← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

-[فقه الحديث]- تتناول هذه المجموعة مسألتين رئيستين: الأولى: مقدار ماء الغسل من الجنابة. والثانية: وضوء الرجل بفضل المرأة، ووضوء المرأة بفضل الرجل. المسألة الأولى: والناظر في روايات الباب يجدها تقدر الماء تارة بالفرق [ستة عشر رطلا تقريبا] وتارة بالصاع [خمسة أرطال وثلث أو ثمانية على خلاف بين الفقهاء] وتارة بإناء يسع ثلاثة أمداد [أربعة أرطال تقريبا]. ولا تعارض بين هذه الروايات، فقد تعددت مرات الغسل، وتعدد إناؤه، واختلف مقدار مائه، وكل ما تفيده روايات الباب هو حد أدنى، وحد أعلى لماء غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، فلم يقل ماؤه عن أربعة أرطال، ولم يزد على ستة عشر رطلا. تختلف أحواله باختلاف البرودة والحرارة، أو باختلاف عسر الماء ويسره. ومن هنا كان ماء الغسل غير خاضع للتحديد بالإجماع، قال النووي: أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل، وهو جريان الماء على الأعضاء، وقال: قال الشافعي: وقد يرفق بالقليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي، وقال النووي أيضا: قال العلماء: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن خمسة أرطال وثلث، ولا ينقص في الوضوء عن رطل وثلث، وذلك معتبر على التقريب لا على التحديد. اهـ. والمشهور في مذهب المالكية أنه لا تحديد في ماء الوضوء والغسل، لكن تقليل الماء في كل منهما مستحب. وقال ابن شعبان: لا يجزئ أقل من المد في الوضوء [رطل وثلث] ولا من الصاع في الغسل [خمسة أرطال وثلث] على ما ورد من فعله ﷺ . اهـ. ولعل هذا القول لا يؤثر في الإجماع المنقول عن النووي، أما الشك الذي يؤدي إلى الإسراف فهو مذموم مهما كان الماء كثيرا. قال النووي: وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ بحر، والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعض أصحابنا: الإسراف حرام. والذي تستريح إليه النفس أن الماء كالمال، والمتطهرين كالمنفقين، فكما أن تبذير المال شرعا يختلف باختلاف قدرة المالكين، فما يعد تبذيرا بالنسبة لشخص قد يعد تقتيرا بالنسبة لآخر، ويختلف باختلاف أبواب الإنفاق كذلك، فما ينفق في الخير غير ما ينفق في الشر كذلك الماء، قد يكون محتاجا إليه فيلزم التقليل وقد يكون كثيرا فائضا على الحاجة ويقصد المسلم زيادة النظافة أو التبرد فيباح الكثير.

стр. 947

وإذا كان العلماء قد كرهوا الإسراف في الماء ولو على شاطئ البحر فإنهم قصدو بذلك عدم تعود الإسراف، خشية أن يؤدي هذا التعود إلى الإسراف فيما يحتاج إليه من الماء، أو الشك في تمام الغسل عند قلة الماء. وإن كانت الحقيقة أن الوضوء أو الاغتسال في البحر لا يوصف بالإسراف لأنه ليس فيه إضاعة ماء، وينبغي أن يلاحظ أن التحديد التقريبي الذي أشارت إليه روايات الباب خاص باستعمال الماء بقصد الغسل من الجنابة، أما الغسل للنظافة وحدها، أو مع الجنابة، فبقدر ما تحتاج إليه النظافة وإزالة الأدران والروائح. والله أعلم. المسألة الثانية: أما غسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل فهو جائز عند الشافعية، ولا كراهة فيه، سواء خلت به أو لا، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء وقال أحمد وداود: لا يجوز الغسل بفضل المرأة إذا خلت به وحكى أبو عمر في هذه المسألة خمسة مذاهب: أحدها: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنبا أو حائضا. والثاني: يكره أن يغتسل بفضلها أو أن تغتسل بفضله. الثالث: يكره أن يغتسل بفضلها ويرخص لها أن تغتسل بفضله. والرابع: لا بأس بشروعهما في الغسل معا. والخامس: لا بأس بفضل كل منهما، شرعا في الغسل معا، أو سبق أحدهما في الابتداء به من إناء واحد أو خلا كل منهما به، وهذا ما عليه فقهاء الأمصار. ونقل الطحاوي والقرطبي والنووي الاتفاق بين العلماء على جواز اغتسال الرجال والنساء من إناء واحد وروايات الباب -الثانية والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعاشرة- صريحة في ذلك ناطقة بأن النبي ﷺ كان يغتسل مع نسائه من إناء واحد، وكلها حجة على من كره أن يغتسل الرجل بفضل المرأة إذا اشتركا في الغسل من إناء واحد. وقد استدل أحمد وداود على منع الغسل بفضل المرأة، إذا خلت بالماء بما أخرجه الطحاوي والدارقطني عن عبد الله بن سرخس قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا" وبما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث الحكم الغفاري قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة" ومع اعتراف الإمام أحمد بضعف هذه الأحاديث [فقد نقل عنه قوله: إن الأحاديث الواردة في منع التطهير بفضل المرأة وفي جواز ذلك مضطربة]. ولكنه قال: صح من الصحابة المنع فيما إذا خلت به. اهـ. والحق أن هذا الرأي ضعيف والاستدلال له مردود معارض بما صح في مسلم في الرواية التاسعة عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" وبحديث بعض أزواج النبي ﷺ قالت: اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقلت له: يا رسول الله، إني كنت جنبا. فقال ﷺ : "إن الماء لا يجنب" أخرجه أصحاب السنن والدارقطني وصححه الترمذي وابن خزيمة، ثم الروايات السابقة الكثيرة تدل على أن كلا من الرسول ﷺ وزوجه كان يأخذ من الماء بعد أن يأخذ صاحبه، أي كان كل منهما يأخذ من فضل الآخر. وقد جمع الخطابي بين ما استدل به أحمد وما استدل به الجمهور بحمل أحاديث النهي على

стр. 948

ما تساقط من الأعضاء، وأحاديث الجواز على ما بقي من الماء، وجمع الحافظ ابن حجر بحمل النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة. -[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - أن الجنابة لا تؤثر في الماء، قال الحافظ ابن حجر: لأنها لو كانت تؤثر في الماء لامتنع الاغتسال من الإناء الذي تقاطر فيه ما لاقى بدن الجنب من ماء اغتساله، ثم قال: وفيها جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهير بذلك الماء، ولا بما يفضل منه، ويدل على أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنما هو للتنزيه، كراهية أن يستقذر، لا لكونه يصير نجسا بانغماس الجنب فيه، لأنه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه. اهـ. ٢ - استدل بها الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته، ونظر المرأة إلى عورة زوجها، ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى "أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة، فذكرت "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد". وهذا وإن دل على رؤية كل من الزوجين عورة الآخر فإنه لا يدل على رؤية كل منهما فرج الآخر، نعم فيه جواز خلع كل من الزوجين جميع ملابسه عند لقاء الآخر، وأن تلاقيهما عريانين جائز بلا كراهة. ٣ - أخذ من غسل عائشة أمام محرمها استحباب التعليم بالفعل، فإنه أوقع في النفس من القول، وهو يثبت في الحفظ ما لا يثبت بالقول. قال القاضي عياض: والظاهر أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل نظره للمحرم، لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع، وإنما سترت أسافل بدنها مما لا يحل للمحرم النظر إليه، ولولا أنهما شاهدا ذلك ورأياه لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنى، إذ لو فعلت ذلك كله في ستر عنهما لكان عبثا، ورجع الأمر إلى وصفها لهما، ففيه أنه لا بأس برؤية شعر ذات المحرم، وما فوق الجيب منها، وكرهه ابن عباس، وإليه أميل حيث لا ضرورة. ٤ - قال النووي: وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. ٥ - استدل به على أن العدد والتكرار في إفاضة الماء ليس بشرط، والشرط وصول الماء إلى جميع البدن.

стр. 949

(١٣٨) باب استحباب إفاضة الماء ثلاثا في الغسل ٥٨١ - عن جبير بن مطعم ﵁ قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ . فقال بعض القوم: أما أنا، فإني أغسل رأسي كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ "أما أنا، فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف". ٥٨٢ - عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ ؛ أنه ذكر عنده الغسل من الجنابة. فقال: "أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثا". ٥٨٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة. فكيف بالغسل؟ فقال "أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثا". قال ابن سالم في روايته: حدثنا هشيم. أخبرنا أبو بشر. وقال: إن وفد ثقيف قالوا: يا رسول الله! . ٥٨٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا اغتسل من جنابة، صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير. قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي! كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب. -[المعنى العام]- كثرت المجادلات بين الصحابة في مقدار ماء الغسل، وفي عدد الغسلات المستحبة بعضهم يحرص على التقليل، والاكتفاء بمرة واحدة، خوف البرد أو لقلة الماء، وبعضهم يحرص على الزيادة والتكثير للمبالغة والاستيثاق. وكان الحكم الفاصل بين الفريقين المفرطين هو فعل الرسول ﷺ . يمثل الفريق الأول وفد ثقيف، جاء يسأل رسول الله ﷺ ، يقول: يا رسول الله إن بلادنا شديدة البرودة، وإن كثرة الماء تؤذينا وتؤلمنا، فما القدر الذي تغتسل به؟ وأجابهم ﷺ بما يوحى بأنه يجزئ سيلان الماء على جميع الجسم، وإن كان الأولى والأفضل الإفراغ ثلاث مرات، فقال: "أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف".

стр. 950

ويمثل الفريق الثاني الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، جاء إلى جابر بن عبد الله في جماعة من أصحابه، يسألون عن المرات المستحبة في الغسل، فقال جابر: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من جنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء، فقال له الحسن: إن لي شعرا كثيرا، لا يكفيني ثلاث حفنات، أفلا أزيد على الثلاث؟ وفهم جابر أن الحسن يتشدد في الدين باسم الورع، وخشي عليه وعلى السامعين من التحول عن الاقتداء برسول الله ﷺ كلما ظنوا خيرا في فعلهم، فألزمه وألزمهم بالاقتداء وقال: يا ابن أخي: إن رسول الله ﷺ كان أكثر منك شعرا وهو أتقى الأمة وأخشاها لله، وأعلمها بقدره وشرعه، واكتفى بثلاث حفنات، وقبل الحسن القول وسمع وأطاع، كما سمع وفد ثقيف وأطاع فنعم التوسط والاعتدال، وبئس الإفراض والتفريط. -[المباحث العربية]- (تماروا في الغسل) أي تنازعوا فيه، فقال أحدهم: صفته كذا وكذا، وقال آخرون: صفته كذا وكذا. وفي رواية أبي داود "ذكروا الغسل من الجنابة" وهي قريبة من رواية الباب الثالثة. وفي رواية أحمد: "تذاكرنا الغسل" فهذه الروايات تدل على أن المماراة في روايتنا ليست من المنازعة والمجادلة والمخاصمة، وإنما هي أخذ أطراف النقاش الهادئ ومدارسة العلم. ويفهم من كلام الحافظ ابن حجر أن المتمارين هم وفد ثقيف المذكور في الرواية الثالثة. وفي الكلام مضاف محذوف، أي تماروا في صفة الغسل وعدد مراته ومقدار مائه. (أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا) "أما" حرف شرط وتفصيل وتأكيد والدليل على الشرط لزوم الفاء بعدها، ودليل كونها للتفصيل حاجتها إلى القسم، فإن لم يكن لها قسم أفادت التأكيد. قال الزمخشري: فائدة "أما" في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة، قلت: أما زيد فذاهب. اهـ. وهي هنا للتفصيل، لأن المقابل مذكور -قول بعض القوم، وقول الرسول ﷺ أما في رواية البخاري، ونصها عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا وأشار بيديه كلتيهما" فيمكن أن تكون للتأكيد وأن تكون للتفصيل بمراعاة حذف المقابل المذكور في رواية مسلم، وفي بعض نسخ مسلم "أما أنا فإني أغسل رأسي بكذا وكذا". و"كذا وكذا" كناية عن عدد وكيفية غسل رأسه، وبما أن القائل من وفد ثقيف. وهم يشكون البرد، فالظاهر أن هذا القائل كان يقصد قلة العدد عما كان يفعله الرسول ﷺ أي أغسل رأسي مرة أو مرتين بدلك أو بدون دلك لكن الحافظ ابن حجر يقول: ودل قوله "ثلاثا" على أن المراد بكذا وكذا أكثر من ذلك. اهـ. (أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف) "أفيض" بضم الهمزة من

