Полный текст (6 200 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الحديث. قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام؟ أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل. ربما اغتسل فنام. وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
٥٤٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ". زاد أبو بكر في حديثه: بينهما وضوءا. وقال "ثم أراد أن يعاود".
٥٥٠ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
(ملحوظة) لست أجد مبررا لتسلسل أرقام هذه الأحاديث تحت كتاب الحيض ولم يكن لي محيد من أجل المعجم.
-[المعنى العام]-
جاء الإسلام بالطهارة من الخبث والنجس، وجاء بالطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد فهمت الطباع السليمة ضرورة الطهارة الأولى، وخفي على الكثيرين حكمة الطهارة الثانية. إن الحدث الأصغر وخروج شيء من السبيلين أحدث بالوجه واليدين والشعر والرجلين حالة معنوية، لا تراها الأبصار، وإن الجماع وإنزال المني والحيض والنفاس يحدث بكل جزء من أجزاء البدن حالة معنوية لا تراها الأبصار، حالة من الخمول والكسل والقذر النفسي لا يدركها إلا مرهف الحس وسليم الوجدان، حالة تتنافى وصفاء المؤمن وتتعارض مع مناجاته ربه، ومن هنا شرع الوضوء، وشرع الغسل، ومع ذلك شاءت حكمة الله وسماحة الإسلام أن لا يشق على المؤمن الذي يجنب بالليل فرخص له أن ينام جنبا حتى الصباح، ويحسن به أن يتوضأ، وأن لا يشق على المؤمن الذي يجنب، فرخص أن يأكل وأن يشرب وأن يعاود الجماع قبل أن يغتسل، ويستحب له أن يتوضأ.
إن دعوة الإسلام للنظافة، وللبقاء على الطهارة، أخذت صورة الحرص والاهتمام إلى حد كبير، حتى تصور الغيورون لزومها في أوقات الحرج والضيق، فعمر بن الخطاب يسأل رسول الله ﷺ فيقول: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب، فلا يغتسل، حتى يطلع الفجر؟ فيقول له ﷺ : نعم. ليتوضأ، ثم لينم، حتى يصبح فيغتسل. وآخر يسأل رسول الله ﷺ : أيغتسل أحدنا إذا جامع قبل أن يعاود؟ فيجيبه ﷺ "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود الجماع
стр. 912
فليتوضأ بينهما وضوءا، وثالث يسأل عائشة: أيأكل الجنب أو يشرب قبل أن يغتسل؟ وتجيبه ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة".
ويحكي عبد الله بن أبي قيس، فيقول: سألت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين. أرأيت رسول الله ﷺ كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره. قلت: الله أكبر. الحمد الله الذي جعل في الأمر سعة. قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم يخافت به؟ قالت: ربما جهر به، وربما خفت. قلت: الحمد الله الذي جعل في الأمر سعة. قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما اغتسل فنام. وربما توضأ فنام. قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
-[المباحث العربية]-
(فقضى حاجته) قال النووي: الظاهر أن المراد بها الحدث.
(أيرقد أحدنا وهو جنب) في القاموس: الرقد النوم، كالرقاد والرقود بضمهما، أو الرقاد خاص بالليل.
والمراد من "أحدنا" الرجل، ويلحق به المرأة في الحكم باعتبار كون النساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خص.
(أن عمر استفتى النبي ﷺ فقال) السين والتاء للطلب، أي طلب الفتوى، وفي القاموس: والفتيا والفتوى بضم الفاء وتفتح، ما أفتى به الفقيه. والفاء في "فقال" تفسيرية.
(ليتوضأ، ثم لينم) اللام لام الأمر، وحركتها الكسر، وسليم تفتحها، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحركها، وقد تسكن بعد "ثم".
(حتى يغتسل إذا شاء) "حتى" غاية للنوم المسبوق بالوضوء.
(كيف كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنابة؟ ) "كيف" مفعول مقدم ليصنع و"في" للسببية، والتقدير: يصنع أي شيء بسبب الجنابة.
(كل ذلك قد كان يفعل) جملة "قد كان يفعل" خبر "كل ذلك" وخلوها عن الرابط جائز عند بعض النحاة.
(ربما اغتسل فنام) "ربما" كافة ومكفوفة، فـ"ما" كفت "رب" عن عمل الجر، وهي تفيد التقليل والتكثير، لكنها هنا لا تصلح للتقليل للمقابلة في قولها ربما ... وربما، وتصلح للتكثير، أي كثيرا كان يفعل كذا، وكثيرا كان يفعل كذا.
стр. 913
(إذا أتى أحدكم أهله) المراد من الأهل هنا الزوجة، وفي القاموس: أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه، وأهل المذهب من يدين به، وأهل الرجل زوجته. اهـ. وإتيان الأهل كناية عن جماع الزوجة.
(ثم أراد أن يعود) أي إلى إتيان أهله، أي يعود إلى الجماع مرة أخرى في نفس الوقت.
(كان يطوف على نسائه بغسل واحد) كناية عن جماعهن.
-[فقه الحديث]-
لا خلاف بين العلماء في أنه يجوز للجنب أن ينام ويأكل ويشرب ويجامع قبل الاغتسال قال النووي: وهذا مجمع عليه. اهـ.
وأحاديثنا بجميع رواياتها صريحة في ذلك، والكلام إنما هو في وضوء الجنب قبل أن ينام، أو يأكل، أو يشرب، أو يجامع. والروايات صريحة في طلب الوضوء، وظاهرها يدل على أن النبي ﷺ كان يواظب عليه. ولهذا ذهب ابن حبيب من أصحاب مالك وأهل الظاهر إلى وجوب الوضوء الكامل كوضوء الصلاة قبل الإتيان بهذه الأمور، وأجابوا عما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء" بأن هذا الحديث ضعيف، بل قال أبو داود: وهم الراوي أبو إسحاق في قوله: "لا يمس ماء" وقال الترمذي: يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق. وقال البيهقي: طعن الحفاظ في هذه الجملة. قالوا: وعلى فرض صحته فالمراد أنه لا يمس ماء للغسل.
وذهب الأوزاعي والليث وأبو حنيفة ومحمد والشافعي ومالك وأحمد إلى أن وضوء الجنب وضوءا كوضوء الصلاة قبل أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع غير واجب، واحتجوا بحديث أبي داود السابق، وحملوه على أنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، كما استندوا إلى ما رواه ابن ماجه والطحاوي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا رجع من المسجد صلى ما شاء الله، ثم مال إلى فراشه وإلى أهله فإن كانت له حاجة قضاها، ثم نام كهيئته، ولا يمس طيبا" وفسروا الطيب بالماء، حملا على رواية أبي داود "ولا يمس ماء".
فالوضوء عند الجمهور مستحب غير واجب، وإن اختلفوا في المراد من الوضوء، أهو التنظيف كما في أصل معناه اللغوي عند العرب؟ أم هو الاصطلاح المعروف شرعا؟
فقال أحمد في رواية عنه: يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانيا أو يأكل أن يغسل فرجه ويتوضأ.
وقال مالك في رواية عنه: لا ينام الجنب حتى يتوَضأ وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله ويأكل قبل أن يتوضأ، إلا أن يكون في يديه قذر فيغسلهما. اهـ.
стр. 914
فكأنه أخذ بأحاديث الوضوء قبل النوم، ولم يأخذ بروايات الوضوء قبل الأكل ومعاودة الأهل، وعند أحمد والنسائي وابن خزيمة ما يؤيده في الأكل والشرب، ففي لفظ النسائي عن عائشة ﵂ "كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه، ثم يأكل أو يشرب" واللفظ عند ابن خزيمة في صحيحه من حديثها "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم يطعم" وظاهر الرواية الثامنة من أحاديث الباب تؤيده في معاودة الجماع، إذ ليس فيها ذكر للوضوء ولفظها "أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد" كما يؤيده ما رواه الطحاوي من حديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضأ" وهذا الذي رواه عن مالك روى مثله عن أحمد والشافعي. لكن الرواية الثانية والسابعة من رواياتنا تعارضه، ففي الثانية "إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة" وفي السابعة "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ" ولعلهم يحملونها على الأولى.
والجمهور على استحباب الوضوء الشرعي للجنب قبل النوم أو الأكل أو الشرب أو معاودة الجماع، وروايات الباب تؤيدهم، لأن الوضوء إذا ذكر انصرف إلى الحقيقة الشرعية حيث لا قرينة تمنع منها، وما استدلوا به من روايات أحمد والنسائي وابن خزيمة لا تناهض ما في الصحيحين، وما احتجوا به من أن ابن عمر -وهو راوي الرواية الخامسة- "كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه" كما رواه مالك في الموطأ عن نافع مجاب عنه بأن مخالفة الراوي لما روى لا تقدح في المروي، ولا تصلح لمعارضته، أو يحمل ترك ابن عمر غسل رجليه على أن ذلك كان لعذر.
وذهب الثوري وأبو يوسف إلى أن وضوء الجنب لا يستحب حتى قبل النوم، متعلقين بحديث أبي داود "ولا يمس ماء". ولا نظنهما يقصدان بنفي الاستحباب إباحة الأمرين واستواء الطرفين، بل مرادهما -والله أعلم- أن طلب الوضوء على درجة أقل من الاستحباب، فهو الأولى.
والذي تستريح إليه النفس في هذا الخلاف أن وضوء الجنب قبل النوم وقبل المعاودة وقبل الأكل أو الشرب مستحب لا واجب، وهو أفضل ما ينبغي عمله في هذا المقام، فإن لم يتوضأ استحب له غسل ذكره قبل معاودة الجماع، ولا سيما إذا أراد جماع أخرى لم يجامعها، فإنه أنشط للعود وأبعد عن إدخال النجاسة في الفرج، وأكمل في اللذة، كما استحب له غسل مذاكيره ويديه وما أصاب من ثوبه قبل النوم، فإنه أهدأ للنفس، وأطيب للبال، وفيه تخفيف للرائحة الكريهة، وحفاظ للفراش، واستحب له غسل يديه وأن يتمضمض قبل الأكل والشرب، وكلما وجد القذى والوسخ على هذه الأعضاء كلما تأكد استحباب الغسل.
وبهذا يمكن الجمع بين الأحاديث، والعمل بها جميعا، ففعل النبي ﷺ وأمره هنا لبيان الاستحباب، وتركه الوضوء أحيانا لبيان الجواز.
ومن فوائد الوضوء في هذه الحالات، أو الحكمة في طلبه أنه يخف به الحدث، يدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة "إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة" فالوضوء يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء، عند كثير من العلماء، ولا سيما من يقول بجواز تفريق الغسل.
стр. 915
وقال ابن الجوزي: الحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين، فإنها تقرب من ذلك، والمراد من الملائكة ملائكة الرحمة والبركة، لا الحفظة التي لا تفارق.
وقال المازري: ليبت على إحدى الطهارتين، خشية أن يموت في منامه [وهذا التعليل خاص بالوضوء قبل النوم] وعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقيل: لعله أن ينشط إلى الغسل لأنه إذا نال الماء أعضاءه تشجع على استيعاب بقية بدنه وزال عنه كسله.
وفوق كل ما قيل نرى أن الوضوء نظافة يدعو إليها الإسلام، ويزهو بها على جميع الأديان. ولا يستبيح بهذا الوضوء محرما على الحدث الأصغر أو الأكبر، فلا يمس القرآن ولا يمكث في المسجد، وهذا الوضوء للنظافة والتعبد فلا ينقضه ما ينقض الوضوء. والله أعلم.
واختلف في موجب الغسل في الجنابة. هل هو حصول الجنابة؟ أو هو القيام إلى الصلاة؟ أو هو حصول الجنابة مع القيام إلى الصلاة؟ ثلاثة أوجه، ومن قال: يجب بالجنابة قال: وهو وجوب موسع.
وهذا الخلاف جار في موجب الوضوء. هل هو الحدث؟ أو القيام إلى الصلاة؟ أو المجموع؟
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - استحباب غسل الوجه واليدين إذا قام من النوم. قال النووي: والحكمة من غسل الوجه إذهاب النعاس وآثار النوم، وأما غسل اليدين فللاحتياط.
٢ - ويستفاد من الرواية الأولى أيضا أن النوم بعد الاستيقاظ في الليل ليس بمكروه قال النووي: وقد جاء عن بعض السلف كراهة ذلك، ولعلهم أرادوا من لم يأمن استغراق النوم، بحيث يفوته وظيفته، ولا يكون مخالفا لما فعله ﷺ ، فإنه كان يأمن فوات أوراده ووظيفته.
٣ - أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة. قال النووي: وهذا بإجماع المسلمين.
٤ - وأن بدن الجنب وعرقه طاهران.
