← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بالزيادة على محل الفرض خطأ، وفسروا إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاة، فتطول الغرة بتقوية نور الأعضاء، واستدلوا بما أخرجه أبو داود وأحمد والنسائي من أن أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" فحملوا الزيادة الممنوعة على الزيادة عن محل الفرض في أعضاء الوضوء. وجميع ما تمسك به هؤلاء مردود. أما قولهم: عن الأحاديث إنها مذهب لأبي هريرة فقد رده النووي في المجموع بأن أبا هريرة لم يفعله من تلقاء نفسه، بل أخبر أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك -كما هو ثابت في الرواية الأولى، إذ فيها بعد أن غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق قال "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ". وأما قولهم: لم يتابعه عليه أحد فهو مردود بما قدمنا من أنه مذهب الشافعية والحنفية حتى قال النووي في شرح مسلم: وهو مذهبنا، لا خلاف فيه عندنا، ولو خالف فيه مخالف كان محجوبا بهذه السنن الصحيحة الصريحة. اهـ. فقولهم "والناس مجمعون على خلافه" ظاهر البطلان، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ "أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف". أما قولهم: إن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله عن حد الواجب ففاسد، لإمكان الإطالة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلا. وأما تفسيرهم الحث على إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء فباطل؛ لأن روايات مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال، ثم إن الراوي أدرى بما روى. وأما استدلالهم بقوله ﷺ : "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم"، فهو فاسد، لأن المراد بالزيادة الزيادة في عدد المرات أو النقص عن الواجب، كمن يتنطع ويتشكك ويكثر من عدد المرات معتقدا أنها السنة، أو يغسل عضوا ليس من أعضاء الوضوء معتقدا شرعيته، أو ينقص عضوا من أعضاء الوضوء أو بعض عضو. أما حمله على الزيادة في غسل عضو من أعضاء الوضوء فمستبعد خصوصا والحديث لم يبين حدود الوجه واليدين والرجلين حتى يقال: إنه يقصد الزيادة على هذه الحدود، على أن الحديث نفسه في صحته مقال. والله أعلم. ٢ - كما يؤخذ من الأحاديث الصحيحة استحباب المحافظة على الوضوء وسنته المشروعة فيه وإسباغه.

стр. 772

٣ - وفيه فضل الوضوء لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظن بالواجب. ٤ - وفيها ما أعده الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. ٥ - وفيها دلالة قطعية على أن واجب الرجلين في الوضوء الغسل وليس المسح. ٦ - استدل به جماعة من العلماء على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وقال الآخرون: ليس الوضوء مختصا بهذه الأمة، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل وادعوا أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بقوله ﷺ "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي" وأجاب الأولون عن هذا الحديث بوجهين أحدهما أنه ضعيف والآخر أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الخصوصية، وامتازت الأمة بالغرة والتحجيل، ولكن ورد في حديث جريج في الصحيح "أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام" وثبت أيضا عند البخاري في قصة سارة ﵍ مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، فهذا دليل على أن الوضوء كان مشروعا قبل الإسلام، وعلى هذا فيكون خاصة هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء. ذكره النووي وابن حجر والعيني. ٧ - يؤخذ من قول أبي هريرة "لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء" أنه ينبغي لمن يقتدي به إذا ترخص في شيء لضرورة، أو شدد في شيء أن لا يفعله بحضرة العوام، خوف أن يترخص فيه لغير ضرورة، أو يعتقد أن ما شدد فيه واجب. ذكره الأبي. ٨ - جواز قول المؤمن: خليلي رسول الله ﷺ ، ولا يعارض هذا قوله ﷺ "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" لأن الممتنع أن يتخذ النبي ﷺ أحدا خليلا، لا أن يتخذه أحد خليلا. ٩ - إثبات حوضه ﷺ ، وفي وقت وروده ومكانه خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط والمرور عليه، مستندين إلى ما أخرجه أحمد والترمذي عن أنس قال: "سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي فقال أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان. قلت فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض". وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط مما جاء في أحاديثنا من أن جماعة يدفعون عن الحوض، بعد أن يكادوا يردون، ويذهب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أن الذي يمر على الصراط إلى أن يصل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يرد إليها؟ ويمكن أن يجاب بأنهم يقربون من الحوض، بحيث يرونه ويرون النار، ويراهم ﷺ فيناديهم فيدفعون إلى النار. وقال بعض العلماء: إن الحوض قبل الصراط، فإن الناس يردون الموقف عطاشي فيرد المؤمنون

стр. 773

الحوض، ويتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا، فترفع لهم جنهم كأنها سراب، فقال: ألا تردون؟ فيظنونها ماء فيتساقطون فيها. وقد استشكل كون الحوض قبل الصراط بما جاء في رواية البخاري "وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا" ووجه الإشكال أن ظاهر اللفظ يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار، لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لا يعذب بالنار، ومن الثابت أن بعض المؤمنين يتساقطون في النار عند مرورهم على الصراط، ومن سقط في النار أصابه الظمأ، وأجاب القاضي عياض بأنه يحتمل أن من قدر عليه التعذيب منهم أن لا يعذب فيهم بالظمأ، بل بغيره. ورد الحافظ ابن حجر هذا الاحتمال بما وقع في بعض الروايات من قوله ﷺ ، ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا" واختار أن للنبي ﷺ حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة. والراجح عندي أنه حوض واحد، لأنه يثبت ذكر حوضين في الأحاديث الصحيحة، وأمور الآخرة تثبت بالروايات لا بالاحتمال، وكونه بعد الصراط ظاهر الأحاديث. والإشكال عليه سهل الجواب والله تعالى أعلم. وقد اشتهر اختصاص نبينا ﷺ بالحوض، لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه "إن لكل نبي حوضا" وأخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ "إن لكل نبي حوضا، وهو قائم على حوضه، بيده عصا، يدعو من عرف من أمته إلا أنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا" وأخرجه الطبراني موصولا مرفوعا. قال الحافظ ابن حجر: فإن ثبت أن لكل نبي حوضا فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر -أي النهر- الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في السورة المذكورة. وقال القرطبي في المفهم تبعا للقاضي عياض: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ روي ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواته عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهلم جرا، وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة، وأحالوه على ظاهره، وغلوا في تأويله، من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف. اهـ والمنكرون له المعتزلة وبعض الخوارج. ١٠ - وفي الأحاديث أن بعض أتباعه ﷺ يحال بينهم وبين الحوض، وفي المقصود

стр. 774

بهم أقوال: قيل: هم المرتدون بعده ﷺ ممن أسلموا في زمنه فيناديهم ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال له: إنهم ارتدوا بعدك فيقول: سحقا سحقا. وهذا القول جدير بالقبول لولا أن الكلام مرتبط بالغرة والتحجيل، فصار بعيدا. وقيل: هم المنافقون، يحشرون بالغرة والتحجيل كالمؤمنين، يحشرون بالنور، لدخولهم في غمار المؤمنين لتسترهم بالإيمان في الدنيا، ثم يطفأ نورهم عند الحاجة إليه عند المرور على الصراط، فيعرفهم ﷺ بالغرة والتحجيل، ويظنهم مؤمنين حقا فيناديهم حين يرى تخبطهم، فيقال له: ليس ممن وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم، وهذا القول بعيد، وفي تطبيق الروايات عليهم تمحل. وقيل: المراد بهم أصحاب المعاصي الكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، سواء كانوا في زمنه ﷺ أو بعده، فمعرفته لهم بالسيما. وهؤلاء المبعدون عن الحوض لا يقطع لهم بالنار، بل يجوز أن يبعدوا عن الحوض عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ، فيدخلهم الجنة بغير عذاب. وهذا أقرب الأقوال، وأحراها بالقبول. قال ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء. وقال: كذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر. والله أعلم. ١١ - ويؤخذ منها أن الرسول ﷺ لا يدري ما أحدث المسلمون بعده، وفي هذا تعارض مع ما روي من أن أعمال أمته تعرض عليه يوم الخميس ويوم الأثنين، فما وجد منها من خير حمد الله عليه، وما وجد منها غير ذلك استغفر الله له، ويمكن أن يرفع هذا التعارض بأنها تعرض عليه عرضا مجملا، فيقال: عملت أمتك خيرا، أو عملت أمتك شرا دون تعيين لفاعلي الخير والشر. ١٢ - ويؤخذ منها أن الرسول ﷺ يذود غير المسلمين ويبعدهم عن حوضه، ولا يقال: كيف يطرد الناس عن حوضه وهو الكريم؟ فإن الذود المذكور قصد منه إرشاد كل أحد إلى حوض نبيه على ما تقدم من أن لكل نبي حوضا، وأنهم يتباهون بكثرة من يتبعهم فيكون ذلك من جملة إنصافه؛ ورعاية إخوانه النبيين ﵈، لا أنه يطردهم بخلا عليهم بالماء، ويحتمل أن يطرد من لا يستحق الشرب من الحوض والعلم عند الله تعالى. ذكره الحافظ في الفتح. ١٣ - ويؤخذ من الرواية السادسة زيارة القبور، ولا خلاف فيها للرجال، والنهي عنه منسوخ، واختلف فيها للنساء، والظاهر أنه ﷺ أتاها للزيارة، لا لدفن أو غيره.

стр. 775

١٤ - السلام على أهل المقابر، وهل المقصود به تحية الموتى وأنهم يسمعون؟ أو المقصود به الدعاء لهم؟ قولان، الراجح الثاني. ١٥ - وتمنى لقاء الفضلاء، ووجهه القاضي عياض بأنه ﷺ تمنى لهم (أي الذين لم يأتوا بعد) أن يلقوه لينتفعوا برؤيته، وهذا التوجيه كان يصح لو أن العبارة: وددت لو أن إخواننا رأونا، أما وأنها "وددت أنا قد رأينا إخواننا" فإن معناها أنه ﷺ تمنى أن لو رآهم هو وأصحابه لينتفعوا برؤيته. وهل تمنى ﷺ لقاءهم في الحياة؟ أو بعد الممات؟ قولان. اعترض على الأول بأنه كيف يصح أن يتمنى ذلك، وهم معدومون والمعدوم لا يرى، وأيضا كيف تمنى ما لا يكون؟ لأن عمره لا يمتد إلى أن يرى من هم في آخر الزمان؟ . ويمكن أن يقال: إن التمني لا يشترط فيه إمكان وقوع المتمني عرفا. والله أعلم. ١٦ - يؤخذ من قوله "وأنا فرطهم على الحوض" بشارة هذه الأمة وتشريفها. فهنيئا لمن كان رسول الله ﷺ فرطه ليستقبله ويهيئ له المقام والنعيم. ١٧ - يؤخذ من قوله في الرواية الخامسة "والذي نفسي بيده" جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة. قاله النووي. ١٨ - وفي الأحاديث المذكورة ما أطلع الله نبيه ﷺ عليه من المغيبات المستقبلة. والله أعلم

стр. 776

(١١٨) باب فضل إحسان الوضوء وكثرة الخطا إلى المساجد ٤٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى. يا رسول الله! قال "إسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخطا إلي المساجد. وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط". ٤٤٤ - وعن العلاء بن عبد الرحمن بهذا الإسناد وليس في حديث شعبة ذكر "الرباط" وفي حديث مالك ثنتين "فذلكم الرباط فذلكم الرباط". -[المعنى العام]- حقا حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات وكلما شقت العبادة، وتحملت النفس في سبيلها الصعاب كلما عظم الأجر. من هنا يجمع رسول الله ﷺ ثلاثا من الطاعات، في كل منها مشقة وجهاد، إسباغ الوضوء بالماء البارد في الشتاء، وكثرة المشي إلى المسجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. بهذه الثلاث يمحو الله الخطايا ويرفع الدرجات، وإذا كان هذا الأجر العظيم عن وسائل العبادات، فما بالنا بالأجر عن الغايات؟ لا ريب أنه فضل كبير. -[المباحث العربية]- (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات) محو الخطايا كناية عن غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ورفع الدرجات إعلاء المنازل في الجنة، والاستفهام مقصود به التنبيه، واستجماع الهمم، وإثارة المشاعر. (فذلكم الرباط) الرباط في الأصل الحبس على الشيء، وفي هذه الأمور الثلاثة حبس النفس على مشقة الطاعة، والقصر بتعريف الطرفين ادعائي، كأنها أفضل الرباط، وقد تكررت هذه الجملة في بعض الروايات مرتين وفي بعضها ثلاثا للاهتمام.

