وابن المُسَيَّب، ووجهها أن يكون منسوبأ إلى الدُّرّ، وفتح الدال من تغيّر
النسب، ويكون وزنه " فَعْلِيّاً "، ويحتمل أن يكون من الدَّرء، فوزنه
" فَعِّيل "، فدخله التسهيل والإدغام.
وأما قراءة الكسر مع تشديد الياء فقرأ بها الزُّهري، ووجهها أن
يكون منسوبا إلى الدُّرِّ كما تقدّم، وكسر الدال من تغيّر النسب، فوزنه
" فِعْلِيّ "، ويحتمل أن يكون " فِعِّيلاً " من الدَّرء، ودخله التسهيل والإدغام
كما تقدم.
وأما قراءة الضئم مع المدّ والهمز فقرأ بها حمزة وأبو بكر أحد راويَي
عاصم، ووجهها أن يكون مأخوذا من الدَّرْء، وهو الدفع، لأنه يدفع
الظلمة بضَوئه، ووزنه " فُعِّيل "، وهو وزن غريب، فمن أثبته - وهو الظاهر من سيبويه، وأبي علي جعل منه مُرِّيقأ وهو العُصْفُر، ويقال له
الإحريض، وسُرِّيّة: وهي الأَمَة التي بَؤَأْتَها بيتاً، فيمن جعلها مشتقّة من
السُّرُّور، فيكون أصله سُرِّيراً، فأبدل من أحد المضاعَفين ياء وأدغمه في
ياء " فُعِّيل "، ومُرِّيخاً للذي في داخل القرن، وعُلَيّة للغرفة، وذُرَيّة: نسل
الثَّقَلين.
ومن لم يثبت " فُعِّيلاً " في الكلام أَوَّلَ هذه الأشياء، وقال في
стр. 72
دُرِّيء: وزنه " فُعُّول " كسُبُّوح، وكان الأصل فيه دُرُّوء ثم استثقل، فحوّلت الضمة في الراء كسرة والواو ياء، فقيل دُرِّيء.
وأما مُرَيق فالقول فيه كالقول في دُرِّيء، أو يكون لقلته لم يُعْتَدَّ به.
أما سُرِّيَّة فهي " فُعْليّة " منسوبة إلى السَرّ وهو الجماع والإخفاء، لأن الإنسان كثيراً ما يُسِرُّها
ويَسْتَرُّها عن حُرَّته، وإنّما ضُمَّت سينه لأجل النسب.
وأما مرِّيخ فقد قيل وزنه " فِعِّيل " بكسر الميم.
وأما علِّيّة فقد قيل فيه أيضاً " فِعِّيلة " بكسر العين.
وأما ذُريَّة فيحتمل أن يكون وزنه " فُعلولة " من الذَّرّ، والأصل
ذُرُّورة، فأبدلوا من الراء الأخيرة ياء لأجل التضعجف، فقالوا: ذُرُّوية، ثم
قلبوا الواو ياءً وأدغموها في الياء فصار ذرِّيَّة، فحؤلوا الضمّة كسرة لأجل
الياء، وسيأتي الكلام على " ذرّيَّة " بعد هذا.
وأما قراءة فتح الذال مع المدّ والهمز فقرأ بها قتادة، وأبان بن
عثمان، وابن المسيّب، وأبو رجاء، وعمرو بن فائد، والأعمش.
ونصر بن عاصم، ووجهها أنها " فَعِّيل " من الدَّرء، قال ابن جني: وهو
وزن عزيز لم يُحفظ منه إلا السَّكَينة بفتح السين وشدّ الكاف.
стр. 73
وأما قراءة كسر الدال مع المد والهمز فقرأ بها أبو عمرو، والكسائي.
ووجهها أنها " فِعِّيل " من الدَّرء، وهو وزنٌ كثير في الأسماء، كسِكّين.
وسِكّير.
تتميم:
الكوكب هو النجم البادي، ولا يقال له كوكب إلا عند ظهوره، قاله
الراغب.
وكوكبُ الشيء: معظمه. وكوكبُ الروضة: نورها.
وكوكبُ الحديد: بريقه.
والكوكب: البياض في سواد العين، ذهب البصر أو لم يذهب.
والكوكب: قطرات الجليد التي تقع على البَقل بالليل.
والكوكب: شدة الحرّ ومعظمه.
والكوكب: الماء.
والكوكب: السيف.
والكوكب: سيّد القوم.
والكوكب: الرجل بسلاحه.
والكوكب: المَحْبِس.
والكوكب: الجماعة من الناس.
والكوكب: المسمار.
والكوكب: الخطّة تخالف لون أرضها.
والكوكب: عين البئر، والكوكب: الجبل.
قال الأزهري: سمعنا غير واحد من العرب يقول للزُّهرة من
بين الكواكب: كوكبة، يؤنثها، وسائر الكواكب تذكر.
قال الضحّاك: والمراد بالكوكب في الآية: الزُّهرة. شبَّه الزجاجة بها
في ضوئها وشعاعها.
стр. 74
وهنا تنبيه: وهو أن كوكبا وزنه " فوعل "، والواو زائدة، فكان حقّ
الجوهري أن يذكره في فصل " ككب" لا في فصل " كوكب"، والله أعلم.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " ص ": (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)
قرئ بضمّ الدال من (ص) وفتحها وكسرها.
