر. ثم غسل وجهه ثلاث مرات. ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات. ثم مسح برأسه. ثم غسل رجليه ثلاث مرات. ثم قال: قال رسول الله ﷺ "من توضأ نحو وضوئي هذا. ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه". -[المعنى العام]- علم رسول الله ﷺ أصحابه كيفية الوضوء بالقول وبالفعل، وكثيرا ما كان يلفت نظرهم إلى تتبع وضوئه، فيتوضأ أمامهم وضوءا كاملا ثم يقول "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". وحرص الصحابة كل الحرص على الاقتداء الكامل، فلما اتسعت رقعة الإسلام انحرف بعض المسلمين المتأخرون في إسلامهم عن الدقة في الوضوء، ورأى كبار الصحابة والغيورون أن من واجبهم تبصير العامة، وتصحيح الخطأ بوضع الصورة الحقة أمامهم، وكان عثمان بن عفان رضى الله عنه من هؤلاء الذين التزموا تعليم الأمة، وكان وقت أن كان أمير المؤمنين يجلس على مرتفع في ميدان

стр. 718

المسجد بين الحين والحين ليقضي بين الناس، وليجتمع بأولي الشأن وأهل العلم، وليقوم بالوعظ والنصح عندما يرى الخلل، فجلس يوما هذا المجلس ونادى مولاه حمران، وطلب منه أن يأتيه بماء للوضوء، وأمام القوم بدأ يتوضأ وهو يقول: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ كان من السهل أن يطلب من حمران أن يصب عليه من الإناء، لكنه أراد أن يشعرهم بتواضعه، وأن يبين لهم طريقة استخدام الشخص لنفسه إناء الوضوء، أخذ الإناء من حمران فوضعه على الأرض، ثم شمر عن ساعديه: وأكفأ الإناء قليلا على كفيه، ثم أعاده وغسل كفيه بما فيهما من ماء، ثم أكفأه مرة ثانية على كفيه فغسلهما ثم أكفأه مرة ثالثة فغسلهما، وكان الإناء ذا فم واسع، فأدخل فيه يمينه فملأ كفها، ثم أخرجها فتمضمض واستنشق من هذه الكف، ثم استنثر فأخرج ماء أنفه بيسراه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه للمرة الرابعة فملأ كفها، ثم أخرجها وأسند إليها اليسرى فغسل بهما وجهه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه فملأ كفها وأسال ماءها على يده اليمنى إلى المرفقين تدلكها يسراه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فملأ كفها، ثم أخرجها فأسند إليها كف اليسرى، ثم أسال الماء على يسراه إلى المرفقين تدلكها يمناه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أدخل يده فأخرج ماء مسح به رأسه، ثم أدخل يده فأخرج ماء ثلاث مرات غسل بها رجله اليمنى إلى الكعبين، ثم ثلاثا أخرى غسل بها رجله اليسرى إلى الكعبين ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. هذا ما كان من عثمان ﵁ لكن جماعة أخرى لم يكونوا قريبين من عثمان حتى يروا منه الوضوء الصحيح لجئوا إلى فقيه من فقهاء الصحابة هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وطلبوا منه أن يريهم وضوء النبي ﷺ فدعا بإناء وتوضأ أمامهم مثل وضوء عثمان السابق، ثم قال: هكذا كان وضوء النبي ﷺ . وهكذا حرص كل خلف أن يتمثل وضوء سلفه، وعلم الآباء الأبناء، ونقل كل جيل هيئات العبادة نقلا متواترا عن الجيل الذي قبله، حتى جاءتنا الشريعة الغراء واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض، وستظل هكذا إلى يوم القيامة إن شاء الله. -[المباحث العربية]- (عن حمران مولى عثمان) "حمران" بضم الحاء وسكون الميم، كان من سبي عين التمر، سباه خالد بن الوليد ﵁، فوجده غلاما كيسا فوجهه إلى عثمان ﵁، فأعتقه، وكان كاتبه وحاجبه، وولي نيسابور من الحجاج، وهو تابعي. (أن عثمان بن عفان دعا بوضوء) في القاموس: وضؤ ككرم، فهو وضيء، والوضاءة الحسن والنظافة، وتوضأت للصلاة، وتوضيت لغية أو لغة، والميضأة الموضع يتوضأ فيه ومنه، والوضوء بضم الواو الفعل، وبالفتح ماؤه، ومصدر أيضا، أو لغتان قد يعني بهما المصدر، وقد يعني بهما الماء. اهـ.

стр. 719

والحديث في رواياته يجري على أنهما لغتان، فإن اللفظة التي معنا مروية بضم الواو، ومقصود بها الماء، وفي آخر الحديث "من توضأ نحو وضوئي هذا" بضم الواو أيضا، ومقصود بها الفعل. (فتوضأ) أي فتأهب للوضوء وشرع فيه، ففيه مجاز المشارفة. (فغسل كفيه) الفاء تفسيرية، لأن غسل الكفين وما بعده هو الوضوء. (ثم مضمض) يقال: مضمض وتمضمض إذا حرك الماء في فمه، وأصل المضمضة الحركة. (واستنثر) قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون: الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف من مخاط وشبهه، وقال ابن الأعرابي وابن قتيبة: هو الاستنشاق. قال النووي: والصواب الأول. اهـ. ويؤيده الرواية الرابعة، إذ فيها "فمضمض واستنشق واستنثر" فجمع بين الاستنشاق والاستنثار، وكذا الرواية السابعة إذ فيها "فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر". (ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق) المرفق على وزن منبر، وهو موصل الذراع في العضد، أي العظم الناتئ في آخر الذراع، قيل: سمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. (ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين) قال النووي: اتفق العلماء على أن المراد بالكعبين العظمان الناتئان بين الساق والقدم، وفي كل رجل كعبان، وشذت الرافضة: فقالت: في كل رجل كعب، وهو العظم الذي في ظهر القدم، وحجة العلماء في ذلك نقل أهل اللغة والاشتقاق وهذا الحديث الصحيح الذي فيه، "غسل رجله اليمنى إلى الكعبين .. ثم غسل اليسرى مثل ذلك" فأثبت في كل رجل كعبين. اهـ. -[فقه الحديث]- يتناول فقه الحديث النقاط التالية: ١ - غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء. ٢ - الاغتراف للوضوء. ٣ - المضمضة والاستنشاق والاستنثار. ٤ - غسل الوجه. ٥ - غسل اليدين إلى المرفقين. ٦ - مسح الرأس. ٧ - مسح الأذنين في الوضوء. ٨ - غسل الرجلين إلى الكعبين. ٩ - الترتيب بين الأعضاء.

