وهذا نص منه على أن لها عندَ الرسول خاتمتَين يختمُ بهما هذه
السورة، وليس يمتنعُ أن يجعلَ اللهُ سبحانه لبعضِ السُّور خاتمتين، إما على
التخييرِ بأن يختمَ القارىءُ بأيهما شاء، ويجعلَ الخاتمةَ الأخرى قبلَ أن يختمَ
بها وأقربَ الآيات ِ إليها لكونها خاتمةً مثلها، أو يجعلَها حيثُ شاءَ من
السورة، أو بأن يجعلَ لها خاتمتين إذا قُرِئت على وجهين مختلفَين في
الترتيب، فإن قُرِئت على وجهِ كذا كانت خاتمُها كذا، وإن قُرِئت على الوجه الآخر ختَمْتَها بالآيةِ الأخرى.
ويكونُ هذا الوجهُ أحدَ الأحرفِ السبعةِ التي أُنزل القرآنُ عليها، أو أحدَ
الوجوه من سبعةِ أحرف أُخَرَ غيرِ السبعةِ الثابتة، وأن يكون اللهُ سبحانه قد
نسخَ إطلاقَ ذلك بعدَ أن أطلقَه وجعلَ للمرسَلات خاتمةً واحدة، وعرفَ ذلك المسلمون وذهبَ على عبدِ الله بن مسعودٍ إذ لم يسمعه، لأن نسخَ ذلك كان قريبا من موتِ النبي ﷺ لأن الأمَّة قد أجمعت على أنّه ليس لهذه السورة بعد موت النبي صلى الله عليه إلا خاتمة واحدة، ويكونُ عبدُ الله قد تمسَّكَ بالحكم الأول، فلمّا عرفَه المسلمون ذلكم عرفه وعَلمَ صحّة ما نقلوه، من نسخِ ما كان مباحاً، والدليلُ على ذلك اتفاقُ جميع أصحاب عبد الله وكلّ مَن أخذَ القراءةَ منه وروى عنه على أنه ليس لهذه السورةِ عندَه فيما ثبتَ واستقرَّ به عملُه وقراءتُه إلا خاتمةٌ واحدة، فيجبُ إذا كان ذلك كذلك أن يكونَ نُسِخَ إحدى خاتمتيها.
فإن قيل على هذا: أفَليسَ من دينكم أن السبعة الأحرف والوجوه من
القراءاتِ كلها شافيةٌ كافيةٌ باقيةٌ لم تُنسخ؟
قيل لهم: أجل، وقد ينزلُ القرآنُ على سبعة أوجهِ وأحرفِ أُخَرَ يُنسَخُ
بعضُها ويبقى البعضُ، ويتركُ على ثلاثة أحرف، وقد وردت بذلك الأخبارُ
стр. 247
وفُسِّرت السبعةُ الأوجُه بتفسير وردَ عن النبيِّ ﷺ والصحابة لا يجوزُ أن تُلغي من الوجوهِ السبعةِ وجها ثابتاً غير منسوخ، فوجبَ أن لا يكونَ للمرسَلات خاتمتان بإجماعهم على منعِ ذلك، وأن لا يكون هو من السبعةِ الأوجهِ من القراءات الثابتة على ما سنبيّنه فيما بعدُ عندَ بلوغِنا إلى الكلام في هذا الباب إن شاء الله.
فإن قيل: فلمَ لم يظهر في الناس نقلُ هذا الحكم وهو أن للمرسَلات
خاتمتين نُسِخَت إحداهما؟
قيل لهم: لأنّه ليس من شأنِ الناسِ في العادة أن يَصرِفوا هِمَمَهم إلى
نقلِ ما كان ورُفِعَ وإذاعته، وإنّما يأخذون أنفسَهم بذكرِ ما ثبتَ واستقرَّ عليهم فرضه، وربّما نقلوا فرضَ التلاوةِ المنسوخة والحكمَ الذي تضمَّنها وعدلوا عن نقلِ التلاوةِ الموجِبةِ لها إذا نُسِخَت وأُزيلَت وبقيَ حُكمها، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب أن يعبأَ الناسُ بأنّه كان للمرسَلاتِ خاتمتان نُسخَت إحداهما، وإنّما ذكرَ ذلك ابن مسعود لنسيانٍ كان عن نسخِ إحدى الخاتمتين.
فلما عرفَ ذلك بنقلِ مَن نقله إليه وأخبرَه به استقرَت قراءَتُه وعملُه
بذلك، وهذا ينفي التخييرَ الذي ادّعوه، وهذا الذي ذكرناه أولى مِن قول من قال إنّه قد كان لها خاتمتان إذا قُرئت على وجهين، وإنّ عبدَ الله شكَّ في
الوجهِ الذي قُرِئت عليه كانت خاتمته كذا وكذا ولم يشك في الخاتمتين.
وإنّ إطلاقَ قراءَتِها على الوجهين وخَتْمَها بالخاتمتين ثابت مستقِر إلى أن
ماتَ رسولُ الله ﷺ .