فأما قراءة الضئم فقرأ بها الحسن، وابن السَّمَيْفَع، وهارون الأعور.
وتوجيهُها: أنّ من قال: إن " صاداً " اسم للسورة، فيكون خبرَ مبتدأ
محذوف، أي: هذه صاد، ومنع الصرف للتأنيث والعلميّة.
ومن قال: إنه حرف مقتطع من كلمةٍ: أمّا من الصَّمَد والصادق، أو من صدق محمد، فلا محلَّ له من الإعراب.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها عيسى، ومحبوب عن أبي عمرو، ووجههما
стр. 75
أنه فتح طلباً للخفّة، فالحركة حركة بناء.
وقيل: إنه معرب وانتصب على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم، نحو: اللهِ لأفعلَنّ، وهو على هذا اسم للسورة، وامتنع الصَّرف لما تقدّم.
وقيل: هو مفعول بإضمار فعل، أي: اتلُ صادَ، وهو لا ينصرف.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها أبى، والحسن، وابن أبي إسحاق.
وأبو السمَّال، وابن أبي عبلة، ونصر بن عاصم، ووجهها أنه كسر لالتقاء
الساكنين، فهو حرف من حروف المعجم، وقيل: هو أمر من صادَى
يُصادي، بمعنى عارض، والمعنى عارِضْ يا محمّد بعملك القرآن.
وقرأ السبعة (صادْ) بإسكان الدال، ووجهها أن حروف المعجم لا يدخلها إعراب، وهي موقوفة الآخر.
تتميم:
واختلفوا في جواب القسم اختلافاً كبيراً:
فقيل: هو مذكور. واختُلِفَ في تعيينه: فقيل: (إِنَ ذَلِكَ لحقٌّ)
وقيل: (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ) : وقيل: (كَمْ أَهْلَكْنَا)
على حذف اللام، أي: لكم. وقيل: (ص) . والتقدير: والقرآن ذي الذكر صدق محمد، وهذا مبنى على تقدم جواب القسم، وعلى أنّ (ص) حرفٌ
مُقتطع.
стр. 76
وقيل: الجواب محذوف، واختلف في تقديره، فقيل: تقديره: لقد
جاءكم الحقّ.
وقيل: تقديره: إنه لمعجز.
وقيل: ما الأمر، ما تزعمون.
قال الشيخ أبو حيَّان: وينبغي أن يقدّر هنا ما أثبت جواباً للقرآن حين
أقسم به، وذلك في قوله تعالى: (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)
فيكون التقدير: والقرآن ذي الذِّكر إنّك لَمِن المرسلين.
قال: ويُقَوّي هذا التقدير ذكر النِّذارة هنا في قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ) ، وقال هناك: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا) ، فالرسالة تتضمّن النِّذارة. انتهى.
قلت: وهذا الذي استنبطه الشيخ حسن جدّاً، ونظيره ما استنبطه
ابن جنّي من قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا) ، فيمن قرأ بالنصب.
حين اختلف النحاة في الناصب، فقال قوم: التقدير: اقرأ.
وقال قوم: اتلُ.
قال ابن جنّي: ينبغي أن يكون التقدير: تدبّر سورة، كقوله تعالى:
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) .
стр. 77
حرف الذَّال
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " البقرة ": (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)
قرئ بضمّ الذّال وفتحها وكسرها:
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة، ووجهها أنها تحتمل أن تكون مشتقّة
من ذَرَيْت، أو من ذَرَوْت لغة في ذريت، أو من ذرأَ الله الخلق، أو من
الذَّرّ. إذا تقرّر هذا فيحتمل ذُرّيّة بضمّ الذال أوجها:
الأوّل: أن تكون " فُعُّولة " من ذرأ الله الخلق، الأصل ذُرُّوءة، فقُلبت
الهمزة ياء، صار ذُرُّوية، اجتمعمتا الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون
فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وكسرت الراء لأجل الياء.
الثاني: أن تكون " فُغَيلة " من: ذرأ الله الخلق، الأصل ذُرِّيئة، قلبت
стр. 78
الهمزة ياء تخفيفاً، ثم أدغموا الياء في الياء.
الثالث: أن تكون " فُعّولة " من ذَرَوْت، الأصل ذُزُووة، أبدلت الواو
الأخيرة ياء، فصارت ذُرُّوية، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما
بالسكون، فصنع به ما تقدّم من قلب الواو ياء وإدغام الياء في الياء، فصار
ذُزُيّة، ثم كسرت الراء لأجل الياء بعدها.
الرابع: أن تكون " فُعِّيلة " من ذَرَوْت، الأصل ذُرِّيوة، اجتمعت الواو
والياء وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في
الياء، فقيل ذُرِّيّة.
الخامس: أن تكون " فُعُّولة " من ذريت، الأصل ذُرُّوية، ثم أبدلت الواو
ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسرت الراء لأجل الياء.
السادس: أن تكون " فُعِّيلة " من ذريت، الأصل ذُرِّيية، وأدغمت الياء
في الياء.