стр. 951

الإفاضة وهي الصب والإسالة، وثلاثيه "فاض" بمعنى كثر. قال الكرماني: فإن قلت: "الكف" مؤنثة فلم دخلت التاء في رواية "ثلاثة أكف"؟ قلت: المراد من الكف قدر الكف وما فيها، فباعتباره دخلت، أو باعتبار العضو. اهـ. والأحسن أن يقال ما قلناه سابقا: إن الكف يذكر ويؤنث، فيجوز دخول التاء وتركه على الاعتبارين، والمراد أنه يأخذ في كل مرة كفين، لأن الكف اسم جنس، فيجوز حمله على الاثنين، وهو المراد هنا بدلالة قول جبير بن مطعم في رواية البخاري وأبي داود "وأشار بيديه كلتيهما". (إن أرضنا باردة) أي في الشتاء، وكانت ثقيف تسكن الطائف، وهي مصيف أهل الحجاز، لأن جوها بارد شتاء، معتدل صيفا. (فكيف بالغسل) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، أي إذا كانت أرضنا باردة فعلى أي حالة؟ وبكم حفنة نغتسل؟ و"كيف" خبر مقدم، والباء زائدة، و"الغسل" مبتدأ مؤخر. (فقال له الحسن بن محمد) بن علي بن أبي طالب، الذي يعرف أبوه بابن الحنفية، والحنفية كانت زوج علي بن أبي طالب، تزوجها بعد فاطمة ﵂ فولدت له محمدا، فاشتهر بالنسبة إليها. (إن شعري كثير) وفي رواية البخاري "إني رجل كثير الشعر" أي فأحتاج إلى أكثر من الحفنات الثلاث، التي كان رسول الله ﷺ يصبها على رأسه. (يا ابن أخي) عبارة تلطف وإشفاق، وليست بينه وبين أبيه أخوة في النسب، لأن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب هاشمي، وجابر بن عبد الله أنصاري، ولعل المراد من الأخوة هنا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، أو الأخوة في الإسلام. (كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب) أي وكان يكفيه ثلاث حفنات، وفي رواية البخاري "كان يكفي من هو أوفى منك شعرا، وخير منك" والمراد من الكثرة الطول والغزارة. -[فقه الحديث]- ذكرنا قريبا في باب "الصفة الكاملة لغسل الجنابة" في النقطة السابعة من فقه الحديث أن المسنون في الغسل ثلاث مرات، وأن الفرض غسل سائر البدن ونقلنا قول الشافعية: إن استحباب صب الماء على الرأس ثلاثا متفق عليه وألحق به سائر الجسد، قياسا على الرأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء، فإن الوضوء مبني على التخفيف لتكراره، فإذا استحب فيه الثلاث فالغسل أولى. قال النووي: ولا نعلم خلافا إلا ما تفرد به الماوردي حيث قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وهو شاذ متروك. اهـ. وبما قاله النووي قالت الحنفية والحنابلة.

стр. 952

وقالت المالكية: ليس في الغسل شيء يندب فيه التثليث سوى الرأس بخلاف الوضوء، والفرق كثرة المشقة في الغسل. قال في الفتح: قال ابن بطال: تستفاد المرة الواحدة من قوله: "ثم أفاض على سائر جسده" [هذه الرواية الأولى في باب الصفة الكاملة لغسل الجنابة] لأنه لم يقيده بعدد فيحمل على أقل ما يسمى، وهو المرة الواحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها. اهـ. قال المالكية: ولو ثبت تثليث الغسل لنقل إلينا كغيره، وقول من قال: إن الغسل أولى بالتثليث لا يخلو عن نظر، لأنه قد غلظ فيه بإيصال الماء إلى تمام الأعضاء، فلا يغلظ فيه ثانيا من حيث التثليث، وأيضا في تثليثه من الحرج ما ليس في تثليث الوضوء. وما قاله المالكية هو ظاهر الأحاديث الواردة في غسله ﷺ " وقد مر الكثير فيها، والتثليث فيها وقع للرأس دون الجسد. لكن القياس لا يساعدهم، فإن الغسل أولى بالتثليث من الوضوء بالبداهة لأن الروائح الكريهة محققة في الجنابة محتملة في الوضوء، أما التغليظ بإيصال الماء إلى تمام الأعضاء والمشقة في التثليث فإنهما إن صلحا علة لعدم الوجوب لا يصلحان علة لمنع الاستحباب، إذ على قدر المشقة في العبادات تكون زيادة الأجر والثواب. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - جواز المناظرة والمباحثة في أمور الدين. ٢ - وجواز مناظرة المفضولين بحضرة الفاضل، ومناظرة الأصحاب بحضرة إمامهم وكبيرهم. ٣ - وجواز الاكتفاء بثلاث أكف على الرأس، وإن كان كثير الشعر. ٤ - وتقديم ذلك على إفاضة الماء على الجسد. ٥ - وما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي ﷺ والانقياد إلى ذلك. ٦ - وجواز الرد بعنف على من يمارى بغير علم، مادام قصد الراد إيضاح الحق وتحذير السامعين من مثل ذلك، فقد قصد جابر بن عبد الله بزيادة طيب رسول الله ﷺ وخيريته الرد بعنف على طلب الازدياد من الماء، مثيرا إلى أن الدافع إلى ذلك إن كان هو الورع فرسول الله ﷺ سيد الورعين، وأتقى الناس لله، وأعلمهم به، وقد اكتفى بثلاث أكف، وإن كان التنطع والشك والوسوسة فلا يلتفت إليه. والله أعلم

стр. 953

(١٣٩) باب نقض ضفائر المرأة عند الغسل ٥٨٥ - عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي. فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال "لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات. ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين". ٥٨٦ - وفي حديث عبد الرزاق: "فأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: "لا" ثم ذكر بمعنى حديث ابن عيينة. ٥٨٧ - عن روح بن القاسم حدثنا أيوب بن موسى بهذا الإسناد وقال أفأحله فأغسله من الجنابة؟ ولم يذكر: الحيضة. ٥٨٨ - عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء، إذا اغتسلن، أن ينقضن رءوسهن. فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا! يأمر النساء، إذا اغتسلن، أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. -[المعنى العام]- لقد حرص المسلمون رجالا ونساء على تنفيذ تعاليم الإسلام بمنتهى الدقة وحينما كانوا يعجزون -أو يشق عليهم أمر- يرجعون إلى الله ورسوله، وقد وجدت أم سلمة أن وجوب وصول الماء إلى الشعر والبشرة في غسل الجنابة والحيض يضطرها إلى حل ضفائرها، وفي ذلك مشقة حل وامتشاط، وتعريض الشعر للتساقط والانتزاع، فسألت رسول الله ﷺ هل يلزمني فك ضفيرتي عند الغسل؟ قال لها رسول الله ﷺ : لا يلزمك، فما جعل الله علينا من حرج في الدين، ملة أبينا إبراهيم، وإنما يكفيك أن تصبي على رأسك قدر ثلاث حفنات، ثم تصبين الماء على جسمك، فتطهرين، وبلغ عائشة أن

стр. 954

عبد الله بن عمرو يأمر بأن ينقض النساء ضفائرهن عند الغسل، فغضبت، وقالت: عجبا لابن عمرو، لم يبق إلا أن يأمرهن بحلق شعورهن. ما هذا التشدد الذي ما أنزل الله به من سلطان لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على ثلاث حفنات من ماء على رأسي، ولم أكن أنفض شعري، ولم يكن رسول الله ﷺ يأمرني بذلك. -[المباحث العربية]- (إني امرأة أشد ضفر رأسي) "أشد" بفتح الهمزة، وضم الشين وكسرها من باب نصر أو ضرب، أي أحكم ضفر شعر رأسي، ففي الكلام مضاف محذوف، و"ضفر" بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين والفقهاء وغيرهم، ومعناه: أحكم فتل شعر رأسي، وقال الإمام ابن بري في الجزء الذي صنفه في لحن الفقهاء: من ذلك قولهم في حديث أم سلمة: أشد ضفر رأسي، يقولونه بفتح الضاد وإسكان الفاء، وصوابه ضم الضاد والفاء، جمع ضفيرة، كسفينة وسفن، قال النووي: وهذا الذي أنكره ﵀ ليس كما زعمه، بل الصواب جواز الأمرين ولكل منهما معنى صحيح، ولكن يترجح فتح الضاد وسكون الفاء لكونه المروي المسموع في الروايات الثابتة المتصلة. اهـ. (أفأنقضه لغسل الجنابة؟ ) الهمزة داخلة على محذوف، أي ألا يجزئني غسل الشعر مضفورا فأنقضه لغسل الجنابة؟ والنقض الحل والفك. والفعل "نقض" من باب نصر وضرب. (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) الحثي مصدر حثى يحثى حثيا، وسمع حثا يحثو، وأصل الحثو الإثارة، فثلاث حثيات معناه ثلاث إثارات، والحثيات هنا بمعنى الحفنات، والحفنة ماء الكفين من أي شيء كان. (ثم تفيضين عليك الماء) بضم التاء، أي تصبين وتسيلين على باقي بدنك الماء. (فأنقضه للحيضة) بفتح الحاء، وفي الكلام مضاف محذوف، والأصل لغسل الحيضة، والاستفهام مقدر، والنقض ضد الشد والإبرام. (أن عبد الله بن عمرو) بن العاص. (أن ينقضن رءوسهن) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، وفي الكلام مضاف محذوف، والتقدير: يأمر النساء بنقض شعر رءوسهن إذا اغتسلن غسلا واجبا. (فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا) "يا" حرف تنبيه، و"عجبا" مفعول مطلق لفعل محذوف.

стр. 955

(يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن) الكلام على الاستفهام التوبيخي، أي لا ينبغي أن يأمر، أو التعجبي، وهو المناسب لقولها: يا عجبا، أي أعجب لأمره. (أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ ) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، والفاء عاطفة على محذوف. مثلها في قوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [الغاشية: ١٧] أي أعموا فلا ينظرون، أي فلينظروا إلى الإبل كيف خلقت، والتقدير هنا: أتهاون في دينه فلا يأمرهن بحلق رءوسهن؟ أي فليأمرهن بحلق رءوسهن، والكلام على سبيل التهكم. -[فقه الحديث]- قلنا في باب الصفة الكاملة لغسل الجنابة في النقطة الخامسة من فقه الحديث: إن العلماء اختلفوا في وجوب نقض الضفائر في شعر الرجل والمرأة. فالمالكية: على أنه إذا كان مضفورا بنفسه واشتد وجب نقضه في الغسل دون الوضوء، وإن كان مضفورا بخيوط، ثلاثة فأكثر وجب نقضه في الغسل والوضوء، اشتد أم لا، وإن كان بخيط أو خيطين واشتد نقض، وإلا فلا، لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا بين غسل الجنابة وغيرها، واستدلوا بقوله ﷺ "إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر" رواه أبو داود. وقالت الشافعية: إن وصل الماء إلى جميع الشعر والبشرة بدون نقض لم يجب وإلا وجب، لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا بين الجنابة والحيض والنفاس، واستدلوا بما استدل به المالكية. وقالت الحنفية: لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها إن بل الماء أصلها، ويجب على الرجل نقض ضفائره، ولو وصل الماء إلى أصول الشعر على الصحيح واستدلوا بما رواه مسلم وأبو داود عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله. إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: "لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين" وحمله الشافعية على أن شعرها كان خفيفا، فعلم النبي ﷺ أن الماء يعم شعرها، ويصل إلى أصوله، فلذا لم يأمرها بالنقض. وفرق الحنفية بين المرأة والرجل، باعتبار أن في النقض عليها حرجا ومشقة، وفي الحلق تقبيحا ومثلة، فسقط عنها النقض بخلاف الرجل، فيجب عليه النقض مطلقا لعدم الحرج. وقالت الحنابلة: يجب نقضه في الحيض والنفاس، ولا يجب في الجنابة إن بل الماء أصوله، واستدلوا على التفرقة بقول النبي ﷺ لعائشة ﵂ وكانت حائضا "انقضي رأسك وامتشطي" رواه البخاري. وحكي عن النخعي وجوب نقض المرأة شعرها بكل حال. وحديث أم سلمة يؤيد في ظاهره مذهب الحنفية، لكن شرطهم أن يبل الماء أصل الشعر، كما