стр. 248
(باب)
الكلامِ في المعوِّذتَين والكشفِ عن ظهورِ نقلِهما وقيامِ الحجةِ بهما، وإبطالِ ما يدَّعُونه من إنكارِ عبدِ الله بن مسعودٍ لكونِهما قرآناً منزَلاً ، وتأويلُ ما رُوي في إسقاطِهِما من مُصحفِه وحكِّه إياهُما، وتركِه
إثباتَ فاتحةِ الكتابِ في إمامه وما يتصلُ بهذه الفصول
فإن قال قائلٌ: كيف يسوغُ لكم أن تدَّعوا وجوبَ تظاهُرِ نقل جميع
القرآن وقيام الحجّةِ وتساوي حال الرسول ﷺ في بيانِه إلى الكافة على وجهٍ يُوجبُ العلم ويَقطَعُ العذر ويُزيلُ الرَّيبَ والشكّ مع الذي قد ظهرَ وانتشر عن عبد الله بن مسعود من إنكاره أن تكونَ المعوّذتان من جُملة القرآن ومنافرته في ذلك وإسقاطِه إياهما من مصحفه، وحكّه لهما من مصحف غيرِه، وما يقوله عند حكّه لهما: "لا تخلطوا فيه ما ليسَ منه " (١) ، فكيف يمكن أن يُعتقَدَ أنّ ظهور بيانِ المعوّذتين والتوقيف على أتهما قرآن مُنزَل
كظهور النصّ على غيرهما من السور، بل كيف يمكنُ أن يُقالَ إنَّ الصحابةَ
стр. 249
قد كانت أحاطت علماً بجميع كتاب الله لظهورِ أمره وإقامةِ الحجّةِ به، وهذه
حالُ عبد الله بن مسعود في إنكار بعضه وجَحدهِ وهو من جملتهم وعمد من
عُمدِهم في حفظ الكتاب، والمتبتلِين لقراءته وإقرائه والتبحُّر في علمِ أحكامِه
ووجوهه وحروفه والمناظرةِ عليه، الذابّين عنه، ولو لم يُرْوَ عن الصحابة إلا
هذه القصةُ وحدها لكان ذلك كافياً في إبطال ما أصَّلتموه وفساد ما ادّعيتموه.
فيقال لهم: أما دعوى من ادّعى أن عبد الله بن مسعود أنكر أن تكونَ
المعوذتان قرآناً منزلاً من عند الله تعالى وجحدَ ذلك فإنها دعوى تدلُّ على
جهل من ظن صحتها وغباوته وشِدةِ بُعده عن التحصيل، وعلى بُهتِ من
عرفَ حال المعوذتين وحالَ عبد الله وسائر الصحابة، لأن كل عاقلٍ سليم
الحسن يعلمُ أن عبد الله لم يجحد المعوذتين ولا أنكرهما، ولا دفعَ أن يكون
النبي صلى الله عليه تلاهما على الأمّة، وخبّر أنهما منزلتان من عندِ الله
تعالى، وأئه أُمِرَ بأن يقولَهما على ما قيل له في أولهما، وكيف يمكنُ عبد الله
ابن مسعودٍ أو غيره من الصحابة جحدُ ذلك وإنكارُه، وذلك مما قد أعلنه
الرسولُ وأظهره وتلاه وكرّره وصلى لله به وجهر به في قراءته، وخبَّرَ أنّه من
أفضل ما أُنزل عليه، وكشف ذلك وأبانه بيانا قد اتصل بنا نحنُ ولزم العلمُ به قلوبَنا، وارتفع منه شكُّنا ورَيبُنا.
حتى لو حاول أحدُنا وغيرُنا من أهل الملل السامعةِ لأخبارنا والعارفةِ
بما أتى به نبينا أن يجحدَ ذلك ويدفعه لم يجد إلى ذلك سبيلاً، هذا مع
تطاولِ المدّة وتباعُدِ عصرِنا من عصر النبى صلى الله عليه، فإذا كانت
الأخبارُ متواترةً متظاهرةً علينا بذلك تواتراً قد أصارنا في اليقينِ وزوالِ الرَّيب
إلى ما وصفناه، فكيف بأهلِ عصر الرسول الذي تلقَّوه وسمعوه، وأخبروا به
من بعدهم ونقلوه، لأنه لا بد أن يكون عبد الله بن مسعودٍ أحد من حضر
стр. 250
تلاوة الرسول لها، وإخباره بنزولها، أو واحداً ممن خبّر بذلك، وجاءته
الأخبارُ من كل طريقٍ وناحيةٍ مجيئاً لا يمكنُ معه الشكّ في ذلك، كما لا
يمكنه الشَّكّ في جميع ما ظهر وانتشر من دين الرسول وأقواله وأفعاله التي
لم يسمعها منه ولم يشاهدها، ولو تهيّأ لأحدٍ من أهل عصر الرسول أن يشكَّ
في نزول المعوّذتين وتلاوة الرسول لهما طولَ حياته، وإلى بعد وفاتِه بخمسٍ
وعشرين سنة، والحالُ ما وصفناه لأمكنه لحقُ ذلك.
وفي العلم بفسادِ هذا ولزوم العلم بما وصفناه لقلوبنا وزوال الريب عنَّا: دليل واضح على أنّه لقلب عبد الله ألزَمُ، وأنّه عنده أظهرُ وأشهرُ، وإذا
كان ذلك كذلك بأن أنّ عبد الله بن مسعود لا يجوزُ منه مع عقله وتمييزه
وجَرَيان التكليف عليه، أن يحمل نفسه على جحد المعوذتين وإنكار نزولهما
وأن الله تعالى أوحى بهما إلى نبيّه ﷺ .
ومما يوضح ذلك أيضاً ويُبيّنه أنّه لو كان عبدُ الله قد جحد المعوّذتين
وأنكرَهما مع ظهور أمرهما وإقرار جميع الصحابة بهما لم يكن بُد من أن
يدعوه داعٍ إلى ذلك وأن يكون هناك سبب يَعتدّ عليه، ولو كان هناك سبب
حداه على ذلك وحزَكه لخلافٍ فيه لوجب في موضوع العادة أن يحتجّ به
ويذكره ويعتد به، ويُبدِيَ ويُكثِرَ اعتذارَه له وتعويله عليه، ولكان لا بُدَّ أيضاً في مقتضى العادة من ظهور ذلك عنه وانتشاره وحصول العلم به، إذا كان خلافاً في أمرٍ عظيم وخطرٍ جسيمٍ، وأعظمَ مما نُهي عنه من الإقامةِ على
التطبيق في الصلاة، وقوله في تزويج بنتِ فاسق، وخلافه في الفرائض.