السابع: أن تكون " فُعْلِيّة " من الذّرّ، وهو مفرد كقُمْرِيّة، فالياء زائدة
لا للنسب.
الثامن: أن تكون " فُعْلِيّة " على وجه النسب إلى الذَّرّ، فالياء للنسب.
وضمّ الذّال من تغيّر النسب، كما قالوا في النسب إلى الدَّهْر: دُهري.
التاسع: أن تكون " فُعِّيلة " كمُرِّيقة، الأصل ذُرِّيرة، فقلبت الراء
الأخيرة ياء، كما قالوا في تَسَرَّرْتُ: تَسَرَّيْتُ، وأدغمت الياء في الياء.
стр. 79
العاشر: أن تكون " فُعّولا " كسُبوح وقُدوس، الأصل ذُرُّورة، أبدلت
الراء الأخيرة ياء، ثم فعل به ما تقدَّم من الإبدال والإدغام وكسر الراء.
الحادي عشر: أن تكون " فُعلولاً " كقُردودة، الأصل ذُرُّورة، أبدلت
الراء الأخيرة ياء، ثم فعل به ما تقدّم من الإبدال والإدغام وكسر الراء.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها أبو جعفر، ووجهها أنّها تحتمل أوجها:
الأول: أن تكون " فَعِّيلة " من ذرأ، مثل سَكّينة بتشديد الكاف لغة في
السَّكِينة بتخفيفها، الأصل ذَرِّيئة بالهمز، فخففت الهمزة بإبدالها ياء، ثم
أدغمت الياء في الياء فصار ذَرِّيّة.
الثاني: أن تكون " فَعُّولة " من ذرأ، كخَرُّوبة، الأصل ذَزُوءة، أبدلت
الهمزة ياء بدلا مسموعاً، وقلبت الواو ياء، وأدغمت إحداهما في
الأخرى، ثم كسرت الراء لأجل الياء.
الثالث: أن تكون " فَعِّيلة " من ذروت، الأصل ذَرِّيوه، اجتمعت الواو
والياء سبقت إحداهما بالسكون، قُلبت الواو ياء، وأُدغمت الياء في الياء.
فصار ذَريَّة.
الرابع: أن تكون " فَعُّولة " من ذروت، الأصل ذرُّورة، أبدلت الراء
الأخيرة ياء، واجتمعتا الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلِبَت
الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسرت الراء لأجل الياء.
стр. 80
الخامس: أن تكون " فَعِّيلة " من ذريت، الأصل ذَرِّيية، أُدغمت الياء في الياء.
السادس: أن تكون " فَعُّولة " من ذريت، الأصل ذَرُّوية، اجتمعت الواو
والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في
الياء، وكسرت الراء لأجل الياء.
السابع: أن تكون " فَعْلِيّة " من الذّرّ، كبَرْنيّة، والياء زائدة لا للنَّسَب.
الثامن: أن تكون " فَعْلِيّة " والياء للنَّسَب.
التاسع: أنْ تكون " فَعُّولة " كخَرُّوبة من الذَّرّ، والأصل ذَرورة، قُلبت
الراء الأخيرة ياء، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون.
فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، وكسرت الراء من أجل الياء.
العاشر: أن تكون " فَعِّيلة " كسَكِّينة من الذَّرِّ، والأصل ذَرّيرة، قلبت
الراء الأخيرة ياء، وأدغمت الياء في الياء.
الحادي عشر: أن تكون " فَغُولة " كثَلُّولة الأصل ذرّورة، أبدلت الراء
الأخيرة ياء، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت
الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسرت الراء لأجل الياء.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها زيد بن ثابت، ووجهها أنها تحتمل أوجها:
الأول: أن تكون " فِعِّيلة " من ذرأ الله الخلق، الأصل ذِرِّيئة، فقلبت
الهمزة ياء تخفيفاً، وأدغمت الياء في الياء.
стр. 81
الثاني: أن تكون " فِعَّيلة " من ذروت، والأصل ذِرِّيوة، اجتمعت الواو
والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت وأُدغم.
الثالث: أن تكون " فِعَّيلة " من ذَرَيت، الأصل ذِرَّيية، فأدغمت الياء في
الياء.
الرابع: أن تكون " فِعْلِيّة " منسوبة إلى الذرّ على غير قياس.
الخامس: أن تكون " فِعليّة " من الذَّرّ، والأصل ذرّيرة، فقلبت الراء
الأخيرة ياء، وأدغمت الياء في الياء.
السادس: أن تكون " فِعليلة " كحِلتيت، وهو صمغ، الأصل: ذِرّيرة.
قلبت الراء الأخيرة ياء، وصنع ما تقدم.
فهذه ثمانية وعشرون وجهاً:
مع ضمّ الدال أحد عشر وجهاً.
ومع الفتح كذلك.
ومع الكسر ستة.
وأما من قال في ذرّيَّة: ذَرْية على وزن جَفْنة، فهي من ذريت لا غير.
تتميم:
الذرّيّة لغة: نَسْلُ الثقَلَين، وقد تقدّم اشتقاقه، فمن قال إنّها من ذرأ الله
الخلق بمعنى خلقهم، قال: إنما سُمّوا ذُرّيّة لأنهم مخلوقون.
