Полный текст (6 200 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
هذا كله في غمس اليد في الإناء الصغير الذي يحمل دون القلتين، أما الماء الكثير فلا كراهة في غمس اليد فيه، وإن كان راكدا كماء البرك والأحواض الكبرى.
وإذ قد انتهينا إلى أن الأمر بالغسل للقائم من النوم للندب عند الجمهور فإننا نعجب لتشدد بعض الشافعية في رسم الوسيلة إذا كان الإناء كبيرا لا يمكن الصب منه على اليدين. فيقول النووي: قال أصحابنا وإذا كان الماء في إناء كبير، أو صخرة، بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير، يغترف به، فطريقه أن يأخذ بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره. اهـ.
وأعجب من هذا ما يقوله العيني بعد أن ساق ما ذكرنا. قال: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه، ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به. ماذا يفعل؟ قال: قال أصحابنا [الأحناف] إذا كانت الآنية كبيرة، وليست معه آنية صغيرة، فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى، مضمومة في الإناء، دون الكف، يرفع الماء من الحب، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض فيفعل كذلك مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ، في الإناء إن شاء. قال: وهذا الذي ذكره أصحابنا أوسع وأحسن. اهـ.
عجبا لهؤلاء الأصحاب ولأولئك الأصحاب، لو أن الظاهرية قالوها لكان لهم عذر، أما الشافعية والحنفية، وهم يقولون بالندب، فلا عذر لهم، فالدين يسر والحمد لله والرسول ﷺ يقول: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وما أحسن قول الحسن البصري في مثل هذا المقام "إنا لنرجو من رحمة الله وفضله ما هو أوسع من هذا" والله أعلم.
وفي علة النهي عن غمس اليد للنائم قبل غسلها يقول الشافعي: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة، فربما عرق أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل، أو على بثرة أو قذر غير ذلك. وتعقبه الباجي بأن ذلك يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم، لجواز ذلك عليه. وأجيب بأنه محمول على ما إذا كان العرق في اليد، لا في المحل، أو أن المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء، حتى يؤمر بغسله، بخلاف اليد، فإنه محتاج إلى غمسها.
وقيل: إن النهي للتعبد، والمذكور ليس بعلة.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار، بل يبقى نجسا معفوا عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتل به سراويله أو قميصه فإنه يتنجس.
٢ - استحباب غسل النجاسات ثلاثا، لأننا أمرنا بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها أولى.
٣ - أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل، ولا يؤثر فيها الرش، فإنه ﷺ قال: "حتى يغسلها، ولم يقل: حتى يغسلها أو يرشها.
стр. 842
٤ - إيجاب الوضوء من النوم، فإنه إذا لم يدر أين باتت يده فإنه لا يدري ماذا خرج منه. وقيل: إن الأصل عدم خروج شيء. بدون يقظته، لكن هذا القول خلاف الواقع.
٥ - فيه تقوية لمن يقول بالوضوء من مس الذكر. حكاه أبو عوانة لكنه غير ظاهر.
٦ - أن القليل من الماء لا يصير مستعملا بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء. قاله الخطابي.
٧ - أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وهذه حجة قوية لمن قال بنجاسة القلتين لوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره، وإلا فلا يكون للنهي فائدة. ذكره العيني.
٨ - استدل به الحنفية على أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، وذلك لأن النبي ﷺ أمر القائم من الليل بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثا؛ وذلك لأنهم كانوا يتغوطون ويبولون، ولا يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فتتنجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول والغائط، وهما أغلظ النجاسات كان أولى وأحرى أن تحصل مما هو دونهما من النجاسات. ذكره العيني. وقوله: "وهما أغلظ النجاسات" غير مسلم وسيأتي حكم نجاسة الكلب في الباب التالي.
٩ - سحب الحكم على غير إناء الوضوء، من الآنية التي تحمل مائعا أو رطبا. قاله الحافظ ابن حجر.
١٠ - استدل به على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء، وأنها إذا وردت عليه نجسته. وإذا ورد عليها أزالها، وتقريره أنه نهى عن إدخال اليدين في الإناء، لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثرة فيه، والحث بغسلها بإفراغ الماء عليها للتطهير، وذلك يقتضي أن وروده عليها يزيلها.
١١ - أخذ بعضهم من قوله: "فإذا استيقظ أحدكم .. فإنه لا يدري" أن القائم من النوم إن كان صبيا أو مجنونا فإنه لا يؤثر إن غمس يده، والحق أنه كالبالغ العاقل، لأنه لا يدري أين باتت يده من باب أولى.
١٢ - أخذ بعضهم من قوله: "من نومه" إخراج الغفلة ونحوها.
١٣ - وفيه استحباب استخدام الكنايات عما يستحيا منه إذا حصل الإفهام بها حيث لم يقل: لعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو على نجاسة، فإن لم يحصل بها الإفهام فلا بد من التصريح لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به، كقوله في الحديث الصحيح: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين".
١٤ - العمل بالاحتياط في العبادات، ما لم يخرج إلى حد الوسوسة.
(ملحوظة) ذكرنا حكم غسل الكفين قبل الوضوء باعتباره سنة من سنن الوضوء في النقطة الأولى من باب صفة الوضوء وكماله، وذكر هنا من حيث نظافة الماء وطهارته من النجاسات والأقذار.
стр. 843
(١٢٤) باب حكم نجاسة الكلب
٤٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه. ثم ليغسله سبع مرار".
٤٩٨ - عن الأعمش بهذا الإسناد مثله ولم يقل "فليرقه".
٤٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات".
٥٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات. أولاهن بالتراب".
٥٠١ - عن همام بن منبه. قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ "طهور إناء أحدكم، إذا ولغ الكلب فيه، أن يغسله سبع مرات".
٥٠٢ - عن ابن المغفل ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثم قال "ما بالهم وبال الكلاب؟ " ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم. وقال "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات. وغفروه الثامنة في التراب".
٥٠٣ - عن شعبة في هذا الإسناد بمثله غير أن في رواية يحيى بن سعيد من الزيادة "ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع".
стр. 844
-[المعنى العام]-
خلق الله جل شأنه جميع ما خلق لحكمة، وخلق في بيئة الإنسان مخلوقات يحتاجها ويفهم حكمة خلقها وفائدتها بالنسبة له، كالأنعام التي خلقها ﴿لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون* وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم﴾ [النحل: ٥ - ٧] وخلق مخلوقات لا يكاد يحتاجها، بل هي خطر وضرر عليه، ولا يدرك حكمة خلقها، من ذلك الخمس الفواسق التي يباح قتلها حتى في الحرم: الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور.
وخلق مخلوقات تجمع بين الشر والخير، فيها إثم وفيها منافع، من ذلك الكلب فإنه نجس اللعاب والبدن نجاسة مغلظة، إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، ووجب إراقة السائل الذي شرب منه مهما غلا ثمنه، ومهما عز الحصول عليه. حاجب حلول رحمة الله تعالى، إذ لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب. منقص لأجر صاحبه على عمل الخير فمن اقتنى كلبا لغير حاجة نقص من عمله قيراطان، ومع هذه المضار هو حارس أمين، ووفي مخلص وحساس إلى حد كبير، يحتاجه صاحب الغنم لحراسة غنمه، وصاحب الزرع لحماية زرعه، ومحترف الصيد لاقتناص صيده، ومن منطلق شروره أمر الرسول ﷺ أصحابه بقتل الكلاب، فتقربوا إلى الله بقتلها، حتى إن المرأة كانت تأتي من البادية إلى المدينة معها كلبها، فيبادر الصحابة بقتله، وشق الأمر على الناس، وشكا أصحاب الحاجة، وتمنوا أن لو أذن الله لهم في اقتناء بعض الكلاب، وسيحافظون على أنفسهم من نجاستها، وسينفذون أمر الشارع بغسل ما يصيبهم منها، وأحس الرسول الكريم ﷺ برغبة منهم جامحة، وولع شديد لتربية الكلاب، فلامهم على التململ من حكم الشريعة، رغم سمعهم لها وطاعتهم إياها. فقال: ما شأنكم وشأن الكلاب، وما هذا الحرص الشديد على اقتنائها؟ قالوا: يا رسول الله، غلبنا الصيد، وعدا الذئب على الغنم، وأفسدت السائبة الزرع وانتظر رسول الله ﷺ أمر ربه، فرخص لهم في كلب الصيد وكلب الزرع وكلب الغنم، على أن يغسلوا ما أصابهم منه سبع مرات إحداهن بالتراب.
-[المباحث العربية]-
(إذا ولغ الكلب) يقال: ولغ يلغ بفتح اللام فيهما إذا شرب بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه. وقال ثعلب: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه؛ زاد ابن درستويه "شرب أو لم يشرب" وقال ابن مكي: فإن كان غير مائع يقال: لعقه. وقال المطرزي: فإن كان فارغا يقال: "لحسه".
وأل في "الكلب" للنجس، فيصدق على كل نوع من أنواع الكلاب.
стр. 845
(في إناء أحدكم) الإناء مفرد، وجمعه آنية، وجمع الجمع أوان، فلا يستعمل في أقل من تسعة إلا مجازا، والإضافة التي في "إناء أحدكم" ملغاة المفهوم المخالف، لأن الحكم بالنجاسة ووجوب الغسل لا يتوقف على الملكية أو الاختصاص.
(فليرقه) ضمير الفاعل يعود على "أحدكم" لكن لا يشترط أن يكون المريق هو المالك، وضمير المفعول يعود على الإناء من إطلاق المحل وإرادة الحال، أي فليرق ماء الإناء.
(إذا شرب الكلب) المشهور من روايات أبي هريرة "إذا ولغ" قال الكرماني: ضمن "شرب" معنى "ولغ" فعدى تعديته. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: والشرب أخص من الولوغ، فلا يقوم مقامه في الرواية بالمعنى.
(طهور إناء أحدكم) قال النووي: الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال بفتحها لغتان تقدمتا في أول كتاب الوضوء.
(ما بالهم وبال الكلاب)؟ البال هو الحال والشأن أي ما شأنهم وشأن الكلاب والاستفهام توبيخي، أي لا ينبغي أن يكون شأنهم الحرص على اقتناء الكلاب. أي إنه ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم أحس أنهم كانوا مولعين بتربيتها، فوبخهم على هذا الحرص، وفي رواية أبي داود: "أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ما لهم ولها"؟
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر النقاط في:
١ - أقوال العلماء في نجاسة سؤر الكلب، وهل يلحق به باقي أعضائه؟ مع الأدلة ومناقشتها.
٢ - أقوالهم في تسبيع الغسل، وعلته، والترتيب وحكمته وكيفيته.
٣ - أقوالهم في تربية الكلاب، وبيعها وقتلها، وأدلة كل فريق.
٤ - ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل:
أولا: أقوال العلماء وأدلتهم في نجاسة الكلب:
مذهب الشافعية: أن الكلب نجس، ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغير المأذون في اقتنائه، ولا بين كلب البدوي والحضري لعموم لفظ الكلب في الحديث.
أما نجاسة سؤره فللأمر بغسله، والتعبير بطهور الإناء منه، والطهارة إنما تكون عن حدث أو نجس، وليس هنا حدث، فتعين النجس، ثم إن الرواية الأولى تأمر بإراقة ما في الإناء، مما يدل
стр. 846
على تنجيس ما ولغ فيه، لأن إراقته إضاعة له فلو كان طاهرا لم يأمرنا بإراقته، بل قد نهينا عن إضاعة المال.
قالوا: ولا فرق بين ولوغه وغير الولوغ من أجزائه، فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئا طاهرا في حال رطوبة أحدهما، وجب غسله سبع مرات، لأنه إذا ثبت هذا الحكم لفمه -وهو أشرف أعضائه- ثبت لباقي أعضائه من باب أولى. قالوا: ولو ولغ كلبان، أو كلب واحد مرات في إناء، فالصحيح أنه يكفي الجميع سبع مرات، ولو وقعت نجاسة أخرى في الإناء الذي ولغ فيه الكلب كفى عن الجميع سبع مرات. قالوا: ولو ولغ في طعام مائع حرم أكله، لأننا أمرنا بإراقته، ووجب غسل الإناء منه.