وغير ذلك، مما شُهِرَ من مذاهبه وكلَّما عظُم الخطرُ في الأمر وجل وقعُه في
النفوس كان الخلافُ فيه أظهر والعنايةُ به أشدّ، واللهجُ بذكره وتطلّب
النقض والرد له أكثر وأشهر.
стр. 251
ولو كان من عبد الله هذا الخلاف على الصّحابة مع العلم بأنهم يعتقدون
كونَ المعوّذتين قرآنا، ويرون أن جاحدهما بمنزلة جاحد الكهف ومريم.
لوجب في مستقر العادة أن يَعظُمَ ردهم عليه وعسفُهم له، وتبكيتُهم إياه.
والمطالبةُ له بذكر ما دعاه إلى ذلك، والمناظرةُ له على ما يحتج به ولكان
ذلك أعظم معايب عبد الله وسقطاته عندَ مخالفه ومنافِره، ولوجبَ أن يحتج
بذلك عثمانُ عليه في عزله والعدول في كتابة المصحف عنه، ولوجب
تغليطُ القومِ له، والحكمُ عليه بالكفر والردة، وأنه بمثابة من جحدَ جميعَ
كتاب الله، وأن يطالبوا الإمامَ بإقامةِ حق الله تعالى عليه في ذلك، ومفارقته
وترك مقاربته على جحد ما يعلمون أنه سورتان من كتاب الله، لأنهم أنكروا
عليه ما هو دون هذا، وكرهوه من قوله حيثُ قال: "معشرَ المسلمين أعزلُ
عن كتابة المصحف، والله لقد أسلمتُ، وإنّ زيداً لفي صلب رجلٍ
كافرٍ".
قال ابنُ شهابٍ وغيره: "ولقد كره مقالته هذه الأماثلُ من أصحاب
رسول الله ﷺ " وما هذا نحوه من اللفظ، وقد كان ناظره عثمانُ وراسله مناظرةً ظاهرةً على امتناعِه من تسليمِ مصحفه، فكيفَ لم يُناظرهُ على إنكاره المعوذتين ويهتِفْ به ويجعل ذلك ذريعةً وسبيلاً إلى الدلالة على سُوء رأيه وشدّة عناده، وأنّه لا يجبُ أن يُعبأ بمَن جحدَ سورتين من كتاب الله قد اشتُهرَ نص الرسول عليهما في الخاص والعام، والصغير والكبير، والقاصي والداني.
стр. 252
وفي عدم العلم بظهور الخلاف من عبد الله في ذلك وذكر السبب
الباعث له عليه، والعلمِ بأن الأمَّة َ وإمامَها لم يناظروه على ذلك بحرف
واحد ولا أغلظوا له فيه ولا ظهر عنهم أمر يجبُ ظهورهُ في مثل ذلك، ولا
عرضُوا عبد الله على السيف ولا أقاموا عليه حداً، ولا شهدوا عليه بتفسيق
وتضليلٍ تجبُ الشهادةُ به على من جحد كلمةً من كتاب الله فضلاً عمن جحد سورتين منه: أوضحُ دليلٍ على أنه لم يكن من عبد الله قطُّ جحدُ المعوذتين، وإنكارٌ لكونهما قرآناً منزلاً.
ومما يدلُّ أيضاً على كذب من أضاف إلى عبد الله جحد المعوّذتين
وعنادَه إن كان عالماً بما رُكبت عليه الطباعُ والعاداتُ، أو جهله وغفلته إن
كان مقصراً عن منزلة أهل البحث عن هذا الباب، اتفاقُ الكل من جميع فِرَقِ
الأمّة وأهل النقل والسيرة على أن عبد الله كان أحد القُرّاء المبرِّزين، ووجهاً
من وجوه المقرئين المنتصبين لتدريس كتاب الله جلّ وعز وتعليمه والأخذ له
عنه، وأنّه من المعروفين بذلك على عصر الرسول ﷺ وإلى حين وفاته صلى الله عليه، وأنه قد أخذ عنه القرآن ولُقنه منه ورواه عنه جماعة جلَّة مشهورون معروفون منهم عَبِيدةُ السَّلمانئ، ومسروقُ بن الأجدع، وعلقمةُ بن قيس، وعمرو بن شُرَحبيل، والحارثُ بن قيس،
стр. 253
والأسودُ بن يزيد بن قيس، وجماعة غيرُ هؤلاء أخذوا عنه ورَوَوا قراءته، فما ذكر عن جميعهم ولا عن أحدٍ منهم رواية ظاهر ولا غيرُ ظاهرة أنّه أنكرَ كون المعوّذتين قرآناً ولا أسنده عن عبد الله، ولا قال - مع إضافته ذلك إلى عبد الله - إنه حق على ما ذكره ولا أنّه باطل يُرغبُ عنه، وقد عُلم بمسقر العادة أنه إن كان قد صح عن عبد الله كونُ المعوذتين غير قرآن فلا بُد من معرفة أصحابه والمتمسِّكين
لحرفه، والمنحازين إلى كتبته، والناصرين لقوله من أن يعرفوا ذلك من دينه
وأن يكونوا أقرب الناس إلى العلم به، وأنّه لا بدّ مع ذلك أن يُصوبوه على
قوله هذا ويتَّبعوه، أو يردوه ويُنكروه، ولا بُدّ من ظهور ذلك عنهم وانتشاره من قولهم، وأن يكون قولُهم فيه من موافقة عبد الله على ذلك ومخالفته أشهر وأظهر من تمسُّكهم بحرفه وأخذهم أنفسهم به، ولو قد كان منهم أحدُ الأمرين لاستفاضَ وظهر ولزم قلوبنا العلمُ به والخنوعُ بصحته، فلمّا علِمنا وعلم الناسُ جميعاً أنه لم يُروَ عن جميع الصحابة ولا عن أحدٍ منهم قول ولا لفظة في هذا الباب - أعني إنكار عبد الله لكون المعوذتين قرآنا - عَلمْنا أنّه لا أصل لما يُدعى عليه من ذلك وأنّه زُور وبُهتان.
