Полный текст (6 200 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
(فوجدنا مراحض) جمع مرحاض، وهو البيت المتخذ لقضاء الحاجة، ويقال له: الكنيف والخلاء، والمرفق، والحش مثلثة الحاء، لأنهم كانوا يقضون حاجاتهم في البساتين.
(قد بنيت قبل القبلة) أي يكون الجالس فيها متجها نحو القبلة.
(فننحرف عنها) أي فكنا ننحرف ونميل عن جهة القبلة قدر استطاعتنا.
(ونستغفر الله) من اتجاهنا هذا الذي اضطررنا إليه، أو نستغفر الله للبانين الذين أخطئوا في وضع هذا البناء.
(قال: نعم) أي قال سفيان ليحيى بن يحيى، ردا على سؤاله: نعم سمعت الزهري يذكر عن عطاء عن أبي أيوب هذا الحديث.
(إذا جلس أحدكم على حاجته) ذكر الجلوس لكونه الغالب، وإلا فحكم القيام كذلك، وقوله: "على حاجته" كناية عن التبرز وإخراج الفضلات.
(كنت أصلي في المسجد) أل في "المسجد" للعهد، والمراد المسجد النبوي بالمدينة.
(انصرفت إليه في شقي) بكسر الشين والقاف المشددة.
(ولقد رقيت على ظهر بيت) "رقيت" بكسر القاف هي اللغة الفصيحة وحكي فيها فتح القاف، مع الياء أو مع الهمزة، والمعنى صعدت، والمراد من البيت بيت أخته حفصة كما جاء في الرواية التالية.
(قاعدا على لبنتين) مثنى "لبنة" بفتح اللام وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام وكسرها، وهي ما يصنع من الطين للبناء، قبل أن يحرق.
(ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) أصل "الخلاء" بفتح الخاء الموضع الخالي وسمي به موضع الحاجة لأنهم كانوا يقصدونه عندها، والمراد من الخلاء هنا -كما يقول النووي- الغائط وليس التقييد بالخلاء للاحتراز عن البول، بل هما سواء. اهـ.
والمراد من التمسح المسح، وصيغة التفعل للتكلف، أي لا يتكلف المسح باليمين، أي لا يستنجى باليمين.
(إذا دخل أحدكم الخلاء) المراد من الخلاء هنا موضع قضاء الحاجة.
(فلا يمس ذكره بيمينه) يقال: مسست الشيء بالكسر، أمس مسا. هذه اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيدة: مسسته بالفتح، أمسه بالضم.
(وأن يستطيب بيمينه) في القاموس: واستطاب استنجى كأطاب. اهـ.
(إن كان رسول الله ﷺ ليحب التيمن) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والحال، والمراد بالتيمن البدء باليمين.
стр. 807
(وفي ترجله إذا ترجل) أي ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه، قال في المشارق: رجل شعره، إذا مشطه بماء أو دهن ليلين. اهـ.
(يحب التيمن .. في نعليه) أي هيئة تنعله ولبسه نعليه.
(اتقوا اللعانين) قال النووي: كذا وقع في مسلم، ووقع في رواية أبي داود "اتقوا اللاعنين" والروايتان صحيحتان، قال الخطابي: المراد باللاعنين الأمران الجالبان للعن الحاملان الناس عليه، والداعيان إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن، يعني عادة الناس لعنه، فلما صارا سببا لذلك أضيف اللعن إليهما: قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، والملاعن مواضع اللعن. اهـ.
قال النووي: فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود، وأما على رواية مسلم فمعناها -والله أعلم- اتقوا فعل اللعانين، أي صاحبي اللعن، وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة. اهـ.
وعندي أن رواية مسلم بمعنى رواية أبي داود، غاية الأمر أن رواية أبي داود على صيغة اسم الفاعل، ورواية مسلم على صيغة المبالغة وهي بمعنى اسم الفاعل مع إرادة الكثرة، وما قيل في توجيه رواية أبي داود يقال في توجيه رواية مسلم، والله أعلم.
(دخل حائطا) أي بستانا.
(وتبعه غلام) قال الخليل: الغلام هو الذي طر شاربه، وقال الزمخشري: هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن أجرى عليه بعد ما صار ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز. قالت ليلى الأخيلية في الحجاج:
غلام إذا هز القناة تباهيا
والمراد من الغلام هنا في الحديث أبو هريرة، وقيل: ابن مسعود، وقيل: جابر.
(معه ميضأة) بكسر الميم، وهي الإناء الذي يتوضأ به، كالإبريق.
(هو أصغرنا) قيل في السن، وقيل في الوصف والحال، لقرب العهد بالإسلام، والأول هو الظاهر.
(فوضعها عند سدرة) أي فوضع الميضأة عند شجرة نبق.
(فأحمل أنا وغلام نحوي) أي مقارب لي في السن.
(إداوة من ماء) الإداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد، وقوله "من ماء" أي مملوءة من ماء.
(وعنزة) بفتح العين والنون والزاي، وهي عصا طويلة، في أسفلها زج أي سنان، ويقال رمح قصير.
(كان رسول الله ﷺ يتبرز لحاجته) "يتبرز" يأتي البراز بفتح الباء، وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض ليخلو لحاجته، ويتستر، ويبعد عن أعين الناظرين. قاله النووي. وقال الحافظ ابن
стр. 808
حجر: والبراز موجه لأن يطلق بكسر الباء على نفس الخارج، فمن فتح أراد الفضاء، فإن أطلقه على الخارج فهو من إطلاق اسم المحل على الحال، كما تقدم مثله في الغائط، ومن كسر أراد نفس الخارج. اهـ.
(فيغتسل به) معناه: فيستنجي به، ويغسل محل الاستنجاء.
(فقيل: تفعل هذا)؟ الكلام على تقدير حرف الاستفهام والمشار إليه المسح على الخفين، بدل غسل الرجلين، وسيأتي الموضوع في الباب التالي.
(فانتهى إلى سباطة قوم) "السباطة" بضم السين وتخفيف الباء، وهي ملقى القمامة والتراب والكناسة، وهي المزبلة، تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها، كما تكون خارجها بجوار جدارها. والثاني هو المراد هنا، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل.
(فتنحيت. فقال: أدنه) أي ابتعدت. والهاء في "أدنه" للسكت.
(كان أبو موسى يشدد في البول) أي يشدد في التحذير من رشاش البول، ويشدد في كيفية التبول.
(ويبول في قارورة) زيادة في التشدد والحذر.
(إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض) قال القرطبي: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود، ففيها "كان إذا أصاب جسد أحدهم" لكن رواية البخاري صريحة في الملابس، إذ فيها "إذا أصاب ثوب أحدهم" والمراد من القرض هنا القطع، لا الغسل، والمقاريض جمع مقراض وهو المقص، وفائدة ذكره دفع حمل القرض على الغسل بالماء.
(فانتبذت منه) أي فانتحيت جانبا بعيدا عنه.
-[فقه الحديث]-
تتناول هذه المجموعة النقاط التالية:
١ - حكم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط، وحكمته، وأدلته.
٢ - حكم الاستجمار بالأحجار، والاستنجاء بالماء، وكيفيته، وحكمة مشروعيته.
٣ - حكم الاستنجاء وعدم مس الذكر باليمين، وحكمته.
٤ - حكم التيامن في الأمور، وبيان ما يتناول بالشمال.
٥ - حكم التبرز في طريق الناس أو في ظلهم.
٦ - حكم البول قائما، وحكمته، وأدلته.
٧ - ما يؤخذ من الأحاديث من حكم وأحكام أخرى.
стр. 809
٨ - آداب أخرى لقاضي الحاجة لم تذكر في أحاديثنا.
وهذا هو التفصيل:
أولا: حكم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط، وحكمته، وأدلته: قبل الكلام على حكم استقبال القبلة أو استدبارها نوضح أن أماكن قضاء الحاجة إما صحراء خالية من ساتر، وإما صحراء مع الساتر، وإما فضاء دون ساتر داخل المدن كالأسطح والميادين، وإما بناء غير معد لقضاء الحاجة داخل المدن، وإما مرحاض معد لذلك داخل المدن أو خارجها.
وقد اختلف الفقهاء في الحكم على مذاهب:
الأول: تحريم استقبال القبلة، أو استدبارها ببول أو غائط مطلقا، في صحراء أو في غيرها، في بنيان أو غير بنيان، حتى المراحيض المعدة لذلك، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم، وهو مذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وهو مذهب أبي أيوب الأنصاري راوي الرواية الرابعة في مجموعة أحاديثنا.
وحجتهم عموم النهي "نهانا أن نستقبل القبلة، لغائط أو بول". إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا". "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها" فهذه الأحاديث كلها تدل على العموم؛ ولم يصححوا حديث جابر، ولفظه عند أحمد "كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا هرقنا الماء؛ قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة" وادعوا الخصوصية للرسول ﷺ بالنسبة لحديث ابن عمر في روايتيه السادسة والسابعة.
وقالوا: إن المنع لأجل تعظيم القبلة، وهو موجود في الصحراء والبنيان فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجود في الصحراء لأن بينها وبين الكعبة جبالا وأودية وغير ذلك.
الثاني: جواز استقبال القبلة أو استدبارها بالبول والغائط مطلقا؛ وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، واعتلوا بأن الأحاديث تعارضت فليرجع إلى أصل الإباحة.
واستندوا إلى حديث جابر المروي عن أحمد، وحديث ابن عمر المذكور في الروايتين السادسة والسابعة، قالوا: ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، والخصوصيات لا تثبت بالاحتمال. كما استدلوا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بلغه أن أناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبي ﷺ "أو قد فعلوها؟ حولوا بمقعدي" أي إلى القبلة. رواه أحمد في مسنده وابن ماجه. وإسناده حسن.
بل قيل: إنهم ذهبوا إلى أن الأحاديث التي استند إليها الفريق الأول منسوخة بما ذكروه.
الثالث: تحريم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط في الصحراء دون البنيان وهو مذهب مالك والشافعي وإسحق، وأحمد في إحدى روايتيه.
واحتجوا بحديث ابن عمر، فإنه يدل على جواز استدبار القبلة في الأبنية وبحديث جابر، فإنه
стр. 810
يدل على جواز استدبار القبلة، وهو محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه، لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ ، لمبالغته في التستر، وبحديث مروان الأصفر: قال: رأيت ابن عمر ﵁ أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ فقال: بلى. إنما هي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وغيره.
قال النووي: فهذه أحاديث صحيحة، مصرحة بالجواز في البنيان، وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم وردت بالنهي، فيحمل على الصحراء ليجمع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه، وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر عن هذا الرأي: هو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة، ويؤيده من جهة النظر ما قاله ابن المنبر من أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفا. اهـ.
نعم ذهب بعض المالكية إلى التفرقة في البنيان، فأجازوا الاستقبال والاستدبار في المرحاض ومنعوه في غيره من المباني.
واشترط بعض الشافعية وبعض المالكية لجواز الاستقبال والاستدبار في البنيان شروطا منها: أن يكون قريبا من الساتر بحيث يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها، وأن يكون الحائل مرتفعا بحيث يستر أسافل الإنسان، وإلا فهو حرام كالصحراء. إلا إذا كان في بيت بني لذلك، فلا حجر فيه كيف كان.
وقال بعضهم: ولو كان في الصحراء وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، ولا فرق بين أن يكون الساتر دابة أو جدارا أو وهدة أو كثيب رمل أو جبلا فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيحل في الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم لعدمه.
وبعضهم يعتبر الصحراء والبنيان مطلقا، ولا يعتبر الحائل، فيبيح في البنيان بكل حال، ويحرم في الصحراء بكل حال.
الرابع: أنه لا يجوز الاستقبال في الأبنية والصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله. وحجتهم حديث ابن عمر، فإنه يدل على جواز استدبار القبلة، وحديث سلمان بروايتيه الأولى والثانية فإن النهي فيهما عن استقبال القبلة، ولا تعرض فيهما لاستدبارها.
وهذه الأقوال الأربعة أو المذاهب الأربعة هي المشهورة عن العلماء ولم يحك النووي في شرح المهذب غيرها.
стр. 811
قال الحافظ ابن حجر: وفي المسألة ثلاثة مذاهب أخرى، منها:
١ - جواز الاستدبار في البنيان فقط، وهو قول أبي يوسف.
٢ - وتحريم الاستقبال والاستدبار للقبلة ولبيت المقدس، وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين عملا بحديث معقل الأسدي "نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط" رواه أبو داود وغيره، وضعفه الحافظ ابن حجر، ثم قال: وقد ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة قال: وفيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين. اهـ.
٣ - وقالت المذاهب غير المشهورة إن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا، لعموم قوله: "شرقوا أو غربوا" قاله أبو عوانة صاحب المزني. اهـ.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أوضح المراد باستقبال القبلة واستدبارها هل هو عين الكعبة أو وجهتها؟ فأنقل ما ذكره العيني عن بعضهم أنه قال: البيت قبلة لمن في المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لسائر أهل الأرض. اهـ.