стр. 720

١٠ - الوضوء ثلاثا ثلاثا. ١١ - النية للوضوء. ١٢ - التسمية عنده. ١٣ - ما يؤخذ من الحديث. وإليك الكلام على هذه النقاط بالتفصيل: ١ - روايات الإمام مسلم في غسل الكفين نصها في الرواية الأولى "فغسل كفيه ثلاث مرات" وفي الثانية "فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما" قال النووي: هذا دليل على أن غسل اليدين في أول الوضوء سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء. اهـ. ثم قال: وفيه استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء. اهـ. والتحقيق أن الكلام في نقطتين مختلفتين. النقطة الأولى: غسل اليدين في أول الوضوء، وهو سنة ثابتة، لا منازعة في سنيته، قال الحافظ ابن حجر: هو سنة في حق المستيقظ الذي لا يشك في نجاسة يده: ولا يكره ترك غسلها لعدم ورود النهي فيه. اهـ. والنقطة الثانية: غسل اليدين لمن قام من النوم أو شك في نجاستهما، وقد ورد الأمر بغسلهما في هذه الحالة قبل غمسهما في الإناء، وورد النهي عن غمسهما، ففي البخاري ومسلم "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" وفي رواية "إذا قام أحدكم من الليل" وفي أخرى لأبي داود "إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح" وعند أحمد "فلا يضع يده في الوضوء حتى يغسلها" ولمسلم "فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها". ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحققين أن غسل اليدين قبل غمسهما لمن قام من النوم أو شك في نجاستهما مندوب ويكره تركه، وذهب أحمد إلى وجوب الغسل عند القيام من نوم الليل دون نوم النهار، وفي رواية عنه أن ترك الغسل بعد القيام من نوم الليل مكروه كراهة تحريم، وتركه بعد القيام من نوم النهار مكروه كراهة تنزيه، والجمهور من المتقدمين والمتأخرين على أن الماء لا ينجس إذا غمس يده فيه قبل غسلهما، لأن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك، وحكي عن الحسن البصري وإسحق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري أنه ينجس بالغمس بعد القيام من نوم الليل، لكنه خلاف قواعد الشريعة المتظاهرة. هذا وقد اختلف في الكيفية المستحبة لغسل الكفين، هل يغسلهما مجتمعتين؟ أو يغسل اليمنى، ثم يدخلها فيخرج ما يغسل به الأخرى؟ والظاهر الأول حيث أمكن. كما اختلف في كون هذا الغسل المستحب للنظافة أو للتعبد، فمن قال للنظافة استدل بقوله ﷺ "فإنه لا يدري أين باتت يده" وعليه لا يستحب غسلهما لمن أحدث في أثناء وضوئه، أو تأكد من نظافتهما ونقاوتهما، ومن قال للتعبد استدل بطلب الغسل ثلاثا، إذا لو كان للنظافة لكفت واحدة أو طلب النقاوة دون تحديد بعدد، وعليه يستحب إعادة غسلهما لمن أحدث أثناء

стр. 721

وضوئه أو تأكد من نظافتهما، وهذا الأخير أولى وأحوط. ٢ - أما الاغتراف من الماء القليل فعبارته في الرواية الثانية "ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض" وفي الرواية الأولى بعد باب "ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض .. ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه" .. ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين. إلخ". وفي رواية البخاري لحديث عبد الله بن زيد "ثم أدخل يديه فاغترف بهما فغسل وجهه ثلاثا" وفي رواية أخرى للبخاري "ثم أخذ غرفة، فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه" وفي سنن أبي داود في وصف علي لوضوء رسول الله ﷺ "ثم أدخل يديه في الإناء جميعا، فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه" قال النووي: فهذه أحاديث، في بعضها "يده" وفي بعضها "يده وضم إليها الأخرى" فهي دالة على جواز الأمور الثلاثة، وأن الجميع سنة. ويجمع بين الأحاديث بأنه ﷺ فعل ذلك في مرات، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا، ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعا، لكونه أسهل وأقرب إلى الإسباغ، والله أعلم. اهـ. ويمكن أن يقال في الجمع بين هذه الأوجه الثلاثة: إنه إذا كان فم الإناء واسعا، أو كان الاغتراف من قناة أو بحر مثلا فالمستحب أخذ الماء باليدين معا لا غير، وإن كان فم الإناء يسمح بضم اليد الأخرى لتقرب وتساعد أختها في جمع الماء فالمستحب ضمها لا غير، وإن كان لا يسمح إلا بيد واحدة استحب بها وأن تكون اليمنى. والله أعلم. ويجرنا هذا إلى البحث في طهورية الماء المغترف منه، ومن المقرر عند جمهور العلماء والشافعي وابن حنبل ومالك في إحدى الروايتين وأبي حنيفة في رواية عنه أن الماء المستعمل في الغسل أو الوضوء يخرج عن كونه أهلا للتطهير لما رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا". وحكم الوضوء حكم الغسل. وذهب الحسن البصري والنخعي ومالك وأبو حنيفة في إحدى الروايات عنهما وجميع أهل الظاهر إلى أن الماء المستعمل باق على طهوريته. وأصحاب الرأي الأول القائلون بزوال طهورية الماء المستعمل يقولون: إن الماء مادام مترددا على العضو لا يصير مستعملا، فإذا انفصل زالت طهوريته. ويقول النووي في المجموع: إذا غمس المتوضئ يده في إناء، فيه دون القلتين، فإن كان قبل غسل الوجه لم يصر الماء مستعملا، سواء نوى رفع الحدث أم لا (لأن ترتيب وضوء اليد بعد الوجه) وإن

стр. 722

كان بعد غسل الوجه فهذا وقت غسل اليد، وفيه خلاف، وإن قصد بوضع اليد في الإناء أخذ الماء لم يصر مستعملا. اهـ. ٣ - وأما الروايات في المضمضة والاستنشاق والاستنثار، ففي الرواية الأولى "ثم مضمض واستنثر" وفي رواية "ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنثر ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثا وفي رواية "فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات" وفي رواية "فمضمض ثم استنثر" وفي رواية، إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر" وفي رواية "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر" وفي رواية "من توضأ فليستنثر" وفي رواية "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه". قال النووي: كمال المضمضة أن يجعل الماء في فمه، ثم يديره فيه، ثم يمجه، وأما أقلها أن يجعل الماء في فمه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور، وأما الاستنشاق فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف، وجذبه بالنفس إلى أقصاه، ويستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائما، قال أصحابنا: وعلى أي صفة وصل الماء إلى الفم والأنف حصلت المضمضة والاستنشاق، وفي الأفضل خمسة أوجه: الأول: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها. الثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثا، ثم يستنشق منها ثلاثا. الثالث: يجمع أيضا بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق. الرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا. الخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات. والصحيح الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما. (ولا يخفى أن جميع الروايات تتفق مع هذا الوجه) ثم قالوا: واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق. وهل هو تقديم استحباب أم اشتراط؟ وجهان. ثم قال: واختلفوا في وجوب المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب: أحدها: مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أنهما سنتان في الوضوء والغسل، وهو رواية عن عطاء وأحمد. والمذهب الثاني: أنهما واجبتان في الوضوء والغسل، لايصحان إلا بهما، وهو المشهور عن أحمد بن حنبل لورود الأمر بهما، وظاهر الأمر أنه للوجوب، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه ﷺ على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة.

