Полный текст (6 200 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
(١١٤) باب فضل إحسان الوضوء والمشي إلى المسجد والصلاة وانتظار الصلاة والجمعة إلى الجمعة
٤٠٢ - عن حمران مولى عثمان قال سمعت عثمان بن عفان وهو بفناء المسجد فجاءه المؤذن عند العصر فدعا بوضوء فتوضأ ثم قال والله لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها".
وفي حديث أبي أسامة "فيحسن وضوءه ثم يصلي المكتوبة".
٤٠٣ - عن حمران أنه قال: فلما توضأ عثمان قال والله لأحدثنكم حديثا والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها" قال عروة الآية ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله ﴿اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩].
٤٠٤ - عن إسحق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص حدثني أبي عن أبيه قال: كنت عند عثمان فدعا بطهور فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله".
٤٠٥ - عن حمران مولى عثمان قال أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ ثم قال إن ناسا يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث لا أدري ما هي إلا أني رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال "من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" وفي رواية ابن عبدة أتيت عثمان فتوضأ.
стр. 737
٤٠٦ - عن أبي أنس؛ أن عثمان توضأ بالمقاعد. فقال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ ثم توضأ ثلاثا ثلاثا.
٤٠٧ - سمعت حمران بن أبان قال: كنت أضع لعثمان طهوره فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة وقال عثمان حدثنا رسول الله ﷺ عند انصرافنا من صلاتنا هذه (قال مسعر أراها العصر) فقال "ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت؟ " فقلنا: يا رسول الله! إن كان خيرا فحدثنا وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم. قال "ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب الله عليه فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارات لما بينها".
٤٠٨ - عن جامع بن شداد قال: سمعت حمران بن أبان يحدث أبا بردة في هذا المسجد. في إمارة بشر أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى. فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن"
٤٠٩ - عن حمران مولى عثمان قال: توضأ عثمان بن عفان يوما وضوءا حسنا. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأحسن الوضوء. ثم قال "من توضأ هكذا. ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة. غفر له ما خلا من ذنبه".
٤١٠ - عن حمران مولى عثمان بن عفان عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء. ثم مشي إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه".
стр. 738
٤١١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "الصلاة الخمس. والجمعة إلى الجمعة. كفارة لما بينهن. ما لم تغش الكبائر".
٤١٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن".
٤١٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول "الصلوات الخمس. والجمعة إلى الجمعة. ورمضان إلى رمضان. مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر".
-[المعنى العام]-
وترغيبا في إسباغ الوضوء وإكماله وتحسينه، وفي الصلاة بعده يقول عثمان بن عفان ﵁ بعد أن توضأ فأحسن الوضوء: إن فضل الله واسع. تفضل بالأجر الكبير على العمل الصغير، وإني أعلم ثوابا جزيلا على عمل سهل يسير، أخاف إن بلغتكم نبأه أن تتكلوا وتكسلوا ولا تنشطوا، وأخاف إن لم أحدثكم أن أكون كاتما للعلم، يصدق على ما قاله الله تعالى في أهل الكتاب ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩].
إنني سأختار تحديثكم بالأمر، كما اختاره لنا رسول الله ﷺ حين قال لنا -بعد أن توضأ فأحسن الوضوء، وصلى بنا العصر- وبعد انصرافنا من الصلاة -قال: لا أدري أحدثكم بشيء أحفظه وأعلمه، أو أترك تحديثكم به مخافة أن تتكلوا على فضل الله وتكسلوا عن العبادة؟ ونشط الصحابة وثار فيهم حب الاستطلاع والحرص على معرفة هذا الأمر، لكنهم تأدبوا في الطلب فقالوا: يا رسول الله إن كان خيرا فحدثنا به نزد خيرا، وإن كان غير ذلك فالأمر لله ولك تقرر فيه ما تشاء.
ورأى ﷺ أن يحدثنا، فقال: لا يتوضأ رجل مسلم، فيحسن الوضوء، ويتم الطهور الذي أمره الله تعالى به، ثم يمشي إلى المسجد، لا يدفعه إليه شيء إلا الصلاة، فتحضره المكتوبة، فيصليها في المسجد مع الجماعة، لا يحدث فيها نفسه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما بينه وبين أدائه الصلاة التي تليها. فمن توضأ وضوءا حسنا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى
стр. 739
المسجد زيادة في أجره وثوابه، ومن توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا يدفعه شيء إلا الصلاة غفر له ما تقدم من ذنبه، والصلوات الخمس كفارات لما بينها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
-[المباحث العربية]-
(وهو بفناء المسجد) "أل" في المسجد للعهد، والمقصود المسجد النبوي بالمدينة، وفناء المسجد بكسر الفاء هو المتسع أمامه، بين يديه أو في جواره، قال الأبي: المراد ما تحت الجدار مما يلي الشارع، لا ما يأخذه الغلق لأنه لا يتوضأ في المسجد.
(فدعا بوضوء) أي بماء يتوضأ به.
(لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم) المفعول الثاني لحدث محذوف وقد ذكر في الرواية الثانية بلفظ "ما حدثتكموه" و"آية" مبتدأ خبره محذوف وجوبا، أي لولا آية كائنة في كتاب الله موجودة.
(لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء) إحسان الوضوء الإتيان به تاما بصفته وآدابه وسننه، والفاء هنا ليست للترتيب والتعقيب، لأن إحسان الوضوء ليس متأخرا عن الوضوء، وإنما وقعت الفاء هنا موقع "ثم" التي لبيان الرتبة ولا شك أن الوضوء الجيد أعلى رتبة من الوضوء الخالي من الإجادة، والتعبير بالرجل من باب التغليب، والحكم شامل للمرأة والفتى والفتاة والخنثى.
(فيصلي صلاة) تنكير "صلاة" يشير إلى أن الحكم المذكور تابع لأي صلاة، فرضا كانت أو نفلا، لكن الرواية الثالثة في وصفها "الصلاة" تتفق مع الرواية السادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة والحادية عشر والثانية عشرة في أن المراد منها المكتوبة، ولعله سقط من الراوي في الرواية الأولى وصف الصلاة وكان الأصل: فيصلي صلاة مكتوبة. وسيأتي مزيد إيضاح لهذه النقطة في فقه الحديث.
(إلا غفر الله له) المستثنى محذوف، والتقدير: لا يتوضأ رجل صفته كذا وكذا إلا رجل غفر الله له، أو الجملة حال والمستثنى منه محذوف أي لا يتوضأ رجل صفته كذا وكذا في حال من الأحوال إلا في حال المغفرة، فالاستثناء من عموم الأحوال.
(ما بينه وبين الصلاة التي تليها) أي التي بعدها، لا الماضية قبلها، فقد جاء في الموطأ "التي تليها حتى يصليها".
(عن حمران أنه قال: فلما توضأ عثمان قال) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره: عن حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ... إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين فلما توضأ قال ... إلخ.
стр. 740
(ما لم يأت كبيرة) بفتح الياء، كذا هو مضبوط في النسخة التي بين أيدينا من شرح النووي، وفي كثير من النسخ "يؤت كبيرة" بضم الياء وكسر التاء من "آتي" الرباعي، و"كبيرة" بالنصب، وتحمل هذه الرواية على معنى: ما لم يأت بكبيرة، ففي اللسان عن الجوهري. آتاه: أتى به، ومنه قوله تعالى ﴿آتنا غذاءنا﴾ [الكهف: ٦٢] أي ائتنا به. اهـ. كأن فاعل الكبيرة يعطيها من نفسه.
وفي نسخة شرح الأبي والسنوسي "ما لم تؤت كبيرة" بالتاء الأولى مضمومة والثانية مفتوحة، مبنيا للمجهول و"كبيرة" بالرفع نائب فاعل، و"ما" على الروايتين مصدرية زمانية أي مدة عدم الإتيان بكبيرة، وليس المعنى أن ترك الكبيرة شرط في محو الصغائر بالوضوء والصلاة، وإنما المعنى أن بالوضوء والصلاة يغفر ما تقدم إلا أن يكون فيما تقدم كبيرة، فإنها لا تغفر بالوضوء والصلاة، أي إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تكن الذنوب كبيرة.
(وذلك الدهر كله) "الدهر" ظرف متعلق بمحذوف خبر، والإشارة لإحسان الوضوء والخشوع والركوع والتكفير، أي وذلك الفعل والتكفير مستمر ومستقر الدهر كله، أي زمن الحياة كله.
(إن ناسا يتحدثون) أصل "ناس" أناس، حذفت الهمزة تخفيفا، وحذفها كاللازم مع لام التعريف، لا يكاد يقال: الأناس. وهو من أسماء الجمع.
(لا أدري ما هي)؟ أي ما حقيقتها ومدى صحتها؟ .
(وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) النافلة ما يفعل مما لم يجب، والمقصود أن صلاته ومشيه إلى المسجد لها ثواب زائد على غفران الذنب.
(أن عثمان توضأ بالمقاعد) بفتح الميم، قيل: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان وقيل درج، وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء ونحو ذلك.
(كنت أضع لعثمان طهوره) أي أعد وأحضر لعثمان ماء وضوئه.
(فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة) المستثنى منه عموم الأحوال و"يفيض" بضم الياء من أفاض الماء على نفسه بمعنى أفرغه، والنطفة بضم النون الماء القليل، والمعنى: ما أتى عليه يوم وهو في حال من الأحوال إلا في إفراغ الماء على نفسه، ومراده من هذه العبارة وصف عثمان بالمحافظة على الطهر والنظافة، وفهم منها بعضهم ملازمته للاغتسال وإن قل ماؤهم، رغبة في تحصيل الثواب، لكن المقام يبعد الغسل، ويفيد فقط الحرص على النظافة وإسباغ الوضوء.
(ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت)؟ قال بعضهم: تردد ﷺ في تحديثهم هذا الحديث، هل فيه مصلحة الآن أو لا مصلحة فيه الآن خوف الاتكال؟ ثم رأى أن المصلحة في تحديثهم، فحدثهم. هكذا قال، لكن لما كان التردد منه ﷺ في مثل هذا غير مستحسن كان أولى أن يقال: إنه ليس بتردد، إنما هو أسلوب يقصد به تنشيط المخاطبين، وإثارة انتباههم، وإشعارهم بعظيم ما سيلقى إليهم.
стр. 741
(ما من مسلم يتطهر) المراد من الطهور هنا الوضوء، لقوله بعد: "فيصلي هذه الصلوات الخمس" إذ ليس الغسل مطلوبا لكل من الصلوات الخمس.