لكن ظاهر الحديث أن المقصود الجهة، لأن النبي ﷺ أباح لهم قضاء الحاجة في جهة المشرق والمغرب، فيكون معناه أن لا قبلة ما بينهما، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "ما بين المشرق والمغرب قبلة" قاله بالنسبة لأهل المدينة، وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة.
والرأي عندي -بعد هذا العرض الواضح لمذاهب العلماء- أن قصد استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط حرام، سواء كان بالصحراء أو بالمرحاض في جوف المدينة، وأما مع عدم القصد فليس حراما ولو كان في الصحراء، والسين والتاء في "استقبل" و"استدبر" للطلب، فطلب كونها قبل وجهه، أو طلب كونها خلف دبره هو المحرم، لما في ذلك من إهانة ما يجب تعظيمه، نعم الأولى عند عدم القصد اجتناب الاستقبال والاستدبار حيث أمكن وحيث خطر بالبال، كما أن الأولى لمن يبني مكانا لقضاء الحاجة أن يجعل وضعه في غير استقبال أو استدبار، خروجا من الخلاف، ورفعا لتوهم المتوهمين، وما يقال في القبلة يقال في المصحف الكريم، وفي القبر النبوي الشريف.
وأعتقد أن النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط قصد منه تعظيم القبلة وتقديسها في نفوس المسلمين، وصيانتها عن قصدها بالخبائث، وإلا فكيف نفهم استقبالها بالغائط، وهو ينزل من أعلى إلى أسفل، ولا يوصف بمواجهة ولا استدبار، ولا بيمين أو يسار.
ولا يقال: إننا نصونها عن استقبالها بالقبل والدبر، لأنه إن أريد مع الساتر فإننا نستقبل بهما الحجر الأسود في الطواف وليس علينا إلا الإزار، وإن أريد مع الكشف فإن من قال بالحرمة لم يمنع الاغتسال عريانا مستقبل القبلة، بل قال: إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز. قاله النووي في شرح مسلم،
стр. 812
ثم قال: ويجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود الظاهري، واختلف فيه أصحاب مالك، فجوزه ابن القاسم، وكرهه ابن حبيب، والصواب الجواز. اهـ.
إذن الهدف الإسلامي للتوجه نحو الكعبة في الأمور المحمودة، كالدعاء والاستغفار وقراءة القرآن، وعدم قصدها في الأحوال المستقبحة كالبول والغائط وممارسة سائر النجاسات. والله أعلم.
ثانيا: حكم الاستجمار بالأحجار، والاستنجاء بالماء، وكيفيته، وحكمة مشروعيته:
أما عن الاستنجاء بالأحجار فتقول الرواية الأولى "لقد نهانا ... أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم" وتقول الرواية الثانية "ونهى عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار"
وظاهر هاتين الروايتين أن الثلاثة شرط وإن حصل الإنقاء بواحدة، وبهذا قال الشافعية والحنابلة وإسحق وأبو ثور، وتؤيدهم أحاديث أخرى صحيحة ففي البخاري عن ابن مسعود "فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار" وعن أبي هريرة "ولا يستنجى بدون ثلاثة أحجار" وعن عائشة قال رسول الله ﷺ "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن" رواه ابن ماجه وأحمد.
وقالوا: لابد في الاستنجاء بالأحجار من إزالة عين النجاسة واستيفاء ثلاث مسحات فلو مسح مرة أو مرتين فزالت عين النجاسة وجب مسحة ثالثة. وقالوا: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظا، وعلم الإنقاء فيه معنى، دل على إيجاب الأمرين.
وقالوا: ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، ومسح بكل حرف مسحة أجزأه، لأنه حينئذ يقوم مقام ثلاثة أحجار في عدد المسحات، وإن كانت الأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف، وللقبل ثلاثة أحجار، وللدبر ثلاثة أحجار، إذا حصل الإنقاء بها، فإن لم يحصل الإنقاء بها وجب رابع، فإن حصل الإنقاء به استحب الإيتار بخامس، وهكذا يجب الإنقاء مهما زاد ويستحب الإيتار لحديث "ومن استجمر فليوتر".
وذهب المالكية والحنفية إلى أن الشرط الإنقاء فقط، ولو حصل بحجر واحد ومسحة واحدة أجزأ، وقالوا: إن الأحاديث المذكورة محمولة على الندب مبالغة في الإنقاء، لأن الثلاثة أكثر ما تستعمل غالبا، وقلما تكفي الواحدة.
وقالوا: إن أحاديث الأمر بثلاثة أحجار متروكة الظاهر عند المستدلين بها لأنهم يجيزون حجرا واحدا بثلاثة أحرف.
واستدلوا بحديث البخاري عن عبد الله بن مسعود، وفيه "فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت
стр. 813
حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا ركس".
قالوا: فقوله: "فأخذ الحجرين" دليل على الاكتفاء بهما، لأنه لو كان الثالث شرطا لطلب الثالث، فحيث لم يطلب دل على كفاية ما أخذ.
ورده الحافظ ابن حجر، قال: لقد ثبت فيما رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود أنه ﷺ طلب الحجر الثالث، وفيه "فألقى الروثة وقال: إنها ركس، إيتني بحجر" قال: ورجاله ثقات. على أنه يحتمل أن يكون قد اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث.
وأرى أن الخلاف هين، حيث إن الكل مجمع على شرط الإنقاء، وعلى طلب الثلاثة مع الإنقاء بواحد، لكن على سبيل الندب أو على سبيل الوجوب؟ الأمر هين، ولهذا قال بعض الشافعية بما ذهب إليه المالكية والحنفية، وقال بعض المالكية والحنفية بما ذهب إليه الشافعية، والله أعلم.
هذا وقد تمسك داود بلفظ الأحجار، وقال: لا يجزئ غيرها، وذهب العلماء كافة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعينا، بل تقوم الخرق والخشب وغير ذلك مقامه، وأن المعنى فيه كونه مزيلا، وهذا يحصل بغير الحجر: نعم اشترطوا في الخرقة أن تكون صفيقة، لا ينفذ بلل جانب إلى الجانب الآخر وإنما قال ﷺ "ثلاثة أحجار" لكونها الغالب المتيسر، فلا يكون له مفهوم: فهو من قبيل تعليق الحكم على الاسم، وهو لا يدل على نفيه عن غيره عند أكثر الأصوليين، وتعليق الحكم على الاسم هو المسمى بمفهوم اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة.
ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه ﷺ عن العظام والبعر والرجيع ولو كان الحجر متعينا لنهي عما سواه مطلقا.
قال الشافعية: والذي يقوم مقام الحجر كل جامد، طاهر، مزيل للعين، ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان؛ فخرج بالجامد الرطب والمبتل من حجر أو ثوب، لأنه وإن قلع الجرم فليس بغسل ولا مسح، وخرج بالطاهر النجس والمتنجس، فإنه يزيد المحل نجاسة وخرج بمزيل العين الزجاج، فإنه ينشر النجس ولا يزيله، وخرج بما ليس له حرمة، حيطان المساجد، وأوراق كتب العلم وخرج بما ليس جزءا من حيوان اليد وغيرها.
وزاد بعضهم أن لا يكون مطعوما ليخرج مأكول الإنسان والحيوان، وأن لا يكون ذا سرف ليخرج الذهب والفضة والآلئ.
وقد ورد في الرواية الأولى والثانية النهي عن الاستنجاء بالعظام، قال القاضي عياض: لأن العظام طعام، إذ يؤكل في الشدائد؛ ويمشش الرخو منه وقيل: لأنه لا يخلو من بقية دسم، وجوز بعض الشافعية الاستنجاء بالعظم إن كان طاهرا لا زهومة فيه، لحصول المقصود.
قال النووي: ولا فرق في النجس بين المائع والجامد، فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه،
стр. 814
ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء، ولا يجزئه الحجر، لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات، فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك، إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها، وقيل: إن الاستنجاء الأول يجزئه مع المعصية.
وقد ذكر الحديث الرابع عشر من مجموعتنا استنجاء الرسول ﷺ بالماء، وفيه "فقضى حاجته، فخرج علينا، وقد استنجى بالماء" وفي الحديث الخامس عشر "فيستنجى بالماء" وفي الحديث السادس عشر "يتبرز لحاجته، فآتيه بالماء، فيغتسل به".
قال النووي: يؤخذ من هذه الأحاديث جواز الاستنجاء بالماء، واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر. قال: وقد اختلف الناس في هذه المسألة فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة، وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه. فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر، لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية، وأما الحجر فلا يطهره، وإنما يخفف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها. اهـ.
واستحب بعضهم الأحجار، وكره الاستنجاء بالماء. فقد روى ابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه سئل عن الاستنجاء بالماء. فقال: إذا لا يزال في يدي نتن. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء، وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله. وممن ذكر عنه إنكار الماء سعد بن أبي وقاص. وقال عطاء: غسل الدبر محدث. وقال سعيد بن المسيب في الاستنجاء بالماء: إنه وضوء النساء.
واختلف النقل عن مالك وابن حبيب، فبينما يذكر ابن حجر أن ابن التين نقل عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم. نجد الأبي يقول: قال مالك وابن حبيب: إن استعمال الأحجار ترك. ويقول ابن حبيب، ولا نجيزه اليوم. ولا نفتي به إلا لمن عدم الماء، وقال: إنما اقتصروا على الأحجار لأنهم كانوا يبعرون بعيدا [أي فلا يجدون الماء] ثم قال الأبي: اختلف في قول مالك وابن حبيب هذا، فقال اللخمي: هو الحق؛ لأن أحاديث الأحجار إنما جاءت في السفر، وقد تكون لعذر. قال: والأصل في إزالة النجاسة الماء، والصلاة أولى ما احتيط لها وحمل الباجي قولهما على الندب. قال: وإلا فهو خلاف الإجماع. اهـ.
وأعجب من هذا الخلاف الخلاف في حكم الاستنجاء من أساسه، فالشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحق وأبو داود ومالك في رواية علي أنه واجب وشرط في صحة الصلاة، وروي عن مالك أنه من باب إزالة النجاسة، وإزالتها عنده سنة. وحكى عنه عبد الوهاب أنها واجبة. قال الأبي المالكي: وعلى القول بوجوبها عندنا قيل: إنها شرط في صحة الصلاة، يعيد تاركها أبدا، وقيل: شرط مع الذكر دون النسيان، وقيل: واجبة دون شرط. اهـ.
стр. 815
ومن قال بأنه غير شرط في صحة الصلاة استدل بما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" وقالوا: إنه كدم البراغيث، لأنه نجاسة لا تجب إزالة أثرها، فكذا عينيها لا يجب إزالتها بالماء فلا يجب بغيره، وقال المزني: لأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني، ولا يخفى أن استدلالهم بالحديث غير تام، لأنه مع ضعفه مراد برفع الحرج فيه -رفع الحرج في ترك الإيتار- وليس المراد ترك أصل الاستنجاء، بل قيل: إنه في استعمال الجمر والبخور وليس في الاستنجاء، ولا يخفى أن هذا المذهب بعيد عن نظافة الإسلام، بعيد كل البعد عن الصواب. والله أعلم.
ثالثا: حكم الاستنجاء ومس الذكر باليمين، وحكمته: وقد صرحت الأحاديث بالنهي عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر باليمين، ففي الحديث الأول "نهانا أن نستنجي باليمين" وفي الثاني "نهانا أن يستنجى أحدنا بيمينه" وفي الثامن "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه" وفي التاسع "إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه" وفي العاشر "نهى أن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه".
وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور، والقرينة الصارفة له عن التحريم أن ذلك أدب من الآداب، وذهب أهل الظاهر إلى أنه للتحريم، وقالوا من استنجى بيمينه أساء ولم يجزئه، وقال بعضهم: يجزئ مع الإساءة، وفي كلام جماعة من الشافعية ما يشعر به، لكن النووي صرف إشارتهم إلى الكراهة فقال: مراد من قال منهم: لا يجوز الاستنجاء باليمين أي لا يكون مباحا يستوى طرفاه، بل هو مكروه، راجح الترك.
ومحل هذا الخلاف إذا كانت اليد اليمنى تباشر الاستنجاء بالماء أو بالأحجار، أما إذا باشرت المسح بنفسها فحرام غير مجزئ بلا خلاف -كما تقدم- واليسرى في ذلك كاليمنى.
وقد أثار الخطابي بحثا حاصله: أن المستجمر متى استجمر بيسراه مس ذكره بيمينه، ومتى أمسك بيسراه استجمر بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، فماذا يعمل؟ وأجاب عن هذا بأن قصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض، ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره، فلا يكون متصرفا في شيء من ذلك بيمينه. اهـ.
وهذا الجواب -فضلا عن الهيئة المنكرة التي يصفها، والتي يتعذر فعلها في غالب الأوقات- يتنافى مع واقع الرسول ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم، فلم يؤثر عن أحد منهم مثل هذا الفعل، بل كانوا يستجمرون بالأحجار بسهولة ويسر.
وأجاب الطيبي عن إشكال الخطابي، بأن النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر والنهي عن المس مختص بالذكر، قال: فبطل الإيراد من أصله. اهـ. يقصد استجمار الدبر باليسار. ويمسك ذكره بيساره ويستجمر بيمينه.
