Полный текст (6 200 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وحمل بعضهم أحاديث الفرك على الدلك بالماء، وهو مردود برواية مسلم -الرواية الرابعة في الباب- وفيها "وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسا بظفري" وقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة والثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا يطهرها الفرك، ومع ذلك لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها حتى تغسل، فالمني كذلك، وهذا القول مردود أيضا بما جاء في مسلم، في الرواية الأولى بلفظ "ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا، فيصلي فيه" فهذا الحديث نص في فرك ثوب الصلاة. قالوا: يحتمل أن يكون في هذا الحديث حذف وأصله "ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا [فأغسله] فيصلي فيه فالفاء في "فيصلي فيه" عاطفة على محذوف. قلنا: هذا احتمال بعيد واه، إذ الأصل في الفاء أنها للترتيب والتعقيب.
وقال بعضهم: إن أحاديث فرك ثوب الرسول ﷺ لا تدل على تطهير المني بالفرك لاحتمال أن مني النبي ﷺ طاهر خصوصية له. قلنا: إن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال ولو كان خصوصية لكانت عائشة أعلم الناس بها، ولما أنكرت على ضيفها الغسل، ولما قالت عنه لجاريتها في رواية الترمذي "إنما يكفيه أن يفركه بأصبعه".
قال الحافظ ابن حجر: وعن تقدير صحة كونه من الخصائص أن منيه كان عن جماع فيخالط مني المرأة. اهـ. يعني إن كان منيه ﷺ طاهرا وصح فركه فكيف صح فركه حين امتزج بمني غيره؟ وهذا الرد ضعيف لاحتمال أن المرأة لم تمن في هذه المرة فالامتزاج غير ثابت. والأولى ما رددنا به أولا.
وأما الحنفية فقد قالوا: إن المني نجس، والقياس وجوب غسله مطلقا رطبا ويابسا، ولكن خص هذا العموم بحديث الفرك يابسا، فالفرك بخصوص المني اليابس مطهر.
قال العيني مدافعا عن الحنفية: فإن قلت: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط؟ قلت: لا نسلم أن القياس صحيح، لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلا، والمني موجب لأكبر الحدثين وهو الجنابة. اهـ. وهذا دفاع واه، كما لا يخفى، لأن موطن النزاع عين المني وجرمه، هل هو طاهر أو نجس، وليس النزاع في أثر خروجه، فقد تحدث الجنابة بالطاهر، كالتقاء الختانين دون إنزال.
ودافع مرة ثانية، فقال: فإن قلت: سقوط الغسل في يابسه يدل على الطهارة؟ قلت: لا نسلم ذلك، كما في موضع الاستنجاء. اهـ. وهذه مغالطة مكشوفة لأن النزاع: هل الفرك يطهر النجاسة أو لا بد من غسلها، ولم يقل الحنفية ولا غيرهم إن الأحجار تطهر من الغائط، وإنما تبيح الصلاة مع وجود أثر النجاسة بل الغسل ساقط في الرطب في الاستنجاء بالأحجار فالمقصود من قولهم هو: سقوط الغسل في اليابس عند تطهير ما يجب تطهيره يدل على الطهارة، وسقوط الغسل عند الاستنجاء ليس عند تطهير المحل، بل عند استباحة الصلاة.
стр. 877
ثم دافع مرة ثالثة فقال: قياسكم المني على الدم قياس فاسد، لأنه لم يأت نص بجواز الفرك في الدم ونحوه، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص. اهـ. وكان الأولى بالعيني أن يقول: قياسكم قياس صحيح، لكنا [أهل الرأي والقياس] تركنا القياس هذه المرة واقتصرنا على النص.
ودافع مرة رابعة فقال: والرد على الحنفية برواية ابن خزيمة عن عائشة ﵂ "كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتحته من ثوبه يابسا، ثم يصلي فيه" وأن هذه الرواية تدل على ترك الغسل في الحالتين. قال: هذا الرد غير صحيح وليس فيه دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون ﵊ كان يفعل ذلك. فيطهر الثوب، والحال أن المني في نفسه نجس. اهـ. وهذا الدفاع من العيني أو هي دفاع، إذ لم يقل الحنفية ولا غيرهم أن نجاسة ما رطبة، أصابت ثوبا، فتشربها، يمكن تطهيره بمسحها بعود من نبات. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - جواز سؤال النساء عما يستحيا منه، لمصلحة تعلم الأحكام.
٢ - وخدمة المرأة زوجها في غسل ثيابه ونحو ذلك، خصوصا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة.
٣ - خروج المصلي إلى المسجد بثوبه الذي غسل، قبل جفافه.
٤ - استدل بعضهم بقولها في الرواية الثالثة: "وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه على أن بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النجاسة وغيرها لا يضر. ذكره الحافظ ابن حجر.
٥ - قال النووي: وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على طهارة رطوبة فرج المرأة، وفيها خلاف مشهور عندنا وعن غيرنا، والأظهر طهارتها وتعلق المحتجون بهذا الحديث بأن قالوا: الاحتلام مستحيل في حق النبي ﷺ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني الذي على ثوبه ﷺ إلا من الجماع، ويلزم من ذلك مرور المني على موضع أصاب رطوبة الفرج، فلو كانت الرطوبة نجسة لتنجس بها المني، ولما تركه في ثوبه، ولما اكتفى بالفرك.
والله أعلم
стр. 878
(١٢٩) باب نجاسة الدم وكيفية غسله
٥٢٠ - عن أسماء ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ . فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال "تحته. ثم تقرصه بالماء. ثم تنضحه. ثم تصلي فيه".
-[المعنى العام]-
حرص الإسلام على تعلم المرأة أمور دينها، وشجعها على حضور مجلس الوعظ وحضور المساجد، وقال الرسول ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ولما كثر الرجال في مجالس العلم، وبعد النساء على مسامع الصوت طلبن من رسول الله ﷺ أن يجعل لهن يوما فجعل لهن يوما، وحرضت عائشة على عدم الحياء في العلم، وبمدح نساء الأنصار، إذ قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
ومن هذا المنطلق السمح الحنيف تأتي أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن حكم دم الحيض. تسأله عن حكم ما يصيب ثوبها من دم الحيض، تقول: يا رسول الله إذا لم يكن للمرأة إلا ثوب واحد تحيض فيه فأصابه الدم من الحيضة، كيف تصنع به لتصلي؟ قال لها رسول الله ﷺ : إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرضه، وتحته بإصبعها، ثم تغسله وتدلكه بالماء، ثم ترشه بالماء، ثم تصلي فيه. قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره؟ وإن لم يزل لونه من الثوب بعد الحت والغسل؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره. قالت عائشة: كانت إحدانا تحيض، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح وترش على سائره، ثم تصلي فيه.
-[المباحث العربية]-
(عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق ﵄.
(جاءت امرأة) في رواية الشافعي عن هشام في هذا الحديث أن "أسماء" هي السائلة، وأنكر النووي هذا، وضعف الرواية، قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه لإنكاره، لأنه لا يبعد أن يبهم الراوي اسم نفسه.
стр. 879
(إحدانا) مبتدأ، والجملة بعده خبر، قال الحافظ ابن حجر: "إحدانا" أي أزواج النبي ﷺ . اهـ. وهو مبني على أن السائلة أسماء، والأولى أن يكون المراد إحدانا معشر النساء، أعم من أزواج النبي ﷺ ولو كانت السائلة أسماء.
(يصيب ثوبها من الحيضة) "الحيضة" بفتح الحاء الحيض و"من" اسم بمعنى "بعض" فاعل "يصيب" والتقدير: يصيب ثوبها بعض الحيضة.
(كيف تصنع به؟ ) "كيف" اسم استفهام مفعول مقدم لتصنع. أي ماذا تصنع بثوبها المصاب؟ .
(قال: تحته) بفتح التاء، وضم الحاء وتشديد التاء، أي تحكه، وتفركه وتقشره وتنحته، وقيل: الحت دون النحت.
(ثم تقرصه بالماء) بفتح التاء، وسكون القاف، وضم الراء، وبالصاد أو الضاد، قال في المغرب: الحت القرص باليد، والقرص بأطراف الأصابع، وفي المحكم: القرص التخميش والقرض بالأصبع، وقد قرضه وقرصه. اهـ. والمعنى: تحكه وتفركه جافا بدون ماء، ثم تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها مع الماء ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه مع الماء.
قال القاضي عياض: رويناه بفتح التاء وسكون القاف وضم الراء، وبضم التاء وفتح القاف وكسر الراء المشددة قال: وهو الدلك بأطراف الأصابع، مع صب الماء عليه، حتى يذهب أثره.
(ثم تنضحه) بفتح الضاد وضم الحاء، أي تغسله. قاله الخطابي وقال القرطبي: المراد به الرش، لأن غسل الدم استفيد من قوله "تقرضه بالماء" وأما النضح فهو لما شك فيه من الثوب. قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا يكون الضمير في "تنضحه" عائدا على الثوب، بخلاف "تحته" فإنه يعود على الدم. فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو خلاف الأصل، فالأحسن ما قاله الخطابي.
-[فقه الحديث]-
-[يستفاد من الحديث]-
١ - أن الدم نجس، قال النووي: والدلائل على نجاسته متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافا عن أحد المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتمد بهم في الإجماع، قال: وفي دم السمك والجراد والدم المتحلب من الكبد والطحال وجهان مشهوران، والأصح في الجميع النجاسة.
وممن قال بنجاسة دم السمك مالك وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: طاهر. وأما دم القمل والبراغيث والبق ونحوها فنجسة عندنا، لكن يعفى عنها في الثوب والبدن للحاجة، وممن قال:
стр. 880
بنجاسة هذه الدماء مالك. وقال أبو حنيفة: هي طاهرة، ومما تعم به البلوى الدم الباقي على اللحم وعظامه، فيعفى عنه، ولو غلبت حمرة الدم في القدر، لعسر الاحتراز. اهـ.
٢ - وأنه يجب غسل النجاسات من الثياب عند إرادة الصلاة فيها.
٣ - وأن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد. قال النووي: واعلم أن الواجب في إزالة النجاسة الإنقاء، فإن كانت النجاسة حكمية -وهي التي لا تشاهد بالعين، كالبول ونحوه- وجب غسلها مرة، ولا تجب الزيادة، ولكن يستحب الغسل ثانية وثالثة، لقوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا"، وأما إذا كانت النجاسة عينية كالدم وغيره، فلا بد من إزالة عينها، ويستحب غسلها بعد زوال العين ثانية وثالثة، وهل يشترط عصر الثوب إذا غسله؟ فيه وجهان. الأصح أنه لا يشترط. وإذا غسل النجاسة العينية فبقي لونها لم يضره، بل قد حصلت الطهارة، وإن بقى طعمها فالثوب نجس، فلا بد من إزالة الطعم، وإن بقيت الرائحة ففيه قولان للشافعي: أصحهما يطهر، والثاني لا يطهر. اهـ. وهذا في نجاسة غير الكلب والخنزير، وقد سبق بيان حكمها.
٤ - قال الخطابي: فيه دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء، دون غيره من المائعات، قال الحافظ ابن حجر: لأن جميع النجاسات بمثابة الدم، ولا فرق بينه وبينها إجماعا، قال: وتعين الماء لإزالة النجاسة هو قول الجمهور.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف وداود أنه يجوز تطهير النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع طاهر [كالبنزين والغاز والخل والكحول] ولا يجوز بدهن ومرق. واحتجوا بحديث عائشة "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها [أي بلته بريقها، كما جاء في رواية أبي داود] فمصعته بظفرها" أي فركته وحللته بظفرها. رواه البخاري.
قالوا: لو كان الريق لا يطهر لزادت النجاسة باستعماله، وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلا لأثره، ثم غسلته بعد ذلك.