стр. 777

-[فقه الحديث]- -[ما يؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على إسباغ الوضوء على المكاره، وتكون ببرودة الماء في الشتاء، أو حرارته في الصيف أو ألم الجسم، أو نحو ذلك. ٢ - الترغيب في كثرة الخطا إلى المساجد، وتكون ببعد المسجد، أو تكرار الذهاب إليه، أو هما معا. ٣ - وانتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، فإن المؤمن يعتبر في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، فقد روى البخاري: "أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها".

стр. 778

(١١٩) باب السواك ٤٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال "لولا أن أشق على المؤمنين (وفي حديث زهير على أمتي) لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ٤٤٦ - عن المقدام بن شريح، عن أبيه؛ قال: سألت عائشة. قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك. ٤٤٧ - عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك. ٤٤٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وطرف السواك على لسانه. ٤٤٩ - عن حذيفة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك. ٤٥٠ - عن حذيفة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل بمثله ولم يقولوا "ليتهجد". ٤٥١ - عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ٤٥٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه بات عند النبي ﷺ ذات ليلة. فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل. فخرج فنظر في السماء. ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ حتى بلغ ﴿فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ. ثم قام فصلى. ثم اضطجع. ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية. ثم رجع فتسوك فتوضأ. ثم قام فصلى.

стр. 779

-[المعنى العام]- لا شك أن الإسلام دين النظافة، ودين المحافظة على الصحة، ودين الألفة والمحبة بين أعضاء المجتمع، أهداف جليلة تتحقق من عمل سهل يسير، يشرعه الحكيم الخبير. تلك الأهداف العملاقة يغرسها عود الأراك المسمى بالسواك، مطهرة للفم من فضلات الطعام والروائح الكريهة التي تنشأ من بعض الأطعمة، أو من أبخرة المعدة، أو من خلل في اللثة وقواعد الأسنان. منظف للأسنان واللسان من الألوان الغريبة، والصفرة الطارئة، ثم هو بعد ذلك يحفظ الفم من كثير من الأمراض، والأضراس من الحفر والسوس، واللثة من الضعف والتشقق والارتخاء، ويحفظ المعدة من عفونات الطعام التي كانت قد تتراكم بين الأسنان، وبالرائحة الطيبة، والصحة البارزة، والنظافة الظاهرة تتم المودة والألفة بين الناس، تلك بعض فوائد السواك، بل هي الفوائد الدنيوية التي لا تقاس بالفوائد الأخروية، لقد جعلته الشريعة مرضاة للرب جل شأنه، وطلبته في كل حين، وعلى أي حال، وشددت طلبه في مواطن الإقبال على العبادة، ومواطن الإقبال على الأهل، ولولا الرفق بالمؤمنين لكان فرضا عليهم عند كل وضوء، وعند كل صلاة، وعند كل دخول للبيت، وعند كل قيام من نوم. ولقد كان الرسول ﷺ المثل الأعلى، والقدوة الكاملة، محافظا عليه في كل هذه المواطن أمام أصحابه في وضح النهار، وبين أهله في جوف الليل، ويحدثنا ابن عباس أنه بات ليلة عند خالته ميمونة أم المؤمنين، ليلة كان رسول الله ﷺ يبيتها عندها، وتحراها وهو صبي ليرقب أعمال رسول الله ﷺ ليقتدي به، وليبلغ من وراءه ليقتدوا، فرأى النبي ﷺ يقوم من آخر الليل، فيخرج من حجرته، وينظر في النجوم، ويتأمل الكون، ويتلو من كتاب الله من سورة آل عمران ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب* الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ ثم يرجع إلى البيت فيتسوك ويتوضأ ويقوم يصلي متهجدا، ثم يضطجع قليلا، ثم يقوم فيخرج متهجدا. وهكذا كان السواك شريعته كلما قام من النوم وكلما أقبل على الوضوء. فصلى الله عليه وسلم، وجعلنا من أتباعه العاملين. -[المباحث العربية]- (لولا أن أشق على المؤمنين) "لولا" كلمة تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، والمصدر المنسبك من "أن" والفعل مرفوع على الابتداء، وفيه مضاف محذوف، والخبر محذوف وجوبا، وجواب "لولا" لأمرتهم، والتقدير: لولا خوف المشقة على المؤمنين موجود لأمرتهم بالسواك، فانتفى الأمر بالسواك لوجود خوف المشقة. (أو أمتي) شك من الراوي في أي اللفظين صدر عن الرسول ﷺ .

стр. 780

(لأمرتهم بالسواك) قال أهل اللغة: السواك بكسر السين يطلق على الفعل، وعلى العود الذي يتسوك به، يقال: ساك فمه يسوكه سوكا، فإذا قلت: استاك لم يذكر الفم، وجمع السواك سوك بضمتين مثل كتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنه يجوز أيضا سؤك بالهمز، ثم قيل: إن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك. وهو في الاصطلاح: استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب عنها الصفرة والتغيير. والمعنى هنا: لأمرتهم بالتسوك، أو لأمرتهم باستعمال السواك، والأول أقرب. (عند كل صلاة) أي عند إرادة الصلاة، فرضا أو نفلا. (إذا قام ليتهجد) التهجد الصلاة في أول الليل، ويقال: هجد الرجل إذا نام، وتهجد إذا خرج من الهجود (وهو النوم) بالصلاة، كما يقال: تحنث وتأثم وتحرج، إذا اجتنب الحنث والإثم والحرج، ذكره النووي في شرح مسلم، لكن المذكور في القاموس: الهجود النوم كالمتهجد، وبالفتح المصلي بالليل، وتهجد استيقظ كهجد، ضد، وهجده تهجيدا أيقظه ونومه. ضد. اهـ. (يشوص فاه بالسواك) "يشوص" بفتح الياء وضم الشين، مضارع "شاص" والشوص دلك الأسنان بالسواك عرضا. قاله ابن الأعرابي، وقال الهروي: هو الغسل، وقال أبو عبيد: هو التنقية، وقال ابن عبد البر: هو الحك قاله النووي: وأكثرها متقاربة، وأظهرها الأول. -[فقه الحديث]- في السواك وردت أحاديث كثيرة منها: ١ - عن أبي خيرة الصباحي قال: كنت في الوفد، فزودنا رسول الله ﷺ بالأراك وقال: "استاكوا بهذا" رواه البخاري في تاريخه. ٢ - وروى الطبراني في الأوسط عن معاذ بن جبل قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "نعم السواك الزيتون، من شجرة مباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفر وهو سواكي، وسواك الأنبياء من قبلي" (الحفر داء يفسد أصول الأسنان). ٣ - وروى البخاري عن أبي هريرة مرفوعا "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء". ٤ - وروى أحمد والنسائي والترمذي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب". ٥ - وعند أحمد عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا يتسوك قبل أن يتوضأ". ٦ - وروى الحاكم والبيهقي "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء".

стр. 781

وقد حافظ النبي ﷺ على السواك محافظة جعلت الشافعية والمالكية يقولون بوجوبه عليه ﷺ ، ويؤيدهم ما رواه البيهقي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "ثلاث هن على فريضة، وهن لكم تطوع. الوتر والسواك وقيام الليل" ورد الآخرون بأن الحديث ضعيف، وأنه معارض بما رواه ابن ماجه عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي". وبما رواه أحمد بإسناد حسن عن وائلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي". وإذا جاوزنا حكم السواك بالنسبة للرسول ﷺ وجدنا العلماء يتفقون على أنه سنة لعامة المسلمين، ليس بواجب في حال من الأحوال، لا في الصلاة ولا في غيرها. قال النووي: بإجماع من يعتد به في الإجماع، وحكى الإسفرايني عن داود الظاهري أنه أوجبه للصلاة، وحكاه الماوردي عن داود، وقال: هو عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته، وحكي عن إسحق بن راهويه أنه قال: هو واجب، فإن تركه عمدا بطلت صلاته، وقد أنكر المتأخرون نقل الوجوب عن داود وقالوا: مذهبه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون. ثم قال النووي: ثم إن السواك مستحب في جميع الأوقات، ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابا. أحدها عند الصلاة، سواء كان متطهرا بماء أو بتراب. أو غير متطهر، كمن لم يجد ماء ولا ترابا. الثاني عند الوضوء. الثالث عند قراءة القرآن. الرابع عند الاستيقاظ من النوم. الخامس عند تغير الفم، وتغيره يكون بأشياء. منها ترك الأكل والشرب، ومنها أكل ما له رائحة كريهة، ومنها طول السكوت، ومنها كثرة الكلام، ومذهب الشافعي أن السواك يكره للصائم بعد الزوال إلى غروب الشمس، لئلا يزيل رائحة الخلوف المستحبة. اهـ. وقد حمل الفقهاء على القول بكراهة السواك للصائم، بل نقل الترمذي أن الشافعي قال: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره، واختاره جماعة من أصحابه منهم أبو شامة وابن عبد السلام والنووي والمزني. قال ابن عبد السلام في قواعده الكبرى: وقد فضل الشافعي تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك مستدلا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولا يوافق الشافعي على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر، مع قوله ﷺ "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" ثم قال: وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التطهير المشروع لأجل الرب سبحانه، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه ولأجله شرع السواك، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال: إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه. اهـ.

стр. 782

وقال الحافظ في التخليص: استدلال أصحابنا بحديث خلوف فم الصائم على كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائما، فيه نظر. اهـ. والحق أن القول بكراهة السواك للصائم بعد الزوال ضعيف الاستدلال. والأولى قول جمهور الأئمة أن السواك مستحب للصائم أول النهار وآخره. والله أعلم. كما حمل الفقهاء على بعض المالكية القائلين بكراهة الاستياك في المسجد، لاستقذاره والمسجد ينزه عنه، فقد قال شيخ الإسلام تقي الدين: أما السواك في المسجد فما علمت أحدا من العلماء كرهه، بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد، ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد ويمتخط في ثيابه باتفاق الأئمة وبسنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، بل يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء، فإذا جاز الوضوء فيه مع أن الوضوء يكون فيه السواك، وتجوز الصلاة فيه والصلاة يستاك عندها فكيف يكره السواك؟ وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه فكيف يكره السواك؟ . اهـ. وقد ثبت أن بعض الصحابة كانوا يضعون أسوكتهم خلف آذانهم، موضع القلم من أذن الكاتب، قال الحافظ ابن حجر: وحكمته أن وضعه في هذا الموضع يسهل تناوله ويذكر صاحبه به. اهـ. والرواية الأولى من أحاديثنا تطلب السواك عند كل صلاة، والرواية السابعة تطلبه عند كل وضوء، وقد سبقت رواية البخاري "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" ولا معارضة بين طلب السواك عند كل وضوء وعند كل صلاة، نعم إن كانت الصلاة تعقب الوضوء مباشرة كفى الاستياك عند الوضوء، ويقال له في هذه الحالة استاك عند الصلاة، ولا داعي للاستياك مرة أخرى، كما هو ظاهر من فعل النبي ﷺ في الرواية السابعة. وقد جاء في بعض كتب الحنفية أنه يكره الاستياك عند الصلاة، معتلا بأنه قد يخرج الدم فينقض الوضوء. قال في الرقاة: وهذا القول لا وجه له. نعم من يخاف ذلك فليستعمل برفق وعلى نفس الأسنان واللسان دون اللثة. اهـ. والحكمة في مشروعية السواك نظافة الفم والأسنان من فضلات الطعام والشراب وتطييب للرائحة التي تنبعث من المتكلم فلا يتأذى بها المستمع وصيانة الأسنان من الآفات والتسوس، وتقوية لثة المؤمن وقواعد أسنانه وعضلات فمه، ثم هو فوق كونه مطهرة للفم هو مرضاة للرب كما جاء في الحديث، ومن هنا كان مشروعا لمن لا أسنان له، فعن عائشة قلت: يا رسول الله، الرجل يذهب فوه (أي يذهب أسنانه) أيستاك؟ قال: نعم. قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل أصبعه في فيه. رواه الطبراني في الأوسط، فهو مع كونه نظافة عبادة وطاعة كالوضوء. أما بم يستاك؟ فأفضله عود الأراك، ثم الزيتون، ثم عود أي شجر يصلح لذلك مع طيب الريح، ويحسن أن يكون في غلظ الخنصر، وفي طول الشبر وأن لا يكون شديد اليبس يجرح، ولا رطبا لا يزيل، و (فرشاة الأسنان) المعروفة تقوم مقامه.