(فيتم الطهور الذي كتب الله عليه) تمام الوضوء هو حسنه في الرواية الأولى والثانية والثالثة، والفاء في "فيتم الطهور" مثل الفاء في "فيحسن الوضوء" في الرواية الأولى، وقد سبق توضيحها، ومفعول "كتب" عائد الصلة محذوف، تقديره: الذي كتبه الله عليه، أي فرضه الله عليه.
(فيصلي هذه الصلوات الخمس) الإشارة للمعهود ذهنا، وكذا "أل" في الصلوات للعهد الذهني.
(يحدث أبا بردة في هذا المسجد في إمارة بشر) تحديد المستمع والمكان والزمان للتوثيق بالرواية، على معنى أنه يحفظها ويذكر من قيلت له والمكان والزمان الذي قيلت فيه.
(كما أمره الله تعالى) على لسان نبيه، أو اقتداء بأفعاله ﷺ .
(لا ينهزه إلا الصلاة) بفتح الياء وسكون النون وفتح الهاء، أي لا يدفعه وينهضه ويحركه إلا الصلاة. قال أهل اللغة: نهزت الرجل أنهزه إذا دفعته، ونهز رأسه إذا حركه، قال صاحب المطالع: وضبط بعضهم "ينهزه" بضم الياء، وهو خطأ، وقيل: هي لغة، والمستثنى منه عموم الفاعلين أي لا ينهزه شيء من الأشياء إلا الصلاة.
(غفر له ما خلا من ذنبه) أي ما مضى من ذنبه، ففي القاموس: خلا وقع في موضع خال.
(فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد) يحتمل أنه شك من الراوي، ويحتمل أنه سمعه كذلك، والأول أولى، لأن قوله: "مع الناس" في معنى "مع الجماعة" فلا يقصد الترديد بينهما.
-[فقه الحديث]-
ظاهر قوله ﷺ في الرواية الأولى والثانية "غفر الله ما بينه وبين الصلاة التي تليها" وقوله في الرواية الرابعة "غفر له ما تقدم من ذنبه" وقوله في الرواية السادسة" فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارات لما بينها، وقوله في الرواية السابعة "فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن" وقوله في الرواية الثامنة "غفر له ما خلا من ذنبه" وقوله في الرواية التاسعة "غفر الله له ذنوبه" ظاهر هذه الألفاظ أن التكفير يشمل الصغائر والكبائر، لكن العلماء خصوه بالصغائر لوروده مقيدا في الرواية الثالثة ولفظها "إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة" فحملوا المطلق على المقيد، إذ معناها أن الذنوب كلها تغفر ما لم تكن كبيرة. وهذا هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله، أما المعتزلة فلا يكفر الكبيرة عندهم إلا التوبة.
стр. 742
ثم ظاهر الرواية الرابعة أن الوضوء يستقل بالتكفير، إذ فيها "من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" وظاهر الرواية الثامنة، أن التكفير موقوف على الوضوء، والمشي إلى الصلاة، إذ فيها "من توضأ هكذا، ثم خرج إلى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة غفر له ما خلا من ذنبه".
وظاهر الروايات الثانية والثالثة والسادسة أن التكفير موقوف على إحسان الوضوء والصلاة "فيحسن الوضوء فيصلي" وظاهر بعض هذه الروايات أن المراد من الصلاة مطلق صلاة، وظاهر بعضها أن المراد المكتوبات الخمس.
وظاهر الرواية التاسعة أن التكفير موقوف على الوضوء والمشي والصلاة، إذ فيها "من توضأ للصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم مشي إلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه".
وظاهر الرواية السابعة أن التكفير للصلاة، إذ فيها "من أتم الوضوء، كما أمره الله تعالى، فالصلوات المكتوبة كفارات لما بينهن".
وللجمع بين هذا الظاهر المتعارض قال العيني: يحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له التكفير بالوضوء وشخص بالوضوء والمشي، وشخص بالوضوء والصلاة، وشخص بالوضوء والمشي والصلاة. اهـ. بتصرف.
ويمكن أن يقال: إن كلا منها يستقل بالتكفير، بل هناك من غيرها ما يستقل بالتكفير ففي الرواية الثانية عشرة "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" وفي الحديث "صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة" و"إذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
ولا يقال: إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة وغيرها، فقد قال العلماء: إن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر، والله أعلم. قاله النووي.
ولما كان ظاهر بعض الروايات يفيد أن التكفير إنما هو لما تقدم الفعل من الذنوب وظاهر الرواية الأولى والثانية أن التكفير لما بينه وبين الصلاة التي تليها جمع بينها بأن التكفير لما تقدم وما تأخر إلى الصلاة التي تليها، فيكون تقدير بعضها: غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إلى الصلاة التي تليها، ويكون تقدير البعض الآخر: غفر له ما بين تكليفه والصلاة الآتية. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - الحث على الاعتناء بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعمل بذلك، والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف، فينبغي أن يحرص على التسمية،
стр. 743
والنية، والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، واستيعاب مسح الرأس ومسح الأذنين، ودلك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وترتيبه، وذلك من المختلف فيه. قاله النووي.
٢ - التعليم بالفعل، لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم.
٣ - يؤخذ من قوله في الرواية الثالثة "فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها" ومن قوله في الرواية الأولى من المجموعة السابقة الشرح قبل هذه المجموعة "فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" الترغيب في الإخلاص، والتحذير من الغفلة في الصلاة والتفكير في أمور الدنيا، قال الحافظ ابن حجر: المراد ما تسترسل معه النفس ويمكن المرء قطعه، أما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه فلا. اهـ.
ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أن هذه الفضيلة لمن لم يحصل له حديث النفس أصلا ورأسا، لكن رده النووي، فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة. نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلا أعلى درجة بلا ريب. اهـ.
٤ - يؤخذ من قوله في الرواية الأولى "فجاء المؤذن"، مشروعية إتيان المؤذن للإمام للإعلام بحضور الصلاة، لأن الظاهر أنه إنما جاء لذلك. قاله الأبي.
٥ - يؤخذ من قوله "والله لأحدثنكم" جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة.
٦ - يؤخذ من قوله "لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم" أن كتمان العلم حرام، والآية كما فهمها عروة هي قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩] وهي وإن كانت في أهل الكتاب لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فدخل فيها كل من علم علما أمر الله العباد بمعرفته لزمه من عدم تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه، ففي الآية تنبيه وتحذير لمن فعل فعلهم، وسلك سبيلهم، مع أن النبي ﷺ قد عمهم الوعيد في الحديث المشهور "من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة".
٧ - أخذ النووي من قوله في الرواية السادسة "فيتم الطهور الذي كتب الله عليه" أن من اقتصر في وضوئه على طهارة الأعضاء الواجبة وترك السنن، والمستحبات كانت هذه الفضيلة حاصلة له، وإن كان من أتي بالسنن أكمل وأشد تكفيرا.
٨ - يؤخذ من قوله "لا ينهزه إلا الصلاة" الحث على الإخلاص في الطاعات وأن تكون متمحضة لله تعالى.
ولا يخفى أن هذا المأخذ يتعارض مع المأخذ الأول الذي ذكره النووي نفسه، وقد فسرنا قوله ﷺ "كما أمره الله" أي على لسان رسوله أو فعله ﷺ ، فقد كتب الله علينا أن نطيع رسوله وأن نقتدي به ﷺ .
стр. 744
٩ - يؤخذ من قول عثمان "إن ناسا يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث لا أدري ما هي"؟ أدب السلف الصالح، وموقفهم من روايات الحديث المختلفة، وعدم تكذيب بعضهم بعضا، واقتصارهم على نفي العلم.
١٠ - يؤخذ من قول الصحابة لرسول الله ﷺ : "إن كان خيرا فحدثنا، وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم" أدب الصحابة في خطابه ﷺ ، حيث لم يقولوا: وإن كان غير ذلك فاسكت ولا تحدثنا، بل قالوا: إن كان بشارة لنا وسببا لنشاطنا وترغيبنا في الأعمال، أو تحذيرا وتنفيرا من المعاصي فحدثنا به، لنحرص على عمل الخير والإعراض عن الشر، وإن كان حديثا لا يتعلق بالأعمال، ولا ترغيب فيه ولا ترهيب فالله ورسوله أعلم، أي فانظر فيه رأيك، وقرر فيه ما تشاء، فعلم المصلحة عند الله ورسوله.
стр. 745
(١١٥) باب الذكر المستحب عقب الوضوء
٤١٤ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: كانت علينا رعاية الإبل. فجاءت نوبتي. فروحتها بعشي. فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس فأدركت من قوله "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه. ثم يقوم فيصلي ركعتين. مقبل عليهما بقلبه ووجهه. إلا وجبت له الجنة" قال فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود. فنظرت فإذا عمر. قال: إني قد رأيتك جئت آنفا. قال "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ (أو فيسبغ) الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
٤١٥ - عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال فذكر مثله غير أنه قال "من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
-[المعنى العام]-
كم كان حرص الصحابة على الاجتماع برسول الله ﷺ والارتواء بحديثه الشريف رغم مشاكلهم الدنيوية، وكثرة متاعبهم في سبيل الرزق، فهذا عقبة بن عامر يرعى إبله في النهار، ولا يكاد يروح بها إلى مبيتها حتى يهرع إلى مسجد رسول الله ﷺ ليدرك من أقواله ووعظه ما يمكن إدراكه.
لقد أدرك يوما رسول الله ﷺ واقفا، وهو يقول ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم، فيصلي ركعتين "سنة الوضوء" وهو مقبل على الصلاة بقلبه الخاشع، ووجهه الخاضع إلا استحق الجنة دون عذاب، فسر عقبة بهذه البشارة العظيمة، وتعجب من هذا الأجر الجليل على ذلك الفعل القليل، فقال لنفسه، وهو يسمعها: ما أجود هذه البشرى وما أعظمها، وسمع صوتا أمامه يقول: المقالة التي قبلها -يا عقبة- أجود منها، فاتجه ناحية الصوت، وفحص قائله في الضوء الخافت، فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁ "فقال: ما هي يا أبا حفص؟ فقال: إنه ﷺ قد قال آنفا قبل أن تجيء: ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء.
стр. 746
-[المباحث العربية]-
(عن عقبة بن عامر) الجهني الصحابي المشهور، أحد الجامعين للقرآن، وله مصحف بمصر كتبه بيده، قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهو في غنم يرعاها، فتركها، ثم ذهب إليه، فقال: بايعني. فبايعه ﷺ . شهد الفتوح، وشهد صفين مع معاوية، وأمره بعد ذلك على مصر وتوفي بها سنة ثمان وخمسين.
(كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي) الرعاية بكسر الراء هي الرعي، قال النووي: معنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم، فيجتمع الجماعة، ويضمون إبلهم بعضها إلى بعض، فيرعاها كل يوم واحد منهم، ليكون أرق بهم، وينصرف الباقون في مصالحهم، اهـ.
وقال الأبي: يعني إبل الصدقة المنتظر بها التفرقة، أو المعدة لمصالح المسلمين. اهـ فمعنى "كانت علينا رعاية الإبل" على تفسير النووي: كنا نقوم بخدمة أنفسنا، وليس لنا خادم يرعى إبلنا، ويؤيد هذا التفسير رواية أبي داود، ولفظها عن عقبة بن عامر قال: كنا مع رسول الله ﷺ خدام أنفسنا نتناوب الرعاية: رعاية إبلنا، فكانت على رعاية الإبل ... الحديث.
والمعنى على فهم الأبي: كانت علينا -أنا وجماعة- رعاية إبل الصدقة بأجر أو بدون أجر، نتناوبها. فجاءت نوبتي ... الحديث: وتفسير النووي أقوى. والنوبة الفرصة.
(فروحتها بعشي) الرواح في الأصل يطلق على الذهاب أول النهار، وعلى الرجوع في آخره، وعليه قوله ﷺ "من راح إلى الجمعة في أول النهار .. " أي من ذهب.
لكن كثر استعمال الرواح في العودة آخر النهار، قال الأزهري: وأما راحت الإبل فهي رائحة فلا يكون إلا بالعشي، إذا أراحها راعيها على أهلها، يقال سرحت بالغداة إلى الرعي، وراحت بالعشي على أهلها، أي رجعت من المرعى إليهم، والعشي من الزوال إلى الغروب، وقيل: من الزوال إلى الصباح.
(مقبل عليهما بقلبه ووجهه) قال النووي: هكذا هو في الأصول "مقبل" أي هو مقبل. اهـ. والمراد أن لفظ "مقبل" خبر لمبتدأ محذوف، والجملة في محل النصب على الحال.
والإقبال في الأصل ضد الإدبار، والمراد هنا بإقبال القلب خشوعه، وبإقبال الوجه خضوع الأعضاء.
(إلا وجبت له الجنة) أي استحق دخولها بدون عذاب سابق، وإلا فمطلق الدخول يكفي فيه مجرد الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة، والاستثناء من عموم الأحوال.
(ما أجود هذه) أي ما أحسن هذه الفائدة وهذه البشارة، وتعجب من جودتها من جهة أنها سهلة متيسرة، يقدر عليها كل أحد بلا مشقة، مع عظم أجرها.
(فإذا قائل بين يدي يقول) أي أمامي وقريب مني.
стр. 747
(إني قد رأيتك جئت آنفا) أي قريبا. فلم تسمع التي قبلها، و "آنفا" بالمد على اللغة المشهورة، وبالقصر على لغة صحيحة، وقرئ بهما في السبع.
(قال: ما منكم من أحد ... ) أي قال ﷺ قبل أن تجيء: ما منكم من أحد .. إلخ.
(فيبلغ أو فيسبغ الوضوء) "فيبلغ" بضم الياء وكسر اللام من أبلغ الوضوء إذا بالغ فيه وأتمه وأسبغه، و "أو" للشك من الراوي في أي اللفظين سمع، أو هما سمعا من النبي ﷺ كذلك، والفعلان تنازعا "الوضوء" على أنه مفعول به.
(أشهد أن لا إله إلا الله) "أن" مخففة من الثقيلة: واسمها ضمير الشأن محذوف و "لا" نافية للجنس، وخبرها محذوف، أي لا إله موجود، و "إلا" ملغاة ولفظ الجلالة مرفوع على البدلية من الضمير في الخبر، والجملة خبر "أن".
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - أنه يستحب للمتوضئ أن يقول عقب وضوئه: أشهد أن لا إله الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال النووي: وهذا متفق عليه، وينبغي أن يضم إليه ما جاء في رواية الترمذي متصلا بهذا الحديث "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين" ويستحب أن يضم إليه ما رواه النسائي في كتابه "عمل اليوم والليلة" مرفوعا "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا الله أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك" قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضا. اهـ.
وروى الحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد الخدري "من توضأ" فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك كتبت في رق ثم طبع بطابع، فلا يكسر إلى يوم القيامة".
قال الشوكاني في شرح حديث عقبة: والحديث يدل على استحباب الدعاء المذكور، ولم يصح من أحاديث الدعاء في الوضوء وغيره، وأما ما ذكره أصحابنا والشافعية في كتبهم من الدعاء عند كل عضو، كقولهم عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي إلخ فقال الرافعي وغيره: ورد بهذه الدعوات الأثر عن الصالحين. اهـ.
٢ - أن للجنة أبوابا ثمانية، قيل: هي باب الإيمان، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الصدقة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الجهاد، وباب التوبة.
стр. 748
وقد ذكر بعض هذه الأبواب بأسماء أخرى.
٣ - أن المتوضئ المسبغ للوضوء الذاكر بهذا الذكر يخير في دخول الجنة من أي باب من أبوابها، ولا يتعارض هذا مع حديث "إن باب الريان لا يدخل منه إلا الصائمون" لأنه يخير فلا يوفق للدخول من باب الريان إن لم يكن من الصائمين، وفائدة التخيير حينئذ إظهار التعظيم والتكريم.
٤ - يؤخذ من قوله "ثم يقوم فيصلي ركعتين" أن القيام في صلاة النفل أكمل من الجلوس إلا لعذر.
٥ - ويؤخذ منه مشروعية صلاة ركعتين بعد الوضوء، وهما سنة عند الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة.
٦ - أن الإخلاص والإقبال على العبادة وترك الشواغل الدنيوية هو روح العبادة.
٧ - أن الله تعالى يعطي الثواب الكثير على العمل القليل الخالص لوجهه.
٨ - حرص الصحابة على فعل الخير والترغيب فيه ودلالة الغير عليه.
٩ - فضل الشهادتين وعظم كلمة التوحيد.
١٠ - الحث على إتقان الوضوء وفضيلة الذكر بعده.
١١ - ما كان عليه الصحابة من التواضع، وخدمة الشخص نفسه، ورعيه إبله، وإن كان عظيما.
١٢ - مشروعية التعاون في أمور المعيشة.
والله أعلم
стр. 749
تابع باب صفة الوضوء وكماله
٤١٦ - عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري ﵁ (وكانت له صحبة) قال: قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ .
٤١٧ - عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد وقال مضمض واستنثر ثلاثا ولم يقل من كف واحدة وزاد بعد قوله فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه وغسل رجليه.
٤١٨ - عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى بمثل إسنادهم واقتص الحديث وقال فيه فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات وقال أيضا فمسح برأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة.
٤١٩ - عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر أنه رأى رسول الله صلى اللهم عليه وسلم توضأ فمضمض ثم استنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويده اليمنى ثلاثا والأخرى ثلاثا ومسح برأسه بماء غير فضل يده وغسل رجليه حتى أنقاهما.
стр. 750
٤٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال "إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا. وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر".
٤٢١ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر".
٤٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر".
٤٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه".
٤٢٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا استجمر أحدكم فليوتر".
-[المعنى العام]-
يكتفي بالمعنى العام المذكور في الباب السابق.
-[المباحث العربية]-
(عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري) قال النووي: هو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان فقد قيل: إن صاحب الأذان لا يعرف له غير حديث الأذان. اهـ.
стр. 751
(وكانت له صحبة) قصد بهذه العبارة التوثيق، فهي إشارة إلى تحقيق ما رواه من صفة وضوء النبي ﷺ ، لأن الصاحب أقعد بمعرفة الفعل ووصفه.
(قال: قيل له: توضأ لنا) إن كان فاعل "قال" عبد الله بن زيد كان أصل الكلام: قيل لي: توضأ لنا، فطلبت إناء، فأكفأت منها على يدي إلخ الحديث. وكأنه جرد من نفسه من يتحدث عنه وإن كان فاعل "قال" هو الراوي لفعل عبد الله بن زيد، -وهو الظاهر- كان المعنى: روى عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه فعل عبد الله بن زيد، حيث قيل له: توضأ لنا. فدعا بإناء. إلى آخر الحديث.
(فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه) عاد الضمير على الإناء مؤنثا باعتبار كونه مطهرة أو إداوة، كذا قال النووي، وقال: هكذا هو في الأصول "منها" وقوله "أكفأ" هو بالهمز أي أمال وصب. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: يقال: كفأ الإناء وأكفأ بمعنى إذا أماله وقال الكسائي: كفأت الإناء كببته، وأكفأته أملته. اهـ.
والمراد سواء على رواية "فأكفأ" أو "فكفأ" أفرغ الماء من الإناء على يديه، والمراد من اليدين الكفان لا غير.
(فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر) يقصد بالإقبال الذهاب إلى جهة القفا وبالإدبار الرجوع عنه، كما فسره في الرواية التالية، حيث قال "فأقبل بهما وأدبر، وبدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه" والمحوج لهذا التأويل أن ظاهر التعبير يقتضي البداءة من المؤخر، لأن الإقبال هو الذهاب إلى جهة الوجه، وذلك خلاف فعله ﷺ .
وقيل في تأويله: إن المراد أدبر بيديه وأقبل، والواو بين الإقبال والإدبار لا تقتضي ترتيبا، ويعضده أنه جاء كذلك في رواية للبخاري.
وحمل بعضهم الحديث على ظاهره، وقال: يبدأ في المسح من المؤخرة، وقد يجاب بأن هذا كان لأمر ثم تغير الحكم، أو كان لوقت ثم نسخ.
(فمسح برأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة) ضمير "به" يعود على المسح المأخوذ من قوله "فمسح برأسه".
(ومسح برأسه بماء غير فضل يده) في بعض النسخ "غير فضل يديه" ومعناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية ماء يديه.
(فليستنشق بمنخريه) بفتح الميم وكسر الخاء وبكسرهما جميعا، لغتان معروفتان.
(فإن الشيطان يبيت على خياشيمه) قال العلماء: الخيشوم أعلى الأنف، وقيل: هو الأنف كله، وقيل: هي عظام رقاق لينة في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ، وقيل غير ذلك، قال النووي: وهو
стр. 752
اختلاف متقارب المعنى. قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون قوله ﷺ "فإن الشيطان يبيت على خياشيمه" على حقيقته، فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يتوصل إلى القلب منها، قال: ويحتمل أن يكون الكلام على سبيل الاستعارة. اهـ.