ورده الحافظ ابن حجر، فقال: ما ادعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان
стр. 816
مختصا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خص. ثم قال: والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي في "الوسيط" والبغوي في "التهذيب" أنه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه، وهي قارة غير متحركة، فلا يعد مستجمرا باليمين ولا ماسا بها، ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرا بيمينه فقد غلط وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حالة الاستنجاء. اهـ.
وأرى أن الكل يعقد الصورة من غير موجب: فكل من الدبر والذكر سهل الاستجمار بالحجر بالشمال من غير إمساك بإمرار الحجر على مخرج الغائط والبول، فالملازمة التي ذكرها الخطابي غير لازمة، ولو استدعى الأمر إمساك الذكر لسبب من الأسباب فليمسك بحائل، على أن النهي للتنزيه، بل وقع في العتبية عن مالك عدم الكراهة، وذكر العلماء للحكمة، أنها كون اليمين معدة للأكل بها، فلو تعاطى ذلك بها لأمكن أن يتذكره عند الأكل، فيتأذى بذلك وأنه من قبيل إكرام اليمنى، وصيانتها عن الأقذار، وذكر العلماء لهذه الحكمة يوحى بأن التعقيد هنا لا موجب له، وخصوصا أنه لم يقل أحد بمنع معاونة اليمين للشمال في غسل الدم وغيره من النجاسات في غير الاستنجاء، فإن قيل: إن المنع خاص بالقبل والدبر قلنا: إن الظاهرية أنفسهم الذين حملوا النهي على التحريم يجيزون مس المرأة فرجها وذكر زوجها بيمينها، واستدل ابن أبي جمرة على إباحة مس الذكر في غير الاستنجاء بقوله ﷺ لطلق بن علي، حين سأله عن مس ذكره "إنما هو بضعة منك" وحمل العلماء المطلق في الحديث العاشر "نهى أن يمس ذكره بيمينه" على المقيد بحالة الاستنجاء ليبيحوه في غير الاستنجاء، وإن خالف في ذلك بعضهم، ومنع مس الذكر في الاستنجاء وغيره، مدعيا أنه نهي عنه مع مظنة الحاجة فيكون منهيا عنه في غيرها من باب أولى.
ولو قلنا إن الموضوع كله للتنزيه وللكمال والأفضل لم نبعد، فقد روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من الأذى" وفي الحلية عن عثمان ﵁ "ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ ".
رابعا: حكم التيامن في الأمور، وبيان ما يتناول بالشمال: ولا يتعارض النهي عن الاستنجاء باليمين مع الحديث الثاني عشر ونصه "عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يحب اليمن في شأنه كله، في نعليه وترجله وطهوره" فإن عموم شأنه مخصص بما تقدم فيه الشمال. قال الحافظ ابن حجر: "في شأنه كله" متعلق بيحب، لا بالتيمن، أي يحب في شأنه كله التيمن، أي لا يترك ذلك سفرا ولا حضرا، ولا في فراغه ولا شغله. اهـ.
قال الأبي: والضابط أن الفعل إن استعملت فيه الجارحتان قدمت اليمين في فعل الراجح، والشمال في فعل المرجوح، فيبدأ باليمين في دخول المسجد وبالشمال في
стр. 817
الخروج منه، واستعمال الجارحتين على هذا النحو إنما هو إن تيسر، فإن شق ترك، كالركوب، فإن البداءة بوضع اليسرى في الركوب أيسر وأسهل، وإن كان مما تستعمل فيه إحداهما خصت اليمين بالراجح، والشمال بالمرجوح، فيأكل بيمينه، ويتناول من الغير بيمينه، ويستنجي ويمتخط بشماله. اهـ.
وقال النووي: هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده، كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها. ثم قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه، وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة.
قال الحافظ ابن حجر: وقد استدل بالحديث على استحباب الصلاة عن يمين الإمام، وفي ميمنة المسجد. اهـ.
وقال القاضي عياض: وسبب محبته ﷺ اليمين التبرك باسم اليمين، وقيل: لأنه كان يحب الفأل الحسن، إذ أصحاب اليمين أهل الجنة. والله أعلم.
خامسا: حكم التبرز في طريق الناس أو في ظلهم: أما التبرز في طريق الناس أو في ظلهم فقد جاءت عبارة النهي عنه بلفظ "التخلي" وهو يشمل التبرز والتبول، إذ التخلي هو التفرد لقضاء الحاجة من بول أو غائط، لكن النووي فسره بالتغوط فقط، ولعل وجهه أن التضرر في الغائط محقق بخلاف البول، فقد لا يحصل به التضرر، لكن بقاء الحديث على إطلاقه أولى، لما يجلبه البول وخاصة إذا تكرر في موضع واحد من روائح شديدة الكراهة وأمراض يصعب تجنبها، وإلى هذا التعميم يذهب أكثر العلماء، نعم يؤيد النووي ما رواه أبو داود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" فكأن النووي حمل العام على بعض أفراده، أو حمل المطلق على المقيد، لكن إسناد الحكم لفرد لا يمنع من إسناده لآخر ضمن اللفظ العام.
والمراد من الطريق كل موضع يمر به الناس ويطرقونه ويسلكونه غالبا وليست الطرق المهجورة، ولا الطرق الخاصة المملوكة، لأن إضافته للناس تفيد الشيوع، والمنفعة العامة.
والمراد من "ظلهم" مستظلهم الذي اتخذوه مقيلا ومناخا، ينزلونه ويقعدون فيه، فيخرج عن ذلك ظل الشجرة التي لا تتخذ لذلك لبعدها عن الناس، فقد روي أن النبي ﷺ قعد لحاجته تحت حائش من النخل، أي تحت نخل ملتف مجتمع، كما يخرج عن ذلك الظل المملوك للشخص، فإن صاحبه لا يدخل في النهي، ويحرم على غير صاحبه بدون إذنه اتفاقا.
وحكم التبرز في طريق الناس أو ظلهم الحرمة كما ذهب النووي والرافعي بل قال
стр. 818
الذهبي: إنه من الكبائر، وعده الحافظ ابن حجر في كتابه "الزواجر" من الكبائر، لأنه ﷺ جعل هذا الفعل سببا للعن فاعله، وفعل موجب اللعن كبيرة، كلاعن والديه عن طريق لعن رجل آخر، فيلعن هذا الآخر والديه. وقال بعض العلماء: إنه مكروه. والرأي عندي أن حكمه يختلف باختلاف الطرق والظلال، وموقع البراز منها، ودرجة التضرر من هذا الفعل القبيح، وأقل ما فيه الكراهة. والله أعلم.
سادسا: حكم البول قائما، وحكمته، وأدلته: أما البول قائما فإن الحديث الثامن عشر والتاسع عشر ظاهرهما إباحته، ففيهما "فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما "و" فأتى سباطة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، فبال".
وهذا الحديث ذكره حذيفة ردا على تشدد أبي موسى في البول، إذ رأى رجلا يبول قائما. فقال: ويحك. أفلا قاعدا، ثم ذكر قصة بني إسرائيل. فلما بلغ حذيفة روى هذا الحديث كدليل على أن التشديد مخالف للسنة.
والباحث في هذه المسألة يجد الصحابة والسلف الصالح أمامها فريقين كما يجد لكل فريق وجهة نظره ودليله.
الفريق الأول: فمن فريق أبي موسى نجد أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: "ما بال قائما منذ أنزل عليه القرآن" وتقول: "من حدثكم أنه كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا" رواه أحمد والترمذي والنسائي وآخرون، قال النووي: وإسناده جيد.
ونجد مجاهدا يقول: ما فعله إلا مرة واحدة.
ونجد ابن مسعود يقول: البول قائما من الجفاء.
ونجد إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائما.
ونجد جمهور العلماء من الخلف يقولون بكراهة البول قائما. كراهة تنزيه. ويذكرون أن ابن ماجه حكى عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائما. فلما بال رسول الله ﷺ جالسا قالوا: انظروا إليه. يبول كما تبول المرأة. فكان رسول الله ﷺ يخالفهم في ذلك، فيقعد، لكونه أستر، وأبعد عن نجاسة البول ورذاذه.
ويجيب هذا الفريق عن حديث حذيفة بعدة أجوبة منها:
١ - ما ذكره ابن حبان في سبب قيامه. حيث قال: لأنه لم يجد مكانا يصلح للقعود. فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله.
٢ - وقيل: لأن السباطة كانت رخوة، فخشي لو قعد أن يتخللها البول فيرتد إليه منه شيء.
٣ - وقيل: لعل السباطة كانت نجسة رطبة؛ فخاف إن جلس أن تصيب ثيابه.
٤ - وقيل: إنما بال قائما لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت. فعل ذلك لكونه كان قريبا من الديار، وفي ذلك يقول عمر: البول قائما أحسن للدبر.
стр. 819
٥ - وقيل: إن العرب كانت تستشفى لوجع الصلب بالبول قائما. فربما كان به ﷺ وجع الصلب إذ ذاك.
الفريق الثاني: ومن فريق حذيفة: عمر، وابنه، وعلي، وأنس، وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة. نقل ابن المنذر أنهم بالوا قياما. وقال ابن المنذر. البول جالسا أحب إلي، وقائما مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله ﷺ .
ونجد في المدونة: لا بأس بالبول قائما، حيث لا يتطاير، وإلا كره. بل استدل مالك بحديث حذيفة على الرخصة في مثل رءوس الإبر من البول. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأنه ﷺ في تلك الحالة لم يصل إلى بدنه منه شيء. اهـ.
وأجاب هذا الفريق عن حديث عائشة بأنه مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة، ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء.
وأمام هذه الأدلة والتوجيهات أرى أن القيام والقعود عند البول ليس هدفا للشرع، لذاته، وأنه يخضع للظروف، ظروف المتبول وظروف المكان، والهدف الأساسي البعد عن الرذاذ وإصابة النجاسة، والتستر عن الغير، وسهولة الأداء والاستبراء. والله أعلم.
سابعا:
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - يؤخذ من الحديث الأول: صبر الصحابة وحكمتهم إزاء ما لا قوة من عنت المشركين واستهزائهم وقلة حيائهم.
٢ - بذاءة لسان المشركين، وتصريحهم بما تستهجنه الأسماع "كالخراءة".
٣ - طهارة لسان المسلمين، وصيانته عن الرد بالمثل.
٤ - ومن الحديث الرابع: أخذ ابن التين المنع من استقبال الشمس والقمر بالبول والغائط، قياسا على المنع من استقبال القبلة. قال العيني: وفي هذا القياس نظر.
٥ - ورع أبي أيوب واستغفاره من غير ذنب، وخوفه من التقصير مع انحرافه عن القبلة.
٦ - ومن الحديث الخامس وغيره: استحباب الكناية بالحاجة والخلاء عن البول والغائط.
٧ - ومن الحديث السادس: جواز الجلوس في المسجد مع إسناد الظهر للقبلة.
٨ - وفيه دليل على أن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في معاني السنة، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع.
٩ - وفيه حرص الصحابة على تتبع أحوال النبي ﷺ كلها، ونقلها، وأنها كلها أحكام شرعية.
١٠ - جواز رؤية الشيء الممنوع، قصدا لغرض مشروع. فقد قيل: لعل ابن عمر قصد أن يرى النبي ﷺ وهو في تلك الحالة، ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد، وينقل ما شاهد. قاله الكرماني. وقيل: إن رؤية ابن عمر وقعت اتفاقا من غير قصد لذلك،
стр. 820
فنقل ما رآه، لأنه لا يجوز له أن يقصد الرؤية في تلك الحالة، كما لا يجوز أن يتعمد الشهود النظر إلى الزنا، فإن وقعت أبصارهم عليه تحملوا الشهادة، وهذا الأخير هو المناسب لأدب ابن عمر وفقهه وورعه.
١١ - ومن الحديث الثامن: النهي عن التنفس في الإناء، وهو نهي أدب وتنزيه، فإنه إن فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق، فيخالط الماء، فيعافه الشارب، وربما يتأثر برائحة فمه، إذا كانت متغيرة، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم إنه يعد من فعل الدواب، إذا كرعت في الأواني جرعت ثم تنفست فيها، ثم عادت فشربت، وإنما السنة أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفسا من الإناء نحاه عن فمه، ثم عاد، مصا له غير عب، إلى أن يأخذ ريه منه، والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب، وأبعد عن الشره وأخف للمعدة، والنهي المذكور ليس خاصا بشرب الماء، بل غيره مثله وكذلك النفخ في الطعام والشراب، فقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أنه ﷺ نهى عن النفخ في الشرب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: اهرقها. قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: "فأين القدح إذن عن فيك".
١٢ - جواز الشرب من نفس واحد، لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفا للنهي، وكرهه جماعة؛ محتجين بما رواه الترمذي "لا تشربوا واحدا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم" ولا شك أن هذا أفضل أدبا وصحة، وإن جاز الشرب من نفس واحد.
١٣ - ومن الحديث الثالث عشر: حرص الإسلام على شعور الناس، وعدم إيذائهم ونظافة الأماكن العامة، بتحريم التخلي في طريق الناس وظلهم.