٥ - وجواز استقرار الجنب في البيت يقظان، لحصول اليقظة بين وضوئه ونومه، قال الحافظ ابن حجر: ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير.
٦ - ويؤخذ من طوافه ﷺ على نسائه بغسل واحد أن الجنب يجوز له أن يخرج وأن يمشي في السوق وغيره، وذلك لأن نساءه كانت لهن حجر منفصلة وبالضرورة كان النبي ﷺ إذا أراد الطواف عليهن يحتاج إلى المشي من حجرة إلى حجرة.
٧ - واستدل به البخاري على استحباب الاستكثار من النساء، وأشار إلى أن القسم لم يكن واجبا عليه ﷺ ، وهو قول طوائف من أهل العلم، والمشهور الوجوب، ويحتاج من قال به إلى الجواب عن هذا الحديث إما بأن ذلك كان برضا صاحبة النوبة، كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة وإما بأن ذلك كان يحصل عند استيفاء القسمة، ثم يستأنف القسمة، وإما بأن ذلك كان قبل وجوب القسمة، ثم ترك بعدها.
стр. 916
٨ - واستدل به على ما أعطي النبي ﷺ من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية، وصحة الذكورية.
٩ - وأن الغسل لا يجب بين الجماعين، سواء كان الجماع الثاني لنفس المرأة أو لغيرها.
١٠ - وعلى عدم كراهة كثرة الجماع عند الطاقة.
١١ - واستدل به بعضهم على طهارة رطوبة الفرج، لأنه لو كانت نجسة لأمر بغسل ما أصاب منها بين الجماعين. ورطوبة الفرج نجسة عند المالكية، لما يخالطها من النجاسة الجارية عليها كالحيض والبول، وعند الشافعية فيها أقوال. قال النووي: نقل بعض أصحابنا الإجماع على طهارة الجنين يخرج وعليه رطوبة فرج أمه، قال: ولا يدخله الخلاف الذي في رطوبة الفرج.
والله أعلم
стр. 917
(١٣٥) باب مني المرأة ووجوب الغسل عليها بخروجه
٥٥١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاءت أم سليم (وهي جدة إسحق) إلى رسول الله ﷺ . فقالت له، وعائشة عنده: يا رسول الله! المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام. فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه. فقالت عائشة: يا أم سليم! فضحت النساء. تربت يمينك. فقال لعائشة "بل أنت. فتربت يمينك. نعم. فلتغتسل يا أم سليم! إذا رأت ذاك".
٥٥٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أن أم سليم حدثت؛ أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. فقال رسول الله ﷺ "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل" فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك. قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ "نعم. فمن أين يكون الشبه. إن ماء الرجل غليظ أبيض. وماء المرأة رقيق أصفر. فمن أيهما علا، أو سبق، يكون منه الشبه".
٥٥٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: سألت امرأة رسول الله ﷺ : عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال "إذا كان منها ما يكون من الرجل، فلتغتسل".
٥٥٤ - عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ "نعم. إذا رأت الماء" فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وتحتلم المرأة؟ فقال "تربت يداك. فبم يشبهها ولدها".
٥٥٥ - عن هشام بن عروة بهذا الإسناد، مثل معناه. وزاد: قالت قلت: فضحت النساء.
стр. 918
٥٥٦ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أن أم سليم (أم بني أبي طلحة) دخلت على رسول الله ﷺ . بمعنى حديث هشام. غير أن فيه قال قالت عائشة: فقلت لها: أف لك! أترى المرأة ذلك؟ .
٥٥٧ - عن عائشة ﵂ أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال "نعم" فقالت لها عائشة: تربت يداك. وألت. قالت فقال رسول الله ﷺ "دعيها. وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك. إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله. وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه".
٥٥٨ - عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ . فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها. فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله ﷺ "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ "أينفعك شيء إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني. فنكت رسول الله ﷺ بعود معه. فقال "سل" فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ "هم في الظلمة دون الجسر" قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال "فقراء المهاجرين" قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون" قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم عليه؟ قال "من عين فيها تسمى سلسبيلا" قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض. إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال "ينفعك إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني. قال جئت أسألك عن الولد؟ قال "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر. فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذكرا بإذن الله. وإذا علا مني المرأة مني الرجل، آنثا بإذن الله" قال اليهودي: لقد
стр. 919
صدقت. وإنك لنبي. ثم انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه. وما لي علم بشيء منه. حتى أتاني الله به".
٥٥٩ - عن معاوية بن سلام في هذا الإسناد بمثله. غير أنه قال: كنت قاعدا عند رسول الله ﷺ . وقال "زائدة كبد النون" وقال: "أذكر وآنث". ولم يقل: "أذكرا وآنثا".
-[المعنى العام]-
الحياء من الإيمان، والحياء لا يأتي إلا بخير، بهذا حث الإسلام على التخلق بخلق الحياء، حث على انقباض النفس وعدم إقبالها على أمر تخاف أن تلام وتذم عليه، وإذا خاف المسلم من اللوم والذم اجتنب السيئات، وفي الوقت الذي دعا فيه الإسلام إلى التخلق بهذا الخلق الكريم دعا إلى الجرأة في العلم وفي الحق، عملا بقوله تعالى: ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة: ٢٦] لأن العلم يضيع بين الكبر والحياء، ولا يتعلم العلم مستحي، ومن هنا نجد الرجال والنساء في عهده ﷺ يسألون عما يحتاجون من أمور دينهم ودنياهم، حتى قالت عائشة: "نعم النساء نساء الأنصار. لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
واتباعا لهذه التعاليم الحكيمة جاءت أم سليم، أم أنس إلى رسول الله ﷺ وعنده عائشة وأم سلمة. فقالت: يا رسول الله، إني سائلتك عن مسألة تستحي المرأة من ذكرها لكن الله لا يستحي من الحق. إن المرأة ترى في المنام أن زوجها يجامعها وأنها تنزل، وتصبح فتجد بللا في قبلها، فهل عليها من غسل إذا هي احتلمت ورأت الماء؟ فتبسمت أم سلمة تعجبا، وغطت وجهها حياء، وقالت: تربت يمينك يا أم سليم. وقالت عائشة: أف لك يا أم سليم. فضحت النساء بذكر هذا الكلام الذي يستحيا من ذكره، فقال رسول الله ﷺ بل أنتما المستحقتان للإنكار والزجر، كيف تنكران على من تسأل عن دينها؟ دعوها تسأل. نعم يا أم سليم؟ . إذا كان منها ما يكون من الرجل وجب عليها الغسل قالت أم سلمة: وتحتلم المرأة وترى ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. النساء شقائق الرجال، وللمرأة ماء كما أن للرجل ماء، لكن ماء الرجل مختلف عن ماء المرأة فماؤه أبيض غليظ، وماؤها أصفر رقيق، وتعجبت أم سلمة وعائشة، إذ هما تحسان بماء الرجل ويريانه، لكن كل واحدة منهما لم تحتلم، ولم تر ماء يخرج من قبلها، فقال لهما ﷺ : ألستما تشاهدان شبه الولد بأمه أحيانا كما تشاهدان شبهه بأبيه أحيانا؟ قالتا: نعم، قال: فمن أين يأتي شبهه بأمه إذا لم يكن لها ماء وشهوة يلتقي بماء الرجل وشهوته؟ واقتنعت عائشة وأم سلمة وعلمتا علما يجهله أهل زمانهما، علمتا ما جاء
стр. 920
به اليهودي عبد الله بن سلام يسأل عنه النبي ﷺ متحديا مختبرا صدقه ونبوته. جاء فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعه خادم رسول الله ﷺ وقال له: لم لا تناديه برسول الله؟ قال: لم أومن برسالته بعد، ولكني أدعوه بما سماه به أهله. ثم قال: جئت أسألك عن شيء لا يعلمه إلا نبي أو رجل أو رجلان.
قال له ﷺ : أينفعك جوابي إن أجبتك وتؤمن؟ قال: أسمع بأذني، وأفكر بعقلي: قال له: سل قال: ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ قال: طرف كبد الحوت، قال: فما غذاؤهم بعده؟ قال ينحر لهم ثور خلقه الله في الجنة يأكل من أطرافها قال: فما شرابهم عليه؟ قال: يشربون من عين فيها تسمى سلسبيلا. قال: فما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: إن سبق وعلا ماء الرجل نزع الولد إلى أبيه، وإن سبق وعلا ماء المرأة نزع الولد إلى أمه. قال: صدقت. وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، يكذبون ويكذبون، فادعهم واسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا بإسلامي قالوا في ما ليس في، فأرسل إليهم النبي ﷺ فجاءوا -وعبد الله في داخل الدار- قال لهم النبي ﷺ : أي رجل فيكم ابن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم ثلاثا. فقالوا ذلك. فخرج إليهم ابن سلام، فقال: يا معشر اليهود. اتقوا الله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق، فقالوا: هذا شرنا وابن شرنا، وتنقصوه. فقال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله.
-[المباحث العربية]-
(جاءت أم سليم) بضم السين وفتح اللام، تزوجها مالك بن النضر فولدت له أنسا، ثم قتل عنها مشركا، فأسلمت، فخطبها أبو طلحة، وهو مشرك، فأبت حتى يسلم فأسلم، فتزوجها.
(فقالت له -وعائشة عنده) جملة "وعائشة عنده" مبتدأ وخبر في موضع الحال من الضمير في "له".
(المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام) "ما" اسم موصول، والمقصود ما يراه الرجل من أحلام المداعبة والجماع. والمراد من الرؤية هنا رؤية المنام، أي ترى في منامها أحلاما جنسية مثلما يرى الرجل.
(فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه) الرؤية هنا بصرية أو علمية منشؤها الحس -كما سيوضح في فقه الحديث، والمعنى: فترى من نفسها المني الذي يراه الرجل من نفسه، نتيجة لهذا الاحتلام.
(فضحت النساء) أي حكيت عنهن أمرا يستحيا من وصفهن به ويكتمنه، وذلك أن نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال.
стр. 921
(تربت يمينك) قال النووي: فيه خلاف كثير منتشر جدا للسلف والخلف من الطوائف كلها، والأصح الأقوى الذي عليه المحققون في معناه أنها كلمة أصلها افتقرت [قال: ترب بكسر الراء، أي لصق بالتراب، ويكنى به عن الفقر قال تعالى: ﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ [البلد: ١٦]، قال الهروي: ويقال: أترب الرجل إذا استغنى كأن ماله صار بعده التراب] ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي، فيذكرون: تربت يداك وقاتلك الله ما أشجعك، ولا أم لك ولا أب لك، وثكلتك أمك، وما أشبه هذا من ألفاظهم، يقولونها عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه، أو الذم عليه، أو استعظامه، أو الحث عليه، أو الإعجاب به. اهـ. والأنسب هنا الإنكار والزجر.
(فقال لعائشة: بل أنت) "بل" للإضراب الإبطالي، فهو ﷺ يبطل قول عائشة لأم سليم: تربت يمينك. ثم يقول لها ما أبطله عن أم سليم. و "أنت" مبتدأ محذوف الخبر، أي أنت أحق أن يقال لك ذلك، فإنها فعلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها، فلا تستحق الإنكار، وتستحقين أنت الإنكار لإنكارك ما لا إنكار فيه.
(فتربت يمينك) الفاء فصيحة، في جواب شرط، تقديره: إذا لم تستحق هي الإنكار، وكنت أنت أحق به فتربت يمينك.
(نعم) جواب السؤال المطوي في هذه الرواية، ويصرح به في الرواية الرابعة، بلفظ "فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ " وفي الرواية السادسة بلفظ "هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء"؟
(فلتغتسل -يا أم سليم- إذا رأت ذاك) "ذا" اسم إشارة، والكاف حرف خطاب للمؤنثة، فيكسر، والمشار إليه المني. وفي الرواية الثانية "إذا رأت ذلك" واللام للبعد.
(فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك. قالت: وهل يكون هذا؟ ) ظاهر هذا الأسلوب أن أم سليم هي التي قالت: وهل يكون هذا؟ وهو مستبعد ولعل الأصل: قالت عائشة، كما تشير الرواية الخامسة، أو قالت: أم سلمة كما تصرح الرواية الرابعة، وسيأتي مزيد إيضاح لهذا في فقه الحديث، والاستفهام للإنكار أو للتعجب.
(نعم فمن أين يكون الشبه) أي مشابهة الولد أمه، ورواية البخاري "فيم يشبهها ولدها"؟ كالرواية الرابعة، وفي الرواية السادسة "وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك" والاستفهام في هذه الرواية للإنكار بمعنى النفي، أي لا يكون الشبه إلا من جهة مائها. والشبه بفتح الشين والباء، وبكسر الشين وسكون الباء بمعنى المشابهة، وهي الاشتراك ولو في بعض الصفات.
(فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه) قال النووي: يجوز أن يكون المراد بالعلو هنا السبق، ويجوز أن يكون المراد الكثرة والقوة بحسب كثرة الشهوة. اهـ. والأولى أن يراد بالعلو والسبق الغلبة، أي: فمن الذي تتغلب صفاته وخواصه على صفات وخواص الآخر يكون شبه الولد.
стр. 922
(إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل) "كان" تامة، والمعنى إذا وجد منها ما يوجد من الرجل من المني نتيجة للاحتلام فلتغتسل.
﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ "لا يستحيي" بياءين، ويقال أيضا: يستحي بياء واحدة في المضارع. اهـ. والحياء تغير وانكسار، يعتري الإنسان من خوف ما يصاب به، أو يذم عليه. وهذا محال على الله. نعم في الحديث نفي الاستحياء لا إثباته، لكن مفهوم نفي الاستحياء من الحق إثبات الاستحياء من غير الحق، ولهذا قال علماء الحديث إن الكلام هنا على غير حقيقته، فيكون جاريا على الاستعارة التمثيلية، فتشبه حالة ترك الحق وما يحيط بتاركه، وما يكون عليه بالاستحياء، فكأنها قالت: إن الله لا يترك الحق، أي لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه، وقيل: معناه. إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه، وإنما قالت ذلك اعتذارا بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحيي النساء في العادة من السؤال عنه بحضرة الرجال.
(فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ ) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر: أي وإذا كان الحياء من الحق مذموما فهل على المرأة من غسل؟ و "من" زائدة داخلة على المبتدأ في سياق الاستفهام، والاحتلام افتعال من الحلم بضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال: حلم بفتح اللام واحتلم، والمراد أمر خاص من الأحلام، وهو الجماع، وشاع في الإنزال في جماع المنام، فإذا قال الرجل: احتلمت، فالمتبادر أنزلت من لذة منامية، والظاهر أن سؤالها عن الاحتلام بمعنى اللذة الشهوانية في النوم، أنزلت أم لم تنزل، فكان الجواب اشتراط الإنزال ورؤية الماء، يؤيد هذا رواية أحمد، من حديث أم سليم أنها قالت "إذا رأت أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل"؟
(وتحتلم المرأة؟ ) معطوف على محذوف، والاستفهام مقدر، أي أترى المرأة الماء وتحتلم؟ وفي رواية "وهل تحتلم المرأة"؟ وفي رواية "أو تحتلم المرأة"؟
(أف لك) في "أف" عشر لغات، بضم الهمزة مع كسر الفاء، وفتحها وضمها بغير تنوين، وبالتنوين، فهذه ست لغات، والسابعة "إف" بكسر الهمزة وفتح الفاء، والثامنة "أف" بضم الهمزة وإسكان الفاء، والتاسعة "أفي" بضم الهمزة وبالياء، و "أفه" بالهاء، ذكرهن ابن الأنباري وقال أبو البقاء: من كسر بناه على الأصل، ومن فتح طلب التخفيف، ومن ضم أتبع، ومن نون أراد التنكير، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفا. وقال ابن الأنباري في اللغة التاسعة بالياء، كأنه أضافه إلى نفسه. اهـ. والظاهر أنها اسم فعل ماض، أي كرهت وضجرت، وأصل الأف وسخ الأظفار، وهي كلمة تستعمل في الاحتقار والاستقذار والإنكار، قال الباجي: والمراد بها هنا الإنكار.
(تربت يداك وألت) بضم الهمزة وفتح اللام المشددة وإسكان التاء، ومعناها: أصابتها الآلة، بفتح الهمزة وتشديد اللام، وهي الحربة، فكأنها قالت: افتقرت يداك وطعنت.
стр. 923
(جاء حبر من أحبار اليهود) "الحبر" بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان هو العالم، والمراد به هنا عبد الله بن سلام، كما جاء في روايات البخاري، وكان أعلم اليهود، وكان اسمه الحصين، فسماه رسول الله ﷺ -لما أسلم- عبد الله.
(جئت أسألك) جملة "أسألك" في محل النصب على الحال المقدرة، أي جئت مقدرا وقاصدا سؤالك.
(أينفعك شيء إن حدثتك) الاستفهام تقريري، أي قر بأن قصدك الانتفاع بالحديث، وليس التحدي والمعاكسة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
(قال: أسمع بأذني) تثنية "أذني" ليس مراده: أسمع بأذني ولا أعقل ولا أتأثر، وإنما مراده: لا ألتزم المتابعة، وإنما أسمع بأذني وأنظر فيما أسمع.
(فنكت رسول الله ﷺ بعود معه) "نكت" بفتح النون والكاف، أي خط بالعود في الأرض، وأثر به فيها، وهذا يفعله المفكرون.
(يوم تبدل الأرض غير الأرض) قيل: إن التبديل تبديل صفات، بأن تمد مد الأديم، وتستوى، وتزال جبالها، وتصبح بيضاء عفراء، وليس فيها علم ولا شيء يستر، وقيل: إن التبديل تبديل ذات، بأن تزال هذه الأرض، ويؤتى بغيرها.
(هم في الظلمة دون الجسر) بفتح الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان وهو ما يعبر عليه، والمراد منه هنا الصراط.
(فمن أول الناس إجازة؟ ) بكسر الهمزة، ومعناه جوازا وعبورا.
(فما تحفتهم؟ ) بإسكان الحاء وفتحها، لغتان، والتحفة ما يهدى إلى الرجل ويخص ويلاطف به.
(زيادة كبد النون) وفي رواية "زائدة كبد النون" والزيادة والزائدة شيء واحد، والنون الحوت وزيادة الكبد طرفه، وهو أطيبه، وتعريف النون يشعر بأنه حوت مخصوص. وهذا من الأمور السمعية التي ينبغي الإيمان بها تعبدا.
(فما غذاؤهم على إثرها؟ ) "غذاؤهم" روي على وجهين: أحدهما: بالذال وكسر الغين، وهو الطعام أو الشراب الذي يتغذى به الجسم في أي وقت من الأوقات، وثانيهما: بالدال وفتح الغين، وهو الأكل أول النهار. قال القاضي عياض: هذا الثاني هو الصحيح وهو رواية الأكثرين، والأول ليس بشيء [لأن السؤال عن طعامهم في وقت معين، وليس عن طعامهم في جميع الأوقات] وقال النووي: وللأول وجه، وتقديره: ما غذاؤهم في ذلك الوقت؟ . اهـ. وهو وجه حسن، يساعده قوله: "على إثرها". والإثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، والأثر بفتح الهمزة والثاء لغتان مشهورتان.
стр. 924
(ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها) هذا الأسلوب يشعر بأنه ثور معهود، ليس في الجنة غيره. وهل هو موجود الآن -على القول بأن الجنة موجودة- أو يوجد فيما بعد؟ . الله أعلم.
(فما شرابهم عليه؟ ) أي على هذا الغذاء؟ أو على هذا الثور؟
(قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا) قال جماعة من أهل اللغة والمفسرين: السلسبيل اسم للعين: وقال مجاهد وغيره: هي شديدة الجري، وقيل: هي السلسة اللينة، قاله النووي. اهـ. والباحث يرى أن الجواب لم يطابق السؤال، إنه السؤال عن المشروب، والجواب عن مكان المشروب، ولو قصد مطابقته لقال: ماء غير آسن، أو لبنا، أو خمرا، أو عسلا مصفى، لكنه جرى على الأسلوب الحكيم، كأنه قال: شرابهم من الفخامة بحيث لا يوصف، لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لكنه يخرج من عين في الجنة تسمى سلسبيلا.
(أذكرا بإذن الله وآنثا بإذن الله) "أذكرا" أنجبا ذكرا، و "آنثا" أنجبا أنثى، وقد روي بالمد وتخفيف النون، وروي بالقصر وتشديد النون.
(ثم انصرف فذهب) قد يكون العطف عطف تفسير، لرفع وهم أنه انصرف عن قبول الحق مع بقائه في المجلس، وقد يكون عطف مغاير، بأن يراد من الانصراف تولية الظهر، ومن الذهاب البعد عن المجلس بحيث لا يسمع، وهذا هو الظاهر.
-[فقه الحديث]-
-[يستفاد من هذه الروايات]-
١ - أن خروج المني من موجبات الغسل على الرجل والمرأة قال النووي: وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني، أو إيلاج الذكر في الفرج وأجمعوا على وجوبه عليها بالحيض والنفاس، واختلفوا في وجوبه على من ولدت ولم تر دما أصلا، والأصح عند أصحابنا وجوب الغسل، وكذا الخلاف فيما إذا ألقت مضغة أو علقة. والأصح وجوب الغسل.
وقال: ثم إن مذهبنا أنه يجب الغسل بخروج المني، سواء كان بشهوة ودفق أم لا، في النوم أو في اليقظة، وسواء أحس بخروجه أم لا، وسواء خرج من العاقل أم من المجنون.
ثم إن المراد بخروج المني أن يخرج إلى الظاهر، أما ما لم يخرج فلا يوجب الغسل، وذلك بأن يرى النائم أنه يجامع، وأنه قد أنزل، ثم يستيقظ فلا يرى شيئا فلا غسل عليه بإجماع المسلمين، وكذا لو اضطرب بدنه لمبادئ خروج المني فلم يخرج، وكذا لو نزل المني إلى أصل الذكر، ثم لم يخرج فلا غسل، وكذا لو صار المني في وسط الذكر، وهو في صلاة، فأمسك بيده على ذكره، فوق
стр. 925
حائل فلم يخرج المني حتى سلم من صلاته صحت صلاته، فإنه مازال متطهرا حتى خرج، والمرأة كالرجل في هذا، إلا أنها إذا كانت ثيبا فنزل المني إلى فرجها، ووصل الموضع الذي يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء، وهو الذي يظهر حال قعودها لقضاء الحاجة، وجب عليها الغسل بوصول المني إلى ذلك الموضع لأنه في حكم الظاهر، وإن كانت بكرا لم يلزمها الغسل ما لم يخرج المني من فرجها، لأن داخل فرجها كداخل إحليل الرجل، اهـ.
٢ - وفيه أن المرأة تحتلم كالرجل، قال ابن بطال: فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن مراده الجواز لا الوقوع، أي فيهن قابلية الاحتلام، وعكسه ابن عبد البر، فقال: فيه دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن، أخذا من إنكار أم سلمة بقولها: "وهل يكون هذا"؟ "وتحتلم المرأة"؟ وقال السيوطي. وأي مانع أن يكون ذلك خصوصية لأزواجه ﷺ أنهن لا يحتلمن، كما أن من خصائص الأنبياء أنهم لا يحتلمون، لأنه من الشيطان، فلم يسلطه عليهم، وكذا لا يسلط على أزواجه تكريما له. اهـ. ورده الزرقاني، فقال: المانع من ذلك أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وعلل بعضهم منع وقوعه من أزواجه ﷺ بأنهن لا يطعن غيره، لا يقظة ولا مناما، والشيطان لا يتمثل به، وفيه نظر، لأنهن قد يحتلمن من غير رؤية، كما يقع لكثير من الناس.
٣ - واستدل به على أن ماء المرأة قد يبرز ويرى، وزعم بعضهم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما ينعكس إلى الرحم، وحمل الرؤية في الحديث على العلم، أي تغتسل إذا علمت أنها أنزلت بشهوة، والجمهور على خلافه، وأن المرأة كالرجل لا يجب عليها الغسل بالإنزال إلا إذا برز ماؤها.
٤ - وفيه بيان صفات مني الرجل والمرأة. قال النووي: قوله ﷺ "إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر" أصل عظيم في بيان صفة المني، وهذه صفته في حال السلامة وفي الغالب؛ قال العلماء: مني الرجل في حال الصحة أبيض ثخين يتدفق في خروجه دفقة بعد دفقة، ويخرج بشهوة ويتلذذ بخروجه، وإذا خرج استعقب خروجه فتورا، ورائحته كرائحة طلع النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العجين، وقيل: تشبه رائحته إذا يبس رائحة البول، فهذه صفاته، وقد يفارقه بعضها مع بقاء ما يستقل بكونه منيا، وذلك بأن يمرض فيصير منيه رقيقا أصفر، أو يسترخي وعاء المني، فيسيل من غير تلذذ ولا شهوة، أو يستكثر من الجماع فيحمر، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطا، وإذا خرج المني أحمر فهو طاهر، موجب للغسل، كما لو كان أبيض، ثم إن خواص المني التي عليها الاعتماد في كونه منيا ثلاث: أحدها: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه، والثانية: الرائحة التي تشبه رائحة الطلع، والثالثة الخروج بزريق ودفق ودفعات، وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه منيا، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم يحكم بكونه منيا، وغلب علي الظن كونه ليس منيا، هذا كله في مني الرجل، وأما مني المرأة فهو أصفر رقيق، وقد يبيض لفضل قوتها، وله خاصيتان، يعرف بواحدة منهما: إحداهما: أن رائحته كرائحة مني الرجل. والثانية: التلذذ بخروجه وفتور شهوتها عقب خروجه. قالوا: ويجب الغسل بخروج المني بأي صفة وأي حال. اهـ.