стр. 783

بل قال العلماء: يحسن التسوك بالخرقة الخشنة، والإصبع، وبالعلك (اللبان) بالنسبة للنساء. ذكره في المحيط. واستعمال معجون الأسنان مستحسن. وكيفيته الكاملة أن يمسكه باليمين، وأن يكون خنصرها أسفله، والبنصر والوسطى والسبابة فوقه، والإبهام أسفل رأسه، كما رواه ابن مسعود، وأن يغسله ويرطبه قبل استعماله، وأن يمر به على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى وأن يمر به على اللسان طولا، وعلى طرف أسنانه، وكراسي أضراسه، وسقف حلقه، وأن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فمه، وأن يستعمله برفق حسب الاستعداد لئلا يدمي لثته، أو يعرض فمه لأضرار، ويستاك حتى يطمئن بزوال النكهة ونظافة الفم. والأفضل أن لا يستاك بحضرة الغير، وأن يتمضمض بعده، فإن كان عند الوضوء فهو عند المضمضة، وألا يستعمل سواك غيره إلا لضرورة، وبعد غسله وتنظيفه والتأكد من سلامة أسنان صاحبه، لئلا تنتقل العدوى. -[ويؤخذ على الأحاديث]- ١ - ما كان عليه النبي ﷺ من الرفق بأمته والشفقة عليها، لأنه لم يأمر بالسواك على سبيل الوجوب مخافة المشقة عليهم. ٢ - قال المهلب: فيه جواز الاجتهاد من النبي ﷺ فيما لم ينزل عليه فيه نص، لكونه جعل المشقة سببا لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفا على النص لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة. اهـ. وقد رده ابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر، لأنه لا يجوز أن يكون ﷺ أخبر أمته بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة، فيكون معنى قوله (لأمرتهم) أي عن الله تعالى بأنه واجب. اهـ. ٣ - ويؤخذ من الرواية الثانية والثالثة استحباب السواك عند دخول البيت. قال القاضي عياض: وخص البيت لأنه لا يفعله ذو المروءة بحضرة الناس، ولا بالمسجد لما فيه من إلقاء ما يستقذر. اهـ. وفي قوله هذا نظر. وقال القرطبي: يحتمل بداءته به لأنه كان يبدأ بالنافلة إذا لم يكن ينتفل بالمسجد. اهـ. وقال الأبي: قيل: لأن الغالب أنه كان لا يتكلم بالطريق، والسكوت يغير رائحة الفم، فكان يستاك ليزيل ذلك، وفعله هذا تعليم للأمة، وهو ﷺ المنزه المبرأ عن أن يلحقه شيء من ذلك، فمن سكت ثم أراد يتكلم مع صاحبه فليستك، لئلا يتأذى صاحبه برائحة فمه. اهـ. ٤ - ويؤخذ من الرواية السادسة استحباب السواك عند القيام من الليل ويلحق به القيام من نوم النهار، لأن النوم مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة.

стр. 784

٥ - وأخذ بعضهم من قوله (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) دليلا على أن أمر الشرع للوجوب، وهو مذهب أكثر الفقهاء، وجماعات من المتكلمين وأصحاب الأصول قالوا: وجه الدلالة أنه مسنون بالاتفاق، فدل على أن المتروك إيجابه، إذ نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب لما جاز النفي. وجعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه، لأنه جائز الترك. ٦ - وعلى أن طلب على جهة الندب ليس بأمر حقيقة، لأن السواك عند كل صلاة مندوب إليه، وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به، وفي هذا أيضا خلاف بين الفقهاء. ٧ - والحديث بعمومه يدل على استحباب السواك للصائم بعد الزوال خلافا للشافعية. ٨ - ويؤخذ من الرواية السابعة أنه يستحب للمستيقظ أن ينظر إلى السماء ويقرأ الآية، لما في ذلك من عظيم التدبر. والله أعلم

стр. 785

(١٢٠) باب خصال الفطرة ٤٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "الفطرة خمس (أو خمس من الفطرة) الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط وقص الشارب". ٤٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "الفطرة خمس: الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط". ٤٥٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة. ٤٥٦ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ؛ قال: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى". ٤٥٧ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ؛ أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية. ٤٥٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى". ٤٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس".

стр. 786

٤٦٠ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء" قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة. إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. -[المعنى العام]- وتلك صورة أخرى من صور نظافة الإسلام، وحرصه على كل ما يغرس المحبة والتآلف بين الناس، وإذا كان قد حث على السواك لطهارة الفم، وتطييب رائحته، وللمحافظة على شعور المستمع وأحاسيسه، فإنه هنا يحث على عشر خصال، جماعها حسن المظهر، وطيب المخبر، ورقة الشعور، وأدب الخلطة والاجتماع. أولاها: ختان الذكر والأنثى، وقطع الجلدة الزائدة التي تتجمع فيها بقايا البول حيث لا يمكن غسلها من الداخل، ولا إزالة ما تحويه من ريح كريه. ثانيتها: حلق العانة، وإزالة الشعر الذي حول القبل والدبر للرجل والمرأة، وكل إنسان يشعر بما يحمل هذا الشعر -إن طال- من عرق متراكم، تثير رائحته اشمئزاز صاحبه فضلا عن جليسه ورفيقه، ومهما غسله المؤمن فإنه لا يلبث أن تعود إليه ريحه، بل من الصعب عند الغسل استئصال مخلفاته. ثالثتها: نتف شعر الإبط، وهو لخفته عادة يسهل نتفه، فيقل تهيجه، وتضعف كثافته. رابعتها: تقليم الأظفار في اليدين وفي الرجلين، ولا يخفى ما تجمع الأظفار من أقذار بينها وبين جلد الأنامل كلما طالت، وما يصاحب ذلك من ريح كريه. خامستها: قص الشارب، فإن في طول شعره احتمال ترسب الأوساخ وسوائل الأنف فيه، مما يتعذر نظافته بغسل الوجه، ثم في طوله مظهر من مظاهر الكبر والخيلاء والافتراء، ومنظر من مناظر الجبابرة من المجوس والمشركين. سادستها: غسل البراجم وتجاويف الجلد والمناعم والمعاطف التي هي عرضة لجمع العرق والوسخ. سابعتها وثامنتها وتاسعتها: السواك والمضمضة والاستنشاق.

стр. 787

عاشرتها: إعفاء اللحية وعدم حلقها، وليس المقصود بهذه الخصلة نفس المقصود من غيرها بل هي خصلة قصد بها تكوين شخصية إسلامية، وإبراز كيان وهيئة تميز المسلم عن غيره من المجوس والمشركين واليهود والنصارى لقد كان الإسلام ينتشر بين قبائل العرب وغير العرب، بين متعارفين وغير متعارفين، وستكون بينه وبين غيره من الملل عداوة وحروب، وفي هذه الحالة وعلى ضوء هذه الظروف كانت الحاجة ماسة إلى سمة وعلامة يميز بها المسلم، فماذا يمكن أن تكون تلك العلامة؟ الثياب والملابس متشابهة، ومن السهل لو غايرناها أن يخدعنا بارتدائها الأعداء، إن المسلمين في حاجة شديدة إلى مخالفة في الهيئة وإن المجوس والمشركين وأهل الكتاب يطلقون شواربهم، وهم يعتزون بهذا المظهر اعتزازهم برجولتهم، فما أحسن الهيئة لو خالفهم المسلمون فقصوا الشوارب وأرخوا اللحى، وقد كان الأمر العظيم من الرسول الكريم ﷺ "خالفوا اليهود والنصارى وخالفوا المجوس، قصوا الشارب وأعفوا اللحى". -[المباحث العربية]- (الفطرة خمس -أو خمس من الفطرة) شك من الراوي في أي اللفظين صدر عن الرسول ﷺ ، وقد جزم في الرواية الثانية، فقال "الفطرة خمس" وفي المراد من الفطرة قال الخطابي: ذهب العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة، وكذا قال غيره، قالوا: والمعنى أنها من سنن الأنبياء، ويؤيده ما جاء في بعض الروايات "من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر". قال الراغب: أصل الفطر بفتح الفاء الشق طولا، ويطلق على الاختراع وعلى الإيجاد، والفطرة الإيجاد على غير مثال. وقال أبو شامة: أصل الفطرة الخلقة المبتدأة، ومنه ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ [يوسف: ١٠١] أي المبتدئ خلقهن، وقوله ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠]؛ والمعنى أن كل أحد لو ترك من وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى الدين الحق، وهو التوحيد، ويؤيده قوله تعالى قبلها ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠] وإليه يشير في بقية الحديث حيث عقبه بقوله "فأبواه يهودانه أو ينصرانه" والمراد بالفطرة: التي فطر العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم، ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة. اهـ. وسوغ الابتداء بالنكرة في رواية "خمس من الفطرة" أن "خمس" صفة لموصوف محذوف، والتقدير: خصال خمس، أو على تقدير الإضافة، أي خمس خصال. (الختان) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: إحداها الختان، وهو بكسر الخاء وتخفيف التاء، مصدر ختن، أي قطع، والختن بفتح الخاء وسكون التاء قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، والختان اسم لفعل الخاتن، ويطلق على موضع الختان أيضا، كما في حديث عائشة "إذا التقى الختانان وجب الغسل" والأول هو المراد هنا، وستأتي كيفيته الشرعية في فقه الحديث.