١٤ - ومن الحديث الرابع عشر: من قوله "دخل حائطا" استحباب التباعد -لقضاء الحاجة- عن الناس، والاستتار عن أعين الناظرين.
١٥ - ومن الحديث الخامس عشر: استحباب استصحاب عصا ونحوها عند المشي في الخلاء، وخصوصا في الليل، للتوكؤ عليها، وللحماية مما يعرض من هوام الأرض.
١٦ - ومن الحديث الثامن عشر: جواز البول قرب الديار ومن قوله "فتنحيت" استحباب الإعراض عن قاضي الحاجة والبعد عن مكانه، قال بعض العلماء: إنما يستحب هذا عند الغائط أو البول قاعدا، أما عند البول قائما فلا. والحديث أصل في ذلك، وقد جاء في بعض الآثار "كان إذا بال لم يبعد، ولم يبعد الناس عنه، بل أدنى حذيفة منه حين بال قائما، وفي مراسيل عطاء: "أنه بال جالسا، فدنا رجل منه، فقال: تنح عني، فإن كل بائلة نفيح".
١٧ - لكن ظاهر الأحاديث التنحي والإبعاد عن قاضي الحاجة أيا كانت.
١٨ - وجواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه ليستره.
١٩ - وفيه استحباب التستر، ولو كانت الحاجة بولا.
٢٠ - استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجته.
стр. 821
٢١ - خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك.
٢٢ - ومن وقوف حذيفة خلف النبي ﷺ دفع أشد المفسدتين بأخفهما والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معا.
٢٣ - مدى تشدد أبي موسى، وخوفه من آثار البول، وأنه كان يبول في قارورة خشية أن يصيبه رذاذ البول، وقد روى أبو داود والنسائي، كان للنبي ﷺ قدح من عيدان [أي من النخل الطويل] تحت سريره، يبول فيه بالليل".
٢٤ - رحمة الله بالأمة الإسلامية، ورفع الحرج عنهم والتيسير عليهم في العبادة حيث جعل طهارة النجاسة الغسل بالماء، بينما كتب على بني إسرائيل إذا أصاب ثوب أحدهم بول أن يقص من الثوب ما لاقى النجاسة.
ثامنا: ولقضاء الحاجة آداب أخرى. نذكر منها
١ - أنه يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة، ويكره إدخال كتب الحديث، وكتب العلم، وكل ما فيه ذكر اسم الله تعالى؛ فقد أخرج ابن حبان والحاكم والنسائي عن أنس قال: "كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه" وروى الحاكم أن رسول الله ﷺ لبس خاتما: نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه له" ومحل هذا ما لم يخش على المتروك خارجا الضياع.
٢ - أنه يحرم على الرجلين أن يخرجا للخلاء معا، وأن يكشفا أنفسهما متجاورين، فقد أخرج ابن السكن وابن القطان من حديث جابر بلفظ "إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثا" وروى أبو داود وأحمد وابن ماجه عن أبي سعيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفين عذرتهما، يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك" والمرأتان في حكم الرجلين، وأقبح منهما الرجل والمرأة.
٣ - أنه يشرع الإبعاد والاستتار للتخلي في الفضاء، فقد روى ابن ماجه عن جابر قال "خرجنا مع النبي ﷺ في سفر، فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى" ولأبي داود "كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد".
ولا يشرع التسليم على قاضي الحاجة، ويكره رده السلام، وسيأتي توضيحه في باب التيمم -حيث وضع الإمام مسلم حديثه، وسنتكلم عنه في المأخذ الخامس والثلاثين ويسن الذكر بعد قضاء الحاجة.
والله أعلم
стр. 822
(١٢٢) باب المسح على الخفين
٤٨١ - عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ أنه خرج لحاجته. فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء. فصب عليه حين فرغ من حاجته. فتوضأ ومسح على الخفين. وفي رواية ابن رمح (مكان "حين"، "حتى").
٤٨٢ - وعن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد وقال: "فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ثم مسح على الخفين".
٤٨٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة. إذ نزل فقضى حاجته. ثم جاء فصببت عليه من إداوة كانت معي. فتوضأ ومسح على خفيه.
٤٨٤ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر. فقال "يا مغيرة! خذ الإداوة" فأخذتها. ثم خرجت معه. فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني. فقضى حاجته. ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين. فذهب يخرج يده من كمها فضاقت عليه. فأخرج يده من أسفلها فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة. ثم مسح على خفيه ثم صلى.
٤٨٥ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ليقضي حاجته. فلما رجع تلقيته بالإداوة. فصببت عليه فغسل يديه. ثم غسل وجهه. ثم ذهب ليغسل ذراعيه فضاقت الجبة فأخرجهما من تحت الجبة. فغسلهما. ومسح رأسه ومسح على خفيه ثم صلى بنا.
стр. 823
٤٨٦ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير. فقال لي "أمعك ماء؟ " قلت: نعم. فنزل عن راحلته. فمشي حتى توارى في سواد الليل. ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة. فغسل وجهه. وعليه جبة من صوف. فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها. حتى أخرجهما من أسفل الجبة. فغسل ذراعيه. ومسح برأسه. ثم أهويت لأنزع خفيه فقال "دعهما. فإني أدخلتهما طاهرتين" ومسح عليهما.
٤٨٧ - عن عروة بن المغيرة ﵁ عن أبيه أنه وضأ النبي ﷺ . فتوضأ ومسح على خفيه. فقال له فقال "إني أدخلتهما طاهرتين".
٤٨٨ - عن عروة بن المغيرة بن شعبة ﵁ عن أبيه ﵁ قال: تخلف رسول الله ﷺ وتخلفت معه. فلما قضى حاجته قال "أمعك ماء؟ " فأتيته بمطهرة. فغسل كفيه ووجهه. ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة. فأخرج يده من تحت الجبة. وألقى الجبة على منكبيه وغسل ذراعيه. ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه. ثم ركب وركبت. فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة. يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي ﷺ ذهب يتأخر. فأومأ إليه. فصلى بهم. فلما سلم قام النبي ﷺ وقمت. فركعنا الركعة التي سبقتنا.
٤٨٩ - عن المغيرة ﵁ أن النبي ﷺ مسح على الخفين، ومقدم رأسه، وعلى عمامته.
٤٩٠ - عن ابن المغيرة بن شعبة ﵁ عن أبيه ﵁ قال بكر وقد سمعت من ابن المغيرة أن النبي ﷺ توضأ. فمسح بناصيته. وعلى العمامة. وعلى الخفين.
стр. 824
٤٩١ - عن بلال ﵁ أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار.
٤٩٢ - عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين. فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله. فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ . فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر. ويوما وليلة للمقيم.
٤٩٣ - عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين. فقالت ائت عليا. فإنه أعلم بذلك مني. فأتيت عليا. فذكر عن النبي ﷺ بمثله.
٤٩٤ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁؛ أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد. ومسح على خفيه. فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه. قال "عمدا صنعته يا عمر".
-[المعنى العام]-
كان المسلمون منذ بزغ نور الإسلام في كفاح وجهاد، ما آبوا من سرية إلا استعدوا لأخرى، وما رجعوا من غزوة إلا وتأهبوا لغزوة. في عشر سنين خرج النبي ﷺ بنفسه في سبع وعشرين غزوة، وأرسل بعوثا وسرايا بلغت ستا وخمسين أو تزيد، قطعوا مئات الأميال شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ركبانا تارة، ومشاة تارات، لبسوا خفافا ونعالا تصون أقدامهم من الغوص في الرمال والتآكل فوق صخور الجبال، وتحميها من أشواك الصحراء وحصائها وتقيها حرها وبردها، كانوا يستريحون وهي في أقدامهم، وينامون بها في ليلهم، لا يخشون تلويث فراش، أو تمزيق غطاء، فما أبسط فراشهم وغطاءهم.
ومن هنا راعت الشريعة السمحة ظروفهم، وقدرت قلة مائهم، فرخصت لهم المسح على الخفين
стр. 825
بدل غسل الرجلين في الوضوء يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، وليس في هذا التيسير تنقيص للنظافة فالشرط أن يلبسوا خفافهم بعد غسل أقدامهم وطهارتها، وأن لا يخلعوها مدة المسح، فإن خلعوها وجب غسل الأقدام.
ونزلت آية المائدة بفرائض الوضوء قبل وفاة الرسول ﷺ بعام أو بعض عام، وظن البعض أن المسح على الخفين قد انتهى بنزولها، وأن ظروف المشقة بالخلع قد ضاق نطاقها لكن الرسول ﷺ مسح بعدها حضرا وسفرا، ليثبت أن منحة الله للأمة مستمرة، وأن الرخصة باقية، فهذا جرير بن عبد الله الذي أسلم بعد نزول آية المائدة يروي عن النبي ﷺ أنه مسح على خفيه في الحضر، وهذا المغير بن شعبة يروي أنه ﷺ مسح في السفر، وهذا علي يروي أنه ﷺ جعل مدة المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، وهذا عمر ﵁ يروي أن النبي ﷺ مسح على الخفين يوم الفتح.
أما جرير ﵁ فقد قضى حاجته ثم استجمر ثم توضأ حتى بلغ غسل رجليه، فلم يخلع خفيه، بل مسح عليهما، فقيل له: تمسح على الخفين في الحضر ومع كثرة الماء؟ قال: نعم رأيت رسول الله ﷺ يفعل هذا في الحضر ومع وجود الماء الكثير.
أما المغيرة بن شعبة ﵁ فيحكي أنه كان في صحبة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفي الليل والجيش يسير قال ﷺ : يا مغيرة أمعك ماء؟ قال: نعم. قال: انزل به معي، فأوقفا دابتيهما، ونزلا وتخلفا عن القوم، وانحرفا عن الطريق إلى الصحراء ووقف المغيرة، وانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عنه، ثم قضى حاجته، واستجمر بالأحجار، ثم رجع، فتلقاه المغيرة في سواد الليل فقال له: أمعك الماء؟ قال: نعم. فجلس ومد يديه، فصب المغيرة عليهما من فم الإداوة الضيق فغسل كفيه، ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه، ثم شرع يكشف كمه عن ذراعه، فضاقت ولم ينكشف الذراع، فخلع الكمين، وألقى بهما على كتفيه، وأخرج يديه من أسفل الجبة، فغسل يديه إلى المرفقين، ثم مسح بمقدم رأسه بناصيته، وكمل المسح على عمامته، ثم أقبل نحو رجليه، فأسرع المغيرة إليهما يخلع خفيه، فقال ﷺ : دعهما، فإني لبستهما على طهارة، ثم ركب وركب المغيرة، فأدركا القوم، في صلاة الفجر، يصلي بهم إماما عبد الرحمن بن عوف فلما أحسوا به ﷺ أسفوا إذ لم ينتظروه، وانزعجوا، وأخذوا في التسبيح ينبهون إمامهم، فتأخر عبد الرحمن بن عوف يقدم رسول الله ﷺ بعد أن صلى بهم ركعة، فأشار إليه ﷺ أن يستمر في إمامته، وأن يكمل الصلاة، وصلى خلفه، فلما سلم الإمام قام رسول الله ﷺ وقام المغيرة فصليا الركعة التي سبقتهما، ثم سلما.
وأما علي -كرم الله وجهه- فقد جاء شريح بن هانئ بعد أن سأل عائشة ﵂ عن حكم المسح على الخفين، فقالت له: عليك بابن أبي طالب، فاسأله، فإنه أعلم بذلك مني، لأنه كان يصاحب رسول الله ﷺ كثيرا في السفر، فسأل عليا. فقال له: نعم. حدد رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما وليلة، يمسح فيها ما لم ينزع.
стр. 826
وأما عمر ﵁ فقد رأى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يتوضأ ويمسح على خفيه، ثم يصلي بهذا الوضوء صلوات، فقال: يا رسول الله صليت اليوم صلوات بوضوء واحد، ولم تكن تفعله من قبل؟ فقال ﷺ : فعلت ذلك عمدا لتعلموا أنه جائز، وإن كان الأفضل تجديد الوضوء لكل صلاة.
-[المباحث العربية]-
(أنه خرج لحاجته) أي لقضاء حاجته، كناية عن التبرز والتبول.
(فاتبعه المغيرة بإداوة) "اتبع" من الاتباع، بتشديد التاء، وروي "فأتبعه" بالهمزة مع سكون التاء و"الإداوة" والركوة والمطهرة والميضأة بمعنى متقارب. إناء الوضوء. قاله النووي.
(فصب عليه حين فرغ من حاجته) مفعول "صب" محذوف للعلم به، والمعنى: بعد رجوعه من قضاء حاجته، وانتقاله ﷺ إلى موضع آخر صب المغيرة الماء عليه في وضوئه، وفي رواية لمسلم "فصب عليه حتى فرغ من حاجته" قال النووي: لعل معناها فصب عليه في وضوئه حتى فرغ من الوضوء، فيكون المراد بالحاجة الوضوء، وقد جاء في الرواية الأخرى مبينا أن صبه عليه كان بعد رجوعه من قضاء الحاجة. اهـ.