وممن قال بنجاسته أيضا أحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود.
أما المالكية فقد اختلفت أقوالهم في نجاسة الكلب وسؤره اختلافا كثيرا. قال الرهوني في حاشيته على عبد الباقي: وأما الكلب فاختلف فيه، للحديث الوارد بغسل الإناء بولوغه فيه سبع مرات، ثم قال: فتحصل أن في سؤر الكلب أربعة أقوال: أحدها: أنه طاهر، وهو قول ابن وهب وأشهب، لأن الكلب سبع من السباع، وهي طاهرة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، لكن روايته عن مالك فيها: أن الكلب ليس كغيره من السباع. الثاني: أنه نجس ليس كسائر السباع، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه لما جاء عن النبي ﷺ من الأمر بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه، وهو قول سحنون في رواية ابن العربي. الثالث: الفرق بين الكلب المأذون في اتخاذه وغيره. وهو أظهر الأقوال، لأن علة الطهارة التي نص عليها النبي ﷺ في الهرة، موجودة في الكلب المأذون في اتخاذه. وهو قول سحنون في رواية اللخمي. الرابع: الفرق بين البدوي والحضري، وهو قول ابن الماجشون في رواية أبي زيد عنه. اهـ.
ونعرض إلى ما استند إليه من قال بطهارته. فقد احتجوا بقوله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤] وبقوله ﷺ في كلب الصيد: "ما أمسك عليك فكل" ووجه الدلالة أنه أذن في أكل ما صاده الكلب، ولم يقيد ذلك بغسل موضع فمه، ومن ثم قال مالك: كيف يؤكل صيده ويكون لعابه نجسا؟ وأجيب بأن قصد الآية والحديث الإفادة بأن قتل الكلب ذكاة، وليس فيهما إثبات نجاسة ولا نفيها. ويدل لذلك أنه لم يقل: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، لكنه وكله إلى ما تقرر من وجوب غسل الدم، فلعله وكله أيضا إلى ما تقرر عنده من غسل ما يماسه فمه، فإباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه للحاجة.
واستدلوا بما ثبت عند البخاري من حديث ابن عمر "كانت الكلاب تقبل وتدبر زمان رسول الله ﷺ في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك" وأخرجه الترمذي بزيادة "وتبول" ورد بأن البول مجمع على نجاسته فلا يصح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الإجماع. وأما الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة لاحتمال عدم الرطوبة في أجسامها أو في أرض
стр. 847
المسجد. وقال الحافظ ابن حجر: الأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها.
واستدلوا كذلك بالترخيص في كلب الصيد والزرع والماشية، واعتبروا الترخيص باقتنائها دليلا على طهارتها. وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة.
وقالوا عن أحاديثنا: إن الأمر بالغسل فيها تعبدي، وليس لنجاسة الكلب [على معنى أنه لم يظهر لنا وجهه، لا أنه لا وجه له، لأن لكل حكم وجها، لأن الأحكام مربوطة بالمصالح، ودرء المفاسد، فما لم تظهر مصلحته ومفسدته اصطلحوا على أن يسموه تعبدا]. ولذا حد بالسبع. ولو كان نجسا كان المطلوب الإنقاء. ورد بأن القول بالتعبد في تشريع الأحكام خلاف الأصل. فالقول به ينقصه الدليل. على أن القول بأن الغسل لإزالة النجاسة ترجحه الرواية الثالثة والرابعة. وفيهما "طهور إناء أحدكم" فالغسل للتطهير. قالوا: المراد من الطهارة في هذا الحديث الطهارة اللغوية. كقوله ﷺ "السواك مطهرة للفم" ورد هذا القول بأن ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية والشرعية حملت على الشرعية إلا إذا قام دليل. فالقول بطهارة الكلب وسؤره محجوج. وأبعد بعضهم فقال: يحل أكله. والعياذ بالله.
ثانيا: أقوال العلماء في تسبيع الغسل، وعلته، والترتيب وحكمته وكيفيته:
وغسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب مذهب الشافعية والحنابلة، بل في رواية عن أحمد الغسل ثمان غسلات، عملا بظاهر رواية ابن المغفل، ومعنى الغسل بالتراب أن يخلط التراب في الماء حتى يتكدر، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو يؤخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به، فأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزئ، ولا يحصل الغسل بالتراب النجس على الأصح، ولو كانت نجاسة الكلب دمه أو روثه وجب إزالة عين النجاسة مهما زاد عن السبع، ولو زال عينها بست غسلات مثلا قيل: تحسب الست واحدة وقيل: تحسب ستا، ولو غمس الإناء في بحر، ومكث فيه قدر سبع غسلات جاز. وفي قيام هذا مقام التراب خلاف، وفي قيام الصابون ونحوه مقام التراب خلاف، والأصح عدم قيامه، لأنه كان ميسورا يوم أمر بالتراب. مما يحمل على أن للشرع في تحديد التراب حكمة. وقد ذكر بعض الأطباء الثقات في عصرنا وجود جراثيم في الكلب يقضي عليها التراب، وقيل: لأنه يحقق اجتماع طهرين: الماء والتراب.
وقد جاء في الروايات الأربع "سبع مرات" وفي رواية لمسلم "أولاهن بالتراب" وفي رواية للبزار "إحداهن" وفي رواية "السابعة بالتراب" وفي رواية "أخراهن أو أولاهن بالتراب" وفي روايتنا الخامسة "وعفروه الثامنة بالتراب".
قال النووي في الجمع بينها: وقد روى البيهقي وغيره هذه الروايات كلها، وفيها دليل على أن التقييد بالأولى وبغيرها ليس على الاشتراط، بل المراد إحداهن، وأما رواية "وعفروه الثامنة
стр. 848
بالتراب" فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعا، واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة لهذا. والله أعلم. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الترجيح بين رواية "أولاهن" ورواية "السابعة" قال: "أولاهن" أرجح من حيث أكثرية الرواة وأحفظيتهم، ومن حيث المعنى أيضا، لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى. اهـ.
وهذا كله فيما إذا كان الماء قليلا، أما إذا ولغ في ماء كثير، بحيث لم ينقص ولوغه عن قلتين لم ينجسه. قالوا: ولو ولغ في ماء قليل، أو طعام مائع، فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوبا أو بدنا أو إناء آخر، وجب غسله سبعا إحداهن بالتراب، ولو ولغ في إناء فيه طعام جامد ألقى ما أصابه وما حوله، وانتفع بالباقي على طهارته السابقة، كما في الفأرة تموت في السمن الجامد، قاله النووي في شرح مسلم.
وإراقة ما في الإناء من ماء أو مائع واجبة، قيل على الفور، ولو لم يرد استعمال الإناء، عملا بمطلق الأمر الذي يقتضي الوجوب على المختار، وقيل: لا تجب إلا إذا أراد استعمال الإناء، عملا بالقياس على باقي المياه النجسة، فإنه لا تجب إراقتها على الفور بلا خلاف، وإن استحب ذلك، وذهب أكثر الفقهاء إلى وجوب الإراقة الفورية في نجاسة الكلب، زجرا وتغليظا وتنفيرا عن الكلاب.
أما المالكية فيقولون بالغسل من ولوغ الكلب سبع مرات ويقولون بالترتيب، لأنه لم يقع في رواية مالك، والمشهور عندهم أن التسبيع واجب. وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيع للندب، والغسل عندهم للتعبد، لأن الكلب طاهر، وعن مالك رواية بأنه نجس لكن الغسل أيضا للتعبد، لأن قاعدته أن الماء لا ينجس إلا بالتغير.
وذهب بعض المالكية إلى أن المأمور بالغسل من ولوغه الكلب المنهي عن اتخاذه، دون المأذون فيه، قال الحافظ ابن حجر: وهذا يحتاج إلى ثبوت تقديم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل، وإلى قرينة تدل على أن المراد ما يؤذن في اتخاذه. ثم قال: ومثله تفرقة بعضهم بين البدوي والحضري، وكذا دعوى بعضهم أن الغسل مخصوص بالكلب الكلب [أي المصاب بداء الكلب] وأن الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطب، قال: وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل.
أما إراقة ما في الإناء فالمشهور عن المالكية التفرقة بين إناء الماء؛ فيراق ويغسل، وبين إناء الطعام، فيؤكل ثم يغسل الإناء تعبدا. قالوا: لأن الأمر بالإراقة عام. فيخص الطعام منه بالنهي عن إضاعة المال. قال الحافظ ابن حجر: وعورض بأن النهي عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة، ويرجحه الإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة من قليل المائعات ولو عظم ثمنه، فثبت أن عموم النهي عن الإضاعة مخصوص، بخلاف الأمر بالإراقة. اهـ. ووجهة نظرهم أن الطعام غير
стр. 849
نجس، فإراقته إضاعة للمال وإراقة الطاهر إضاعة بلا خلاف، فالنزاع في مبنى الإراقة وسببها، لا في الإراقة نفسها، فالمعارضة غير سليمة. والله أعلم.
وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع، ولم يقولوا بالتراب، واستندوا إلى أن أبا هريرة ﵁ راوي الغسل سبعا أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع، لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وأيضا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعا. قال الحافظ ابن حجر: ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر. اهـ.
كما استندوا إلى أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد التطهير منها بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب أولى، وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص، ولا قياس مع النص.
وأجاب الحنفية عن الرواية الخامسة -حديث عبد الله بن المغفل- بأن الأمر بالغسل سبعا كان عند الأمر بقتل الكلاب، تغليظا عليهم، وفطما لهم عن الولع بها، فلما نهي عن قتلها نسخ الأمر بالغسل سبعا، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدا، لأنه من رواية ابن المغفل، وقد ذكر ابن المغفل أنه سمع النبي ﷺ يأمر بالغسل، وكان إسلامه سنة سبع، وسياق روايته واضح في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.
قالوا: إن الشافعية أنفسهم لم يأخذوا بحديث ابن المغفل، لأنهم لم يوجبوا ثماني غسلات، عملا بظاهر قوله: "وعفروه الثامنة بالتراب" قلنا: إن ترك الشافعية العمل بظاهره لا يبرر للحنفية ترك العمل به رأسا، لأنهم اعتذروا عن ظاهره بالجمع بينه وبين حديث أبي هريرة. فقالوا: لما كان التراب جنسا غير الماء، جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودا باثنتين، فإطلاق الغسلة الثامنة على الترتيب مجاز. والله أعلم.
ثالثا: أقوال العلماء وأدلتهم في تربية الكلاب، وبيعها، وقتلها:
وفي تربية الكلاب قال الحافظ ابن حجر: في الكلب بهيمية وسبعية، كأنه مركب وفيه منافع للحراسة والصيد، وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره. وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح ﵇. اهـ.
وقد صرح الحديث الخامس بأن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، وسبب ذلك كما في صحيح مسلم عن ابن عباس عن ميمونة أن جبريل وعد النبي ﷺ أن يأتيه، فلم يأته، فقال النبي ﷺ : أما والله ما أخلفني. قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب كان تحت فسطاط لنا، فأمر به، فأخرج. ثم أخذ بيده ماء، فنضح مكانه فلما أمسى لقيه جبريل ﵇. فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة؟ قال: أجل. ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب.
стр. 850
وقيل: إنما أمر بذلك تغليظا عليهم، لأنهم كانوا مولعين بها، فقد أخرج مسلم عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان. [لعل سر الأمر بقتل الأسود البهيم قبح منظره، والاشمئزاز منه، وتشبيهه بالشيطان للتنفير من اقتنائه] ونقل النووي عن إمام الحرمين أن الأمر بقتل الأسود البهيم كان في الابتداء. وهو الآن منسوخ. اهـ. لكن الإمام أحمد يحرم اقتناءه مهما كانت الحاجة إليه.
وقد اتفقوا على أن الكلب العقور يقتل، ويحرم اقتناؤه، وهو الكلب الذي يعقر الناس، ويعدو عليهم، ويخيفهم. فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه ﷺ قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور" وإذا جاز للمحرم قتله فغيره من باب أولى.