والقول الثاني أوفق وأدق، لأن الكلام لو كان على سبيل الحقيقة ما ذهب الشيطان عن الخياشيم بالغسل، ولم تزل آثار مبيته بالغسل، وإجراء الاستعارة بأن يقال: شبهنا القاذورات والأوساخ التي تتراكم ليلا في الأنف بالشيطان بجامع البشاعة والنفور من كل، واستعرنا الشيطان لأوساخ الأنف على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية.
-[فقه الحديث]-
يكتفي بما ذكر في الباب السابق.
والله أعلم
стр. 753
(١١٦) باب إسباغ الوضوء وغسل الأعقاب
٤٢٥ - عن سالم مولى شداد. قال: دخلت على عائشة زوج النبى ﷺ يوم توفي سعد بن أبى وقاص. فدخل عبد الرحمن بن أبى بكر فتوضأ عندها. فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "ويل للأعقاب من النار".
٤٢٦ - عن سالم مولى المهري قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبى بكر فى جنازة سعد بن أبي وقاص, فمررنا على باب حجرة عائشة. فذكر عنها, عن النبي ﷺ مثله.
٤٢٧ - عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما؛ قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة. حتى إذا كنا بماء بالطريق. تعجل قوم عند العصر. فتوضئوا وهم عجال. فانتهينا إليهم. وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء. فقال رسول الله ﷺ "ويل للأعقاب من النار. أسبغوا الوضوء".
٤٢٨ - عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: تخلف عنا النبى ﷺ في سفر سافرناه. فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر. فجعلنا نمسح على أرجلنا. فنادى "ويل للأعقاب من النار".
стр. 754
٤٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلا لم يغسل عقبيه فقال "ويل للأعقاب من النار".
٤٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ أنه رأى قوما يتوضئون من المطهرة. فقال: أسبغوا الوضوء فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول "ويل للعراقيب من النار".
٤٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ويل للأعقاب من النار".
٤٣٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه. فأبصره النبي ﷺ . فقال "ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى".
-[المعنى العام]-
قصص أربع تشترك في أمر الشريعة الغراء بإسباغ الوضوء، وإكماله وإتقانه: الأولى ما كان من سالم مولى شداد وعبد الرحمن بن أبي بكر، إذ خرجا يشيعان جنازة سعد بن أبي وقاص، وفي طريقهما وعند حجرة عائشة أم المؤمنين ﵂ تذكر عبد الرحمن أنه بغير وضوء، فطلب من رفيقه أن يعرجا على حجرة أخته أم المؤمنين ليتوضأ عندها، فاستأذنا ثم دخل، ودخل عبد الرحمن مكان الوضوء، وهو عجل، وأحست عائشة حرص عبد الرحمن على الإسراع وتناوله الوضوء بعجلة، وخشيت عدم إسباغه الوضوء، فقامت بواجب النصيحة والأمر بالمعروف، فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء وأكمله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: هلاك للأعقاب التي يتساهل في غسلها، إذ تحرق يوم القيامة بالنار.
القصة الثانية: يرويها عبد الله بن عمرو بن العاص، فيقول: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، جمع غفير من الصحابة -وكان من تواضعه ﷺ أن يترك للركب حرية التقدم عليه وسبقه، بل كان يتعمد كثيرا المؤخرة رفقا بضعافهم، وإيناسا لهم، واطمئنانا عليهم- فأسرع قوم وفيهم عبد الله بن عمرو، وتقدموا، وجاء وقت العصر وهم على غير ماء، فتابعوا المسير، رجاء الوصول إلى ماء، حتى إذا وصلوا إليه كان وقت العصر قد ضاق، وخشوا فواته، فأسرعوا إلى الوضوء، وهم عجال، ولعجلتهم لم يسبغوا الوضوء، وأدركهم رسول الله ﷺ وهم على هذه الحال، نظر
стр. 755
إليهم فإذا أرجلهم تلوح وتبدو جافة بيضاء كالحة، كأنها لم يمسها الماء، ولم يستوعبها الغسل، فنادى رسول الله ﷺ : أسبغوا الوضوء، واستوعبوا الأعضاء بالغسل، ولا تتساهلوا حتى في الأعقاب، فما أكثر عذاب الأعقاب يوم القيامة، بسبب إهمال استيعابها بالغسل عند الوضوء.
القصة الثالثة: نصح أبي هريرة، وقيامه بتعليم الأمة، وتبليغ العلم، والأمر بالمعروف حين رأى قوما يتوضئون من حوض ماء أعد لذلك، ورأى بعضهم لا يتقن غسل الأعضاء ولا يسبغها، بل رأى رجلا منهم لم يغسل عقبيه، فقال: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: هلاك لكثير من الأعقاب، وواد لها تحرق فيه في النار بسبب عدم إسباغها بالماء في الوضوء.
القصة الرابعة: يرويها عمر بن الخطاب ﵁، إذ كان مع النبي ﷺ ، فرأيا رجلا يتوضأ، وكان النبي ﷺ يتابع أمته في أدائها لشريعته: متابعة المعلم لتلميذه، ليرى مدى تطبيقها لتعاليمه، ومدى التزامها بحدودها، ليشجع المحسن، ويهدي المسيء، وشاهد الرجل يغسل رجليه فيترك مقدار ظفر على ظهر قدمه لم يصبه الماء، وتأكد له هذا حين اقترب الرجل من مجلس النبي ﷺ فقال له مشيرا إلى موضع التقصير: ارجع فأحسن وضوءك وأسبغ غسل قدمك، فرجع الرجل إلى المطهرة فغسل قدمه، ثم رجع فأقره ﷺ ، فصلى.
-[المباحث العربية]-
(عن سالم مولى شداد) وفي الرواية الثانية "عن سالم مولى المهري" قال النووي: صفات لشخص واحد، ويقال له: سالم مولى مالك بن أوس، وسالم البراد، وسالم مولى البصريين، قال أبو حاتم: كان سالم من خيار المسلمين، وقال عطاء بن السائب: كان أوثق عندي من نفسي. اهـ. وهو تابعي.
(دخلت على عائشة) أي مع عبد الرحمن بن أبي بكر، لتتفق الروايتان، ودخوله على عائشة حجرتها لا يتعارض مع حجاب أمهات المؤمنين، فقد كن يحجبن شخوصهن بالثياب، ونحوها.
(فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر) أي دخل مكانا للوضوء، أو المعنى: دخلت على عائشة حجرتها، فدخل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، لكن الأول أولى، إذ المعقول أن يدخل عبد الرحمن على أخته قبل أن يدخل عليها سالم، والفاء تفيد ترتيب وتعقيب دخول عبد الرحمن بعد سالم، مما نرجح أنه دخول إلى مكان آخر.
(فتوضأ عندها) أي فشرع في الوضوء، لأن التنبيه لا يتناسب بعد الانتهاء.
(أسبغ الوضوء) الإسباغ في اللغة الإتمام، ومنه: درع سابغ، وأسبغ الله النعمة.
(ويل للأعقاب من النار) "ويل" نكرة سوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء، وهو في
стр. 756
الأصل مصدر، لا فعل له، واختلف في معناه، فقيل: كلمة تهديد ووعيد تقال لمن وقع في مهلكة، أي مهلكة للأعقاب في النار، وقيل: معناها أشد العذاب للأعقاب في النار، وقيل: معناها حزن لصاحب الأعقاب في النار، وقيل: هي علم على واد في جهنم وعليه لا يحتاج الابتداء به إلى مسوغ، والأعقاب جمع عقب بكسر القاف، وهو العظم المتأخر في القدم، مما يصيب الأرض إلى موضع الشراك، و "أل" في الأعقاب للعهد، أي الأعقاب التي لم يصبها الماء في الوضوء و "من " في قوله "من النار" قيل: للبيان، مثلها في قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] والمعنى ويل أي نار للأعقاب، وقيل: هي بمعنى "في" مثلها في قوله ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] وهل الويل للأعقاب نفسها؟ أو لأصحابها، ففي الكلام مضاف محذوف؟ قولان. سيأتي توضيحهما في فقه الحديث.
(رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة) قال العيني: لم يقع لعبد الله بن عمرو سفر مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة على وجه التحقق إلا في حجة الوداع أما غزوة الفتح فقد كان فيها، لكن لم يرجع النبي ﷺ فيها إلى المدينة من مكة، بل رجع إلى المدينة من الجعرانة، قال: ويحتمل أن تكون عمرة القضاء، فإن هجرة عبد الله بن عمرو كانت في ذلك الوقت أو قريبا منه. اهـ.
(تعجل قوم عند العصر) أي تعجلوا الوضوء والصلاة لإدراك الوقت، وفي رواية البخاري "فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة" أي غشيتنا الصلاة، أي حملتنا الصلاة على أدائها لضيق وقتها.
(فتوضئوا وهم عجال) بكسر العين، جمع عجلان، كغضبان وغضاب.
(فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء) "لم يمسها الماء" في موضع الحال من فاعل "تلوح" التي بمعنى تبدو، وجملة "وأعقابهم تلوح" في موضع الحال من الضمير في "إليهم" أي انتهينا إليهم، والحالة أن أعقابهم تبدو غير مبتلة.
(تخلف عنا النبي ﷺ في سفر سافرناه) هو السفر السابق من مكة إلى المدينة، ومعنى "تخلف عنا" تأخر خلفنا.
(فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر) "أدركنا" بفتح الكاف أي لحق بنا، وجملة "وقد حضرت صلاة العصر" في محل النصب على الحال، والمراد من حضور الصلاة حضور وقتها وضيقه عن أدائها.
(فجعلنا نمسح على أرجلنا) "جعل" من أفعال المقاربة، تعمل عمل "كاد" ترفع الاسم، وخبرها جملة فعلية، واسمها "نا" في "جعلنا" والمراد بالمسح هنا الغسل الخفيف المتقطع الذي يشبه المسح، وسيأتي إيضاحه في فقه الحديث. وجمع الأرجل مع أن الواحد له رجلان فقط لمقابلته بالجمع في "جعلنا" فأفاد التوزيع، والمراد من الأرجل الأقدام من إطلاق الكل وإرادة الجزء.
(رأى قوما يتوضئون من المطهرة) قال النووي: قال العلماء: المطهرة كل إناء يتطهر به،
стр. 757
وهي -بكسر الميم وفتحها- لغتان مشهورتان، وعن ابن السكيت من كسرها جعلها آلة، ومن فتحها جعلها موضعا. اهـ.
(ويل للعراقيب من النار) "العراقيب" جمع عرقوب بضم العين في المفرد وفتحها في الجمع، وهو العصبة التي فوق العقب.