ومن قال إنّها من الذَّرّ قال: إنّ الله لما مسح على ظهر آدم خرجوا كالذَّرّ. ومن قال إنّها من ذروت أو ذريت قال: سُمُّوا بذلك لسرعتهم وعجلتهم في
الأشياء، وخلق الإنسان عجولاً.
стр. 82
والجار والمجرور من قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) يتعلق بمحذوف، التقدير: واجعلْ فريقاً من ذُرِّيَّتِي إماماً، فحُذف الفعل والمفعولان لدلالة ما تقدّم عليه.
стр. 83
حرف الرَّاء
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " البقرة ": (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا)
قرئ برفع الراء وفتحها وكسرها مع التشديد:
أما قراءة الرفع فقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأبان عن
عاصم، ووجهها أنه مرفوع على الخبر اللفظي، وهو في المعنى أمر، إذ
لو كان خبراً لفظاً ومعنى لم يقع فيه خُلف، والخُلف واقع وهو الضَّرَر.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها أن (لا) ناهية.
و (تضارّ) مجزوم بها، فسكنت الراء الأخيرة للجزم وسكنت الأولى
للإدغام، فالتقى ساكنان، فحُرِّكت الأخيرة منهما بالفتح طلباً للخفّة
ومناسبة الألف قبلها.
стр. 84
وأما قراءة الكسر فقرأ بها الحسن، ووجهها وجه قراءة الفتح، إلاّ أنه
كسرت الراء على أصل التقاء الساكنين.
وفيه قراءة غير ما ذكر: قرأ أبو جعفر (لا تضار) بسكون الراء مع
التشديد، وحكي عنه بالتسكين مع التخفيف.
وعن ابن عبّاس ﵄ أنه قرأ بالفكِّ وفتح الراء الأولى.
تتميم:
اعلم أن (لَا تُضَارَّ) المدغم يحتمل أن تكون أصله " لا تضارِر " بكسر
الراء الأولى وفتحها كما قرأ ابن عبّاس.
وإن كان الأصل كسر الراء، ف (والدة) فاعل والمفعول محذوف، والباء في (بولدها) سببيّة.
والتقدير: لا تضارّ والدةٌ زوجَها بسبب ولدها.
وإن كان الأصل بفتح الراء الأولى كما قرأ ابن عبَّاس، ف (والدة) مفعول لم يسمّ فاعله، والباء أيضاً في (بولدها) سببيّة. والله أعلم.
стр. 85
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " آل عمران ": (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)
قرئ بكسر الراء من (رِبِّيُّونَ) وضمِّها وفتحها:
أما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة، ووجهها أنّه منسوب إلى الرَّبّ.
وكسرت راؤه لأجل النسب، لأنه مبنيّ على التغيير، ونظيره قوله: "إمسيّ"
بكسر الهمزة في النسب إلى " أمس " قاله الأخفش.
وقيل: إن كسرة الراء إتباع.
قال الزجّاج: وهو منسوب إلى الرِّبّة: وهي الجماعة، ثم جمع
بالواو والنون.
وقال الجوهريّ: الرِّبّيّ واحد الربّتين، وهم الألوف من
الناس، قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) .
وأما قراءة الضمّ والفتح فقرأ بهما ابن عبّاس، وذلك كلّه من تغيّر
النسب.
وقال ابن جنّي في الفتح: هي لغة.
تتميم:
قرئ في السبع (قاتَلَ) و (قُتِلَ) بالبناء للمفعول وتخفيف التاء.
стр. 86
وقرأ قتادة (قُتَلَ) بالبناء للمفعول وتشديد التاء.
والفعل في هذه القراءات يحتمل أن يكون فاعله ضميراً مستتراً.
والتشديد في قراءة قتادة للتكثير بالنسبة إلى الأشخاص لا لكلِّ فرد فرد، لأن القتل لا يتكثَّر في كلّ فرد.
و (مَعَهُ رِبِّيُّونَ) جملة من مبتدأ وخبر في موضع الحال، والعائد الضمير
في (معه) . ويحتمل أن تكون (رِبِّيُّونَ) هو الفاعل فلا يكون في الفعل
ضمير.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " النساء ": (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)
قرئ برفع الراء من (غَيْرُ) ونصبها وجرّها:
أما قراءة الرفع فقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، ووجهها أنها
مرفوعة على البدل من (القاعدين) ، وقيل: وهو أولى من النعت.
لأنّهم نصَّوا على أن الأفصح بعد النفي البدل، كقوله تعالى: (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) ، ولأجل هذا اجتمع القرّاء السبعة عليه إلاّ
стр. 87
ابن عامر، ثم النصب على الاستثناء كقراءة ابن عامر، ثم الصفة.
فالصفة على هذا في رتبة ثالثة.
ولأنه يلزمُ من إعراب (غير) هنا نعتاً نعتُ المعرفة بالنكرة، لأنّ (غيراً) نكرة وإن أُضيفت إلى معرفة.