стр. 723

والمذهب الثالث: أنهما واجبتان في الغسل دون الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. والمذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل، والمضمضة سنة فيهما، وهو مذهب داود الظاهري ورواية عن أحمد. اهـ. ومن قال بأنهما سنة حمل الأمر على الندب، بدليل أن الاستنثار مأمور به وهو ليس بواجب باتفاق، وأما مداومته ﷺ فكثيرا ما تكون في السنة، فلم يؤثر أنه ﷺ ترك التسمية، ومع ذلك هي سنة عند القائل بوجوب المضمضة. وقال الأبي: المضمضة تحريك الماء في الفم بالأصابع أو بقوة الفم زاد بعضهم: "ثم يمجه" فأدخل في حقيقتها "المج" فعلى هذه الزيادة لو ابتلعه لم يكن مؤديا للسنة، إلا أن يقال: إنما زاده من حيث العادة لا أن أداء السنة يتوقف عليه، وإذا كان بالأصبع استحب أن يكون باليمين، لأن الشمال مست الأذى، وإذا كان في الفم درهم أداره ليصل الماء محله. ثم قال: والاستنثار أن يدفع الماء من أنفه بنفسه، مع وضع اليد على الأنف، وكرهه في العتبية دون وضع يده لأنه يشبه فعل الدابة ويخشى تناثر ما يخرج على الآخرين أو الأماكن النظيفة، وإذا استنثر بيده فالمستحب أن يكون باليسرى. ثم قال في موضع آخر: قيل: الحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق اختبار طعم الماء بالذوق والرائحة، وأما اللون فمشاهد. اهـ. أما ما جاء في الرواية ٢٢٣ في تعليل الأمر بالاستنثار من أن الشيطان يبيت على الخياشيم فقد قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد مبيته قريبا من المكان الذي يوسوس فيه، وهو القلب، فيكون مبيته على الأنف ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ، فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة اهـ. والأولى حمل الكلام على الاستعارة للتنفير من عدم الاستنثار. والله أعلم. ٤ - وأما غسل الوجه فواجب في الوضوء بالكتاب والسنن المتظاهرة والإجماع، والخلاف بين العلماء في حده الواجب غسله، فالجمهور على أنه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن، ومنتهى اللحيين طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، والاعتبار بالمنابت المعتادة، لا بمن يصلع الشعر عن ناصيته، ولا بمن نزل الشعر إلى جبهته. ولا يدخل وتدا الأذن في الوجه، أما البياض الذي بين الأذن والعذار فهو من الوجه عند الشافعية، وهو محكى عن أبي حنيفة ومحمد وأحمد وداود، وعن مالك أنه ليس من الوجه، وعن أبي يوسف يجب على الأمرد غسله دون الملتحي، واللحية الكثيفة -أي التي تستر البشرة بحيث لا ترى البشرة عند المواجهة- يجب غسل ظاهرها بلا خلاف، ولا يجب غسل باطنها، ولا البشرة تحتها في المذهب الصحيح المشهور. وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد، وذهب المزني إلى وجوب غسل البشرة في الوضوء قياسا على غسل الجنابة، وعلى الشارب والحاجب، وأجاب الجمهور بأن غسل الجنابة أغلظ. ولهذا وجب غسل

стр. 724

كل البدن، ولم يجز مسح الخف بخلاف الوضوء، ولأن الوضوء يتكرر فيشق غسل البشرة فيه مع الكثافة بخلاف الجنابة وأما الشارب والحاجب فكثافته نادرة، ولا يشق إيصال الماء إليه بخلاف اللحية. أما اللحية الخفيفة فإنه يجب غسل ظاهرها وباطنها والبشرة تحتها عند الشافعية ومالك وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: لا يجب غسل ما تحتها، كداخل الفم، وكما سوينا بين الخفيف والكثيف في الجنابة، وأوجبنا غسل ما تحتهما، فكذا نسوي بينهما في الوضوء فلا نوجبه. هذا. وتخليل اللحية الكثيفة سنة، ولو أخذ للتخليل ماء آخر كان أحسن، وعند المالكية أن التخليل غير مشروع، واحتج مالك على عدم التخليل بعدم وروده في هذه الأحاديث، لكن الشافعية يستدلون بما رواه أبو داود عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل بها لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي" ويحسن بنا في هذا المقام أن نعرف بالشعور التي في الوجه حتى لا يلتبس واجب الغسل بغيره. العذار: هو الشعر النابت على العظم الناتئ بقرب الأذن، وهو الواقع بين بياض الأذن وبياض الوجه، ويجب غسله مع الوجه، بل يجب غسل بشرته، لأن كثافته نادرة ولأن المغسول يحيط بجوانبه الثلاثة. والعارضان: هما الشعر النابت تحت العذارين حتى طرفي الفكين، والصحيح أن لهما حكم اللحية، فيفرق بين الخفيف والكثيف، وشذ من جعل حكمهما حكم العذارين، فأوجب غسل بشرتهما. واللحيان: بفتح اللام، وأحدهما لحي، وهما الفكان الأيمن والأيسر اللذان عليهما منابت الأسنان السفلى، واللحية الشعر النابت عليهما، وقد سبق حكم غسلها. والذقن هي: اللحية أو هي مجمع اللحيين. والشارب: هو الشعر النابت على الشفة العليا، وحكي عن الشافعي التعبير بالشاربين، فقيل: أراد الشعر الذي على ظاهر الشفتين وقيل: أراد الشعر الذي على الشفة العليا، وجعل ما يلي الشق الأيمن شاربا وما يلي الأيسر شاربا، وبينهما مجرى الأنف، وهذا هو الصحيح، والواجب غسل أصول شعره. والعنفقة: وهي الشعر النابت على الشفة السفلى والواجب غسل أسفل شعرها وبشرتها. وموضع التحذيف: وهو البياض الذي بين العذار والعين، سمي بذلك لأن الأشراف والنساء يعتادون حف الشعر، وإزالته عنه ليتسع الوجه قال الغزالي في الوسيط: هو القدر الذي إذا وضع طرف الخيط على رأس الأذن والطرف الثاني على زاوية الجبين وقع في جانب الوجه. اهـ. ويجب غسل بشرته، والله أعلم.

стр. 725

أما الدلك في غسل الوجه واليدين والرجلين في الوضوء، وفي جميع الجسم في الغسل (وهو إمرار اليد على العضو مع الماء أو بعده) ففيه خلاف: ذهب مالك وأصحابه والمزني من الشافعية إلى وجوبه في الوضوء والغسل، مستدلين بقوله ﷺ لعائشة في الغسل "ادلكى جسدك بيدك" والأمر للوجوب، ولا فرق على المذهب بين الوضوء والغسل، وبأنه من مسمى الغسل، أو شرط فيه. قاله الحطاب والنفراوي. وقال مالك في المدونة في الجنب يأتي للنهر فينغمس فيه انغماسا وهو ينوي الغسل من الجنابة، ثم يخرج. قال: لا يجزئه وإن نوى الغسل، إلا أن يتدلك. قال: وكذا الوضوء أيضا. قلت: أرأيت إن أمر يديه على بعض جسده ولم يمررها على جميع الجسد؟ قال: لا يجزئه ذلك حتى يمرهما على جميع جسده كله ويتدلك. اهـ. وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة، واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الواردة في صفة الوضوء والغسل التي ليس فيها التصريح بالدلك. والحق أن ما ذهب إليه الإمام مالك تضييق وتعسير، وإلزام بما هو متعذر، فإن بعض أماكن الظهر مثلا لا يمكن لليدين الوصول إليها إلا بصعوبة، اللهم إلا أن يأمر باستعمال حبل ونحوه، مما لم يؤثر أن عائشة ﵂ قد أمرت به، نعم الدلك فيما يتيسر دلكه من الأعضاء مطلوب احتياطيا. ٥ - وفي غسل اليدين إلى المرفقين تقول الرواية الأولى "ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك" وتقول الرواية ٤٠١ "ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات" وتقول الرواية ٤١٦ "فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين" وتقول الرواية ٤١٩ "ويده اليمنى ثلاثا، والأخرى ثلاثا". ولما كنا سنفرد لتثليث الغسل في الوضوء فصلا خاصا، فإننا نقصر الكلام هنا على الترتيب بين اليدين، وعلى غسل المرفقين نفسيهما، وعلى تخليل الأصابع، أما تقديم اليمنى على اليسرى فقد نصت عليه بعض الروايات، وفيه يقول النووي: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين، في الوضوء، سنة لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه، وقالت الشيعة: هو واجب. ولا اعتداد بخلاف الشيعة: واعلم أن الابتداء باليسار -وإن كان مجزيا- فهو مكروه، نص عليه الشافعي، وهو ظاهر. وقد ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بأسانيد حميدة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا لبستم أو توضأتم فابدءوا بأيامنكم" فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين، ومخالفته مكروهة أو محرمة، وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمة، فوجب أن تكون مكروهة، ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخدان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين. والله أعلم. اهـ.