(فتوضأ ومسح على الخفين) من عطف الجزء على الكل، إذ المسح على الخفين جزء الوضوء، ففيه مجاز المشارفة.
(فغسل وجهه ويديه إلخ) هذه الفاء تفصيلية.
(بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة إذ نزل) "بين" ظرف زمان، والألف للإطلاق، وهي منصوبة بمعنى المفاجأة في "إذ" والتقدير، فاجأني بنزوله ﷺ وقت وجودي معه.
(كنت مع النبي ﷺ في سفر) في رواية أبي داود أنه كان في غزوة تبوك.
(فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم مسح على خفيه) أي توضأ وضوءه للصلاة فيما عدا غسل الرجلين فمسح على الخفين بدل غسلهما، إذ لا قائل بالجمع بين غسل الرجلين والمسح على الخفين.
(ثم أهويت لأنزع خفيه) أي مددت يدي. قال الجوهري: يقال: أهوى إليه بيديه ليأخذه، وقال التيمي: أهويت أي قصدت الهوى من القيام.
(فقال: دعهما) أي دع الخفين لا تنزعهما، "دع" فعل أمر معناه اترك، وهو من الأفعال التي أماتوا ماضيها.
(فإني أدخلتهما طاهرتين) أي أدخلت الرجلين طاهرتين فيهما، فالضمير يعود على الرجلين المفهومين من المقام.
стр. 827
(ومسح عليهما) أي على الخفين.
(فقال له ... فقال إني أدخلتهما طاهرتين) مقول المغيرة محذوف في هذه الرواية، لكن في رواية أبي داود عن المغيرة "فقلت يا رسول الله أنسيت؟ قال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ".
(تخلف النبي ﷺ وتخلفت معه) أي عن القافلة والجيش، والمراد من التخلف التأخر القليل.
(فأتيته بمطهرة) بكسر الميم وسكون الطاء أداة الطهارة، وهي إناء الوضوء.
(ثم ذهب يحسر عن ذراعيه) "يحسر" بفتح الياء وكسر السين، أي يكشف، والمفعول محذوف، أي يحسر الجبة عن ذراعيه.
(فركعنا الركعة التي سبقتنا) قال النووي كذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول بفتح السين والباء والقاف، وبعدها مثناة من فوق ساكنة، أي وجدت قبل حضورنا. اهـ.
(مسح على الخفين والخمار) يعني بالخمار العمامة، لأنها تخمر الرأس، أي تغطيه.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر الكلام في النقاط الآتية:
١ - آراء العلماء في مشروعية المسح على الخفين بدل غسل الرجلين في الوضوء وأدلتهم.
٢ - التحديد الشرعي للخف وما يقوم مقامه.
٣ - الحالة المطلوبة للبسه، وكيفية المسح عليه.
٤ - آراء العلماء في مدة المسح، وما يبطله، وأدلتهم.
٥ - ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل:
أولا: آراء العلماء في مشروعية المسح على الخفين في الوضوء وأدلتهم: قال النووي في شرح مسلم: أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر، سواء كان لحاجة، أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها، وللزمن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم، وقد روي عن مالك -رحمة الله تعالى- روايات فيه، والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير، وقد روي المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة. قال
стр. 828
الحسن البصري -رحمه الله تعالى: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. اهـ.
ولإيضاح ما أشار إليه النووي من رأي الشيعة والخوارج والرواية عن مالك نقول:
ذهب الشيعة والخوارج وأبو بكر بن داود الظاهري إلى أنه لا يجزئ المسح عن غسل الرجلين، واستدلوا بآية المائدة ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] وبقوله ﷺ لمن علمه "واغسل رجلك" ولم يذكر المسح على الخفين، وقوله ﷺ "ويل للأعقاب من النار".
قالوا: والأخبار بمسح الخفين [كأحاديثنا] منسوخة بآية المائدة.
وأجاب الجمهور عن شبههم بأنه قد ثبت المسح عنه ﷺ بعد نزول آية المائدة، فحديثنا الأول عن جرير بيان عما بعد نزول الآية، ففي أبي داود "فقال جرير لما سئل: هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها؟ قال: ما أسلمت إلا بعد المائدة".
فإن قدح الشيعة في جرير بأنه فارق عليا، فترد روايته. قلنا: إنه لم يفارقه، وإنما احتبس عنه بعد إرساله إلى معاوية لأعذار، وعلى فرض أنه فارق عليا فقد نقل الإجماع من طرق أكابر أئمة الآل وأتباعهم على قبول رواية الصحابة قبل الفتنة وبعدها، فالتخلص من مشروعية المسح بالقدح في هذا الصحابي الجليل مناف لما عليه سائر علماء الإسلام. على أن حديث المغيرة بن شعبة كان عن غزوة تبوك -كما قرره الحافظ ابن حجر، وغزوة تبوك متأخرة بالاتفاق عن آية المائدة. فالقول بنسخ آية المائدة للمسح مردود.
أما استدلالهم بالأمر بغسل الرجلين في الحديث فليس فيه قصر، فهو في حالة عدم لبس الخف، وأما حديث "ويل للأعقاب من النار" فهو وعيد لمن مسح رجليه ولم يغسلهما ولم يرد في المسح على الخفين.
فآية المائدة عامة مطلقا باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه، فتكون أحاديث الخفين مخصصة أو مقيدة، ولا نسخ.
أما الإمام مالك فقد تضاربت الروايات في النقل عنه، وفي تفسير هذا المنقول، ففي الأبي [المسح على الخفين في الحضر والسفر أجازه مالك مرة، ومنعه مرة، وأجازه مرة في السفر دون الحضر، ورواية المنع شاذة أنكرها أكثر أصحابه، وأظن صيغتها أنه قال "لا أمسح" فإن كانت هكذا فهو شيء أخذ به في نفسه، وإن كان لفظ الرواية يقتضي المنع فهو لأنه قدم الآية على الحديث، وروي عنه ما ينحو إلى ذلك، قال "إنما هي أحاديث وكتاب الله أحق أن يتبع" وقال القاضي عياض: في النوادر من طريق ابن وهب قال مالك: "لا أمسح في سفر ولا حضر" وهي في المبسوط بنص أجلي، قال ابن نافع: قال لي عند موته: المسح في السفر والحضر يقين لا شك فيه، ولكني كنت آخذ في نفسي بالطهور، فمن مسح فلا أراه مقصرا. وقال ابن العربي: رواية
стр. 829
المنع نقلها عن مالك وهم لأنه لم ينكر المسح، وإنما قال: أقام ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ بالمدينة حياتهم، ولم ير أحدكم مسح. اهـ.
هذا ما قيل عن الإمام مالك، ومنه يتبين أن المشهور من مذهبه -كما يقول النووي- هو مذهب الجمهور، والمعروف المستقر عن المالكية الآن قولان: الجواز مطلقا، والجواز للمسافر دون المقيم.
أما ما نسب إلى عائشة من أنها لم تر المسح، وأنها توقفت عن القول به وأحالت السائل إلى الإمام علي -كرم الله وجهه- فهو خطأ، فإن تحويل السائل معلل في الحديث بأنه أعلم منها في هذه المسألة لكثرة سفره مع رسول الله ﷺ فكأن كل ما عندها ضعف العلم أو عدم العلم على الأكثر، وهذا لا يثبت به نفي، خصوصا وقد أجاب علي -كرم الله وجهه- بالإثبات.
وما نسب إلى ابن عمر من أنه أنكر المسح على الخفين ثبت أنه رجع عنه، فقد روى أحمد والبخاري واللفظ لأحمد عن ابن عمر قال: "رأيت سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه بالعراق حين توضأ. فأنكرت ذلك عليه، فلما اجتمعنا عند عمر، قال لي سعد: سل أباك، فسألت عمر عن ذلك، فقال: نعم. إذا حدثك سعد عن النبي ﷺ شيئا فلا تسأل عنه غيره".
ومن هنا نقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره فقد روى عنه إثباته.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: روي عن النبي ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة، وذكر أبو القاسم بن معدة أسماء من رواه في تذكرته فكانوا ثمانين صحابيا. اهـ.
وإذا كانت أحاديثنا -فيما عدا الأول- في المسح في السفر، فإن الحديث الأول نص في الموضوع، وفي المسح في الحضر، ولهذا يقول النووي: روينا في سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير، وعن أبي حنيفة "أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين، لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر" وقال العيني: لا ينكره إلا المبتدع الضال. والله أعلم.
وبعد أن ثبتت مشروعية المسح نرى العلماء يختلفون في الأفضل في الوضوء. هل المسح على الخفين أفضل؟ أو غسل الرجلين أفضل؟ فالشافعية والحنفية والمالكية على أن الغسل أفضل، لكونه الأصل، وهو قول جماعة من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري.
قال النووي: صرح جمع من الأصحاب بأن الغسل أفضل، بشرط ألا يترك المسح رغبة عن السنة. اهـ.
стр. 830
وذهب جماعة منهم الشعبي والحاكم وحماد، وأحمد في أصح الروايتين عنه إلى أن المسح أفضل، قال ابن المنذر: والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه. اهـ.
وذهب جماعة إلى أن المسح والغسل سواء.
هذا: ولو أخذنا بعين الاعتبار حكمة مشروعية المسح على الخفين، وهي أن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نزعه، فألحق بالجبيرة، كما يقول الشافعية، وأخذنا بعين الاعتبار أن الأصل الغسل، والمسح فرع، وأن الغسل متفق عليه، والمسح مختلف فيه ولو كان الاختلاف تافها، وأن الغسل هو عامة فعل النبي ﷺ ، وأن القصد في هذا الباب إثبات وقوع المسح منه ﷺ ومشروعيته، لو أخذنا كل هذا بعين الاعتبار ما جازت المفاضلة بين الغسل والمسح، ولكان القول واحدا لا تردد فيه، وهو أن الغسل أفضل والمسح جائز. والله أعلم.
ثانيا: ولتحديد مفهوم الخف أو ما يقوم مقامه نعرض إلى ما كان معروفا عند العرب مما يلبس في القدمين فقد كانوا يعرفون الخف والنعل والجورب والجرموق.
أما الخف فقد كان من جلد غالبا، وهو نظير "الحذاء" في زماننا، ويغطي الجزء المفروض غسله من الرجلين في الوضوء، وفي معناه ما كان من اللبود و "الكاوتشوك" و"البلاستيك" والمعجونات الصناعية المشهورة في زماننا.
وشرط المسح عليه أن يكون سليما، فإن كان ممزقا في مكان الفرض بحكم القدم أو بالصناعة لم يجز المسح عليه عند الحنابلة والصحيح من مذهب الشافعية، وعن أبي ثور جواز المسح على جميع الخفاف، وعن الأوزاعي إن ظهرت طائفة من رجله مسح، وإن كان كثيرا لم يجز المسح، وعن أبي حنيفة وأصحابه: إن كان الخرق قدر ثلاثة أصابع لم يجز المسح، وإن كان دونه جاز وعن الحسن البصري: إن ظهر الأكثر من أصابعه لم يجز، قال ابن المنذر: وبقول الثوري أقول، لظاهر إباحة رسول الله ﷺ المسح على الخفين قولا عاما، فيدخل فيه جميع الخفاف. اهـ. وهو قول حسن.
أما النعل، وهو يشبه إلى حد ما المعروف في مصر باسم "الصندل" أو نوعا من "الشباشب" وصورته -كما كانت عند العرب- مسطح من الجلد، ترتكز عليه القدم يجعل في وسطه سير يكون على ظهر القدم قريبا من الساق، ويسمى هذا السير بالقبال، ولبعض النعال قبالان، أحدهما يكون بين الإبهام والتي تليها والآخر يكون بين الوسطى والتي تليها، ويجتمع السيران إلى السير الذي على ظهر القدم.
قال ابن العربي: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيره [من أحذية كاسية ونحوها] لما في أرضهم من الطين، وكانت نعله ﷺ ليس فيها شعر، ولها قبالان.
وكل ما ورد في المسح على النعلين ما رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة "أن رسول
стр. 831
الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين" وليس فيه دليل على جواز المسح على النعلين. ولا خلاف بين العلماء في عدم جواز المسح على النعلين وحدهما، إنما الخلاف في المسح عليهما مع الجوربين.
واختلفت صفة الجورب باختلاف اصطلاح أهل الجهات العربية الأولى فبعضهم يطلقه على ما يصنع من قطن أو كتان أو صوف على هيئة الخف ويلبس بديله في البيوت أو في الأماكن النظيفة، التي يقل المشي فيها، وبعضهم يطلقه على خف يلبس فوق الخف إلى الكعب للبرد، ولصيانة الخف الأسفل من الدرن والغسالة، وبعضهم يطلقه على ما يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. وهو بهذا المعنى الأخير هو المستعمل في أكثر بلاد العالم، ويصنع من أنسجة مختلفة وهو الذي سنبني عليه الحكم الفقهي، فقد ذهبت الحنفية وأحمد وإسحاق والثوري، وابن المبارك إلى جواز المسح على الجوربين سواء أكانا مجلدين [أي موضوع في أسفلهما جلد] أم منعلين [أي ملبوسين داخل نعلين] أم ثخينين [والثخين ما يثبت على الساق من غير ربط، ويمكن تتابع المشي عليه، ولا يرى ما تحته] وذهبت المالكية إلى جواز المسح عليهما بشرط أن يكونا مجلدين من أعلاهما وأسفلهما.