كما اتفقوا على أنه لا يجوز اقتناء الكلاب لغير حاجة، كأن يقتني كلبا إعجابا بصورته، أو للمفاخرة به، فهذا حرام، وشذ من قال: إنه مكروه.
كما اتفقوا على جواز اقتناء الكلب للصيد، ولحراسة الماشية، ولحراسة الزرع، للنص على الترخيص بها.
واختلف في اقتنائه لحراسة الدور والدروب، وفي اقتناء الجرو ليعلم، وفي اتخاذه لاقتفاء الأثر. والصحيح إلحاق الحاجات المشروعة بالصيد والماشية والزرع، لأن الترخيص فيها للحاجة، فيرخص لكل ما شابهها، مما يجلب منفعة أو يدفع مضرة، قياسا.
هذا عن حكم الاقتناء، أما حكم القتل فالأصح أنه يجوز قتل غير المأذون فيه، ولا يجوز قتل المأذون في تربيته، فإن قتل غرم، فقد روى الطحاوي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما، وقضى في كلب ماشية بكبش.
وقد وردت أحاديث ظاهرها منع بيع الكلب، وتحريم ثمنه، ففي البخاري عن أبي مسعود الأنصاري "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي وحلوان الكاهن" وروى أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعا "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب. وقال: إن جاء يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابا".
وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عمر "نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاربا، يعني مما يصيد".
فهذه الأحاديث حجة للشافعي في تحريم بيع الكلب مطلقا، معلما كان أو غير معلم مما يجوز اقتناؤه أو مما لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه، والعلة في تحريم بيعه نجاسته، وهي قائمة في المعلم وغيره.
وعند الحنفية يجوز بيعه، وتجب القيمة على متلفه، لأنه منتفع به حراسة واصطيادا، وأجابوا عن أحاديث النهي عن ثمنه بأنها صدرت أيام الأمر بقتل الكلاب، وكان الانتفاع بها يومئذ محرما.
стр. 851
وعن مالك ثلاث روايات: رواية كالشافعية، ورواية كالحنفية، ورواية لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه، وقال القرطبي: مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب، وكراهية بيعه، ولا يفسخ إن وقع. اهـ.
وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره، فقد أخرج النسائي من حديث جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد".
(ملحوظة) حكم الخنزير حكم الكلب في كل ما سبق عند الشافعية وذهب أكثر العلماء إلى أن الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعا، وهو قول الشافعي قال النووي: وهو قوي في الدليل. والله أعلم.
-[رابعا: ويؤخذ من الحديثين من الأحكام فوق ما تقدم]-
١ - أن حكم النجاسة يتعدى عن محلها إلى ما يجاورها، بشرط كونه مائعا.
٢ - وأن المائعات تنجس إذا وقع في جزء منها نجاسة.
٣ - وأن الإناء ينجس إذا اتصل بالمائع النجس.
٤ - وأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير، لأن ولوغ الكلب لا يغير الماء الذي في الإناء غالبا.
٥ - وأن ورود الماء على النجاسة يخالف ورودها عليه، لأنه أمر بإرقة الماء لما وردت عليه النجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه، وأمر بغسله، وحقيقته تتأدى بما يسمى غسلا ولو كان ما يغسل به أقل مما أريق.
٦ - أخذ الأوزاعي من قوله "في إناء أحدكم" إخراج ماء المستنقع، لكن الجمهور على أن العبرة بالماء القليل.
٧ - وفيه بيان لطف الله ورأفته بعباده، حيث أباح لهم اقتناء الكلاب للحاجة كالصيد والحراسة، ومنعهم من اقتنائها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس.
والله أعلم
стр. 852
(١٢٥) باب البول والاغتسال في الماء الراكد
٥٠٤ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يبال في الماء الراكد.
٥٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه".
٥٠٦ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه".
٥٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا.
-[المعنى العام]-
كانت العرب في بداوتهم لا يحافظون على نظافة مائهم، فترقى بهم الإسلام إلى أعلى درجات المحافظة على النظافة، نهاهم أولا عن البول في الماء الراكد، ثم نهاهم عن الاغتسال في الماء الذي لا يجري، نهاهم عن الانغماس في الآبار والمستنقعات لرفع جنابتهم، لأنهم بذلك يفسدون نقاوة الماء، وإقبال النفوس عليه، ويحولون النفس الأبية عن استعماله في الوضوء أو الشرب، أو طهي الطعام، روى أبو هريرة في ذلك قول رسول الله ﷺ "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" وسمعه السائب مولى هشام بن زهرة فقال: فكيف يفعل يا أبا هريرة من يريد الاغتسال وهو جنب؟ وليس أمامه سوى ماء دائم قليل؟ أجاب أبو هريرة بما يحفظ للماء الباقي نقاوته ونظافته، فقال: يتناوله بإناء صغير ويغترف منه ويصب على نفسه، بعيدا عن مجمع الماء وحوضه، فإن لم يجد إناء، فليغسل كفيه، ثم يغترف بهما.
стр. 853
-[المباحث العربية]-
(لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) الرواية الصحيحة "ثم يغتسل" بالرفع، تنبيها على المانع، أي لا يبل فيه وهو يحتاجه للاغتسال منه وأجاز بعضهم الجزم عطفا على محل "يبولن" وليس بشيء، لأنه يكون الاغتسال منهيا عنه. وليس المعنى عليه، أما النصب فلا يجوز بحال، لأنه يكون بإجراء "ثم" مجرى الواو، في النصب بعدها بإضمار "أن" وهو يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما، دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه، سواء أراد الاغتسال فيه، أو منه، أم لا.
(هذا ما حدثنا أبو هريرة) مفعول "حدثنا" محذوف، وهو الرابط، والتقدير: حدثنا إياه.
(لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري) "الدائم" هو الراكد، وقوله "الذي لا يجري" تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، قال النووي: ويحتمل أنه احترز به راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها.
(لا يغتسل أحدكم) "يغتسل" بالجزم على أن "لا" ناهية، وبالرفع على أنها نافية والنفي أبلغ في النهي، لما فيه من ادعاء الاستجابة، وأنه امتثل وأصبح يخبر عنه.
(في الماء الدائم) أي الساكن، قال الحافظ ابن حجر: يقال: دوم الطائر تدويما إذا صف جناحيه في الهواء، فلم يحركهما.
(وهو جنب) جملة حالية من فاعل "لا يغتسل".
(كيف يفعل يا أبا هريرة؟ ) استفهام حقيقي عن كيفية الاغتسال إذا كان الماء دائما. والمستفهم السائب الراوي عن أبي هريرة.
(يتناوله تناولا) أي يغترف منه، ويصب على نفسه، فيصير مغتسلا من الماء، وليس مغتسلا في الماء.
-[فقه الحديث]-
موضوع هذه الأحاديث نقطتان:
الأولى: حكم البول في الماء الراكد وأضراره.
الثانية: حكم الماء القليل المستعمل في رفع حدث.
أولا: حكم البول في الماء الراكد، وأضراره: أما البول في الماء الراكد فإن الحديث الأول من مجموعتنا يقول عنه "نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الماء الراكد" ويقول الحديث الثاني
стр. 854
"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" ويقول الحديث الثالث "لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم تغتسل منه".
ولا يخفى أن للماء أحوالا أربعة:
١ - فقد يكون كثيرا جاريا، كماء النهر، أو ماء القناة الكبيرة [والمراد من الكثرة ما فوق القلتين وبالقليل ما دونهما] وهذه الحالة غير داخلة في منطوق أحاديثنا، لكن مفهومها يفيد أنه لا يحرم البول فيه، وإن كان الأولى اجتنابه، لأنه وإن لم ينجسه فإنه يجعل النفس تشمئز منه.
٢ - وقد يكون قليلا جاريا، كماء القناة الضيفة القصيرة [والقلة باعتبار مجموع مائها من أصل الجري إلى منتهاه، وقيل: من محل سقوط النجاسة إلى منتهى الجري] وهذه الحالة غير داخلة في منطوق أحاديثنا كذلك، ومفهومها يفيد أنه لا يحرم البول فيه، لكن المختار أنه يحرم، لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي وغيره.
٣ - وقد يكون كثيرا راكدا، كماء البرك، والأحواض الكبيرة، وخزانات المياه، وهذه الحالة داخلة في منطوق أحاديثنا، ويشملها النهي عن البول فيه، وإن كان هذا الماء لا ينجس بالبول فيه، وعلى ذلك قال بعضهم: يكره لضعف الضرر المترتب عليه، والمختار عند المحققين أنه يحرم، لأن النهي يقتضي التحريم عند الأكثرين من أهل الأصول، وفيه من المعنى أنه يقذره، وربما أدى إلى تنجيسه بتكرار البول فيه.
٤ - وقد يكون قليلا راكدا، كماء حوض صغير، أو منخفض قليل، والجمهور على أن هذه الحالة هي المقصودة بالأحاديث، والصواب المختار أن البول فيه حرام، لأنه ينجسه ويتلف ماليته، ويغر غيره باستعماله.
قال العلماء: والتغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء. قال النووي: ولم يخالف في هذا أحد من العلماء، إلا ما حكي عن داود بن علي الظاهري من أن النهي مختص ببول الإنسان بنفسه، وأن الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء، قال: وهذا الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء، وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر. اهـ.
وقال العلماء كذلك: يكره البول والتغوط بقرب الماء وإن لم يصل إليه لعموم نهى النبي ﷺ عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارين بالماء، ولما يخاف من وصوله إلى الماء، أما إذا غلب وصوله إلى الماء، أو وصول الماء عليه فإنه يأخذ حكم البول فيه، وتطبق عليه الأحوال الأربع السابقة.
ثانيا: وأما انغماس من لم يستنج في الماء، ليستنجي فيه، فإن كان كثيرا لا ينجس بوقوع النجاسة فيه وكان جاريا كالنهر، فلا بأس، وإن كان راكدا فالظاهر الكراهة. وأما إن كان قليلا، بحيث
стр. 855
ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء. قاله النووي في شرح مسلم. والله أعلم.
منهم من يقول: إنه نجس، فالنهي في "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" للتحريم، والعلة ما يسببه هذا الاغتسال من تنجيسه.
ومنهم من يقول: إنه طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، فالنهي للتحريم أيضا، والعلة ما يسببه هذا الاغتسال من صيرورته غير صالح لتطهير غيره.
ومنهم من يقول: إنه طاهر في نفسه مطهر لغيره، فالنهي للكراهة، والعلة ما يسببه هذا الاغتسال من الاستقذار.
ولنعرض لهذه المذاهب وأدلتها بشيء من التفصيل.
فأبو يوسف، وأبو حنيفة في روايتين عنه على أنه نجس، وإحدى الروايتين تقول بالنجاسة المخففة، والأخرى بالنجاسة المغلظة.
واحتج لهما بقوله ﷺ في رواية أبي داود في سننه "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من الجنابة" قالوا: فهذا الحديث جمع بين البول والاغتسال، والبول ينجس الماء، فكذا الاغتسال. ورد هذا الاستدلال بأن دلالة الاقتران ضعيفة، لا يلزم اشتراك القرينين في الحكم، فقد قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] فقد قرن الأكل والإيتاء، ولم يشتركا في الحكم، إذ الأكل مباح، والإيتاء واجب، ثم إن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم بلفظ "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه"، [روايتنا الثانية] فهو نهي عن الاغتسال في الماء الدائم الذي حصل فيه البول، وفي روايتنا الرابعة "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" وليس فيها الاقتران بين البول والاغتسال. فهاتان الروايتان خلاف رواية أبي داود، وروايتهما رواية الحافظ عن أبي هريرة.
قالوا: إنه نجس لأنه أدى به فرض طهارة فكان نجسا، كالمزال به نجاسة.
ورد بأنه قياس مع الفارق لأن المزال به نجاسة إنما حكمنا بنجاسته لملاقاته محلا نجسا فانتقلت إليه النجاسة، بخلاف الماء المستعمل، فإنه لاقى طاهرا، فمن أين تأتيه النجاسة؟
وعلل نجاسته بعضهم بأنه ماء الذنوب، فيجب إبعاده، محتجا بما جاء في مسلم "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب".