стр. 726

وأما المرفقان فقد قال النووي: اتفق الجماهير على وجوب غسل المرفقين، وانفرد زفر وداود الظاهري بقولهما: لا يجب. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وقد اختلف العلماء هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال المعظم: نعم، وخالف زفر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتج بعضهم للجمهور بأن "إلى" في الآية ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦] بمعنى "مع" كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] وتعقب بأنه خلاف الظاهر، وأجيب بأن القرينة دلت عليه، وهي كون ما بعد "إلى" من جنس ما قبلها. اهـ. وقال الزمخشري: لفظ "إلى" يفيد معنى الغاية مطلقا: فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] دليل عدم الدخول النهي عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، دليل الدخول كون الكلام مسوقا لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، قال: فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله ﷺ ، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء، "فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين"، وفيه عن جابر قال "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه" وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء "وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق" فهذه أحاديث يقوي بعضها بعضا، وقد قال الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فزفر محجوج بالإجماع قبله على هذا، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا، وإنما حكى عنه أشهب كلاما محتملا. اهـ. وقال الأبي -وهو مالكي المذهب- ويغسل المرفق عند مالك والكافة لا لأنه من اليد، بل لأن "إلى" بمعنى "مع" وأيضا فلأن حد الشيء إذا كان من جنسه دخل في حكمه، وعند مالك لا يجب وأنكره عبد الوهاب. اهـ. وأما تخليل الأصابع: فإن في الروايات الواردة به مقالا فلا تنهض دليلا على الوجوب، فهي محمولة على الندب جمعا بينها وبين سائر الروايات الصحيحة الكثيرة التي لم يذكر فيها التخليل، ولذا ذهب الجمهور إلى استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين، والأكمل في تخليل اليدين أن يضع بطن الكف اليمنى على اليسرى، ويدخل الأصابع بعضها في بعض، وفي الرجلين أن يكون بخنصر اليد اليسرى، بادئا بخنصر الرجل اليمنى خاتما بخنصر الرجل اليسرى، لما فيه من السهولة والمحافظة على التيامن. وما ذكرناه من ندب تخليل أصابع اليدين والرجلين إنما هو إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة، لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته، لكن لأداء فرض الغسل. ذكره ابن سيد الناس. والله أعلم.

стр. 727

٦ - وأما مسح الرأس فعنه تقول الرواية الأولى "ثم مسح رأسه" وتقول الرواية ٤٠١ "ثم مسح برأسه" والرواية ٤١٦ "ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر". والرواية ٤١٧ "فأقبل بيديه وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما، حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه". والرواية ٤١٨ "فمسح برأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة". والرواية ٤١٩ "ومسح برأسه بماء غير فضل يده". وقد اختلف العلماء في القدر الواجب مسحه من الرأس عند الوضوء، بعد أن أجمعوا على وجوب المسح، فجاحد أصل المسح كافر، لأنه إنكار لقطعي، وجاحد المقدار لا يكفر لأن النص في حق المقدار ظني. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. وسر اختلافهم في المقدار هو الباء في قوله تعالى "برءوسكم" فمن رأى أنها للتبعيض اكتفى بمسح بعض الرأس، وممن أثبت أن الباء تأتي للتبعيض: الأصمعي والفارسي وابن مالك، قيل: والكوفيون، وجعلوا منه قوله تعالى ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]. ومن جعل الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها كقولك: مسحت رأس اليتيم، ومسحت برأسه، أو جعلها زائدة أوجب مسح الرأس كله، مع استناد كل فريق إلى الأحاديث. فالإمام مالك وأحمد وجماعة على وجوب استيعاب الرأس بالمسح، ويؤيدهم ظاهر الرواية الأولى "ثم مسح رأسه" ورواية "فأقبل بيديه وأدبر" ورواية "بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما، حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه". قال ابن القيم: إنه لم يصح عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة. اهـ. وسئل مالك عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه، أيجزئه ذلك؟ فقال: حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم رد يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله. كما استدل أصحاب هذا الرأي بأن الكل متفق على تعميم غير الرأس من أعضاء الوضوء، فلتعمم الرأس أسوة ببقية الأعضاء. والحنفية والشافعية على أن الواجب مسح بعض الرأس، لكن أراد الحنفية بالبعض ربع الرأس، وأراد الشافعية بالبعض ما يطلق عليه الاسم، ولو شعرة واحدة. ويستدل هذا الفريق بما رواه أبو داود من حديث أنس بلفظ "إنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة" وبما عند مسلم وأبي داود والترمذي من حديث المغيرة بلفظ "إنه ﷺ توضأ، فمسح

стр. 728

بناصيته وعلى العمامة" وبما رواه الشافعي من حديث عطاء "أن رسول الله ﷺ توضأ فحسر العمامة عن رأسه، ومسح مقدم رأسه". قال الشافعي: احتمل قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ جميع الرأس أو بعضه فدلت السنة على أن بعضه يجزئ. اهـ. ويرد هذا الفريق دليل الفريق الأول بأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب فإن رسول الله ﷺ كان يحافظ على الأفضل والأحاديث التي استدلوا بها إنما وردت في كمال الوضوء، وليس فيما لا بد منه، ومسح الرأس كله مستحب باتفاق العلماء. وأما استدلالهم بقياس الرأس على بقية أعضاء الوضوء فهو قياس مع الفارق؛ إذ كون المسح مبنيا على التخفيف واضح بما لا شبهة فيه. ويضعف الفريق الأول أن أصحاب مالك لم يتفقوا معه على هذا الحكم، فقد قال ابن مسلمة: إن مسح ثلثيه أجزأه، وقال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه، وقال أشهب: إن مسح الناصية أجزأه، وعنه أيضا: إن مسح أي شيء منه أجزأه. بل يزيده ضعفا أن ما نسب إلى الإمام مالك نفسه هو المشهور عنه؛ إذ عبارة الأبي المالكي، أن المشهور لمالك ما ذكر من أن الفرض مسح جميعه. اهـ. ومعنى هذا: أن هناك رأيا آخر له غير مشهور، وأن ما نسب إلى الإمام أحمد إنما هو إحدى الروايات عنه. والله أعلم. وقد تعرضت الروايات في الباب بعد التالي إلى كيفية المسح، والسنة في ذلك أن يمسح شعر رأسه بيديه: يبدأ بمقدم رأسه، وينتهي بهما إلى قفاه، ثم يرد يديه إلى مقدم رأسه من المكان الذي بدأ منه، وبهذا الإقبال والإدبار يستوعب جهتي الرأس بالمسح؛ لأنه يمسح في الرجوع ما لم يمسحه في الذهاب وعلى هذا يختص ذلك بمن كان له شعر، وبمن كان شعره غير مضفور، وأما من لا شعر له على رأسه، أو كان شعره مضفورا فلا يستحب له الرد، إذ لا فائدة فيه، ولو رد في هذه الحالة لم يحسب الرد مسحة ثانية، لأن الماء صار مستعملا بالنسبة إلى ما سوى تلك المسحة. قال النووي. كما تعرضت الروايات إلى كون مسح الرأس بماء جديد غير فضل يديه، وقد نقل عن القاضي عياض أن السنة تجديد الماء لمسح الرأس، وأجاز الحسن والأوزاعي وعروة مسحه ببل اليدين، وعند بعض المالكية: إن كان بلحيته بلل وبعد عن الماء مسح به، ومعنى هذا أن الرواية وإن أخبرت عن الإتيان بماء جديد فإنه لا يلزم من ذلك اشتراطه، ولكن جاء في المدونة: إن مسح الرأس ببل اللحية لم يجزه، وخرج اللخمي القولين على طهورية الماء المستعمل، فمن رأى طهوريته أجاز مسح الرأس ببقية ماء غسل اليدين، ومن رأى أنه غير طهور لم يجز مسح الرأس بفضل اليدين، والخلاف في طهورية الماء المستعمل وعدم طهوريته مشهور، فأحمد والليثي والأوزاعي والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة في رواية عنه ذهبوا إلى أن