стр. 788

(والاستحداد) وهو حلق العانة، وسمي استحدادا لاستعمال الحديدة، وهي الموسى، والعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذا الشعر الذي حول فرج المرأة، ونقل عن ابن عباس أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، وهذا القول. غريب لكن يتحصل من مجموع الأقوال: استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما. وفي الرواية الثالثة والثامنة "وحلق العانة" بدل الاستحداد. (وتقليم الأظافر) وفي الرواية الثامنة "وقص الأظافر" والتقليم تفعيل من القلم وهو القطع، والتقليم أعم من القص، لأن التقليم يكون بالمقص وغيره، و"الأظفار" جمع ظفر بضم الظاء والفاء، وبسكونها، وحكى أبو زيد كسر أوله، وقد قرئ بكسر أوله وثانيه. والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر. (ونتف الإبط) بكسر الهمزة والباء، وبسكون الباء وهو المشهور، وصوبه الجواليقي، وهو يذكر ويؤنث، وتأبط الشيء وضعه تحت إبطه، وفي الكلام مضاف محذوف، أي نتف شعر الإبط. (وقص الشارب) الشارب الشعر النابت على الشفة العليا، واختلف في جانبيه وهما السبالان، فقيل: هما من الشارب، وقيل: هما من شعر اللحية. وفي الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة "الشوارب" وهو من الواحد الذي فرق، وسمي كل جزء منه باسمه، فقالوا: لكل جانب منه شاربا ثم جمع "شوارب" وحكى ابن سيده عن بعضهم: من قال: الشاربان أخطأ، وإنما الشاربان ما طال من ناحية السبلة، قال: وبعضهم يسمى السبلة كلها شاربا، ويؤيده أثر عمر الذي أخرجه مالك "إنه كان إذا غضب فتل شاربه" والذي يمكن فتله من شعر الشارب السبال، وقد سماه شاربا. اهـ. (وقت لنا) بضم الواو وكسر القاف المشددة، مبني للمجهول، وأخرجه أصحاب السنن بلفظ "وقت لنا رسول الله ﷺ " أي جعل لنا وقتا. (أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة) مفعول "نترك" محذوف، أي أن لا نترك القص والتقليم والنتف والحلق أكثر من أربعين ليلة، أي لا نترك واحدا منها. (احفوا الشوارب) وفي الرواية السابعة "جزوا الشوارب" قال ابن دريد: يقال: حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا، إذا استأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزة "احفوا" همزة وصل، وجعلها غيره همزة قطع، وهو صريح الرواية الخامسة، ولفظها "أمر بإحفاء الشوارب" والجز بفتح الجيم والزاي المشددة قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد، وقد سبق في الروايات الثلاث الأولى بلفظ "قص الشارب" فهل المراد واحد بالقص والإحفاء والجز؟ أو المراد التخيير بين الأفعال الثلاثة؟ توضيح ذلك في فقه الحديث. (واعفوا اللحي) في الرواية السادسة "وأوفوا اللحى" وفي الرواية السابعة "وأرخوا اللحى" يقال: عفوت الشعر، وأعفيته لغتان، ذكرهما في شرح هذا الحديث جماعة من الشراح منهم ابن

стр. 789

التين، وفسره بعضهم بأكثروا اللحى، قال ابن دقيق العيد: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب، لأن حقيقة الإعفاء الترك، وترك التعرض للحية يستلزم تكثيرها. اهـ. و"أوفوا" بمعنى أعفوا أي اتركوها وافية كاملة، لا تقصوها، وكذا "أرخوا" بالهمزة والخاء، وروي "أرجوا" بالهمز والجيم، وأصله أرجئوا أي اتركوا، وفي رواية للبخاري بلفظ "وفروا" وهي بنفس المعنى، واللحي بكسر اللام، وحكي ضمها جمع لحية، وهي الشعر النابت على الذقن، قاله المتولي والغزالي في البسيط، والذقن مجمع اللحيين، واللحيان الفكان، وعليهما منابت الأسنان السفلى، فاللحية هي الشعر النابت على الجلد الذي يغطي الأسنان السفلى. وقال الحافظ ابن حجر: اللحية اسم لما نبت على الخدين والذقن. اهـ. ونعيد إلى الأذهان أن الشعر الذي بين العينين والأذنين يسمى العذارين وهما ليسا من اللحية باتفاق، وما تحت العذارين إلى بداية الفكين يسمى العارضين، والظاهر أنهما ليسا من اللحية على تفسير المتولي والغزالي، وهما منها على تفسير الحافظ ابن حجر. أما الشعر الذي على الشفة السفلى وتسمى (العنفقة) فليس من اللحية على الصحيح. (خالفوا المشركين) وفي الرواية السابعة "خالفوا المجوس". (وغسل البراجم) "البراجم" بفتح الباء جمع برجمة، بضم الباء والجيم وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها، وقيل: التي في ظهر الكف، وقال الخطابي: هي المواضع التي تتسخ، ويجتمع فيها الوسخ. اهـ. (وانتقاص الماء) بالقاف والصاد، وقد فسره الراوي بالاستنجاء، وقال أبو عبيدة وغيره: معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في بعض الروايات "الانتضاح" بدل "انتقاص" قال الجمهور: الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء، لينفي عنه الوساوس، وقيل: هو الاستنجاء بالماء، وذكر ابن الأثير أنه روى "انتفاص الماء" بالفاء بدل القاف، قال: والمراد نضحه على الذكر، قال النووي: وهذا الذي نقله شاذ، والصواب ما سبق. والله أعلم. اهـ. -[فقه الحديث]- بمقارنة رواية أبي هريرة برواية عائشة نجد الأخيرة شملت الأولى، فيما عدا الختان وزادت ست خصال، وفي رواية للنسائي ما في رواية عائشة إلا أنها ذكرت "الختان" بدل "غسل البراجم" وفي رواية لأبي داود ما في رواية عائشة إلا أنها لم تذكر "إعفاء اللحية" "وانتقاص الماء". وذكرت بدلها "الختان والانتضاح" وفي رواية أخرى لأبي داود، قال: خمس كلها في الرأس، وذكر فيها "الفرق" ولم يذكر "إعفاء اللحية". وفي رواية لابن أبي حاتم ذكر "غسل الجمعة" بدل "الاستنجاء" قال الحافظ ابن حجر: فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث خمس عشرة خصلة. اهـ.

стр. 790

وذكر ابن العربي أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة. قال الحافظ ابن حجر ردا عليه: إن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا تنحصر في الثلاثين، بل تزيد كثيرا. اهـ. وعلى هذا فذكر صيغة "خمس" أو "عشر" لا يقصد به الحصر، فقد قيل: إن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: بل كان أعلم أولا بالخمس، ثم أعلم بالزيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام، فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وهذا الأخير حسن، مع ملاحظة أن ذكر العدد لا يراد به الحصر، أو مع ملاحظة لفظ "من" أي من الفطرة خمس كما في "خمس من الفطرة". والمحقق فيما ذكر من الخصال يجدها تشترك في ظاهرة نظافة البدن، كما يجدها إلى حكم الندب والاستحباب أقرب منها إلى حكم الوجوب، نعم سنجد خلافا بين العلماء في حكم بعضها، ولكن الظاهر أن القرين بالمقارن يقرن، وإذا كان البعض مقطوعا باستحبابه بلا خلاف، فإن البعض المختلف في استحبابه أو وجوبه يكون الأولى به الاستحباب، لدلالة الاقتران، فإن لفظ "الفطرة" إما أن يراد به السنة، فتكون الخصال العشر سنة، وإما أن يراد به الواجب فتكون الخصال العشر واجبة، أما أن يراد به القدر المشترك بين السنة والواجب ويجمع تحته خصال ذات أحكام مختلفة، فهو مستبعد في الأسلوب الحكيم، ولا يقال: إن القرآن الكريم جمع في الأمر بين المباح والواجب في قوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] فالأكل مباح، وإيتاء الحق واجب، لا يقال هذا، فإن هناك فرقا بين الآية وبين ما نحن فيه، إذ الآية تكرر فيها الأمر واختلف فيها اللفظ المأمور به "كلوا" "وآتوا" وظاهر الأمر الوجوب -على قول- فصرف عن الأكل بدليل آخر، وبقي الإيتاء على الأصل، أو ظاهر الأمر مطلق الطلب فصرف إلى الوجوب في الإيتاء بدليل آخر، أما الحديث فقد تضمن لفظة واحدة "الفطرة" استعملت في الجميع، فتعين أن تحمل على أحد الأمرين. ومن هنا أميل إلى القول باستحباب هذه الخصال، وإن كان بعضها في السنة آكد من بعض، لكن يجمعها أن يثاب على فعلها، ولا يعاقب على تركها. ولنعرض آراء العلماء وأدلتهم في كل خصلة لتوفية الموضوع حقه، فنقول وبالله التوفيق. أولا: الختان وكيفيته: في الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، وكماله أن تستوعب من أصلها، عند أول الحشفة، وأقله أن لا يبقى منها شيء متدل والعلماء يتفقون على الكيفية الكاملة، ويختلفون في أقله، فترى الماوردي يقول: وأقل ما يجزئ أن لا يبقي منها ما يتغشى به شيء من الحشفة، وإمام الحرمين يقول: حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل، وابن الصباغ يقول: حتى تنكشف جميع الحشفة، وابن كج يقول: يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة وإن قل، بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. وكيفيته في الأنثى: قطع جلدة تكون في أعلى فرجها على ثقب البول، فوق مدخل الذكر، كالنواة

стр. 791

أو كعرف الديك، وتقطع الجلدة المستعلية منه، دون استئصاله، وفي الحديث نهي عن الإنهاك والاستئصال، وأقله ما ينطلق عليه اسم الختان وإن قل. وفائدته الإنقاء من البول، فإن هذه الجلدة المغطية للحشفة تجمع بقايا البول كما أن جلدة الأنثى كذلك تغطي قدرا من النجاسة وإن كان أقل من جلدة الذكر. هذا ما يقوله جمهور العلماء، ويقول بعضهم: إن ختان الذكر يزيد من لذته في الجماع، لأن الإحساس بسطح مكشوف أتم وأقوى من الاتصال بسطح مستور، وكمال اللذة تدعو إلى كثرة الجماع، ليؤدي إلى المقصود الحقيقي منه وهو كثرة النسل، ولا يقال: إن غير المختون تنكشف حشفته عند الجماع كالمختون، فإنه مما لا شك فيه أن غير المختون لا تنكشف حشفته جميعها، لأن جلدة الختان تنطوي عند الوطء بعضها على بعض، فتشغل جزءا من الحشفة، مما يمنع كمال اللذة. أما الأنثى فإن هذه الجلدة لو بقيت لأثارتها، وهيجت شهوتها لأقل اتصال فربما قضت شهوتها سريعا قبل أن يتمكن الزوج من تمتعه، وربما كلفته ما لا يطيق بسبب شبقها، وكثرة رغبتها في قضاء وطرها، واستئصال الجلدة وإنهاكها يؤدي بالمرأة إلى ضعف شهوتها ضعفا يضر بمقصد الشارع الحكيم ومن هنا كان الأمر بالختان والنهي عن الإنهاك في قول الرسول ﷺ لأم عطية "أشهي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه (أي أكثر لماء الوجه) وأحظى عند الزوج" وفي رواية "لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة" رواه أبو داود. ولعل هذا سر إطلاق العرب على ختان الذكر إعذارا، وعلى ختان الأنثى خفضا. والله أعلم. وحكمه مختلف فيه اختلافا كبيرا، فالشافعي وجمهور أصحابه، ورواية عن أحمد وبعض المالكية يقولون: الختان واجب في حق الرجال والنساء. بل بالغ بعضهم فقال: إن من أسلم وهو شيخ وجب أن يختن وإن خيف عليه، كمن سرق يقطع وإن خيف عليه. وقالوا: من مات كبيرا قبل أن يختن ختن ميتا. وفي وجه للشافعية: لا يجب في حق النساء، وذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية إلى أنه ليس بواجب، وعن أبي حنيفة أنه واجب وليس بفرض، وعنه أنه سنة يأثم بتركه. واستدل القائلون بالوجوب بأدلة، منها: أ- أن القلفة تحبس النجاسة، فتمنع من صحة الصلاة، كمن أمسك نجاسة بفمه، ورد بأن الفم في حكم الظاهر، يسهل فتحه وإخراج ما فيه وغسله بخلاف القلفة فإنها في حكم الباطن. ب- واستدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث كليب جد عشيم بن كثير أن النبي ﷺ قال له "ألق عنك شعر الكفر واختتن" ورد بأن سند الحديث ضعيف. جـ- وقالوا: إن كشف العورة حرام، ولا يشرع إلا لواجب فلو لم يكن الختان واجبا ما أبيح له كشف العورة، ورد القاضي عياض بأن كشف العورة مباح لمصلحة الجسم، والنظر إليها يباح للمداواة، وليس ذلك واجبا إجماعا، كما رده أبو شامة بأنهم جوزوا لغاسل الميت أن يحلق عانة الميت، ولا يتأتى ذلك الغسل إلا بالنظر واللمس، وهما حرامان وقد أجيزا لأمر مستحب.