стр. 926
٥ - وفيه إثبات الوراثة، وشبه الولد لأبيه أو أمه، ومازال العلم -رغم تقدمه- عاجزا عن التحكم في علو ماء الرجل أو سبقه، وعلو ماء المرأة أو سبقه، بل عاجزا عن إدراك كيفية هذا العلو وأسبابه.
يقول علماء الطب الحديث: إن ثلاثة سنتيمترات مكعبة من مني الرجل تحوي مائتين وخمسين مليونا من الحيوان المنوي، كل حيوان منها يمكن أن يكون جنينا، ويحمل ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثية ولكل عامل من هذه العوامل مكونات داخلية، تبلغ المائة وتسمى بالمورثات.
أما الأنثى فإن مبيضها يقذف ببويضة واحدة كل شهر، تحمل هذه البويضة ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثية للمرأة أيضا.
ويتكون الجنين باختراق حيوان منوي واحد جدار البويضة واستقراره فيها وهنا تلتقي العوامل الوراثية للذكر بالعوامل الوراثية للأنثى، فتعلوا وتغلب إحداهما الأخرى.
ولا يتنافى هذا التشريع الطبي مع أحاديثنا التي تثبت للمرأة ماء، ولا مع تفسير المفسرين لقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق* خلق من ماء دافق* يخرج من بين الصلب والترائب﴾ [الطارق: ٥ - ٧] حيث قالوا: من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، فإن مني الرجل الذي يتم تكوينه في الخصية مر بالصلب كمرحلة من مراحله، وإن بويضة المرأة التي تتكون في المهبل، هي في أصلها ماء يخرج من بين ترائب المرأة كمرحلة من مراحله.
إن الطب لا ينكر أن المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل، ولا ينكر أن المرأة تفرز عند شهوتها ماء رقيقا أصفر، وإن قال: إن اللقاح يتم عن طريق البويضة.
لقد كان الهنود قبل المسيحية يعتقدون أن الأب هو عامل التكوين في إيجاد الطفل. إذ يضع البذرة في بطن المرأة، وأن المرأة ليست أكثر من حقل لإنماء هذه البذرة، وأخذ عنهم المصريون القدامى هذه الفكرة، وتأثر بهم كذلك اليونان والرومان، وكان هذا هو الشائع حين سأل اليهود رسول الله ﷺ ، ولهذا قال: "لا يعلمه أحد إلا نبي أو رجل أو رجلان" وكان جوابه ﷺ دليلا على صدقه، بل إن أوربا لم تكتشف مشاركة ماء المرأة لماء الرجل في تكوين الجنين إلا عام ١٦٦٧ م حين اكتشف عالم التشريح الفلورنسي "ستينو" البويضة عند المرأة، ثم تابع العلم اكتشافات وراثة الطفل لأبويه في الصفات، ولكنه -كعادته- حين يعجز عن إدراك الطريقة والسبب يعزو الأمر إلى الصدفة.
يقول الدكتور فاخر عاقل رئيس قسم علم النفس بجامعة دمشق: أما الثلاثة والعشرين صبغيا [أي عاملا وراثيا] الموجودة في النطفة، والتي ستلتقي بالثلاثة والعشرين صبغيا الأخرى، الموجودة في البويضة. والتي ستكون المخلوق الجديد، فأمرها متروك للصدفة مرة أخرى، وهكذا تكون قوانين الوراثة قوانين متصلة بالصدفة في تجمع الصبغيات في كل بويضة أو نطفة. اهـ.
ولكن الإسلام يقول: إن علو عوامل الوراثة في ماء الرجل وغلبتها لمثيلاتها عند المرأة مرتبط بعلم الله ومشيئته، جلت قدرته ﴿يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصص: ٦٨]. ﴿يهب
стр. 927
لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور* أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
٦ - وفي الحديث جواز استفتاء المرأة بنفسها من الرجال.
٧ - وأنه لا حياء في الدين، وأن من عرضت له مسألة ينبغي أن يسأل عنها، ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها، فإن ذلك ليس بحياء حقيقي، لأن الحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير، والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير، بل هو شر، فكيف يكون حياء؟ قاله النووي.
٨ - يؤخذ من قول أم المؤمنين "فضحت النساء" حياء أزواج النبي ﷺ ، وقد جاء في بعض روايات البخاري "فغطت أم سلمة وجهها" ولما كانت الرواية الأولى والخامسة والسادسة تصرح بأن التي أنكرت على أم سليم هي عائشة وكانت الرواية الثالثة والرابعة تصرحان بأنها أم سلمة جمع النووي بين الروايات بأنه يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعا أنكرتا على أم سليم، قال الحافظ ابن حجر: وهو جمع حسن، لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبي ﷺ في مجلس واحد.
٩ - وفيه مشروعية زجر من يلوم الذي يسأل عما يجهل.
١٠ - وفيه التمهيد للعذر، وأنه خير من تأخيره، لأن الذي يقدم العذر عن المعتذر منه يهيئ المخاطب لقبول الوضع خاليا من العتب، وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر منه، فتأثرت بقبحه، ثم يأتي العذر رافعا، وعلى الأول يأتي دافعا، ودفع الشيء المستكره قبل وقوعه أيسر من رفعه بعد وقوعه.
١١ - ويؤخذ من قوله ﷺ : "إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل" حسن العشرة ولطف الخطاب، واستعمال اللفظ الجميل موضع الذي يستحيا منه في العادة.
١٢ - ومن حديث الحبر يؤخذ أدب العلم الذي اتصف به عبد الله بن سلام، إذ بدأ بالسلام، وسأل عن سبب دفعه، ولم يعنف الدافع، وقال: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، ولم يقل كما قالت قريش في الحديبية: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك.
١٣ - وإنصافه ﷺ ، وحسن خلقه، واستئلافة الخلق إلى الإيمان حيث قال: إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد.
١٤ - وجواز النكت بالعود في الأرض عند التفكر، وأنه ليس مخلا بالمروءة كما يتصور البعض.
١٥ - وفيه فضل فقراء المهاجرين، وليس معنى ذلك أن فقراء المهاجرين أفضل من أغنيائهم، للإجماع على أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف أفضل من أبي هريرة وأبي ذر -رضوان الله عليهم- أجمعين، وقد يختص المفضول بخاصية ليست في الفاضل، ولا يكون بسببها أفضل، ولهذا المعنى لا يحتج به لترجيح الفقراء. ذكره الأبي.
والله أعلم
стр. 928
(١٣٦) باب الصفة الكاملة لغسل الجنابة
٥٦٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه. ثم يفرغ بيمينه على شماله. فيغسل فرجه. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. ثم يأخذ الماء. فيدخل أصابعه في أصول الشعر. حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات. ثم أفاض على سائر جسده. ثم غسل رجليه.
عن هشام في هذا الإسناد وليس في حديثهم غسل الرجلين.
٥٦١ - عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة. فبدأ فغسل كفيه ثلاثا. ثم ذكر نحو حديث أبي معاوية ولم يذكر غسل الرجلين.
٥٦٢ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان، إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء. ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة.
٥٦٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني خالتي ميمونة قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة. فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا. ثم أدخل يده في الإناء. ثم أفرغ به على فرجه. وغسله بشماله. ثم ضرب بشماله الأرض. فدلكها دلكا شديدا. ثم توضأ وضوءه للصلاة. ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه. ثم غسل سائر جسده. ثم تنحى عن مقامه ذلك. فغسل رجليه. ثم أتيته بالمنديل فرده.
٥٦٤ - عن الأعمش بهذا الإسناد وليس في حديثهما إفراغ ثلاث حفنات على الرأس. وفي حديث وكيع وصف الوضوء كله. يذكر المضمضة والاستنشاق فيه. وليس في حديث أبي معاوية ذكر المنديل.
стр. 929
٥٦٥ - عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ أتي بمنديل. فلم يمسه. وجعل يقول "بالماء هكذا" يعني ينفضه.
٥٦٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا اغتسل من الجنابة، دعا بشيء نحو الحلاب. فأخذ بكفه. بدأ بشق رأسه الأيمن. ثم الأيسر. ثم أخذ بكفيه. فقال بهما على رأسه.
-[المعنى العام]-
حقا كان لا بد أن نأخذ شطر الدين عن أمهات المؤمنين، لأنهن اللاتي باشرن العلاقة الزوجية والأعمال الداخلية لرسول الله ﷺ ، بل إن كثيرا من التشريعات لم يكن من السهل تبليغها للأمة إلا عن طريقهن، وكانت عائشة ﵂ أولاهن لأداء هذه الرسالة؛ لأنها كانت أحب أزواجه إليه ﷺ ، وأقربهن منه، وتمرض مرضه الأخير في بيتها، وكانت أطول نسائه حياة بعده، فأدت الأمانة هي وأخواتها ﵅ بكل إخلاص.
وهذا مثل من أمثلة الأعمال السرية التي كان من الصعب العلم بها بدون تحديثهن. ها هي عائشة وميمونة تتحدثان عن غسل رسول الله ﷺ من الجنابة وتشرحان أن أمهات المؤمنين كن يهيئن له الماء، ويقفن بجواره ينتظرن أوامره ويحضرن المنشفة لتنشيفه، وأنه كان لا يستعين بهن في نفس الغسل تقربا وتعبدا، وأنه كان يفرغ بيمينه على شماله ليغسل بها فرجه، بعد أن يغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء فإذا غسل فرجه أكد نظافة يسراه بدلكها في الأرض ليزيل ما قد يكون قد علق بها من ريح كريه، ثم يأخذ الماء بيديه فيدخل أصابعهما في أصول شعره، ويفركه ويدلكه، حتى يصل الماء إلى البشرة ومنابت الشعر وحتى يلين ويترطب ويستعد لأن يغمر بالغسل، حتى إذا اطمأن لذلك أخذ ثلاث حفنات فصبها على رأسه، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم انتقل من مكان وقوفه إلى مكان جديد نظيف يغسل فيه رجليه اللتين غمرهما ماء الغسل أو لوثهما تراب الأرض، ثم يأخذ في نفض الماء عن جسده ويديه، فتناوله أم المؤمنين منديلا ليتنشف به، فمرة يأخذه، ومرة يعرض عنه تعجلا أو تواضعا. فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة) أي إذا أراد أن يغتسل، والأسلوب يدل على
стр. 930
العادة والغالب والشأن الكثير، والغسل بضم الغين اسم مصدر من "اغتسل" وبفتح الغين مصدر "غسل" ويجوز فيه الضم أيضا. قاله أهل اللغة. والمشهور في استعماله عند الفقهاء فتح الغين إذا أضيف إلى المغسول، كغسل الثوب. وضم الغين إذا أضيف إلى غيره كغسل الجنابة.
وغسل الجنابة لغة الإسالة، وشرعا إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد بنية رفع الجنابة.
والجنابة في الأصل البعد، وسمي من اتصف بها جنبا لأنه منهي عن قربان مواضع الصلاة حتى يتطهر، وشرعا أمر معنوي. يقوم بالبدن يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص.
(ثم يتوضأ وضوءه للصلاة) الكلام على التشبيه، أي وضوءا مثل وضوئه للصلاة كما في الرواية الثانية، واحترز به عن الوضوء اللغوي.
(فيدخل أصابعه في أصول الشعر) أي في منابته وما يتصل منه بجلدة الرأس.
(حتى إذا رأى أن قد استبرأ) "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أو ضميره ﷺ ، وجملة "قد استبرأ" خبرها، و"رأى" بمعنى "ظن ظنا قويا" والمعنى حتى إذا ظن ووثق أنه أوصل البلل إلى جميع أصول الشعر.
(حفن على رأسه ثلاث حفنات) الحفنة ملء الكفين، قال النووي: معنى "حفن" أخذ الماء بيديه جميعا، وسيأتي تثليث الغسل في فقه الحديث.
(ثم أفاض على سائر جسده) أي أسال الماء، فالمفعول محذوف للعلم به، والإفاضة الإسالة.
(أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة) وفي رواية أبي داود: "وضعت للنبي ﷺ غسلا يغتسل به من الجنابة" والمراد من الغسل هنا -وهو بضم الغين- الذي يغتسل به، وفي رواية للبخاري "عن ميمونة قالت: وضعت له ﷺ ماء الغسل".
(فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا) شك من الراوي.
(ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه) سبق القول: إن الحفنة ملء الكفين، فلعل الإفراد في "ملء كفه" تحريف. ولهذا قال النووي: هكذا هو في الأصول التي ببلادنا "كفه" بلفظ الإفراد، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، وفي رواية الطبري "كفيه" بالتثنية وهو مفسر لرواية الأكثرين إذ الحفنة ملء الكفين جميعا. اهـ وقال الداودي. الحفنة باليد الواحدة، لكن غيره من العلماء على أنها باليدين جميعا، أما الحثية فباليد الواحدة، والكف تذكر وتؤنث.
(ثم تنحى عن مقامه ذلك) أي تحول عن مكان اغتساله إلى مكان آخر، وسيأتي بيان الحكمة فيه. والمقام مكان القيام، فيفيد أنه كان يغتسل وافقا، كذا قيل، وفيه نظر فالمقام مكان اللبث، عن قيام أو غيره.
стр. 931
(ثم أتيته بالمنديل فرده) "المنديل" بكسر الميم معروف. قال ابن فارس: لعله مأخوذ من الندل، وهو النقل، وقال غيره: هو مأخوذ من الندل، وهو الوسخ، لأنه يندل به ويقال: تندلت بالمنديل.
(وجعل يقول بالماء هكذا -يعني ينفضه-) كان الظاهر أن يقول: وجعل يفعل الماء هكذا، لكن العرب تجعل القول عبارة عن الأفعال، وتطلقه أيضا على غير الكلام فتقول: قال بيده كذا، أي أشار، وذلك على المجاز والاتساع، والنفض الإسقاط، يقال: نفضت الورق عن الشجرة أسقطته ونفضت الوسخ عن الثوب أسقطته.
(دعا بشيء نحو الحلاب) لفظ "نحو" هنا بمعنى "مثل" أي دعا بإناء مثل الحلاب، والحلاب وعاء يملؤه قدر حلب الناقة، ووصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر، وفي رواية للبيهقي "قدر كوز يسع ثمانية أرطال".
(بدأ بشق رأسه الأيمن) أي بجانب رأسه الأيمن، والشق بكسر الشين يطلق أيضا على نصف الشيء، ومنه "تصدقوا ولو بشق تمرة".
(ثم أخذ كفيه فقال بهما على رأسه) أي ففعل بهما على رأسه، أي أخذ كفين من الماء فصبهما على رأسه.
-[فقه الحديث]-
يتناول فقه الحديث المسائل التالية:
١ - حكم غسل الجنب يديه قبل إدخالهما الإناء.
٢ - تنظيف اليد بعد الاستنجاء.
٣ - الوضوء قبل الغسل، أو بعده.
٤ - المضمضة والاستنشاق فيه.
٥ - تخليل الشعر وغسل أصوله في الرجل والمرأة.
٦ - الدلك في الغسل.
٧ - التثليث في الغسل الكامل.
٨ - التنشيف من ماء الغسل.
٩ - ما يؤخذ من الحديث من أحكام أخرى.
стр. 932
وهذا هو التفصيل:
١ - حكم غسل الجنب يديه قبل إدخالهما الإناء: تصرح الرواية الأولى والثانية والثالثة بأنه ﷺ كان يبدأ الغسل بغسل كفيه، وقد تناولنا حكم غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء في باب صفة الوضوء وكماله، ولما كان كل ما قيل في هذه المسألة في الوضوء يقال في الغسل من باب أولى فإنا نعيد ما قلناه، لبعد العهد به وتيسيره فقد جاء في مسلم عن غسل الكفين قبل الوضوء في وصف وضوئه ﷺ "فغسل كفيه ثلاث مرات". "فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما" "فدعا بإناء" فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثا".
قال النووي في شرحه: هذا دليل على أن غسل اليدين في أول الوضوء سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء، ثم قال: وفيه استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء. اهـ.
والتحقيق: أن الكلام في نقطتين مختلفتين: الأولى: غسل اليدين في أول الوضوء وهو سنة ثابتة، لا نزاع في سنيته. قال الحافظ ابن حجر: هو سنة في حق المستيقظ الذي لا يشك في نجاسة يده، ولا يكره ترك غسلهما، لعدم ورود النهي فيه. والنقطة الثانية: غسل اليدين لمن قام من النوم، أو شك في نجاستهما. وقد ورد الأمر بغسلهما في هذه الحالة قبل غمسهما في الإناء، وورد النهي عن غمسهما في الإناء قبل غسلهما -وقد عقد لهذه المسألة باب خاص في هذا الكتاب- ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحققين أن غسل اليدين قبل غمسهما لمن قام من النوم، أوشك في نجاستهما مندوب، ويكره تركه، وذهب أحمد إلى وجوب غسلهما عند القيام من نوم الليل، دون نوم النهار، وفي رواية عنه أن ترك الغسل بعد القيام من نوم الليل مكروه كراهة تحريم، وتركه بعد القيام من نوم النهار مكروه كراهة تنزيه.
والجمهور من المتقدمين والمتأخرين على أن الماء لا ينجس إذا غمس يده فيه قبل غسلهما، لأن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك.
وحكي عن الحسن البصري وإسحق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري أنه ينجس بالغمس بعد القيام من نوم الليل، لكنه خلاف قواعد الشريعة المتظاهرة.
وقد اختلف في الكيفية المستحبة لغسل الكفين، هل يغسلهما مجتمعتين؟ أو يغسل اليمنى، ثم يدخلها، فيخرج ما يغسل به الأخرى؟ والظاهر الأول حيث أمكن.
كما اختلف في كون هذا الغسل المستحب للنظافة أو للتعبد، فمن قال للنظافة استدل بقوله ﷺ "فإنه لا يدري أين باتت يده" وعليه لا يستحب غسلهما لمن أحدث في أثناء وضوئه، أو تأكد من نظافتهما ونقاوتهما، ومن قال للتعبد استدل بطلب الغسل ثلاثا، إذ لو كان للنظافة لكفت واحدة، أو طلب النقاوة دون تحديد بعدد وعليه يستحب إعادة غسلهما لمن أحدث أثناء وضوئه، أو تأكد من نظافتهما، وهذا أولى وأحوط، والله أعلم.
٢ - تنظيف اليد بعد الاستنجاء: أما عن استنجاء الجنب، وتنظيف اليد بعده فتقول الرواية الأولى "ثم
стр. 933
يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه" وتقول الرواية الثالثة "ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكا شديدا".
قال النووي: وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهي أنه إذا استنجى وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة، لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه فينتقض وضوؤه، أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده. اهـ.
ويستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب أو أشنان [الصابون] أو يدلكها بالتراب أو حائط، ليذهب الاستقذار منها، قال ابن دقيق العيد: وإذا بقيت رائحة النجاسة بعد الاستقصاء في الإزالة لم يضر على مذهب بعض الفقهاء، وفي مذهب الشافعي خلاف، وقد يؤخذ العفو عنه من هذا الحديث لأن ضرب الأرض باليد بعد انفصالها عن محل الاستنجاء، بناء عن ظن طهارته دليل على أن هذا الضرب لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته، لأن اليد لو كانت نجسة بعد انفصالها لم يكن المحل طاهرا، لأنها لابسته مبتلا، فلزم أن تكون طاهرة عند انفصالها عنه طاهرا، ولزم أن يكون الضرب لفائدة، فلزم أن يكون لإزالة الريح طلبا للأكمل إذ لا جائز أن يكون الضرب لإزالة الطعم، لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين، ولا لإزالة اللون، لأن الجنابة بالإنزال أو بالمجامعة لا تقتضي لونا يلصق باليد، وإن اتفق فنادر، وسهل الزوال بقليل الماء. انتهى بتصرف. والله أعلم.
٣ - الوضوء قبل الغسل أو بعده: وصرحت الروايات بأن النبي ﷺ كان يتوضأ وضوءه للصلاة مع غسل الجنابة، وبها أخذ أبو ثور وداود الظاهري فقالا بوجوب الوضوء قبل الغسل، ومن عداهما يقولون: الوضوء مع الغسل سنة غير واجب، أما كونه سنة فلفعله ﷺ وهو محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة، وأما كونه غير واجب فلأنه يدخل في الغسل كالحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد، ولأن الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر وضوءا، ولقوله ﷺ لأم سلمة: "يكفيك أن تفيضي عليك الماء" وقد روي عن الشافعي رواية ضعيفة أنه يلزم الجنب الوضوء في الجنابة مع الحدث، ولا يعتد بها، فقد نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وكأنه لم يعتبر خلاف أبي ثور وداود الظاهري.
نعم يقع البحث في هذا الوضوء، هل هو وضوء حقيقة؟ أي غسل أعضائه بنية الوضوء فقط وتجب إعادة الماء على سائر الجسد في الغسل؟ أو هو كذلك ولا تجب إعادة الماء على أعضاء الوضوء، اكتفاء بغسلهما، باعتبار أن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد؟ الظاهر أنه يلزمه إعادة غسل أعضاء الوضوء ما لم ينو رفع الجنابة.
أو هو وضوء غير حقيقي؟ أي وضوء في الصورة فقط، وحقيقته تقديم غسل هذه الأعضاء على بقية الجسد، في غسل الجنابة، تكريما لها وتشريفا ويسقط غسلها الوضوء باندراج الطهارة الصغرى في الطهارة الكبرى؟ ظاهر قولهما في الرواية الأولى "ثم أفاض على سائر جسده" وقولهما في
стр. 934
الرواية الثالثة "ثم غسل سائر جسده" يدل على أن المطلوب وضوء حقيقي مستقل عن إفاضة الماء على سائر الجسد، لتحصل فضيلة الوضوء.
قال النووي: والوضوء سنة، فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله، واستباح به الصلاة وغيرها، ولكن الأفضل أن يتوضأ وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل، أو بعده، وإذا توضأ أولا [قبل الغسل] لا يأتي به ثانيا [بعد الغسل] فقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب وضوءان. اهـ.
وقد استشكل على الرواية الأولى والثالثة إذا تفيدان البدء بوضوء الصلاة ثم الغسل ثم غسل الرجلين؛ مما يترتب عليه أن الوضوء الأول غير كامل، أو أن الرجلين تغسلان مرتين.
ففي الرواية الأولى "فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه".
وفي الرواية الثالثة "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه".
وأجيب عن هذا الإشكال باحتمال أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، على سبيل المجاز من إطلاق الأكثر، وإرادة الكل، ويؤيده رواية ميمونة عند البخاري، ونصها "توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما".
قال الحافظ ابن حجر: وليس في شيء من الروايات عن عائشة وميمونة التصريح بإكمال الوضوء أو الغسل، بل الروايات إما محتملة، كرواية "توضأ وضوءه للصلاة" أو ظاهرة في تأخير الرجلين، كرواية "توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه" فتحمل المحتملة على الصريحة. انتهى بتصرف.
وأجاب بعضهم عن الإشكال باختلاف فعله ﷺ لاختلاف الحالتين فكان يتم وضوءه قبل الغسل، ويعيد غسل رجليه حينما يكون المغتسل غير نظيف.
وأجاب النووي بجواب ثالث: حاصله أنه ﷺ كان يكمل الوضوء ويعيد غسل الرجلين بعد الفراغ، لزيادة النظافة لا لأجل الجنابة، فكان ﷺ يواظب على ذلك، لأنه الأكمل والأفضل، وحمل النووي رواية ميمونة في البخاري "توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه" على أنه فعل ذلك مرة لبيان الجواز. قال: وهذا كما ثبت أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، ومرة مرة، فكان الثلاث في معظم الأوقات، لكونه الأفضل، والمرة في نادر من الأوقات لبيان الجواز. اهـ.
وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن في رواية أحمد ما يدل على المواظبة، ولفظه "كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ... " الحديث.
ونتيجة لهذا الإشكال وأجوبته اختلف العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل
стр. 935
الرجلين في الغسل، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الأفضل إكمال الوضوء أولا إن كان الاغتسال في محل لا يجتمع فيه الماء وتأخير غسل القدمين إن كان يغتسل في نحو طست. وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخير غسلهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية قولان في الأفضل، أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه. والله أعلم.
٤ - المضمضة والاستنشاق في وضوء الغسل: جاء في ملحق الرواية الثالثة ذكر المضمضة والاستنشاق في وضوء الغسل، وقد سبق لنا بيان حكم المضمضة والاستنشاق بالتفصيل في باب صفة الوضوء وكماله، وقلنا: إن العلماء اختلفوا في حكم المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أنهما سنتان في الوضوء والغسل، رواية عن عطاء وأحمد، أما أنهما سنتان في الوضوء فللآية الكريمة: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق وأما أنهما سنتان في الغسل فلأنهما من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء سقط توابعه، وقد قام الإجماع -كما سبق- على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب.