стр. 729

الماء المستعمل غير مطهر، وتوضيح هذه المسألة وأدلة كل فريق سيأتي في باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد (إن شاء الله). بقي في هذه النقطة المسح على العمامة وما شاكلها، نعم لم تتعرض رواياتنا له، لكن روى أبو داود عن ثوبان قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين"، (العصائب العمائم، جمع عصابة، سميت بذلك لأن الرأس يعصب بها، فكل ما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو نحو ذلك فهو عصابة، والتساخين لا واحد لها من لفظها، فارسي معرب، وهو اسم غطاء من أغطية الرأس كان العلماء وفقهاء الفرس يلبسونه على رءوسهم) كما روى أبو داود أيضا عن أنس بن مالك قال: "رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ عليه عمامة قطرية (نسبة إلى قرية بإقليم البحرين) فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة"، فهذان حديثان مختلفان في حكم الاكتفاء بمسح العمامة ونحوها، وهذه المسألة من الأهمية بمكان في عصر لبست فيه المرأة شعرا مستعارا (باروكة) ولبسه بعض الرجال أيضا، كما لبسوا ولبست قبعات وعمائم يصعب خلعها في البرد، ويعرض نزعها في تيارات الشتاء لبعض الأمراض. وليس موضوع البحث المسح على بعض شعر الرأس ولو شعرة والتكملة على العصابة، فإنه قد سبق القول بأنه جائز عند الشافعية، وليس الموضوع المسح على ربع الرأس والتكملة على العصابة، فإنه جائز عند الحنفية أيضا، وإنما موضوع المسألة الاكتفاء بمسح العصابة والعمامة بدلا من مسح شعر الرأس. والحديث الأول المروي عن أبي داود يدل بظاهره على جواز ذلك، وهو قول لبعض العلماء، قال الترمذي في جامعه: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وأنس، وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحق. وقال ابن القيم في تهذيب السنن: قال عمر بن الخطاب من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله، والمسح على العمامة سنة من سنن رسول الله ﷺ ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار. اهـ. كما قال هذا الفريق: إن عضوا يسقط فرضه في التيمم يجوز المسح على حائله كالقدمين، واختلف القائلون بهذا القول في: هل يشترط فيمن يمسح على العمامة أن يكون قد لبسها على طهارة، قياسا على الخفين؟ ذهب إلى ذلك البعض، والأكثرون لا يشترط، كما اختلفوا في: هل لهذا المسح وقت ومدة؟ قال أبو ثور: إن وقته كوقت المسح على الخفين، وقال ابن حزم: لا يوقت ذلك بوقت. وجمهور العلماء والفقهاء، وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأبو حنيفة على أنه لا يجوز المسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، قالوا: إن الله فرض مسح الرأس، وحديث أبي داود محتمل التأويل، فلا يترك الأصل المتيقن وجوبه بالحديث المحتمل، بل قال بعضهم: إن حديث أبي داود خاص بهذه السرية، أو بأن المسح على العمامة منسوخ. والله أعلم. ٧ - ولم تتعرض روايات مسلم لمسح الأذنين، لكن روى أبو داود في وصف علي -كرم الله وجهه-

стр. 730

للوضوء "ثم مسح رأسه وظهور أذنيه" وروي أيضا عن المقدام بن معد يكرب الكندي في وصف وضوء النبي ﷺ "ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس "فمسح برأسه وأذنيه، داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه على ظاهر أذنيه. فمسح ظاهرهما وباطنهما". وروى النسائي "ثم مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بإبهاميه" وروى ابن ماجه "مسح أذنيه، فأدخلهما السبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما". ولا خلاف بين العلماء في مشروعية مسح الأذنين في الوضوء، لكن الخلاف بينهم في اعتبارهما من الرأس أو من الوجه أو منهما فذهب جمهور من العلماء إلى أنهما من الرأس، فيمسحان معه، مستدلين برواية لابن ماجه عن النبي ﷺ قال "الأذنان من الرأس" وذهب الزهري وداود إلى أنهما من الوجه فيغسلان معه، لحديث ابن عباس "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره" وذهب جماعة من العلماء إلى أن المقبل منهما من الوجه، فيغسل معه، والمدبر منهما من الرأس، فيمسح معه. والذي تستريح إليه النفس أنهما عضوان مستقلان، وأن رواية ابن ماجه ضعيفة؛ حتى قال ابن الصلاح: إن ضعفها كثير لا ينجبر بكثرة الطرق. اهـ. كذلك الخلاف قائم بين العلماء في حكم مسحهما، فذهبت القاسمية وإسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل إلى أنه واجب، واستدلوا بأحاديث وصف وضوء النبي ﷺ التي سقناها عن أبي داود وابن حبان والنسائي وابن ماجه، وقالوا: إن أحاديث "الأذنان من الرأس" يقوي بعضها بعضا، وقد تضمنت أنهما من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمرا بمسحهما. وذهب من عداهم إلى عدم الوجوب وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها وصف أفعال لا تدل على الوجوب، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض، كذلك الخلاف في مسحهما بماء الرأس أو بماء جديد، فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه يؤخذ لهما ماء جديد، وذهب أبو حنيفة إلى أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد. والله أعلم. ٨ - وعن غسل الرجلين تقول الرواية الأولى "ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك" وتقول الرواية ٤٠١ "ثم غسل رجليه ثلاث مرات" والرواية ٤١٦ "ثم غسل رجليه إلى الكعبين" والرواية ٤١٩ "وغسل رجليه حتى نقاهما". قال النووي: ذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما، ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع. اهـ. ويشير النووي في كلامه إلى الإمامية من الشيعة حيث قالوا: إن فرض الرجلين المسح وإنه لا