стр. 856
ورد هذا الاستدلال بما ثبت في البخاري من الأحاديث الدالة على أنهم كانوا يقتتلون على وضوء النبي ﷺ يشربون منه، فلو كان يجب إبعاده لم يتبرك به ولم يشرب، ثم إن خروج الذنوب مع الماء لا ينجس الماء، فلم يقل أحد إن الماء ينجس بالذنوب إلا على سبيل المجاز.
وضعف هذا الرأي بأدلة أخرى، ساقها القائلون بأنه طاهر في نفسه، وهم الشافعية والمالكية والحنابلة وجمهور السلف والخلف ورواية عن أبي حنيفة، من هذه الأدلة:
أنه ماء طاهر، لاقى محلا طاهرا، فكان طاهرا، كما لو غسل به ثوب طاهر.
ومنها ما قاله ابن المنذر من إجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضئ، وما قطر منه على ثيابه طاهر، وقد ثبت بلا خلاف أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ كانوا يتوضئون، ويتقاطر الماء على ثيابهم، ولا يغسلونها.
ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: "مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ يعوداني، فوجداني قد أغمى علي، فتوضأ النبي ﷺ ، وصب علي من وضوئه" فإن قيل: خصوصية قلنا: إن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد، إلى أن يقوم دليل يقضي بالاختصاص، ولا دليل.
ومنها: أن الأصل في الماء الطهارة، والحكم بكونه نجسا حكم شرعي يحتاج إلى دليل لا يتطرق إليه الاحتمال، ولا دليل.
ومنها: أنه يلزمهم أن يقولوا بتحريم شربه، وهو لا يقولون به.
واختلف القائلون بطهارة الماء المستعمل، هل تجوز به الطهارة أو لا؟
فذهب أحمد، والليث، والأوزاعي، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة في رواية عنه إلى أن الماء المستعمل غير مطهر، قال النووي في أحكام فروع هذا المذهب: إن كان قلتين فصاعدا لم يصر الماء مستعملا، ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات، وأما إذا كان دون القلتين، فإن انغمس فيه الجنب بغير نية، ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته، وصار الماء مستعملا، وإن نزل فيه إلى ركبتيه مثلا ثم نوى، قبل انغماس باقيه صار الماء في الحال مستعملا بالنسبة إلى غيره، وارتفعت الجنابة عن ذلك القدر المنغمس، بلا خلاف، وارتفعت أيضا عن القدر الباقي إذا تمم انغماسه، على المذهب الصحيح، لأن الماء إنما يصير مستعملا بالنسبة إلى المتطهر إذا انفصل عنه، أما لو انفصل، ثم عاد إليه، لم يجزئه ما يغسله به بعد ذلك بلا خلاف، ولو انغمس رجلان تحت الماء الناقص عن قلتين، ثم نويا دفعة واحدة ارتفعت جنابتهما، وصار الماء مستعملا، فإن نوى أحدهما قبل الآخر ارتفعت جنابة الناوي، وصار الماء مستعملا بالنسبة إلى رفيقه، فلا ترتفع جنابته على المذهب الصحيح، وقال في شرح المهذب: والماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر لا يصلح لرفع الحدث الأصغر وبالعكس، وفي جواز استعماله في إزالة النجاسة خلاف، والمذهب أنه لا يجوز. ولو جمع المستعمل، حتى صار
стр. 857
قلتين فالأصح زوال حكم الاستعمال، ولو استعمل في نفل الطهارة، كتجديد الوضوء فالصحيح أنه ليس بمستعمل، ويجرى هذا في جميع أنواع نفل الطهارة، كغسل الجمعة، وسائر الأغسال المسنونة، وماء المضمضة والاستنشاق والغسلة الثانية والثالثة. واتفقوا على أن المستعمل في الغسلة الرابعة ليس بمستعمل، لأنها ليست بنفل. اهـ.
وهذه التفريعات مبنية على القول بأن الماء المستعمل غير مطهر، وقد استدل أصحاب هذا القول بأن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم يخرجه عن كونه أهلا للتطهير، لأن النهي ههنا عن مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، والوضوء كالغسل في هذا الحكم لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله بالمتقذرات.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن علة النهي ليست صيرورته مستعملا، بل صيرورته خبيثا بتوارد الاستعمال، فيستقذر. ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى، لأنه في المستعمل في الجنابة، والدعوى كل مستعمل.
كما استدلوا بما رواه أبو داود والترمذي والنسائي أن النبي ﷺ "نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" ووجه الاستدلال أن المراد بفضل طهورها ما سقط عن أعضائها، لأن الباقي في الإناء مطهر باتفاق المنازعين.
ورد هذا الاستدلال بأن الدليل أخص من الدعوى، لأن الدعوى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص المستعمل في طهارة المرأة، على أن الحديث المذكور فيه مقال، وهو معارض بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" وبما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي بلفظ "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله، إني كنت جنبا. فقال: إن الماء لا يجنب" وطريق رفع المعارضة حمل النهي عن أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على التنزيه.
كما استدلوا بأن السلف اختلفوا فيمن وجد من الماء بعض ما يكفيه لطهارته، هل يستعمله، ثم يتيمم للباقي، أم يتيمم ويتركه؟ ولم يقل أحد: يستعمله، ثم يجمعه، ثم يستعمله في بقية الأعضاء، ولو كان مطهرا لقالوه.
قال النووي: وأقرب شيء يحتج به أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ احتاجوا في مواطن في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى.
فإن قيل: تركوا الجمع، لأنه لا يتجمع منه شيء. فالجواب أن هذا لا يسلم ولو سلم في الوضوء لم يسلم في الغسل.
فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب والطبخ والعجن والتبرد ونحوها مع جوازها به بالاتفاق، فالجواب أن ترك جمعه للشرب، ونحوه للاستقذار. فإن النفوس تعافه في العادة وإن كان طاهرا، كما استقذر النبي ﷺ الضب وتركه، فقيل: أحرام هو قال: "لا ولكني أعافه". اهـ.
стр. 858
ورد هذا الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم، لا بما تساقط، وعدم استعمال السلف للماء المستعمل، رد بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن القائلين بطهورية المستعمل كثير منهم كالحسن البصري، والنخعي ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن ثلاثتهم، ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر.
كما رد بأن سبب الترك -بعد تسليم صحته عن السلف- هو الاستقذار وليس زوال الطهورية، وهذا القول هو الذي تستريح إليه النفس، فقد روي عن النبي ﷺ أنه توضأ، فمسح رأسه بفضل ماء في يده، وفي حديث آخر "مسح رأسه ببل لحيته" ولأنه ماء طاهر مطهر، لاقى طاهرا، فبقي مطهرا، كما لو غسل به ثوب طاهر، ولأن ما أدى به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدي به ثانيا، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد وبتراب واحد، وكما يصلي في الثوب الواحد مرارا، ويؤدي بالوضوء الواحد فرائض متعددة، ولأنه لو لم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة أصلا، لأنه بمجرد حصول الماء على العضو يصير مستعملا، فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن لا يرفع الحدث.
لكن المنازعين يقولون برفعه، ويوقفون عدم طهوريته على الانفصال، والانفصال لا يصلح أساسا لسلب الطهورية. ثم إن طهورية الماء بالكتاب والسنة والإجماع، فلا يخرجه عنها إلا دليل صحيح صريح، وما ذكر من الأدلة على أنه غير طهور، ليست صالحة للاحتجاج بحكم الردود التي ذكرناها عليها.
ومع ذلك يكره اغتسال الجنب في الماء القليل الراكد، لما يترتب عليه من القذارة. قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد، قليلا كان أو كثيرا، وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية. قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في البويطي: أكره للجنب أن يغتسل في البئر، معينة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد الذي لا يجري. قال الشافعي: وسواء قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه. هذا نصه، وكذا صرح أصحابنا وغيرهم بمعناه، وهذا كله على كراهة التنزيه، لا التحريم. اهـ.
والله أعلم
стр. 859
(١٢٦) باب إزالة النجاسات إذا حصلت في المسجد
٥٠٨ - عن أنس ﵁ أن أعرابيا بال في المسجد. فقام إليه بعض القوم. فقال رسول الله ﷺ "دعوة ولا تزرموه" قال فلما فرغ دعا بدلو من ماء، فصبه عليه.
٥٠٩ - عن أنس بن مالك أن أعرابيا قام إلى ناحية في المسجد. فبال فيها. فصاح به الناس. فقال رسول الله ﷺ "دعوه" فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذنوب فصب على بوله.
٥١٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي. فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله ﷺ . مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ "لاتزرموه. دعوه" فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر. إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ . قال فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه.
-[المعنى العام]-
انتشر الإسلام في البدو والحضر، وسطع نوره في المدينة وشعاب الصحاري، وغزا شغاف القلوب الهينة واللينة، والقلوب القاسية الجافية، كان الأعراب خلف أغنامهم يسمعون به فيؤمنون، وتبلغهم دعوته فيستجيبون، ثم ينتهزون فرصة قربهم من المدينة فينزلون إليها، ويقصدون مسجدها، لينعموا برؤية رسول الإسلام ﷺ . ولتطمئن قلوبهم بمشافهة الحق، وسماع الوحي من نبيهم ﷺ ، ومن هؤلاء الأعراب الجفاة ذو الخويصرة اليماني، دخل المسجد النبوي ورسول الله ﷺ يحدث أصحابه، فسلم، ثم صلى، ثم قال بصوته الجهوري: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي ﷺ لقد تحجرت واسعا، لقد ضيقت ساحة رحمة الله التي وسعت كل شيء، بل قل: اللهم ارحمني ومحمدا والمسلمين والمسلمات وجميع عبادك يا كريم.
стр. 860
ثم قام ذو الخويصرة: فانتحى ناحية من المسجد، والتجأ إلى زاوية من زواياه، ثم وقف يبول، ورآه الصحابة فثارت ثائرتهم، وصاحوا به. مه. مه. اكفف. اكفف. به. به. توقف. توقف. وثاروا عليه، واتجهوا نحوه يزجرونه، فناداهم رسول الله ﷺ : تعالوا. تعالوا. دعوه دعوه. لا تزرموه ولا تقطعوا عليه بوله. دعوه فليكمل بوله. قالوا: يا رسول الله. إنها لكبيرة. قال: إنما هو جاهل بالحكم، إنه لا يقصد إساءة المسجد، إنه لا يعرف النجاسة، إنه يظن المكان الذي هو فيه كبقية أماكن الصحراء إن هو بعد عن الناس تبول كيف شاء. وقد بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، يسروا ولا تعسروا، وتحملوا أخف الضررين، تنجس المكان وانتهى الأمر، وقطع بوله سيحدث به تضررا، وسيلوث بدنه وثوبه وأماكن أخرى من المسجد، قالوا: فما العمل يا رسول الله؟ قال ائتوني بدلو كبير مملوء ماء، فجاءوا به فقال: صبوه على مكان بوله شيئا فشيئا، تطهر الأرض. ففعلوا. ثم دعا الرجل، وبمنتهى الرفق واللين قال له: إن هذه المساجد لا يليق بها البول والقذر، وقد خصصت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن: قال: أحسنت يا رسول الله. وجزاك الله خيرا بأبي أنت وأمي. لن أعود لمثلها.
-[المباحث العربية]-
(أن أعرابيا بال في المسجد) الأعرابي واحد الأعراب، وهم من سكن البادية، عربا كانوا أو عجما، فالأعرابي مقابل الحضري، والعربي مقابل العجمي، قيل: إن الأعرابي المذكور هو ذو الخويصرة اليماني، وقيل: إنه الأقرع بن حابس، ولعل في عدم ذكر اسمه تسترا عليه، وفي وصفه بالأعرابي اعتذارا عن فعله، و"أل" في "المسجد" للعهد، والمراد المسجد النبوي، وفي الكلام مضاف محذوف، أي بال في ناحية المسجد وزاوية من زواياه، ففي الرواية الثانية "فقام إلى ناحية في المسجد" وفي رواية للبخاري "فبال في طائفة المسجد".