стр. 792

د- وقال بعضهم: إن الختان قطع عضو لا يستخلف من الجسد تعبدا فيكون واجبا كقطع اليد في السرقة، وتعقب بأن قطع اليد إنما أبيح في مقابلة جرم عظيم، فلم يتم القياس. هـ- وقال الماوردي: في الختان إدخال ألم عظيم على النفس، وهو لا يشرع إلا في إحدى خصال ثلاث: لمصلحة، أو عقوبة، أو وجوب، وقد انتفى الأولان، فثبت الثالث وتعقبه أبو شامة، بأن الختان فيه عدة مصالح كمريد الطهارة والنظافة، فإن القلفة من المستقذرات عند العرب، وقد كثر ذم الأقلف في أشعارهم، وكان للختان عندهم قدر، وله وليمة خاصة به، وأقر الإسلام ذلك. اهـ. وقد ذكرنا بعضا آخر من مصالحه. و- وقال الخطابي: الختان واجب لأنه من شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر حتى لو وجد مختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين وتعقبه أبو شامة بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة. وما ادعاه في المقتول مردود، لأن اليهود وكثيرا من النصارى يختتنون، فليقيد ما ذكره بالقرينة. ز- وقال البيهقي: أحسن الحجج أن يحتج بحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين مرفوعا "اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" وقد قال الله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ [النحل: ١٢٣] وصح عن ابن عباس أن الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم فأتمهن هي خصال الفطرة، ومنهن الختان والابتلاء غالبا إنما يقع بما يكون واجبا. وتعقب بأنه لا يلزم ما ذكر، إلا إن كان إبراهيم ﵇ قد فعله على سبيل الوجوب فإنه من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب، فيحصل امتثال الأمر باتباعه على وفق ما فعل، وقد قال تعالى في حق نبيه محمد ﷺ ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨] واتباعه في الأمر الواجب واجب وفي المندوب مندوب، وقد تقرر في الأصل أن أفعاله بمجردها لا تدل على الوجوب. والحق أنه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب، والمتيقن السنية والواجب الوقوف على المتيقن إلى أن يقوم ما يوجب الانتقال عنه. (فائدة) ذكر الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل أنه اختلف في النساء هل يخفضن عموما؟ أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن، ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن، بخلاف نساء المشرق؟ قال: فمن قال: إن من ولد مختونا استحب إمرار الموسى على الموضع امتثالا للأمر قال في حق المرأة كذلك، ومن لا فلا. اهـ. ذكره الحافظ في الفتح. والقائلون بإمرار الموسى على موضع الختان لمن ولد مختونا جماعة من الشافعية ويقصدون إمراره من غير جرح حفاظا على شكل الحكم. وعندي: أن الدين ليس طقوسا وأشكالا وهياكل، وإنما هو حكم ومنافع، وما لا فائدة منه لا يشرع وإلا لطلبنا إمرار المقص على أصبع من ليس له أظافر، وطلبنا ممن ليس له شعر إبط أن يحاكي من ينتفه، وهكذا لنصبح أضحوكة العقلاء، ومثار سخرية الأعداء.

стр. 793

ووقت الختان مختلف فيه كذلك. قال الماوردي: له وقتان: وقت وجوب، ووقت استحباب. فوقت الوجوب البلوغ، ووقت الاستحباب قبله، والاختيار في اليوم السابع من بعد الولادة، وقيل الاختيار من بعد يوم الولادة، فإن أخر ففي الأربعين يوما فإن أخر ففي السنة السابعة، فإن بلغ وكان نضوا نحيفا، يعلم من حاله أنه إذا اختتن تلف سقط الوجوب، ويستحب أن لا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر. وذكر القاضي حسين: أنه لا يجوز أن يختتن الصبي حتى يصير ابن عشر سنين لأنه حينئذ يوم ضربه على ترك الصلاة، وألم الختان فوق ألم الضرب فيكون أولى بالتأخير، وزيفه النووي، وقال: إنه كالمخالف للإجماع. وقال إمام الحرمين: لا يجب قبل البلوغ، لأن الصبي ليس من أهل العبادة المتعلقة بالبدن، فكيف مع الألم؟ وقال أبو الفرج السرخسي: في ختان الصبي وهو صغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ ويخشن، فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك. ونقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع لأنه فعل اليهود. وقال مالك: يحسن إذا أثغر، أي ألقى ثغره وهو مقدم أسنانه، وذلك في السبع سنين وما حولها. وقال الليث: يستحب ما بين سبع سنين إلى عشر سنين. وعن أحمد: لم أسمع فيه شيئا. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في أبواب الوليمة من كتاب النكاح في كتابه "فتح الباري" مشروعية الدعوة في الختان، وذكر عن عثمان بن أبي العاص أنه دعى إلى ختان فقال: ما كنا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ ولا ندعي له. وذكر الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل. أن السنة إظهار ختان الأنثى، والله أعلم. من فتح الباري بتصرف. ثانيا: الاستحداد، وهو "حلق العانة" الوارد في الرواية الثالثة والثامنة وهو سنة باتفاق ولم يشذ عن القول بسنته سوى القاضي أبي بكر بن العربي الذي أغرب فقال: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟ كذا قال في شرح الموطأ عن الرواية الأولى من رواياتنا. وتعقبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق، وهي النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنس فمجرد الندب إليها كاف. اهـ. وقد عبرت الروايات عن إزالة شعر العانة بالاستحداد أي إزالته بالحديدة وهي الموسى أو بالحلق، كما عبرت عن إزالة شعر الإبط بالنتف. قال العلماء: وذكر الحلق في العانة لكونه هو الأغلب، وإلا فيجوز الإزالة بالنورة (وهي نوع من الحجر يدق ويطلى به المكان) والنتف وغيرهما، قال أبو شامة: ويقوم التنور مكان الحلق، وكذلك

стр. 794

النتف والقص، وقد سئل أحمد عن أخذ العانة بالمقراض، فقال أرجو أن يجزئ. قيل: فالنتف: قال: وهل يقوى على هذا أحد؟ وقال ابن دقيق العيد: والأولى في إزالة شعر العانة الحلق اتباعا، ويجوز النتف، بخلاف الإبط فإنه بالعكس، لأنه تحتبس تحته الأبخرة بخلاف العانة، والشعر من الإبط بالنتف يضعف، وبالحلق يقوي، فجاء الحكم في كل من الموضعين بالمناسب. وقال النووي: السنة في إزالة شعر العانة الحلق بالموسى في حق الرجل والمرأة معا، وقد ثبت الحديث الصحيح عن جابر في النهي عن طروق النساء ليلا، حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة، لكن يتأدى أصل السنة بالإزالة بكل مزيل. وقال النووي في موضع آخر: والأولى في حق الرجل الحلق، وفي حق المرأة النتف. قال الحافظ ابن حجر: واستشكل بأن فيه ضررا على المرأة بالألم وعلى الزوج باسترخاء المحل، فإنه النتف يرخي المحل باتفاق الأطباء، ومن ثم قال ابن دقيق العيد: إن بعضهم مال إلى ترجيح الحلق في حق المرأة، لأن النتف يرخي المحل. قال ابن العربي: إن كانت شابة فالنتف في حقها أولى، لأنه يربو مكان النتف، وإن كانت كهلة فالأولى في حقها الحلق، لأن النتف يرخي المحل، ولو قيل: الأولى في حقها التنور مطلقا لما كان بعيدا. وحكى النووي في وجوب الإزالة عليها إذا طلب منها وجهين أصحهما الوجوب. وهناك فرق آخر بين حلق العانة ونتف الإبط، فإن نتف الإبط أو حلقه يجوز أن يتعاطاه الأجنبي، بخلاف حلق العانة فيحرم إلا في حق من يباح له المس والنظر كالزوج والزوجة. هذا والشعر الذي حول الدبر له حكم الشعر الذي حول القبل، بل قال أبو شامة: إنه من الدبر أولى، خوفا من أن يعلق شيء من الغائط، فلا يزيله المستنجي إلا بالماء، ولا يتمكن من إزالته بالاستجمار. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وما استند إليه أبو شامة قوي، بل ربما تصور الوجوب في حق من تعين ذلك في حقه، كمن لم يجد من الماء إلا القليل وأمكنه أن لو حلق الشعر أن لا يعلق به شيء من الغائط يحتاج معه إلى غسله وليس معه ماء زائد على قدر الاستنجاء. اهـ. وأغرب أبو بكر بن العربي حيث قال: وأما حلق ما حول الدبر فلا يشرع. وكذا قال الفاكهي في شرح العمدة أنه لا يجوز، ولم يذكر أي منهما للمنع مستندا. قال ابن دقيق العيد: كأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس. اهـ. ويقصد أنه لا تناوله شعر العانة الوارد في الحديث، ولكنه يمكن أن يقاس على الوارد بالطريق الأولى، لأن علوق الوسخ والرائحة به أكثر احتمالا منه في العانة، فإزالته مستحبة استحباب إزالة شعر العانة. والله أعلم. ثالثا: تقليم الأظفار: وهو سنة، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر، لأن

стр. 795

الوسخ يجتمع فيه، فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وقد يعلق بباطن الظفر الطويل نجاسة عند الاستنجاء، وأقل ما يحمل الظفر الطويل الروائح الكريهة من حك مواضع في الجسم ذات رائحة، وقد أخرج البيهقي والطبراني أن النبي ﷺ صلى صلاة فأوهم فيها [أي نسي وأسقط بعضها من تفكيره في أظافر المسلمين] فسئل فقال: "ما لي لا أوهم ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته"؟ (والرفغ بضم الراء وبفتحها مع إسكان الفاء يجمع على أرفاغ، وهي مغابن الجسد، ومناعمه وطياته كالإبط، وما بين الأنثيين والفخدين، وكل موضع يجتمع فيه الوسخ) والمعنى: أنكم لا تقلمون أظفاركم، ثم تحكون بها أرفاغكم فيتعلق به ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة. والأمر لا يحتاج إلى دليل، إذ لو شم كل إنسان أنامله عقب قص أظفاره لآمن بالدليل الحسي البديهي، لكن النساء وبعض الشباب في هذا العصر المبتلى يبالغون في إطالة أظافرهم، حتى نافسوا مخالب الطيور ومناقير النسور باسم المدنية والتقدم الكاذب، والله الهادي إلى سواء السبيل. قال الحافظ ابن حجر: ويستحب الاستقصاء في إزالة الأظفار إلى حد لا يدخل منه ضرر على الإصبع، واستحب الإمام أحمد للمسافر أن يبقي شيئا من أظفره لحاجته إلى الاستعانة به غالبا، ولم يثبت شيء من الأحاديث في ترتيب الأصابع عند القص، لكن القاعدة الشرعية التيامن في كل شيء. بل لم يرد شيء في تقديم قص أظافر اليدين على أظافر الرجلين، اللهم إلا القياس على الوضوء، ولم يثبت أيضا شيء في استحباب قص الظفر يوم الخميس، قال الحافظ ابن حجر: وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر. قال: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة. اهـ. ولعل الملحظ الشرعي التنظيف والتجمل وأخذ الزينة المطلوب لاجتماع يوم الجمعة. والله أعلم. رابعا: نتف الإبط: قال النووي: وهو سنة بالاتفاق. اهـ. وكأنه لم يعتبر مخالفة ابن العربي المتقدمة، إذ قال: إن الخصال الخمس الواردة في الحديث الأول واجبة. والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه، ويحصل أيضا بالحلق، وبالنورة، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد العلي قال: دخلت على الشافعي ﵀ وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. اهـ. قال الغزالي: وهو في الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده، قال: والحلق كاف، لأن المقصود النظافة. اهـ. ولما كان ظاهر هذه العبارة التسوية وعدم التفضيل تعقب بأن الحكمة في نتف الإبط: أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق فيه، فيتلبد ويهيج، فشرع فيه النتف الذي يضعفه، فتخف الرائحة به بخلاف الحلق، فإنه يقوي الشعر ويهيجه فتكثر الرائحة لذلك.