стр. 731

يجزئ الغسل، محتجين بقراءة الجر في قوله تعالى ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ قالوا: وهي قراءة صحيحة سبعية مستفيضة، وجعلوا قراءة النصب عطفا على محل "برءوسكم". كما يشير بقوله "ولا يجب المسح مع الغسل" إلى ما ذهب إليه بعض أهل الظاهر من أنه يجب الجمع بين الغسل والمسح. وقد ذهب محمد بن جرير الطبري والجبائي والحسن البصري إلى أنه مخير بين الغسل والمسح لاختلاف القراءتين. ويوجه الجمهور قراءة الجر بأن الجر للجوار، وقد أجازه جماعة من أئمة الإعراب كسيبويه والأخفش كما في قوله تعالى: ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم﴾ [هود: ٢٦] حيث جر "أليم" على الجوار ليوم، وإن كان صفة للعذاب، وحملت عليه هذه القراءة مع أنه قليل نادر لمداومته ﷺ على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح وتوعده على المسح بقوله "ويل للأعقاب من النار" ولإجماع الصحابة على الغسل، وهناك جواب ثان، وهو أن الأرجل عطفت على الرءوس، لأنها تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة الإسراف المنهي عنه، لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وجيء بالغاية ليعلم أن حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه، لأنه لا غاية في الممسوح، قاله الزمخشري، وجواب ثالث وهو أن قراءة الجر للمسح، لكن في حالة لبس الخف. وقراءة النصب على الغسل عند عدم الخف. قال الحافظ أبو بكر بن العربي: قراءتا النصب والجر مشهورتان وبينهما تعارض، والحكم في تعارض الروايتين كالحكم في تعارض الآيتين، وهو أنه إن أمكن العمل بهما مطلقا يعمل، وإن لم يمكن يعمل بهما بالقدر الممكن، وهنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد في حالة واحدة، لأنه لم يقل به أحد من السلف، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح، لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فيعمل في حالتين، فيحمل في قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتين، وتحمل قراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين، توفيقا بين القراءتين وعملا بهما بالقدر الممكن. اهـ. وسيأتي مزيد إيضاح لغسل الرجلين في باب إسباغ الوضوء، وغسل الأعقاب. هذا وفي غسل الكعبين نفسيهما ما في غسل المرفقين من خلاف سابق، وكذلك في تقديم الرجل اليمنى على اليسرى ما في تقديم اليد اليمنى من أحكام. وفي تخليل أصابع الرجلين ما في تخليل أصابع اليدين، وقد سبق الكلام عنه في النقطة الخامسة من شرح هذه الأحاديث. والله أعلم. ٩ - ومن العطف بثم بين الأعضاء في بعض الروايات يؤخذ وجوب الترتيب بين أركان الوضوء، وبه قال الشافعي، وهو المشهور عن أحمد، واستدلوا بأنه ﷺ لم يتوضأ إلا مرتبا، ولو لم يجب لتركه في وقت بيانا للجواز، وبما رواه النسائي من قوله ﷺ "ابدءوا بما بدأ الله به" ورواه مسلم بلفظ "نبدأ بما بدأ الله".

стр. 732

فهذا الحديث وإن كان واردا في الحج في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] لكن العبرة بعموم اللفظ، والأمر فيه في رواية النسائي صريح بوجوب الترتيب. وقالوا: إن آية الوضوء وإن كانت مجملة ببنتها السنة بفعله ﷺ ، ثم إن الآية الكريمة ذكرت ممسوحا بين مغسولات، وتفريق التجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وقصد، وهي هنا الوجوب، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الترتيب غير واجب، لأنه من لفظ الراوي، وقالوا: إن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب وإن داوم عليه ﷺ ، وحديث النسائي إنما قصد به التبرك بالبدء بما بدأ الله به. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما الاشتراك الذي في واو العطف وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة: لا تقتضي نسقا ولا ترتيبا، وإنما تقتضي الجمع فقط وقال الكوفيون: بل تقتضي النسق والترتيب، فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي لم يقل بإيجابه. السبب الثاني: اختلافهم في أفعاله ﷺ هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب؟ فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب، لأنه لم يرد عنه ﷺ أنه توضأ قط إلا مرتبا، ومن حملها على الندب قال: إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون والمفروض من الأفعال قال: إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون في الأفعال الواجبة، ومن لم يفرق قال: إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التي ليست واجبة. اهـ. ولا يخفى أن القائلين بعدم وجوب الترتيب بين الأركان يقولون باستحبابه بينها كترتيب السنن بعضها مع بعض، والقائلين بوجوبه بين الأركان يقولون بأنه سنة بين السنن. اللهم إلا ما روي عن أحمد من قوله بوجوبه أيضا بين المضمضة والاستنشاق، لأنهما من تمام غسل الوجه عنده، وأما تقديمهما على غسل الوجه فسنة. والله أعلم. ولم تتعرض رواياتنا للموالاة التي هي متابعة أعضاء الوضوء، من غير تفرقة بينها، بحيث يغسل العضو الثاني قبل جفاف العضو الأول، مع اعتدال الزمان والمزاج والهواء، ومذهب أحمد أنها واجبة، وبوجوبها قال الشافعي في القديم، وبه قال مالك لكن قيده بالذكر والقدرة، ومذهب أبي حنيفة أنها سنة وهو قول الشافعي في الجديد. والله أعلم. ١٠ - والروايات تصرح بالوضوء ثلاثا ثلاثا. قال النووي: وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة، وثلاثا ثلاثا، وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة. قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، فعلى هذا يحمل اختلاف الأحاديث.

стр. 733

وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابي الواحد في القصة الواحدة فذلك محمول على أن بعضهم حفظ وبعضهم نسي، فيؤخذ بما زاده الثقة، كما تقرر من قبول زيادة الثقة الضابط. اهـ. ثم قال في موضع آخر: وقد أجمع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث. والمراد بالثلاث المستوعبة للعضو، وأما إذا لم يستوعب العضو إلا بغرفتين فهي غسلة واحدة. ولو شك هل غسل ثلاثا أو اثنتين جعل ذلك اثنتين؛ وأتى بثالثة، هذا هو الصواب الذي قاله الجماهير من أصحابنا، وقال الجويني: يجعل ذلك ثلاثا ولا يزيد عليها، مخافة ارتكاب بدعة بالرابعة، والأول هو الجاري على القواعد، وإنما تكون الرابعة بدعة ومكروهة إذا تعمد كونها رابعة. اهـ. وما حكاه النووي من إجماع المسلمين على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاثة سنة، هو المشهور، فقد قال الأبي وحكى الإسفرايني عن مالك وجوب الثانية. اهـ. وما حكاه من إجماع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث هو المشهور أيضا، فقد قال أحمد وإسحق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث، ولا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى، وقال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم، فهذا الرأي يجعل الزيادة على الثلاث أقوى من الكراهة، ويقابله ما نقله الحافظ ابن حجر عن الشافعي أنه قال: لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث، فإن زاد لم أكرهه. وفي المرقاة قال الإمام النسفي: هذا إذا زاد معتقدا أن السنة هذا؛ فأما لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو نية وضوء آخر فلا بأس، لأنه ﵊ أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. اهـ. فتعبير الإمام النووي في الحالتين بإجماع المسلمين محمول على التسامح. والتحقيق: أن ما حكاه إنما هو قول جماهير المسلمين وجماهير العلماء. ولا يفوتنا أن ننبه أن كراهة الزيادة على الثلاث مقصورة على حالة قصد الوضوء، فإن كان على العضو وسخ وقصد إزالته أزيل بقطع النظر عن العدد، وعليه تحمل الرواية ٤١٩ التي جاء فيها "وغسل رجليه حتى أنقاهما" بل استدل بعض الفقهاء بهذه الرواية على أن غسل الرجلين في الوضوء لا يحد بالثلاث، لأن الرجل لقربها من الأرض في المشي تكثر فيها الأوساخ والأدران، فيحال الأمر فيها على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد، لكن هذا الرأي مردود، وإزالة الأوساخ في أي عضو مطلوبة بقطع النظر عن العدد، والثلاث للرجل كغيرها مطلوبة حيث لا وسخ، وقد نصت الرواية الأولى والثانية على التثليث في غسل الرجلين. أما مسح الرأس فالجمهور على عدم التثليث، وجميع رواياتنا لم تذكر التثليث في مسح الرأس، بل نص في بعضها على أنه مسح مرة واحدة، وقال أبو داود في السنن: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، وكذا قال ابن المنذر: إن الثابت عن النبي ﷺ في