стр. 956

يقيده الشافعية بوصول الماء إلى جميع الشعر والبشرة، والمالكية يقولون: إن شعر أم سلمة لم يكن مستوفيا شروط النقض. أما أمر عبد الله بن عمرو ﵄ بنقض النساء رءوسهن إذا اغتسلن فيحمل على أنه أراد إيجاب ذلك عليهن، ويكون ذلك في شعور لا يصل إليها الماء، أو يكون مذهبا له أنه يجب النقض بكل حال. كما حكي عن النخعي، ولا يكون قد بلغه حديث أم سلمة وعائشة، ويحتمل أنه كان يأمرهن على الاستحباب والاحتياط، لا للإيجاب. قاله النووي في شرح مسلم. وفي الحديث فوق ما تقدم أن نساء العرب كن يضفرن شعورهن، وأن حلق المرأة رأسها كان نقيصة ومثلة. قال الخطابي: وفيه دليل على أنه إذا انغمس في الماء، أو أفاض الماء على بدنه فعمه من غير دلك باليد، ومن غير إمرار بها عليه فقد أجزأه، وهو قول عامة الفقهاء إلا مالك بن أنس، فإنه قال: إذا اغتسل من الجنابة فإنه لا يجزئه حتى يمر يده على جسده، وكذا قال: إذا غمس يده أو رجله في الماء لم يجزئه وإن نوى الطهارة، حتى يمر يده على رجليه يتدلك بها. اهـ. وقد يستدل بقوله ﷺ "ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" أن التثليث في غسل البدن غير مطلوب، فإنه ذكر الثلاث في الرأس، ولم يذكرها في البدن. وقد سبق إيضاح هذا الحكم في الباب السابق. والله أعلم

стр. 957

(١٤٠) باب استعمال المرأة قطعة من المسك عند غسلها من الحيض ٥٨٩ - عن عائشة ﵂ قالت: سألت امرأة النبي ﷺ : كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل. ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال "تطهري بها. سبحان الله! " واستتر (وأشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه) قال قالت عائشة: واجتذبتها إلي. وعرفت ما أراد النبي ﷺ : فقلت: "تتبعي بها أثر الدم". وقال ابن أبي عمر في روايته: "فقلت: تتبعي بها آثار الدم". ٥٩٠ - عن عائشة ﵂ أن امرأة سألت النبي ﷺ : كيف أغتسل عند الطهر؟ فقال "خذي فرصة ممسكة فتوضئي بها" ثم ذكر نحو حديث سفيان. ٥٩١ - عن عائشة ﵂ أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر. فتحسن الطهور. ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا: حتى تبلغ شؤون رأسها. ثم تصب عليها الماء. ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها" فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال "سبحان الله! تطهرين بها" فقالت عائشة (كأنها تخفي ذلك) تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال "تأخذ ماء فتطهر، فتحسن الطهور. أو تبلغ الطهور. ثم تصب على رأسها فتدلكه. حتى تبلغ شؤون رأسها. ثم تفيض عليها الماء". فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. ٥٩٢ - حدثنا شعبة في هذا الإسناد نحوه وقال: قال "سبحان الله تطهري بها" واستتر.

стр. 958

٥٩٣ - عن عائشة ﵂ قالت: دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله ﷺ . فقالت: يا رسول الله! كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من الحيض؟ وساق الحديث. ولم يذكر فيه غسل الجنابة. -[المعنى العام]- لقد شجع الإسلام المرأة أن تخرج للمسجد، وأن تسعى لطلب العلم، وأن تمكن من أداء رسالتها وفهمها لأمور دينها، ودخلت المرأة ميدان الثقافة وتحولت عن ميدان الجهالة حتى أطلق على بطلة قصتنا: خطيبة النساء. تلك أسماء الأنصارية، التي لم يمنعها الحياء الذي جبلت عليه المرأة من أن تسأل النبي ﷺ عن أخص شئونها، وعما تستحيي منه قريناتها. سألت رسول الله ﷺ أمام زوجه عائشة ﵂ فقالت: يا رسول الله، كيف أغتسل من حيضتي؟ كيف أتطهر؟ إن الغسل من الجنابة والحيض كان معلوما أوليا، ولم يكن مجهولا لأسماء حتى تسأل عن كيفيته، لكنها كانت مؤدبة مهذبة في سؤالها، إنها قصدت ما وراء الغسل من نقاوة لمكان الحيض وتنظيفه، فذكرت شيئا وأرادت مستلزماته، وفهم الرسول الفطن ﷺ ما تقصده أسماء، لكنه كان أكثر منها أدبا وتهذبا، فأجاب عن الشيء ثم أتبعه مستلزماته المقصودة. قال: تأخذ إحداكن ماء غسلها ومواد نظافتها، فتغسل مواطن النجاسة، ثم تتوضأ وضوء الصلاة، ثم تصب على رأسها وتدلكه وتدخل أصابعها في أصول شعرها، حتى تستوثق من وصول الماء إلى جميع الشعر وبشرته، ثم تصب الماء على جسدها باستيعاب تام، ثم تأخذ قطعة من قطن أو صوف وتضع عليها شيئا من المسك أو الطيب فتطهر بها، ولما كان التطهر في فهم أسماء عبارة عن الوضوء والغسل تعجبت كيف تتطهر بقطعة القطن الممسكة فقالت: كيف أتطهر بها؟ ولم يكن من السهل على الرسول ﷺ أن يقول لها: ادلكي بها داخل فرجك. فقال: سبحان الله كيف لا تفهمين بالإشارة؟ تطهري بها، وغطي وجهه بيديه، وفهمت عائشة مقصده وحياءه، فجذبت أسماء بعيدا وأسرت إليها، وقالت لها بخفاء في أذنها وبمنتهى الأدب وطهارة اللفظ: تتبعي بها أثر الدم، وامسحي بها المكان الذي خرج منه الدم. وفهمت أسماء وخرجت وضحكت عائشة من هذا الموقف الصعب، لكنها قدرت أسماء قدرها، وقدرت فيها شجاعة المرأة المسلمة في سؤالها عما ينفعها وما تحتاجه في دينها، فقالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن حياؤهن من أن يتفقهن في دينهن. -[المباحث العربية]- (سألت امرأة) هي أسماء بنت شكل المصرح باسمها في الرواية الرابعة و"شكل" بفتح

стр. 959

الشين والكاف، وقيل: إن اسمها الحقيقي أسماء بنت يزيد الأنصارية التي يقال لها خطيبة النساء، لأنه ليس في الأنصار من اسمه "شكل" ففي رواية مسلم الرابعة تصحيف. (كيف تغتسل من حيضتها؟ ) "كيف" في محل النصب على الحال، أي على أي صفة وأي حالة يكون غسلها من الحيض؟ (علمها كيف تغتسل) "كيف تغتسل" مفعول "علم" وتعليمها كيفية الاغتسال موضح في الرواية الثالثة. (ثم تأخذ فرصة من مسك) "فرصة" بكسر الفاء وسكون الراء وفتح الصاد وحكى ابن سيده تثليث الفاء، هي القطعة من الصوف أو القطن أو الجلدة عليها صوف "والمسك" هو الطيب المشهور وأصله بعض دم الغزال، والمقصود أن تأخذ قطعة مطيبة بالطيب وتستعملها في الفرج لتغيير الرائحة الكريهة المتخلفة عن دم الحيض. وقال ابن قتيبة: إنهم لم يكونوا في سعة يمتهذون المسك بهذا الاستعمال ولهذه الدرجة، وإنما هي "قرضة" بالقاف والضاد المفتوحتين بينهما راء ساكنة وقوله من "مسك" بفتح الميم والمراد قطعة الجلد. قال الحافظ ابن حجر: وما استبعده ابن قتيبة ليس ببعيد، لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه. (فتطهر بها) بفتح التاء والطاء وتشديد الهاء المفتوحة، وأصله فتتطهر بها وحذفت إحدى التاءين تخفيفا، أي تتنظف وتغير الرائحة الكريهة بها. (قالت: كيف أتطهر بها؟ ) أي بالفرصة، وإنما قالت ذلك لأنها فهمت أن المراد بالتطهير الغسل، فلم تعقل أن يكون بالقطعة الممسكة. (سبحان الله) مصدر منصوب بفعله المحذوف، وهذه الكلمة تقال في مثل هذا الموضع للتعجب وكذا "لا إله إلا الله" ومعنى التعجب هنا: كيف يخفى عليك مثل هذا الظاهر، الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟ (واستتر) ﷺ حياء، وفي رواية للبخاري "استحيا فأعرض بوجهه" وللإسماعيلي "فلما رأيته استحيا علمتها". (وأشار الراوي بيديه على وجهه) يفسر بذلك استتاره ﷺ أي ستر وجهه بيديه. (قالت عائشة: واجتذبتها إلي) وفي بعض الروايات "فاجتبذتها" يقال: جذبت واجتذبت، واجتبذت بمعنى واحد، أي شددتها إلي، وأخذتها ناحيتي بعيدا عنه ﷺ .

стр. 960

(تتبعي بها أثر الدم) "أثر" بفتحتين. وفي رواية "آثار" جمع أثر، وأثر الشيء ما بقي من رسمه، والمراد من أثر الدم مكان أثره، أي الفرج، قاله النووي. (خذي فرصة ممسكة فتوضئي بها) المراد من الوضوء هنا الوضوء اللغوي بمعنى النظافة والحسن، أي تنظفي بها، و"ممسكة" بضم الميم الأولى وفتح الثانية وفتح السين المشددة، أي قطعة من قطن أو صوف أو خرقة مطيبة بالمسك، قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد بقوله "ممسكة" بضم الميم الأولى وسكون الثانية وفتح السين، أي مأخوذة باليد، يقال: أمسكته ومسكته، لكن يبقى الكلام ظاهر الركاكة، لأنه يصير هكذا: خذي قطعة مأخوذة. (سألت عن غسل المحيض) أي الحيض، فهما مصدران. (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور) "السدرة" شجرة النبق، وكانوا يستخدمون بعض أعشابه للتنظيف وإزالة الرائحة الكريهة، كما يستعمل "الصابون" في أيامنا، والمراد من التطهر هنا الوضوء قبل الغسل، كما سبق، وإحسان الطهور الإتيان به تاما على خير وجه. (حتى تبلغ شئون رأسها) بضم الشين معناه أصول شعر رأسها، وأصول الشئون الخطوط التي في عظم الجمجمة، وهو مجتمع شعب عظامها، الواحد منها شأن. قاله النووي. (فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك -تتبعين أثر الدم) معناه قالت عائشة همسا وسرا بحيث تسمعه المخاطبة ولا يسمعه غيرها، كأنها تخفي كلامها عن الحاضرين. قالت: تتبعين أثر الدم "تتبعين" فعل مضارع مرفوع، وأصله "تتتبعين" فحذفت إحدى التاءات وليس فعل أمر، وإلا -كان تتبعي. (نعم النساء نساء الأنصار) "نعم" فعل جامد للمدح، و"النساء" فاعل و"نساء الأنصار" المخصوص بالمدح. (لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) "الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان عند خوف ما يعاب عليه أو يذم عليه، والمراد هنا ما يقع إجلالا للأكابر، ولا يترتب عليه ترك أمر شرعي، و"أن يتفقهن في الدين" في محل النصب على المفعولية، والتقدير لم يكن يمنعهن الحياء التفقه في الدين عن طريق السؤال. -[فقه الحديث]- قال النووي: السنة في حق المغتسلة من الحيض أن تأخذ شيئا من مسك فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها، وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها، ويستحب هذا للنفساء أيضا، لأنها في معنى الحائض. قال: وذكر المحاملي في كتابه "المقنع" أنه يستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن

стр. 961

تطيب جميع المواضع التي أصلها الدم من بدنها [ومن المعلوم أن دم الحيض يصيب غالبا المناطق المحيطة بالفرج] قال النووي: وهذا الذي ذكره المحاملي من تعميم مواضع الدم من البدن غريب، لا أعرفه لغيره بعد البحث عنه. قال: واختلف العلماء في الحكمة في استعمال المسك، والصحيح المختار أن المقصود باستعمال المسك تطييب المحل، ورفع الروائح الكريهة، وحكى أقضى القضاة الماوردي من الشافعية وجهين لأصحابنا: أحدهما هذا، والثاني: أن المراد كونه أسرع إلى علوق الولد [أي إلى الحمل، على معنى أنه يساعد على تكوين البويضة وتهيئة المناخ الصالح لإعدادها لاستقبال الحيوان المنوي والحمل] قال النووي: فمن قال بالأول قال: تستعمل الطيب بعد الغسل، ومن قال بالثاني قال: تستعمله قبل الغسل، وإن قلنا بالأول، ففقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الرائحة، وإن قلنا بالثاني استعملت ما يقوم مقامه في ذلك من القسط والأظفار وشبههما [في القاموس: القسط بالضم عود هندي وعربي مدر نافع للكبد جدا والمغص شربا، وللزكام والنزلات والوباء بخورا -وفيه: والأظفار شيء من العطر، وظفر به ثوبه تظفيرا طيبه به]. قال النووي: هذا آخر كلام الماوردي، وهذا الذي حكاه من استعماله قبل الغسل ليس بشيء، ويكفي في إبطاله رواية مسلم "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها" وهذا نص في استعمال الفرصة بعد الغسل، وأما قول من قال: إن المراد الإسراع في العلوق والحمل فضعيف أو باطل، فإنه على مقتضى قوله ينبغي أن يخص به ذات الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعه في الحال، وهذا شيء لم يصر إليه أحد نعلمه، وإطلاق الأحاديث يرد على من التزمه، بل الصواب أن المراد تطييب المحل وإزالة الرائحة الكريهة وأن ذلك مستحب لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس، سواء ذات الزوج وغيرها. وتستعمله بعد الغسل، فإن لم تجد مسكا فتستعمل أي طيب وجدت، فإن لم تجد طيبا استحب لها استعمال أي شيء مكانه يزيل الكراهة، فإن لم تجد شيئا من هذا فالماء كاف لها، لكن إن تركت التطيب مع التمكن منه كره لها وإن لم تتمكن فلا كراهة في حقها. والله أعلم. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - سعى النساء لتعلم أحكام الدين، وامتداحه شرعا بقول عائشة "نعم النساء نساء الأنصار". ٢ - سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي تحتشم منها، وإنه لا حياء في الدين. ٣ - أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه. ٤ - جواز التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه، وكذلك يجوز عند التثبت على الشيء والتذكير به. ٥ - استحباب استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات. ٦ - الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة.

стр. 962

٧ - الاستحياء عند ذكر ما يستحيا منه، لا سيما ما يذكر من ذلك بحضرة الرجال والنساء. ٨ - وتكرير الجواب لإفهام السائل، وإنما كرره ﷺ مع أنها لم تفهمه أولا لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله "تطهري بها" أي في المحل الذي يستحيا من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال وفهمت عائشة ﵂ فتولت تعليمها، وبوب البخاري عليه في الاعتصام: الأحكام التي تعرف بالدلائل. ٩ - وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه، إذا عرف أن ذلك يعجبه. ١٠ - وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل. ١١ - وفيه صحة العرض على المحدث، إذا أقره، ولو لم يقل عقبه: نعم. ١٢ - وأنه لا يشترط في صحة التحمل فهم السامع لجميع ما يسمعه. ١٣ - وفيه الرفق بالمتعلم، وإقامة العذر لمن لا يفهم. ١٤ - وأن المرء مطلوب منه ستر عيوبه وإن كانت مما جبل عليها، من جهة أمر المرأة بالتطيب لإزالة الرائحة الكريهة. ١٥ - وفيه طلب دلك الرأس في الغسل. ١٦ - تقديم غسل الرأس على باقي الجسد. ١٧ - استدل المحاملي بقول عائشة "تتبعين بها أثر الدم" أنه يستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تطيب جميع المواضع التي بها الدم من بدنها. قال النووي: وظاهر الحديث معه. ١٨ - وفيه حسن خلقه ﷺ وعظيم حلمه وحيائه. والله أعلم

стр. 963

(١٤١) باب المستحاضة وغسلها وصلاتها ٥٩٤ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ . فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال "لا. إنما ذلك عرق وليس بالحيضة. فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة. وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم. وصلي". ٥٩٥ - عن جرير "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش بن عبد المطلب بن أسد وهي امرأة منا" قال وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره. ٥٩٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ . فقالت: إني أستحاض. فقال "إنما ذلك عرق فاغتسلي. ثم صلي" فكانت تغتسل عند كل صلاة. قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة. ولكنه شيء فعلته هي. وقال ابن رمح في روايته: (ابنة جحش). ولم يذكر (أم حبيبة). ٥٩٧ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن أم حبيبة بنت جحش (ختنة رسول الله ﷺ ، وتحت عبد الرحمن بن عوف) استحيضت سبع سنين. فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك. فقال رسول الله ﷺ "إن هذه ليست بالحيضة. ولكن هذا عرق. فاغتسلي وصلي". قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش. حتى تعلو حمرة الدم الماء. قال ابن شهاب: فحدثت بذلك أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال: يرحم الله هندا. لو سمعت بهذه الفتيا. والله! إن كانت لتبكي. لأنها كانت لا تصلي.

стр. 964

٥٩٨ - وعن عائشة ﵂، قالت: جاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله ﷺ . وكانت استحيضت سبع سنين. بمثل حديث عمرو بن الحارث إلى قوله: تعلو حمرة الدم الماء. ولم يذكر ما بعده. ٥٩٩ - وعن عائشة ﵂؛ "أن ابنة جحش كانت تستحاض سبع سنين" بنحو حديثهم. ٦٠٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دما. فقال لها رسول الله ﷺ "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك. ثم اغتسلي وصلي". ٦٠١ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: إن أم حبيبة بنت جحش. التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف. شكت إلى رسول الله ﷺ الدم. فقال لها "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك. ثم اغتسلي" فكانت تغتسل عند كل صلاة. -[المعنى العام]- تعلمت النساء المسلمات ما يفعلن أثناء الحيض، يجتنبن الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف وحمله والاعتكاف ودخول المسجد والصيام، ويعتزلهن الرجال فيما بين السرة والركبة، وتعلمن كيف يغتسلن من الحيض، وكيف ينظفن أنفسهن بقطعة قطن مطيبة بمسك أو طيب، ورأى بعضهن دما غير دم الحيض، اختبرهن الله به، لا ينقطع أو لا يكاد، وتحيرن في أمره، هل يفعلن بشأنه ما يفعلن بشأن الحيض؟ أو ماذا عساه يكون الحكم؟ ولم هذه الحيرة وقد شجعهن رسول الله ﷺ على الاستفتاء والسؤال والتفقه في الدين؟ وجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ تسأله وتقول: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض، يستمر نزول الدم فلا أطهر، أأدع الصلاة كما أدعها في الحيض؟ قال ﷺ : لا تدعي الصلاة، ليس هذا الدم بحيض، وإنك لتعلمين حيضتك، فإذا أقبلت

стр. 965

فدعي الصلاة وإذا انقطع دمها، وجاء الدم الآخر الناشئ عن عرق يخالف منشأ الحيض فاغتسلي، ثم اغسلي عنك الدم، وتوضئي لكل صلاة وصلي. وجاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله ﷺ تسأل نفس السؤال، وأجابها ﷺ بنفس الجواب، لكنها اشتبهت في أيام الحيض وأيام الاستحاضة، وكأنها لم تستطع أن تميز بين الدمين، فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي كحائضة مدة تساوي مدة حيضتك قبل دم الاستحاضة ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلي. وبلغ الورع والحرص على النظافة عند النساء المسلمات حدا جعلهن يحافظن على الغسل عند كل صلاة تطوعا وتقربا، وهكذا يضربن المثل الأعلى على طهر الإسلام ونقائه وعلى استجابتهن لأوامره أكمل الاستجابة، وعلى السمع والطاعة لتعاليمه وزيادة، فرضي لله عنهن ورضين عنه، ورضي عن التابعين بإحسان إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش بن عبد المطلب بن أسد، وهي امرأة منا) "حبيش" بضم الحاء وفتح الباء بعدها ياء ثم شين، وأبو حبيش اسمه قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي. قال النووي: وقع في الأصول "ابن عبد المطلب" واتفق العلماء على أنه وهم، والصواب "ابن المطلب" بحذف "عبد" وأما قوله: "وهي امرأة منا" فمعناه من بني أسد، والقائل هو هشام بن عروة، أو القائل أبوه عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزي. اهـ. (إني امرأة أستحاض) بضم الهمزة، مبني للمجهول، كما يقال: استحيضت، ولم يبن هذا الفعل للفاعل، قاله العيني، وقال الأبي: وفي بعض الروايات "أستحيض" بالبناء للفاعل، وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد للمبالغة، وأصل الحيض السيلان، ويقال: الحيض لغة الدم الخارج، ثم خصه العرف الشرعي بدم خاص، والاستحاضة بدم آخر. (فلا أطهر) قال القاضي عياض: يحتمل الحقيقة، وأنه لا يفارقها، ويحتمل أنه كناية عن قرب بعضه من بعض. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: كانت تفهم أن طهارة الحائض لا تعرف إلا بانقطاع الدم فكنت بعدم الطهر عن اتصاله. (أفأدع الصلاة؟ ) كانت قد علمت أن الحائض لا تصلي، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج، فأرادت تحقق ذلك. (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة) "ذلك" بكسر الكاف لخطاب المؤنثة و"عرق" بكسر العين وإسكان الراء، ويقال له: العادل، أي إنما ذلك الدم ناشئ عن عرق خاص، وليس هو الدم المعروف بالحيض، والباء في "بالحيضة" زائدة، داخلة على خبر "ليس" والحيضة يجوز فيها كسر

стр. 966

الحاء بمعنى الحالة وفتحها بمعنى الحيض، قال النووي: فتح الحاء في هذا الموضع متعين أو قريب من المتعين، فإن المعنى يقتضيه، لأنه ﷺ أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض، وأما ما يقع في كثير من كتب الفقه: إنما ذلك عرق انقطع وانفجر. فهي زيادة لا تعرف في الحديث، وإن كان لها معنى. اهـ. (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) قال النووي: يجوز في "الحيضة" هنا فتح الحاء وكسرها جوازا حسنا. اهـ. والمراد من إقبالها نزول الدم، ومن إدبارها انقطاع الدم. وفي الكلام حذف مفهوم، والأصل: فاغسلي عنك الدم "واغتسلي" وصلي. (استفتت أم حبيبة بنت جحش) أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش. قال القاضي عياض: اختلف أصحاب الموطأ في هذا عن مالك، وأكثرهم يقولون: زينب جحش، وأكثر الرواة يقولون: عن ابنة جحش، وهذا هو الصواب، ويبين الخطأ في القول الأول قوله: "وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وزينب أم المؤمنين لم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قط، والتي كانت تحت عبد الرحمن هي أم حبيبة أختها. اهـ. والروايات كلها تؤكد أنها أم حبيبة وليست زينب، وقد سبق أن فاطمة بنت أبي حبيش قد سألت عن الاستحاضة، وروي أن أم سلمة سألت كذلك، وكذا أسماء بنت عميش، ولا منافاة بين الروايات، لتعدد الوقائع. (ولكنه شيء فعلته هي) أي تطوعا، واسم "لكن" يعود على الغسل عند كل صلاة، و"هي" تأكيد للضمير المستتر في "فعلته". (ختنة رسول الله ﷺ "ختنة" بفتح الخاء والتاء، ومعناه قريبة زوج النبي ﷺ والأختان جمع ختن كفرح وأفراح، وهم أقارب زوجة الرجل، والأحماء أقارب زوج المرأة والأصهار يعم الجميع. (وتحت عبد الرحمن بن عوف) أي زوجته. (فكانت تغتسل في مركن) بكسر الميم وفتح الكاف بينهما راء ساكنة، وهو إناء كبير كانت الثياب تغسل فيه، وكانت أم حبيبة تقعد فيه، وتصب على نفسها الماء. (حتى تعلو حمرة الدم الماء) أي كان الماء يختلط بالدم، فيحمر الماء، ثم تخرج من المركن، وتغسل ما أصاب رجلها من ذلك الماء المتغير بالدم. (لو سمعت بهذه الفتيا والله إن كانت لتبكي) "إن" مخففة من الثقيلة، وأصل الكلام قبل القسم: لو سمعت بهذه الفتيا كانت تبكي. (رأيت مركنها ملآن دما) قال النووي: هكذا هو في الأصول ببلادنا، وذكر القاضي عياض أنه روي أيضا "ملأى" وكلاهما صحيح، الأول على لفظ المركن، وهو مذكر، والثاني على معناه وهو الإجانة وهي مؤنثة، وظاهر العبارة أنه كان مملوءا بالدم الخالص، وليس كذلك، بل المراد أنه كان مملوءا بالماء الأحمر المشبه للدم، أي ماء كالدم ففي الكلام استعارة تصريحية أصلية.