كما استدلوا بحديث مسح النعل، وفرك المني، وحته، وإماطته بإذخرة. ورد بأننا لا نسلم النجاسة حتى نسلم التطهير بالمسح.
وقالوا: إن مجرد الأمر بالماء في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقا فذكر الماء في حديث الباب خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، كقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ [النساء: ٢٣] والمعنى أن الماء أكثر وجودا من غيره، ثم إن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ثم إنه مفهوم، ولا يعمل به عندنا؛ ولم يأت دليل يقتضي حصر التطهير في الماء.
ورد عليهم بأن الحديث نص على الماء، فإلحاق غيره به يكون بالقياس وشرطه أن لا ينقص الفرع
стр. 881
عن الأصل في العلة، وليس في غير الماء ما في الماء من رقته وسرعة نفوذه فلا يلحق به. قاله الحافظ ابن حجر.
ومن الإنصاف القول بأن بعض المائعات كالخل والبنزين لا تنقص عن الماء في إزالة آثار النجاسة، بل تزيد عليه، وحيث كان القصد الإنقاء وإزالة عين النجاسة -طعمها وريحها ولونها- وسال المائع وعصر، فإنه يلحق بالماء. نعم الماء أصل في التطهير، لوصفه بذلك في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله ﷺ : "الماء طهور" فهو يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها، وقد يتعين غيره مطهرا، كالدباغ في جلود الميتة مثلا، لكن كونه أصلا لا يمنع قيام غيره مقامه إذا أدى مؤداه، ومن الإنصاف أيضا القول بأن بعض المائعات إن أدى مؤدي الماء في إزالة النجاسة فإنه لا يؤدي مؤداه في رفع الحدث، خلافا لما ذهب إليه ابن أبي ليلى، حيث جوز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع طاهر، وخلافا لما روي عن أبي حنيفة من أنه جوز الوضوء بالنبيذ، وهو مردود بقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣].
بقي أن يقال: إذا لم يمكن إزالة جرم النجاسة بالماء وحده وجب إضافة ما يزيل جرمها، [كالصابون والبوتاس] ووجب الحت والقرض، فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيضة يصيب الثوب، فقال "حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر" قال ابن الأعرابي: الضلع هنا العود.
٥ - ويستفاد من الحديث أنه لا فرق بين قليل الدم وكثيره في وجوب تطهيره، لقوله ﷺ . "تحته، ثم تقرصه بالماء" حيث لم يفرق بين قليله وكثيره، ولم يسألها عن مقداره، وهو مذهب الشافعية، ويؤيدهم قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] ولم يرخصوا إلا في دم البراغيث لعدم التمكن من التحرز عنه.
أما المالكية والحنفية فقد حملوا الحديث على الدم الكثير. قال مالك: قليل الدم معفو عنه، ويغسل قليل سائر النجاسات. وحدد الحنفية القليل بما دون الدرهم، واستندوا إلى ما روي عن علي وابن مسعود أنهما قدرا النجاسة بالدرهم.
قال العيني: وكفى بهما في حجة الاقتداء.
وقدر العيني الدرهم بمثل عرض الكف، ونقل ذلك عن المحيط، وأيد هذا التقدير بما روي عن عمر ﵁ أنه قدره بظفره. قال: وفي المحيط: وكان ظفره قريبا من كفنا. اهـ. وليس من السهل علينا أن نتصور أن ظفر عمر كان قدر كف طفل، فضلا عن كونه قدر كفنا.
ومما استدل به ما روي عن أبي هريرة من أنه كان لا يرى بالقطرة والقطرتين بأسا في الصلاة، وما روي عن ابن عمر أنه عصر بثرة، فخرج منها دم، فمسحه بيده وصلى. ورغم أن هذه الآثار
стр. 882
واهية، ورغم أنها لا تدل على ما ذهب إليه الحنفية من العفو عن قدر الكف نجد العيني يتحامل على الشافعية، ويقول: فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطا من أبي هريرة وابن عمر، ولا أكثر رواية عنهما حتى خالفوهما، حيث لم يفرقوا بين القليل والكثير. اهـ.
ومما استدل به العيني ما نقله عن ابن بطال من استدلاله على حمل الحديث على الدم الكثير، بقوله: إن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحا. قال: وهو كناية عن الكثير الجاري. اهـ. والذي عليه المفسرون أن المراد بالسفوح السائل، وليس فيه معنى الكثرة، بل كل ما إذا وضع على شيء تجاوز موضعه وسال إلى ما حوله، وهذا احتراز عن الكبد والطحال.
٦ - وفيه جواز سؤال المرأة عما يستحيا من ذكره.
٧ - والإفصاح بذكر ما يستقذر للضرورة.
٨ - وجواز مشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمور الدين.
٩ - واستحباب فرك النجاسة اليابسة ليهون غسلها.
والله أعلم
стр. 883
(١٣٠) باب وجوب الاستبراء من البول وعقوبة من يتهاون فيه
٥٢١ - حدثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال "أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" قال فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا".
٥٢٢ - عن سليمان الأعمش بهذا الإسناد غير أنه قال "وكان الآخر لا يستتزه عن البول (أو من البول) ".
-[المعنى العام]-
الإسلام دين نظافة، نظافة الباطن، ونظافة الظاهر، نظافة السلوك، ونظافة البدن والثياب، يمثل السلوك الخاطئ المشي بالنميمة بين الناس، ويمثل القذر في الثياب والبدن عدم التنزه من البول، والتعرض للتلوث من بقاياه، بسبب عدم الاستبراء منه بالحجارة أو الماء.
أمران قد يستهين بهما المسلم، ولا يحسبهما من الكبائر التي يعذب عليها بعد الموت، مع أنهما من أول ما يعذب من أجله المؤمن في قبره.
يصور الحديث هذا المنظر. رسول الله ﷺ يمر مع بعض أصحابه بمقابر المدينة، فيقول لأصحابه: إني أسمع صوت إنسانين في هذين القبرين يعذبان، أسمعني الله بقدرة أودعها في سمعي، إن أصواتهما أصوات تأوه وتضجر وتألم، وقد أخبرني ربي أنهما يعذبان في أمرين استهانا بهما، يعذبان في معصيتين ليستا كبيرتين في حسبان الناس، لكنهما عند الله كبيرتان، كان أحدهما في دنياه لا يتحرز من بقايا بوله، فكان البول يصيب بدنه وثوبه، فتبطل صلاته وهو لا يدري، وكان الآخر في دنياه ينقل الحديث السيئ من القائل إلى المقول فيه، ويزيد عليه للوشاية والإيقاع بين الناس.
وأخذت الشفقة والرحمة برسول الله ﷺ ، فتوجه إلى الله بالدعاء أن يخفف عنهما، ثم طلب من
стр. 884
أصحابه جريدة خضراء لينة، بما عليها من خوص أخضر، فشقها نصفين، ووضع على كل قبر من القبرين نصفا، وقال: لعل الله يخفف عن المعذبين هذين بسبب تسبيح الجريدة الخضراء مادامت رطبة، إلى أن تيبس وتجف. ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(أما إنهما ليعذبان) في الكلام مضاف محذوف، أي إن صاحبيهما ليعذبان، وقيل: إن الضمير للقبرين، من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال فيه و"أما" حرف استفتاح مثل "ألا".
(وما يعذبان في كبير) "ما" نافية، والمعنى: وليسا يعذبان في أمر كبير شاق، بل في أمر سهل الترك يسير.
(أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة) "أما" حرف شرط وتفصيل، قامت مقام مهما يكن من شيء، والفاء لازمة في تلو تاليها، و"النميمة" نقل كلام الغير بقصد الإضرار.
(وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) وفي الرواية الملحقة "لا يستنزه من البول" وفي رواية البخاري "لا يستبرئ من البول" قال النووي: وكلها صحيحة، ومعناها لا يتجنبه، ولا يتحرز منه. اهـ.
فمعنى "لا يستتر من بوله" لا يجعل بينه وبينه سترة، يعني لا يتحفظ منه وحمله بعضهم على ظاهره، فقال: معناه لا يستر عورته، وهو مردود لأن التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقل الكشف بالسببية، فيترتب العذاب عليه، سواء وجد البول أم لا، وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعين الحمل على المعنى الأول لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد، لأن مخرجه واحد.
(فدعا بعسيب رطب) "العسيب" بفتح العين وكسر السين: الجريد والغصن من النخل، قاله النووي. وقال الحافظ ابن حجر: العسيب هي الجريدة التي لم ينبت فيها الخوص، فإن نبت فهي السعفة، وخص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف. اهـ.
(فشقه باثنين) قال النووي: الباء زائدة، و"اثنين" منصوب على الحال.
(ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا) المراد بالواحد النصف. وفي رواية للبخاري "فغرز" وفي أخرى له أيضا "فوضع".
(لعله أن يخفف عنهما) شبه "لعل" بعسى، فأتى بأن في خبرها. ذكره الكرماني. قال ابن مالك: يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن، وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنها في حكم جملة، لاشتمالها على مسند ومسند إليه، قال: ويحتمل أن تكون "أن" زائدة مع كونها ناصبة، كزيادة الباء مع كونها جارة. اهـ.
стр. 885
و"لعل" للترجي، وقيل: للتعليل بناء على أنه أوحى إليه ﷺ أن ذلك يخفف عنهما.
(ما لم ييبسا) "ما" مصدرية زمانية، أي مدة عدم اليبس.
-[فقه الحديث]-
في الحديث وجوب التنزه من البول، وعقوبة مخالفة: أما عدم التنزه من البول فإن الحديث صريح في أنه من أسباب عذاب القبر، ويرى العلماء أنه من الكبائر، ويؤولون قوله ﷺ "وما يعذبان في كبير" فيقول النووي: وقد ذكر العلماء فيه تأويلين. أحدهما: أنه ليس بكبير في زعمهما وإن كان كبيرا في حقيقته. والثاني: أنه ليس بكبير تركه عليهما، وحكى القاضي عياض تأويلا ثالثا. فقال: ليس بأكبر الكبائر. اهـ.
ويؤيد أنه من الكبائر رواية البخاري "وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير" ورواية البخاري في باب الوضوء "وما يعذبان في كبير، بل إنه كبير" قال النووي: فثبت بهاتين الزيادتين الصحيحتين أنه كبير. ثم قال: وسبب كونه كبيرا أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، فتركه كبيرة بلا شك. اهـ.
ولما كانت رواية مسلم "لا يستتر من بوله" ظنه بعضهم من كشف العورة وحمله على ذلك، ولم يضع في حسابه الروايات الأخرى للحديث "لا يستنزه". "لا يستبرئ". "لا يتوقى" وقد هاجمه ابن دقيق العيد. فقال: لو حمل "الاستتار" على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية. قال الحافظ ابن حجر: يشير إلى ما صححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعا "أكثر عذاب القبر من البول" أي بسبب ترك التحرز منه، ويؤيده أن لفظ "من" في هذا الحديث لما أضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار -الذي عدمه سبب العذاب- إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول، فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعين على المجاز، لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد، لأن مخرجه واحد، ويؤيده أنه في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه "أما أحدهما فيعذب في البول" ومثله للطبراني عن أنس. اهـ. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - الإيمان بعذاب القبر، كما هو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة.
٢ - ونجاسة الأبوال مطلقا، قليلها وكثيرها، وهو مذهب عامة الفقهاء وذهب أبو حنيفة إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير، اعتبارا للمشقة. وفي الجواهر للمالكية: أن البول والعذرة من بني آدم الآكلين نجسان. وهما طاهران من كل حيوان مباح الأكل، ومكروهان من المكروه أكله.
стр. 886
٣ - ويستدل به على وجوب إزالة النجاسة. خلافا لمن خص الوجوب بوقت إرادة الصلاة.