فإن قيل: فلعلّ أصحابَ عبد الله إنما لم يَعرضوا لذلك عن عبد الله لقُبحِ
هذا القول عندهم وشناعته وخروج قائله عن مذهب الأمَّة، وتركه ما يجبُ
عليه عن الإقرار بتوقيف رسول الله ﷺ على المعوذتين ونصّه.
قيل له: فقد كانوا مع هذا قوماً مسلمين أخياراً أبراراً، فكان يجبُ
انحرافهم عن عبد الله في هذا القول وإظهارُهم لغَلَطِه، وتفنيدُ رأيه، لأنّ
العادة لم تَجْرِ بإمساك مثلهم عن إنكار منكر لأجل تعصُّبٍ وميلٍ وطلب
стр. 254
رئاسة، على أنه لو أمكَن مثلُ ذلك منهم مع تعذُره في العادة لم يكن إمساكُ
جميع الناس عن مسألتهم في هذا الباب والمطالبة بما يصح عندهم من قول
عبد الله في ذلك، وما الذي يعتقدونه ويَدِينُون به فيه، ولكان لا بُدَّ لهم عند
ذلك من الجواب بتصويبه أو تخطئته أو تصحيح هذا القول عليه والشهادةِ
به، أو إنكاره ونفيه عنه، ولكان لا بُدَّ من أن يظهر ذلك عنهم وينتشر ويلزم القلوبَ لزوما لا يمكنُ الشك فيه ولا الارتيابُ به، وفي إطباق الأمّة من أهل السيرة وجميع أهل العلم على أنه لا شيء يُروى عن أحدِ من أصحاب عبد الله في هذا الباب: أبينُ شاهدِ على تكذُب هذه المقالة، ووضع هذه الرواية.
ومما يُبيِّن أيضاً أنّ عبد الله لم يجحد كون المعوّذتين قرآناً ووحياً منزَلاً.
علمُنا بما هو عليه من جَزالة الوصف ومفارقة وزنهما لسائر أوزان كلام
العرب ونظومه، وأن عبد الله مع براعتِهِ وفصاحته وعلمه بمصادر الكلام
وموارده وأنّه من صاهلة هُذَيل وهيَ من أفصح القبائل: لا يجوزُ أن يذهبَ
عليه أن المعوذتين ليستا بقرآن وأنّهما على وزن كلام المخلوقين وبحاره.
ويجبُ في حُكم الدّين نفيُ مثل ذلك عمن هو دون عبد الله بطبقات كثيرة في
الجلالة والقدر وحُسن الثناء والمعرفة وعظيمِ السابقة والصحبة وتدربه
بمعرفة حال القرآن ونظمه، والفرقِ بينه وبينَ غيره، وإذا كان ذلك كذلك
وجب إبطالُ هذه الرواية عنه والحكمُ بتكذُبها عليه.
ومما يدلُّ على وجوب إنكار هذه الرواية عن عبد الله وتنزيهه عنها أنّه
قد صح وثبتَ إيمانُ عبد الله وجلالتُه وفضلُ سابقته ووجوبُ تعظيمه
وموالاته، وأن الواجبَ على المسلمين من سَلَفِ الأمّة وخَلَفها خلعُ ولاية
من جحد ما قد صحَّ وثبت أنّه سورتان من القرآن ولعنُه والبراءةُ منه، والحكمُ بقتله وردّته، وإذا كان ذلك كذلك وجب إنكارُ هذا القول عن عبد الله لأنّنا
стр. 255
لا نعرفُ صحّته ولا نقفُ عليه، فلو كان من الأخبار التي يمكنُ أن تكون
صحيحةً لوجب اطِّراحُها، لأنّ مُثبِتها على عبد الله والشاهد بذلك عليه قد
عمل على مطالبتنا بوجوب إكفار عبد الله بن مسعود ولعنه والبراءة منه
والقدح في إيمانه والحكم عليه بحُبُوط عَمَله بخبر واحدٍ لا يُوجبُ العلم ولا
يقطعُ العُذر.
وهو مع ذلك مما لا يمكن أن يكون صحيحاً لأمور، منها: ما قدّمناه
من وجوب ظهور ذلك عن عبد الله لو ثبت وانتفى الشكوكُ عنّا فيه، وغيرُ
ذلك مما قدّمناه، ومنها: أنّه لو كان صحيحاً عليه وقد علمنا أنّه لم يكن من
الصحابة إنكار عليه ولا إغلاظ ولا عسف، ولا قتل ولا عقوبة ونكال ولا
حكم مما يجبُ أن يُحكمَ به على جاحد آية من كتاب الله تعالى وكلمةٍ فضلاً
عن جاحد سورتَين منه لوجب الحكمُ على جميع الأمّة بالضلال والانسلاخ
من الدين، لأنّ ذلك يُوجبُ حينئذٍ أن يكون عبد الله قد ضلّ وأخطأ وفسق
بإنكاره وجَحدِه سورتين من كتاب الله، وأن يكون جميعُ باقي الأمّة الذين
هم غيرُه قد ضلُّوا وفسقُوا بترك تكذيبه والردّ عليه وإقامة حدّ الله فيه وكشف حاله للناس والعدول إلى تركه ومسامحته والتمكين له من الترأس والتصدُّر، وإقراء ونشر الذكر، والتوصُّل إلى الأسباب التي يصيرُ بها إماماً متَّبعاً وحجّةً مقتفى.