ومذهب سيبويه ومن تبعه أن (غيراً) هنا صفة، ويعتذر عمّا يلزمه من وصف المعرفة بالنكرة بأن يقدّر في (القاعدين) الشياع لكونهم غير مُعَيَّنين، فكأنّهم
نكرات، فلذلك وصف بالنكرة، أو يقدّر إخراج (غير) عن وضعها فيقدّر
فيها التعريف، هذا هو مذهب سيبويه وما يلزم عليه.
وأما قراءة النصب فقرأ بها نافع وابن عامر والكسائي وعاصم.
ووجهها أنها استثناء من (القاعدين) وقيل: من (المؤمنين)
وقيل: الأول أظهر، لأنه المُحَدَّث عنه.
وقيل: انتصب على الحال من (القاعدين) .
وأما قراءة الكسر فقرأ بها الأعمش وأبو حَيوة، ووجهها أنها صفة
لـ (المؤمنين) .
стр. 88
فإن قلت: يلزم منه وصف المعرفة بالنكرة؟.
فالجواب ما تقدّم من تقدير الشياع في (المؤمنين) ، أو تقدير التعريف في (غير) ؛ لأنّ سيبويه يرى أنّ كلَّ ما إضافته غيرُ محضة قد يُقصد بها التعريف فتصير مَحضة، إلاّ: الحسن الوجه.
تتميم:
" غير " اسم مفرد مذكّر دائماً، وإذا أُريد به المؤنّث جاز تذكير الفعل
حملاً على اللفظ، وجاز تأنيثه حملاً على المعنى، ومدلوله المخالفة بوجه
ما، وأصله الوصف، ويستثنى به، ويلزم الإضافة لفظاً أو معنى، وإدخال
" أل " عليه خطأ.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنعام ": (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
قرئ بجرّ الراء من (فَاطِرِ) ورفعها ونصبها:
أما قراءة الجرّ فقرأ بها السبعة، ووجهها الجرّ على النعت للفظ
الجلالة، أو على البدل، والبدل أحسن للفصل بين النعت والمنعوت.
ويسهل الفصل بين البدل والمبدل منه لكون البدل على تقدير تكرار
العامل.
стр. 89
وأما قراءة الرفع فقرأ بها ابنُ أبي عَبلة، ووجهها أنه خبر لمبتدأ
محذوف، والتقدير: هو فاطر، وجعله ابن عطيّة مرفوعاً على الابتداء.
والخبر محذوف، واستبعده أبو حيَّان لأنه لا دليل عليه.
وأما قراءة النصب فلم ينسبها أبو حيَّان، ووجهها أنّه منصوب على
أنه صفة لى (وليّ) وتكون الإضافة المراد بها الانفصال، أي: فاطر
السمواتِ والأرض. ويمكن أن يكون بدلاً من (وليّ) .
ونقل عن الأخفش أنه نصبه على المدح، وهو أَخُصّ.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " المص" الأعراف،: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)
قرئ برفع الراء من (غَيْرُهُ) وجرّه ونصبه:
فأما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة إلا الكسائي، ووجهها النعت أو
стр. 90
البدل من (إله) على الموضع؛ لأن (من) زائدة، والأصل: ما لكم إله.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها الكسائي، ووجهها النعت أو البدل على لفظ
(إله) .
وأما قراءة النصب فقرأ بها عيسى بن عمر، ووجهها النصب على
الاستثناء.
والرفع والجرّ أفصح.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الزلزلة " (١) : (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)
قرئ برفع الراء من (النَّارُ)
ونصبها وجرّها.
فأما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة، ووجهها أن (النَّارُ) مرفوعة على
إضمار مبتدأ، أي: هو النار. كأنّ سائلاً سأل: ما الشرّ؛ فقيل له: هو
النار. و (وعدها) إما حال على حذف " قد "، وإما استئناف، وإما خبر
стр. 91
بعد خبر على مذهب من يجوّز ذلك، أخبر أولاً بالاسم، ثم بالجملة.
وقيل: (النَّارُ) مبتدأ، و (وعدَها) الخبر.
وأما قراءة النصب فقرأ بها ابن أبي عبلة، وإبراهيم بن يوسف عن
الأعمش، وزيد بن علي. ووجهها أنها منصوبة على إضمار أعني، كأن
قائلاً سأل: ما تعني بالشرّ؛ فقيل: أعني النار. ويمكن انتصابه على
الاشتغال على من جعل (النَّارُ) في قراءة الرفع مبتدأ.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها ابن أبي إسحق، وإبراهيم بن نوح عن
قتيبة، ووجهها أنها مجرورة على البدل من (شَرٍّ) .
تتميم:
الضمير في (وعدها) يحتمل أن يكون المفعول الأول، فتكون
стр. 92
(النَّارُ) موعودة بالكفار، يؤيّده: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)
ويحتمل أن يكون الضمير المفعول الثاني و (الذين كفروا) هو المفعول الأول، فيكون (الذين كفروا) موعودين بالنار، يؤيِّده قولُه تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ) .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " المؤمنين ": (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) .
قرئ بضمّ الراء من (رَبْوَةٍ) وفتحها وكسرها.
وقرىء أيضاً (رباوة) بضمّ الراء وفتحها وكسرها:
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة إلاّ عاصماً، وابن عامر، وهي لغة
قريش.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها عاصم، وابن عامر، والحسن، وأبوعبد الرحمن.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها أبو إسحق السَّبيعي.