٤ - وفيه دليل -كما قال الخطابي- على استحباب قراءة القرآن على القبور، لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن أعظم رجاء وبركة. ومذهب أبي حنيفة وأحمد وصول ثواب القراءة إلى الميت. قال النووي: والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت. قال: والأحاديث حجة عليهم، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم، ويصلهم ثوابه. لقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠] وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة، منها قوله ﷺ "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" وقوله "اغفر لحينا وميتنا".
٥ - استدل به ابن بطال على أن التعذيب لا يختص بالكبائر بل قد يقع على الصغائر. قال: لأن الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: يعني قبل هذه القصة، وتعقب بالزيادة الواردة في بعض الروايات وهي تثبت أنه كبيرة كما سبق قريبا.
٦ - وفيه حرمة النميمة، وهي كبيرة بلا خلاف.
٧ - استدل به بعضهم على استحباب وضع الجريد الأخضر على القبور، ويطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار والزهور وغيرها. قال النووي: قيل لكونهما يسبحان ماداما رطبين. وليس لليابس تسبيح. وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] قالوا: معناه: وإن من شيء حي. ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه، ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة الصانع. فيكون مسبحا منزها بصورة حاله؟ والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله تعالى بقوله ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤] وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به، وجب المصير إليه. اهـ.
وأنكر الخطابي ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث. وقال: لا أصل له. ولا وجه له. وقال عن الحديث إنه محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة. لا أن في الجريد معنى يخصه ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس. وقال الطيبي: الحكمة في كونهما مادامتا رطبتين تمنعان العذاب يحتمل أن تكون غير معلومة لنا. كعدد الزبانية. اهـ. وقال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده ﷺ . قال القاضي عياض: لأنه علل غرزها على القبر بأمر مغيب. وهو قوله "ليعذبان" اهـ. والهدف من هذا كله أنه لا يقتدي به ﷺ في هذا الفعل.
وقد حمل على ذلك الحافظ ابن حجر فقال: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟ أن لا نتسبب
стр. 887
له في أمر يخفف عنه العذاب لو عذب. كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا؟ أن ندعو له بالرحمة. وقد تأسى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك. فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان [كما جاء ذلك في البخاري] وهو أولى أن يتبع من غيره. اهـ.
(فائدة) لم يعرف اسم صاحبي القبرين، ولا أحدهما. والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة. لقصد الستر عليهما، وهو عمل مستحسن، وينبغي أن لا يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع منه ما يذم به. قاله الحافظ ابن حجر، ثم قال: والظاهر أنهما كانا مسلمين، إذ حصر سبب عذابهما في البول والنميمة ينفي كونهما كافرين؛ لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف. اهـ. وقال بعضهم: إنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب ولا ترجاه.
والله أعلم
стр. 888
كتاب الحيض
стр. 889
(١٣١) باب مباشرة الحائض فوق الإزار والاضطجاع معها في لحاف واحد
٥٢٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كان إحدانا، إذا كانت حائضا، أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر بإزار، ثم يباشرها.
٥٢٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان إحدانا، إذا كانت حائضا، أمرها رسول الله ﷺ أن تأتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه.
٥٢٥ - عن ميمونة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار، وهن حيض.
٥٢٦ - عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يضطجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب.
٥٢٧ - عن أم سلمة ﵂ قالت: بينما أنا مضطجعة مع رسول الله ﷺ في الخميلة. إذ حضت. فانسللت. فأخذت ثياب حيضتي فقال لي رسول الله ﷺ "أنفست؟ " قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. قالت: وكانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان، في الإناء الواحد، من الجنابة.
-[المعنى العام]-
هبطت حواء من الجنة إلى الأرض، من عالم الطهر والراحة إلى دنيا الأذى والشقاء، وكان مما
стр. 890
أصابها زيادة على آدم ما نزل عليها من دم الحيض والنفاس، وهكذا كتب الله عليها وعلى بناتها هذا الأذى، دم يسيل من الرحم أياما في كل شهر، من يوم وليلة إلى خمسة عشر يوما، دم أسود كريه الرائحة يتكرر شهريا مادامت خالية من الحمل وحتى سن اليأس، فإن هي حملت، وانقطع عنها مدة حملها نزل بعد الولادة أياما قد تبلغ الأربعين يوما تشمئز منه نفسها، فضلا عن زوجها، دم يحد من تشوف المرأة إلى الرجل، وتشوف الرجل إليها. وقد اختلفت معاملات الناس للحائض قبل الإسلام، فكانوا في الجاهلية يتجنبونها فإذا غلبت عليهم شهوتهم أتوها في دبرها، وكان النصارى يجامعونها في فرجها، وكان اليهود والمجوس يبالغون في هجرانها، ويتجنبونها ويعتزلونها حتى بعد انقطاع الدم لمدة سبعة أيام، ويزعمون أن ذلك في كتابهم.
وجاء الإسلام، وتساءل المسلمون؛ فنزل قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] فكان وسطا في المعاملة، وخير الأمور الوسط، وأمر الرسول ﷺ الحائض أن تستر ما بين سرتها وركبتها عن زوجها، لئلا تتقزز نفسه منها، وشرع مباشرتها أعلى إزارها، كما شرع مضاجعتها في الفراش الواحد واللحاف الواحد، لكنه منع وطأها في فرجها، وقال رسول الله ﷺ للرجل الذي سأله: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها".
-[المباحث العربية]-
(كان إحدانا إذا كانت حائضا) قال النووي: هكذا وقع في الأصول "كان إحدانا" من غير تاء في "كان" وهو صحيح، فقد حكى سيبويه في كتابه، في باب ما جرى من الأسماء التي هي من الأفعال وما أشبهها من الصفات مجرى الأفعال قال: وقال بعض العرب: قال امرأة. فهنا نقل الإمام هذه الصيغة، أنه يجوز حذف التاء من فعل ما له فرج، من غير فصل، وقد نقله أيضا ابن خروف في شرح الجمل. قال النووي: ويجوز أن تكون "كان" هنا التي للشأن والقصة. أي كان الأمر أو الحال، ثم ابتدأت، فقالت: إحدانا إذا كانت حائضا أمرها. اهـ.
ثم قال: وأصل الحيض في اللغة السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. والحيض جريان دم المرأة في أوقات معلومة، يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها، والاستحاضة جريان الدم في غير أوانه، قال الأزهري والهروي وغيرهما: ودم الحيض يخرج من قعر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من العاذل، وهو عرق، فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره وقال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا، فهي حائض، بلا هاء. هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحكى الجوهري عن الفراء حائضة بالهاء، ويقال: حاضت وتحيضت ودرست وطمثت وعركت وضحكت ونفست، كله بمعنى واحد، وزاد بعضهم: أكبرت وأعصرت بمعنى حاضت.
стр. 891
(أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر بإزار) المأمور به محذوف، لدلالة "فتأتزر" عليه، والتقدير: أمرها بأن تأتزر فتأتزر، بأن تشد إزارا تستر به ما بين سرتها وركبتها.
(ثم يباشرها) من المباشرة التي هي أن يمس الجلد الجلد، وليس المراد به الجماع وإن كانت ترد بهذا المعنى.
(أن تأتزر في فور حيضها) "فور الحيضة" بفتح الفاء وسكون الواو معناه معظمها ووقت كثرتها، قال الجوهري: فورة الحر شدته، وفار القدر فورا إذا جاشت.
(وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه؟ ) قيل: المراد بالإرب العضو الذي يستمتع به، أي الفرج، وهو بكسر الهمزة وسكون الراء في أكثر الروايات قال النووي: ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه حاجته، وهي شهوة الجماع. اهـ. والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا أحد منكم يضبط شهوته، ويملك نفسه من الوقوع في المحرم وهو مباشرة فرج المرأة كما كان رسول الله ﷺ يملك.
(يباشر نساءه فوق الإزار) أي فوق السرة وأعلى الجسم، أي فوق المكان الذي يستره الإزار، وليس المراد المباشرة مع الحائل الذي هو الإزار، لأن لفظ المباشرة في معناه وضع البشرة على البشرة، ومس الجلد الجلد.
(وهن حيض) بضم الحاء وتشديد الياء المفتوحة، جمع حائض.
(يضطجع معي) أي في فراش واحد وغطاء واحد.
(بينما أنا مضطجعة) "بينما" أصله "بين" ظرف زمان، وزيدت عليه الميم والألف والعامل فيه جوابه "إذ حضت" والتقدير: فاجأني الحيض وقت أن كنت مضطجعة.
(في الخميلة) بفتح الخاء وكسر الميم، ويقال: الخميل بحذف الهاء. قال السكري: هو القطيفة ذات الخمل، والخمل هدب القطيفة ونحوها، مما ينسج ويفضل له فضول، وفي البخاري "مضجعة في خميصة" وفي آخر الرواية "فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة" والخميصة كساء مربع، وقيل: ثوب من خزثخين، له علمان، وهو أسود، فلعل الغطاء كان من قطعتين إحداهما خميصة، والأخرى خميلة.
(فانسللت) أي انسحبت من الفراش في رفق وخفية، لعدم إزعاجه ﷺ ، وكأنها استقذرت نفسها، وترفعت بمضاجعة رسول الله ﷺ في هذه الحالة، أو خافت وصول شيء من الدم إليه، أو أن يطلب منها الاستمتاع بها، أو أن ينزل الوحي عليه ﷺ .
(فأخذت ثياب حيضتي) قال النووي: بكسر الحاء، وهي حالة الحيض أي أخذت الثياب
стр. 892
المعدة لزمن الحيض. هذا هو الصحيح المشهور المعروف في ضبط "حيضتي" في هذا الموضع، قال القاضي عياض: ويحتمل فتح الحاء هنا أيضا، أي الثياب التي ألبسها في حال حيضتي، فإن الحيضة بالفتح هي الحيض. اهـ.
(أنفست؟ ) بفتح النون وكسر الفاء. قال النووي: هذا هو المعروف في الرواية، وهو الصحيح المشهور في اللغة أن "نفست" بفتح النون وكسر الفاء معناه حاضت، وأما في الولادة فيقال: "نفست" بضم النون وكسر الفاء، وقال الهروي: في الولادة "نفست" بضم النون وفتحها، وبالحيض بالفتح لا غير. ونقل أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك غير واحد، وأصل ذلك كله خروج الدم، والدم يسمى نفسا. اهـ.
(قالت: وكانت هي) جردت من نفسها من تتحدث عنها، وكان الأصل: قالت: وكنت.
(يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة) أي من الحدث الأكبر، يقال: أجنب يجنب إجنابا، والجنابة الاسم، وهو في اللغة البعد، وسمي الإنسان جنبا لأنه نهي أن يقرب من مواضع الصلاة ما لم يتطهر.
-[فقه الحديث]-
قسم النووي في شرح مسلم مباشرة الحائض إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يباشرها في الفرج بالجماع. فهذا حرام بإجماع المسلمين وبنص القرآن، قال تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] وبالأحاديث الصحيحة المتضافرة. قال: قال أصحابنا: ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرا مرتدا، ولو فعله إنسان غير معتقد حله، فإن كان ناسيا أو جاهلا بوجود الحيض، أو جاهلا بتحريمه، أو مكرها، فلا إثم عليه، ولا كفارة، وإن وطئها عامدا، عالما بالحيض والتحريم، مختارا، فقد ارتكب معصية كبيرة، نص الشافعي على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان للشافعي:
أصحهما وهو الجديد وقول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وجماهير السلف، أنه لا كفارة عليه وممن ذهب إليه من السلف عطاء وابن أبي مليكة والشعبي والنخعي وكثيرون غيرهم.