فمن ظنّ أننا نحكُم على عبد الله وعلى الأمّة في تركه وتمكينه من ذلك
بهذه الأحكام لأجل خبر واحدٍ ضعيفٍ واهٍ يجيء من كل ناحيةٍ متَّهمةٍ وسبيلُه
وغيره يكون معارضاً بما هو أثبتُ وأظهرُ منه، فقد ظنّ عجزاً وحلَّ من
الجهل محلاً عظيماً، وهذا لو أمكنَ أن يكون هذا الخبرُ صحيحاً، فكيف
وقد بيَّنا بغير طريقٍ أنّه من أخبار الآحاد التي يجبُ كونُها كذبا لا محالة.
стр. 256
واعلموا رَحِمَكم الله أنّ هذه سبيلُ القول عندنا في كل أمرٍ يُروى من
جهة الآحاد يُوجِبُ تفسيق بعض الصحابة وتضليله أو تفسيق من هو دونه من
المؤمنين وإلحاق البراءة منه واعتقاد الذم له في أنّه لا يجبُ قبولُه ولا العملُ
به، كما أنّه لا يجبُ العملُ بصحّته، وإنّما يُوجَبُ العمل بخبر الواحد الذي
لا يُوجبُ العلم في مواضع مخصوصة من الشريعة لموضع التعبد بذلك، فأمّا
أن نعلمه في تفسيق المؤمنين الأبرار وإيجاب خلع موالاتهم والقضاء على
إحباط أعمالهم، وفي الحكم على الأمَّة قاطبةً بالضلال والفسق وفي ترك
إنكار ذلك الشيء المرويّ الذي يجبُ إنكارُه وأنّه غيرُ جائزٍ، فهذا أيضا
جملةٌ تُوجبُ الحكم بإبطال هذه الرواية وبترك الإحفال بها والعمل عليها.
وكيف يجوزُ لمسلم الشهادةُ على عبد الله بن مسعود بجَحدِ سورتَين من
القرآن وبما يُوجبُ الكفر والارتداد والتبرِّي بخبر الواحد ويعدلُ عما ثبت
عنده من إيمانه وسابقته وكثرة أقاويل الرسول فيه، وكونه مرضيّاَ مقبولاَ عند
الصحابة، نحو قوله صلى الله عليه: "من أحبَّ أن يقرأ القرآن غَضاً كما أُنزل فليقرأ بحرف ابن أمّ عبد"، وقوله: "رَضِيتُ لأمتي ما رَضِيَ لها ابنُ أمّ
عبد، ولو كنتُ مستخلِفا أحداً من أمتي استخلفتُ ابن أم عبد".
وقول عمر فيه مع جلالة قدره: "كشفَ طيّ علمها"، إلى غير هذا مما هو
стр. 257
معروفٌ من فضائله ومناقبه وشدّة نُسكه ومسألته، وكلما وصفناه من حاله
يقتضي نفيَ هذا التكدُّب عليه.
قال بعض أصحابنا: ومما يدلُّ على أنّ المعوذتين قرآنٌ منزل من عند
الله تعالى اتفاقُ الأمَّة في هذا العصر وقبلَه من الأعصار من لدن التابعين
وإلى وقتنا هذا على أنّهما من جملة القرآن، فلو ثبتَ أن عبد الله خالف في
ذلك أهل عصره لوجب أن يكون حصولُ الإجماع بعده على خلاف قوله
قاطعاً لحكم خلافه، لأن الإجماعَ بعدَ الاختلاف حجة ٌ، كما أنه حجة ٌ إذا
انعقد وانبرم ابتداءً عن غير اختلافٍ تقدم، وقد أوضحنا نحنُ فيما سلفَ أن
هذه الروايةَ متكذبةٌ مفتعَلةٌ، وأنّه لم يُحفظ على عبد الله حرفٌ واحدٌ في
التصريح بأن المعوذتين ليستا من القرآن فلم يُحتَج مع ذلك إلى التعلُّق
بالإجماع بعدَ الاختلاف.
وممّا يدلُّ أيضاً على تكذُّب هذه الرواية على عبد الله والغلط والتوهم
للباطل في هذه الإضافة إليه تظاهرُ الأخبار عن النبيّ ﷺ بالنص على أنّ المعوذتين من القرآن، ومن أفضل ما أنزله الله عليه، وكثرةُ أقاويلهم وتضخيمُ شأنهما وصلاتُه بهما جهراً، وإن مثل هذا إذا كَثرُ وترددَ وجب ظهورُه وانتشارُه، وأن يكون متواتراً عن الرسول ﷺ على المعنى وإن لم يكن اللّفظُ متواتراً، وإن مثل هذا لا يكادُ يخفى على عبد الله وينطوي عنه حتى لا يسمعه ولا شيئاً منه من الرسول، ولا يَبلُغَه عنه من الجهات المختلفة فيحصُل العلمُ به حسب حصوله بجميع ما اشتهر من دينه وظهرت فيه أقاويله.
فمن هذه الأخبار المروية عن الرسول في هذا الباب ما رواه قيسُ بنُ
أبي حازم عن عُقبةَ بن عامر الجُهني قال: قال رسولُ الله ﷺ :
стр. 258
"أُنزلت عليّ آياتٌ لم ينزل علي مثلُهن قط: المعوّذتان ".
وروى أيضا عقبةُ بنُ عامر قال: اتّبعتُ رسولَ الله ﷺ وهو راكبٌ فوضعتُ يدي على قدمه، وقلت: أقرِئني من سورة هود أو سورة يوسف، فقرأ، وقال: "لم تقرأ شيئا أبلغ عند الله من (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ اَلفَلَقِ) .