стр. 796

قال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل. اهـ. ومما ذكرنا في التعقب على الغزالي يتضح أن النتف مقصود من جهة المعنى، وهو معنى ظاهر لا يهمل، ثم إن مورد النص إذا احتمل معنى مناسبا يمكن أن يكون مقصودا في الحكم ينبغي أن لا يترك، ولهذا نعود إلى القول بأن النتف أفضل لمن قوي عليه. ويستحب البدء بالإبط الأيمن مستخدما أصابع اليد اليسرى، استصحابا لسنة التيامن. خامسا: قص الشارب، وقد اعتبر من الفطرة في الرواية الأولى والثانية والثالثة والثامنة، وخص بالذكر مع اللحية في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة. قال النووي في المجموع: وأما قص الشارب فمتفق على أنه سنة. اهـ. وقال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو هو. قال الحافظ ابن حجر: واحترز بذلك من وجوبه بعارض، حيث يتعين .. ثم قال: ولعل ابن دقيق العيد لم يقف على كلام ابن حزم في ذلك، فإنه قد صرح بالوجوب في ذلك وفي إعفاء اللحية. اهـ. وإذا صرفنا النظر عن رأي ابن حزم وابن العربي وجدنا العلماء يتفقون على أن قص الشارب سنة، لكنهم يختلفون في مقدار القص المستحب، أو في الحالة الفضلى. فأبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير، وقال الأثرم كان أحمد يحفي شاربه إحفاء شديدا، ونص على أنه أولى من القص. وأخرج الطبري عن عبد الله بن أبي رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق، وفي أثر آخر أن ابن عمر كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد. وهذا الفريق يسانده ظاهر ما جاء في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة بلفظ "أحفوا الشوارب" وظاهر ما جاء في الرواية السابعة بلفظ "جزوا الشوارب" وظاهر رواية البخاري ولفظها "وأنهكوا الشوارب". فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة. الفريق الثاني يرى أن الأفضل القص، قال النووي في شرح المهذب: هو مذهبنا، بل قال أشهب: سألت مالكا عمن يحفي شاربه، فقال: أرى أن يوجع ضربا، وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس، اهـ. وهذا الفريق يفسر قوله "وأحفوا الشوارب" و"جزوا الشوارب" بأن المعنى أزيلوا ما طال على الشفتين، وفسر ابن بطال النهك بالتأثير في الشيء من غير الاستئصال، ويستدلون بما رواه البيهقي عن المغيرة بن شعبة، قال "ضفت النبي ﷺ وكان شاربي وفيا فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه" وبما أخرجه البزار من حديث عائشة أن النبي ﷺ أبصر رجلا وشاربه طويل، فقال: ائتوني بمقص وسواك فجعل السواك، على طرفه، ثم أخذ ما جاوزه، وبما أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس وحسنه "كان النبي ﷺ يقص شاربه".

стр. 797

وروى أن عمر بن الخطاب كان إذا غضب فتل شاربه. ويرى هذا الفريق أن يقص الشارب حتى يبدو طرف الشفة العليا ويقولون: إن المعنى في مشروعية قص الشارب يتحقق بذلك، ففيه مخالفة المجوس والمشركين، وفيه الأمن من التشويش على الآكل، والأمن من بقاء زهومة المأكول فيه، وفيه جمال المنظر. وهناك فريق ثالث يرى تساوي الأمرين، ويترك الخيار بينهما للمسلم، ويمثله الطبري حيث حكى قول مالك، وقول أبي حنيفة وأصحابه، ونقل أقوال أهل اللغة، ثم قال: دلت السنة على الأمرين، ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت، فيتخير فيما شاء. اهـ. ويستحب أن يبدأ في قص الشارب باليمين، وهو مخير بين أن يقص ذلك بنفسه، أو يقوم به غيره، لحصول المقصود من غير هتك مروءة بخلاف الإبط، ومن غير ارتكاب حرمة بخلاف العانة. قال الحافظ ابن حجر: ومحل ارتكاب الحرمة أو هتك المروءة في العانة والإبط حيث لا ضرورة، فإن وجدت ضرورة لم يكن في الاستعانة بالغير حرمة أو هتك مروءة، أما الأخذ من الشارب فينبغي فيه التفصيل بين من يحسن أخذه بنفسه بحيث لا يتشوه، وبين من لا يحسن، فيستعين بغيره، ويلتحق به من لا يجد مرآة ينظر وجهه فيها عند أخذه. اهـ. قال النووي: ويتأدى أصل السنة بأخذ الشارب بالمقص وبغيره، وتوقف ابن دقيق العيد في قرضه بالسن، ثم قال: من نظر إلى اللفظ منع، ومن نظر إلى المعنى أجاز. اهـ. وقد سئل الإمام أحمد عمن يأخذ شيئا من شعره وأظفاره، أيدفنه، أم يلقيه؟ فقال: يدفنه. قيل له: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه، وروي أن النبي ﷺ أمر بدفن الشعر والأظفار. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث أخرجه البيهقي، وقد استحب أصحابنا دفنها؛ لكونها أجزاء من الآدمي. اهـ. وظاهر الرواية الثالثة ونصها "وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة" ظاهر هذه الرواية أن لهذه الخصال وقتا تؤدى فيه، لكن الحد النهائي للترك هو أربعون ليلة. وقد ذهب بعضهم إلى استحبابها يوم الجمعة قبل الزوال، وذهب آخرون إلى استحبابها يوم الخميس، والمعتمد أنه يستحب كيفما احتاج إليه، فينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره كلما طالت، والضابط في ذلك الاحتياج، قال النووي: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة في هذا وفي جميع الخصال المذكورة. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة، فإن المبالغة في التنظيف فيه مشروع. والله أعلم.

стр. 798

سادسا: إعفاء اللحية: وقد ورد الأمر به في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، وورد أنه من خصال الفطرة العشر في الرواية الثامنة، ولم يعد من الخمس في الرواية الأولى والثانية. وجمهور العلماء على أن إعفاء اللحية سنة، وأن حلقها مكروه، والخلاف بينهم في تفسير الإعفاء، هل المراد منه عدم التعرض لها أصلا؟ أو لا يتنافى مع الأخذ من طولها وعرضها؟ أو بعبارة أخرى: اختلفوا في الأفضل، هل هو عدم التعرض لها أو الأخذ منها؟ اختار النووي القول الأول، قال: والمختار تركها على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وكأن مراده بذلك في غير النسك، لأن الشافعي نص على استحباب الأخذ منها في النسك. اهـ. وجمهور العلماء على أنه يجوز أن يأخذ من طولها وعرضها، وحملوا النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها، وقالوا: إن الرجل لو ترك لحيته، لا يتعرض لها، حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به، واستدلوا بما أخرجه الترمذي "أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها" قال القاضي عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها. وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عمت فحسن بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره تقصيرها. اهـ. ويختلف هؤلاء في الحد الذي ينتهي إليه الأخذ منها، فبعضهم لا يرى حدا ويترك الأمر لفحش الطول وفحش التقصير، فعن الحسن البصري: يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش. وبعضهم يجعل الحد مقدار قبضة اليد، متمسكا بما روي أن ابن عمر كان يمسك بيده على لحيته، فيزيل ما شذ منها، فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة، فيأخذ ما سفل عن ذلك، ليتساوى طول لحيته. هذا ما عليه جمهور العلماء والمحققين، وشذ جماعة فقالوا بوجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها، معتمدين على الأمر بالإعفاء والإرخاء والإرجاء وجعلوه للوجوب لمخالفة المشركين والمجوس، وغالى هؤلاء الناس حتى رموا مخالفيهم بما يشبه الكفر والتشبه بالمجوس والمشركين. ونقل النووي عن الغزالي قوله: يكره في اللحية عشر خصال: (١) خضبها بالسواد لغير الجهاد. (٢) وبغير السواد إيهاما للصلاح لا لقصد الاتباع. (٣) وتبييضها استعجالا للشيخوخة لقصد التعاظم على الأقران. (٤) ونتفها إبقاء للمرودة. (٥) وكذا تحذيفها. (٦) ونتف الشيب (ورجح النووي تحريمه لثبوت الزجر عنه). (٧) وتصفيفها طاقة طاقة تصنعا ومخيلة. (٨) وترجيلها. (٩) وتركها شعثة إيهاما للزهد. (١٠) والنظر إليها إعجابا. اهـ. فوائد: (أ) قال النووي في شرح المهذب: وأما الأخذ من الحاجبين إذا طالا فلم أر فيه شيئا لأصحابنا، وينبغي أن يكره، لأنه تغيير لخلق الله لم يثبت فيه شيء فكره، وذكر بعض أصحاب أحمد أنه لا بأس به، قال: وكان أحمد يفعله.

стр. 799

(ب) قال الغزالي: يكره أن يزيد في شعر العذارين من شعر الصدغين إذا حلق. (جـ) وقال: ويكره نتف جانبي العنفقة. (د) اختار ابن عرفة جواز إزالة شعر الخدين. (هـ) استحب بعض الفضلاء قص شعر الأنف، لا نتفه. (و) قال النووي: قال أصحابنا: يستحب ترجيل الشعر ودهنه غبا، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كان له شعر فليكرمه" رواه أبو داود. سابعا: غسل البراجم قال النووي: وهي سنة مستقلة، ليست مختصة بالوضوء، أي من السنة غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف العام، ثم قال: قال العلماء: ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذنين، وهو الصماخ، فيزيله بالمسح. لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع، وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف (ويمكن أن يدخل في خصلة الاستنشاق والاستنثار الواردة ضمن خصال الفطرة) وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن بالعرق والغبار، ونحوها. اهـ. ثامنا: انتقاص الماء، وفسره الراوي بالاستنجاء، وفسره بعض العلماء بالانتضاح، بمعنى أن يأخذ قليلا من الماء فينضح به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. قال الخطابي: انتضاح الماء الاستنجاء به، فعلى هذا هو والاستنجاء خصلة واحدة، وعلى الأول هو غيره ويشهد له ما أخرجه أصحاب السنن عن سفيان بن الحكم عن أبيه، أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ: ثم أخذ حفنة من ماء، فانتضح بها، وأخرج البيهقي من طريق سعيد بن جبير أن رجلا أتى ابن عباس، فقال: إني أجد بللا إذا أصلي؟ فقال له ابن عباس: انضح بماء فإذا وجدت من ذلك شيئا فقل: هو منه. اهـ. (ملحوظة) أما السواك والمضمضة والاستنشاق فقد سبق الكلام عنها قريبا. والله أعلم. هذا ونختم هذا الموضوع بما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح، إذ قال: ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ [غافر: ٦٤] لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل: قد حسنت صوركم، فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة، وعلى التآلف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة، كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس. اهـ. والله أعلم

стр. 800

(١٢١) باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة ٤٦١ - عن سلمان ﵁ قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء. حتى الخراءة. قال، فقال: أجل. لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول. أو أن نستنجي باليمين. أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. ٤٦٢ - عن سلمان ﵁ قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم. حتى يعلمكم الخراءة. فقال: أجل. إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه. أو يستقبل القبلة. ونهي عن الروث والعظام. وقال "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار". ٤٦٣ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتمسح بعظم أو ببعر. ٤٦٤ - عن أبي أيوب ﵁؛ أن النبي ﷺ قال "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ببول ولا غائط. ولكن شرقوا أو غربوا". قال أبو أيوب: فقدمنا الشام. فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة. فننحرف عنها ونستغفر الله؟ قال: نعم. ٤٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال "إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها". ٤٦٦ - عن واسع بن حبان قال: كنت أصلي في المسجد. وعبد الله بن عمر مسند ظهره إلى القبلة. فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقي. فقال عبد الله: يقول ناس: إذا قعدت للحاجة تكون