والقول الثاني: وهو القديم الضعيف أنه يجب الكفارة، وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحق، وأحمد في الرواية الثانية عنه، قالوا: لأنه وطء محذور، كالوطء في نهار رمضان. واختلف هؤلاء في الكفارة، فقال الحسن وسعيد: عتق رقبة، وقال الباقون: أو نصف دينار، على اختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه الدينار، ونصف الدينار، هل الدينار في أول الدم؟ ونصفه في آخره؟ أو الدينار في زمن الدم؟ ونصفه بعد انقطاعه؟
стр. 893
وتعلقوا بحديث ابن عباس المرفوع "من أتى امرأة وهي حائض، فليتصدق بدينار أو نصف دينار" وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، فالصواب أن لا كفارة. وعلى فرض صحة الحديث تكون الصدقة على الاستحباب.
القسم الثاني: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة، وبالذكر، أو بالقبلة أو المعانقة، أو اللمس أو غير ذلك. وهو حلال باتفاق العلماء. وقد نقل الشيخ أبو حامد الإسفراييني وجماعة كثيرة الإجماع على هذا، وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره من أنه لا يباشر منها شيئا بشيء منه فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردودا بالأحاديث الصحيحة المشهورة المذكورة في الصحيحين وغيرهما في مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده.
ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذي يستمتع به شيء من الدم، أو لا يكون؛ هذا هو الصواب المشهور الذي قطع به جماهير أصحابنا وغيرهم من العلماء للأحاديث المطلقة، وحكى المحلي من أصحابنا وجها لبعض أصحابنا أنه يحرم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة، إذا كان عليه شيء من دم الحيض. وهذا الوجه باطل، لا شك في بطلانه.
القسم الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة، في غير القبل والدبر، وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها عند جماهيرهم، وأشهرها في المذهب أنها حرام والثاني أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل وهو المختار. والوجه الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويثق من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوته، وإما لشدة ورعه جاز، وإلا فلا. وهذا الوجه الحسن.
وممن ذهب إلى الوجه الأول، وهو التحريم مطلقا مالك وأبو حنيفة وهو قول أكثر العلماء، وممن ذهب إلى الجواز عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وأبو ثور وابن المنذر وداود، واحتجوا بحديث أنس الآتي "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" قالوا: وأما اقتصار النبي ﷺ في مباشرته على ما فوق الإزار فمحمول على الاستحباب.
ثم قال النووي: واعلم أن تحريم الوطء والمباشرة على قول من يحرمهما يكون في مدة الحيض، وبعد انقطاعه إلى أن تغتسل، أو تتيمم إن عدمت الماء بشرطه، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض -وهو عشرة أيام عنده- حل وطؤها في الحال، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ اهـ.
وقال داود الظاهري: إذا غسلت فرجها حل الوطء، واحتج لأبي حنيفة بأنه يجوز الصوم والطلاق قبل الغسل، فكذا الوطء، لأن تحريم الوطء هو للحيض وقد زال، وصارت كالجنب، ومن الإنصاف القول بأن القياس مع أبي حنيفة والنص مع الجمهور. والله أعلم.
стр. 894
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - أن الحائض لا بد لها من الاتزار في أيام حيضها، لأن النبي ﷺ أمر عائشة بذلك وذلك لتمتنع المرأة به عن الجماع، وقد روى أبو داود عن ميمونة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذ أو الركبتين، تحتجز به" أي تمتنع المرأة بالإزار عن الجماع. وفي رواية "محتجزة به" أي حال كون المرأة ممتنعة به عن الجماع، فالإزار وقاية وحماية من ثورة الشهوة، وعقبة أمام جموحها نحو مخالفة الشرع.
٢ - أن المباشرة فوق الإزار ودون الركبة إنما تجوز لمن يضبط نفسه ويمنعها من الاسترسال والوقوع في الجماع، أما من لا يملك إربه فلا يجوز له ذلك، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
٣ - أخذ بعضهم من قولها "في فور حيضتها" الفرق بين ابتداء الحيض وبعده، فالمباشرة في نهايته أخف منها في بدايته، ويشهد له ما رواه ابن ماجه في سننه عن أم سلمة ﵂ "أنه ﷺ كان يتقي سورة الدم ثلاثا، ثم يباشرها بعد ذلك".
٤ - وفيه ما كان عليه رسول الله ﷺ من ضبط النفس وقوة الإرادة.
٥ - جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة.
٦ - استحباب اتخاذ المرأة ثيابا للحيض، غير ثيابها المعتادة.
٧ - استدل به بعضهم على أن عرق الحائض طاهر، لأن اضطجاعها معه في لحاف واحد لا يخلو من إصابة العرق زوجها أو ثيابه أو غطاءه، فقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ معناه فاعتزلوا وطأهن، ولا تقربوا وطأهن.
٨ - واستدل بقوله ﷺ "أنفست" على أن حكم الحيض والنفاس واحد.
٩ - وفيه محافظة أمهات المؤمنين ﵅ على شعور النبي ﷺ وحرصهن على إبعاد الأذى عنه.
١٠ - وفيه عطفه ﷺ ولطفه وحسن عشرته لأزواجه.
١١ - وجواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد.
١٢ - وفيه أن من سنة أهل الخير النوم مع الزوجة، على خلاف طريقة العجم.
والله أعلم
стр. 895
(١٣٢) باب طهارة يد الحائض وسؤرها وحجرها
٥٢٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ ، إذا اعتكف، يدني إلي رأسه فأرجله. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
٥٢٩ - عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة. والمريض فيه. فما أسأل عنه إلا وأنا مارة. وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة. إذا كان معتكفا. وقال ابن رمح: "إذا كانوا معتكفين".
٥٣٠ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد. وهو مجاور. فأغسله وأنا حائض.
٥٣١ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدني إلي رأسه وأنا في حجرتي. فأرجل رأسه وأنا حائض.
٥٣٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغسل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض.
٥٣٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ "ناوليني الخمرة من المسجد" قالت فقلت: إني حائض. فقال "إن حيضتك ليست في يدك".
٥٣٤ - عن عائشة ﵂ قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أناوله الخمرة من المسجد. فقلت: إني حائض. فقال "تناوليها فإن الحيضة ليست في يدك".
стр. 896
٥٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد. فقال: "يا عائشة! ناوليني الثوب" فقالت: إني حائض. فقال "إن حيضتك ليست في يدك" فناولته.
٥٣٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أشرب وأنا حائض. ثم أناوله النبي ﷺ . فيضع فاه على موضع في. فيشرب. وأتعرق العرق وأنا حائض. ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في. ولم يذكر زهير "فيشرب".
٥٣٧ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض. فيقرأ القرآن.
٥٣٨ - عن أنس ﵁ أن اليهود كانوا، إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ . فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٢٢] فقال رسول الله ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول: كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ . فأرسل في آثارهما. فسقاهما. فعرفا أن لم يجد عليهما.
-[المعنى العام]-
كان اليهود إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت، ولم يخالطوها في مسكن، ولم يجلسوا معها في مكان، ولم يؤاكلوها أو يشاربوها، بل كانوا لا يأكلون شيئا صنعته يداها، كانوا يعتبرونها نجسة نجاسة شاملة، بل كانوا يعدونها تنجس كل شيء تمد يدها فيه.
ربما كانت المرأة اليهودية بسلوكها تستحق هذه المعاملة، ربما كانت تهمل دم الحيض فيلطخ ثيابها، وتلوث به يدها، وتنتن به ريحها.
стр. 897
فلما جاء الإسلام، دين الطهارة والنظافة، دين المودة والإنسانية، وتعلمت منه المسلمة نقاء موضع البول والغائط، والتطهر للصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، وطهارة الثوب والبدن والمكان، والغسل الواجب والمندوب، واستعمال المسك والطيب، وتعلم منه الرجل المسلم إكرام المرأة والوصية بها، والعطف عليها وحبها، وحفظ كرامتها وتقديرها كان لا بد من تغير النظرة، وتبدل المعاملة.
لقد كان أهل المدينة جيرانا لليهود، يعلمون أحوالهم، ويشاهدون سلوكهم ويقتدون بهم فيما يعجبهم، ويخالفونهم فيما لا يرضيهم، وجاءهم الإسلام فبرزت شخصيتهم، ونزل الدين بأصوله وفروعه، يرسم لهم حياتهم، وشاء الله أن يقوم أسيد بن حضير وعباد بن بشر، الصحابيان الجليلان، السابقان إلى الإسلام، شاء الله أن يقوما بسؤال النبي ﷺ يقولان: يا رسول الله. لقد علمت ما يفعله اليهود مع الحائض من نسائهم، فبماذا يأمرنا ديننا في هذا الأمر؟ وتبسم رسول الله ﷺ ، وطلب إليهما التريث حتى يأتي أمر الله. ونزل قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وعلم الرسول ﷺ أصحابه ما ينبغي أن يكون، لكن الذين يسمعون بالآية كانوا أكثر من الذين يسمعون شرحها وتفسيرها، ففهمها بعض الأعراب على غير وجهها، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ يقولون: يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض، فقال: إنما أمرتم أن تعتزلوا وطأهن، ولم تؤمروا بإخراجهن من البيوت، خالطوهن في البيوت، وجالسوهن في المجالس، وشاركوهن في الفراش وآكلوهن وشاربوهن، وافعلوا كل شيء إلا النكاح.
لقد كانت الآية -حقا- في حاجة إلى بيان الرسول ﷺ ، وكان العرف والعادة الراسخة في حاجة إلى قوة لاجتثاثها، لقد كانت أمهات المؤمنين -حتى بعد نزول الآية وبعد بيانها وتفسيرها- إذا حاضت الواحدة منهن وهي في لحاف الرسول ﷺ انسلت من اللحاف، فيناديها ﷺ ، ليعيدها إليه، ويروي أبو داود عن عائشة أنها قالت: "كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير [المثال فراش النبي ﷺ وكان من جلد مدبوغ حشوه ليف يشبه المعروف في أيامنا المرتبة] فلم نقرب رسول الله ﷺ ، ولم ندن منه حتى نطهر".
إن الأمر في حاجة إلى حملة شديدة، وقد قام بها ﷺ خير قيام، لقد كان يأمر الحائض من أزواجه بل في فورة حيضتها أن تأتزر ثم يباشرها فوق إزارها، ولم تكن به شهوة جامحة، بل كان أقدر الناس على أن يملك إربه، ولكنه التشريع الحكيم والبلاغ المبين.
كان يؤتي بقطعة اللحم، فيناولها زوجه الحائض لتأكل منها قبله، فتعتذر في لطف وأدب، فيقسم عليها أن تأكل قبله، فتأخذها، فتعض منها عضة، ثم تناولها له، فيعض من المكان الذي عضت منه، ويدعو بالشراب فيأتيه، فيناوله لها فتعتذر، فيقسم عليها، فتشرب منه، ثم يأخذه فيضع فمه حيث وضعت فمها فيشرب.
стр. 898
كان يأتي زوجه الحائض، فيضع رأسه في حجرها، ثم يقرأ القرآن، وهو يعلم علم اليقين أن القراءة على المصلى في مكان سجوده، وباستقبال القبلة أفضل منها على هذه الحالة، ولكنه التشريع الحكيم.
كان يدخل المسجد للاعتكاف، فينادي زوجه الحائض من بيتها، فتفتح بابها المتصل بالمسجد، فيطلب منها أن تغسل له رأسه، وترجل له شعره، ومرة أخرى يناديها: ناوليني المصلى، فتتحرج من إدخال يدها في المسجد، فتقول: إني حائض، فكيف أمد يدي في المسجد، فيقول لها -والصحابة يسمعون- ناوليني، فإن حيضتك ليست في يدك. فتناوله.