(فترك موضع ظفر) في الظفر لغات، أجودها ضم الظاء والفاء، وهي لغة القرآن ويقال بسكون الفاء، ويقال بكسر الظاء وسكون الفاء.
-[فقه الحديث]-
أورد مسلم هذا الحديث كدليل على وجوب غسل الرجلين، وأن مسحهما في الوضوء لا يجزئ، وقد سبق لنا شرح هذه المسألة في باب صفة الوضوء وكماله عند الكلام على غسل الرجلين، ونزيدها هنا إيضاحا فنقول: في المسألة مذاهب:
مذهب الإمامية من الشيعة إلى أن واجب الرجلين المسح لا الغسل، وقد أوضحنا استدلالهم بقراءة الجر في الآية، والرد عليهم في الباب المشار إليه. ونزيد هنا أنهم يستدلون كذلك بالرواية الرابعة: وفيها "فجعلنا نمسح على أرجلنا، ويجعلون الإنكار والوعيد على ترك تعميم المسح، أي عمموا المسح ويل للأعقاب من النار، ويرد عليهم من وجوه: الأول: أن القائلين بالمسح لم يوجبوا مسح العقب، والحديث يتوعد العقب، فهو حجة عليهم، لا لهم، الثاني: أن المسح لا يشترط فيه التعميم، ولا يقال للماسح أسبغ الوضوء، الثالث: أن المسح لا يكاد يتبين فيه الممسوح من غير الممسوح، خصوصا لو كان المتروك قدر الظفر كما في الرواية السابعة، الرابع: أنه معارض بالرواية الخامسة، إذ هي صريحة في الغسل واردة في رجل لم يغسل عقبه. الخامس: أنه تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في صفة وضوئه أنه كان يغسل رجليه، وهو المبين لأمر الله تعالى، وعن عطاء: والله ما علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ مسح على القدمين، وعن عائشة: لأن تقطعا أحب إلي من أن أمسح على القدمين من غير خف.
وادعى الطحاوي وابن حزم أن مسح الرجلين كان مشروعا، ثم نسخ، واستدلا أيضا بالرواية الرابعة، وادعيا أن الإنكار والتوعد للأعقاب إنما هو على المسح بعد وجوب الغسل، وشبهتهما التعبير بقوله "جعلنا نمسح على أرجلنا، وردت هذه الشبهة بأن المعنى نغسل غسلا خفيفا مبقعا، حتى يرى كأنه مسح، لذلك قال لهم: أسبغوا الوضوء، وأيضا إنما يكون الوعيد على من ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل فرضا عليهم لعدم علمهم بفرضيتيه لما توجه إليها الوعيد، ولأمروا بتركه، والانتقال إلى الغسل.
وذهب الطبري والجبائي والحسن البصري إلى أن المتوضئ مخير بين غسل الرجلين ومسحهما، جمعا بين القراءتين، وبين الأحاديث المتعارضة، والرد على الإمامية رد لهذا المذهب.
стр. 758
وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه يجب على المتوضئ الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، وهو ظاهر البطلان، لأنه لا قيمة للمسح إذا وجب الغسل، مع مخالفته لظاهر الآية ومخالفته لفعله ﷺ وفعل صحابته ﵃.
وقد سبق القول في حكم غسل الكعبين والمرفقين عند الكلام على غسل اليدين إلى المرفقين، في النقطة الخامسة من شرح أحاديث باب صفة الوضوء وكماله، وحاصل ما قلناه أن غسل الكعبين نفسيهما واجب عند الجمهور، لأن "إلى" في قوله "وأرجلكم إلى الكعبين" بمعنى "مع" ولأن حد الشيء إذا كان من جنسه دخل فيه، وسيأتي حكم الزيادة على الكعبين في باب "إطالة الغرة والتحجيل" التالي لهذا الباب.
وبين ظاهر الرواية الثالثة والرابعة تعارض، إذ ظاهر الرواية الثالثة أن عبد الله بن عمرو كان مع ركب النبي ﷺ وظاهر الرواية الرابعة أنه كان مع القوم الذين تعجلوا وجعلوا يمسحون على أقدامهم، ويمكن الجمع بين الروايتين باعتماد ظاهر الرواية الرابعة، ويكون معنى الرواية الثالثة، رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، فسبقناه في المسير، حتى وصلنا إلى ماء بالطريق فتعجل السابقون منا فتوضئوا فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها ماء وتعجلنا نحن كذلك، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فأدركنا النبي ﷺ ، فرآنا ورآهم، فقال: أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار.
-[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة.
٢ - وأن من ترك جزءا يسيرا مما يجب تطهيره لا تصح طهارته، وهذا ظاهر في الرواية السابعة "قدر الظفر" قال النووي في شرح مسلم: وهذا متفق عليه، وقال في المجموع: فإن كان على رجله شقوق وجب إيصال الماء باطن تلك الشقوق، فإن شك في وصول الماء إلى باطنها -أو باطن الأصابع- لزمه الغسل ثانيا حتى يتحقق الوصول، هذا إذا كان قد شك في أثناء الوضوء، فأما إذا شك بعد الفراغ ففيه خلاف. ثم قال: قال أصحابنا: فلو أذاب في شقوق رجليه شحما أو شمعا أو عجينا، أو خضبهما بحناء وبقي جرمه لزمه إزالة عينه، لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة، فلو بقي لون الحناء دون عينه لم يضره، ويصح وضوؤه، ولو كان على أعضائه أثر دهن مانع، فتوضأ وأمس بالماء البشرة وجرى عليها، ولم يثبت صح وضوؤه، لأن ثبوت الماء ليس بشرط. اهـ.
وبهذه المناسبة نقول: إن ما اعتاده النساء اليوم من طلاء أظافر اليدين والقدمين بمادة ملونة (المونوكير) يضع جرما مانعا من وصول الماء للأظافر مما يبطل الوضوء ولا تصح به الصلاة.
أما استيعاب أعضاء التيمم فقد قال النووي في شرح مسلم: واختلفوا في المتيمم يترك بعض وجه، فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصح، كما لا يصح وضوؤه، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، إحداها: إذا ترك أقل من النصف أجزأه، والثانية: إذا ترك الربع فما دونه أجزأه، والثالثة: إذا ترك أقل من الدرهم أجزأه. وللجمهور أن يحتجوا بقياس التيمم على الوضوء. اهـ.
стр. 759
٣ - ويؤخذ من الرواية السابعة: أن من ترك شيئا من أعضاء طهارته جاهلا لم تصح طهارته، قال النووي. ومحل ذلك طبعا إذا علم بالخطأ.
٤ - وفيها تعليم الجاهل والرفق به.
٥ - ومن الرواية الرابعة من قوله "فنادى" جواز رفع الصوت بالإنكار.
٦ - ومن الرواية الأولى والسادسة أن العالم يستدل على ماي فتي به، ليكون أوقع في نفس سامعه.
٧ - ومن الرواية السادسة جواز تطهر الجماعة من مطهرة واحدة، ولا يضر تساقط ماء الوضوء فيها.
٨ - أن الأعضاء التي تقع بها المخالفة تعذب يوم القيامة، وتكون وسيلة عذاب صاحبها، وذكر العقب في هذه الأحاديث لصورة السبب، فيلتحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التساهل في إسباغها.
والله أعلم
стр. 760
(١١٧) باب فضل إحسان الوضوء
٤٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) حتى يخرج نقيا من الذنوب".
٤٣٤ - عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره".
-[المعنى العام]-
ومرة أخرى يرغب رسول الله ﷺ في الوضوء، ويبين أثره في مغفرة الذنوب ويصور هذا الأثر بصورة المحسوس ليستقر في النفس، وينشرح له الصدر، فيصور المؤمن وما اكتسب من ذنوب بلسانه وشفتيه وأنفه وحواجبه وعينيه بمن يحمل تحت جلد وجهه أجراما خبيثة تخرج مع ماء غسل الوجه للوضوء، ويصور ما اكتسب من ذنوب بيديه وأصابعه وأظافره بمن يحمل تحت جلد يديه أجراما خبيثة تخرج مع ماء غسيل اليدين في الوضوء، ويصور ما اكتسب من ذنوب برجليه بمن يحمل تحت جلد رجليه أجراما خبيثة تخرج مع آخر ما يتساقط من ماء غسيل رجليه في الوضوء، وهو بهذا التصوير يحث على إسباغ الوضوء وإحسانه ليتم إخراج الخبائث، ويتأكد من محو الذنوب، ولا شك أن الماء وحده غير كاف في محو الذنوب وغفرانها، بل الواجب على المؤمن أن يستحضر العبودية والطاعة، وأن يستحضر عند غسل الوجه أن هناك يوما تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليدين أن هناك قوما سيعطون كتابهم بيمينهم، وآخرين سيعطونه بشمالهم، وعند مسح الرأس والأذنين أنه من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل قدميه الثبات على الإسلام.
نسأل الله العلي القدير أن يبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأن يعطينا كتابنا
стр. 761
بيميننا وأن يحرم شعرنا وجسدنا على النار، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يثبت أقدامنا على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام.
-[المباحث العربية]-
(إذا توضأ العبد المسلم) في لفظ "توضأ" مجاز المشارفة، أي إذا أراد الوضوء وأشرف عليه، وذلك ليصح عطف "فغسل وجهه" إلخ إذ غسل الوجه واليدين والرجلين هو الوضوء، وزيادة لفظ "العبد" لإفادة إخلاص العبادة، أي إذا توضأ مستشعرا بأنه عبد مخلص مطيع الأوامر.
(أو المؤمن) شك من الراوي في أي اللفظين صدر عن الرسول ﷺ .
(خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء) جملة "نظر إليها بعينيه" في محل الجر صفة لخطيئة، والخطيئة -كما في القاموس- الذنب، أو ما تعمد منه كالخطء بكسر الخاء، والخطأ ما لم يتعمد، و "مع الماء" متعلق بخرج، والتقدير: إذا غسل وجهه خرج من وجهه مع الماء كل خطيئة منظور إليها بعينيه. وفي "إليها" مجاز مرسل بعلاقة السببية لأنه لا ينظر إلى نفس الخطيئة، إذ المرأة الأجنبية مثلا سبب الخطيئة، وليست هي عين الخطيئة وخروج الخطيئة من الوجه ونحوه مجاز عن المغفرة والعفو، إذ الخطايا ليست بأجسام كامنة في الجسم حتى تخرج، ويمكن إجراؤه على الاستعارة التصريحية التبعية في "خرج" بأن يقال: شبه العفو عن ذنب الوجه والعين بالخروج بجامع الانفصال في كل، واستعير الخروج للعفو واشتق منه خرج من الوجه بمعنى عفى عن ذنب الوجه على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(أو مع آخر قطر الماء) شك من الراوي في أي العبارتين صدر عن رسول الله ﷺ وقطر الماء بفتح القاف وسكون الطاء ما قطر الماء، والواحدة قطرة، أي مع النقاط الأخيرة التي تتساقط من غسل الوجه.
(خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه) "كان" زائدة، وجملة "بطشتها يداه" في محل الجر صفة "خطيئة" أي كل خطيئة مبطوشة بيديه، ويحتمل أن يكون اسم "كان" ضمير الحال والشأن، وجملة "بطشتها يداه" خبر "كان" أو اسمها ضمير يعود على العبد المسلم.
(حتى تخرج من تحت أظفاره) شبه محو الذنوب وغفرانها بخروجها، وشبهت الذنوب الصغيرة بالأجرام الدقيقة المستترة تحت الأظفار، وخروج ما تحت الأظافر نهاية في النظافة.
-[فقه الحديث]-
ظاهر قوله "خرج من وجهه" و"خرج من يديه" و"خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه" أن التكفير
стр. 762
يختص بأعضاء الوضوء، وبهذا قيل، لكن قوله في نهاية الحديث "حتى يخرج نقيا من الذنوب" ظاهر في تكفير عموم ذنوب بقية الأعضاء، وعلى القول الأول يختص التكفير بفعل الواجبات، فقد جاء في الموطأ "تخرج عند المضمضة من فمه، وعند الاستنشاق من أنفه، وعند غسل الوجه كل خطيئة نظر إليها بعينه، حتى تخرج من تحت أشفار جفنه، وعند غسل اليدين تخرج من تحت أظفار يديه، وفي رأسه تخرج من أذنيه، وفي رجليه حتى تخرج من تحت أظفارها".
ولعل هذه الرواية تجيب عما يثور في النفس من التساؤل عن عدم ذكر الرأس، وعن تخصيصه العين من بين أعضاء الوجه كالفم والأنف، ولعل تخصيص العين بالذكر لأن خيانتها أكثر، فإذا خرج الأكثر خرج الأقل، فالعين كالغاية لما يعفى، وقيل: لأن العين طليعة القلب فإذا ذكرت أغنت من غيرها.
ولا يخفى أن المراد من الخطايا هنا الصغائر.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - مدى احتياط الرواة في أداء ما تحملوه من الحديث، بذكر العبارتين المتردد بينهما، وإن كانتا متقاربتين في المعنى.
٢ - فيه دليل على أن واجب الرجلين في الوضوء الغسل، لا المسح.
٣ - يؤخذ من الحديث أن كل عضو يطهر بانفراده، لأن خروج الخطايا منه فرع طهارته في نفسه.
٤ - أخذ منه بعضهم ترك الوضوء بالماء المستعمل، فإنه ماء قد حمل الذنوب، وهو عند أبي حنيفة نجس، وعند الشافعية طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وعند المالكية فيه أقوال أربعة:
الأول الطهورية لكن يستحب تركه مع وجود غيره. الثاني عدم الطهورية، الثالث الكراهة. الرابع مشكوك فيه يجمع بينه وبين التيمم.
والله أعلم
стр. 763
تابع باب فضل إحسان الوضوء وإطالة الغرة والتحجيل في الوضوء
٤٣٥ - عن نعيم بن عبد الله المجمر؛ قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ. فغسل وجهه فأسبغ الوضوء. ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد. ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد. ثم مسح رأسه. ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق. ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق. ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة. من إسباغ الوضوء. فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله".
٤٣٦ - عن نعيم بن عبد الله؛ أنه رأى أبا هريرة يتوضأ. فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين. ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء. فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".
٤٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن حوضي أبعد من أيلة من عدن. لهو أشد بياضا من الثلج. وأحلى من العسل باللبن. ولآنيته أكثر من عدد النجوم. وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه" قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا يومئذ؟ قال "نعم. لكم سيما ليست لأحد من الأمم. تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء".
٤٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ترد علي أمتي الحوض. وأنا
стр. 764
أذود الناس عنه. كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله" قالوا: يا نبي الله! أتعرفنا؟ قال "نعم. لكم سيما ليست لأحد غيركم. تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء. وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون. فأقول: يا رب! هؤلاء من أصحابي. فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ ".
٤٣٩ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن حوضي لأبعد من أيلة من عدن. والذي نفسي بيده! إني لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه" قالوا: يا رسول الله! وتعرفنا؟ قال "نعم. تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء. ليست لأحد غيركم".
٤٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال "السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا، إن شاء الله؛ بكم لاحقون. وددت أنا قد رأينا إخواننا" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال "أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال "أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة. بين ظهري خيل دهم بهم. ألا يعرف خيله؟ " قالوا: بلى. يا رسول الله! قال "فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء. وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم: ألا هلم: فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: سحقا سحقا".
٤٤١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال "السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا، إن شاء الله، بكم لاحقون" بمثل حديث إسمعيل بن جعفر غير أن حديث مالك "فليذادن رجال عن حوضي".
٤٤٢ - عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة. فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه. فقلت له: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ! أنتم هاهنا؟
стр. 765
لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء. سمعت خليلي ﷺ يقول "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
-[المعنى العام]-
كان أبو هريرة ﵁ يحافظ على إسباغ الوضوء، وعلى التأكد من تمامه وكماله، وكان يحرص على المبالغة في غسل أعضائه بغسل جزء زائد على الواجب، بل بالغ في هذا الجزء الزائد حتى وصل في غسل يديه إلى إبطيه، وفي غسل رجليه إلى ركبتيه، فسئل عن ذلك حيث إنه قدوة، ومن أئمة الآخذين عن رسول الله ﷺ ، بل أكثر المكثرين من رواية الحديث.
فقال: أتينا البقيع (مقابر أهل المدينة) مع رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ثم التفت إلينا فقال: تمنيت أن لو قد رأينا إخواننا، قلنا: من تقصد بإخواننا يا رسول الله؟ أولسنا إخوانك؟ قال ﷺ : أنتم أصحابي وإخواني، أما الذين أقصدهم فهم إخواننا وليسوا أصحابنا، هم الذين لم يأتوا بعد، وسيأتون في الأزمان التي بعدنا.
إن حوضي يوم القيامة واسع الأرجاء، عرضه كما بين أيلة وعدن، يسير حوله الراكب مسيرة شهر، شرابه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من المسك، آنيته لامعة كثيرة، مثل نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، أنادي له أصحابي وأتباعي، وأصد عنه غير أمتي.
قالوا: يا رسول الله. أتعرفنا يومئذ؟ قال: نعم. قالوا: وكيف تعرف من يؤمن بك من أمتك ممن يأتي بعدك يا رسول الله؟ قال: أخبروني لو أن لأحدكم خيلا في جبهتها بياض وفي قوائمها بياض، في وسط خيل سود سوادا كاملا لا بياض في لونها، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يعرفها يا رسول الله، قال: فإنكم تردون حوضي يوم القيامة وفي وجوهكم نور، وفي أيديكم نور، وفي أرجلكم نور، علامة ليست لأحد من الأمم غيركم، وإنه ليبلغ نور أعضائكم حيث يبلغ الوضوء منها، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله، وأن يوسع نوره فليسبغ الوضوء، وليبالغ في غسل أعضائه، ولئن كان لإسباغ الوضوء هذا الفضل الكبير، والأثر العظيم، فإن فعل الواجبات، والبعد عن المحرمات أساس لهذا الفوز المبين، لأنني قد أرى (يوم القيامة، وأنا واقف على الحوض) رجالا أظنهم من أمتي، فأناديهم: تعالوا، هلموا إلى حوضي، فيحول بيني وبينهم ملك، فيحولهم عن حوضي، فأقول: إلى أين؟ فيقول: إلى النار. فأقول: وما شأنهم، وإني لأظنهم مسلمين؟ وإني لأظنهم من أصحابي؟ فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم بدلوا وغيروا، فأقول سحقا. سحقا. وبعدا لهؤلاء القوم بعدا. وما ربك بظلام للعبيد.
فاللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نفتن عن ديننا، إنك غفور رحيم.
стр. 766
-[المباحث العربية]-
(عن نعيم بن عبد الله المجمر) "نعيم" بضم النون وفتح العين، و"المجمر" بضم الميم الأولى وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية، ويقال: المجمر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة، والتجمير هو التبخير، وهو صفة لنعيم أو لأبيه أولهما، لأنهما كانا يبخران مسجد النبي ﷺ .
(رأيت أبا هريرة يتوضأ) جملة "يتوضأ" في محل النصب على الحال، ورواية البخاري عن نعيم قال: "رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ".
(فغسل وجهه فأسبغ الوضوء) أي فأسبغ وضوء وجهه وغسله.
(ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد) أي أدخل الغسل فيه ويقال: أشرع إبله إذا أوردها، وأما شرع الثلاثي فمعناه ورد الماء في نفسه، كذا يقال: شرع في كذا إذا ابتدأ. والعضد: ما بين المرفق إلى الكتف.
(أنتم الغر المحجلون) قال أهل اللغة: الغرة البياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في يديها ورجليها، والغر يتشديد الراء جمع أغر، أي ذو غرة. قال الحافظ ابن حجر: وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ . اهـ.
وقال العيني: في الكلام تشبيه بليغ، حيث شبه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم القيامة بغرة الفرس وتحجيله، ويجوز أن يكون كناية بأن يكون كنى بالغرة على نور الوجه. اهـ.
وظاهر الحديث أن النور ينبعث من أماكن الوضوء؛ لكن قال الأبي: إن الغرة والتحجيل كناية عن إنارة كل الذات، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء. اهـ. ويبعد هذا القول الترغيب في إطالة الغرة والتحجيل ليزداد النور، ولو كان كما يقول الأبي لما كان للإطالة فائدة.
(من إسباغ الوضوء) وفي الرواية الثانية والثالثة "من أثر الوضوء" والوضوء بضم الواو وفتحها.
(فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله) مفعول "استطاع" محذوف أي من استطاع إطالة غرته وتحجيله فليطل، وإطالة التحجيل أي إطالة سبب التحجيل، بإطالة الغسل واضحة بالشروع في العضد والساق، إذ لهما طول ظاهر، أما الغرة فيمكن أن يراد من الإطالة التوسع بزيادة الغسل طولا بالشروع في منابت الشعر وصفحة العنق وعرضا بشحمة الأذنين.