واختلفت أقوال الشافعية، فبعضهم اشترط كونه مجلدا أو منعلا، وبعضهم اشترط كونه صفيقا، يمكن متابعة المشي فيه. قال النووي: والصواب ما ذكره جماعات من المحققين أنه إن أمكن متابعة المشي فيه جاز كيف كان، وإلا فلا. اهـ.
قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وعمر بن الخطاب، وابن عباس ﵃. اهـ.
أما الأثر المروي عن علي بن أبي طالب، فقد أخرجه البيهقي عن كعب بن عبد الله قال: رأيت عليا بال، فمسح على جوربيه ونعليه، ثم قام يصلي، وأما أثر ابن مسعود فرواه عبد الرزاق عن إبراهيم أن ابن مسعود كان يمسح على خفيه وعلى جوربيه، وأما أثر البراء بن عازب فرواه عبد الرزاق أيضا عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه، وأثر عمر رواه ابن أبي شيبة أن عمر توضأ ومسح على جوربيه ونعليه.
وهكذا نجد آثار المسح على الجوربين غير قوية، وكلها تقريبا تجمع بين الجوربين والنعلين، ولو قيل: إن العمدة في جواز المسح على الجوربين القياس على الخفين، إذ لا يوجد فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه لكان أولى من الاستدلال بهذه الآثار. والله أعلم.
وأما الجرموق فهو خف كبير يلبس فوق الخف، والمسح عليه جائز عند أبي حنيفة وأحمد، بشرط صلاحيته للمسح، ولبسه قبل المسح على الخف وقبل الحدث، وعند المالكية يصح المسح على
стр. 832
الجرموق بشرط أن يكون من جلد، وأن يلبسه مع الخف على طهارة كاملة، وعند الشافعية في جواز المسح عليه قولان.
وقد روى أبو داود أن عبد الرحمن بن عوف سأل بلالا عن وضوء رسول الله ﷺ فقال: كان يخرج يقضي حاجته، فآتيه بالماء، فيتوضأ، ويمسح على عمامته وموقيه. [وهما تثنيه "موق" وهو الخف -فارسي معرب- وفي المحكم: هو ضرب من الخفاف عربي صحيح. وقال ابن العربي في شرح الترمذي: الخف جلد مبطن مخروز يستر القدم كلها والموق جلد مخروز لا بطانة له، وقال الخطابي: هو خف قصير الساق، وقال الجوهري: هو ما يلبس فوق الخف، ويقال له: الجرموق]. والله أعلم.
ثالثا: الحالة المطلوبة للبسه، وكيفية المسح عليه: وأما عن الحالة المطلوبة للبسه فتقول الرواية الخامسة والسادسة "فإني أدخلتهما طاهرتين" ومن هذه العبارة أخذ أن المسح على الخفين لا يجوز إلا إذا لبسهما على طهارة كاملة، قال النووي: بأن يفرغ من الوضوء بكماله، ثم يلبسهما، لأن حقيقة إدخالهما طاهرتين أن تكون كل واحدة منهما أدخلت وهي طاهرة، قال: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فمذهبنا أن يشترط لبسهما على طهارة كاملة، حتى لو غسل رجله اليمنى، ثم لبس خفها، وغسل اليسرى، ثم لبس خفها لم يصح لبس اليمنى، فلا بد من نزعها، وإعادة لبسها، ولا يحتاج إلى نزع اليسرى. لكونها ألبست بعد كمال الطهارة.
وهذا هو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، قال أبو حنيفة وسفيان الثوري والمزني وأبو ثور: يجوز اللبس على حدث، ثم يكمل طهارته. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: والحديث حجة عليهم، لأنه جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطا لجواز المسح، والمعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط. اهـ.
وحمل داود الطهارة في قوله: "فإني أدخلتهما طاهرتين" على طهارة القدمين من النجاسة، فلو لبسهما على حدث، وكانتا طاهرتين من النجاسة جاز المسح عليهما.
واشترط الفقهاء للمسح على الخفين أن يكون في الحدث الأصغر، فلا مسح في الجنابة والحيض والنفاس، وأن تكون الطهارة مائية لا ترابية، فلو تيمم ثم لبسهما، لم يبح له المسح، لأن التيمم مبيح، لا رافع، وأن يكون الخف طاهرا، لا نجسا، فلا مسح على خف من جلد خنزير أو جلد لم يدبغ، وأن لا يكون عاصيا بلبسه، كمحرم بحج أو عمرة، ولم يضطر للبسه، شرطه المالكية وللشافعية فيه خلاف.
والواجب في المسح أقل جزء من أعلى الخف، عند الشافعية، وقال أبو حنيفة: يجب مسح قدر ثلاث أصابع، وقال أحمد: يجب مسح أكثر ظاهره، وعن مالك مسح جميعه ويستحب أن يمسح أعلاه وأسفله، فيغمس يديه في الماء، ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه، ولو اقتصر على مسح
стр. 833
الأسفل لم يجزئ عند الجمهور، إذ لم يثبت الاقتصار على الأسفل، والمعتمد في الرخص الاتباع، فلا يجوز غير ما ثبت التوقيف فيه، وعن علي ﵁ "لو كان الدين بالرأي كان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه" رواه أبو داود.
ويجزئ المسح بغير اليد كالخشبة والخرقة والفرشاة، ولا يستحب تكرار المسح، بل قيل: إنه مكروه، ولو كان في أسفل الخف نجاسة لم يمسح على الأسفل، لأنه لو مسحه زاد التلويث، ولزمه غسل اليد، وغسل أسفل الخف والذي تستريح إليه النفس أن المسح على الخفين جاز للتيسير ورفع المشقة ويكفي ما يطلق عليه مسح، ولو موضع أنملة، ولا يطلب أكثر من ذلك، لما فيه من المشقة، وتعريض الخف للتلف، ثم إن المسح على الخفين أبيح في ظروف خاصة، ومعظمها كان سفرا وحربا، وقلة ماء، وأرض نظيفة خالية من النجاسة أو قليلتها، وجو شديد الحرارة أو شديد البرودة، يشق معه نزع الخف وغسل الرجلين. أما في مثل ظروفنا فلا داعي للجوء إلى هذه الرخصة.
رابعا: آراء العلماء في مدة المسح، وما يبطله، وأدلتهم: والحديث الثاني عشر يحدد مدة المسح على الخفين، وفيه "جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم".
وهذا التوقيت مذهب الشافعية والحنفية والحنابلة، وجمهور العلماء عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ويبدأ اليوم والليلة للمقيم والثلاثة أيام للمسافر من حين يحدث بعد لبس الخفين عند الشافعية وأبي حنيفة وجمهور العلماء وهو أصح الروايتين عن أحمد. وقال الأوزاعي وأبو ثور: من حين يمسح بعد الحدث، وأكثر ما يمكن للمقيم أن يصلي بالمسح من فرائض الوقت سبع صلوات إذا جمع الصلاتين في المطر، فإن لم يجمع فست صلوات، وصورته أن يحدث في نصف اليوم الأول، بعد قليل من أول وقت الظهر، فيمسح ويصلي، ثم في أول وقت ظهر اليوم الثاني يصلي الظهر والعصر جمع تقديم، ومثل ذلك يفعل المسافر في اليوم الرابع فيصلي سبع عشرة، وإن لم يجمع فست عشرة هذا مذهب الشافعية، وحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور وإسحاق وسليمان بن داود أنه لا يصلي بالمسح إلا خمس صلوات إن كان مقيما، وخمس عشرة إن كان مسافرا. قال النووي: وهذا مذهب باطل، إذ الأحاديث الصحيحة في التوقيت بالزمان، لا بالصلوات. اهـ.
ويصلي في مدة المسح ما شاء من الصلوات قضاء ونذرا وتطوعا بلا خلاف.
وقالت طائفة: لا توقيت، ويمسح ما شاء، ما لم ينزع خفيه أو يجنب، حكي هذا عن الشعبي وربيعة والليث ومذهب الشافعي القديم وأكثر أصحاب مالك وهو المشهور عن مالك، وفي رواية عنه أنه مؤقت كالجمهور، وفي رواية أخرى أنه مؤقت للحاضر دون المسافر، وعن سعيد بن جبير: يمسح من غدوه إلى الليل.
стр. 834
واحتج من قال بعدم التوقيت بما روي عن أبي بن عمارة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله. أمسح على الخف؟ قال: نعم. قلت: يوما؟ قال: ويومين. قلت: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت.
وروي "وما بدالك" وروي "حتى بلغ سبعا. قال: نعم وما بدا لك" وبحديث إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت قال: "جعل لنا رسول الله ﷺ ثلاثا، ولو استزدناه لزادنا" يعني المسح على الخفين للمسافر وبحديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعها إن شاء إلا من جنابة" وبحديث عقبة بن عامر قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة فدخلت على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة واليوم يوم الجمعة، ثمان. قال: أصبت السنة. رواه البيهقي وغيره، وعن ابن عمر أنه كان لا يوقت في الخفين وقتا. قالوا: ولأنه مسح بالماء، فلم يتوقت كالمسح على الجبيرة.
واحتج القائلون بالتوقيت بالحديث الثاني عشر السابق الذكر، وبأحاديث كثيرة في التوقيت، منها: ما رواه الشافعي في مسنده والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة عن صفوان بن عسال ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ومنها: ما رواه أبو بكرة أن النبي ﷺ سئل عن المسح على الخفين. فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة، وهو حديث حسن. قال البيهقي والترمذي: قال البخاري: هو حديث حسن. ومنها ما رواه خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم (حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح) ومنها حديث عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله ﷺ أمر في غزوة تبوك بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر. وللمقيم يوم وليلة. قال البيهقي: قال الترمذي: قال البخاري: هذا الحديث حسن.
وأجابوا عن أدلة الفريق المخالف بأن حديث أبي بن عمارة ضعيف بالاتفاق، ولو صح لكان محمولا على جواز المسح أبدا بشرط مراعاة التوقيت لأنه إنما سأل عن جواز المسح، لا عن توقيته، وبأن حديث خزيمة في عدم التوقيت، وقوله "ولو استزدناه لزادنا" ضعيف بالاتفاق، وكذا حديث أنس وما روي عن ابن عمر، وقيل: إنهما رجعا عن رأيهما إلى التوقيت.
واشترط العلماء أن يكون السفر طويلا، وهو السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وهو ثمانية وأربعون ميلا، وأن لا يكون السفر في معصية، فإن كان لمعصية كقطع الطريق أو قصد الفاحشة أو لشهادة الزور لم يجز أن يمسح ثلاثة أيام بلا خلاف، قال القاضي عياض وسائر أصحاب الشافعي: إنه لا يستبيح بسفر المعصية شيئا من رخص السفر من القصر والفطر، والمسح ثلاثا، والجمع والتنفل على الراحلة، وترك الجمعة، وأكل الميتة.
والخلاف بين العلماء في جواز المسح يوما وليلة للمسافر في معصية، فقيل: لا يجوز تغليظا عليه، والمشهور القطع بالجواز، لأن ذلك جائز بلا سفر.
стр. 835
فإن لبس في الحضر، وأحدث ومسح، ثم سافر أتم مسح مقيم، لأنه بدأ بالعبادة في الحضر، فلزمه حكم الحضر، وإن مسح في السفر، ثم أقام أتم مسح مقيم، قالوا: لأنها عبادة تتغير بالسفر والحضر، فإذا اجتمع فيها السفر والحضر غلب حكم الحضر، ولم يقسط عليهما، كالصلاة، فإن من صلى في سفينة في السفر، فدخلت دار الإقامة، وقد صلى ركعة، لزمه الإتمام بالإجماع، ولا يوزع فيقال: يتمها ثلاث ركعات مثلا.
ويبطل المسح بالجنابة، ويجب نزع الخف والاغتسال، كذلك يبطل المسح بانتهاء المدة، وينزع الخفين أو أحدهما من الرجل، ومن خلع خفيه أو انقضت مدته، وهو على طهارة المسح ففيه أربعة مذاهب، قيل: يكفيه غسل القدمين وهو الراجح من مذهب الشافعية، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقيل: يلزمه استئناف الوضوء، وهو أصح الروايتين عن أحمد. وقيل: إن غسل رجليه عقب النزع كفاه، وإن أخر حتى طال الفصل استأنف الوضوء، وبه قال مالك والليث. وقيل: لا شيء عليه، لا غسل القدمين ولا غيره، بل طهارته صحيحة، يصلي بها ما لم يحدث، كما لو لم يخلع. وهو محكي عن داود واختاره ابن المنذر.