وأزعجت هذه الحملة اليهود. فقالوا: عجبا لهذا الرجل! ما يريد أن يترك شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه، وسمع مقالتهم هذه أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فسرا لغيظ اليهود، وانشرحت صدورهما لانزعاجهم، ورغبا أن يزيدهم الإسلام غيظا، فذهبا إلى رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله. إن اليهود تقول كذا وكذا، ومازلنا نوافقهم في اعتزال وطء الحائض. أفلا يشرع الله لنا جماع الحائض، لتتم المخالفة بيننا وبينهم؟ فغضب رسول الله تعالى ﷺ كيف يحرص الصحابة على إغاظة الأعداء ولو على حساب الطهر الذي جاء به الإسلام؟ غضب ولم يتكلم، وكان إذا غضب تغير وجهه، وخافا على أنفسهما من غضب الله ورسوله ﷺ ؛ فانسلا وخرجا، وجاءت هدية لبن إلى رسول الله ﷺ ، وأحس أن غضبه أزعجهما، وعذرهما في خطئهما لحسن قصدهما، فأرسل من يتبعهما ويأتي بهما، فحضرا فسقاهما من الهدية، وأزال بذلك خوفهما، فصلى الله وسلم وبارك عليه، ورضي الله عن أصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(إذا اعتكف) الاعتكاف في اللغة الحبس؛ وفي الشرع حبس النفس في المسجد خاصة مع النية.
(يدني إلي رأسه) كانت حجرة عائشة ملاصقة للمسجد؛ ولها باب يفتح فيه، فكان ﷺ يجلس في المسجد معتكفا، ويقرب رأسه من باب الحجرة، وعائشة في داخلها، أو يدخل رأسه الحجرة وجسمه في المسجد كما هو ظاهر الرواية الثانية، وقد جاء هذا الوضع صريحا في رواية النسائي: "كان يأتيني وهو معتكف في المسجد، فيتكئ على باب حجرتي، فأغسل رأسه وسائر جسده في المسجد.
(فأرجله) وفي الرواية الثالثة "فأغسله" ولا منافاة، فقد كانت تغسل له شعر رأسه ثم ترجله، أي تمشطه وتدهنه، وتسرحه، وفي هذه الرواية حذف صرح به في الرواية الثالثة والرابعة، وأصله: "فأرجله وأنا حائض".
стр. 899
(وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) فسرها الزهري بالبول والغائط، وسيأتي لها مزيد إيضاح في فقه الحديث.
(إن كنت لأدخل البيت للحاجة) "إن" مخففة من الثقيلة، وتفيد التأكيد، والمراد من البيت بيتها، والمعنى: أثناء اعتكافي بالمسجد كنت أدخل بيتي لقضاء الحاجة، ولا أمكث فيه لئلا يبطل اعتكافي.
(والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة) أي وحينما يكون في بيتي مريض لا أقف عنده، وإنما أسأل عن صحته وأنا مارة، ثم أعود إلى المسجد لمتابعة الاعتكاف، وسيأتي في فقه الحديث مزيد إيضاح لاعتكاف عائشة.
(وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل على رأسه) "إن" مخففة من الثقيلة كذلك، وتفيد تأكيد الجملة أي وكان رسول الله ﷺ .. إلخ.
(إذا كانوا معتكفين) أي هو وأصحابه ﷺ .
(وهو مجاور) أي معتكف.
(قال رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد) "والخمرة" بضم الخاء وإسكان الميم، قال النووي: قال الهروي وغيره: هي السجادة، وهي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده من حصير، أو نسيجة من خوص، هكذا قاله الهروي والأكثرون، وصرح جماعة منهم بأنها لا تكون إلا هذا القدر. وقال الخطابي: هي السجادة يسجد فيها المصلي. وقد جاء في سنن أبي داود عن ابن عباس ﵁ قال: "جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ ، على الخمرة التي كان قاعدا عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم". فقوله: "قاعدا عليها" تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، وسميت خمرة لأنها تخمر الوجه، أي تغطيه، وأصل التخمير التغطية، ومنه خمار المرأة، ومنه الخمر، لأنها تغطي العقل. اهـ.
قال القاضي عياض: وقولها "من المسجد" معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد، أي وهو في المسجد لتناوله إياها وتدخل يدها وهي خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد، لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفا وكانت عائشة في حجرتها، وهي حائض، لقوله ﷺ "إن حيضتك ليست في يدك" فإنها إنما خافت من إدخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى. اهـ. وهو كلام حسن، لكنه لم يبين هل كانت الخمرة في البيت ويراد مناولتها له ﷺ ؟ فيكون "من المسجد" متعلقا بقال، أي قال من المسجد: ناوليني الخمرة من البيت، أو كانت الخمرة في المسجد في متناول يد عائشة، بعيدة عن متناول يد الرسول ﷺ ؟ فيكون "من المسجد" متعلقا بناوليني؟ وكون الخمرة في البيت أظهر، لما رواه النسائي عن ميمونة قالت "كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا، فيتلو
стр. 900
القرآن، وهي حائض وتقوم إحدانا بالخمرة إلى المسجد [أي بيديها وجسمها خارجه] فتبسطها وهي حائض" وفي الرواية الثامنة "ناوليني الثوب" وقد قيل باتحاد الواقعة، وقيل بتعددها.
(قالت: فقلت: إني حائض) يقال: حائض وحائضة، كريح عاصف وعاصفة، فحذف التاء لأنه من الصفات الخاصة بالنساء، فاستغنى فيه عن علامة التأنيث لعدم الالتباس.
(إن حيضتك ليست في يدك) قال النووي: هو بفتح الحاء، هذا هو المشهور في الرواية، وهو الصحيح. وقال الخطابي: المحدثون يقولونها بفتح الحاء، وهو خطأ، والصواب بالكسر، أي الحالة والهيئة، وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابي. وقال: الصواب هنا ما قاله المحدثون من الفتح، لأن المراد الدم، وهو الحيض بالفتح بلا شك، لقوله ﷺ : "ليست في يدك" معناه أن النجاسة التي يصان المسجد عنها، وهي دم الحيض ليست في يدك، وهذا بخلاف حديث أم سلمة "فأخذت ثياب حيضتي" فإن الصواب فيه الكسر. قال النووي: هذا كلام القاضي عياض، وهذا الذي اختاره من الفتح هو الظاهر هنا، ولما قاله الخطابي وجه. اهـ.
(كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله، النبي ﷺ ضمير المفعول في "أناوله" يعود على المفهوم من المقام، وهو الإناء، أو الشراب، أي ثم أناول الشراب، أو ثم أناول الإناء.
(فيضع فاه على موضع في) أي فيشرب من مكان شربي من الكأس فيضع فمه على الموضع الذي وضعت عليه فمي.
(وأتعرق العرق) "العرق" بفتح العين وإسكان الراء، وهو العظم الذي عليه بقية من لحم، هذا هو الأشهر في معناه، وقال أبو عبيد: هو القدر من اللحم وقال الخليل: هو العظم بلا لحم، وهو بعيد، ويقال: عرقت العظم وتعرقته، واعترقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك، وقيل: إذا استأصلت أكل ما عليه، حتى عروقه أي عصبه المتعلقة بالعظم.
(كان يتكئ في حجري) بفتح الحاء وسكون الجيم، ويجوز كسر الحاء وحكي ضمها، وهو حضن الإنسان، ما دون الإبطء إلى الكشح، وقد بينت رواية البخاري كيفية هذا الاتكاء، وفيها "كان يقرأ القرآن، ورأسه في حجري" وكلمة "في" بمعنى "على" كقوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] أي على حجري، وإنما جيء بـ"في" لإفادة تمكنه من حجرها تمكن المظروف من ظرفه.
(لم يؤاكلوها) أي لم يأكلوا معها في إناء واحد، ولا في مكان واحد.
(ولم يجامعوهن) عاد الضمير مفردا في "لم يؤاكلوها" على المرأة باعتبار اللفظ، وعاد عليها هنا جمعا باعتبار المعنى والجنس، والمراد من المجامعة الاجتماع والاختلاط، أي لم يساكنوهن في بيت واحد.
стр. 901
(فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ عن حكم الحيض)، وما ينبغي أن تكون عليه معاملة الرجال للنساء أوقات الحيض.
﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ المراد بالمحيض هنا الدم والمراد بالأذى المستقذر، وكان أذى لقبح لونه ورائحته ونجاسته.
﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ أي فاعتزلوا جماعهن ووطأهن في المحيض، والمراد بالمحيض هنا نفس الدم، وقيل: هو الفرج، وقيل: هو زمن الحيض.
(اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي اصنعوا كل شيء يحرمه "اليهود" إلا النكاح فليس "كل شيء" على إطلاقه.
(فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر) الأنصاريان، شهدا بدرا وأحدا والمشاهد كلها.
(إن اليهود تقول كذا وكذا) "كذا وكذا" كناية عن مقولهم أي تقول عن مخالفتك إياهم في مؤاكلة الحائض ومشاربتها ومصاحبتها: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه.
(أفلا نجامعهن؟ ) الفاء عاطفة على محذوف، والهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، ونفي النفي إثبات، والتقدير: أنخالف اليهود فنجامع النساء في الحيض، لتكون المخالفة تامة؟
(فتغير وجه رسول الله ﷺ في رواية أبو داود: "فتمعر وجه رسول الله ﷺ " وأصل التمعر التغير من النضارة والإشراق والتفتح إلى عكسها، وهو مظهر من مظاهر الغضب، وتغير من قولهما ذلك لاقتراحهما ما يصادم النص.
(حتى ظننا أن قد وجد عليهما) "أن" مخففة من الثقيلة، والجملة بعدها خبرها "وأن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "ظن" و"وجد" بمعنى غضب. يقال: وجد عليه يجد وجدا وموجدة غضب، واسم "أن" يصح أن يكون ضمير الشأن والحال، ويصح أن يكون ضميرا يعود على رسول الله ﷺ .
(فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ تذكير الفعل "فاستقبلهما" لأن الفاعل مجازي التأنيث، و"من لبن" صفة "هدية" و"إلى النبي" صفة أخرى أي هدية مرسلة إلى النبي ﷺ .
(فأرسل في آثارهما) أي أرسل وراءهما من يردهما، والآثار جمع أثر، والمراد بها آثار الأقدام، والكلام كناية عن سرعة الإرسال وراءهما، لأن أثر المشي لا يبقى طويلا.
(فسقاهما) معطوف على محذوف، أي فحضرا، فسقاهما من الهدية، تطييبا لخاطرهما.
стр. 902
-[فقه الحديث]-
-[يستفاد من الحديث]-
١ - منع الحائض من الجلوس في المسجد. قال الأبي: وإنما منعت المسجد خوف ما يكون منها من تلويثه بما قد يقع من دم، وجاز للجنب دخوله للأمن من ذلك. وحكى ابن الخطابي عن مالك والشافعي وأحمد جواز دخول الحائض المسجد كعابرة سبيل، ومشهور قول مالك منع دخولها جملة.
قال الشافعية: إن خافت تلويثه، لعدم الاستيثاق بالشد، أو لغلبة الدم حرم العبور بلا خلاف، وإن أمنت ذلك فوجهان، والصحيح منها جوازه كالجنب وكمن على بدنه ما لا يخاف تلويثه، أما اللبث في المسجد فحرام عليها باتفاق.
٢ - جواز مس المرأة زوجها في الاعتكاف لغير لذة، وترجيلها شعره ومناولتها الشيء له، ولا يضر ذلك باعتكافه، وأن المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدماته.
٣ - قال ابن بطال: في الحديث حجة على الشافعي في قوله: إن المباشرة مطلقا تنقض الوضوء.
وقال الحافظ ابن حجر: لا حجة فيه، لأن الاعتكاف لا يشترط فيه الوضوء وليس في الحديث أنه عقب ذلك الفعل بالصلاة.