стр. 801

لك، فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس. قال عبد الله: ولقد رقيت على ظهر بيت. فرأيت رسول الله ﷺ قاعدا على لبنتين مستقبلا بيت المقدس، لحاجته. ٤٦٧ - عن ابن عمر ﵄؛ قال: رقيت على بيت أختي حفصة. فرأيت رسول الله ﷺ قاعدا لحاجته، مستقبل الشام، مستدبر القبلة. ٤٦٨ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول. ولا يتمسح من الخلاء بيمينه. ولا يتنفس في الإناء". ٤٦٩ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه". ٤٧٠ - عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء. وأن يمس ذكره بيمينه. وأن يستطيب بيمينه. ٤٧١ - عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليحب التيمن في طهوره إذا تطهر. وفي ترجله إذا ترجل. وفي انتعاله إذا انتعل. ٤٧٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في شأنه كله. في نعليه، وترجله، وطهوره. ٤٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "اتقوا اللعانين" قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال "الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم". ٤٧٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل حائطا. وتبعه غلام معه

стр. 802

ميضأة. هو أصغرنا. فوضعها عند سدرة. فقضى رسول الله ﷺ حاجته. فخرج علينا وقد استنجى بالماء. ٤٧٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء. فأحمل أنا، وغلام نحوي، إداوة من ماء. وعنزة. فيستنجي بالماء. ٤٧٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتبرز لحاجته. فآتيه بالماء. فيتغسل به. ٤٧٧ - عن همام قال بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل تفعل هذا؟ فقال نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال الأعمش قال إبراهيم كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. ٤٧٨ - عن الأعمش في هذا الإسناد بمعنى حديث أبي معاوية غير أن في حديث عيسى وسفيان قال "فكان أصحاب عبد الله يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة" ٤٧٩ - عن حذيفة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ . فانتهى إلى سباطة قوم. فبال قائما. فتنحيت. فقال "ادنه" فدنوت حتى قمت عند عقبيه. فتوضأ، فمسح على خفيه. ٤٨٠ - عن أبي وائل قال: كان أبو موسى يشدد في البول. ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض. فقال حذيفة:

стр. 803

لوددت أن صاحبكم لا يشدد. هذا التشديد فلقد رأيتني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى. فأتى سباطة خلف حائط. فقام كما يقوم أحدكم. فبال. فانتبذت منه. فأشار إلي فجئت. فقمت عند عقبه حتى فرغ. -[المعنى العام]- كان العرب في جاهليتهم تغلب عليهم البداوة، وتتسم حياتهم بالانسياب مع الطبيعة والبساطة، يتبرز الراعي منهم خلف غنمه أو بقره أو إبله، والزارع في مزرعته، ولا يخرج من بالبلدة إلى الخلاء وتخرج النساء لحاجتها ليلا إلى الصحراء، ويتلمس الماشي في شوارعها خرابة أو مزبلة، يقضي فيها بوله، وفي جميع هذه الحالات لا يكادون يعرفون الاستنجاء بالماء، لعدم وجوده تارة ولصعوبة حمله تارة أخرى. وجاء الإسلام، دين النظافة، دين الاجتماع، دين الشعور المرهف، دين الإنسانية والحياء، لم يشأ أن يطلب إليهم بناء الكنف والمراحيض، لأنهم لم يألفوا الرائحة الكريهة في بيوتهم التي لم تكن تضم غالبا إلا حجرة واحدة، فشرع آداب قضاء الحاجة بقطع النظر عن مكانها، وعجب الكفار من محمد ﷺ وما جاء به الإسلام، فقال قائلهم لسلمان الفارسي مستهزئا "علمكم نبيكم كل شيء حتى أمور الخراءة؟ " ولم يعبأ سلمان بسخريته بل أجاب بكل فخر واعتزاز: نعم. علمنا كل شيء، حتى ما ينبغي أن نكون عليه عند قضاء الحاجة علمنا احترام القبلة وتقديسها، وتنزيهها عن أن نستقبلها أو نستدبرها ببول أو غائط، وعلمنا أن نحافظ على نظافة يميننا لطعامنا وشرابنا، وأن نجعل الشمال لاستنجائنا، ودعانا إلى النظافة والتخلص من آثار فضلاتنا، وأن نتتبع كلا من مخرج البول والغائط بثلاثة أحجار على الأقل، بل علمنا أن لا نستخدم في هذا الإنقاء العظم والروث والبعر وكل رجيع. ورغم المشقة في تنفيذ هذه التعليمات بحكم البيئة، فقد حافظ عليها المسلمون وحرصوا على القيام بها بكل عناية، حتى يوم أن قدموا الشام واضطروا إلى قضاء الحاجة بالمراحيض، ووجدوها في بنائها مستقبلات للقبلة أو مستدبرات، كان الواحد منهم ينحرف عند الجلوس عن الاستقبال والاستدبار، حتى إذا فرغ استغفر الله مما عساه يكون قد قصر فيه. ورأى بعض الغيورين على سماحة الإسلام أن في هذا تشددا لا يقصده الدين في تشريعاته فدعا إلى التيسير، وبين أن النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها ليس على سبيل الحرمة والإلزام، بل على سبيل التنزيه وعدم قصد الإهانة والتحقير، وعلى رأس هؤلاء الميسرين كان عبد الله بن عمر الذي حكى أنه صعد يوما بيت أخته حفصة، فرأى رسول الله ﷺ قد أقام حائطا قصيرا من الطوب، وأعد حفرة لبوله وغطائه هو ونساؤه ليحجبهن عن الصحراء، ووجده وقد جلس يقضي حاجته على لبنتين وقد استدبر القبلة. ولم يقف رسول الله ﷺ عندما ذكرنا من آداب قضاء الحاجة، بل نهي عن مس الذكر باليمين، وعن الاستنجاء باليمين، وعن البول قائما، وعن البول في الماء الراكد، وعن البول في طريق الناس، أو في ظلهم، وحث على الاستنجاء بالماء، وعلى التستر عند قضاء الحاجة، والابتعاد عن أعين الناس،

стр. 804

وحذر من التساهل في البول وآثاره، وشدد على التنزه منه، وبين أنه من أسباب عذاب القبر، لأن التساهل فيه يؤدي إلى نجاسة الثوب والبدن، فلا تصح معها الصلاة كما نهي في أحاديث كثيرة عن خروج الرجلين معا إلى الخلاء، وعن خروج المرأتين كذلك يكلم بعضهما بعضا على البول والغائط، وعن الأكل والشرب أو الكلام أو الذكر أثناء قضاء الحاجة، ونهي عن إدخال المصحف وكتب العلم إلى مكان قضاء الحاجة، وسن ذكرا خاصا عند الدخول، وآخر عند الخروج، اعترافا بنعمة الله وشكرا له جل شأنه على آلائه، وعلى الفضل الذي لا يحس به إلا من فقده أو أصيب فيه. وهكذا نجد الإسلام في صورته المشرقة، وآدابه الراقية، التي تصل بالإنسانية إلى أعلى الدرجات في المجتمعات الحضارية، وإلى أسمى معالم الإحساس والحياء. -[المباحث العربية]- (عن سلمان قال: قيل له) هو سلمان الفارسي ﵁، وكان الأصل أن يقول: قيل لي، لكنه جرد من نفسه شخصا حكى عنه، والقائل له أحد المشركين، كما سيأتي في الرواية الثانية. (قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة) قصد بهذا القول السخرية والاستهزاء وعدم الاستحياء، وكان من حق سلمان أن يهدد أو يؤنب أو يسكت عن جوابه إهمالا له، لكنه تجاهل قصده، ورد سهمه في نحره، وأنزله منزلة المسترشد على طريقة الأسلوب الحكيم، كأنه يقول له: إن موقف السخرية والاستهزاء لا يليق بالعقلاء، وإنه كان الأجدر بك أن تسأل على سبيل الجد والاستفهام، لأجيبك بأجل، و"حتى" حرف عطف لإفادة الغاية و"الخراءة" بكسر الخاء وتخفيف الراء اسم لهيئة الحدث، أي فعل التغوط معطوف على "كل شيء"، وأما ما يخرج من الدبر فهو بحذف التاء مع المد وفتح الخاء وكسرها. (قال: فقال: أجل) أي قال سلمان: فقال سلمان: أجل، وكان الأصل: قال: فقلت: أجل، أي نعم. علمنا كل شيء نحتاج إليه في ديننا، حتى الخراءة التي ذكرتها أيها المستهزئ، فإنه علمنا آدابها. و"أجل" بتخفيف اللام مثل "نعم" حرف جواب. قال الأخفش: هي أحسن من نعم في الخبر، و"نعم" أحسن منها في الاستفهام، وهما معا حرفا تصديق في الثبوت والنفي. (لقد نهانا أن نستقبل القبلة) اللام في جواب قسم محذوف، لتأكيد الجملة لمناسبة إنكار السائل، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف أي نهانا عن استقبال القبلة، و"أل" في القبلة للعهد، والمراد بها الكعبة. (لغائط أو بول) قال النووي: كذا ضبطه في مسلم "لغائط" باللام، وروي في غيره "بغائط" كما روي "بالغائط" بالباء واللام. والغائط كناية عن إخراج الفضلات من الدبر، وهو في الأصل المنخفض من الأرض في الفضاء، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة، لأنهم كانوا يقصدونه للتستر فيه، وعدم التعرض لكشف الثياب بفعل الريح. ثم اتسع فيه، حتى صار يطلق على الخارج المعروف من دبر الآدمي.

стр. 805

(وأن نستنجي باليمين) المصدر مجرور بحرف جر محذوف، معطوف على المصدر قبله، مسلط عليه النهي أيضا. أي ونهانا عن الاستنجاء باليد اليمنى، والاستنجاء إزالة الأذى عن المحل بالماء، مأخوذ من نجوت العود إذا قشرته، لأن فيه تقشير النجاسة وتنحيتها كما تنحى القشرة عن العود. (أو أن نستنجي برجيع أوعظم) الرجيع هو الروث والعذرة، ونبه به على كل نجس فإنه يزيد المحل نجاسة. (قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم) قال النووي: هكذا هو في الأصل. وهو صحيح، وتقديره: قال لنا قائل المشركين. أو أنه أراد واحدا من المشركين، وجمعه لكون باقيهم يوافقونه. اهـ. ومفعول "يعلمكم" الثاني محذوف، تقديره: يعلمكم كل شيء، كما جاء في الرواية الأولى. وجملة "يعلمكم" في محل المفعول الثاني لأرى على أنها علمية، والتقدير: إني أرى صاحبكم معلما إياكم كل شيء. (أو يستقبل القبلة) في الكلام حذف مفهوم من المقام، أي نهانا عن أن يستقبل أحدنا القبلة عند قضاء الحاجة. (ونهي عن الروث والعظام) في الكلام مضاف محذوف أي نهي عن استعمال الروث والعظام في الاستجمار. (وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار) "لا" نافية، والفعل "يستنجي" مرفوع، والنفي أبلغ من النهي، إذ يصور أن الفعل امتثل، وأصبح يخبر عنه. (نهى أن يتمسح بعظم أو ببعر) "البعر" بسكون العين وفتحها، وهو رجيع ذي الخف والظلف، واحدته بعرة، أما "الروث" فقد قال التيمي: إنما تكون للخيل والبغال والحمير، فالرجيع أعم من الروث والبعر. (إذا أتيتم الغائط) "أتيتم" من الإتيان، وهو المجيء، والظاهر أن المراد من "الغائط" المعنى الأصلي، أي المكان المنخفض المقصود بقضاء الحاجة. (ولا تستدبروها ببول ولا غائط) في الكلام مضاف محذوف، أي تستدبروها بإنزال بول ولا بإنزال غائط، والمراد من الغائط هنا الفضلة الخارجة. (ولكن شرقوا أو غربوا) أي اتجهوا ناحية المشرق، أو ناحية المغرب والخطاب لأهل المدينة، وقبلتهم في الجنوب، فلو اتجهوا جنوبا استقبلوا القبلة ولو اتجهوا شمالا استدبروها، ويلحق بهم من كانت قبلتهم على ذلك السمت أما من كانت قبلتهم إلى جهة المشرق أو المغرب، فإنهم لا يشرقون ولا يغربون بل يتيامنون أو يتشاءمون.