وروى زيدُ بنُ أسلم عن معاذِ بن عُبيد بن خبيبٍ أعن أبيه، قال:
"كنتُ مع رسول الله ﷺ في طريق مكةَ ومعنا صحابة، فوقعت علينا ضبابةٌ من الليل حتى سترت بعضَ القوم، فلمّا أصبحنا قال رسولُ الله ﷺ : "قل يا خُبَيب "، فقلتُ: ما أقولُ يا رسول الله، قال: (قُلْ أَعُوُذ بِرَبِّ اَلنَاسِ) ، فقرأها وقرأتُها حتى فرغ منها، ثم قال: "ما استعاذ أو ما استعان أحدٌ بمثل هاتين السورتين قَطّ ".
стр. 259
وروى ابنُ عابسٍ الجُهَنيُّ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يا ابن عابس، ألا أُخبرُكَ بأفضل ما تعوذَ به المعوذون، " قال: "قل أعوذُ بربِّ الفلق، وقُل أعوذُ بربِّ الناس ".
وروى عقبةُ بنُ عامر الجُهَنيُّ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "اقرأ بالمعوّذتين كُلما نمتَ وكلّما قُمت ".
وروى جابرُ بنُ عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقرأ قل أعوذُ بربِّ الفَلَق "، ثم قال: "اقرأ"، قلت: وما
أقرأ، قال: "اقرأ (قُل أَعُوُذ بِرَبِّ اَلنَاسِ)
يا جابرُ، اقرأهُما ولن تقرأ مثلهما".
وروى أيضاً عقبةُ بنُ عامرٍ الجُهَنيُ قال: كنتُ أقودُ ناقة رسول
الله ﷺ في السَّفر، فقال: "يا عقبةُ، ألا أُعلِّمك خير سورتين قُرئتا، فعلَّمني (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ اَلفَلَقِ) و (قُل أَعُوُذ بِرَبِّ اَلنَاسِ) .
وروى معاويةُ بنُ صالحٍ عن عبد الرحمن بن جُبَيرٍ عن أبيه عن
стр. 260
عقبة بن عامرٍ أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوّذتين، وقال: "أمَّنا بهما رسولُ الله ﷺ في صلاة الفجر"، وفي رواية أخرى قال: "سألتُ رسول الله ﷺ عن المعوذتين، أمِنَ القرآن هما، فأَمّنا بهما في صلاة الفجر".
وروى وكيع عن هشام بن الغاز عن سليمانَ بن موسى
عن عقبة بن عامر قال: "كنا مع النبيّ صلى الله عليه في سفر، فلمّا طلع الفجرُ " أذَّنَ وأقام وأقامني عن يمينه، ثم قرأ بالمعوّذتين، فلمّا انصرفَ قال: "كيف رأيت، " قلتُ: قد رأيتُ يا رسول الله، قال: "واقرأهُما كُلما نمتَ وقُمتَ ".
فكل هذه الأقاويل وإن اختلفت صِيغُها نص من رسول الله صلى الله
عليه على أن الفلق والناسَ قرآن مُنزَلٌ من عند الله سبحانه، ولم يرد في أكثر
سور القرآن من النصوص عليها مثلُ هذه الأخبار، ولا بدّ أن يكون عُقبةُ بنُ
عامر قد سال رسول الله ﷺ عن المعوذتين أمِنَ القرآن هما، على ما ذكرناه فيما روُيَ وظهرَ منه ما يُعلم به أو يغلبُ على الظنّ عند رؤيته وسماعه أن عقبة قد ظنّ أنّ المعوّذتين ليستا بقرآن، فلمّا اعتقد الرسولُ فيه ذلك صلى بهما الفجر من حيثُ يسمع عقبةُ وغيرهُ ليؤكّدَ في نفسه أنّهما قرآنٌ مُنزَلٌ، فلذلك قال له: "وكيف رأيت أني قد صلّيتُ بهما" ويمكن أن يكونَ عُقبةُ لم يسمع الرسول قط يُصلي بهما، فسبَقَ لأجل ذلك إلى اعتقاده تجنبَ النبيّ صلى الله عليه للقراءة في الصلاة بهما لكونهما غيرَ قرآن فصلّى بهما رسولُ الله، فقال له: "كيف رأيت، " ليعلم بذلك أنّهما قرآن، وأنّه لم يتجنّب
стр. 261
الصلاة بهما للسبب الذي خطر له، وهذا غايةُ التأكيد وأبلغُ في النصّ على
أنّهما قرآنٌ، فكيف يجوزُ أن يذهبَ سماعُ هذا أجمع وعلمُه عن عبد الله بن
مسعود وأن يخفى عليه خفاءً يجوزُ معه إنكارُ كون المعوّذتين قرآنا؟!
وقد بيّنّا من قبلُ أنّه لو صحّ عن عبد الله جحدُ المعوّذتين لوجب أن
يكون أصحابهُ أعلم الناس بذلك عنه وأنّه لم يكن من أحدٍ منهم لفظة في هذا
الباب، بل المرويُّ عن جلَّتهم الإقرارُ بأنّهما قرآن، وروى سفيانُ عن الأعمش عن إبراهيم قال: "قلتُ للأسود: أمِنَ القرآن هما، قال: نعم "، يعني المعوّذتين، وروى زائدةُ وابنُ إدريسَ عن حُصينٍ عن الشّعبيّ قال:
"المعوذتان من القرآن "، فهاذان وجهان من وجوه أصحاب عبد الله يُخبران
بأن المعوّذتين من القرآن، وفي بعَض ما ذكرناه أوضحُ برهان على كذب من
ادّعى على عبد الله جَحدَ كون المعوّذتين قرآناً منزَلاً.