ثانيها: أنهما واجبتان في الوضوء والغسل، لا يصحان إلا بهما، وهو المشهور عن أحمد بن حنبل، واستدل له بورود الأمر بهما في الوضوء، وظاهر الأمر أنه للوجوب، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه ﷺ على الاستقصاء أنه ترك المضمضة والاستنشاق، فدل ذلك على المواظبة، وهي تدل على الوجوب، ورد بحمل الأمر بهما على الندب جمعا بين الأدلة، وبدليل أن الاستنثار مأمور به، وهو ليس بواجب باتفاق، وأما مداومته ﷺ فكثيرا ما تكون في السنن، فلم يؤثر أنه ﷺ ترك التسمية، ومع ذلك هي سنة عند القائل بوجوب المضمضة.
المذهب الثالث: أنهما واجبتان في الغسل دون الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، واستدلوا بقوله ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر" قال العيني: بهذا الحديث احتج أبو حنيفة على أن المضمضة والاستنشاق فرضان في الجنابة، أما الاستنشاق فلقوله ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة" وفي الأنف شعور، وأما المضمضة فلأن الفم من مظاهر البدن، بدليل أنه لا يقدح في الصوم [أي لا يفطر ما دخل فيه] فيطلق عليه ما يطلق على البدن، فلهذا الاعتبار فرضت المضمضة. اهـ.
المذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل، والمضمضة سنة فيهما وهو مذهب داود الظاهري، ورواية عن أحمد.
وقد أوضحنا في باب صفة الوضوء وكماله كيفية المضمضة والاستنشاق وكمالهما ومباحث أخرى تتعلق بهما، فمن أراد المزيد فليرجع إليه. والله أعلم.
стр. 936
٥ - تخليل الشعر وغسل أصوله في الرجل والمرأة: وتصف الرواية الأولى والخامسة غسل شعر رأسه ﷺ بأنه كان يأخذ الماء في يده فيدخل أصابعه في أصول الشعر، يبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، حتى إذا اطمأن أن الماء قد وصل إلى أصول الشعر والبشرة حفن على رأسه ثلاث حفنات.
ولا خلاف بين العلماء في وجوب إيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة في غسل الجنابة والحيض والنفاس، وإنما الخلاف في تخليل الشعر ومباشرته باليد والأصابع للاستيثاق من تعميم الماء.
فمذهب الحنفية والشافعية والحنابلة استحباب تخليل شعر اللحية والرأس إن وصل الماء إلى أصول الشعر بدون تخليل وإلا فلا بد من التخليل.
وذهب المالكية إلى وجوب تخليل الشعر مطلقا، لا فرق بين لحية وغيرها خفيفا كان الشعر أو كثيفا، لقوله ﷺ : "خللوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة" رواه النسائي والترمذي وهو معتمد المذهب، وقيل: يفرق في اللحية بين الخفيفة والكثيفة، فيجب إذا كانت خفيفة، ويندب إذا كانت كثيفة، والمراد بالتخليل الواجب عندهم عرك الشعر وتحريكه حتى يصل الماء للبشرة، فلا يجب إدخال الأصابع تحته.
كذلك الخلاف في وجوب نقض الضفائر في شعر الرجل والمرأة، فالمالكية على أنه إذا كان مضفورا بنفسه، واشتد وجب نقضه في الغسل دون الوضوء وإن كان مضفورا بخيوط ثلاثة فأكثر وجب نقضه في الغسل والوضوء، اشتد أم لا، وإن كان بخيط أو خيطين واشتد نقض، وإلا فلا، لا فرق بين الرجل والمرأة ولا بين غسل الجنابة وغيرها، واستدلوا بقوله ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر" رواه أبو داود.
وقالت الشافعية: إن وصل الماء إلى جميع الشعر والبشرة بدون نقض لم يجب وإلا وجب، لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا بين الجنابة والحيض والنفاس واستدلوا بما استدلت به المالكية.
وقالت الحنفية: لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها إن بل الماء أصلها، ويجب على الرجل نقض ضفائره ولو وصل الماء إلى أصول الشعر على الصحيح واستدلوا بما رواه أبو داود عن أم سلمة "أن امرأة من المسلمين قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي [أي أحكم ضفر شعر رأسي] أفأنقضه للجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثا، ثم تفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت". وقد حمله الشافعية على أن شعرها كان خفيفا، فعلم النبي ﷺ أن الماء يعم شعرها ويصل إلى أصوله، فلذا لم يأمرها بالنقض، وفرق الحنفية بين المرأة والرجل باعتبار أن في النقض عليها حرجا ومشقة، وفي الحلق مثله فسقط عنها النقض، بخلاف الرجل، فيجب عليه النقض مطلقا لعدم الحرج.
وقالت الحنابلة: يجب نقضه في الحيض والنفاس، ولا يجب في الجنابة إن بل الماء أصوله،
стр. 937
واستدلوا على التفرقة بقول النبي ﷺ لعائشة ﵂ وكانت حائضا -"انقضي رأسك وامتشطي" رواه البخاري. وسيأتي باب خاص بهذه النقطة بعد بابين.
٦ - الدلك في الغسل: ويستفاد من قولهما في الرواية الأولى "ثم أفاض على سائر جسده" أن الدلك غير واجب، وقد سبق إيضاح حكم الدلك في باب صفة الوضوء وكماله، وقلنا: إن المراد بالدلك في الوضوء وفي الغسل إمرار اليد على العضو، مع الماء أو بعده، وفي وجوبه خلاف.
فقد ذهب مالك وأصحابه والمزني من الشافعية إلى وجوبه في الوضوء والغسل مستدلين بقوله ﷺ لعائشة في الغسل: "ادلكي جسدك بيدك" والأمر للوجوب. ولا فرق على المذهب بين الوضوء والغسل وبأنه من مسمى الغسل، أو شرط فيه، قاله الحطاب والنفراوي. وقال مالك في المدونة، في الجنب يأتي النهر، فينغمس فيه انغماسا وهو ينوي الغسل من الجنابة، ثم يخرج قال: لا يجزئه وإن نوى الغسل إلا أن يتدلك، قال: وكذا الوضوء أيضا. قلت: أرأيت إن أمر يديه على بعض جسده، ولم يمرها على جميع الجسد؟ قال: لا يجزئه ذلك حتى يمرهما على جميع جسده كله ويتدلك. اهـ.
وعلل القاضي عياض وجوب الدلك بأن في البدن مغابن يقطع بأنه لا يصل الماء إليها بإمرار اليد، ورد هذا القول بأنه لا يتعين في وصول الماء إلى تلك المغابن أن يكون بالدلك.
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة، واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الواردة في صفة الوضوء والغسل التي ليس فيها التصريح بالدلك.
والحق أن فيما ذهب إليه الإمام مالك تضييقا وتعسيرا، وإلزاما بما هو متعذر، فإن بعض الأماكن من الجسم لا يمكن وصول اليد إليها إلا بصعوبة اللهم إلا أن يأمر باستعمال حبل ونحوه، مما لم يؤثر أن عائشة ﵂ قد أمرت به.
نعم الدلك فيما يتيسر دلكه من الأعضاء مطلوب احتياطا- والله أعلم.
٧ - التثليث في الغسل الكامل: واستدل بقولهما في الرواية الأولى والثالثة "حفن على رأسه ثلاث حفنات" استدل به على أن المسنون في الغسل ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء، وأما الفرض منه فغسل سائر البدن بالإجماع.
قالت الشافعية: استحباب صب الماء على الرأس ثلاثا متفق عليه، وألحق به سائر الجسد قياسا على الرأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء فإن الوضوء مبني على التخفيف لتكراره، فإذا استحب فيه الثلاث فالغسل أولى. وقال النووي: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما تفرد به الماوردي، حيث قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وهو شاذ متروك. اهـ. وبما قاله النووي قالت الحنفية والحنابلة.
وقالت المالكية: ليس في الغسل شيء يندب فيه التثليث سوى الرأس بخلاف الوضوء، والفرق كثرة المشقة في الغسل، وسيأتي في باب خاص بهذه النقطة بعد باب واحد إن شاء الله تعالى.
стр. 938
٨ - صفة الغسل وكماله: ويحسن بنا هنا أن نورد ما ذكره العلماء في صفة الغسل وكماله، تتميما للفائدة، فنقول: قال النووي: قال أصحابنا: كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل، فيغسل كفيه ثلاثا، قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل ما على فرجه وسائر بدنه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله ثم يدخل أصابعه كلها في الماء، فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثى على رأسه ثلاث حثيات، ويتعاهد معاطف بدنه، كالإبطين وداخل الأذنين والسرة، وما بين الإليتين وأصابع الرجلين وعكن البطن وغير ذلك، فيوصل الماء إلى جميع ذلك، ثم يفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات يدلك في كل مرة ما تصل إليه يداه من بدنه، وإن كان يغتسل في نهر أو بركة انغمس فيها ثلاث مرات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته والشعور الكثيفة والخفيفة، ويعم بالغسل ظاهر الشعر وباطنه وأصول منابته، والمستحب أن يبدأ بميامنه وأعالي بدنه، وأن يكون مستقبل القبلة وأن يقول بعد الفراغ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وينوي الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه ويستصحب النية إلى أن يفرغ من غسله. فهذا كمال الغسل، والواجب من هذا كله النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء، وتعميم البدن شعره وبشره بالماء، ومن شرطه أن يكون البدن طاهرا من النجاسة، وما زاد على هذا مما ذكرناه سنة. اهـ. وهذا مذهب الشافعية.
وذهبت المالكية إلى أن فرائضه النية، وتعميم الجسد بالماء، والدلك وتخليل الشعر والموالاة.
وذهبت الحنفية إلى أن فرائضه غسل فمه، وأنفه، وتعميم سائر جسده بالماء.
وقالت الحنابلة: إن فرائضه إزالة ما على بدنه من نجاسة أو غيرها مما يمنع وصول الماء إلى البشرة، والنية، والتسمية، وتعميم الجسد بالماء حتى أنفه وفمه وظاهر الشعر وباطنه.
وهل يشترط أن يكون الماء قراحا؟ أو يصح بالماء المختلط [بالصابون ونحوه] خلاف.
ذهبت الحنفية إلى صحة الغسل والوضوء بالماء المخلوط بطاهر، واحتجوا بما رواه أبو داود عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يغسل رأسه بالخطمي [بكسر الخاء وقد تفتح، نبات يوضع في الماء فيحلل الأوساخ عند الغسل كالصابون] وهو جنب، يجتزئ، ولا يصب عليه الماء".
ولا حجة لهم فيه، لأن فيه اضطرابا، وراويا مجهولا، وعلى تقدير صحته فهو محمول على أن النبي ﷺ وضع الخطمي على رأسه، ثم صب عليه الماء، فهو وإن كان فيه اختلاط إلا أنه يسير، لا يخرج الماء عن كونه مطلقا تزال به الجنابة وغيرها. بهذا يقول الجمهور وقال ابن رسلان: المراد أنه ﷺ كان يكتفي بالماء المخلوط به الخطمي الذي يغسل به، وينوي به غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماء آخر صافيا يخص به الغسل وهذا فيما إذا وضع السدر أو الخطمي على الرأس، وغسله به: فإنه يجزئ ذلك، ولا يحتاج إلا أن يصب عليه الماء ثانيا مجردا للغسل، وأما إذا طرح السدر في الماء، ثم غسل به رأسه فإنه لا يجزئه ذلك، بل لا بد من الماء القراح بعده. فليتنبه لذلك لئلا يلتبس، ويحتمل أنه ﷺ غسل رأسه بالماء الصافي قبل أن
стр. 939
يغسله بالخطمي فارتفعت الجنابة عن رأسه، ثم يغسل سائر الأعضاء، ويحتمل أن الخطمي كان قليلا والماء لم يفحش تغيره. اهـ. والله أعلم.
٩ - التنشيف من ماء الغسل: وقد استدل بقول ميمونة ﵂ في الرواية الثالثة "ثم أتيته بالمنديل فرده" من قال بكراهة التنشيف في الغسل والوضوء، كما استندوا إلى أن الماء أثر عبادة، فيكره إزالته، كدم الشهيد وخلوف فم الصائم. ومنهم جابر بن عبد الله وابن أبي ليلى وسعيد بن المسيب. قال الحافظ ابن حجر: ولا حجة في الحديث، لأنها واقعة حال، يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلا، أو غير ذلك. قال المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ، وقد وقع عند أحمد في هذا الحديث، عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي. فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمي في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، إذ لولا ذلك لم تأته بالمنديل، وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف، لأن كلا منهما إزالة. اهـ.