стр. 93
وأما قراءة (رُباوة) بضم الراء والألف فقرأ بها ابن أبي إسحق.
وأما قراءة (رَباوة) بفتح الراء فقرأ بها زيد بن علي، والأشهب
العُقيلي، والفرزدق، والسُّلَمي.
وأما قراءة (رِباوة) بكسر الراء فنقلها الشيخ أبو حيَّان ولم ينسبها.
والكلّ لغات بمعنى واحد. والرُّبوة بالضم أفصحها.
تتميم:
اَوى: معناه: ضمّ. يقال: آواه يُؤْويه إيواء: إذا ضمَّه، وأوى إذا كان
قاصراً فالهمزة في أوّله مقصورة، قال تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) ، وإذا كان متعدياً كانت ممدودة، قال تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا)
وقد اجتمع الأمران في قوله ﷺ : " فأوى إلى الله فآواه الله" هذا هو الأفصح.
стр. 94
والربوة في اللغة: المكان المرتفع، من ربا يربو: إذا ارتفع وزاد، ومنه
قوله تعالى: (زَبَدًا رَابِيًا) ، وقوله تعالى: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) .
واختلف المفسّرون في المراد بالربوة في الآية: فقيل: هي غوطة
دمشق، وهي ذات قرار ومعين على الحقيقة.
وقيل: رملة فلسطين.
وقيل: بيت المقدس لارتفاعه.
زعم كعب: في التوراة أن بيت المقدس
أقرب الأرض إلى السماء، وأنه يزيد على الأرض ثمانية عشر ميلاً.
وقيل: هي أرض مصر. والله أعلم.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " القصص ": (حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ)
قرئ بكسر الراء من (الرِّعَاءُ) وفتحها وضمّها:
فأما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة، ووجهها أن (الرعاء) جمع تكسير.
الواحد راعٍ، وهو شاذّ، لأن وجهه أن يكون رُعاة، كقاضٍ وقضاة، وأخطأ
الزمخشري في جعله قياساً، قاله الشيخ أبو حيَّان.
стр. 95
وأما قراءة الفتح فقرأ بها عيّاش عن أبي عمرو، ووجهها أن الرعاء
- مصدر أقيم مقام الصفة، فاستوى فيه لفظ الواحد والجمع، كعَدل ورِضىً، وقد يحتمل أن يكون على حذف مضاف: أي أهل الرعاء.
وأما قراءة الضمّ فنقلوها ولم ينسبوها، ووجهها أن (الرِّعَاءُ) اسم
جمع كالرُّخال، وهي أولاد الضأن، قاله أبو البقاء.
تتميم:
(الرِّعَاءُ) فاعل بـ (يصدر) ، فمن قرأ بفتح الياء وضمّ الدّال فالفعل
قاصر، والمعنى: حتى يَرْجِعَ الرعاء بأغنامهم.
ومن قرأ بضمّ الياء وكسر الدال فالفعل متعا والمفعول محذوف، والمعنى: حتى يَرْجِعَ الرعاءُ أغنامهم.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الواقعة ": (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) .
قرئ برفع الراء والنون وبجرّهما وبنصبهما.
стр. 96
فأما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة إلا حمزة والكسائي، ووجهها أن
يكون (وَحُورٌ) معطوفاً على (ولدان) أي: ويطوف عليهم حور عين.
لكن طواف تنعيم لا طواف خدمة.
ويحتمل أن يكونَ معطوفاً على الضمير في (مُتكئين) أي متّكئين هم وحور عين، فتكون الحورُ متّكئاتٍ لا طائفات.
ويحتمل أن يكونَ معطوفاً على مبتدأ محذوف هو وخبره.
التقدير: لهم هذا كله وحور عين. ويحتمل أن يكون (حور) خبر مبتدأ
محذوف، تقديره: ونساؤهم حورٌ عين، أو أن يكون مبتدأ وخبرُه
محذوف، أي: ولهم حور، أو ثَمّ حور.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها حمزة، والكسائي، والسُّلَميّ، والحسن.
وعمرو بن عُبيد، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش، وطلحة، والمفضّل.
وأبان عن عاصم، ووجهها أنها معطوفة على المجرور التي يطاف بها
عليهم لفظاً لا معنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ، فيكون التقدير: يُنَعّمون
стр. 97
بحور عين، فهو من باب:
وعَلَفْتُها تِبنا وماء باردا. . .
وقد تقدَّم نظيره. وجعله الزمخشري عطفاً على (جنات) قال: كأنه
قال: هم في جنات وكذا وكذا وحور عين.
قال الشيخ أبو حيَّان: وهذا فيه بعد وتفكيك لكلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي.
وأما قراءة النصب فقرأ بها أُبيّ، وعبد الله، ووجهها أنها منصوبة على
المفعول، أي: ويُعْطَون حُوراَ عيناً. و (عين) تابع لـ (حور) في هذا كلِّه.
تتميم:
وفيها قراءات غير ما ذكرناه:
قرأ النَّخعي (وحِيرِ عينٍ) بقلب الواو ياء، وخفضها.