стр. 734

المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء. وبالغ أبو عبيدة فقال: لا نعلم أحدا من السلف استحب تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيمي، لكن الشافعي يستحب التثليث في المسح كما في الغسل، وتكرار المسح مسنون عند أبي حنيفة أيضا -كما صرح بذلك صاحب الهداية- ولكن بماء واحد، ولعل بعض الروايات في ظاهرها تؤيدهما، إذ جاء فيها "توضأ ثلاثا ثلاثا" فلم تستثن مسح الرأس. وقد وردت أحاديث كثيرة بالمسح ثلاثا، ففي سنن أبي داود من حديث عبد الرحمن بن وردان عن حمران "ومسح رأسه ثلاثا" وفيه أيضا من حديث علي ﵁ رفعه "ومسح برأسه ثلاثا" وفي سنن الدارقطني عن عمر ﵁ في وصف وضوء النبي ﷺ "ومسح برأسه ثلاثا" والله أعلم. ١١ - ولم تتعرض الروايات للنية، ومذهب المالكية والشافعية وأحمد أنها واجبة في الوضوء والغسل كبقية العبادات، واستدلوا بقوله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]. وقالوا: الإخلاص هو النية، لأنه عمل من أعمال القلب، وهو مأمور به، كذلك استدلوا بقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" وقدروا معناه: إنما صحة الأعمال بالنيات. ومذهب الحنفية عدم وجوب النية في الوضوء والغسل، وقدروا المعنى في الحديث: إنما كمال الأعمال، أو ثوابها بالنيات. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم هو تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة، أي مقصودا بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين، ولذلك وقع الخلاف فيه، وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة. اهـ. والنية محلها القلب وإن جمع اللفظ مع القلب كان آكد وأفضل عند الشافعية وجمهور العلماء، ومنع الجهر بها ابن تيمية وابن القيم وجماعة من العلماء. ١٢ - وأما التسمية عند الوضوء فلم تأت في شيء من الأحاديث الصحيحة، بل قال أحمد: لا أعلم فيها حديثا له سند جيد. اهـ. وأما ما رواه الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "من توضأ وذكر اسم الله تعالى عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لما مر عليه الماء" وما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" فإن أسانيدهما كلها ضعيفة، وأقوى ما يحتج به في مشروعية التسمية حديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي. ولما لم ترد التسمية في أحاديث الوضوء اختلفت المذاهب في مشروعيتها فيه: فالشافعية على أن التسمية سنة في الوضوء وجميع العبادات وغيرها من الأفعال، حتى عند الجماع، لما رواه البخاري ومسلم من قوله

стр. 735

صلى الله عليه وسلم "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان". قال النووي: هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، وعنه رواية أنها واجبة، وعن أبي حنيفة رواية أنها ليست بمستحبة في الوضوء، وعن مالك رواية أنها بدعة فيه، ورواية أنها مباحة، لا فضيلة في فعلها ولا تركها. اهـ. والله أعلم. -[ويؤخذ من مجموع هذه الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - التعليم بالفعل لأنه أبلغ وأضبط للمتعلم. ٢ - جواز الاستعانة في إحضار الماء للوضوء من غير كراهة. ٣ - استحباب غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، وإن لم يكن قد قام من النوم. ٤ - الإفراغ على اليدين معا في ابتداء الوضوء. ٥ - استدل بقوله "ثم أدخل يمينه في الإناء" على عدم اشتراط نية الاغتراف. قال الحافظ ابن حجر: ولا دلالة فيه نفيا ولا إثباتا. ٦ - يؤخذ من الاغتراف من الماء القليل للتطهير أنه لا يصيره مستعملا. ٧ - قد يستدل به على أن المضمضة والاستنشاق يكونان بغرفة واحدة. وهو أحد الأوجه المستحبة المتقدمة في الشرح. ٨ - يؤخذ منه تقديم اليمنى على اليسرى. ٩ - الترتيب بين أعضاء الوضوء. ١٠ - أن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرة، وبعضه بمرتين، وبعضه بثلاث. ١١ - الترغيب في الإخلاص. ١٢ - فضل إحسان الوضوء والصلاة بعده، وسيأتي قريبا في باب خاص. ١٣ - الوتر في الاستجمار، وسيأتي في بابه. والله أعلم

стр. 736

(١١٤) باب فضل إحسان الوضوء والمشي إلى المسجد والصلاة وانتظار الصلاة والجمعة إلى الجمعة ٤٠٢ - عن حمران مولى عثمان قال سمعت عثمان بن عفان وهو بفناء المسجد فجاءه المؤذن عند العصر فدعا بوضوء فتوضأ ثم قال والله لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها". وفي حديث أبي أسامة "فيحسن وضوءه ثم يصلي المكتوبة". ٤٠٣ - عن حمران أنه قال: فلما توضأ عثمان قال والله لأحدثنكم حديثا والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها" قال عروة الآية ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله ﴿اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩]. ٤٠٤ - عن إسحق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص حدثني أبي عن أبيه قال: كنت عند عثمان فدعا بطهور فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله". ٤٠٥ - عن حمران مولى عثمان قال أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ ثم قال إن ناسا يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث لا أدري ما هي إلا أني رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال "من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" وفي رواية ابن عبدة أتيت عثمان فتوضأ.

стр. 737

٤٠٦ - عن أبي أنس؛ أن عثمان توضأ بالمقاعد. فقال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ ثم توضأ ثلاثا ثلاثا. ٤٠٧ - سمعت حمران بن أبان قال: كنت أضع لعثمان طهوره فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة وقال عثمان حدثنا رسول الله ﷺ عند انصرافنا من صلاتنا هذه (قال مسعر أراها العصر) فقال "ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت؟ " فقلنا: يا رسول الله! إن كان خيرا فحدثنا وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم. قال "ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب الله عليه فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارات لما بينها". ٤٠٨ - عن جامع بن شداد قال: سمعت حمران بن أبان يحدث أبا بردة في هذا المسجد. في إمارة بشر أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى. فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن" ٤٠٩ - عن حمران مولى عثمان قال: توضأ عثمان بن عفان يوما وضوءا حسنا. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأحسن الوضوء. ثم قال "من توضأ هكذا. ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة. غفر له ما خلا من ذنبه". ٤١٠ - عن حمران مولى عثمان بن عفان عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء. ثم مشي إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه".