ويجرنا هذا إلى التساؤل: هل المسح على الخفين يرفع الحدث عن الرجلين؟ أو لا يرفع الحدث عنهما، وإنما يبيح الصلاة والعبادة؟ ذهب الجرجاني في التحرير إلى أنه لا يرفع الحدث، لأنه طهارة تبطل بظهور الأصل، فلم ترفع الحدث، كالتيمم، ولأنه مسح قائم مقام الغسل، فلم يرفع الحدث كالتيمم والجمهور على أن الأصح أنه يرفع الحدث، لأنه مسح بالماء، فيرفع كمسح الرأس، ولأنه يجوز أن يصلي به فرائض، ولو كان لا يرفع لما جمع به فرائض كما هو الشأن في التيمم. والله أعلم.
-[خامسا: ويؤخذ من حديث المغيرة برواياته التسع فوق ما تقدم]-
١ - جواز الصلاة في الخفاف، لأن قوله في الرواية الثالثة "ثم مسح على خفيه، ثم صلى" ظاهر في أنه صلى في خفيه، لأنه لو نزعهما بعد المسح لوجب غسل رجليه، ولو غسلهما لنقل.
٢ - جواز الاستعانة في الوضوء. قال النووي: وهي على ثلاثة أقسام: إحداها: أن يستعين في إحضار الماء، فلا كراهة فيه. الثاني: أن يستعين في غسل الأعضاء، ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء، فهذا مكروه إلا لحاجة. والثالث: أن يصب عليه، فهذا مكروه في أحد الوجهين، والأولى تركه [ولا يقال: كيف يقال عن فعل فعله الرسول ﷺ : الأولى تركه؟ لأن الصحابة كانوا يتبركون بمعاونته ﷺ ، فلا يقاس عليه غيره في مثل هذا].
٣ - وفيه خدمة العالم.
٤ - وقد أخذ منه المتصوفة اختصاص الشيخ بخادم يقتصر عليه، فإن المغيرة أحد الأحرار المختصين بخدمته ﷺ في السفر، كأنس في الحضر ذكره الأبي.
٥ - الإبعاد عند قضاء الحاجة، والتواري عن الأعين.
стр. 836
٦ - الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق من نجاستها، لأنه ﷺ لبس الجبة الرومية، ولم يستفصل.
٧ - استدل به القرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت، لأن الجبة كانت شامية وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات.
٨ - استدل به بعضهم على لبس الضيق من الثياب الذي لا يصف العورة. قال القرطبي: يحتمل أن تضييق الأكمام كان للسفر، أو أنه الموجود، فلا يحتج به لرجحان تضييق الأكمام، وما يحكى من أن شريحا عزل رجلا ضيق كميه بعيد.
٩ - التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيقة فيه، لكونها أعون على مشاقه.
١٠ - جواز إخراج اليدين من أسفل لمثل هذه الضرورة، فإن لم تكن ضرورة فلا تفعل في المحافل، قال النووي: لأن ذلك يخل بالمروءة.
١١ - وفيه أن الاقتصار على غسل معظم العضو المفروض غسله لا يجزئ، لأنه ﷺ أخرج يديه من تحت الجبة، ولم يكتف بغسل ما أمكن حسر الجبة عنه منهما ومسح ما لم يمكن حسرها عنه.
١٢ - احتج أبو حنيفة بقوله في الرواية السابعة "ومسح بناصيته وعلى عمامته" على أن الواجب الناصية فقط، وأحمد على جواز المسح على العمامة ومالك لا يكفي عنده الناصية، ولا يجيزه على العمامة، والحديث عند أصحابه محمول على أنه كان برأسه مرض وفيمن خاف ضررا من كشف رأسه.
١٣ - استدل به القرطبي على الاقتصار على فروض الوضوء، أخذ ذلك من الرواية السادسة. لكن في الرواية الرابعة "فغسل يديه" وفي السابعة "فغسل كفيه" وغسل الكفين قبل الوضوء من سننه، فإن قيل: لعل غسلهما بسبب ما أصابهما من الأذى في قضاء الحاجة. قلنا ما قاله الحافظ ابن حجر: بل فعل ﷺ السنن، وذكره المغيرة. ففي رواية البخاري في الجهاد أنه "تمضمض واستنشق وغسل وجهه".
١٤ - ومن غسل الكفين أخذ مواظبته ﷺ على سنن الوضوء حتى في السفر.
١٥ - وفيه أن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت فإنهم فعلوها في أول الوقت ولم ينتظروا النبي ﷺ قاله النووي. لكن قال القاضي عياض: صلاتهم قبل أن يأتيهم يحتمل أنهم بادروا فضل أول الوقت، أو ظنوا أنه أخذ غير طريقهم، أو أنه لا يأتي إلا وقد صلى وفزعهم حين أدركهم يصلون يدل على أنهم لم يبادروا لفضل أول الوقت ولا أنهم أخروا الصلاة حتى خافوا خروج الوقت، فالأشبه أنهم انتظروه، فلما تأخر عن وقته المعتاد صلوا.
١٦ - قال النووي: وفيه أن الإمام إذا تأخر عن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدموا أحدهم، فيصلي بهم، إذا وثقوا بحسن خلق الإمام، وأنه لا يتأذى من ذلك، ولا يترتب
стр. 837
عليه فتنة، فأما إذا لم يأمنوا أذاه فإنهم يصلون في أول الوقت فرادى، ثم إن أدركوا الجماعة بعد ذلك استحب لهم إعادتها معهم. اهـ.
١٧ - وفيه تقديم الجماعة إماما بغير إذن الإمام.
١٨ - وفيه أدب القوم مع كبيرهم، إذ فزعوا حين أحسوا بالنبي ﷺ وذهب إمامهم ليتأخر.
١٩ - وجواز اقتداء الفاضل بالمفضول.
٢٠ - وجواز صلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته، ولا يقال: لم لم يتأخر عبد الرحمن كما تأخر أبو بكر، وقد أشار ﷺ إلى كل منهما بعدم التأخر؟ أو لم تأخر أبو بكر، ولم يستجب للأمر كما استجاب له عبد الرحمن؟ لأن الفرق بين القضيتين كبير، فعبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي ﷺ التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر، فإنه لم يكن ركع وقت مجيئه ﷺ ، وفهم أبو بكر أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي ليس للوجوب.
٢١ - وفيه كيفية قضاء المسبوق، واتباعه إمامه، حتى في جلوسه، ولو في غير محل جلوس المسبوق.
٢٢ - وأنه لا يقضي إلا بعد سلام الإمام.
٢٣ - وأنه لا يطالب بسجود السهو، خلافا لما ذهب إليه أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر، فقد روى ابن أبي شيبة موصولا عن عطاء عن أبي سعيد وابن عمر وابن الزبير في الرجل يدخل مع الإمام، وقد فاته بعض الصلاة؟ قالوا: يصنع كما يصنع الإمام، فإذا قضى الإمام صلاته قام يقضي، وسجد سجدتين. اهـ. وبقولهم قال أيضا جماعة، منهم عطاء وطاووس وإسحاق ومجاهد ووجهة نظرهم: احتمال أن يكون على الإمام سهو، أو لما يترتب على السبق من الجلوس للتشهد في موضع الجلوس. أو لما يترتب عليه من الزيادة والنقص.
٢٤ - ويؤخذ من الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة ورع السيدة عائشة ﵂ وإنصافها وإرشادها السائل إلى الأخذ عن الأعلم، قال الأبي: هذا إذا ثبت أنه كان عندها علم بالمسألة، وإلا فالإرشاد متعين على من يسأل عما ليس له به علم. اهـ. ونقول: إن وجه الورع والإنصاف في توجيه السائل إلى علي -كرم الله وجهه- بالذات، مع ما هو معلوم مما كان بينها وبينه، ومع ما هو معلوم من ملازمة بعض الصحابة للنبي ﷺ في السفر أكثر من علي كالمغيرة وأنس ﵄.
٢٥ - يؤخذ من الحديث الثالث عشر أن من اشتبه عليه أمر، يطلب منه أن يسأل عنه العالم، ولا تمنعه هيبة المسئول، وإن كان عظيما.
٢٦ - وجواز الجمع بين الصلاتين فأكثر بوضوء واحد. قال القاضي عياض: فعله ﷺ ليدل على الجواز، خوف أن يعتقد وجوب ما كان يفعله من الوضوء لكل صلاة.
стр. 838
(١٢٣) باب كراهة غمس المتوضئ يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا
٤٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده".
٤٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا استيقظ أحدكم فليفرغ على يده ثلاث مرات قبل أن يدخل يده في إنائه فإنه لا يدري فيم باتت يده".
-[المعنى العام]-
أعلى درجات النظافة، وأسمى مراتب الطهارة أن تطلب من النظيف أن يزداد، وأن تكلف بالمتوهم للاحتياط، هذا هدف الحديث الشريف، وما يدعو إليه ديننا الحنيف، إذ يطلب من المسلم إذا استيقظ من نومه أن لا يدخل يده في ماء أو إناء فيه مائع أو سائل حتى يغسلها ثلاث مرات، قل نومه أو كثر، فخر فراشه أو حقر، غسل يده قبل النوم أو لم يغسلها، فإنه لا يدري إلى أين تحركت يده أثناء نومه، وعلى أي موضع من جسمه وقعت، وإلى أي القاذورات تعرضت، قد تكون احتكت بمناعم الجسم بين الفخذين أو تحت الإبط فعلق بها عرق خبيث، أو ريح كريه، وقد تكون قد دلكت مداخل الأنف أو إفرازات العين، أو صماخ الأذن فأصابها ما لو وضع في الإناء لآذاه، ومبدأ الإسلام الحرص
стр. 839
على طهارة اليد، وطهارة الماء، وليس القصد طهارة الماء لصلاحيته للوضوء فقط، بل لصلاحيته كذلك للشرب، ولا شك أن غمس اليد في الإناء بعد القيام من النوم، وقبل غسلها ثلاث مرات، يجعله أمام النفوس الأبية ملوثا تعاف النفس شربه، وتشمئز من رؤية من يشربه.
وإذا كان حكم الإسلام غسل يدى المستيقظ من النوم قبل غمسها، كان نفس الحكم لمن شك في نجاسة يده بدون نوم من باب أولى. فلنغسل اليد بالصب عليها ثلاث مرات قبل إدخالها الإناء، ولنحمد الله على هذا التوجيه السديد، ولنستغفر الله عما بدر منا من مثل هذه الأخطاء، مؤمنين بقوله جل شأنه: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢].
-[المباحث العربية]-
(إذا استيقظ أحدكم من نومه) ظاهره عموم النوم بالليل أو النهار، لكن رواية أبي داود "إذا قام أحدكم من الليل".
(فلا يغمس يده) في الرواية الثانية "فليفرغ على يده ثلاث مرات قبل أن يدخل يده" والتعبير بالغمس أوضح، والمراد باليد هنا الكف دون ما زاد عليه.
(في الإناء) أي في ماء الوضوء الذي في الإناء، لأن إدخال اليد في الإناء دون أن تمس الماء لا شيء فيه، ورواية البخاري "في وضوئه".
(فإنه لا يدري أين باتت يده) أي من جسده، ففي رواية الدارقطني "أين باتت يده منه" وفي رواية "ولا علام وضعها" والمعنى لا يدري الموضع الذي باتت فيه يده.
-[فقه الحديث]-
الأمر بالغسل عند الجمهور محمول على الندب، وقال إسحاق وداود والطبري: إن الأمر بالغسل للوجوب، وحمله الإمام أحمد على الوجوب في نوم الليل دون نوم النهار.
وينبني على هذا أنه لو غمس يده لم يضر الماء عند من قال بالندب، وينجس الماء عند من قال بالوجوب، واستدل الجمهور بآخر الحديث، إذ فيه التعليل بأمر يقتضي الشك، والشك لا يقتضي وجوبا في هذا الحكم، استصحابا لأصل الطهارة، فيكون ذلك قرينة صارفة للأمر عن الوجوب، كما استدل أبو عوانة على عدم الوجوب بوضوئه ﷺ ، من الشن المعلق، بعد قيامه من النوم، وتعقب بأن قوله "أحدكم" يقتضي اختصاصه ﷺ . وأجيب بأنه صح عنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد النوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز. قاله الحافظ ابن حجر. وقال: وأيضا فقد قال هو في الحديث "فليغسلهما ثلاثا" والتقييد بالعدد في غير
стр. 840
النجاسة العينية بدل على الندبية. اهـ. وفيما قاله الحافظ ابن حجر نظر، لأن الندبية في غير النجاسة العينية إنما هي في العدد لا في أصل الغسل، فليس فيه دليل على عدم الوجوب.
واحتج من قال بالوجوب بالأمر بإراقة الماء فيما أخرجه ابن عدي من قوله ﷺ "فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها فليرق ذلك الماء" ورد الجمهور بأن هذا الحديث ضعيف، بل قال المحدثون: إن هذه الزيادة منكرة.
والمحققون على أن هذا الحكم ليس خاصا بالقيام من نوم الليل، خلافا لأحمد والطبري وداود الظاهري حيث اعتمدوا على لفظ "المبيت" والتصريح بالليل فيما أخرجه أبو داود ونصه "إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده" وقالوا: إن الإنسان لا ينكشف في نوم النهار، كما ينكشف في نوم الليل، ونوم النهار قصير، ونوم الليل طويل، فاحتمال إصابة النجاسة فيه أكثر.