وقرأ قَتادة (وحورُ عينٍ) برفع الراء وخفض (عين) على الإضافة.
стр. 98
وقرأ ابن مِقْسَم بنصب الراء وخفض (عين) على الإضافة.
وقرأ عكرمة: (وحَوراء عَيناء) .
والحُور جمع حَوراء. يقال: امرأة حوراء: إذا كانت عينها شديداً
بياضُها شديداً سوادُها.
وقال الأصمعي: ما أدري ما الحَوَر في العين.
وقال أبو عمرو: والحَوَر: أن تَسْوَدَّ العينُ كلُّها مثلَ عين الظِّباء.
وإنما قيل للنساء حُور العين تشبيهاً لهن بالظِّباء والبقر.
والعِين جمع عَيناء. يقال: امرأة عيناء: إذا كانت واسعة العَين.
стр. 99
حرف الزَّاي
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " النُّور ": (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ)
قرئ بضمّ الزاي فيهما وكسرهما وفتحهما:
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها أبو رجاء، ونصر بن عاصم.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها ابن أبي عبلة، ونصر بن عاصم في رواية
ابن مجاهد.
وهي كلها لغات بمعنى واحد: فالضمّ لغة أهل الحجاز، والكسر
والفتح لغة قيس.
تتميم:
المِصباح في اللغة: السِّراج، وقيل: السراج أعظم من المصباح،
стр. 100
لإطلاق السِّراج على الشمس، والمصابيح على الكواكب.
والزجاجة: جوهر شفاف معروف.
واختلف المفسّرون في المراد بالمصباح والزجاجة في الآية:
فقيل: المصباح: نبوّة محمد ﷺ ، والزجاجة: قلبه ﷺ .
المصباح: إيمان المؤمن، والزجاجة: قلبه. والله أعلم.
стр. 101
حرف السِّين
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنعام ": (وَأَيوُّبَ وَيُوسُفَ)
قرئ بضمّ السين من (يوسف) وفتحها وكسرها.
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة
وأما قراءة الفتح فقرأ بها الحسن، وطلحة، ويحيى، والأعمش.
وعيسى بن عمر.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها طلحة بن مصرّف، والجَحْدَرِيّ.
وكلُّ هذه القراءات لغات، أفصحها ضمّ السين.
وروي فيه همز الواو مع الحركات الثلاث في السين، ففيه ستّ
لغات.
стр. 102
تتميم:
اختلف في (يوسف) هل هو مشتق أو غير مشتقّ: فالصحيح أنه غير
مشتقّ لعجمته، والاشتقاق من خواصّ كلام العرب، وقيل: هو مشتقّ.
سئل بعضهم عن ذلك فقال: الأسيف في اللغة: الحزين، والأسيف:
العبد، وقد اجتمعا في (يوسف) فلذلك سمّي به. وفي هذا الاشتقاق ما
ترى من التكلُّف وإساءة الأدب.
واعلم أن كلّ ما ذُكِر في القرآن من لفظ (يوسف) فهو يوسف بن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، صدّيق الله، ابن إسرائيل الله، ابن ذبيح
الله (١) ، ابن خليل الله، الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم.
صلوات الله عليهم وسلامه. إلاّ قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ)
فقد اختلف فيه، فقيل: هو يوسف بن يعقوب، وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب، فيوسف هذا حينئذٍ يوسف بن يعقوب والد والده. والله أعلم.
ومن ذلك قوله تعالى في " السورة ": (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)
قرئ بنصب السين من (وَالشَّمْسَ) والراء من (وَالْقَمَرَ) وجرّهما ورفعهما.
стр. 103
(فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)
فأما قراءة النصب فقرأ بها السبعة، ووجهها أنّه من قرأ (وَجَعَلَ اللَّيْلَ) فهما معطوفان على (الليل) . ومن قرأ (وجاعل الليل) فعلى مذهب الكسائي الذي يقول إن اسم الفاعل بمعنى المضي يكونان معطوفين على موضع (الليل) لأن (الليل) عنده في موضع نصب.
وعلى مذهب غيره يكونان مفعولين بإضمار فعل، أي: وجعل الشمس
والقمر.
وأمّا قراءة الجرّ فقرأ بها أبو حَيوة، ووجهُها أنّهما معطوفان على
(الليل) فيمن قرأ (وجاعل) .
وأما قراءة الرفع فلم ينسبها الشيخ أبو حيَّان، وإنما قال: وقرىء
شاذّاً. ووجهها أنهما مرفوعان على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره:
مجعولان حسبانا.
стр. 104
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " المص "الأعراف،: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)
قرئ بفتح السين من (سَمِّ) وضمّها وكسرها:
فأما قراءة الفتح فقرأ بها السبعة.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها عبد الله.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها الأصمعي عن نافع، وهي كلّها لغات.
تتميم:
(السمّ) في الآية: ثقب الإبرة
فيه الفتح والضمّ.
والسمّ: هو القاتل، ذكر الجوهري
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الرحمن ": (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ)
قرئ برفع السين من (نحاس) وجرّها ونصبها:
فأما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة إلا ابن كثير وأبا عمرو، ووجهها أن
(نحاساً) معطوف على (شواظ) وهو ظاهر.