стр. 806

(فوجدنا مراحض) جمع مرحاض، وهو البيت المتخذ لقضاء الحاجة، ويقال له: الكنيف والخلاء، والمرفق، والحش مثلثة الحاء، لأنهم كانوا يقضون حاجاتهم في البساتين. (قد بنيت قبل القبلة) أي يكون الجالس فيها متجها نحو القبلة. (فننحرف عنها) أي فكنا ننحرف ونميل عن جهة القبلة قدر استطاعتنا. (ونستغفر الله) من اتجاهنا هذا الذي اضطررنا إليه، أو نستغفر الله للبانين الذين أخطئوا في وضع هذا البناء. (قال: نعم) أي قال سفيان ليحيى بن يحيى، ردا على سؤاله: نعم سمعت الزهري يذكر عن عطاء عن أبي أيوب هذا الحديث. (إذا جلس أحدكم على حاجته) ذكر الجلوس لكونه الغالب، وإلا فحكم القيام كذلك، وقوله: "على حاجته" كناية عن التبرز وإخراج الفضلات. (كنت أصلي في المسجد) أل في "المسجد" للعهد، والمراد المسجد النبوي بالمدينة. (انصرفت إليه في شقي) بكسر الشين والقاف المشددة. (ولقد رقيت على ظهر بيت) "رقيت" بكسر القاف هي اللغة الفصيحة وحكي فيها فتح القاف، مع الياء أو مع الهمزة، والمعنى صعدت، والمراد من البيت بيت أخته حفصة كما جاء في الرواية التالية. (قاعدا على لبنتين) مثنى "لبنة" بفتح اللام وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام وكسرها، وهي ما يصنع من الطين للبناء، قبل أن يحرق. (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) أصل "الخلاء" بفتح الخاء الموضع الخالي وسمي به موضع الحاجة لأنهم كانوا يقصدونه عندها، والمراد من الخلاء هنا -كما يقول النووي- الغائط وليس التقييد بالخلاء للاحتراز عن البول، بل هما سواء. اهـ. والمراد من التمسح المسح، وصيغة التفعل للتكلف، أي لا يتكلف المسح باليمين، أي لا يستنجى باليمين. (إذا دخل أحدكم الخلاء) المراد من الخلاء هنا موضع قضاء الحاجة. (فلا يمس ذكره بيمينه) يقال: مسست الشيء بالكسر، أمس مسا. هذه اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيدة: مسسته بالفتح، أمسه بالضم. (وأن يستطيب بيمينه) في القاموس: واستطاب استنجى كأطاب. اهـ. (إن كان رسول الله ﷺ ليحب التيمن) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والحال، والمراد بالتيمن البدء باليمين.

стр. 807

(وفي ترجله إذا ترجل) أي ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه، قال في المشارق: رجل شعره، إذا مشطه بماء أو دهن ليلين. اهـ. (يحب التيمن .. في نعليه) أي هيئة تنعله ولبسه نعليه. (اتقوا اللعانين) قال النووي: كذا وقع في مسلم، ووقع في رواية أبي داود "اتقوا اللاعنين" والروايتان صحيحتان، قال الخطابي: المراد باللاعنين الأمران الجالبان للعن الحاملان الناس عليه، والداعيان إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن، يعني عادة الناس لعنه، فلما صارا سببا لذلك أضيف اللعن إليهما: قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، والملاعن مواضع اللعن. اهـ. قال النووي: فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود، وأما على رواية مسلم فمعناها -والله أعلم- اتقوا فعل اللعانين، أي صاحبي اللعن، وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة. اهـ. وعندي أن رواية مسلم بمعنى رواية أبي داود، غاية الأمر أن رواية أبي داود على صيغة اسم الفاعل، ورواية مسلم على صيغة المبالغة وهي بمعنى اسم الفاعل مع إرادة الكثرة، وما قيل في توجيه رواية أبي داود يقال في توجيه رواية مسلم، والله أعلم. (دخل حائطا) أي بستانا. (وتبعه غلام) قال الخليل: الغلام هو الذي طر شاربه، وقال الزمخشري: هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن أجرى عليه بعد ما صار ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز. قالت ليلى الأخيلية في الحجاج: غلام إذا هز القناة تباهيا والمراد من الغلام هنا في الحديث أبو هريرة، وقيل: ابن مسعود، وقيل: جابر. (معه ميضأة) بكسر الميم، وهي الإناء الذي يتوضأ به، كالإبريق. (هو أصغرنا) قيل في السن، وقيل في الوصف والحال، لقرب العهد بالإسلام، والأول هو الظاهر. (فوضعها عند سدرة) أي فوضع الميضأة عند شجرة نبق. (فأحمل أنا وغلام نحوي) أي مقارب لي في السن. (إداوة من ماء) الإداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد، وقوله "من ماء" أي مملوءة من ماء. (وعنزة) بفتح العين والنون والزاي، وهي عصا طويلة، في أسفلها زج أي سنان، ويقال رمح قصير. (كان رسول الله ﷺ يتبرز لحاجته) "يتبرز" يأتي البراز بفتح الباء، وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض ليخلو لحاجته، ويتستر، ويبعد عن أعين الناظرين. قاله النووي. وقال الحافظ ابن

стр. 808

حجر: والبراز موجه لأن يطلق بكسر الباء على نفس الخارج، فمن فتح أراد الفضاء، فإن أطلقه على الخارج فهو من إطلاق اسم المحل على الحال، كما تقدم مثله في الغائط، ومن كسر أراد نفس الخارج. اهـ. (فيغتسل به) معناه: فيستنجي به، ويغسل محل الاستنجاء. (فقيل: تفعل هذا)؟ الكلام على تقدير حرف الاستفهام والمشار إليه المسح على الخفين، بدل غسل الرجلين، وسيأتي الموضوع في الباب التالي. (فانتهى إلى سباطة قوم) "السباطة" بضم السين وتخفيف الباء، وهي ملقى القمامة والتراب والكناسة، وهي المزبلة، تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها، كما تكون خارجها بجوار جدارها. والثاني هو المراد هنا، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل. (فتنحيت. فقال: أدنه) أي ابتعدت. والهاء في "أدنه" للسكت. (كان أبو موسى يشدد في البول) أي يشدد في التحذير من رشاش البول، ويشدد في كيفية التبول. (ويبول في قارورة) زيادة في التشدد والحذر. (إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض) قال القرطبي: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود، ففيها "كان إذا أصاب جسد أحدهم" لكن رواية البخاري صريحة في الملابس، إذ فيها "إذا أصاب ثوب أحدهم" والمراد من القرض هنا القطع، لا الغسل، والمقاريض جمع مقراض وهو المقص، وفائدة ذكره دفع حمل القرض على الغسل بالماء. (فانتبذت منه) أي فانتحيت جانبا بعيدا عنه. -[فقه الحديث]- تتناول هذه المجموعة النقاط التالية: ١ - حكم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط، وحكمته، وأدلته. ٢ - حكم الاستجمار بالأحجار، والاستنجاء بالماء، وكيفيته، وحكمة مشروعيته. ٣ - حكم الاستنجاء وعدم مس الذكر باليمين، وحكمته. ٤ - حكم التيامن في الأمور، وبيان ما يتناول بالشمال. ٥ - حكم التبرز في طريق الناس أو في ظلهم. ٦ - حكم البول قائما، وحكمته، وأدلته. ٧ - ما يؤخذ من الأحاديث من حكم وأحكام أخرى.

стр. 809

٨ - آداب أخرى لقاضي الحاجة لم تذكر في أحاديثنا. وهذا هو التفصيل: أولا: حكم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط، وحكمته، وأدلته: قبل الكلام على حكم استقبال القبلة أو استدبارها نوضح أن أماكن قضاء الحاجة إما صحراء خالية من ساتر، وإما صحراء مع الساتر، وإما فضاء دون ساتر داخل المدن كالأسطح والميادين، وإما بناء غير معد لقضاء الحاجة داخل المدن، وإما مرحاض معد لذلك داخل المدن أو خارجها. وقد اختلف الفقهاء في الحكم على مذاهب: الأول: تحريم استقبال القبلة، أو استدبارها ببول أو غائط مطلقا، في صحراء أو في غيرها، في بنيان أو غير بنيان، حتى المراحيض المعدة لذلك، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم، وهو مذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وهو مذهب أبي أيوب الأنصاري راوي الرواية الرابعة في مجموعة أحاديثنا. وحجتهم عموم النهي "نهانا أن نستقبل القبلة، لغائط أو بول". إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا". "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها" فهذه الأحاديث كلها تدل على العموم؛ ولم يصححوا حديث جابر، ولفظه عند أحمد "كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا هرقنا الماء؛ قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة" وادعوا الخصوصية للرسول ﷺ بالنسبة لحديث ابن عمر في روايتيه السادسة والسابعة. وقالوا: إن المنع لأجل تعظيم القبلة، وهو موجود في الصحراء والبنيان فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجود في الصحراء لأن بينها وبين الكعبة جبالا وأودية وغير ذلك. الثاني: جواز استقبال القبلة أو استدبارها بالبول والغائط مطلقا؛ وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، واعتلوا بأن الأحاديث تعارضت فليرجع إلى أصل الإباحة. واستندوا إلى حديث جابر المروي عن أحمد، وحديث ابن عمر المذكور في الروايتين السادسة والسابعة، قالوا: ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، والخصوصيات لا تثبت بالاحتمال. كما استدلوا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بلغه أن أناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبي ﷺ "أو قد فعلوها؟ حولوا بمقعدي" أي إلى القبلة. رواه أحمد في مسنده وابن ماجه. وإسناده حسن. بل قيل: إنهم ذهبوا إلى أن الأحاديث التي استند إليها الفريق الأول منسوخة بما ذكروه. الثالث: تحريم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط في الصحراء دون البنيان وهو مذهب مالك والشافعي وإسحق، وأحمد في إحدى روايتيه. واحتجوا بحديث ابن عمر، فإنه يدل على جواز استدبار القبلة في الأبنية وبحديث جابر، فإنه

стр. 810

يدل على جواز استدبار القبلة، وهو محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه، لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ ، لمبالغته في التستر، وبحديث مروان الأصفر: قال: رأيت ابن عمر ﵁ أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ فقال: بلى. إنما هي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وغيره. قال النووي: فهذه أحاديث صحيحة، مصرحة بالجواز في البنيان، وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم وردت بالنهي، فيحمل على الصحراء ليجمع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه، وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر عن هذا الرأي: هو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة، ويؤيده من جهة النظر ما قاله ابن المنبر من أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفا. اهـ. نعم ذهب بعض المالكية إلى التفرقة في البنيان، فأجازوا الاستقبال والاستدبار في المرحاض ومنعوه في غيره من المباني. واشترط بعض الشافعية وبعض المالكية لجواز الاستقبال والاستدبار في البنيان شروطا منها: أن يكون قريبا من الساتر بحيث يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها، وأن يكون الحائل مرتفعا بحيث يستر أسافل الإنسان، وإلا فهو حرام كالصحراء. إلا إذا كان في بيت بني لذلك، فلا حجر فيه كيف كان. وقال بعضهم: ولو كان في الصحراء وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، ولا فرق بين أن يكون الساتر دابة أو جدارا أو وهدة أو كثيب رمل أو جبلا فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيحل في الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم لعدمه. وبعضهم يعتبر الصحراء والبنيان مطلقا، ولا يعتبر الحائل، فيبيح في البنيان بكل حال، ويحرم في الصحراء بكل حال. الرابع: أنه لا يجوز الاستقبال في الأبنية والصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله. وحجتهم حديث ابن عمر، فإنه يدل على جواز استدبار القبلة، وحديث سلمان بروايتيه الأولى والثانية فإن النهي فيهما عن استقبال القبلة، ولا تعرض فيهما لاستدبارها. وهذه الأقوال الأربعة أو المذاهب الأربعة هي المشهورة عن العلماء ولم يحك النووي في شرح المهذب غيرها.
следующие страницы →