فإن قال قائل: جميعُ ما قدّمتموه من مُوجبِ العادة في إيجاب ظهور
إنكار عبد الله للمعوّذتين إذا كان ذلك صحيحا، ووجوب مشاجرة الصحابة
له، ووجوب علم أصحابه به وحرصهم فيه، وإقرار ذَلك من قلبه، أو إنكاره إلى غير ذلك مما وصفتموه يقتضي بأن يكون قد كان من عبد الله بن مسعود أو غيره أمرٌ اقتضى الخوض في أمر المعوّذتين وحصول كلامٍ فيهما، وحال أوجبت إضافة مثل هذا القول إلى عبد الله وأنّه لو لم يكن منه فيهما شيء لم يجب في وضع العادة إضافةُ جحد المعوّذتين إليه دون غيره من الصحابة
стр. 262
وسائر أهل عصره، ولم يَجُز أيضاً أن يُضاف ذلك إليه في المعوذتين خصوصاً
من بين سائر القرآن كما لا يجوزُ أيضا أن يُضاف شيءٌ من هذا إليه في البقرة
وآل عمران وكُلِّ ما لم يكن فيه قول منه.
يُقال له: أما هذا الذي قلتَه فصحيح لا شك فيه، ولا بد من أن يكون قد
كان منه سبب يقتضي تعليق ذلك عليه وإضافته إليه، أو كان من غيره أمرٌ
واجب عنده أن يكونَ منه في أمرهما شيء يسُوغُ مع مثله افتعالُ الكذب عليه
أو التوهمُ والغلطُ عليه، والذي كان منه عندَنا في هذا الباب أمور، منها:
- أنه أسقط المعوذتين من مصحفه ولم يرسمهما فيه، فتوهم لأجل ذلك
عليه قوم من المتأخرين الذين لم يعرفوا ما دعاه إلى ذلك أنه إنما أسقطهما
لكونهما غير قرآن عنده.
- ومنها: أنه قد رُوِيَ عنه أنَّه حك من المصحف شيئاً رآه فيه لا يجوز
عندَه إثباتُه فظن من سمع ذلك - مع سماعه أنَّه لم يكن يثبتُ المعوذتين في
مصحفه - أنّه حكّهما من مصحف غيره، وقد ذكِرَ في بعض الروايات أنّه
حكهما ولم يقُل الراوي المعوّذتين بل بهذا اللفظ، وقال: "لا تخلطوا به ما
ليس منه "، فظنّ سامعُ ذلك أنّه حكّ المعوذتين.
- ولعلّه أن يكونَ حكّ حرفين أو كلمتين الفاتحة والخاتمة لأن منه من
كان يكتبُ فاتحة كذا وخاتمة كذا، وكان هو يُنكر ذلك ولا يراه.
- وقد يمكنُ أيضاً أن يكونَ بعضُ الناس سأل عبد الله بن مسعود عن
عَوذةٍ من العُوَذ رواها عن رسول الله فظنّ السائلُ عنهما أنهما من القرآن.
فقال عبدُ الله: "إن تلك العَوذةَ ليست من القرآن "، فظن سامعُ ذلك أو من
روى له عنه أنه قال ذلك في المعوّذتين.
стр. 263
- وقد يجوزُ أن يكونَ منها سماعُه سؤال أُبيّ بن كعب للنبيّ صلى الله
عليه عن المعوّذتين على ما رواه أبو عُبيدٍ عن عبد الرحمن عن سفيان
عن عاصم عن زرِّ بن حُبَيشٍ عن أُبيّ بن كعبٍ قال: سألتُ رسول الله صلى
الله عليه عن المعوذتين، فقال: "قيل لي: قُل، فقلتُ "، قال أُبيّ: قال لنا
رسول الله ﷺ فنحن نقول كما قال "، فلما سُمِعَ هذا الجوابُ من الرسول أو أخبره به أُبيٌّ أو غيرُه اعتقد أنّهما من كلام الله تعالى ووحيِه، غيرَ أنه لا يجبُ أن يسميّا قرآنا، لأنّ رسول الله ﷺ لم يسمّهما بذلك.
وقد يمكن أن يكون أحدُ ما قوّى هذا في نفسه سماعُهُ لسؤال عقبةَ بن عامرٍ
الجهني لمّا قال للنبي ﷺ : "أمِنَ القرآن، "، قال: "فصلى الصبحَ بهما"، فيمكنُ أن يكونَ عبد الله لمّا لم يسمع جواب النبى ﷺ بأنّهما قرآنٌ وعرف أنّه صلى الصبح بهما قَوِيَ عندهُ أنهما من كلام الله تعالى ال منزَل عليه غير أنّه لم يُحبّ أن يُسقى قرآنا، لأنّ رسول الله لم يسمِّه بذلك.
- ومنها: أن يكونَ لم يسمع قط الرسول ﷺ يصلّي بهما في صلاة كما صلى بغيرهما ولا سمعه يُفرِدُهُما بالدرس، فلما سُئِلَ عبد الله عن جواز الصلاة بهما قال لسائله: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ صلى بهما قط"، فظنّ به لأجل ذلك أنّه يعتقدُ أنّهما ليستا من جُملة القرآن.
فهذه الأسباب هي التي طَرَحَتْ عليه إضافةَ جحدِهما إليه، ودخولَ
الشبهة على بعض من ليس من أهل عصره، ولا ممّن شاهده وعرفَ أحواله
стр. 264
ومقاصده، ولولا أن ذلك قد كان منه لم يكن إلى التأويل عليه سبيلٌ ولا
طريقٌ، وليس لأحدٍ أن يقولَ: ما يكونُ السببُ الذي كان منه غير ما وصفتم، لأنه لا شيء ظهر عنه وحالٌ بدتْ يُوهّم بها عليه ما أُضيف إليه غيرُ ذلك، ولو قد كان منه أو حدث هناك في باب المعوّذتين شيء غيرُ ما وصفناه
لوجب ذكرهُ وتوفُّرُ الدواعي على نقله، وليس في شيءٍ من هذه الأمور ما
يدلُّ على أنّ عبدَ الله لم يكن يعتقدُ كون المعوذتين قرآناً مُنزَلاً من كلام الله
تعالى ووَحيه وإن رأى أن لا يسمّيه قرآناً.