٤ - أن جسد الحائض وعرقها وثوبها طاهر ما لم تصبه نجاسة، إذ لو كان نجسا لم يقرأ القرآن في حجرها، لأنه من الثابت تنزيه القرآن عن قراءته في المحل النجس. قال في المرقاة: وما نسب لأبي يوسف من أن بدنها نجس غير صحيح.
٥ - واستدل به بعضهم على جواز حمل الحائض للمصحف، ونزل قراءة الرجل في حجرها بمنزلة المصحف، باعتبار أن القرآن في جوف القارئ، كما هو في جوف المصحف. واستند إلى ما روي عن ابن عباس أنه قرأ قرآنا وهو جنب، فقيل له في ذلك، فقال: في جوفي أكثر مما قرأت.
والحق أن هذا التنزيل في غاية البعد، لأنه إن كان على سبيل التشبيه فهو تشبيه معكوس، تشبيه محسوس بمعقول، وإن كان على سبيل القياس فشروطه غير موجودة.
ومسألة مس المصحف وحمله، للحائض والجنب متشعبة، طويلة الذيل في كتب الفروع، وأساس المنع قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] وما رواه الدارقطني في سننه بسند صحيح متصل عن أنس "خرج عمر بن الخطاب متقلدا السيف، فدخل على أخته وزوجها خباب، وهم يقرءون سورة طه. فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه. فقالت له أخته: إنك رجس ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ فقم، فاغتسل، أو توضأ، فقام وتوضأ، ثم أخذ الكتاب". وما رواه الدارقطني بسند صحيح عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر".
стр. 903
وأساس الإباحة أن النبي ﷺ بعث كتابا فيه قرآن للنصارى، فيه ﴿قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل عمران: ٦٤] وقد أرسل هذا الكتاب وهو متيقن أنهم سيمسونه، وهم لا يغتسلون من جنابة أو حيض. ورد على الآية بأنها في اللوح المحفوظ، لا في المصحف، والمطهرون هم الملائكة، وعلى فرض أنها في القرآن فهي خبر، ولا يصرف الخبر إلى الأمر إلا بدليل ظاهر.
وعن المذاهب فيها قال العيني: حمل الحائض المصحف بعلاقته، وكذا الجنب أجازه عبد الله بن عمر بن الخطاب وعطاء والحسن البصري ومجاهد وطاووس وأبو وائل وأبو رزين، وأبو حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور.
قال ابن بطال: ورخص في حمله [بدون علاقته] الحكم وعطاء وسعيد بن جبير وحماد وأهل الظاهر، ومنع الحكم مسه بباطن الكف. وقال ابن حزم: وقراءة القرآن، ومس المصحف، وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء، وبلا وضوء، وللجنب والحائض. اهـ.
٦ - قال ابن دقيق العيد: في الحديث أن الحائض لا تقرأ القرآن، لأن قولها "فيقرأ القرآن" إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان هناك ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة لكان هذا الوهم منفيا، أي توهم امتناع قراءة القرآن في حجر الحائض. اهـ.
٧ - وفيه جواز قراءة القرآن مضطجعا ومتكئا.
٨ - استدل به النووي على عدم كراهة قراءة القرآن بقرب موضع النجاسة، والحق أنه ينبغي أن يكره، تعظيما للقرآن، لأن مقارب الشيء يخشى أن يصيبه بعض حكمه.
٩ - فيه خدمة المرأة زوجها في الغسل والطبخ والخبز وغيرها برضاها قال النووي: وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة، أما بغير رضاها فلا يجوز، لأن الواجب عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط. اهـ.
١٠ - وأن المعتكف إذا خرج بعضه من المسجد كيده ورجله ورأسه لم يبطل اعتكافه.
١١ - وأن من حلف لا يدخل دارا أو مسجدا لا يحنث بإدخال يد فيه أو بعض جسده، ما لم يدخله بجميع بدنه، فقد أدخلت عائشة يدها في المسجد ولم يعد دخولا لها وأخرج رسول الله ﷺ رأسه ولم يعد خروجا له.
١٢ - وفيه جواز الصلاة في الخمرة.
١٣ - ويؤخذ من قولها "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" أن خروج المعتكف للبول والغائط لا يبطل اعتكافه. قال الحافظ ابن حجر: ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه، ثم قال: وقد اختلفوا في غير ذلك من الحاجات كالأكل والشرب.
стр. 904
١٤ - ويؤخذ من قولها في الرواية الثانية "إن كنت لا أدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة" جواز اعتكاف النساء وقد أذن النبي ﷺ لحفصة وعائشة أن تضرب كل منهما خباء في المسجد تعتكف فيه.
١٥ - وأن المعتكف لا يعود مريضا، وإنما يسأل عنه في مروره، وقد روى أبو داود عن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لا بد منه.
١٦ - ويؤخذ من قولها في الرواية التاسعة "كنت أشرب، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع في، فيشرب ... " إلخ الرواية جواز مؤاكلة الحائض ومشاربتها، وطهارة سؤرها من طعام وشراب، وكذا ريقها وهذا بلا خلاف.
ولا يقال: إن ابتداءها بالشرب والتعرق قبله ﷺ ليس من الأدب، لا يقال هذا لأنه ﷺ هو الذي كان يلجئها إلى الابتداء، ففي النسائي "كان يأخذ العرق، فيقسم على فيه، فأعترق منه، ثم أضعه، فيأخذه، فيعترق منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق، ويدعو بالشراب، فيقسم على فيه قبل أن يشرب منه فآخذه، فأشرب منه ثم أضعه فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه وضعت فمي من القدح"، وعند النسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي عن المقدام عن أبيه. قال: "سألت عائشة: أكان رسول الله ﷺ يأكل معك وأنت حائض؟ قالت: إن كان ليناولني العرق، فأعض منه ثم يأخذه مني، فيعض مكان الذي عضضت. قال قلت: كان رسول الله ﷺ يشرب من شرابك؟ قالت: كان يناولني الإناء، فأشرب منه، ثم يأخذه فيضع فاه حيث وضعت في، فيشرب".
١٧ - وفيه كمال تواضعه ﷺ ، وطيب نفسه.
١٨ - وأنه ينبغي للزوج أن يلاطف زوجه، ويعمل معها ما يدخل السور عليها.
١٩ - تؤخذ من الرواية الحادية عشرة كراهة إخبار المسلم بما يغضبه ويسيئه.
٢٠ - ومشروعية الغضب على من ارتكب ما لا يليق.
٢١ - وأنه لا يصح إغاظة العدو بما يخالف الشرع.
٢٢ - ومشروعية قبول الهدايا.
٢٣ - واستحباب التفريق منها.
٢٤ - وأنه لا ينبغي استمرار غضب المسلم على المسلم.
٢٥ - وسكوت التابع عند غضب المتبوع.
٢٦ - ومشروعية الملاطفة والمؤانسة بعد الغضب.
والله أعلم
стр. 905
(١٣٣) باب حكم المذي
٥٣٩ - عن علي ﵁ قال: كنت رجلا مذاء وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ . لمكان ابنته. فأمرت المقداد بن الأسود. فسأله فقال "يغسل ذكره ويتوضأ".
٥٤٠ - عن علي ﵁ أنه قال: استحييت أن أسأل النبي ﷺ عن المذي من أجل فاطمة. فأمرت المقداد فسأله. فقال "منه الوضوء".
٥٤١ - عن ابن عباس ﵄؛ قال: قال علي بن أبي طالب: أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ . فسأله عن المذي يخرج من الإنسان. كيف يفعل به؟ فقال رسول الله ﷺ "توضأ وانضح فرجك".
-[المعنى العام]-
علم الصحابة حكم المني، يخرج من الإنسان، فيجب الغسل، ويصيب الثوب، فيفرك منه أو يغسل، وعلموا حكم البول، يخرج من الإنسان، فينقض الوضوء، ويجب الاستنجاء أو الاستجمار، ويصيب الثوب أو البدن فيجب غسله.
لكنهم لم يعلموا حكم المذي، إنهم يعرفون صفاته، وأنه ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند الشهوة، بدون تدفق أو اندفاع، بل بسيلان ولا يعقبه فتور إنهم يعرفون أنه يخالف المني، ويخالف البول في الصفات والمقومات. وجلس ثلاثة أصحاب يتذاكرون الرأي فيه -علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر- قال علي: إنني أظنه كالمني في الحكم وإنني رجل كثير المذي، وكلما امتذيت اغتسلت، وما أكثر ما أغتسل منه مع البرد الشديد حتى تشقق جلدي، وشق علي أمري. قال له صاحباه: ولم لا تسأل عنه رسول الله ﷺ ؟ قال: تعلمون أن ابنته فاطمة تحتي، وأن المذي ينزل عند مداعبة النساء وإثارة الشهوة، وإني أستحيى أن أذكر هذا الأمر أمام أبيها رسول الله ﷺ فليسأله المقداد نيابة عني، أو فاسأله يا عمار.
والتقوا عند رسول الله ﷺ ، وجلس علي بين صاحبيه، ثم غمز المقداد أن يسأل، وغمز عمارا أن
стр. 906
يسأل، فسأل المقداد. فقال: يا رسول الله ما حكم المذي يخرج من الإنسان؟ كيف يفعل به؟ فقال رسول الله ﷺ إذا رأيت المذي فاغسل منه ذكرك، وما أصاب من ثوبك، وتوضأ وضوءك للصلاة.
(ملحوظة) كان الأولى بهذا الباب أن يكون عقب البول والمني، ولا يفرق الحيض بينما.
-[المباحث العربية]-
(كنت رجلا مذاء) أي كثير المذي، وفي المذي لغات: مذي بفتح الميم وسكون الذال، ومذي بفتح الميم وكسر الذال وتشديد الياء، ومذي بفتح الميم وكسر الذال وتخفيف الياء، وفي الفعل يقال: مذي الرجل يمذي من باب ضرب يضرب، وأمذى الرجل. ويقال: مذي بالتشديد أيضا، والمذي ماء أبيض، رقيق لزج، يخرج عند شهوة، لا بشهوة ولا دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويشترك الرجل والمرأة فيه، وهو أغلب فيهن منه في الرجال.
ويختلف عن الودي في أسبابه وصفاته، فالودي يخرج عقب البول إذا كانت الطبيعة مستمسكة، وعند حمل شيء ثقيل، يخرج قطرة أو قطرتين، وهو ماء أبيض كدر ثخين، يشبه المني في الثخانة، ويخالفه في الكدرة، ولا رائحة له.
(وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ يقال: استحيا يستحي، والحياء انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، فالسين والتاء للصيرورة. و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، أي فصرت منقبض النفس عن سؤال النبي ﷺ .
(لمكان ابنته) في الرواية الثانية "من أجل فاطمة" وفي رواية النسائي "وكانت ابنة النبي ﷺ تحتي، فاستحييت أن أسأله".
(فأمرت المقداد بن الأسود) ليس الأمر أمر وجوب للقرينة الدالة على عدم الوجوب، وأيضا الدال على الوجوب هو صيغة الأمر، لا لفظة أمر، وليست ههنا صيغة أمر.
والمقداد بن الأسود هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي، أصاب أبوه عمرو دما في بهراء، فهرب منهم، ولحق بحضرموت، فحالف بني كندة فكان يقال له الكندي، وتزوج هناك امرأة، فولدت له المقداد، فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي نزاع، فضرب المقداد رجله بالسيف ثم هرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث، وكتب إلى أبيه، فقدم عليه فتبنى الأسود المقداد. وصار يقال له المقداد بن الأسود. وهو من السابقين في الإسلام. يقال: إنه سادس ستة شهدوا بدرا، وكان فيها فارسا، وهو صاحب المقالة المشهورة التي قال عنها ابن مسعود: شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ [حينما قال بعض الصحابة يوم بدر: والله ما لنا طاقة بقتال القوم] فقال: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى. ولكن نقول: إنا معكما مقاتلون، وشهد المشاهد كلها، مات سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة.