وأجاب الجمهور بأن لفظ "المبيت" "ولفظ الليل" خرجا مخرج الغالب والعلة تقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل. نعم يمكن أن تكون الكراهة في الغمس لمن نام ليلا أشد منها لمن نام نهارا.
قال الشافعي ﵀ وأحب لكل مستيقظ من النوم، قائلة كانت أو غيرها، أن لا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها، فإن أدخل يده قبل أن يغسلها كرهت ذلك له، ولم يفسد ذلك الماء، إذا لم يكن على يده نجاسة. اهـ.
وقال النووي: مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها. سواء قام من نوم الليل أو النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم، وهذا مذهب جمهور العلماء. ثم قال: هذا كله إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تيقن طهارتها [كمن لف عليها خرقة أو لبس قفازا، أو أحاط أماكن الرطوبة من جسمه بما يحفظها] فقد قال جماعة من أصحابنا: أنه لا كراهة فيه، بل هو في خيار بين الغمس أولا والغسل، لأن النبي ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، ولو كان النهي عاما لقال: إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده حتى يغسلها، وكان أعم وأحسن. اهـ.
ونحن لا نوافق الإمام النووي في قوله "هو في خيار بين الغمس أولا والغسل" لأن ظاهر هذا القول أنهما متساويان، والحق أنه ليس كذلك، بل الغسل قبل الغمس مستحب أو هو الأولى مهما تحقق من طهارة اليد، ومهما رفعت كراهة الغمس، لأن اليد لا تسلم من حك الجسد، ومس مواطن العرق وفتل الشارب، ولمس ما يخرج من الأنف، ومس أشياء غير نظيفة، إلى غير ذلك مما يجعل الغمس والغسل غير متساويين.
كما لا نوافق الإمام مالك في عدم التفرقة بين الشاك وبين متيقن الطهارة وكراهة الغمس لكل منهما، وحمل الأمر على التعبد.
стр. 841
هذا كله في غمس اليد في الإناء الصغير الذي يحمل دون القلتين، أما الماء الكثير فلا كراهة في غمس اليد فيه، وإن كان راكدا كماء البرك والأحواض الكبرى.
وإذ قد انتهينا إلى أن الأمر بالغسل للقائم من النوم للندب عند الجمهور فإننا نعجب لتشدد بعض الشافعية في رسم الوسيلة إذا كان الإناء كبيرا لا يمكن الصب منه على اليدين. فيقول النووي: قال أصحابنا وإذا كان الماء في إناء كبير، أو صخرة، بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير، يغترف به، فطريقه أن يأخذ بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره. اهـ.
وأعجب من هذا ما يقوله العيني بعد أن ساق ما ذكرنا. قال: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه، ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به. ماذا يفعل؟ قال: قال أصحابنا [الأحناف] إذا كانت الآنية كبيرة، وليست معه آنية صغيرة، فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى، مضمومة في الإناء، دون الكف، يرفع الماء من الحب، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض فيفعل كذلك مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ، في الإناء إن شاء. قال: وهذا الذي ذكره أصحابنا أوسع وأحسن. اهـ.
عجبا لهؤلاء الأصحاب ولأولئك الأصحاب، لو أن الظاهرية قالوها لكان لهم عذر، أما الشافعية والحنفية، وهم يقولون بالندب، فلا عذر لهم، فالدين يسر والحمد لله والرسول ﷺ يقول: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وما أحسن قول الحسن البصري في مثل هذا المقام "إنا لنرجو من رحمة الله وفضله ما هو أوسع من هذا" والله أعلم.
وفي علة النهي عن غمس اليد للنائم قبل غسلها يقول الشافعي: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة، فربما عرق أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل، أو على بثرة أو قذر غير ذلك. وتعقبه الباجي بأن ذلك يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم، لجواز ذلك عليه. وأجيب بأنه محمول على ما إذا كان العرق في اليد، لا في المحل، أو أن المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء، حتى يؤمر بغسله، بخلاف اليد، فإنه محتاج إلى غمسها.
وقيل: إن النهي للتعبد، والمذكور ليس بعلة.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار، بل يبقى نجسا معفوا عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتل به سراويله أو قميصه فإنه يتنجس.
٢ - استحباب غسل النجاسات ثلاثا، لأننا أمرنا بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها أولى.
٣ - أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل، ولا يؤثر فيها الرش، فإنه ﷺ قال: "حتى يغسلها، ولم يقل: حتى يغسلها أو يرشها.
стр. 842
٤ - إيجاب الوضوء من النوم، فإنه إذا لم يدر أين باتت يده فإنه لا يدري ماذا خرج منه. وقيل: إن الأصل عدم خروج شيء. بدون يقظته، لكن هذا القول خلاف الواقع.
٥ - فيه تقوية لمن يقول بالوضوء من مس الذكر. حكاه أبو عوانة لكنه غير ظاهر.
٦ - أن القليل من الماء لا يصير مستعملا بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء. قاله الخطابي.
٧ - أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وهذه حجة قوية لمن قال بنجاسة القلتين لوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره، وإلا فلا يكون للنهي فائدة. ذكره العيني.
٨ - استدل به الحنفية على أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، وذلك لأن النبي ﷺ أمر القائم من الليل بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثا؛ وذلك لأنهم كانوا يتغوطون ويبولون، ولا يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فتتنجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول والغائط، وهما أغلظ النجاسات كان أولى وأحرى أن تحصل مما هو دونهما من النجاسات. ذكره العيني. وقوله: "وهما أغلظ النجاسات" غير مسلم وسيأتي حكم نجاسة الكلب في الباب التالي.
٩ - سحب الحكم على غير إناء الوضوء، من الآنية التي تحمل مائعا أو رطبا. قاله الحافظ ابن حجر.
١٠ - استدل به على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء، وأنها إذا وردت عليه نجسته. وإذا ورد عليها أزالها، وتقريره أنه نهى عن إدخال اليدين في الإناء، لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثرة فيه، والحث بغسلها بإفراغ الماء عليها للتطهير، وذلك يقتضي أن وروده عليها يزيلها.
١١ - أخذ بعضهم من قوله: "فإذا استيقظ أحدكم .. فإنه لا يدري" أن القائم من النوم إن كان صبيا أو مجنونا فإنه لا يؤثر إن غمس يده، والحق أنه كالبالغ العاقل، لأنه لا يدري أين باتت يده من باب أولى.
١٢ - أخذ بعضهم من قوله: "من نومه" إخراج الغفلة ونحوها.
١٣ - وفيه استحباب استخدام الكنايات عما يستحيا منه إذا حصل الإفهام بها حيث لم يقل: لعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو على نجاسة، فإن لم يحصل بها الإفهام فلا بد من التصريح لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به، كقوله في الحديث الصحيح: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين".
١٤ - العمل بالاحتياط في العبادات، ما لم يخرج إلى حد الوسوسة.
(ملحوظة) ذكرنا حكم غسل الكفين قبل الوضوء باعتباره سنة من سنن الوضوء في النقطة الأولى من باب صفة الوضوء وكماله، وذكر هنا من حيث نظافة الماء وطهارته من النجاسات والأقذار.
стр. 843
(١٢٤) باب حكم نجاسة الكلب
٤٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه. ثم ليغسله سبع مرار".
٤٩٨ - عن الأعمش بهذا الإسناد مثله ولم يقل "فليرقه".
٤٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات".
٥٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات. أولاهن بالتراب".
٥٠١ - عن همام بن منبه. قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ "طهور إناء أحدكم، إذا ولغ الكلب فيه، أن يغسله سبع مرات".
٥٠٢ - عن ابن المغفل ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثم قال "ما بالهم وبال الكلاب؟ " ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم. وقال "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات. وغفروه الثامنة في التراب".
٥٠٣ - عن شعبة في هذا الإسناد بمثله غير أن في رواية يحيى بن سعيد من الزيادة "ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع".
стр. 844
-[المعنى العام]-
خلق الله جل شأنه جميع ما خلق لحكمة، وخلق في بيئة الإنسان مخلوقات يحتاجها ويفهم حكمة خلقها وفائدتها بالنسبة له، كالأنعام التي خلقها ﴿لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون* وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم﴾ [النحل: ٥ - ٧] وخلق مخلوقات لا يكاد يحتاجها، بل هي خطر وضرر عليه، ولا يدرك حكمة خلقها، من ذلك الخمس الفواسق التي يباح قتلها حتى في الحرم: الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور.
وخلق مخلوقات تجمع بين الشر والخير، فيها إثم وفيها منافع، من ذلك الكلب فإنه نجس اللعاب والبدن نجاسة مغلظة، إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، ووجب إراقة السائل الذي شرب منه مهما غلا ثمنه، ومهما عز الحصول عليه. حاجب حلول رحمة الله تعالى، إذ لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب. منقص لأجر صاحبه على عمل الخير فمن اقتنى كلبا لغير حاجة نقص من عمله قيراطان، ومع هذه المضار هو حارس أمين، ووفي مخلص وحساس إلى حد كبير، يحتاجه صاحب الغنم لحراسة غنمه، وصاحب الزرع لحماية زرعه، ومحترف الصيد لاقتناص صيده، ومن منطلق شروره أمر الرسول ﷺ أصحابه بقتل الكلاب، فتقربوا إلى الله بقتلها، حتى إن المرأة كانت تأتي من البادية إلى المدينة معها كلبها، فيبادر الصحابة بقتله، وشق الأمر على الناس، وشكا أصحاب الحاجة، وتمنوا أن لو أذن الله لهم في اقتناء بعض الكلاب، وسيحافظون على أنفسهم من نجاستها، وسينفذون أمر الشارع بغسل ما يصيبهم منها، وأحس الرسول الكريم ﷺ برغبة منهم جامحة، وولع شديد لتربية الكلاب، فلامهم على التململ من حكم الشريعة، رغم سمعهم لها وطاعتهم إياها. فقال: ما شأنكم وشأن الكلاب، وما هذا الحرص الشديد على اقتنائها؟ قالوا: يا رسول الله، غلبنا الصيد، وعدا الذئب على الغنم، وأفسدت السائبة الزرع وانتظر رسول الله ﷺ أمر ربه، فرخص لهم في كلب الصيد وكلب الزرع وكلب الغنم، على أن يغسلوا ما أصابهم منه سبع مرات إحداهن بالتراب.
-[المباحث العربية]-
(إذا ولغ الكلب) يقال: ولغ يلغ بفتح اللام فيهما إذا شرب بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه. وقال ثعلب: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه؛ زاد ابن درستويه "شرب أو لم يشرب" وقال ابن مكي: فإن كان غير مائع يقال: لعقه. وقال المطرزي: فإن كان فارغا يقال: "لحسه".
وأل في "الكلب" للنجس، فيصدق على كل نوع من أنواع الكلاب.
стр. 845
(في إناء أحدكم) الإناء مفرد، وجمعه آنية، وجمع الجمع أوان، فلا يستعمل في أقل من تسعة إلا مجازا، والإضافة التي في "إناء أحدكم" ملغاة المفهوم المخالف، لأن الحكم بالنجاسة ووجوب الغسل لا يتوقف على الملكية أو الاختصاص.
(فليرقه) ضمير الفاعل يعود على "أحدكم" لكن لا يشترط أن يكون المريق هو المالك، وضمير المفعول يعود على الإناء من إطلاق المحل وإرادة الحال، أي فليرق ماء الإناء.
(إذا شرب الكلب) المشهور من روايات أبي هريرة "إذا ولغ" قال الكرماني: ضمن "شرب" معنى "ولغ" فعدى تعديته. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: والشرب أخص من الولوغ، فلا يقوم مقامه في الرواية بالمعنى.
(طهور إناء أحدكم) قال النووي: الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال بفتحها لغتان تقدمتا في أول كتاب الوضوء.
(ما بالهم وبال الكلاب)؟ البال هو الحال والشأن أي ما شأنهم وشأن الكلاب والاستفهام توبيخي، أي لا ينبغي أن يكون شأنهم الحرص على اقتناء الكلاب. أي إنه ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم أحس أنهم كانوا مولعين بتربيتها، فوبخهم على هذا الحرص، وفي رواية أبي داود: "أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ما لهم ولها"؟
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر النقاط في:
١ - أقوال العلماء في نجاسة سؤر الكلب، وهل يلحق به باقي أعضائه؟ مع الأدلة ومناقشتها.
٢ - أقوالهم في تسبيع الغسل، وعلته، والترتيب وحكمته وكيفيته.
٣ - أقوالهم في تربية الكلاب، وبيعها وقتلها، وأدلة كل فريق.
٤ - ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل:
أولا: أقوال العلماء وأدلتهم في نجاسة الكلب:
مذهب الشافعية: أن الكلب نجس، ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغير المأذون في اقتنائه، ولا بين كلب البدوي والحضري لعموم لفظ الكلب في الحديث.
أما نجاسة سؤره فللأمر بغسله، والتعبير بطهور الإناء منه، والطهارة إنما تكون عن حدث أو نجس، وليس هنا حدث، فتعين النجس، ثم إن الرواية الأولى تأمر بإراقة ما في الإناء، مما يدل
следующие страницы →