(فقام إليه بعض القوم) في هذه الرواية حذف، أي فقام إليه بعض القوم يلومونه ففي الرواية الثانية "فصاح به الناس" وفي الثالثة "فقالوا: مه. مه" وفي رواية للبخاري "فتناوله الناس" أي بالزجر واللوم. وفي أخرى للبخاري "فزجره الناس" وللبخاري في الأدب "فثار إليه الناس" أي بألسنتهم، لا بأيديهم.
(دعوه ولا تزرموه) بضم التاء وسكون الزاي وكسر الراء، أي لا تقطعوا عليه بوله، يقال: أزرم الدم والدمع إذا انقطعا، وأزرمته أي قطعته.
(دعا بدلو من ماء) "الدلو" يذكر ويؤنث، واستعمل مذكرا وفي رواية لابن ماجه "بسجل من ماء" و"السجل" بفتح السين وسكون الجيم الدلو العظيمة.
(فصب عليه) الصب السكب، وفاعل الصب يعود على الرسول ﷺ ، لكن لا باعتباره باشر الصب، بل باعتباره الآمر به، وضمير "عليه" يعود على البول على أرض المسجد، المفهوم من المقام،
стр. 861
وضمير المفعول في "فصبه" يعود على الدلو، من إطلاق المحل وإرادة الحال، أو على "الماء" في قوله "من ماء".
(أمر بذنوب فصب على بوله) "الذنوب" بفتح الذال وضم النون الدلو المملوءة ماء، وقال ابن فارس: الدلو العظيمة، وقال ابن السكيت: فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال: لها وهي فارغة ذنوب، اهـ. وقوله: "فصب على بوله" هكذا هو في الأصول، بحذف مفعول "صب" مع بنائه للمعلوم، والتقدير: فصبه، أي أمر بصب ما فيه.
(مه. مه) اسم فعل أمر مبني على السكون، بمعنى اكفف، فإن وصلت نونته، و "مه" الثاني تأكيد، كما تقول: صه. صه. وقال صاحب المطالع: هي كلمة زجر، قيل: أصلها ما هذا؟ ثم حذف تخفيفا، قال: وتقال مكررة: مه. مه. وتقال مفردة. مه. ومثله: به. به. وقال يعقوب: هي لتعظيم الأمر كبخ. بخ. وقد تنون مع الكسر، وينون الأول ويكسر الثاني بغير تنوين. اهـ.
(فشنه عليه) قال النووي: يروى بالشين وبالسين، وهو في أكثر الأصول والروايات بالشين، ومعناه: صبه. وفرق بعض العلماء بينهما، فقال: هو بالسين الصب في سهولة، وبالشين التفريق في صبه. اهـ. وقال ابن الأثير: هو بالسين الصب المتصل، وبالشين الصب المتقطع.
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث للتطهير من النجاسة "ولما كان الإمام مسلم لم يخرج من أحاديث تطهير النجاسات سوى هذا الحديث وأحاديث بول الصبي والمني والدم، الآتية قريبا كان من المناسب أن نعرض هنا إلى مذاهب العلماء في تطهير النجاسات.
والتعبير الدقيق أن تطلق على عين النجاسة وجرمها لفظ "نجس" وعلى ما أصابته من مائع أو جامد لفظ "متنجس".
فالعين النجسة لا تطهر، إلا ما كان من جلود الميتة، على خلاف بين العلماء، أوجزه النووي في سبعة مذاهب:
أحدها: لا يطهر بالدباغ شيء من جلود الميتة. وهو مروي عن عمر وابنه وعائشة، وهو أشهر الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك.
ثانيها: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي داود وإسحاق بن راهويه.
ثالثها: يطهر بالدباغ كل جلود الميتة إلا الكلب والخنزير، وما تولد من أحدهما وهو مذهب الشافعية، وحكوه عن علي وابن مسعود.
стр. 862
رابعها: يطهر بالدباغ كل الجلود إلا جلد الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.
خامسها: يطهر بالدباغ جميع الجلود حتى الكلب والخنزير، إلا أنه يطهر ظاهره، دون باطنه، فيستعمل في اليابس دون الرطب، ويصلي عليه، لا فيه، وهو مذهب مالك فيما حكي عنه.
سادسها: يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة، والكلب والخنزير، ظاهرا وباطنا، قاله داود وأهل الظاهر، وحكاه الماوردي عن أبي يوسف.
سابعها: ينتفع بجلود الميتة بلا دباغ، ويجوز استعمالها في الرطب واليابس، حكي عن الزهري.
ولكل مذهب أدلته تطلب من مواضعها، ولهذه النقطة باب خاص في آخر كتاب الطهارة إن شاء الله تعالى.
أما ما كان من العين النجسة كالبول والعذرة، فإنه لا يطهر في ذاته، وكل ما نفعله إذا أصاب ثوبا أن نزيله ونحوله عنه، وإذا أصاب ماء أو مائعا أن يكثر الماء أو المائع عليه كثرة تضعف أو تخفي تأثيره، فيصلح الماء أو المائع للاستعمال.
وإزالة النجاسة لا تجوز إلا بالماء عند الشافعية والجمهور، وهو منقول عن مالك ومحمد بن الحسن وزفر وإسحق بن راهويه، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وداود: يجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع يسيل، إذا غسل به ثم عصر، كالخل وماء الورد، ولا يجوز بدهن أو مرق، ولو وقعت نجاسة في ماء فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه فهو نجس بالإجماع، سواء كان الماء جاريا أو راكدا كثيرا أو قليلا، تغير تغيرا يسيرا أو فاحشا.
أما إذا لم يتغير الماء بالنجاسة ففيه مذاهب.
فالشافعية: يرون أنه إن كان الماء قلتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دون القلتين نجس، والقلتان خمسمائة رطل، أو ما يقرب من خمس قرب.
والحنفية يرون أنه إن كان الماء بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر نجس، وإلا فلا.
والمالكية: والأوزاعي وسفيان الثوري وداود يرون أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، إلا إذا تغير، قل الماء أو كثر، قال ابن المنذر: وبهذا المذهب أقول واختاره الغزالي في الإحياء، والروياني في كتابيه "البحر والحلية".
ولو وقعت النجاسة في جامد، كالفأرة تموت في السمن، أخرجت وما حولها، وانتفع بالباقي.
والحديث الذي معنا في النجاسة تقع على الأرض، فالحنفية -كما ذكر العيني- يرون أنه إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة كالبول، إن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء يحكم بطهارتها، وإن كانت الأرض صلبة فإن
стр. 863
كانت صعودا، يحفر في أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحفيرة، ثم تكبس الحفيرة.
وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل، بل تحفر، وعن أبي حنيفة لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة وينقل التراب.
ودليلهم على الحفر ما أخرجه الدارقطني عن أنس ... فقال رسول الله ﷺ "احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء" وما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن معقل بن مقرن "خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء" وما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن طاوس قال: بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه فقال النبي ﷺ "احفروا مكانه، واطرحوا عليه دلوا من ماء، علموا، ويسروا ولا تعسروا".
قالوا: والقياس أيضا يقتضي هذا الحكم، لأن الغسالة نجسة، فلا تطهر الأرض ما لم تحفر، وينقل التراب. قال العيني: فإن قلت: قد تركتم الحديث الصحيح، واستدللتم بالحديث الضعيف، قلت: قد عملنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالضعيف -على زعمكم لا على زعمنا- فيما إذا كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض. اهـ.
والظاهر أن العيني اشتبه عليه الأمر، فعكس القول، حيث إنه في الأول قرر أن الحفر في الأرض الصلبة، والصب في الأرض الرخوة، ومقتضاه أنهم عملوا بالصحيح "صب الماء" في الأرض الرخوة وعملوا بالضعيف "الحفر" في الأرض الصلبة. عكس ما يقول.
وعلى كل فهي مغالطة مكشوفة، لأن الواقعة واحدة، والأرض التي بال عليها الأعرابي واحدة، [صلبة أو رخوة] فمن أين جاءوا بالحالة الثانية؟ فالحكم إما صب وإما حفر، إن قالوا: إن أرض المسجد كانت صلبة فقد عطلوا الحديث الصحيح، وإن قالوا: إنها كانت رخوة فقد عطلوا الأحاديث التي استدلوا بها فهم على أي حال لم يعملوا بالحديثين معا. ثم إنه لماذا الأمر بصب الماء حيث أمر بإزالة ما بال عليه من التراب في الأحاديث التي استدلوا بها؟ ثم إن قولهم في القياس: لأن الغسالة نجسة غير مسلم، فإن الغسالة لا تعد نجسة إلا إذا انفصلت متغيرة.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته ﷺ قبل استئذانه.
٢ - وأنه كان مقررا عندهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٣ - وفيه إثبات نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه، ولا فرق بين الكبير والصغير بإجماع من يعتد به، لكن بول الصغير يكفي فيه النضح، قاله النووي.
٤ - وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها وهو مذهب الجمهور.
стр. 864
٥ - وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة عن الأرض المتنجسة، ولا يكفي الجفاف بالريح أو الشمس، لأنه لو كفى ذلك لما حصل التكليف بصب الماء وهو مذهب الشافعي ومالك والحنابلة وزفر، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: هما مطهران، لأنهما يحيلان الشيء.
٦ - وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، لأن البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة، فإذا لم يثبت أن التراب نقل، وعلمنا أن المقصود التطهير، تعين الحكم بطهارة البلة، وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضا مثلها، لعدم الفارق.
٧ - واستدل به على عدم اشتراط نضوب الماء، لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب، إذا لا فارق.
٨ - واستدل به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن التمسك يتحتم عند احتمال التخصيص عند المجتهد، ولا يجب التوقف عن العمل بالعموم لذلك، لأن علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم، من غير توقف على البحث عن التخصيص، ولهذه القصة لم ينكر النبي ﷺ على الصحابة، ولم يقل لهم: لم نهيتم الأعرابي؟ بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة.
٩ - وفيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، لقوله ﷺ "دعوه" قال العلماء: إنما أمروا بتركه يبول في المسجد لمصلحتين:
إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به.
والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد.
١٠ - وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع، لأمرهم عند فراغه بصب الماء.
١١ - وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن ذلك منه عنادا، ولا سيما إذا كان ممن يحتاج إلى استئلافه، يؤخذ ذلك من إنكاره ﷺ لفعل الصحابة، ودعوة الأعرابي وتبصيره بحرمة المساجد.
١٢ - وفيه رأفة النبي ﷺ ، وحسن خلقه.
١٣ - وفيه صيانة المساجد، وتنزيهها عن الأقذار والقذى؟ قال الحافظ ابن حجر: والحصر في قوله "إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن" مفهومه أنه لا يجوز في المسجد شيء غير ما ذكر، وهذا المفهوم غير معمول به بالإجماع. اهـ.
وذكر النووي وغيره جملة مما يجوز عمله في المسجد وما لا يجوز، نذكر منها:
стр. 865
أنه لا يجوز البصاق ولا النخامة، فإن اضطر ففي منديله أو ثوبه، فإن لم يجد وكانت أرض المسجد ترابا حفر ودفنها، وإلا لزمه الخروج من المسجد وقذفها.