стр. 967

(امكثي قدر ما كنت تحبسك حيضتك) أي انتظري بلا صلاة ولا صوم عدد الأيام التي كانت تمنعك حيضتك فيها عن الصلاة ونحوها، ثم اغتسلي وافعلي ما كنت ممنوعة منه أيام الحيض. -[فقه الحديث]- الاستحاضة جريان الدم في غير أوان خروجه المعتاد؛ ولدم الحيض صفات تخالف صفات دم الاستحاضة، قال القاضي عياض: والنساء يزعمن معرفته برائحته ولونه. اهـ. فدم الحيض نتن الرائحة، قاتم اللون، والمميزة التي اعتادت الحيض تستطيع التفرقة بين دم الحيض ودم الاستحاضة بحكم التجارب والإلف والتكرار، فهي تدرك الرائحة والثخانة وتعرف مثلا الأيام التي يكون فيها لون دم حيضتها أسود، واليوم أو الأيام التي يكون فيها غير ذلك من الحمرة أو الشقرة أو الصفرة أو الكدرة، ثم تعرف حيضتها بحكم العادة كم يوما تكون؟ وفي أي الأيام من الشهر تبدأ؟ فإن نزل دم مخالف لما اعتادته لونا ورائحة يوما أو يومين مثلا في غير أيام حيضها فله حكم الاستحاضة. لكن لو اتصل دم الاستحاضة بدم الحيض بأن كان الدم مستمرا، أو كان مجاوزا لخمسة عشر يوما، فلا يخلو الأمر عن أحوال أربعة: الأول: أن تكون مبتدأة ولا تميز ألوان الدم وصفاته. الثاني: أن تكون مبتدأة تميز ألوان الدم وصفاته. الثالث: أن تكون معتادة ولا تميز ألوان الدم وصفاته. الرابع: أن تكون معتادة وتميز ألوان الدم وصفاته. ولكل حالة حكمها الحال الأول: فإن كانت مبتدأة -أي ابتدأها الدم لزمان إمكانه- ولا تميز صفاته أمسكت عما تمسك عنه الحائض، فإن جاوز خمسة عشر يوما تيقن أنها مستحاضة، وتبين لها ثلاثة أحوال: حال طهر بيقين، وهو ما بعد الخمسة عشر يوما، وحال حيض بيقين، وهو اليوم والليلة، وحال طهر مشكوك فيه، وهو ما بعد يوم وليلة إلى آخر خمسة عشر يوما [هذا مذهب الشافعية، وتراعي المذاهب الأخرى في أقل الحيض وأكثره] وفي حكم المدة المشكوك فيها خلاف طويل، قيل: يعتبر حيضها يوما وليلة، وما بعده طهر يجرى عليه أحكام الاستحاضة في الشهر الأول وما بعده، وتمام الدورة ثلاثون يوما، فكل ثلاثين يوما يكون حيضها يوما وليلة، وطهرها تسعة وعشرين، وهو قول للشافعية ورواية عن أحمد ومحكي عن زفر.

стр. 968

وقيل ترد حيضتها إلى ست أو سبع، وما بعد ذلك طهر، وهو قول للشافعية ورواية عن أحمد، وبه قال عطاء والأوزاعي والثوري وإسحاق. وعن أبي حنيفة ترد إلى أكثر الحيض عنده، وهو عشرة أيام، وما بعدها طهر. وعن أبي يوسف ترد في إعادة الصلاة إلى ثلاثة أيام، وهو أقل الحيض عنده، وفي الوطء إلى أكثره احتياطا للأمرين. وعن مالك رواية خمسة عشر يوما، ورواية أنها تعامل معاملة أقرانها في مدة الحيض. الحال الثاني: وإن كانت مبتدأة مميزة، تفرق بين دم الحيض وغيره عملت بتمييزها، واعتبرت الدم القوي حيضا والضعيف استحاضة بشرط أن لا يزيد القوي عن خمسة عشر يوما، وأن لا ينقص عن يوم وليلة. الحال الثالث: وإن كانت معتادة غير مميزة ورأت الدم قد تجاوز عادتها وجب عليها الإمساك عما تمسك الحائض، لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشرة، فإن انقطع كان الجميع حيضا، وإن جاوز خمسة عشر يوما علمنا أنها مستحاضة فيجب عليها أن تغتسل، وأن ترد إلى عادتها فيكون حيضها أيام العادة في القدر والوقت، وما عدا ذلك فهو طهر تقضي صلاته. الحال الرابع: وإن كانت معتادة مميزة، ووافق التمييز العادة عملت بالدلالتين بلا خلاف، كأن كانت عادتها خمسة أيام، فاستمر الدم عشرة وكانت الخمسة الأولى دما شديدا أسود فيه صفات دم الحيض، والخمسة الثانية دما ضعيفا أصفر، فالخمسة الأولى حيض، والثانية استحاضة، وإن لم يوافق التمييز العادة ردت إلى التمييز على الصحيح من مذهب الشافعية، وردت إلى العادة عند الحنفية وأحمد، وقال الأبي المالكي: المستحاضة من زاد دمها على قدر عادتها والاستظهار [الاستظهار والاستيثاق بثلاثة أيام أخرى]، وعن مالك اعتبار التمييز وتغير الدم. والله أعلم. وقد بسطنا القول في هذه المسألة لما يترتب على تحديد نوع الدم من أحكام فالحائض تترك الصلاة المفروضة والنافلة، ويحرم عليها الطواف وصلاة الجنازة وسجود التلاوة وسجود الشكر، وقد أجمع العلماء على أنها ليست مكلفة بالصلاة، وعلى أنها لا قضاء عليها، أما المستحاضة فلها حكم الطاهرات في معظم الأحكام، فلها حكم الطاهرات في الصلاة والصيام والاعتكاف وقراءة القرآن ومس المصحف وحمله وسجود التلاوة وسجود الشكر ووجوب العبادات عليها. أما كيف تتطهر وتصلي فقد قال النووي: وإذا أرادت المستحاضة الصلاة فإنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث وطهارة النجس، فتغسل فرجها قبل الوضوء، وتحشو فرجها بقطنة أو خرقة رفعا للنجاسة أو تقليلا لها، فإن كان دمها قليلا يندفع بذلك وحده فلا شيء عليها غيره، وإن لم يندفع شدت مع ذلك على فرجها، وتلجمت، وهو أن تشد على وسطها خرقة أو خيطا أو نحوه على صورة التكة، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخديها وإليتيها، وتشد الطرفين بالخرقة التي في وسطها، أحدهما قدامها عند صرتها

стр. 969

والآخر خلفها، وتحكم ذلك الشد، وتلصق هذه الخرقة المشدودة بين الفخذين بالقطنة التي على الفرج إلصاقا جيدا، وهذا الفعل يسمى تلجما واستثفارا وتعصيبا، قال أصحاب الشافعية: وهذا الشد والتلجم واجب إلا في موضعين: أحدهما: أن تتأذى بالشد، ويحرقها اجتماع الدم، فلا يلزمها، لما فيه من الضرر، والثاني: أن تكون صائمة، فتترك الحشو في النهار، وتقتصر على الشد، قالوا: ويجب تقديم الشد والتلجم على الوضوء، وتتوضأ عقيب الشد من غير إمهال، فإن شدت وتلجمت وأخرت الوضوء وتطاول الزمان ففي صحة وضوئها وجهان، الأصح أنه لا يصح، وإذا استوثقت بالشد على الصفة التي ذكرناها ثم خرج منها دم من غير تفريط لم تبطل طهارتها ولا صلاتها، ولها أن تصلي بعد فرضها ما شاءت من النوافل، لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك، أما إذا خرج الدم لتقصيرها في الشد، أو زالت العصابة عن موضعها لضعف الشد فزاد خروج الدم بسببه فإنه يبطل طهرها، فإن كان ذلك في أثناء الصلاة بطلت، وإن كان بعد فريضة لم تستبح النافلة لتقصيرها، أما تجديد غسل الفرج وحشوه وشده لكل فريضة فينظر فيه إن زالت العصابة عن موضعها زوالا له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها، ولا ظهر الدم ففيه وجهان. ثم قال: واعلم أن مذهبنا أن المستحاضة لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة، مؤداة كانت أو مقضية، وتستبيح معها ما شاءت من النوافل، قبل الفريضة وبعدها، [لما رواه أبو داود من أنه ﷺ قال لبنت أبي حبيش: اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة وصلي] وبمثل مذهبنا قال سفيان وأحمد وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: طهارتها بالوقت، فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من الفرائض الفائتة. وفسرت رواية أبي داود بتوضئي لوقت كل صلاة. وقال مالك وداود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهرت، أي اغتسلت من حيضها أو توضأت فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض إلى أن تحدث بغير الاستحاضة. ثم قال: قال أصحابنا: وكيفية نية المستحاضة في وضوئها أن تنوي استباحة الصلاة، ولا تقتصر على نية رفع الحدث، وهل يقال بعد الوضوء ارتفع حدثها؟ الأصح أنه لا يرتفع شيء من حدثها، بل تستبيح الصلاة بهذه الطهارة مع وجود الحدث. ثم قال: واعلم أنه لا يجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلاة، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد، وروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء أنهم قالوا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلا واحدا، وعن ابن المسيب والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائما، ودليل الجمهور: أن الأصل عدم الوجوب فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ولم يصح عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله ﷺ "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي" وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل، وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ أمرها فليس

стр. 970

فيها شيء ثابت، وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما "أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت، فقال لها رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة" قال الشافعي -رحمه الله تعالى: إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة. قال: ولا شك -إن شاء الله تعالى- أن غسلها كان تطوعا، غير ما أمرت به. والله أعلم. أما وطء المستحاضة فقد قال عنه النووي: يجوز لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عندنا وعند جمهور العلماء، وبه قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وإسحاق وأبو ثور قال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وروينا عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يأتيها زوجها. وبه قال النخعي. وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف العنت. والمختار مذهب الجمهور، والدليل عليه ما روي عن حمنة بنت جحش ﵂ "أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها" رواه أبو داود. وقال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها، إذا صلت الصلاة أعظم، ولأن المستحاضة كالطاهرة في الصلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع بتحريمه. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - جواز استفتاء المرأة بنفسها وجواز مشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء. ٢ - وجواز سماع صوتها عند الحاجة. والله أعلم

стр. 971

(١٤٢) باب قضاء الحائض الصوم دون الصلاة ٦٠٢ - عن معاذة أن امرأة سألت عائشة فقالت: أتقضي إحدانا الصلاة أيام محيضها؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم لا تؤمر بقضاء. ٦٠٣ - عن معاذة أنها سألت عائشة: أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ قد كن نساء رسول الله ﷺ يحضن. أفأمرهن أن يجزين؟ قال محمد بن جعفر: تعني يقضين. ٦٠٤ - عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية. ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. -[المعنى العام]- خفي الكثير من حكمة التشريع على بعض الصحابة، وبخاصة النساء، وكان عدم إدراك الحكمة دافعا إلى التساؤل، وتلك محمدة للشريعة الإسلامية التي خاطبت العقول والأرواح معا، وركزت على العقول، وقللت من أمور التعبد التي لا بد منها، ليشعر العقل بالقصور، وليسلم وجهه إلى الله وهو محسن، لقد علمت معاذة أن الحائض يجب عليها اجتناب الصلاة والصوم مدة حيضها، فإذا هي طهرت وجب عليها قضاء الصوم، ولم يجب عليها قضاء الصلاة، ولم تدرك الفرق بين الصلاة والصوم حتى وجب قضاء عبادة دون عبادة، فسألت أم المؤمنين عائشة ﵂: ما بال الحائض يجب عليها قضاء الصوم، ولا يجب عليها قضاء الصلاة؟ ألا تقضي إحدانا الصلاة التي فاتتها أيام حيضها؟ فقالت لها عائشة: لا تقولي هذا، فإنه لا يقول به إلا الخوارج، ولا يصح أن تتشبهي بهم في هذا القول، إن من يسمعك يقول: إنك حرورية خارجة. قالت: لست من الخوارج، ولكني أسأل للتعلم. ولم تشأ عائشة أن تبين الفرق بين الصلاة والصيام، وإنما قصدت إلى إثبات الحكم وترسيخه ووجوب السمع والطاعة له، فقالت: لقد كنا نحيض عند رسول الله ﷺ ، وكنا نترك الصلاة والصوم أثناء الحيض، فكان يأمرنا بعد الحيض بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة فكوني من ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾ [الزمر: ١٨].