стр. 105
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، وابن أبي إسحاق.
والنَخَعي. ووجهها أنّ (نحاساً) معطوف على (نار) .
وفيه نظر على قول من فسّر (النحاس) بالدُّخان؛ لأنه يلزم منه أن يكون التقدير: وشواظ من دخان، والدخان لا يكون له شواظ وإنما الشواظ للنار، ووجهها أن الدخان لما نشأ عن النار، فكأنّها نار، فيضاف إليها ما يصحّ أن يضاف إلى النار. ومنه قول الفرزدق:
فبِتُّ أقدُّ الزادَ بيني وبينَه. . . على ضوءِ نارٍ مرّةً ودُخانِ
فعطف " ودُخان " على " النار " وليس للدخان ضوء، وإنما حكم له
بالضوء لأن الدُّخان ينشأ عن النار. ومثله قوله:
стр. 106
شرّاب ألبانٍ وتمرٍ وأَقِطْ
والتمر والأَقِط لا يُشربان، لكن حُكِم لهما بحُكْم اللبن لاجتماعهما في
التَغذية.
وأما قراءة النصب فقرأ بها زيد بن علي، وقرأ مع ذلك (ونُرسلُ
عليكما شُواظاً) بضم النون ونصب (شواظ) على المفعول به، فعلى هذا
يكون (ونحاسا) معطوفاً على (شواظ) .
تتميم:
وفيه قراءات غير ما ذكرنا:
قرأ الكَلْبيُّ، وطَلحةُ، ومجاهد (ونِحاسٍ) بكسر النون وخفض السين.
وقرأ ابن جُبير (ونَحْسٌ) بفتح النون وسكون الحاء ورفع السين.
وقرأ حَنْظلةْ كذلك، إلا أنه خفضَ السين.
стр. 107
وقرأ الحسن وإسماعيل (نُحُس) بضمّتين وخفض السين.
وقرأ عبد الرحمن بن أبي بَكِرة (ونَحسُّ) فعل مضارع، ماضيه حَسّ:
أي قتل.
وقرأ ابن أبي إسحق كذلك، وخيَّر في الحركات الثلاث في الحاء.
وقد تقدّم في باب الحاء.
واختلف في (شُواظ) : فقيل: هو لهب النّار. وقيل: اللَّهَب الأحمر.
وقيل: الدُّخان الذي يخرج من اللهب.
واختلف أيضاً فى (النحاس) : فقيل: الدخان. وقيل: الصُّفر
المعروف. والله أعلم.
стр. 108
حرف الشِّين
فمن ذلك قولُه تعالى أفي سورة " الواقعة ": (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) .
قُرىء بضمّ الشِّين وفتحها وكسرها:
فأمّا قراءة الضّمّ فقرأ بها نافع وعاصم وحمزة، ووجهُها أنّه مصدر.
وقيل: اسم لِما شُرِب.
وأمّا قراءة الفتح فقرأ بها باقي السبعة، والأعرج، وابن المُسَيَّب.
ومالك بن دِينار، وابن جُرَيج.
ووجهُها أنه مصدر.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها مجاهد وأبو عثمان النَّهدي.
ووجهُها أنّه اسم لا مصدر، يراد به المشروب، مثل الطِّحن يُراد به المطحون.
стр. 109
حرف الشِّين
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " النساء ": (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)
قُرىء بفتح الصاد وكسرها
وضمّها حيث وقع، إلاّ قولَه تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) ، فقد اتّفقَ السبعة على فتح الصاد منه.
فأمَّا قراءة الفتح فقرأ بها السبعةُ إلاّ الكسائي، ووجهُها أنّه اسم
مفعول، المعنى: أنّ الله أحصنَهنّ بالأزواج أو بالإسلام. ويمكن أن
يكون اسم فاعل على ما نقلَه ثعلبٌ عن ابن الأعرابيّ: من أنّ أحْصَنَ يكون
اسمُ الفاعل منه " مُفْعَلاً " بفتح العين، وهو شاذٌّ.
وأمّا قراءة الكسر فقرأ بها الكسائيّ، ووجهُها أئه اسم فاعل، والمعنى
أنّهنّ أحْصَنَّ فُروجَهنَّ.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها يزيد بن قُطيب، ووجهها أنَّ ضمَّ الصاد
стр. 110
إتباع لضمِّ الميم.
تتميم:
فإن قلتَ: لأيّ شيءٍ اتّفق السبعةُ على الفتح من قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) ؟
قيل في الجواب: إنّ المراد بهنّ ذوات الأزواج، فأزواجهنّ أحصنوهنّ.
فهنّ مفعولات لا غير.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الرعد ": (صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ)
قرئ بكسر الصاد فيهما وضمّهما وفتحهما:
فأما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه جَمع وواحده صِنو.
كقِنو وقِنوان، وهي لغة أهل الحجاز.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها ابن مُصَرِّف، والسُّلَمي، وزيد بن عليّ رضي
الله عنهما، ووجهها أنه أيضاً جمع صِنو، كذِئب وذُؤبان، وهي لغة تميم
وقيس.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها الحسن وقتادة، ووجهها أنه اسم جمع، نحو