ولا يجوز إدخال النجاسات فيه، بل قال النووي: يحرم إدخالها؛ قال اللخمي: ومن رأى بثوبه كثير دم يخرجه، وقيل: يتركه بين يديه، ويستر الدم ببعض الثوب. اهـ. وأرى إخراجه إن لم يخف عليه، فإن خاف عليه وضعه بين يديه وستره، وكذا يقال في نعله. ومن دمي فمه، أو أنفه في المسجد خرج منه فورا لئلا يلوثه، ولا يدخل حجاما فيه وإن جمع في إناء، قال النووي: إن كان في غير إناء فحرام، وإن كان في إناء فمكروه. اهـ. وإن بال في إناء في المسجد، فإن كان لحاجة فمكروه، وإن لم يكن لحاجة فحرام، ومن كان على بدنه أو ثوبه نجاسة، فإن خاف تنجيس المسجد لم يجز له الدخول، فإن أمن ذلك جاز: ويمنع إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون، لغير حاجة مقصودة، لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد، قال النووي: ويجوز أن يمكن الكافر من دخول المسجد بإذن المسلمين، ويمنع من دخوله بغير إذن، وكره مالك قتل القملة فيه، وقتل البرغوث أخف، وتقتل به العقرب والفأرة، وكره في العتبية أكل الطعام به، إلا للمضطر، واستخف للضيف أن يأكل به جاف الطعام كالتمر المنزوع النوى، وليحذر وقوع الفتات، ويكره الدخول بريح الثوم وكذا البصل والكراث والفجل إن آذى، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تجوز فيه الخصومات، ولا البيع، ولا الشراء، ولا سائر العقود، ولا ينشد به ضالة، وينهى عن السؤال فيه، قال ابن عبد الحكم: ولا يعطى فيه للسائل.
قال في المدونة: ولا يأخذ المعتكف من شعره وأظفاره فيه. ولا يحدث به حدث الريح، وجازت القراءة فيه للكتب الحلال، قال ابن حبيب: ولا بأس بالشعر غير الهجاء، ولا يقرأ به ما فيه كذب وفحش، قال سحنون: لا يعلم الصبيان به، وهو خلاف عمل الشيوخ فالصحيح جوازه مع تعليمهم آداب المسجد.
أما الوضوء في المسجد فقد قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد، إلا أن يتوضأ في مكان يبله، أو يتأذى به الناس فإنه مكروه، وكره مالك وسحنون الوضوء بالمسجد، وقال ابن القاسم: ترك الوضوء بصحنه أحب إلي، وقال المحققون: إن كان فيه موضع معد للوضوء، فلا بأس به، وإلا فلا. فينبغي أن تكون أماكن قضاء الحاجة بعيدة ومنفصلة عن المسجد، لئلا يحصل منها الأذى بالتلويث أو الرائحة.
وأما الجلوس في المسجد، فإن كان لعبادة، أو قراءة علم، أو درس، أو سماع موعظة أو انتظار صلاة، أو نحو ذلك فهو مستحب، ويثاب عليه، وإن كان لأمور الدنيا المباحة غير المحرمة، وغير المكروهة فقد قال بعض الشافعية: إنه مكروه، والصحيح أنه مباح وتركه أولى، ويكره أن يوضع فيه فراش أو وسادة للجلوس عليها.
وأما النوم في المسجد فقد قال النووي: يجوز النوم عندنا في المسجد، نص عليه الشافعي -رحمه الله تعالى- في الأم قال ابن المنذر في الإشراق: رخص في النوم في المسجد ابن المسيب
стр. 866
والحسن وعطاء والشافعي. وقال ابن عباس. لا تتخذوه مرقدا. وروي عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس. وقال الأوزاعي: يكره النوم في المسجد. وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر. وقال أحمد: إن كان مسافرا أو شبهه فلا بأس، وإن اتخذه مقيلا أو مبيتا فلا.
واحتج من جوزه بنوم علي بن أبي طالب ﵁ وابن عمر وأهل الصفة والمرأة صاحبة الوشاح، وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية وغيرهم، وأحاديثهم في الصحيح مشهورة.
ثم قال: ويجوز الاستلقاء في المسجد، وهز الرجل، وتشبيك الأصابع للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك من فعل رسول الله ﷺ .
ثم قال: ويستحب استحبابا متأكدا كنس المسجد وتنظيفه للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه.
والله أعلم
стр. 867
(١٢٧) باب حكم بول الطفل الرضيع
٥١١ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم. فأتي بصبي فبال عليه. فدعا بماء. فأتبعه بوله ولم يغسله.
٥١٢ - عن عائشة ﵂ قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي يرضع فبال في حجره. فدعا بماء فصبه عليه.
٥١٣ - عن أم قيس بنت محصن ﵂ أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها لم يأكل الطعام. فوضعته في حجره. فبال. قال فلم يزد على أن نضح بالماء.
٥١٤ - عن الزهري بهذا الإسناد وقال "فدعا بماء فرشه".
٥١٥ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أم قيس بنت محصن (وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله ﷺ ، وهي أخت عكاشة بن محصن. أحد بني أسد بن خزيمة) قال: أخبرتني؛ أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام. قال عبيد الله: أخبرتني؛ أن ابنها ذاك بال في حجر رسول الله ﷺ . فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلا.
-[المعنى العام]-
تتمثل الإنسانية الحقة في العطف والمودة، واللطف والمحبة بين الناس، وأعلى درجاتها ما يكون بين الرجل والأطفال، فإنها آنذاك خالصة بريئة، لا تستهدف مقابلا، ولا ترجو من الطفل نفعا، إنها أنذاك نابعة من القلب والوجدان والإحساس المرهف، والصدر الحنون ولقد كان رسول الله ﷺ المثل الأعلى في هذا العطف، فقد كان يحمل الصبيان، ويتحمل أذاهم بصدر رحب، ونفس راضية، يركبون
стр. 868
على ظهره في سجوده، فيظل ﷺ ساجدا إشفاقا عليهم، وخوفا عليهم من الوقوع، ويبولون على ثيابه، فينزعج من حوله من الصحابة، وتحاول أم الطفل خطفه، فيقول: دعوه حتى يتم بوله ولا تقطعوه، ويراه بعضهم يقبل طفلا، فيعجب، فيقول: تقبلون الأطفال يا رسول الله؟ نحن لا نقبلهم، فيقول ﷺ : وما لنا وقد قدت قلوبكم من الحجارة؟ من لا يرحم لا يرحم.
ومن أجل غمر الأطفال بالحنان، وعدم التحرز أو التأفف ممن حملهم خفف الله عن الأمة معالجة أذاهم وتبعاتهم، وعفا عن غسل بولهم، واكتفى بصورة الغسل لا حقيقته، بل بمجرد الرش، ونضح قليل الماء.
وشاعت هذه الشريعة السمحة بين أمهات الأطفال، كما شاع حب الرسول ﷺ لهم، ورأفته بهم، وتحنيكه ودعاؤه لهم، فأسرعت كثيرات من الأمهات بحمل أطفالهن إلى رسول الله ﷺ ، يلتمسن منه الدعاء، ويرجون منه التحنيك، ومن هؤلاء أم قيس، حملت طفلها الذي يقتصر على رضاعة اللبن ولم يأكل بعد الطعام وذهبت إلى رسول الله ﷺ فوضعته في حجره، فمضغ تمرة ثم أخذها يدلك بها سقف حلق الطفل والحنك، ثم دعا له بالبركة، وبينما هو كذلك بال الطفل في حجره ﷺ ، ورأت الأم البول يسيل على ثوب الرسول الكريم ﷺ ، فأسرعت تخطفه من حجره. فقال دعيه. وتركه حتى أكمل بوله، ثم أعطاه لها، ودعا بقليل من ماء فرشه على ثيابه، ومكان بلله فصدق من سماه الرءوف الرحيم، وخاطبه بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤].
-[المباحث العربية]-
(كان يؤتى بالصبيان) بكسر الصاد، ويجوز ضمها، جمع صبي، قال الجوهري: الصبي الغلام، والجمع صبية وصبيان، وفي المخصص: يكون صبيا مادام رضيعا، وفي المنتخب: أول ما يولد الولد يقال له: وليد وطفل وصبي. اهـ. والصبايا جمع صبية.
(فيبرك عليهم) بضم الياء وفتح الباء وكسر الراء المشددة، أي يدعو لهم بالبركة وفي القاموس: البركة النماء والزيادة والسعادة، والتبريك الدعاء بها وبارك الله لك وفيك، وعليك، وباركك. اهـ. يتعدى باللام، و"في"، و"على" وبنفسه، وخص الصبيان بهذه الدعوة لأن الصبي في أول الأمر، قابل للبركة والزيادة، مبتدئ لها في جسمه وعقله وحياته.
(ويحنكهم) في القاموس: الحنك -بفتح الحاء والنون- باطن أعلى الفم من داخل، أو الأسفل من طرف مقدم اللحيين، وحنكه تحنيكا دلك حنكه وحنك الصبي مضع تمرا أو غيره فدلكه بحنكه. اهـ. وفيه لغتان: حنكته بتشديد النون، وحنكته بتخفيفها، والرواية هنا "فيحنكهم" بالتشديد، وهي أشهر اللغتين.
(فأتي بصبي) قال الحافظ ابن حجر: يظهر لي أن المراد به ابن أم قيس المذكور في الرواية
стр. 869
بعده، ويحتمل أن يكون الحسن بن علي، أو الحسين، فقد ثبت في الأحاديث بول كل منهما في حجره ﷺ . اهـ. ويحتمل غيرهما، فقد كان يؤتى بالصبيان كما في أول الرواية، ولا يتوقف على معرفة شخصية الصبي شيء في المقصود من الحديث، اللهم إلا إثبات البركة لمن تثبت شخصيته، لما هو معلوم من قبول دعائه ﷺ .
(فدعا بماء فأتبعه بوله) أي أتبع الرسول ﷺ البول الذي على الثوب أتبعه الماء فصبه عليه.
(أتي بصبي يرضع) بفتح الياء، أي رضيع، وهو الذي لم يفطم.
(فبال في حجره) بفتح الحاء وكسرها، لغتان مشهورتان.
(لم يأكل الطعام) قال الحافظ ابن حجر: المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها، فكأن المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال.
وحمل المرفق الحموي في شرح التنبيه قوله "لم يأكل" على ظاهره، فقال: معناه لم يستقل بجعل الطعام في فيه.
وقال ابن التين: يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوت بالطعام، ولم يستغن به عن الرضاع ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته، ليحنكه ﷺ فيحمل النفي على عمومه. والأول أولى.
(أم قيس بنت محصن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد.
(وكانت من المهاجرات الأول) من مكة إلى المدينة، فقد أسلمت بمكة قديما وهي من المعمرات.
(وهي أخت عكاشة بن محصن) "عكاشة" بتشديد الكاف على المشهور وهو صاحب القولة المشهورة "سبقك بها عكاشة" التي أصبحت مثلا، وأصلها في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب" قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ "اللهم اجعله منهم" وفي رواية قال: "أنت منهم" فقام آخر فقال: يا رسول الله. ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عكاشة".
(لم يبلغ أن يأكل الطعام) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، مفعول "يبلغ" والتقدير: لم يبلغ أكل الطعام.
(فنضحه على ثوبه) قال ابن سيده: نضح الماء عليه، ينضحه نضحا، إذا ضربه بشيء، فأصابه منه رشاش، ونضح عليه الماء رش.
стр. 870
-[فقه الحديث]-
الحديث دليل للشافعية على أن بول الصبي يكتفى فيه باتباع الماء إياه، ولا يحتاج إلى الغسل.
والمذاهب في المسألة يحكيها النووي: فيقول: الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وإنه لم يخالف فيه إلا داود، ثم قال: وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا. الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بد من غسله، كغيره من النجاسات. الثاني: أنه يكفي النضح فيهما. الثالث: لا يكفي النضح فيهما. قال: وهما شاذان ضعيفان. اهـ.
فمشهور مذهب الشافعية وأحمد وداود التفرقة بين بول الصبي وبول الجارية، فيرش على مكان بول الصبي، ويغسل مكان بول الجارية، واستدلوا بحديث عائشة وأم قيس السابقين.
وبما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن النبي ﷺ أنه قال في الرضيع: "يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام".
وبما أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي والطحاوي من حديث لبابة بنت الحارث، أخت ميمونة بنت الحارث، زوج النبي ﷺ ، قالت: "كان الحسين بن علي ﵄ في حجر رسول الله ﷺ ، فبال عليه، فقلت: البس ثوبا، وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر".
وبما أخرجه الطبراني في الكبير "أنه يصب من الغلام، ويغسل من الجارية".
وبما أخرجه الطبراني في الأوسط "أن النبي ﷺ أتى بصبي، فبال عليه فنضحه، وأتى بجارية، فبالت عليه، فغسله".