стр. 972

-[المباحث العربية]- (عن معاذة أن امرأة سألت عائشة) أبهمت السائلة في هذه الرواية، وصرح بها في الرواية الثانية والثالثة وهي معاذة نفسها. (أتقضي إحدانا الصلاة أيام حيضها؟ ) الظرف "أيام حيضها" لا يصح تعليقه بالفعل "تقضي" لأن القضاء لا يقع في أيام الحيض، وإنما هو متعلق بمحذوف حال من الصلاة، والمعنى: أتقضي إحدانا الصلاة الواجبة أيام الحيض؟ (أحرورية أنت) خبر ومبتدأ، والحرورية المنسوبة إلى حروراء، قرية بقرب الكوفة، وكان أول اجتماع الخوارج فيها، قال العيني: وكبار فرق الحرورية ستة: الأزارقة والصفرية والنجدات، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة. والباقون فروع، وهم الذين خرجوا على علي ﵁، يجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي ﵄ ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، وكان خروجهم على عهد علي ﵁ لما حكم أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وأنكروا على علي في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله، وحكمت عدوك، وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يوما وقد خرجوا، وهم ثمانية آلاف، وأميرهم ابن الكوا عبد الله، فبعث إليهم علي ﵁ عبد الله بن عباس، فناظرهم، فرجع منهم ألفان، وبقيت ستة آلاف، فخرج إليهم علي، فقاتلهم، وكانوا يشددون في الدين، ومنه قضاء الصلاة على الحائض. اهـ. وتقديم الخبر يفيد الحصر، أي: ألست إلا حرورية؟ والاستفهام إنكاري، أي لا ينبغي أن تكوني كذلك. (كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله ﷺ أي فيما يعهده رسول الله ﷺ ويعرفه، والغرض بيان أنه ﷺ كان مطلعا على حالهن من الحيض وتركهن الصلاة في أيامه. (ثم لا تؤمر بقضاء) في الكلام حذف، أي تحيض وتترك الصلاة أيام الحيض، ثم لا تؤمر بقضائها بعد الطهر، والمراد من عدم الأمر عدم الوجوب، لأن الواجب مأمور به. (قد كن نساء رسول الله ﷺ يحضن) "نساء" بالرفع اسم كان، ونون النسوة في "كن" حرف على قول، فإن كانت اسم "كان" أعرب "نساء" بدلا منها، وهي على نمط "أكلوني البرغيث". (أفأمرهن أن يجزين؟ ) بفتح الياء وسكون الجيم وكسر الزاي، وفسره الراوي بقوله: يعني يقضين. قال النووي: وهو تفسير صحيح، يقال: جزى يجزي، أي قضى، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البقرة: ٤٨]، ويقال: هذا الشيء يجزي عن كذا، أي يقوم مقامه. قال القاضي عياض: وقد حكى بعضهم فيه الهمز. اهـ. والاستفهام إنكاري، أي فلم يأمرهن بالقضاء.

стр. 973

(ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة) في القاموس: البال الحال والخاطر والقلب. اهـ. أي ما الحال والشأن في قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة؟ والاستفهام حقيقي، فهي تسأل عن العلة في هذه التفرقة. (لست بحرورية ولكني أسأل) الباء زائدة في خبر "ليس" أي لست أوجب قضاء الصلاة كالحروريين، ولكني أسألك عن الحكم سؤالا مجردا لطلب العلم، لا للتعنت. (كان يصيبنا ذلك) الإشارة للحيض، والكاف مكسورة لخطاب المؤنثة، أي كان يصيبنا الحيض، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. -[فقه الحديث]- قبل الكلام على موضوع قضاء الحائض والصلاة والصوم نقول: إنه يحرم على الحائض والنفساء الطواف، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أنهما لا تمنعان من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه. نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره. وذهب الشافعية إلى أنه يحرم عليهما كذلك قراءة القرآن، ومس المصحف وحمله والمكث في المسجد، ويحرم الاستمتاع بهما فيما بين السرة والركبة كما سبق. أما الصلاة فقد أجمعت الأمة على أنه يحرم على الحائض الصلاة، فرضها ونفلها، وقال النووي: مذهبنا ومذهب جمهور العلماء والخلف أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذكر في أوقات الصلاة ولا في غيرها، وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعن الحسن البصري قال: تطهر وتسبح، وعن أبي جعفر قال: نأمر نساء الحيض أن يتوضأن في وقت الصلاة، ويجلسن ويذكرن الله ، ويسبحن. اهـ. وقال العيني: وفي منية المفتي للحنفية: يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ، وتجلس في مسجد بيتها، تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة لو كانت طاهرة، حتى لا تبطل عادتها، وفي الدراية: يكتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلى. اهـ. قال النووي: أما استحباب التسبيح فلا بأس به، وإن كان لا أصل له على هذا الوجه المخصوص، وأما الوضوء فلا يصح عندنا وعند الجمهور، بل تأثم به إن قصدت العبادة. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وهل تثاب على ترك الصلاة مدة الحيض لكونها مكلفة بهذا الترك؟ كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟ قال النووي: الظاهر أنها لا تثاب، والفرق بينها وبين المريض أنه كان يعملها بنية الدوام عليها مع أهليته، والحائض ليس كذلك. قال: وعندي في كون هذا الفرق مستلزما لكونها لا تثاب وقفة. اهـ. والذي تستريح إليه النفس أنها لا تعامل في ذلك معاملة المريض؛ لأن المريض يكافأ على مصابه

стр. 974

وآلامه بثواب ما كان يفعله من النوافل، ولم نقل بثواب ما كان يفعله من الفرائض، ثم إن الثواب تفضل من الله، وقد ورد في شأن المريض، ولم يرد في شأن الحائض، بل ورد ما ينفيه عنها في قوله ﷺ " .... أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها" إذ لو كانت تثاب على تركها الصلاة ما نقص دينها. كذلك يحرم على الحائض الصوم. قال ابن جرير في كتابه "اختلاف الفقهاء": أجمعوا على أن عليها اجتناب كل الصلوات، فرضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام، فرضه ونفله. اهـ. قال النووي: ولو أمسكت الحائض عن الطعام والشراب بقصد الصوم أثمت، وإن أمسكت بلا قصد لم تأثم. اهـ. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة -ولا عبرة بخلاف الخوارج- ويجب عليها قضاء الصوم، قال العلماء: والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها، بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرة واحدة، وربما كان الفطر بسبب الحيض يوما أو يومين. وقد يتساءل العقل: إذا كان ترك الحائض الصلاة لعدم وجود شرطها وهو الطهارة فلم أمرت بترك الصوم، والطهارة ليست بشرط فيه؟ ولم أعثر فيما قرأت على علة معقولة، والظاهر أن الأمر بترك الصوم في هذه الحالة للتعبد، ولعل هذا من أسباب وجوب قضاء الصوم دون الصلاة. قال النووي: قال الجمهور: وليست الحائض مخاطبة بالصيام في زمن الحيض، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد. قال: وذكر بعض أصحابنا وجها: أنها مخاطبة بالصيام في حالة الحيض مأمورة بتأخيره، كما يخاطب المحدث بالصلاة وإن كانت لا تصح منه في زمن الحدث. قال: وهذا الوجه ليس بشيء فكيف يكون الصيام واجبا عليها ومحرما عليها بسبب لا قدرة لها على إزالته؟ بخلاف المحدث، فإنه قادر على إزالة الحدث. اهـ. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - وجوب قضاء الحائض الصوم. ٢ - أنه لا يجب عليها قضاء الصلاة، ولا يقال: إن كل ما يؤخذ من الحديث عدم الأمر بقضاء الصلاة، وهو لا يدل على عدم وجوب القضاء، لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء، قال ابن دقيق العيد: إن اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لم تؤمر به يحتمل وجهين: أحدهما أنها أخذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء فيتمسك به حتى يوجد المعارض، وهو الأمر بالقضاء، كما في الصوم، ثانيهما أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم لتكرار الحيض منهن، وحيث لم يبين دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بالأمر بقضاء الصوم. اهـ. ٣ - استدل به على وجوب ترك الحائض الصلاة والصوم أثناء الحيض؛ لأن القضاء وعدم القضاء مترتب على الترك. قال النووي: فإن قيل: ليس في الحديث دليل على تحريم

стр. 975

الصوم وإنما فيه جواز الفطر، وقد يكون الصوم جائزا لا واجبا كالمسافر. قلنا: قد ثبت شدة اجتهاد الصحابيات ﵅ في العبادات، وحرصهن على الممكن منها، فلو جاز الصوم لفعله بعضهن، كما في القصر وغيره، ويدل أيضا على التحريم حديث البخاري ومسلم "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم". ٤ - استدل به على أن قول الصحابي: "كنا نؤمر أو ننهي" في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ حيث أخرج في الصحيح. والله أعلم

стр. 976

(١٤٣) باب حفظ العورة والتستر عند البول والاغتسال ٦٠٥ - عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح. فوجدته يغتسل. وفاطمة ابنته تستره بثوب. ٦٠٦ - عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ أنه لما كان عام الفتح، أتت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة. قام رسول الله ﷺ إلى غسله. فسترت عليه فاطمة. ثم أخذ ثوبه فالتحف به. ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى. ٦٠٧ - عن سعيد بن أبي هند بهذا الإسناد وقال فسترته ابنته فاطمة بثوبه. فلما اغتسل أخذه فالتحف به. ثم قام فصلى ثمان سجدات وذلك ضحى. ٦٠٨ - عن ميمونة ﵂ قالت: وضعت للنبي ﷺ ماء وسترته فاغتسل. ٦٠٩ - عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل. ولا المرأة إلى عورة المرأة. ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد. ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد". ٦١٠ - وعن الضحاك بن عثمان بهذا الإسناد وقالا "عورة" "عرية الرجل وعرية المرأة". ٦١١ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة. ينظر بعضهم

стр. 977

إلى سوأة بعض. وكان موسى ﵇ يغتسل وحده. فقالوا: والله! ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. قال فذهب مرة يغتسل. فوضع ثوبه على حجر. ففر الحجر بثوبه. قال فجمح موسى بإثره يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. قالوا: والله! ما بموسى من بأس. فقام الحجر حتى نظر إليه. قال فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا". قال أبو هريرة: والله! إنه بالحجر ندب ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر. ٦١٢ - - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان حجارة. فقال العباس للنبي ﷺ اجعل إزارك على عاتقك، من الحجارة. ففعل. فخر إلى الأرض. وطمحت عيناه إلى السماء. ثم قام فقال "إزاري إزاري" فشد عليه إزارة. قال ابن رافع في روايته "على رقبتك" ولم يقل "على عاتقك". ٦١٣ - عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة. وعليه إزاره. فقال له العباس، عمه: يا ابن أخي! لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك، دون الحجارة. قال فحله فجعله. على منكبه. فسقط مغشيا عليه. قال فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا. ٦١٤ - عن المسور بن مخرمة ﵁ قال: أقبلت بحجر، أحمله، ثقيل. وعلي إزار خفيف. قال فانحل إزاري ومعي الحجر. لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه. فقال رسول الله ﷺ "ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة". ٦١٥ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه. فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس. وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته، هدف أو حائش نخل. قال ابن أسماء في حديثه: يعني حائط نخل.