стр. 907
(يغسل ذكره ويتوضأ) الرواية بالرفع، خبر في معنى النهي، والمراد من الذكر الحشفة وما تلوث منه، من إطلاق الكل وإرادة الجزء، مجازا مرسلا. وقيل: الغسل لكله، وسيأتي توضيح الحكم في فقه الحديث.
(منه الوضوء) خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر، أي الوضوء واجب منه.
(أرسلنا المقداد بن الأسود) المرسل علي وبعض الصحابة، فقد روي عن أنس قال: "تذاكر علي والمقداد، وعمار المذي .. " الحديث.
(فسأله عن المذي يخرج من الإنسان) جملة "يخرج" في محل النصب على الحال. وفي الكلام مضاف محذوف، أي عن حكم المذي حالة خروجه من الإنسان.
(كيف يفعل به) "كيف" مفعول به مقدم: وفاعل "يفعل" ضمير يعود على "الإنسان" أي يفعل الإنسان به أي شيء؟
(توضأ وانضح فرجك) بفعل الأمر فيهما، والنضح بكسر الضاد. قال النووي: معناه اغسله، فإن النضح يكون غسلا، ويكون رشا، وقد جاء في الرواية الأخرى "يغسل ذكره" فيتعين حمل النضح عليه. اهـ.
وقد وقع في الرواية الأولى بتقديم الغسل على الوضوء، ووقع في الرواية الثالثة بتقديم الأمر بالوضوء على النضح، والواو لا ترتب، قال الحافظ ابن حجر: فيجوز تقديم الغسل على الوضوء، وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على الغسل، لكن من يقول بنقض الوضوء بمس الذكر يشترط أن يكون ذلك بحائل. اهـ.
-[فقه الحديث]-
يستفاد من الحديث
١ - أنه لا يجب الغسل بخروج المذي. قال النووي: وقد أجمع العلماء على ذلك.
٢ - وأن خروجه ناقض للوضوء، وحكمه حكم البول وغيره مما يخرج من السبيلين. قال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء، ما لم يكن خارجا عن علة وزمانة، فإن كان كذلك فهو أيضا كالبول عند جميعهم فإن كان سلسا لا ينقطع فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا، إلا أن طائفة توجب الوضوء [على من كانت هذه حاله] لكل صلاة، قياسا على المستحاضة عندهم وطائفة تستحبه، ولا توجبه؛ وأما المذي المعهود والمتعارف، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله، لما يجرى من اللذة، أو طول عزبة، فهو موضع إجماع، لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه. اهـ.
стр. 908
٣ - وأن المذي نجس، ولهذا وجب غسل الذكر منه.
٤ - واستدل به بعض المالكية والحنابلة على إيجاب استيعاب الذكر بالغسل عملا بالحقيقة، لكن الشافعية والجمهور نظروا إلى المعنى. فقالوا: يغسل ما أصابه منه، لأن الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج، فلا تجب المجاوزة إلى غير محله، ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية "فقال: توضأ واغسله" فأعاد الضمير على المذي، واختلف القائلون بوجوب غسله جميعه هل هو معقول المعنى أو للتعبد؟ فعلى الثاني تجب النية فيه.
قال الطحاوي: لم يكن الأمر بغسله لوجوب غسله كله، بل ليتقلص فيبطل خروجه كما في الضرع إذا غسل بالماء البارد يتفرق لبنه إلى داخل الضرع فينقطع خروجه. اهـ.
وهذا يعني أن الغسل للكل، لكنه على سبيل الاستحباب، وهو معقول المعنى.
وعن أحمد روايتان: إحداهما: غسل الذكر وحده، والأخرى غسله مع الأنثيين، ويدل له حديث ابن سعد وفيه "فتغسل فرجك وأنثييك" قال النووي: وهو محمول على ما إذا أصاب المذي الأنثيين، أو على الاستحباب.
٥ - وأخذ منه ابن دقيق العيد تعين الماء في طهارة الذكر منه، دون الأحجار، لأن ظاهره يعين الغسل، والمعين لا يقع الامتثال إلا به. والمعروف في مذهب الشافعية جواز الاقتصار على الأحجار، إلحاقا له بالبول وحملا للأمر بغسله على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج الغالب.
٦ - ويؤخذ منه جواز الوضوء قبل الاستنجاء إذا كان الاستنجاء على وجه لا ينتقض معه الطهارة. وقال الأبي: إن الاستنجاء من باب إزالة النجاسة فيجوز تأخيره، ولا حاجة إلى أخذه من الحديث.
٧ - ويؤخذ منه جواز الاستنابة في الاستفتاء.
٨ - وجواز دعوى الوكيل بحضرة موكله.
٩ - والاعتماد على الخبر المظنون، مع القدرة على المقطوع.
١٠ - وعلى قبول خبر الواحد.
وهذان المأخذان مبنيان على أن عليا لم يحضر السؤال والجواب، وحينئذ يقال: إنه اكتفى بخبر الواحد، مع قدرته على اليقين بالسماع شفاها فهو كالاجتهاد مع القدرة على النص.
ورد هذا التشبيه بأن عليا إنما طلب النص، ووثق بطريقه، لأن الناقل صحابي، يوثق بعلمه، أثنى الله ورسوله عليه، بعيد عن الكذب، لا سيما على رسول الله ﷺ ، فارتفع الأمر بهذه القرائن إلى أعلى درجات الظن، الذي لم يبق معه إلا تجويز بعيد، واعترض الأبي على هذا فقال: إن الإشكال باق، لأن أعلى درجات الظن ظن، ثم أجاب بأن عليا لم يكتف بالظن، بل إنما عمل بالعلم، لما تقرر من أن خبر الواحد المحتف بالقرائن يفيد العلم، وخبر المقداد من هذا القبيل، والقرائن هي ما ذكر.
стр. 909
وقال ابن دقيق العيد: المراد بالاستدلال به على قبول خبر الواحد مع كونه خبر واحد، أنه صورة من الصور التي تدل، وهي كثيرة، تقوم الحجة بجملتها، لا بفرد معين منها. اهـ.
والظاهر أن عليا كان حاضرا السؤال. كما قال الحافظ ابن حجر: فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنه لم يحضر لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيده ما في رواية النسائي في هذا الحديث عن علي قال: "فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله فسأله".
بل يؤخذ من مجموع الروايات أن عليا أمر المقداد أن يسأل، وأمر عمارا أن يسأل وسأل بنفسه، فأحاديث الباب صريحة في سؤال المقداد، وفي سنن أبي داود "أن عليا أمر عمارا أن يسأل رسول الله ﷺ ، فقال: يغسل مذاكيره ويتوضأ" وفي بعض رواياته عن علي "كنت رجلا مذاء، فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله ﷺ من أجل ابنته عندي"، وفي رواية ابن حبان عن علي قال: "سألت رسول الله ﷺ ... " وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف بأن عليا أمر عمارا أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه. قال الحافظ ابن حجر: وهو جمع جيد. اهـ.
فعلى هذا الجمع لا يستدل بالحديث على الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، ولا على قبول خبر الواحد، لكن هذا الجمع عندي مستبعد، لأن سؤال أحدهم بعد علمه بسؤال الآخر غير مستساغ، خصوصا مع رواية النسائي "فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله. فسأله" والأولى في الجمع أن نقول: إن عليا طلب من المقداد ومن عمار أن يسألا رسول الله ﷺ حين تذاكروا المذي، ولما اجتمعوا ثلاثتهم برسول الله ﷺ طلب منهما أن يسأل أحدهما، فسأل المقداد، فنسب إليه السؤال على الحقيقة، ونسب إلى عمار وعلي سبيل المجاز، باعتبار قصد عمار وموافقته، وباعتبار كون علي الآمر. والله أعلم.
١١ - استدل بالحديث على أن القضايا تتعدى صاحبها إلى من هذه صفته لأن المقداد سأل عن نفسه، وأجيب بقوله ﷺ : "توضأ واغسل ذكرك" كما في رواية البخاري، أو "توضأ وانضح فرجك" كما في روايتنا الثالثة، أو سأل عن طريق الإبهام كما في الرواية نفسها" فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به"؟ وعلى كل لم يرد أن المقداد سمى عليا في سؤاله، مما يجعل القضية لغيره، ويجعل عليا ممن يرى أن القضايا تتعدى صاحبها. وهو خلاف بين أهل الأصول.
١٢ - ويؤخذ من الحديث ما كان عليه الصحابة من حفظ حرمة النبي ﷺ وتوقيره.
١٣ - وفيه استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما يتعلق بالجماع ونحوه بحضرة أقارب الزوجة.
١٤ - وفيه ترك المواجهة لما يستحيا منه عرفا.
١٥ - وفيه استعمال الحياء مع عدم التفريط في العلم، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
والله أعلم
стр. 910
(١٣٤) باب وضوء الجنب قبل نومه وغسل فرجه قبل أكله أو شربه أو جماعه
٥٤٢ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قام من الليل فقضى حاجته. ثم غسل وجهه. ويديه ثم نام.
٥٤٣ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام. وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة، قبل أن ينام.
٥٤٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة.
٥٤٥ - عن ابن عمر ﵄ أن عمر قال: يا رسول الله! أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال "نعم. إذا توضأ".
٥٤٦ - عن ابن عمر ﵄ أن عمر استفتى النبي ﷺ فقال: هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم. ليتوضأ ثم لينم. حتى يغتسل إذا شاء".
٥٤٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه جنابة من الليل. فقال له رسول الله ﷺ "توضأ. واغسل ذكرك. ثم نم".
٥٤٨ - عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ . فذكر
стр. 911
الحديث. قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام؟ أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل. ربما اغتسل فنام. وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
٥٤٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ". زاد أبو بكر في حديثه: بينهما وضوءا. وقال "ثم أراد أن يعاود".
٥٥٠ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
(ملحوظة) لست أجد مبررا لتسلسل أرقام هذه الأحاديث تحت كتاب الحيض ولم يكن لي محيد من أجل المعجم.
-[المعنى العام]-
جاء الإسلام بالطهارة من الخبث والنجس، وجاء بالطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد فهمت الطباع السليمة ضرورة الطهارة الأولى، وخفي على الكثيرين حكمة الطهارة الثانية. إن الحدث الأصغر وخروج شيء من السبيلين أحدث بالوجه واليدين والشعر والرجلين حالة معنوية، لا تراها الأبصار، وإن الجماع وإنزال المني والحيض والنفاس يحدث بكل جزء من أجزاء البدن حالة معنوية لا تراها الأبصار، حالة من الخمول والكسل والقذر النفسي لا يدركها إلا مرهف الحس وسليم الوجدان، حالة تتنافى وصفاء المؤمن وتتعارض مع مناجاته ربه، ومن هنا شرع الوضوء، وشرع الغسل، ومع ذلك شاءت حكمة الله وسماحة الإسلام أن لا يشق على المؤمن الذي يجنب بالليل فرخص له أن ينام جنبا حتى الصباح، ويحسن به أن يتوضأ، وأن لا يشق على المؤمن الذي يجنب، فرخص أن يأكل وأن يشرب وأن يعاود الجماع قبل أن يغتسل، ويستحب له أن يتوضأ.
إن دعوة الإسلام للنظافة، وللبقاء على الطهارة، أخذت صورة الحرص والاهتمام إلى حد كبير، حتى تصور الغيورون لزومها في أوقات الحرج والضيق، فعمر بن الخطاب يسأل رسول الله ﷺ فيقول: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب، فلا يغتسل، حتى يطلع الفجر؟ فيقول له ﷺ : نعم. ليتوضأ، ثم لينم، حتى يصبح فيغتسل. وآخر يسأل رسول الله ﷺ : أيغتسل أحدنا إذا جامع قبل أن يعاود؟ فيجيبه ﷺ "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود الجماع
стр. 912
فليتوضأ بينهما وضوءا، وثالث يسأل عائشة: أيأكل الجنب أو يشرب قبل أن يغتسل؟ وتجيبه ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة".