وبما أخرجه ابن ماجه أن رسول الله ﷺ قال: "بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل".
وقالوا في سر التفرقة: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، فحصلت الرخصة في الذكور، لكثرة المشقة، وقيل. إن بول الجارية أغلظ وأشد رائحة من بول الغلام، فروعيت كثافة النجاسة فيه، فوجب غسله. والله أعلم.
ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما أنه لا يفرق بين بول الصغير والصغيرة في نجاسته، وجعلوهما سواء في وجوب الغسل منهما.
قالوا: والنضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل، فيحمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل، وقالوا عن حديث أم قيس: إن المراد من قولها "ولم يغسله غسلا" أي غسلا مبالغا فيه.
стр. 871
وواضح أن هذه التأويلات خلاف الظاهر، ويبعدها ما ورد في الأحاديث التي ذكرناها من التفرقة بين بول الصبي والجارية.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - الرفق بالصغار والشفقة عليهم، برسول الله ﷺ ، حيث كان يأخذهم في حجره، ويتلطف بهم، حتى إن منهم من يبول على ثوبه، فلا يؤثر فيه ذلك، ولا يتغير، بل ثبت أنه ﷺ لم يكن يزعج الصبي أو يحركه أو يدفعه إلى من بجواره، بل كان يرد من يحاول ذلك، وكان ﷺ يخفف الصلاة عند سماعه بكاء الصبي وأمه وراءه.
٢ - وحمل الأطفال إلى أهل الفضل والصلاح، لتبريكهم والدعاء لهم.
٣ - قال النووي: وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل.
٤ - وفيه ندب تحنيك الأطفال.
والله أعلم
стр. 872
(١٢٨) باب حكم المني
٥١٦ - عن علقمة والأسود أن رجلا نزل بعائشة. فأصبح يغسل ثوبه. فقالت عائشة: إنما كان يجزئك؛ إن رأيته، أن تغسل مكانه. فإن لم تر، نضحت حوله. ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا. فيصلي فيه.
٥١٧ - عن عائشة ﵂ في المني. قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ .
مثله.
٥١٨ - عن عمرو بن ميمون قال: سألت سليمان بن يسار عن المني يصيب ثوب الرجل. أيغسله أم يغسل الثوب؟ فقال: أخبرتني عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب. وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه.
وأما ابن المبارك وعبد الواحد ففي حديثهما قالت كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ
٥١٩ - عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنت نازلا على عائشة. فاحتلمت في ثوبي. فغمستهما في الماء. فرأتني جارية لعائشة. فأخبرتها. فبعثت إلي عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك. قال قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئا؟ قلت. لا. قالت: فلو رأيت شيئا غسلته. لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسا بظفري.
стр. 873
-[المعنى العام]-
كانت عائشة - زوج النبي ﷺ أما للمؤمنين بحق، إليها يلجأ المؤمنون عند شدائدهم، ويقصدونها في مشاكلهم، ويأوون إلى دارها في أسفارهم وكانت نعم الأم أعدت دارها لاستقبال الفقير والمسكين والسائل وابن السبيل أعدت دارا للضيافة ملحقة بدارها، وأسندت خدمة الضيوف والنازلين إلى جاريتها.
ونزل بساحتها عبد الله بن شهاب الخولاني، فبات ليله، فأصبح يذكر أنه رأى في منامه ما يرى النائم، رأى في منامه أنه مع امرأة يجامعها، وظن أنه بذلك نجس الفراش الذي نام عليه، فأخذ الفراش المكون من ثوبين وغمسهما كلهما في الماء، رأته جارية عائشة فأخبرت بذلك أم المؤمنين، فأسفت لما فعل، وقالت: لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصبعه، إن كان قد أمنى، فربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصبعي. ثم أمرت خادمتها أن تدعوه إليها. فجاء، ومن وراء حجاب سلم على أم المؤمنين، فردت السلام، ثم قالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ ولماذا غمستهما كلهما في الماء؟ قال: يا أم المؤمنين. رأيت ما يرى النائم في منامه، فأردت تطهير الثوبين. قالت له: هل رأيت فيهما بللا؟ قال: لا. قالت: لو كنت رأيت بللا لكفاك غسل مكان البلل دون غمس الثوب كله، ولو كنت رأيت يابسا لكفاك فركه بأصبعك، أما وقد اشتبه عليك الأمر، ولم تعرف إن كان قد أصاب الثوب شيء أو لم يصبه؟ ولم تعرف مكان الإصابة إن كان قد أصاب فقد كان يكفيك أن ترش المكان المشتبه فيه ببعض الماء، وأن تنضح المكان المظنون وحوله، طردا للوسوسة والشك وتثبيتا للاطمئنان، ولقد كنت أحك المني اليابس من ثوب رسول الله ﷺ بأظافري، فيخرج بثوبه هذا، فيصلي فيه.
-[المباحث العربية]-
(أن رجلا نزل بعائشة) الظاهر أنه هو عبد الله بن شهاب الخولاني المصرح به في الرواية الرابعة، وفي الكلام حذف، أي نزل ضيفا ببيت عائشة أم المؤمنين ﵂.
(فأصبح يغسل ثوبه) جملة "يغسل ثوبه" خبر "أصبح" والمراد من الثوب الجنس، بما يصدق على المثنى والجمع، للتوفيق بين ما هنا وبين الرواية الرابعة "ثوبي" بالتثنية.
(إنما يجزئك أن تغسل مكانه) الضمير في "مكانه" وفي "إن رأيته" يرجع إلى المفهوم من الفحوى والمقام، إذ لم يسبق له ذكر، والمراد به المني الناشئ عن رؤية ما يراه النائم، والمصدر المنسبك من "أن تغسل" فاعل "يجزئك" بضم الياء والهمز.
(فإن لم تر نضحت حوله) مفعول "ترى" محذوف، والمعنى فإن لم تحدد مكانه وتر آثاره نضحت مكانه تقديرا واجتهادا، وزدت على المكان شيئا.
стр. 874
(ولقد رأيتني أفركه فركا) جملة "أفركه" في محل النصب على الحال، أي ولقد رأيتني فاركة إياه من ثوب رسول الله ﷺ ، و"فركا" مفعول مطلق مؤكد لعامله.
(فيصلي فيه) الضمير المجرور يعود على الثوب الذي أصابه المني ونظف بالفرك.
(عن المني يصيب ثوب الرجل) جملة "يصيب" في محل النصب على الحال من "المنى" وسمي المنى منيا لأنه يمنى، أي يصب، يقال: أمنى، ومني بالتخفيف، ومني بالتشديد، والأولى أفصح، وبها جاء القرآن. قال تعالى: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى﴾ [القيامة: ٣٧]؟ وقال: ﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ [الواقعة: ٥٨] وللمني صفات يتميز بها عن غيره مما يخرج من القبل. قال النووي: فمني الرجل في حال صحته أبيض ثخين، يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة، ويخرج بشهوة. ويتلذذ بخروجه، ثم إذا خرج يعقبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض. هذه صفات، وقد يفقد بعضها مع أنه مني موجب للغسل بأن يرق ويصفر لمرض، أو يخرج بغير شهوة ولا لذة لاسترخاء وعائه، أو يحمر لكثرة الجماع ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطا ويكون طاهرا موجبا للغسل. وأما مني المرأة فأصفر رقيق، ولا خاصية له إلا التلذذ، وفتور شهوتها عقب خروجه. اهـ.
(أيغسله) أي: أيغسل المكان الذي أصيب من الثوب؟
(أم يغسل الثوب) كله، ما أصيب وما لم يصب؟
(أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني) من ثوبه، أي يزيله عن ثوبه بالغسل، أو يغسل مكانه من الثوب، وإسناد الغسل إلى ضميره ﷺ قيل: على سبيل الحقيقة، وأنه فعل ذلك بنفسه، وقيل: على سبيل المجاز وأن التي كانت تغسل زوجه، والثاني هو الموافق لعموم الروايات، وإن جاز أن يكون قد فعل ذلك بنفسه مرة تواضعا ومشاركة.
(ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه) جملة "وأنا أنظر" إلخ حال من فاعل "يخرج" والرابط محذوف، أي يخرج في حالة نظري إلى أثر غسل ثوبه، أو من "الثوب" أي يخرج بثوبه المبلل حالة كونه منظورا إليه مني. والجملة كناية عن الخروج بالثوب مبللا، وعدم انتظار الجفاف، للحاجة إلى الخروج إلى الصلاة، وعدم وجود غير الثوب المبلل.
(فاحتلمت في ثوبي) في القاموس: حلم بفتح اللام، واحتلم رأى رؤيا والاحتلام الجماع في النوم. اهـ. وفي الكلام حذف، والأصل رأيت رؤيا جماع وأنزلت في ثوبي.
(فغمستهما في الماء) أي غمست الثوبين في الماء لغسلهما، والظاهر أنه غمس الثوبين كلهما، ولم يكتف بغمس مكان الإصابة منهما.
стр. 875
(رأيت ما يرى النائم في منامه) المراد من الموصول رؤيا الجماع، لا أي رؤيا وهذا أدب رفيع في التعبير عما يستهجن.
(هل رأيت فيهما شيئا) المراد من الشيء المني، والمعنى هل رأيت في الثوبين بلل المني؟ أو جرمه أو أثره؟
(لو رأيت شيئا غسلته) الأسلوب يتسم بالإنكار، أي لو كنت رأيت شيئا لحسن غسلك، لكن حيث لم تر شيئا فما كان ينبغي لك أن تغسل معتقدا وجوب الغسل.
وقال النووي: قولها "فلو رأيت شيئا غسلته" هو استفهام إنكار، حذفت منه الهمزة، وتقديره: أكنت غاسله معتقدا وجوب غسله؟ . اهـ. وتقدير الاستفهام هنا بعيد متكلف.
(أحكه يابسا بظفري) أي أفركه جافا وأحكه بظفري.
-[فقه الحديث]-
ذهب الشافعي وأحمد وإسحق وداود إلى أن المني طاهر، وأنه لا يفسد الماء إن وقع فيه، وأن حكمه في ذلك حكم النخامة، واستدلوا: بأحاديث الباب وهي تفيد الغسل تارة والفرك أخرى، فحملوا الغسل على الاستحباب للتنظيف، لا على الوجوب، قالوا: وبهذا يعمل بالأحاديث وبالقياس معا، لأنه لو كان نجسا لكان القياس وجوب غسله، دون الاكتفاء بفركه، كالدم وغيره وقالوا: ما لا يجب غسل يابسه، لا يجب غسل رطبه، كالمخاط، فسقوط الغسل في يابسه يدل على طهارته.
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠] وتكريمه لا يتناسب وجعل أصله نجسا، وبقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا﴾ [الفرقان: ٥٤] فقد سماه ماء، وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل على أنه أراد به التشبيه في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهرا.
وقالوا: إن المني أصل الأنبياء والأولياء، فيجب أن يكون طاهرا.
كما استدلوا بما رواه ابن خزيمة عن عائشة ﵂ "كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر [أي تمسح المني الرطب بعود من الإذخر وهو نبت طيب الرائحة] ثم يصلي فيه، وتحته من ثوبه يابسا، ثم يصلي فيه" فإن هذا الحديث يتضمن ترك الغسل في الحالتين. وبما رواه أيضا عن عائشة "أنها كانت تحكه من ثوبه ﷺ ".
قالوا: وعلى تقدير عدم ورود شيء من ذلك، فليس في حديث الغسل ما يدل على نجاسة المني، لأن غسلها فعل، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده قاله الحافظ ابن حجر.
وذهب مالك وأبو حنيفة وآخرون إلى أن المني نجس، أما المالكية فلم يعرفوا الفرك والعمل عندهم على وجوب غسله رطبا ويابسا.