стр. 978

-[المعنى العام]- كرم الله ابن آدم، وميزه عن الحيوانات بالعقل والستر، فكما خلق فيه الإدراك والتمييز والاستعداد للعلم. خلق فيه الانطباع على اللباس والتستر، بل جعل الحياة الكريمة مرتبطة بالغذاء والكساء، يوم قال الله تعالى لآدم حين أسكنه الجنة ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨] وكان طبيعيا حين وسوس الشيطان لآدم وحواء، وحين نزع عنهما لباسهما، وحين بدا لهما ما ووري عنهما من سوآتهما، أن طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ويستران به عوراتهما. وبهذه الطبيعة نزل آدم إلى الأرض، وعلم بنيه ستر العورة، وسارت ذريته بحكم الجبلة على المحافظة على اللباس، ومن لم يجد لم يفرط في ستر السوأتين: قبله ودبره. نعم قد تخالف هذه الطبيعة سفها وشذوذا في بعض العصور والبيئات المنحرفة، فنسمع أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة مجتمعين، ينظر بعضهم إلى عورة بعض، ونسمع أن الرجال والنساء كانوا قبل الإسلام يطوفون بالكعبة عراة، ويقولون: لا نعبد الله في ثيات أذنبنا فيها، ونرى في هذه الأيام على شواطئ البحار الرجال والنساء شبه عراة، ونرى المرأة المسلمة وقد كشفت عن ساقيها، بل فخذيها في بعض الأحبان. مخالفات للطبيعة، ومخالفات للمروءة، ومخالفات للحياء ومكارم الأخلاق وقد جاءت الشريعة الإسلامية ترسم للبشرية المثل العليا، والطريق القويم للحياة الدنيوية والأخروية، وأعلن رسول الله ﷺ قانون السماء: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا الرجل إلى عورة المرأة، ولا المرأة إلى عورة الرجل، فإن الله لعن الناظر والمنظور، لعن الناظر لاستخدامه نعمة العين فيما حرم الله، نعم نرجو عفو الله عن النظرة الأولى التي تقع على المحرم عفوا ودون قصد، وبدافع الحاجة إلى تمييز الطريق وإمكان المشي والحركة، لكن النظرة الثانية، ومد النظرة الأولى لحظة فوق تلك اللحظة جرم وإثم كبير، فهي سهم من سهام إبليس، بل سهم مسموم قلما يطيش، ولعن المنظور لتقصيره في حدود الله، وارتكابه ما حرم الله بكشف ما وجب ستره؛ وإثارة مشاعر الناظرين وغرائزهم، وفتح أبواب الشر، وغرس بذور الفتنة والافتتان. كانت هذه الفقرة الأولى من قانون السماء، وكانت الثانية "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" أي كما وجب حفظ العورة عن النظر، وجب حفظها عن اللمس، إذ الأخطار المترتبة على أحدهما تنتج عن الآخر، وما يحتمل من شر في أولهما هو محتمل من باب أولى في ثانيهما، والإسلام يحرص على إغلاق الروافد، وسد الذرائع. مع إعلان القانون باللسان نجد العمل والقدوة الصالحة، يضربها محمد رسول الله ﷺ بنفسه، ويتحدث بها عن أحد إخوته الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وصدق الله العظيم ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 979

إن اللباس العربي يتكون من إزار ورداء، فالإزار ثوب طويل يلف حول الوسط ويغطي من فوق السرة إلى ما تحت الركبة، والرداء ثوب يغطي الجسم من الكتفين إلى ما يقرب من القدمين غالبا، فالإزار زيادة في الاحتياط والأمن والتوثيق من ستر العورة. وقبل بعثة محمد ﷺ قامت قريش ببناء الكعبة، ومحمد فتى من فتيانها، عرف بالمروءة والشهامة، وما كان لها أن تبني دون مساهمة منه في بنائها، ومشاركة فعلية قوية في أعمالها، فقام بحمل الحجارة على كتفه ونقلها، حتى جرح كتفه أو كاد، ورآه عمه يتأوه ويتضجر، فقال له: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على كتفك، بين الحجارة وبين جسمك كان ألين وأيسر، فحل ﷺ إزاره، ولم يكن قد تعود حل الإزار، وتصور أنه عريان، وما هو بعريان، وتصور الناس ينظرون إليه، ينتقصون بذلك من كرامته، فسقط على الأرض مغشيا عليه، وما أفاق إلا وهو يقول: إزاري إزاري. أريد أن أربط إزاري، فربطه وما حله أمام الناس بعد. بل كان إذا أراد قضاء حاجته ترك رفقته وأبعد، ولم يكتف بالبعد بل يتستر بحائط أو كومة شجر، ثم يقضي حاجته، ولم تكن الدور محكمة البناء ذات حجرات وحمام خاص، كما هو الحال اليوم، فكيف كان يغتسل ﷺ في خيمته أو في فناء داره؟ هذا ما تحدثنا عنه أم هانئ بنت عمه أبي طالب، والتي كان رسول الله ﷺ يعزها ويستريح في بيتها قبل الهجرة، ونزل فيه لحظات يوم الفتح، ثم عاد إلى القبة التي ضربت له عند شعب أبي طالب حيث حصر هو وأهله، جاءته أم هانئ يوم الفتح في خيمته، فوجدته يغتسل وقد أقام ساترا تمسك به فاطمة ابنته، فسلمت عليه، فرد السلام، وكان الساتر كثيفا، فلم يعرف من التي تسلم، فقال: من هذه؟ قالت: أم هانئ. فقال: مرحبا بأم هانئ. فلما فرغ من غسله، التحف في ثوبه، ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى، فلما انصرف من صلاته قالت: يا رسول الله، أتاني يوم الفتح حموان لي فأجرتهما، فجاء ابن أبي وأمي -تقصد عليا بن أبي طالب- يريد قتلهما [كانت زوجة لهبيرة وكان له أولاد من غيرها، منهم ولدان قاتلا خالدا ولم يقبلا الأمان ولا إلقاء السلاح، فلما تم دخول مكة لجأ إلى أم هانئ يستجيران بها، وذهب خلفهما أخوها علي، يريد قتلهما فذهبت إلى رسول الله ﷺ ] فقال لها رسول الله ﷺ "قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت يا أم هانئ". أما حديثه ﷺ عن محافظة إخوته الأنبياء على ستر العورة فيتمثل في قصة موسى ﵇، وقومه بني إسرائيل. لقد كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى عورة بعض، وكان موسى ﵇، يغتسل وحده، حتى لا يراه أحد، أو ينكشف على عورته إنسان. فقال بعضهم لبعض: ما لموسى لا يغتسل معنا؟ لا نظنه إلا أنه يخفي عيبا علينا، إن به مرضا في خصيتيه يخشى أن نراه فنعيره به لو كان سليما لما تحرج من مشاركتنا والاغتسال معنا، وشاءت حكمة الله أن يبرئ موسى مما قالوا، ويثبت لبني إسرائيل أن موسى كان عند الله وجيها وأنه رسول الله، وعلى يديه تظهر المعجزات الخارقات، شاءت حكمة الله أن يعوض موسى على صبره على إيذاء قومه خيرا، شاءت حكمة الله أن يسخر حجرا يقوم بمهمة دفع الأذى والطعن عن نبي الله. ولقد قام الحجر بما أمر، فما إن خلع موسى ثيابه

стр. 980

ليغتسل في النهر، وما إن وضعها عليه حتى جرى الحجر بالثياب، وجرى موسى خلفه ينادي. هات ثوبي يا حجر. أعطني ثوبي يا حجر، وكلما قرب موسى من الحجر كلما فر الحجر أمامه، يوهم موسى أنه سيدركه حتى وصل به إلى الملأ الذين آذوا موسى باتهامهم له في خلقته، ووقف الحجر بينهم، ودخل موسى إلى الحجر عندهم، فرأوه سليما معافى خاليا من العيوب مبرأ من العاهات، وأخذ ثيابه فلبسها، ثم أخذ يضرب الحجر مؤدبا، وراع بني إسرائيل أن الضربات الست التي ضربها موسى للحجر قد أثرت فيه وعلمت وهبطت أماكن الضرب عن غيرها، وغاصت في الحجر الصلب، فصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وهدانا الصراط المستقيم. -[المباحث العربية]- (عن أم هانئ) أخت علي بن أبي طالب شقيقته ﵄، فهي ابنة عم النبي ﷺ ، أسلمت يوم الفتح، واسمها فاختة، وقيل: فاطمة، وقيل: هند كنيت بابنها هانئ بن هبيرة. (أتيت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة) دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح من أعلاها من الموضع المسمى "كداء" وضربت له قبة هناك، بدار أم هانئ في هذه المنطقة، فاغتسل وصلى، ثم عاد إلى قبته، فمجيء أم هانئ إليه من بيت آخر لها إلى بيتها الذي نزل فيه، وسبب مجيئها ما مر في المعنى العام من أنها جاءت تطلب منه أن يجير من أجارت. (قام رسول الله ﷺ إلى غسله) الراجح أنها جملة حالية بتقدير "قد" كما قيل في قوله تعالى ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠] والتقدير: أتيت رسول الله ﷺ حالة كونه قائما إلى غسله، وكونها مستأنفة بعيد. (ثم صلى ثمان ركعات) بفتح النون، وفي رواية للبخاري "ثمانى" بفتح الياء مفعول "صلى" وتثبت ياء "ثمانى" عند الإضافة كما تثبت ياء القاضي، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب. (سبحة الضحى) السبحة بضم السين، وإسكان الباء، هي النافلة، سميت بذلك للتسبيح الذي فيها. (فصلى ثمان سجدات) المراد ثمان ركعات، وسميت الركعة سجدة لاشتمالها عليها، من إطلاق الجزء وإرادة الكل. مجاز مرسل. (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل) يجوز في الفعل الجزم على أن "لا" ناهية، وتكسر الراء للتخلص من التقاء الساكنين، ويجوز الرفع على أن "لا" نافية، وهي في النهي أبلغ، إذ فيه ادعاء أن المنهي عنه قد امتثل، وأصبح يخبر عنه بعدم الوقوع. و"العورة" كل ما يستحى منه إذا ظهر، والمراد منها هنا ما بين السرة والركبة، أو السوأتان على ما سيأتي في فقه الحديث.