ولما كان الكل -غالبا- يستطيع ذلك كان الهدف من التعبير الحث على الإطالة، أي فأطيلوا الغرة والتحجيل، وليس المقصود التعليق على الاستطاعة.
стр. 767
(حتى كاد يبلغ المنكبين) "المنكب" بفتح الميم وكسر الكاف بينهما نون ساكنة مجتمع رأس الكتف والعضد، وأسفله الإبط.
(ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين) مفعول "رفع" محذوف أي حتى رفع الغسل إلى الساقين، والغاية داخلة، لأنه كان يشرع في الساق.
(إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين) "الأمة" في اللغة الجماعة، وكل جنس من الحيوان أمة، ومن معانيها اللغوية الحين، ومنه قوله تعالى ﴿وادكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥] وأمة محمد ﷺ تطلق على معنيين: أمة الدعوة وهي من بعث إليهم، وأمة الإجابة وهي من آمن به وصدقه، وهذه هي المراد هنا، وإتيانهم من الموقف إلى الحوض كما يظهر من الرواية الثالثة والرابعة.
(فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) ذكر الغرة هنا دون التحجيل للاكتفاء، أو الإسقاط من الراوي، ومفعول "فليفعل" محذوف أي فليفعل الإطالة.
(إن حوضي أبعد من أيلة من عدن) الحوض مجمع الماء، وسيأتي الكلام عنه في فقه الحديث، و"أيلة" مدينة كانت عامرة بطرف الشام، كان يمر بها الحاج من مصر، فتكون شمالهم: ويمر بها الحاج من غزة فتكون أمامهم. أقرب ما تكون إلى ما يسمى اليوم بالعقبة. ذكره في الفتح و"عدن" مدينة معروفة على ساحل البحر الأحمر.
وفي رواية البخاري "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن" وفيه "حوضه ما بين صنعاء والمدينة" وعند أحمد "كما بين أيلة إلى الجحفة" وفي لفظ "ما بين مكة وعمان" وفي رواية "كما بين مكة إلى أيلة" وعند ابن ماجه "ما بين الكعبة إلى بيت المقدس". وقد جمع العلماء بين هذا الاختلاف، وأقرب الأقوال أن المقصود ضرب المثل لبعد أقطار الحوض وسعته، لا تحديد المسافة، وذكره ﷺ للجهات المختلفة بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات؛ فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها.
وسيأتي مزيد إيضاح لهذه النقطة ولكثير مما يتعلق بالحوض في بابه إن شاء الله تعالى.
(لهو أشد بياضا من الثلج) اللام لام القسم المحذوف، وفي الكلام مضاف محذوف؛ أي لماؤه أشد بياضا من الثلج، قاله الأبي: وكونه أشد بياضا من الثلج حقيقة، لأن البياض مقول بالتفاوت. اهـ.
ورواية البخاري "ماؤه أبيض من اللبن" واللبن أشد بياضا من الثلج، وما كان أشد بياضا من اللبن كان أشد بياضا من الثلج، فلا تعارض بين الروايتين، وعند أحمد "وأبرد من الثلج".
(وأحلى من العسل باللبن) قال الأبي: معنى "أحلى" هنا أزكى، لأن العسل وحده أحلى منه مع اللبن. اهـ.
стр. 768
وفي رواية لمسلم "وأحلى من العسل" وعند أحمد "وأحلى مذاقا من العسل" زاد في البخاري "وريحه أطيب من المسك".
(ولآنيته أكثر من عدد النجوم) الآنية جمع إناء، وفي البخاري "وكيزانه كنجوم السماء" وفيه أيضا "فيه من الأباريق كعدة نجوم السماء" والمقارنة بين آنيته ونجوم السماء تحتمل الحقيقة وتحتمل أنها كناية عن الكثرة وهذا الأخير أولى.
زاد البخاري "من شرب منها فلا يظمأ أبدا" -أي من شرب من الكيزان أو الأباريق- وفيه "من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا".
(وإني لأصد الناس عنه) "أل" في الناس للعهد، أي الناس غير المستحقين، وفي الرواية الرابعة "وأنا أذود الناس منه" وهما بمعنى أطرد وأمنع.
(لكم سيما ليست لأحد من الأمم) السيما العلامة، وهي مقصورة وممدودة لغتان، ويقال: السيميا، بياء بعد الميم.
(وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون) "يصدن" بضم الياء وفتح الصاد مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، أي ليمنعن، ومعمول "يصلون" محذوف أي فلا يصلون إلي، ويحال بينهم وبين الوصول إلى الحوض، وفي رواية البخاري "ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم" وفي رواية له أيضا "ويرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض" وفي ثالثة له أيضا "فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار. والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني وبينهم، فقال: هلم. قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري. فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم".
(كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه) الإبل الغريبة هي التي لا تعرف صاحبها، فكل واحد يضربها ليصرفها عن إبله، ومن كلام الحجاج: لأضربنكم ضرب غرائب الإبل.
(أتى المقبرة) بضم الباء وفتحها وكسرها، ثلاث لغات، والكسر قليل.
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين) "دار قوم" منصوب على النداء، والمراد من الدار الجماعة أو أهل الدار، والمراد من التسليم عليهم الدعاء لهم.
(وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون) "إن شاء الله، هنا ليس للشك، لأن الموت لا شك فيه، بل ذكرها هنا للتبرك وامتثال أمر الله تعالى في قوله ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣].
стр. 769
(وددت أنا قد رأينا إخواننا) أي رأيناهم في الحياة الدنيا، قال القاضي عياض: وقيل المراد تمني لقائهم بعد الموت.
(قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) لم يرد نفي الأخوة عنهم، ولكن أراد ذكرهم بالمرتبة الزائدة وهي الصحبة، فهؤلاء إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، بل هو من قبيل قول الله تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠].
(أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة) "أرأيت" بمعنى أخبرني، عن طريق مجاز مرسل في الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلا من طلب الفهم، ومجاز مرسل في الرؤية بإرادة المسبب عنها وهو الإخبار، فآل المعنى إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبرني، والخطاب للسائل القائل كيف تعرف من لم يأت بعد؟ والمعلوم أن السائل واحد، وأسند إلى الجماعة في "فقالوا" لموافقتهم على السؤال.
(بين ظهري خيل دهم بهم) "ظهري" بفتح الظاء وسكون الهاء، مثنى ظهر، قال الأصمعي: العرب تقول: بين ظهريهم وظهرانيهم، أي بينهم، فتضع لفظ الاثنين على الجمع. اهـ. والدهم جمع أدهم وهو الأسود، والدهمة السواد، والبهم الذي لا يخالط لونه لونا آخر سواه أي خالص اللون، فالمعنى خيل سود سوادا خالصا.
(وأنا فرطهم على الحوض) الفرط السبق والتقدم، يقال: فرط القوم إذا تقدمهم ليرتاد الماء، ويهيئ لهم الدلاء، والمعنى: وأنا أتقدمهم على الحوض.
(ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال) هؤلاء الرجال هم الطوائف التي يحال بينهم وبين الحوض والذائد لهم الملائكة.
(أناديهم: ألا هلم) معناه تعالوا. قال أهل اللغة: في "هلم" لغتان:
إحداهما لغة الحجازيين حيث يلزمونها حالة واحدة في المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وهي على هذه اللغة اسم فعل أمر، وبهذه اللغة جاء القرآن الكريم ﴿والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾ [الأحزاب: ١٨].
واللغة الثانية: لغة بني تميم، تقول: هلم يا رجل، وهلما يا رجلان، وهلموا يا رجال وهلمي يا هند ويا هندان، وهلممن يا نسوة.
(فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك) في الرواية الرابعة "وهل تدري ما أحدثوا بعدك"؟ وفي رواية البخاري "لا تدري ما أحدثوا بعدك" وفي رواية أخرى له "إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقري".
(فأقول: سحقا. سحقا) قال النووي: هكذا هو في الروايات "سحقا سحقا" مرتين، ومعناه
стр. 770
بعدا بعدا، والمكان السحيق البعيد، وفي "سحقا" لغتان قرئ بهما في السبع: إسكان الحاء وضمها، ونصب على تقدير: ألزمهم الله سحقا، أو سحقهم سحقا. اهـ.
(يا بني فروخ أنتم ههنا) قال في كتب العين: بلغنا أن "فروخ" رجل من ولد إبراهيم، بعد إسماعيل وإسحق ﵈، كثر نسله بالعجم الذين بوسط البلاد، وكني أبو هريرة بذلك عن الموالي، وأبو حازم هذا هو أبو سليمان الأعرج، مولى عزة الأشجعية.
(لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء) لأنكم من العوام، ويخشى عدم فهمكم لدقائق الأعمال.
(تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) في النهاية: حليته ألبسته الحلية، ومراده بالحلية هنا التحجيل من أثر الوضوء.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من هذه الأحاديث]-
١ - استحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغرة -عند الشافعية والحنفية- فهو غسل شيء من مقدم الرأس، وما يجاور الوجه، زائدة على الجزء الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه، زاد بعضهم غسل صفحة العنق.
أما تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحب بلا خلاف بين الشافعية، واختلفوا في القدر المستحب على أوجه.
أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير تحديد. والثاني يستحب إلى نصف العضد والساق. والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين قال النووي: وأحاديث الباب تقتضي هذا كله. اهـ. وقال القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره، من طلب إطالة الغرة، فغسل إلى قريب المنكبين، ولم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ، ولا كثر استعماله في الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حد ذلك نصف العضد والساق. اهـ. قال العيني: هذا قول -لم يقل به الفقهاء- مردود؛ اهـ. أقول: قال بذلك القاضي حسين من الشافعية وآخرون، وقال البغوي: نصف العضو فما فوقه ونصف الساق فما فوقه.
وقال القاضي عياض وابن بطال وبعض المالكية: لا يتعدى بالوضوء محل الفرض، وقالوا عن هذه الأحاديث: إنه مذهب لأبي هريرة، فهمه من قوله ﷺ "أنتم الغر المحجلون" ومن حديث "تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، ولم يتابعه أحد عليه؛ والناس مجمعون على خلافه، وقالوا: إن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، إذ استيعاب الوجه بالغسل واجب، فتفسير الغرة
стр. 771
بالزيادة على محل الفرض خطأ، وفسروا إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاة، فتطول الغرة بتقوية نور الأعضاء، واستدلوا بما أخرجه أبو داود وأحمد والنسائي من أن أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" فحملوا الزيادة الممنوعة على الزيادة عن محل الفرض في أعضاء الوضوء.
وجميع ما تمسك به هؤلاء مردود.