стр. 876
وحمل بعضهم أحاديث الفرك على الدلك بالماء، وهو مردود برواية مسلم -الرواية الرابعة في الباب- وفيها "وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسا بظفري" وقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة والثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا يطهرها الفرك، ومع ذلك لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها حتى تغسل، فالمني كذلك، وهذا القول مردود أيضا بما جاء في مسلم، في الرواية الأولى بلفظ "ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا، فيصلي فيه" فهذا الحديث نص في فرك ثوب الصلاة. قالوا: يحتمل أن يكون في هذا الحديث حذف وأصله "ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا [فأغسله] فيصلي فيه فالفاء في "فيصلي فيه" عاطفة على محذوف. قلنا: هذا احتمال بعيد واه، إذ الأصل في الفاء أنها للترتيب والتعقيب.
وقال بعضهم: إن أحاديث فرك ثوب الرسول ﷺ لا تدل على تطهير المني بالفرك لاحتمال أن مني النبي ﷺ طاهر خصوصية له. قلنا: إن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال ولو كان خصوصية لكانت عائشة أعلم الناس بها، ولما أنكرت على ضيفها الغسل، ولما قالت عنه لجاريتها في رواية الترمذي "إنما يكفيه أن يفركه بأصبعه".
قال الحافظ ابن حجر: وعن تقدير صحة كونه من الخصائص أن منيه كان عن جماع فيخالط مني المرأة. اهـ. يعني إن كان منيه ﷺ طاهرا وصح فركه فكيف صح فركه حين امتزج بمني غيره؟ وهذا الرد ضعيف لاحتمال أن المرأة لم تمن في هذه المرة فالامتزاج غير ثابت. والأولى ما رددنا به أولا.
وأما الحنفية فقد قالوا: إن المني نجس، والقياس وجوب غسله مطلقا رطبا ويابسا، ولكن خص هذا العموم بحديث الفرك يابسا، فالفرك بخصوص المني اليابس مطهر.
قال العيني مدافعا عن الحنفية: فإن قلت: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط؟ قلت: لا نسلم أن القياس صحيح، لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلا، والمني موجب لأكبر الحدثين وهو الجنابة. اهـ. وهذا دفاع واه، كما لا يخفى، لأن موطن النزاع عين المني وجرمه، هل هو طاهر أو نجس، وليس النزاع في أثر خروجه، فقد تحدث الجنابة بالطاهر، كالتقاء الختانين دون إنزال.
ودافع مرة ثانية، فقال: فإن قلت: سقوط الغسل في يابسه يدل على الطهارة؟ قلت: لا نسلم ذلك، كما في موضع الاستنجاء. اهـ. وهذه مغالطة مكشوفة لأن النزاع: هل الفرك يطهر النجاسة أو لا بد من غسلها، ولم يقل الحنفية ولا غيرهم إن الأحجار تطهر من الغائط، وإنما تبيح الصلاة مع وجود أثر النجاسة بل الغسل ساقط في الرطب في الاستنجاء بالأحجار فالمقصود من قولهم هو: سقوط الغسل في اليابس عند تطهير ما يجب تطهيره يدل على الطهارة، وسقوط الغسل عند الاستنجاء ليس عند تطهير المحل، بل عند استباحة الصلاة.
стр. 877
ثم دافع مرة ثالثة فقال: قياسكم المني على الدم قياس فاسد، لأنه لم يأت نص بجواز الفرك في الدم ونحوه، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص. اهـ. وكان الأولى بالعيني أن يقول: قياسكم قياس صحيح، لكنا [أهل الرأي والقياس] تركنا القياس هذه المرة واقتصرنا على النص.
ودافع مرة رابعة فقال: والرد على الحنفية برواية ابن خزيمة عن عائشة ﵂ "كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتحته من ثوبه يابسا، ثم يصلي فيه" وأن هذه الرواية تدل على ترك الغسل في الحالتين. قال: هذا الرد غير صحيح وليس فيه دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون ﵊ كان يفعل ذلك. فيطهر الثوب، والحال أن المني في نفسه نجس. اهـ. وهذا الدفاع من العيني أو هي دفاع، إذ لم يقل الحنفية ولا غيرهم أن نجاسة ما رطبة، أصابت ثوبا، فتشربها، يمكن تطهيره بمسحها بعود من نبات. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - جواز سؤال النساء عما يستحيا منه، لمصلحة تعلم الأحكام.
٢ - وخدمة المرأة زوجها في غسل ثيابه ونحو ذلك، خصوصا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة.
٣ - خروج المصلي إلى المسجد بثوبه الذي غسل، قبل جفافه.
٤ - استدل بعضهم بقولها في الرواية الثالثة: "وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه على أن بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النجاسة وغيرها لا يضر. ذكره الحافظ ابن حجر.
٥ - قال النووي: وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على طهارة رطوبة فرج المرأة، وفيها خلاف مشهور عندنا وعن غيرنا، والأظهر طهارتها وتعلق المحتجون بهذا الحديث بأن قالوا: الاحتلام مستحيل في حق النبي ﷺ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني الذي على ثوبه ﷺ إلا من الجماع، ويلزم من ذلك مرور المني على موضع أصاب رطوبة الفرج، فلو كانت الرطوبة نجسة لتنجس بها المني، ولما تركه في ثوبه، ولما اكتفى بالفرك.
والله أعلم
стр. 878
(١٢٩) باب نجاسة الدم وكيفية غسله
٥٢٠ - عن أسماء ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ . فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال "تحته. ثم تقرصه بالماء. ثم تنضحه. ثم تصلي فيه".
-[المعنى العام]-
حرص الإسلام على تعلم المرأة أمور دينها، وشجعها على حضور مجلس الوعظ وحضور المساجد، وقال الرسول ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ولما كثر الرجال في مجالس العلم، وبعد النساء على مسامع الصوت طلبن من رسول الله ﷺ أن يجعل لهن يوما فجعل لهن يوما، وحرضت عائشة على عدم الحياء في العلم، وبمدح نساء الأنصار، إذ قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
ومن هذا المنطلق السمح الحنيف تأتي أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن حكم دم الحيض. تسأله عن حكم ما يصيب ثوبها من دم الحيض، تقول: يا رسول الله إذا لم يكن للمرأة إلا ثوب واحد تحيض فيه فأصابه الدم من الحيضة، كيف تصنع به لتصلي؟ قال لها رسول الله ﷺ : إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرضه، وتحته بإصبعها، ثم تغسله وتدلكه بالماء، ثم ترشه بالماء، ثم تصلي فيه. قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره؟ وإن لم يزل لونه من الثوب بعد الحت والغسل؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره. قالت عائشة: كانت إحدانا تحيض، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح وترش على سائره، ثم تصلي فيه.
-[المباحث العربية]-
(عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق ﵄.
(جاءت امرأة) في رواية الشافعي عن هشام في هذا الحديث أن "أسماء" هي السائلة، وأنكر النووي هذا، وضعف الرواية، قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه لإنكاره، لأنه لا يبعد أن يبهم الراوي اسم نفسه.
стр. 879
(إحدانا) مبتدأ، والجملة بعده خبر، قال الحافظ ابن حجر: "إحدانا" أي أزواج النبي ﷺ . اهـ. وهو مبني على أن السائلة أسماء، والأولى أن يكون المراد إحدانا معشر النساء، أعم من أزواج النبي ﷺ ولو كانت السائلة أسماء.
(يصيب ثوبها من الحيضة) "الحيضة" بفتح الحاء الحيض و"من" اسم بمعنى "بعض" فاعل "يصيب" والتقدير: يصيب ثوبها بعض الحيضة.
(كيف تصنع به؟ ) "كيف" اسم استفهام مفعول مقدم لتصنع. أي ماذا تصنع بثوبها المصاب؟ .
(قال: تحته) بفتح التاء، وضم الحاء وتشديد التاء، أي تحكه، وتفركه وتقشره وتنحته، وقيل: الحت دون النحت.
(ثم تقرصه بالماء) بفتح التاء، وسكون القاف، وضم الراء، وبالصاد أو الضاد، قال في المغرب: الحت القرص باليد، والقرص بأطراف الأصابع، وفي المحكم: القرص التخميش والقرض بالأصبع، وقد قرضه وقرصه. اهـ. والمعنى: تحكه وتفركه جافا بدون ماء، ثم تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها مع الماء ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه مع الماء.
قال القاضي عياض: رويناه بفتح التاء وسكون القاف وضم الراء، وبضم التاء وفتح القاف وكسر الراء المشددة قال: وهو الدلك بأطراف الأصابع، مع صب الماء عليه، حتى يذهب أثره.
(ثم تنضحه) بفتح الضاد وضم الحاء، أي تغسله. قاله الخطابي وقال القرطبي: المراد به الرش، لأن غسل الدم استفيد من قوله "تقرضه بالماء" وأما النضح فهو لما شك فيه من الثوب. قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا يكون الضمير في "تنضحه" عائدا على الثوب، بخلاف "تحته" فإنه يعود على الدم. فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو خلاف الأصل، فالأحسن ما قاله الخطابي.
-[فقه الحديث]-
-[يستفاد من الحديث]-
١ - أن الدم نجس، قال النووي: والدلائل على نجاسته متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافا عن أحد المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتمد بهم في الإجماع، قال: وفي دم السمك والجراد والدم المتحلب من الكبد والطحال وجهان مشهوران، والأصح في الجميع النجاسة.
وممن قال بنجاسة دم السمك مالك وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: طاهر. وأما دم القمل والبراغيث والبق ونحوها فنجسة عندنا، لكن يعفى عنها في الثوب والبدن للحاجة، وممن قال:
стр. 880
بنجاسة هذه الدماء مالك. وقال أبو حنيفة: هي طاهرة، ومما تعم به البلوى الدم الباقي على اللحم وعظامه، فيعفى عنه، ولو غلبت حمرة الدم في القدر، لعسر الاحتراز. اهـ.
٢ - وأنه يجب غسل النجاسات من الثياب عند إرادة الصلاة فيها.
٣ - وأن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد. قال النووي: واعلم أن الواجب في إزالة النجاسة الإنقاء، فإن كانت النجاسة حكمية -وهي التي لا تشاهد بالعين، كالبول ونحوه- وجب غسلها مرة، ولا تجب الزيادة، ولكن يستحب الغسل ثانية وثالثة، لقوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا"، وأما إذا كانت النجاسة عينية كالدم وغيره، فلا بد من إزالة عينها، ويستحب غسلها بعد زوال العين ثانية وثالثة، وهل يشترط عصر الثوب إذا غسله؟ فيه وجهان. الأصح أنه لا يشترط. وإذا غسل النجاسة العينية فبقي لونها لم يضره، بل قد حصلت الطهارة، وإن بقى طعمها فالثوب نجس، فلا بد من إزالة الطعم، وإن بقيت الرائحة ففيه قولان للشافعي: أصحهما يطهر، والثاني لا يطهر. اهـ. وهذا في نجاسة غير الكلب والخنزير، وقد سبق بيان حكمها.
٤ - قال الخطابي: فيه دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء، دون غيره من المائعات، قال الحافظ ابن حجر: لأن جميع النجاسات بمثابة الدم، ولا فرق بينه وبينها إجماعا، قال: وتعين الماء لإزالة النجاسة هو قول الجمهور.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف وداود أنه يجوز تطهير النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع طاهر [كالبنزين والغاز والخل والكحول] ولا يجوز بدهن ومرق. واحتجوا بحديث عائشة "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها [أي بلته بريقها، كما جاء في رواية أبي داود] فمصعته بظفرها" أي فركته وحللته بظفرها. رواه البخاري.
قالوا: لو كان الريق لا يطهر لزادت النجاسة باستعماله، وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلا لأثره، ثم غسلته بعد ذلك.
كما استدلوا بحديث مسح النعل، وفرك المني، وحته، وإماطته بإذخرة. ورد بأننا لا نسلم النجاسة حتى نسلم التطهير بالمسح.
وقالوا: إن مجرد الأمر بالماء في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقا فذكر الماء في حديث الباب خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، كقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ [النساء: ٢٣] والمعنى أن الماء أكثر وجودا من غيره، ثم إن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ثم إنه مفهوم، ولا يعمل به عندنا؛ ولم يأت دليل يقتضي حصر التطهير في الماء.
ورد عليهم بأن الحديث نص على الماء، فإلحاق غيره به يكون بالقياس وشرطه أن لا ينقص الفرع
следующие страницы →