стр. 981

(ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد) أي لا يخلو الرجل إلى الرجل ولا يدخل معه في ثوب واحد. (لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل) بضم العين وسكون الراء، وبكسر العين وإسكان الراء، وبضم العين وفتح الراء وتشديد الياء، قال النووي: وكلها صحيحة. (كانت بنو إسرائيل) أي جماعتهم، وهو كقوله تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ [الحجرات: ١٤] فتأنيث الفعل على قول من يقول: حكم ظاهر الجمع مطلقا حكم ظاهر المؤنث غير الحقيقي، وأما على قول من يقول: كل جمع مؤنث، إلا جمع السلامة المذكر فتأنيثه على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة. (يغتسلون عراة) جمع "عار" كقضاة وقاض، وانتصابها على الحال. (ينظر بعضهم إلى سوأة بعض) الجملة في محل النصب على الحال و"السوأة" العورة المغلظة، أي القبل والدبر، سميت بذلك لأن صاحبها يسوؤه كشفها. (وكان موسى ﵇ يغتسل وحده) أي منفردا، فلفظ "وحده" حال على التأويل. (إلا أنه آدر) بهمزة ممدودة؛ ثم دال ثم راء مخففتين. قال في المنتخب: الأدرة فتق يكون في إحدى الخصيتين، وفي المخصص لابن سيده: الأدرة الخصية العظيمة، وفي المحكم: الآدر والمأدور هو الذي يصيبه فتق في إحدى الخصيتين. (فجمح موسى بإثره) قال ابن سيده: يقال: جمح الفرس بصاحبه جمحا وجماحا ذهب يجري جريا عاليا، وكل شيء مضى ليس على وجهه فقد جمح، والإثر بكسر الهمزة وسكون التاء، وبفتح الهمزة والثاء: البقية وما تخلف عن الشيء، أي مضى موسى مسرعا مقتفيا الحجر، ومتتبعا آثاره قبل أن يغيرها الريح، كناية عن السرعة وعدم الإمهال. (يقول: ثوبي حجر. ثوبي حجر) "ثوبي" مفعول به لفعل محذوف أي أعطني ثوبي، أو رد لي ثوبي، و"حجر" منادى مبني على الضم في محل نصب، وفي رواية البخاري "ثوبي يا حجر" والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة "يقول" في محل النصب على الحال من فاعل "جمح" قال الحافظ ابن حجر: وإنما خاطبه لأنه أجراه مجرى العقلاء، لكونه فر بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان فناداه. (والله ما بموسى من بأس) "بموسى" خبر مقدم، و"بأس" مبتدأ مؤخر و"من" زائدة، والبأس: الشدة والضر، والمقصود ليس به ما كنا نظنه فيه من عيب خلقي. (فقام الحجر حتى نظر إليه) أي توقف الحجر عن الجري حتى نظر القوم إلى موسى

стр. 982

وسوأته، أي لم يكتف برؤيتهم لموسى وهو يجري، بل أوقف الله الحجر وموسى عندهم ليتأكدوا من براءته مما آذوه به. (فطفق بالحجر ضربا) "طفق" بكسر الفاء وفتحها، لغتان، وهي من أفعال المقاربة وتدل على الشروع، والباء زائدة، و"الحجر" مفعول به لفعل محذوف أي يضرب الحجر ضربا، والجملة خبر "طفق" والمعنى جعل وأقبل وصار ملتزما بضرب الحجر. قيل: يحتمل أنه أراد بضربه إظهار المعجزة بتأثير ضربه فيه، ويحتمل أنه أوحى إليه أن يضربه لإظهار المعجزة. (إنه بالحجر ندب) اسم "إن" ضمير الحال والشأن، و"بالحجر ندب" خبر ومبتدأ والجملة خبر "إن" والندب بفتح النون والدال هو الأثر. (ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر) "ستة أو سبعة" خبر مقدم و"ضرب موسى بالحجر" مبتدأ مؤخر، والباء زائدة في مفعول المصدر. (لما بنيت الكعبة) أي لما بدأ بناؤها، والكعبة ذاك البيت المبني في الحرم المكي، سميت بذلك لعلوها وارتفاعها، ومنه الكعب للعظم البارز في القدم، وقيل: لاستدارتها وعلوها، ومنه قيل: للفتاة كاعب، إذا برز ثديها واستدار، وقيل: لأنها مكعبة الشكل طولها مثل عرضها مثل ارتفاعها. (اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة) وفي رواية "على عنقك" وفي رواية "على منكبك" والعاتق ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر، وبعض العرب يؤنثه، وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يعرف. وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تذكر وتؤنث: وهاك من الأعضاء ما قد عددته ... يؤنث أحيانا وحينا يذكر لسان الفتى، والعنق، والإبط، والقنا ... وعاتقه. والمتن والضرس يذكر وعندي ذراع، والكراع، مع المعا ... وعجز الفتى، ثم القريض المحبر كذا كل نحوي حكى في كتابه ... سوى سيبويه وهو فيهم مكبر يرى أن تأنيث الذراع هو الذي ... أتى، وهو للتذكير في ذاك منكر (فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء) أي فسقط رسول الله ﷺ إلى الأرض مغشيا عليه، أي مغمى عليه، وذلك لظنه انكشاف عورته، و"طمحت عيناه" بفتح الطاء والميم أي ارتفعت إلى السماء. (لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة) "المنكب" بفتح الميم وسكون النون وكسر الكاف مجتمع رأس الكتف مع العضد، وجواب "لو" محذوف إن كانت شرطية، وتقديره: لكان أسهل عليك، وإن كانت للتمني فلا حذف، والمراد: وضع الإزار على المنكب ليكون حائلا بين الحجارة والكتف تخفيفا لصلابة الحجارة على الكتف.

стр. 983

(أقبلت بحجر أحمله ثقيل) "ثقيل" صفة "حجر" وجملة "أحمله" صفة أخرى، والصفة المفردة أولى بالتقديم من الجملة، لكنه هنا على خلاف الأولى. (هدف) بفتح الهاء والدال: كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل. (أو حائش نخل) قال النووي: بالحاء والشين، وقد فسره في الكتاب بحائط النخل وهو البستان، وهو تفسير صحيح، ويقال فيه أيضا: حش بفتح الحاء وضمها. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من هذه الروايات]- ١ - حرمة كشف العورة أمام الناس، وعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وعورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة. قال النووي: وفي السرة والركبة نفسيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها: ليستا بعورة، والثاني: هما عورة. والثالث: السرة عورة، والركبة ليست بعورة. وعورة المرأة مع محرمها -وهو الذي لا يباح له نكاحها- ما بين السرة والركبة على الصحيح، وقيل: لا يحل له إلا ما يظهر في حال الخدمة والتصرف. وعورة الرجل أمام محارمه ما بين السرة والركبة، وأما عورة المرأة مع الأجنبي فجميع بدنها، وعورة الرجل مع المرأة الأجنبية جميع بدنه كذلك. قاله النووي. اهـ. وهذا الذي ذكره هو مذهب الشافعية، لم يشذ منهم عن ذلك إلا الإصطخري، حيث قال: إن عورة الرجل هي القبل والدبر. كما أنه هو مذهب أبي حنيفة، ومالك في أصح أقواله، وأحمد في أصح روايتيه وأبي يوسف ومحمد وزفر. وعن أحمد في إحدى الروايات، ومالك في رواية عنه أن عورة الرجل هي القبل والدبر فقط. وبه قال أهل الظاهر وابن جرير، قال ابن حزم في المحلى: والعورة المفروض سترها عن الناظر وفي الصلاة من الرجال الذكر وحلقه الدبر فقط، وليس الفخذ منه عورة، وهي من المرأة جميع جسدها، حاشا الوجه والكفين فقط. اهـ. ومما احتجوا به الرواية السادسة والسابعة من روايات الباب، وفيهما أن النبي ﷺ حل إزاره، ووضعه على عاتقه، فكشف بذلك عن فخذيه. كما احتجوا بما رواه البخاري "عن أنس أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ النبي ﷺ ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى أني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ". قالوا: ظاهره أن المس كان بدون حائل، ومس العورة بدون حائل لا يجوز وحيث جاز المس لم تكن عورة، وقالوا: لو كانت الفخذ عورة ما حسر الإزار عنها.

стр. 984

كما احتجوا بما رواه الطحاوي عن حفصة قالت "كان رسول الله ﷺ ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر، فاستأذن، فأذن له ﷺ على هيئته ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبي ﷺ على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له، ثم أخذ رسول الله ﷺ ثوبه فجلله، قالت: فقلت: يا رسول الله. جاء أبو بكر وعمر وعلي وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان جللت بثوبك، فقال: "أو لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة"؟ . وأجاب الجمهور عن هذه الأدلة بأن روايتي بناء الكعبة كانت قبل النبوة، فقد قال ابن بطال: كان عمره ﷺ خمس عشرة سنة، وقال الزهري: لما بنت قريش الكعبة لم يبلغ النبي ﷺ الحلم، وقال هشام: بين بناء الكعبة والمبعث خمس سنين، والمشهور أن بناء الكعبة بعد تزوج خديجة بعشر سنين، فيكون عمره ﷺ إذ ذاك خمسا وثلاثين، فبناء الكعبة قبل البعثة، ولا يستدل بمثل هذا العمل في التشريع. وأجابوا عن حديث أنس في خيبر بأنه ليس فيه التصريح بأن المس كان بدون حائل فلا يصح الاستدلال به لتطرق الاحتمال إليه، ولو سلم أنه كان بدون حائل فتلك كانت حالة زحام وشدة، فانكشاف الفخذ كان على غير قصد، يدل لذلك رواية مسلم "فانحسر الإزار عن فخذ رسول الله ﷺ "وفي بعض روايات البخاري "فحسر الإزار عن فخذ رسول الله" بالبناء للمجهول ولو سلم القصد فإن هذه قضية معينة في وقت خاص وحالة خاصة، يتطرق إليها من الاحتمال ما لا يتطرق للأحاديث الآتية التي تعطي حكما كليا بأن الفخذ عورة. وأجابوا عن حديث الطحاوي بأنه على هذا الوجه غريب. قال أبو عمر: الحديث الذي رووه عن حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقي: قال الشافعي: والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه. وقال الطبري: والأخبار التي رويت عن النبي ﷺ أنه دخل عليه أبو بكر وعمر، وهو كاشف فخذه واهية الأسانيد، لا يثبت بمثلها حجة في الدين، والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ والنهي عن كشفها أخبار صحاح. اهـ. وقد روى جماعة من أهل البيت حديث الطحاوي على غير الوجه الذي رواه. فقد أخرج مسلم عن سعيد بن العاص أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان ﵁ حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عمر ﵁، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر، كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته". وأخرجه الطحاوي أيضا، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلا. اهـ.

стр. 985

قال العيني: فإن قلت: روى مسلم أيضا في صحيحه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته، كاشفا عن فخذيه -أو ساقيه- فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ ، وسوى ثيابه فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش له، ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله، فلما دخل عثمان جلست وسويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"؟ قلت: قال الشافعي: إن هذا مشكوك فيه، لأن الراوي قال: "فخذيه أو ساقيه" وقال أبو عمر: هذا حديث مضطرب. والأحاديث التي استدل بها الجمهور على عورة الفخذين كثيرة، منها ما أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان في صحيحه، والترمذي وحسنه وصححه عن ابن جرهد الأسلمي عن أبيه أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ "غط فخذك فإنها من العورة" ومنها ما رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن أبي كثير مولى محمد بن جحش ﵁ قال "كنت أصلي مع النبي ﷺ ، فمر على معمر وهو جالس عند داره بالسوق، وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر. غط فخذيك فإن الفخذين عورة" ومنها ما رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال "الفخذ عورة". أما مذاهب العلماء في عورة المرأة فقد قال القاضي عياض من المالكية: وعورة المرأة على الأجنبي ما عدا الوجه والكفين. وقيل: ما عدا الوجه. اهـ وقال الأبي: قال أبو عمر: وقيل: ما عدا الوجه والكفين والقدمين. قال القاضي عياض: وعورتها على ذي المحرم ما سوى الذراعين، وما سوى ما فوق المنحر، وعورتها على المرأة المسلمة عورتها على ذي محرم، وقيل كالرجل مع الرجل. ثم قال: وتستر الحرة في الصلاة ما سوى الوجه والكفين وقال أحمد: تستر حتى الظفر وأجمعوا على أنها تعيد الصلاة إن صلت منكشفة الرأس. واختلفوا في كشف بعضه، فقال الشافعي: إن كشفت بعضه تعيد، وقال أبو حنيفة: إن كشفت أقل من ربعه لم تعد، وكذلك أقل من ربع بطنها أو فخذها، وقال أبو يوسف: لا تعيد في أقل من النصف، وقال مالك: تعيد في الوقت في القليل والكثير من ذلك، وكذا لو صلت منكشفة الصدر والقدمين. وعند المالكية خلاف طويل في ستر العورة في الصلاة، قيل: الستر فيها واجب وشرط في صحة الصلاة، والكشف حرام، وقيل: الستر واجب وليس شرطا في صحة الصلاة، وقيل: كشفها في الصلاة مكروه. أما الشافعية والحنفية وعامة الفقهاء وأهل الحديث فإن ستر العورة عندهم فرض في الصلاة، وشرط في صحتها، فرضها ونفلها. وأما كشف العورة في حال الخلوة ففيه خلاف. قال النووي: كشف الرجل عورته في حال الخلوة
следующие страницы →