واستدل من أباح التنشيف بأحاديث كثيرة، وهي وإن كانت ضعيفة فإنها يقوي بعضها بعضا، منها حديث أم هانئ عند الشيخين: "قام رسول الله ﷺ إلى غسله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه فالتحف به" ومنها حديث قيس بن سعد "أتانا النبي ﷺ ، فوضعنا له ماء، فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية، فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس عليه" رواه أبو داود، وصححه ابن حزم [الملحفة الورسية هي المصبوغة بالورس وهو نبات كالسمسم، يزرع باليمن ويصبغ به] ومنها ما رواه ابن ماجه عن سلمان "أن النبي ﷺ توضأ، فقلب جبة صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه" ومنها حديث عائشة "كانت للنبي ﷺ خرقة، يتنشف بها بعد الوضوء" رواه الترمذي، وصححه الحاكم. ومنها حديث معاذ "كان النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه" رواه الترمذي، ومنها حديث أبي بكر "كانت للنبي ﷺ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء" رواه البيهقي.
قال النووي: وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لا بأس به في الوضوء والغسل، وهو قول أنس بن مالك والثوري [وعليه أبو حنيفة ومالك وأحمد].
والثاني: مكروه فيهما، وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى.
والثالث: يكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس ﵄.
أما عن مذهب الشافعية فقد قال النووي: اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل على خمسة أوجه: أشهرها أن المستحب تركه، ولا يقال: فعله مكروه. الثاني: أنه مكروه. الثالث: أنه مباح يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره فإن المنع والاستحباب يحتاج إلى
стр. 940
دليل ظاهر. والرابع: أنه مستحب لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ. الخامس: يكره في الصيف دون الشتاء. اهـ.
ووقته بعد الانتهاء من الوضوء، أو من الغسل، لئلا يحدث به تفريقهما وعدم الموالاة فيهما. والله أعلم.
-[١٠ - ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
أ- تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف أما إذا كان الماء في إبريق مثلا فالأولى تقديم غسل الفرج لتوالي أعضاء الوضوء.
ب- الصب باليمين على الشمال لغسل الفرج بها.
ج- جواز الاستعانة في إحضار ماء الغسل أو الوضوء.
د- خدمة الزوجات للأزواج.
هـ- أن المغتسل يستحب له تجهيز الإناء الذي فيه الماء ليغتسل منه.
و- استدل به على استحباب البدء بالرأس في الغسل، ولعله لكونها أكثر شعثا من بقية البدن.
ز- ويستحب له أن يبدأ بشقه الأيمن، ثم بالشق الأيسر، ثم على وسط رأسه.
ح- استدل به المالكية على أن وضوء الغسل لا تمسح فيه الرأس بل يكتفى عنه بغسلها.
ط- طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر.
والله أعلم
стр. 941
(١٣٧) باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة
٥٦٧ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء. هو الفرق من الجنابة.
٥٦٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل في القدح. وهو الفرق. وكنت أغتسل أنا وهو في الإناء الواحد. وفي حديث سفيان "من إناء واحد".
قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع.
٥٦٩ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة، أنا وأخوها من الرضاعة. فسألها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة؟ فدعت بإناء قدر الصاع. فاغتسلت وبيننا وبينها ستر. وأفرغت على رأسها ثلاثا. قال: وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رءوسهن حتى تكون كالوفرة.
٥٧٠ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه. فصب عليها من الماء فغسلها. ثم صب الماء، على الأذى الذي به، بيمينه. وغسل عنه بشماله. حتى إذا فرغ من ذلك صب على رأسه. قالت عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. ونحن جنبان.
٥٧١ - عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (وكانت تحت المنذر بن الزبير)؛ أن عائشة أخبرتها؛ أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد. يسع ثلاثة أمداد. أو قريبا من ذلك.
٥٧٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. تختلف أيدينا فيه. من الجنابة.
стр. 942
٥٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء، بيني وبينه، واحد. فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي. قالت: وهما جنبان.
٥٧٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: أخبرتني ميمونة؛ أنها كانت تغتسل، هي والنبي ﷺ ، في إناء واحد.
٥٧٥ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة.
٥٧٦ - عن أم سلمة ﵂؛ قالت: كانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة.
٥٧٧ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بخمس مكاكيك. ويتوضأ بمكوك. وقال ابن المثنى "بخمس مكاكي".
٥٧٨ - عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. إلى خمسة أمداد.
٥٧٩ - عن سفينة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع، من الماء، من الجنابة. ويوضئه المد.
٥٨٠ - عن سفينة ﵁ (قال أبو بكر: صاحب رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله
стр. 943
صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد. وفي حديث ابن حجر، أو قال: ويطهره المد. وقال: وقد كان كبر وما كنت أثق بحديثه.
-[المعنى العام]-
ومرة أخرى كان من الضروري أن نأخذ شطر الدين عن أمهات المؤمنين وإلا فكيف كنا نصل إلى وصف غسل النبي ﷺ مع أزواجه؟ وكيف كنا نصل إلى اختلاف الأحوال في كمية الماء الذي يغتسل به؟ لقد حدثتنا أمهات المؤمنين أنه ﷺ كان يغتسل بما يتيسر له من الماء، مرة بما يقرب من أربعة أرطال، وأخرى بخمسة وثلث، وثالثة بسبعة، ورابعة بثمانية، وخامسة بستة عشر رطلا. وأنه ﷺ كان يغتسل هو والواحدة من أمهات المؤمنين من إناء واحد، يوضع بينهما، وقد خلعا جميع ثيابهما يتسابقان في الاغتراف منه، ويتبادلان النظرات والابتسامات، والأنس والمداعبات، تختلف أيديهما في الإناء، وتتنازع فضلات الماء، حتى تقول له ﷺ : دع لي ما تبقى، ويضحك ﷺ ويقول لها: دعي لي أنت ما تبقى ولا يدع أحدهما لصاحبه، بل تبقى المنافسة في الخير حتى ينفد ما بينهما من ماء.
إنه البيت السعيد. والزوجية المثالية، والمودة والمحبة، والأنس والائتلاف واللطف وحسن الخلق، وجمال العشرة، وخفة الروح، والتودد والملاطفة، حتى بعد قضاء الوطر والشهوة وفي لحظات الاغتسال. فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين.
-[المباحث العربية]-
(كان يغتسل من إناء) "من" للابتداء، وفي الكلام مضاف محذوف، والتقدير: كان يغتسل من ماء إناء.
(هو الفرق) بفتح الفاء والراء، وإسكان الراء لغة، قال الجوهري: وهو مكيال معروف بالمدينة، ويسع ستة عشر رطلا من الماء، وهو ثلاثة آصع.
(من الجنابة) الجار والمجرور متعلق بالفعل "يغتسل"، وهي تحترز بذلك عن الاغتسال المسنون.
(يغتسل في القدح) قال النووي: هكذا هو في الأصول "في القدح" وهو صحيح، ومعناه من القدح. اهـ. أي إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، والقدح هو الإناء.
(وكنت أغتسل أنا وهو في الإناء الواحد) أي من الإناء الواحد كما سبق، وقد جعلت نفسها أصلا، وهو تابعا، وكان المفروض العكس، قال الحافظ ابن حجر: هو من باب تغليب المتكلم على الغائب، لكونها هي السبب في الاغتسال، فكأنها أصل في الباب. اهـ.
стр. 944
والكلام يحتمل أن يكون اغتسالهما من الإناء الواحد على سبيل التتابع، بعد أن ينتهي أحدهما يبدأ الآخر، ويحتمل أن يكون بالمشاركة في الماء في وقت واحد، وهو المراد بدليل الرواية السادسة، إذ فيها "تختلف أيدينا فيه".
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة) الرضاعة والرضاع بفتح الراء وكسرها فيهما، لغتان، والفتح أفصح. وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن أخت عائشة من الرضاعة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر، أما الرجل الآخر أخو عائشة من الرضاع، فقد قال النووي: إن اسمه عبد الله بن يزيد، قال الحافظ ابن حجر: ولم يتعين عندي أنه المراد هنا، لأن لها أخا آخر من الرضاعة، وهو كثير بن عبيد، رضيع عائشة ويحتمل غيرهما. اهـ.
(فسألها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة) في الكلام مضاف محذوف، أي سألها عن كيفيته ومقدار مائه.
(فدعت بإناء قدر الصاع) "قدر" بالجر، صفة "إناء" والمقصود أنها دعت بإناء قدر الصاع مملوء ماء، والصاع مكيال كان يصنع من خشب، والصواع لغة فيه، وجمع الصاع أصوع وآصع، وقد يختلف قدر الصاع في المدينة عنه في العراق مثلا، بل قد يختلف قدر صاع اللبن عن قدر صاع القمح مثلا، ومن هنا ذهب الحنفية إلى أن الصاع قدر ثمانية أرطال، وذهب غيرهم إلى أنه قدر خمسة أرطال وثلث، وتوسط بعض الشافعية. فقال: الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال. والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث.
(وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رءوسهن حتى تكون كالوفرة) قال الأصمعي: الوفرة أشبع وأكثر من اللمة، واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر، وقال غيره: الوفرة أقل من اللمة، وهي ما لا يجاوز الأذنين. وقال أبو حاتم: الوفرة ما على الأذنين من الشعر.
قال القاضي عياض: المعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي ﷺ فعلن هذا بعد وفاته ﷺ لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفا لمؤنة رءوسهن من الدهن والطيب. اهـ. قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته ﷺ لا في حياته قاله أيضا غيره، وهو متعين، ولا يظن بهن فعله في حياته ﷺ . اهـ.
(ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه) أي صب الماء بيمينه على موضع البول والغائط، وغسل الموضع بشماله.
(وغسل عنه بشماله) كان الظاهر أن يقول: وغسله بشماله، أي غسل الأذى لكنه ضمن "غسل" معنى "أزال" وحذف مفعوله، والمعنى: وأزاله عنه بشماله.
(ونحن جنبان) قال النووي: هذا جار على إحدى اللغتين في الجنب أنه يثنى ويجمع،
стр. 945
فيقال: جنب وجنبان وجنبون وأجناب، واللغة الأخرى: رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، ونساء جنب، بلفظ واحد قال الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] وقال: ﴿ولا جنبا﴾ [النساء: ٤٣] وهذه اللغة أفصح وأشهر، وأصل الجنابة في اللغة البعد، وتطلق على الذي وجب عليه غسل بجماع، أو خروج مني، لأنه يجنب الصلاة والقراءة والمسجد ويتباعد عنها.
(في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد) أي من إناء واحد، كما سبق، والمد رطل وثلث، فيكون هذا الإناء أصغر من الإناء المذكور في الرواية الثالثة والمقدر بخمسة أرطال وثلث.
(تختلف أيدينا فيه) يداه ترفع، ويداها تدخل، والمراد أنها تختلف وتلتقي، ولكن الكثرة الاختلاف، ليتمكن كل منهما من الاغتراف.
(كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد) أصل الكلام: من إناء واحد كائن بيني وبينه، فأخر الوصف بالمفرد، وقدم بالظرف، وهو جائز.
(فيبادرني حتى أقول: دع لي. دع لي) أي فيسابقني بالاغتراف، حتى أخشى أن لا يبقى لي ما يكفيني، فأقول: دع لي ما بقي من الماء، وفي رواية النسائي زيادة "وأبادره حتى يقول: دعي لي".
(وهما جنبان) كان الأصل "ونحن جنبان" فإن كان هذا اللفظ من عائشة فهو على التجريد كأنها جردت من نفسها شخصا تتحدث عنه، وإن كان من الراوي فهو على الرواية بالمعنى.
(كان يغتسل بفضل ميمونة) المراد به الماء الفاضل في الإناء بعد غسل ميمونة منه.
(يغتسل بخمس مكاكيك) جمع مكوك بفتح الميم وضم الكاف المشددة، ويجمع أيضا على مكاكي بفتح الميم وكسر الكاف الثانية وتشديد الياء، قال النووي: لعل المراد بالمكوك هنا المد، كما قال في الرواية الأخرى "يتوضأ بالمد؛ ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد".
وقال القاضي عياض: المكوك مكيال أهل العراق. اهـ.
(ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) علم مما تقدم أن الصاع أربعة أمداد، فكأنه قال: من أربعة أمداد إلى خمسة أمداد.
(عن سفينة) بفتح السين، وهو صاحب رسول الله ﷺ ومولاه، قيل: اسمه مهران بن فروخ، وكنيته المشهورة أبو عبد الرحمن، وسبب تسميته "سفينة" أنه حمل متاعا كثيرا لرفقة في الغزو، فقال له النبي ﷺ : أنت سفينة: ذكره النووي.
(عن سفينة -قال أبو بكر- صاحب رسول الله ﷺ "صاحب" بالجر، صفة "سفينة" يعني مسلم في سنده أن أبا بكر بن أبي شيبة هو الذي وصف سفينة بهذا الوصف، وليس من وصف أحد غيره من الرواة.