أما قولهم: عن الأحاديث إنها مذهب لأبي هريرة فقد رده النووي في المجموع بأن أبا هريرة لم يفعله من تلقاء نفسه، بل أخبر أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك -كما هو ثابت في الرواية الأولى، إذ فيها بعد أن غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق قال "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ".
وأما قولهم: لم يتابعه عليه أحد فهو مردود بما قدمنا من أنه مذهب الشافعية والحنفية حتى قال النووي في شرح مسلم: وهو مذهبنا، لا خلاف فيه عندنا، ولو خالف فيه مخالف كان محجوبا بهذه السنن الصحيحة الصريحة. اهـ.
فقولهم "والناس مجمعون على خلافه" ظاهر البطلان، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ "أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف".
أما قولهم: إن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله عن حد الواجب ففاسد، لإمكان الإطالة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلا.
وأما تفسيرهم الحث على إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء فباطل؛ لأن روايات مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال، ثم إن الراوي أدرى بما روى.
وأما استدلالهم بقوله ﷺ : "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم"، فهو فاسد، لأن المراد بالزيادة الزيادة في عدد المرات أو النقص عن الواجب، كمن يتنطع ويتشكك ويكثر من عدد المرات معتقدا أنها السنة، أو يغسل عضوا ليس من أعضاء الوضوء معتقدا شرعيته، أو ينقص عضوا من أعضاء الوضوء أو بعض عضو.
أما حمله على الزيادة في غسل عضو من أعضاء الوضوء فمستبعد خصوصا والحديث لم يبين حدود الوجه واليدين والرجلين حتى يقال: إنه يقصد الزيادة على هذه الحدود، على أن الحديث نفسه في صحته مقال. والله أعلم.
٢ - كما يؤخذ من الأحاديث الصحيحة استحباب المحافظة على الوضوء وسنته المشروعة فيه وإسباغه.
стр. 772
٣ - وفيه فضل الوضوء لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظن بالواجب.
٤ - وفيها ما أعده الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
٥ - وفيها دلالة قطعية على أن واجب الرجلين في الوضوء الغسل وليس المسح.
٦ - استدل به جماعة من العلماء على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وقال الآخرون: ليس الوضوء مختصا بهذه الأمة، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل وادعوا أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بقوله ﷺ "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي" وأجاب الأولون عن هذا الحديث بوجهين أحدهما أنه ضعيف والآخر أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الخصوصية، وامتازت الأمة بالغرة والتحجيل، ولكن ورد في حديث جريج في الصحيح "أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام" وثبت أيضا عند البخاري في قصة سارة ﵍ مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، فهذا دليل على أن الوضوء كان مشروعا قبل الإسلام، وعلى هذا فيكون خاصة هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء. ذكره النووي وابن حجر والعيني.
٧ - يؤخذ من قول أبي هريرة "لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء" أنه ينبغي لمن يقتدي به إذا ترخص في شيء لضرورة، أو شدد في شيء أن لا يفعله بحضرة العوام، خوف أن يترخص فيه لغير ضرورة، أو يعتقد أن ما شدد فيه واجب. ذكره الأبي.
٨ - جواز قول المؤمن: خليلي رسول الله ﷺ ، ولا يعارض هذا قوله ﷺ "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" لأن الممتنع أن يتخذ النبي ﷺ أحدا خليلا، لا أن يتخذه أحد خليلا.
٩ - إثبات حوضه ﷺ ، وفي وقت وروده ومكانه خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط والمرور عليه، مستندين إلى ما أخرجه أحمد والترمذي عن أنس قال: "سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي فقال أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان. قلت فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض".
وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط مما جاء في أحاديثنا من أن جماعة يدفعون عن الحوض، بعد أن يكادوا يردون، ويذهب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أن الذي يمر على الصراط إلى أن يصل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يرد إليها؟ ويمكن أن يجاب بأنهم يقربون من الحوض، بحيث يرونه ويرون النار، ويراهم ﷺ فيناديهم فيدفعون إلى النار.
وقال بعض العلماء: إن الحوض قبل الصراط، فإن الناس يردون الموقف عطاشي فيرد المؤمنون
стр. 773
الحوض، ويتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا، فترفع لهم جنهم كأنها سراب، فقال: ألا تردون؟ فيظنونها ماء فيتساقطون فيها.
وقد استشكل كون الحوض قبل الصراط بما جاء في رواية البخاري "وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا" ووجه الإشكال أن ظاهر اللفظ يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار، لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لا يعذب بالنار، ومن الثابت أن بعض المؤمنين يتساقطون في النار عند مرورهم على الصراط، ومن سقط في النار أصابه الظمأ، وأجاب القاضي عياض بأنه يحتمل أن من قدر عليه التعذيب منهم أن لا يعذب فيهم بالظمأ، بل بغيره.
ورد الحافظ ابن حجر هذا الاحتمال بما وقع في بعض الروايات من قوله ﷺ ، ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا" واختار أن للنبي ﷺ حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة.
والراجح عندي أنه حوض واحد، لأنه يثبت ذكر حوضين في الأحاديث الصحيحة، وأمور الآخرة تثبت بالروايات لا بالاحتمال، وكونه بعد الصراط ظاهر الأحاديث. والإشكال عليه سهل الجواب والله تعالى أعلم.
وقد اشتهر اختصاص نبينا ﷺ بالحوض، لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه "إن لكل نبي حوضا" وأخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ "إن لكل نبي حوضا، وهو قائم على حوضه، بيده عصا، يدعو من عرف من أمته إلا أنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا" وأخرجه الطبراني موصولا مرفوعا.
قال الحافظ ابن حجر: فإن ثبت أن لكل نبي حوضا فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر -أي النهر- الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في السورة المذكورة.
وقال القرطبي في المفهم تبعا للقاضي عياض: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ روي ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواته عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهلم جرا، وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة، وأحالوه على ظاهره، وغلوا في تأويله، من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف. اهـ والمنكرون له المعتزلة وبعض الخوارج.
١٠ - وفي الأحاديث أن بعض أتباعه ﷺ يحال بينهم وبين الحوض، وفي المقصود
стр. 774
بهم أقوال: قيل: هم المرتدون بعده ﷺ ممن أسلموا في زمنه فيناديهم ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال له: إنهم ارتدوا بعدك فيقول: سحقا سحقا. وهذا القول جدير بالقبول لولا أن الكلام مرتبط بالغرة والتحجيل، فصار بعيدا.
وقيل: هم المنافقون، يحشرون بالغرة والتحجيل كالمؤمنين، يحشرون بالنور، لدخولهم في غمار المؤمنين لتسترهم بالإيمان في الدنيا، ثم يطفأ نورهم عند الحاجة إليه عند المرور على الصراط، فيعرفهم ﷺ بالغرة والتحجيل، ويظنهم مؤمنين حقا فيناديهم حين يرى تخبطهم، فيقال له: ليس ممن وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم، وهذا القول بعيد، وفي تطبيق الروايات عليهم تمحل.
وقيل: المراد بهم أصحاب المعاصي الكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، سواء كانوا في زمنه ﷺ أو بعده، فمعرفته لهم بالسيما. وهؤلاء المبعدون عن الحوض لا يقطع لهم بالنار، بل يجوز أن يبعدوا عن الحوض عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ، فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
وهذا أقرب الأقوال، وأحراها بالقبول.
قال ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء. وقال: كذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر. والله أعلم.
١١ - ويؤخذ منها أن الرسول ﷺ لا يدري ما أحدث المسلمون بعده، وفي هذا تعارض مع ما روي من أن أعمال أمته تعرض عليه يوم الخميس ويوم الأثنين، فما وجد منها من خير حمد الله عليه، وما وجد منها غير ذلك استغفر الله له، ويمكن أن يرفع هذا التعارض بأنها تعرض عليه عرضا مجملا، فيقال: عملت أمتك خيرا، أو عملت أمتك شرا دون تعيين لفاعلي الخير والشر.
١٢ - ويؤخذ منها أن الرسول ﷺ يذود غير المسلمين ويبعدهم عن حوضه، ولا يقال: كيف يطرد الناس عن حوضه وهو الكريم؟ فإن الذود المذكور قصد منه إرشاد كل أحد إلى حوض نبيه على ما تقدم من أن لكل نبي حوضا، وأنهم يتباهون بكثرة من يتبعهم فيكون ذلك من جملة إنصافه؛ ورعاية إخوانه النبيين ﵈، لا أنه يطردهم بخلا عليهم بالماء، ويحتمل أن يطرد من لا يستحق الشرب من الحوض والعلم عند الله تعالى. ذكره الحافظ في الفتح.
١٣ - ويؤخذ من الرواية السادسة زيارة القبور، ولا خلاف فيها للرجال، والنهي عنه منسوخ، واختلف فيها للنساء، والظاهر أنه ﷺ أتاها للزيارة، لا لدفن أو غيره.
стр. 775
١٤ - السلام على أهل المقابر، وهل المقصود به تحية الموتى وأنهم يسمعون؟ أو المقصود به الدعاء لهم؟ قولان، الراجح الثاني.
١٥ - وتمنى لقاء الفضلاء، ووجهه القاضي عياض بأنه ﷺ تمنى لهم (أي الذين لم يأتوا بعد) أن يلقوه لينتفعوا برؤيته، وهذا التوجيه كان يصح لو أن العبارة: وددت لو أن إخواننا رأونا، أما وأنها "وددت أنا قد رأينا إخواننا" فإن معناها أنه ﷺ تمنى أن لو رآهم هو وأصحابه لينتفعوا برؤيته. وهل تمنى ﷺ لقاءهم في الحياة؟ أو بعد الممات؟ قولان. اعترض على الأول بأنه كيف يصح أن يتمنى ذلك، وهم معدومون والمعدوم لا يرى، وأيضا كيف تمنى ما لا يكون؟ لأن عمره لا يمتد إلى أن يرى من هم في آخر الزمان؟ .
ويمكن أن يقال: إن التمني لا يشترط فيه إمكان وقوع المتمني عرفا. والله أعلم.
١٦ - يؤخذ من قوله "وأنا فرطهم على الحوض" بشارة هذه الأمة وتشريفها. فهنيئا لمن كان رسول الله ﷺ فرطه ليستقبله ويهيئ له المقام والنعيم.
١٧ - يؤخذ من قوله في الرواية الخامسة "والذي نفسي بيده" جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة. قاله النووي.
١٨ - وفي الأحاديث المذكورة ما أطلع الله نبيه ﷺ عليه من المغيبات المستقبلة.
والله أعلم
следующие страницы →