ويحكي عبد الله بن أبي قيس، فيقول: سألت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين. أرأيت رسول الله ﷺ كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره. قلت: الله أكبر. الحمد الله الذي جعل في الأمر سعة. قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم يخافت به؟ قالت: ربما جهر به، وربما خفت. قلت: الحمد الله الذي جعل في الأمر سعة. قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما اغتسل فنام. وربما توضأ فنام. قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
-[المباحث العربية]-
(فقضى حاجته) قال النووي: الظاهر أن المراد بها الحدث.
(أيرقد أحدنا وهو جنب) في القاموس: الرقد النوم، كالرقاد والرقود بضمهما، أو الرقاد خاص بالليل.
والمراد من "أحدنا" الرجل، ويلحق به المرأة في الحكم باعتبار كون النساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خص.
(أن عمر استفتى النبي ﷺ فقال) السين والتاء للطلب، أي طلب الفتوى، وفي القاموس: والفتيا والفتوى بضم الفاء وتفتح، ما أفتى به الفقيه. والفاء في "فقال" تفسيرية.
(ليتوضأ، ثم لينم) اللام لام الأمر، وحركتها الكسر، وسليم تفتحها، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحركها، وقد تسكن بعد "ثم".
(حتى يغتسل إذا شاء) "حتى" غاية للنوم المسبوق بالوضوء.
(كيف كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنابة؟ ) "كيف" مفعول مقدم ليصنع و"في" للسببية، والتقدير: يصنع أي شيء بسبب الجنابة.
(كل ذلك قد كان يفعل) جملة "قد كان يفعل" خبر "كل ذلك" وخلوها عن الرابط جائز عند بعض النحاة.
(ربما اغتسل فنام) "ربما" كافة ومكفوفة، فـ"ما" كفت "رب" عن عمل الجر، وهي تفيد التقليل والتكثير، لكنها هنا لا تصلح للتقليل للمقابلة في قولها ربما ... وربما، وتصلح للتكثير، أي كثيرا كان يفعل كذا، وكثيرا كان يفعل كذا.
стр. 913
(إذا أتى أحدكم أهله) المراد من الأهل هنا الزوجة، وفي القاموس: أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه، وأهل المذهب من يدين به، وأهل الرجل زوجته. اهـ. وإتيان الأهل كناية عن جماع الزوجة.
(ثم أراد أن يعود) أي إلى إتيان أهله، أي يعود إلى الجماع مرة أخرى في نفس الوقت.
(كان يطوف على نسائه بغسل واحد) كناية عن جماعهن.
-[فقه الحديث]-
لا خلاف بين العلماء في أنه يجوز للجنب أن ينام ويأكل ويشرب ويجامع قبل الاغتسال قال النووي: وهذا مجمع عليه. اهـ.
وأحاديثنا بجميع رواياتها صريحة في ذلك، والكلام إنما هو في وضوء الجنب قبل أن ينام، أو يأكل، أو يشرب، أو يجامع. والروايات صريحة في طلب الوضوء، وظاهرها يدل على أن النبي ﷺ كان يواظب عليه. ولهذا ذهب ابن حبيب من أصحاب مالك وأهل الظاهر إلى وجوب الوضوء الكامل كوضوء الصلاة قبل الإتيان بهذه الأمور، وأجابوا عما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء" بأن هذا الحديث ضعيف، بل قال أبو داود: وهم الراوي أبو إسحاق في قوله: "لا يمس ماء" وقال الترمذي: يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق. وقال البيهقي: طعن الحفاظ في هذه الجملة. قالوا: وعلى فرض صحته فالمراد أنه لا يمس ماء للغسل.
وذهب الأوزاعي والليث وأبو حنيفة ومحمد والشافعي ومالك وأحمد إلى أن وضوء الجنب وضوءا كوضوء الصلاة قبل أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع غير واجب، واحتجوا بحديث أبي داود السابق، وحملوه على أنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، كما استندوا إلى ما رواه ابن ماجه والطحاوي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا رجع من المسجد صلى ما شاء الله، ثم مال إلى فراشه وإلى أهله فإن كانت له حاجة قضاها، ثم نام كهيئته، ولا يمس طيبا" وفسروا الطيب بالماء، حملا على رواية أبي داود "ولا يمس ماء".
فالوضوء عند الجمهور مستحب غير واجب، وإن اختلفوا في المراد من الوضوء، أهو التنظيف كما في أصل معناه اللغوي عند العرب؟ أم هو الاصطلاح المعروف شرعا؟
فقال أحمد في رواية عنه: يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانيا أو يأكل أن يغسل فرجه ويتوضأ.
وقال مالك في رواية عنه: لا ينام الجنب حتى يتوَضأ وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله ويأكل قبل أن يتوضأ، إلا أن يكون في يديه قذر فيغسلهما. اهـ.
стр. 914
فكأنه أخذ بأحاديث الوضوء قبل النوم، ولم يأخذ بروايات الوضوء قبل الأكل ومعاودة الأهل، وعند أحمد والنسائي وابن خزيمة ما يؤيده في الأكل والشرب، ففي لفظ النسائي عن عائشة ﵂ "كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه، ثم يأكل أو يشرب" واللفظ عند ابن خزيمة في صحيحه من حديثها "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم يطعم" وظاهر الرواية الثامنة من أحاديث الباب تؤيده في معاودة الجماع، إذ ليس فيها ذكر للوضوء ولفظها "أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد" كما يؤيده ما رواه الطحاوي من حديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضأ" وهذا الذي رواه عن مالك روى مثله عن أحمد والشافعي. لكن الرواية الثانية والسابعة من رواياتنا تعارضه، ففي الثانية "إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة" وفي السابعة "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ" ولعلهم يحملونها على الأولى.
والجمهور على استحباب الوضوء الشرعي للجنب قبل النوم أو الأكل أو الشرب أو معاودة الجماع، وروايات الباب تؤيدهم، لأن الوضوء إذا ذكر انصرف إلى الحقيقة الشرعية حيث لا قرينة تمنع منها، وما استدلوا به من روايات أحمد والنسائي وابن خزيمة لا تناهض ما في الصحيحين، وما احتجوا به من أن ابن عمر -وهو راوي الرواية الخامسة- "كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه" كما رواه مالك في الموطأ عن نافع مجاب عنه بأن مخالفة الراوي لما روى لا تقدح في المروي، ولا تصلح لمعارضته، أو يحمل ترك ابن عمر غسل رجليه على أن ذلك كان لعذر.
وذهب الثوري وأبو يوسف إلى أن وضوء الجنب لا يستحب حتى قبل النوم، متعلقين بحديث أبي داود "ولا يمس ماء". ولا نظنهما يقصدان بنفي الاستحباب إباحة الأمرين واستواء الطرفين، بل مرادهما -والله أعلم- أن طلب الوضوء على درجة أقل من الاستحباب، فهو الأولى.
والذي تستريح إليه النفس في هذا الخلاف أن وضوء الجنب قبل النوم وقبل المعاودة وقبل الأكل أو الشرب مستحب لا واجب، وهو أفضل ما ينبغي عمله في هذا المقام، فإن لم يتوضأ استحب له غسل ذكره قبل معاودة الجماع، ولا سيما إذا أراد جماع أخرى لم يجامعها، فإنه أنشط للعود وأبعد عن إدخال النجاسة في الفرج، وأكمل في اللذة، كما استحب له غسل مذاكيره ويديه وما أصاب من ثوبه قبل النوم، فإنه أهدأ للنفس، وأطيب للبال، وفيه تخفيف للرائحة الكريهة، وحفاظ للفراش، واستحب له غسل يديه وأن يتمضمض قبل الأكل والشرب، وكلما وجد القذى والوسخ على هذه الأعضاء كلما تأكد استحباب الغسل.
وبهذا يمكن الجمع بين الأحاديث، والعمل بها جميعا، ففعل النبي ﷺ وأمره هنا لبيان الاستحباب، وتركه الوضوء أحيانا لبيان الجواز.
ومن فوائد الوضوء في هذه الحالات، أو الحكمة في طلبه أنه يخف به الحدث، يدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة "إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة" فالوضوء يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء، عند كثير من العلماء، ولا سيما من يقول بجواز تفريق الغسل.
стр. 915
وقال ابن الجوزي: الحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين، فإنها تقرب من ذلك، والمراد من الملائكة ملائكة الرحمة والبركة، لا الحفظة التي لا تفارق.
وقال المازري: ليبت على إحدى الطهارتين، خشية أن يموت في منامه [وهذا التعليل خاص بالوضوء قبل النوم] وعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقيل: لعله أن ينشط إلى الغسل لأنه إذا نال الماء أعضاءه تشجع على استيعاب بقية بدنه وزال عنه كسله.
وفوق كل ما قيل نرى أن الوضوء نظافة يدعو إليها الإسلام، ويزهو بها على جميع الأديان. ولا يستبيح بهذا الوضوء محرما على الحدث الأصغر أو الأكبر، فلا يمس القرآن ولا يمكث في المسجد، وهذا الوضوء للنظافة والتعبد فلا ينقضه ما ينقض الوضوء. والله أعلم.
واختلف في موجب الغسل في الجنابة. هل هو حصول الجنابة؟ أو هو القيام إلى الصلاة؟ أو هو حصول الجنابة مع القيام إلى الصلاة؟ ثلاثة أوجه، ومن قال: يجب بالجنابة قال: وهو وجوب موسع.
وهذا الخلاف جار في موجب الوضوء. هل هو الحدث؟ أو القيام إلى الصلاة؟ أو المجموع؟
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - استحباب غسل الوجه واليدين إذا قام من النوم. قال النووي: والحكمة من غسل الوجه إذهاب النعاس وآثار النوم، وأما غسل اليدين فللاحتياط.
٢ - ويستفاد من الرواية الأولى أيضا أن النوم بعد الاستيقاظ في الليل ليس بمكروه قال النووي: وقد جاء عن بعض السلف كراهة ذلك، ولعلهم أرادوا من لم يأمن استغراق النوم، بحيث يفوته وظيفته، ولا يكون مخالفا لما فعله ﷺ ، فإنه كان يأمن فوات أوراده ووظيفته.
٣ - أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة. قال النووي: وهذا بإجماع المسلمين.
٤ - وأن بدن الجنب وعرقه طاهران.
٥ - وجواز استقرار الجنب في البيت يقظان، لحصول اليقظة بين وضوئه ونومه، قال الحافظ ابن حجر: ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير.
٦ - ويؤخذ من طوافه ﷺ على نسائه بغسل واحد أن الجنب يجوز له أن يخرج وأن يمشي في السوق وغيره، وذلك لأن نساءه كانت لهن حجر منفصلة وبالضرورة كان النبي ﷺ إذا أراد الطواف عليهن يحتاج إلى المشي من حجرة إلى حجرة.
٧ - واستدل به البخاري على استحباب الاستكثار من النساء، وأشار إلى أن القسم لم يكن واجبا عليه ﷺ ، وهو قول طوائف من أهل العلم، والمشهور الوجوب، ويحتاج من قال به إلى الجواب عن هذا الحديث إما بأن ذلك كان برضا صاحبة النوبة، كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة وإما بأن ذلك كان يحصل عند استيفاء القسمة، ثم يستأنف القسمة، وإما بأن ذلك كان قبل وجوب القسمة، ثم ترك بعدها.
следующие страницы →