стр. 738

٤١١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "الصلاة الخمس. والجمعة إلى الجمعة. كفارة لما بينهن. ما لم تغش الكبائر". ٤١٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن". ٤١٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول "الصلوات الخمس. والجمعة إلى الجمعة. ورمضان إلى رمضان. مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر". -[المعنى العام]- وترغيبا في إسباغ الوضوء وإكماله وتحسينه، وفي الصلاة بعده يقول عثمان بن عفان ﵁ بعد أن توضأ فأحسن الوضوء: إن فضل الله واسع. تفضل بالأجر الكبير على العمل الصغير، وإني أعلم ثوابا جزيلا على عمل سهل يسير، أخاف إن بلغتكم نبأه أن تتكلوا وتكسلوا ولا تنشطوا، وأخاف إن لم أحدثكم أن أكون كاتما للعلم، يصدق على ما قاله الله تعالى في أهل الكتاب ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩]. إنني سأختار تحديثكم بالأمر، كما اختاره لنا رسول الله ﷺ حين قال لنا -بعد أن توضأ فأحسن الوضوء، وصلى بنا العصر- وبعد انصرافنا من الصلاة -قال: لا أدري أحدثكم بشيء أحفظه وأعلمه، أو أترك تحديثكم به مخافة أن تتكلوا على فضل الله وتكسلوا عن العبادة؟ ونشط الصحابة وثار فيهم حب الاستطلاع والحرص على معرفة هذا الأمر، لكنهم تأدبوا في الطلب فقالوا: يا رسول الله إن كان خيرا فحدثنا به نزد خيرا، وإن كان غير ذلك فالأمر لله ولك تقرر فيه ما تشاء. ورأى ﷺ أن يحدثنا، فقال: لا يتوضأ رجل مسلم، فيحسن الوضوء، ويتم الطهور الذي أمره الله تعالى به، ثم يمشي إلى المسجد، لا يدفعه إليه شيء إلا الصلاة، فتحضره المكتوبة، فيصليها في المسجد مع الجماعة، لا يحدث فيها نفسه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما بينه وبين أدائه الصلاة التي تليها. فمن توضأ وضوءا حسنا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى

стр. 739

المسجد زيادة في أجره وثوابه، ومن توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا يدفعه شيء إلا الصلاة غفر له ما تقدم من ذنبه، والصلوات الخمس كفارات لما بينها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة. فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. -[المباحث العربية]- (وهو بفناء المسجد) "أل" في المسجد للعهد، والمقصود المسجد النبوي بالمدينة، وفناء المسجد بكسر الفاء هو المتسع أمامه، بين يديه أو في جواره، قال الأبي: المراد ما تحت الجدار مما يلي الشارع، لا ما يأخذه الغلق لأنه لا يتوضأ في المسجد. (فدعا بوضوء) أي بماء يتوضأ به. (لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم) المفعول الثاني لحدث محذوف وقد ذكر في الرواية الثانية بلفظ "ما حدثتكموه" و"آية" مبتدأ خبره محذوف وجوبا، أي لولا آية كائنة في كتاب الله موجودة. (لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء) إحسان الوضوء الإتيان به تاما بصفته وآدابه وسننه، والفاء هنا ليست للترتيب والتعقيب، لأن إحسان الوضوء ليس متأخرا عن الوضوء، وإنما وقعت الفاء هنا موقع "ثم" التي لبيان الرتبة ولا شك أن الوضوء الجيد أعلى رتبة من الوضوء الخالي من الإجادة، والتعبير بالرجل من باب التغليب، والحكم شامل للمرأة والفتى والفتاة والخنثى. (فيصلي صلاة) تنكير "صلاة" يشير إلى أن الحكم المذكور تابع لأي صلاة، فرضا كانت أو نفلا، لكن الرواية الثالثة في وصفها "الصلاة" تتفق مع الرواية السادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة والحادية عشر والثانية عشرة في أن المراد منها المكتوبة، ولعله سقط من الراوي في الرواية الأولى وصف الصلاة وكان الأصل: فيصلي صلاة مكتوبة. وسيأتي مزيد إيضاح لهذه النقطة في فقه الحديث. (إلا غفر الله له) المستثنى محذوف، والتقدير: لا يتوضأ رجل صفته كذا وكذا إلا رجل غفر الله له، أو الجملة حال والمستثنى منه محذوف أي لا يتوضأ رجل صفته كذا وكذا في حال من الأحوال إلا في حال المغفرة، فالاستثناء من عموم الأحوال. (ما بينه وبين الصلاة التي تليها) أي التي بعدها، لا الماضية قبلها، فقد جاء في الموطأ "التي تليها حتى يصليها". (عن حمران أنه قال: فلما توضأ عثمان قال) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره: عن حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ... إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين فلما توضأ قال ... إلخ.

стр. 740

(ما لم يأت كبيرة) بفتح الياء، كذا هو مضبوط في النسخة التي بين أيدينا من شرح النووي، وفي كثير من النسخ "يؤت كبيرة" بضم الياء وكسر التاء من "آتي" الرباعي، و"كبيرة" بالنصب، وتحمل هذه الرواية على معنى: ما لم يأت بكبيرة، ففي اللسان عن الجوهري. آتاه: أتى به، ومنه قوله تعالى ﴿آتنا غذاءنا﴾ [الكهف: ٦٢] أي ائتنا به. اهـ. كأن فاعل الكبيرة يعطيها من نفسه. وفي نسخة شرح الأبي والسنوسي "ما لم تؤت كبيرة" بالتاء الأولى مضمومة والثانية مفتوحة، مبنيا للمجهول و"كبيرة" بالرفع نائب فاعل، و"ما" على الروايتين مصدرية زمانية أي مدة عدم الإتيان بكبيرة، وليس المعنى أن ترك الكبيرة شرط في محو الصغائر بالوضوء والصلاة، وإنما المعنى أن بالوضوء والصلاة يغفر ما تقدم إلا أن يكون فيما تقدم كبيرة، فإنها لا تغفر بالوضوء والصلاة، أي إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تكن الذنوب كبيرة. (وذلك الدهر كله) "الدهر" ظرف متعلق بمحذوف خبر، والإشارة لإحسان الوضوء والخشوع والركوع والتكفير، أي وذلك الفعل والتكفير مستمر ومستقر الدهر كله، أي زمن الحياة كله. (إن ناسا يتحدثون) أصل "ناس" أناس، حذفت الهمزة تخفيفا، وحذفها كاللازم مع لام التعريف، لا يكاد يقال: الأناس. وهو من أسماء الجمع. (لا أدري ما هي)؟ أي ما حقيقتها ومدى صحتها؟ . (وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) النافلة ما يفعل مما لم يجب، والمقصود أن صلاته ومشيه إلى المسجد لها ثواب زائد على غفران الذنب. (أن عثمان توضأ بالمقاعد) بفتح الميم، قيل: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان وقيل درج، وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء ونحو ذلك. (كنت أضع لعثمان طهوره) أي أعد وأحضر لعثمان ماء وضوئه. (فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة) المستثنى منه عموم الأحوال و"يفيض" بضم الياء من أفاض الماء على نفسه بمعنى أفرغه، والنطفة بضم النون الماء القليل، والمعنى: ما أتى عليه يوم وهو في حال من الأحوال إلا في إفراغ الماء على نفسه، ومراده من هذه العبارة وصف عثمان بالمحافظة على الطهر والنظافة، وفهم منها بعضهم ملازمته للاغتسال وإن قل ماؤهم، رغبة في تحصيل الثواب، لكن المقام يبعد الغسل، ويفيد فقط الحرص على النظافة وإسباغ الوضوء. (ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت)؟ قال بعضهم: تردد ﷺ في تحديثهم هذا الحديث، هل فيه مصلحة الآن أو لا مصلحة فيه الآن خوف الاتكال؟ ثم رأى أن المصلحة في تحديثهم، فحدثهم. هكذا قال، لكن لما كان التردد منه ﷺ في مثل هذا غير مستحسن كان أولى أن يقال: إنه ليس بتردد، إنما هو أسلوب يقصد به تنشيط المخاطبين، وإثارة انتباههم، وإشعارهم بعظيم ما سيلقى إليهم.
следующие страницы →