стр. 946
-[فقه الحديث]-
تتناول هذه المجموعة مسألتين رئيستين:
الأولى: مقدار ماء الغسل من الجنابة.
والثانية: وضوء الرجل بفضل المرأة، ووضوء المرأة بفضل الرجل.
المسألة الأولى: والناظر في روايات الباب يجدها تقدر الماء تارة بالفرق [ستة عشر رطلا تقريبا] وتارة بالصاع [خمسة أرطال وثلث أو ثمانية على خلاف بين الفقهاء] وتارة بإناء يسع ثلاثة أمداد [أربعة أرطال تقريبا].
ولا تعارض بين هذه الروايات، فقد تعددت مرات الغسل، وتعدد إناؤه، واختلف مقدار مائه، وكل ما تفيده روايات الباب هو حد أدنى، وحد أعلى لماء غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، فلم يقل ماؤه عن أربعة أرطال، ولم يزد على ستة عشر رطلا. تختلف أحواله باختلاف البرودة والحرارة، أو باختلاف عسر الماء ويسره.
ومن هنا كان ماء الغسل غير خاضع للتحديد بالإجماع، قال النووي: أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل، وهو جريان الماء على الأعضاء، وقال: قال الشافعي: وقد يرفق بالقليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي، وقال النووي أيضا: قال العلماء: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن خمسة أرطال وثلث، ولا ينقص في الوضوء عن رطل وثلث، وذلك معتبر على التقريب لا على التحديد. اهـ.
والمشهور في مذهب المالكية أنه لا تحديد في ماء الوضوء والغسل، لكن تقليل الماء في كل منهما مستحب. وقال ابن شعبان: لا يجزئ أقل من المد في الوضوء [رطل وثلث] ولا من الصاع في الغسل [خمسة أرطال وثلث] على ما ورد من فعله ﷺ . اهـ. ولعل هذا القول لا يؤثر في الإجماع المنقول عن النووي، أما الشك الذي يؤدي إلى الإسراف فهو مذموم مهما كان الماء كثيرا.
قال النووي: وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ بحر، والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعض أصحابنا: الإسراف حرام.
والذي تستريح إليه النفس أن الماء كالمال، والمتطهرين كالمنفقين، فكما أن تبذير المال شرعا يختلف باختلاف قدرة المالكين، فما يعد تبذيرا بالنسبة لشخص قد يعد تقتيرا بالنسبة لآخر، ويختلف باختلاف أبواب الإنفاق كذلك، فما ينفق في الخير غير ما ينفق في الشر كذلك الماء، قد يكون محتاجا إليه فيلزم التقليل وقد يكون كثيرا فائضا على الحاجة ويقصد المسلم زيادة النظافة أو التبرد فيباح الكثير.
стр. 947
وإذا كان العلماء قد كرهوا الإسراف في الماء ولو على شاطئ البحر فإنهم قصدو بذلك عدم تعود الإسراف، خشية أن يؤدي هذا التعود إلى الإسراف فيما يحتاج إليه من الماء، أو الشك في تمام الغسل عند قلة الماء.
وإن كانت الحقيقة أن الوضوء أو الاغتسال في البحر لا يوصف بالإسراف لأنه ليس فيه إضاعة ماء، وينبغي أن يلاحظ أن التحديد التقريبي الذي أشارت إليه روايات الباب خاص باستعمال الماء بقصد الغسل من الجنابة، أما الغسل للنظافة وحدها، أو مع الجنابة، فبقدر ما تحتاج إليه النظافة وإزالة الأدران والروائح. والله أعلم.
المسألة الثانية: أما غسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل فهو جائز عند الشافعية، ولا كراهة فيه، سواء خلت به أو لا، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء وقال أحمد وداود: لا يجوز الغسل بفضل المرأة إذا خلت به وحكى أبو عمر في هذه المسألة خمسة مذاهب: أحدها: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنبا أو حائضا. والثاني: يكره أن يغتسل بفضلها أو أن تغتسل بفضله. الثالث: يكره أن يغتسل بفضلها ويرخص لها أن تغتسل بفضله. والرابع: لا بأس بشروعهما في الغسل معا. والخامس: لا بأس بفضل كل منهما، شرعا في الغسل معا، أو سبق أحدهما في الابتداء به من إناء واحد أو خلا كل منهما به، وهذا ما عليه فقهاء الأمصار. ونقل الطحاوي والقرطبي والنووي الاتفاق بين العلماء على جواز اغتسال الرجال والنساء من إناء واحد وروايات الباب -الثانية والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعاشرة- صريحة في ذلك ناطقة بأن النبي ﷺ كان يغتسل مع نسائه من إناء واحد، وكلها حجة على من كره أن يغتسل الرجل بفضل المرأة إذا اشتركا في الغسل من إناء واحد.
وقد استدل أحمد وداود على منع الغسل بفضل المرأة، إذا خلت بالماء بما أخرجه الطحاوي والدارقطني عن عبد الله بن سرخس قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا" وبما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث الحكم الغفاري قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة" ومع اعتراف الإمام أحمد بضعف هذه الأحاديث [فقد نقل عنه قوله: إن الأحاديث الواردة في منع التطهير بفضل المرأة وفي جواز ذلك مضطربة]. ولكنه قال: صح من الصحابة المنع فيما إذا خلت به. اهـ.
والحق أن هذا الرأي ضعيف والاستدلال له مردود معارض بما صح في مسلم في الرواية التاسعة عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" وبحديث بعض أزواج النبي ﷺ قالت: اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقلت له: يا رسول الله، إني كنت جنبا. فقال ﷺ : "إن الماء لا يجنب" أخرجه أصحاب السنن والدارقطني وصححه الترمذي وابن خزيمة، ثم الروايات السابقة الكثيرة تدل على أن كلا من الرسول ﷺ وزوجه كان يأخذ من الماء بعد أن يأخذ صاحبه، أي كان كل منهما يأخذ من فضل الآخر.
وقد جمع الخطابي بين ما استدل به أحمد وما استدل به الجمهور بحمل أحاديث النهي على
стр. 948
ما تساقط من الأعضاء، وأحاديث الجواز على ما بقي من الماء، وجمع الحافظ ابن حجر بحمل النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة.
-[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - أن الجنابة لا تؤثر في الماء، قال الحافظ ابن حجر: لأنها لو كانت تؤثر في الماء لامتنع الاغتسال من الإناء الذي تقاطر فيه ما لاقى بدن الجنب من ماء اغتساله، ثم قال: وفيها جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهير بذلك الماء، ولا بما يفضل منه، ويدل على أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنما هو للتنزيه، كراهية أن يستقذر، لا لكونه يصير نجسا بانغماس الجنب فيه، لأنه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه. اهـ.
٢ - استدل بها الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته، ونظر المرأة إلى عورة زوجها، ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى "أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة، فذكرت "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد". وهذا وإن دل على رؤية كل من الزوجين عورة الآخر فإنه لا يدل على رؤية كل منهما فرج الآخر، نعم فيه جواز خلع كل من الزوجين جميع ملابسه عند لقاء الآخر، وأن تلاقيهما عريانين جائز بلا كراهة.
٣ - أخذ من غسل عائشة أمام محرمها استحباب التعليم بالفعل، فإنه أوقع في النفس من القول، وهو يثبت في الحفظ ما لا يثبت بالقول.
قال القاضي عياض: والظاهر أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل نظره للمحرم، لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع، وإنما سترت أسافل بدنها مما لا يحل للمحرم النظر إليه، ولولا أنهما شاهدا ذلك ورأياه لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنى، إذ لو فعلت ذلك كله في ستر عنهما لكان عبثا، ورجع الأمر إلى وصفها لهما، ففيه أنه لا بأس برؤية شعر ذات المحرم، وما فوق الجيب منها، وكرهه ابن عباس، وإليه أميل حيث لا ضرورة.
٤ - قال النووي: وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء.
٥ - استدل به على أن العدد والتكرار في إفاضة الماء ليس بشرط، والشرط وصول الماء إلى جميع البدن.
стр. 949
(١٣٨) باب استحباب إفاضة الماء ثلاثا في الغسل
٥٨١ - عن جبير بن مطعم ﵁ قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ . فقال بعض القوم: أما أنا، فإني أغسل رأسي كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ "أما أنا، فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف".
٥٨٢ - عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ ؛ أنه ذكر عنده الغسل من الجنابة. فقال: "أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثا".
٥٨٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة. فكيف بالغسل؟ فقال "أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثا". قال ابن سالم في روايته: حدثنا هشيم. أخبرنا أبو بشر. وقال: إن وفد ثقيف قالوا: يا رسول الله! .
٥٨٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا اغتسل من جنابة، صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير. قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي! كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب.
-[المعنى العام]-
كثرت المجادلات بين الصحابة في مقدار ماء الغسل، وفي عدد الغسلات المستحبة بعضهم يحرص على التقليل، والاكتفاء بمرة واحدة، خوف البرد أو لقلة الماء، وبعضهم يحرص على الزيادة والتكثير للمبالغة والاستيثاق. وكان الحكم الفاصل بين الفريقين المفرطين هو فعل الرسول ﷺ . يمثل الفريق الأول وفد ثقيف، جاء يسأل رسول الله ﷺ ، يقول: يا رسول الله إن بلادنا شديدة البرودة، وإن كثرة الماء تؤذينا وتؤلمنا، فما القدر الذي تغتسل به؟ وأجابهم ﷺ بما يوحى بأنه يجزئ سيلان الماء على جميع الجسم، وإن كان الأولى والأفضل الإفراغ ثلاث مرات، فقال: "أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف".
стр. 950
ويمثل الفريق الثاني الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، جاء إلى جابر بن عبد الله في جماعة من أصحابه، يسألون عن المرات المستحبة في الغسل، فقال جابر: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من جنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء، فقال له الحسن: إن لي شعرا كثيرا، لا يكفيني ثلاث حفنات، أفلا أزيد على الثلاث؟ وفهم جابر أن الحسن يتشدد في الدين باسم الورع، وخشي عليه وعلى السامعين من التحول عن الاقتداء برسول الله ﷺ كلما ظنوا خيرا في فعلهم، فألزمه وألزمهم بالاقتداء وقال: يا ابن أخي: إن رسول الله ﷺ كان أكثر منك شعرا وهو أتقى الأمة وأخشاها لله، وأعلمها بقدره وشرعه، واكتفى بثلاث حفنات، وقبل الحسن القول وسمع وأطاع، كما سمع وفد ثقيف وأطاع فنعم التوسط والاعتدال، وبئس الإفراض والتفريط.
-[المباحث العربية]-
(تماروا في الغسل) أي تنازعوا فيه، فقال أحدهم: صفته كذا وكذا، وقال آخرون: صفته كذا وكذا. وفي رواية أبي داود "ذكروا الغسل من الجنابة" وهي قريبة من رواية الباب الثالثة.
وفي رواية أحمد: "تذاكرنا الغسل" فهذه الروايات تدل على أن المماراة في روايتنا ليست من المنازعة والمجادلة والمخاصمة، وإنما هي أخذ أطراف النقاش الهادئ ومدارسة العلم.
ويفهم من كلام الحافظ ابن حجر أن المتمارين هم وفد ثقيف المذكور في الرواية الثالثة.
وفي الكلام مضاف محذوف، أي تماروا في صفة الغسل وعدد مراته ومقدار مائه.
(أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا) "أما" حرف شرط وتفصيل وتأكيد والدليل على الشرط لزوم الفاء بعدها، ودليل كونها للتفصيل حاجتها إلى القسم، فإن لم يكن لها قسم أفادت التأكيد. قال الزمخشري: فائدة "أما" في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة، قلت: أما زيد فذاهب. اهـ. وهي هنا للتفصيل، لأن المقابل مذكور -قول بعض القوم، وقول الرسول ﷺ أما في رواية البخاري، ونصها عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا وأشار بيديه كلتيهما" فيمكن أن تكون للتأكيد وأن تكون للتفصيل بمراعاة حذف المقابل المذكور في رواية مسلم، وفي بعض نسخ مسلم "أما أنا فإني أغسل رأسي بكذا وكذا".
و"كذا وكذا" كناية عن عدد وكيفية غسل رأسه، وبما أن القائل من وفد ثقيف. وهم يشكون البرد، فالظاهر أن هذا القائل كان يقصد قلة العدد عما كان يفعله الرسول ﷺ أي أغسل رأسي مرة أو مرتين بدلك أو بدون دلك لكن الحافظ ابن حجر يقول: ودل قوله "ثلاثا" على أن المراد بكذا وكذا أكثر من ذلك. اهـ.
(أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف) "أفيض" بضم الهمزة من
следующие страницы →