فإن قال القائل: فخبّروني قبل أن تكلّموا على تأويل سبب كل خبرٍ كان
منه في هذا الباب: إذا كنتُم قد عرفتُم أنه ليس فيما ذكر عنه من هذه الأمور
ما يدلُّ على إخراجه المعوّذتين من القرآن، فلم سأل زِرّ بنُ حُبيشٍ أُبيّاً عن
ذلك، ولم سأل الناسُ علقمة والأسودَ وغيرهما من أصحاب عبد الله عن
المعوّذتين وعن قولهم وقول عبد الله في ذلك؟
قيل لهم: إنَّ هذا أيضاً مما لا يلزمُنا عُهدتُه وتطلُّبُ المخرج منه، ولا
معرفةُ السبب الباعث على السؤال عن ذلك والمبين له، غير أنّنا نقول: ليس
يمتنعُ أن يكون زِزٌ بنُ حُبَيشٍ وغيرُه ممّن سأل أصحاب عبد الله عن هذا
الباب توهّموا أو خطرَ لهم أنّ عبد الله قد اعتقدَ أنّهما ليستا من القرآن لتركه الصلاة بهما أو تركه تسميتهما قرآناَ وتركه إثباتهما في مصحفه، ولم يكن منهم نظر في ذلك وتَوفيةٌ للفحص عنه حقّه، فلمّا نظروا وتأمّلوا عرفوا أنّه ليس في شيءٍ من ذلك ما يدلُّ على ماظنُّوه، ولمّا لم يجد زِرُّ بنُ حُبَيشٍ عندَ
стр. 265
أُبيّ إلا الإخبارَ بأنهما من وحي الله تعالى وكلامه، ولم يجد من سأل أصحابَ
عبد الله عندَهم إلا الإقرارَ بكونهما قرآناً وأنّه مذهبُ عبد الله، انقطعَ الكلامُ والخوضُ وقلّ خطرُه ودَرَسَ ذكرُه، وزالت الشبهةُ عن الناس في هذا الباب، فلما نبغ المُلحِدُون والمنحرفونَ والطاعنونَ على القرآن والسلَف ونصبوا الحبائل والغوائل في ذلك لأهل الإسلام وتطلَّبوا لكفرهم وبدعتهم الأباطيل والتعاليل أكثروا وأعادوا وأبدَوا بذكر سؤال زِرِّ لأبيٍّ عن ذلك، وسؤال من سأل أصحاب عبد الله عن هذا الباب، وخَيَّلوا للناس أنّ كل من سأل عن ذلك فإنّما كان يسألُ لدفعه أن يكون قرآنا، ولظهور شك الناس في ذلك ونزاعهم وتشاجُرِهم فيه، وليس الأمرُ في ذلك على ما أوهموا به، وإنما قصدُهم الطعنُ على الشريعة والقدحُ في نقل القرآن فقط، فأما أن يكون على أحد من الصحابة والتابعين شك في أنّ المعوّذتين من كلام الله تعالى ووحيه ومما أنزله على رسوله ﷺ فمعاذ أن يكون ذلك كذلك.
فإن قالوا: فلم زعمتُم أنه ليس في شيءٍ مما ذكرتموه، وقلتُم إنّه هو
الذي طرقَ سوء التأويل على عبد الله، ما يدلُّ على أنّه لم يكن معتقداً لجحد
المعوّذتين وإنكاره أن يكون من كلام الله تعالى؟
قيل لهم: يدلُّ على ذلك أنّ إسقاطَه للمعوّذتين من مصحفه يحتمل
أموراً غير جحده لكونهما قرآناً وكلاماً لله تعالى، فمنها: أنّه يمكنُ أن يكونَ
إنّما لم يثبت الحمد والمعوّذتين في مصحفه لشهرة أمرهما في الناس وكثرة
الحقاظ لهما وفى دوام الصلاة بالحمد والمعوّذتين في كل ليلة، وكثرة تعوُّذ
الناس بالناس والفَلَق، واعتقاده أنّ حفظهما وحفظ الحمد في الناس فاشٍ
ظاهرٌ لا يحتاجُ معه إلى إثباتهما وتقييدهما بالخطّ، فدعاه ذلك إلى ترك
إثبات هذه السورتين.
стр. 266
ويمكنُ أيضا أن يكون إنّما لم يكتبهما ولا الحمد لأنه لم يرَ قطُّ رسول
الله ﷺ أكتبَهنَّ أحدا ولا أمر بكتابتهن، ولا اتفقَ أنّه بلَغَه ذلك من وجه يُوجِبُ العلمَ عنده، ورآه صلى الله عليه قد كتبَ جميعَ سور القرآن، وأمرَ بأن تكتبَ فكُتب منه ما كتَّبه رسولُ الله ﷺ وكُتِبَ بحضرته وأمرَ بأن يُكتب، ولم يكتَب الحمدَ والمعوذتين، لأن رسول الله ﷺ لم، يُكتبها، فتكون شدة ُ إيثاره للاتباعِ وترك الإحداث في القرآن لما لم يفعل رسولُ الله ﷺ هو الذي حداه على ذلك، وهذا غايةُ التشدد.
وأدلُّ الأمور على الوَرعَ، ويكون باقي الناس، إنما كتبوا هذه السورة لعلمهم بأنّ رسول الله ﷺ كتبهن كما كُتب غيرُهن.
فإن قال قائلٌ: هذا الذي قُلتم مما لم يُذكر ولا رُوِيَ عن عبد الله.
يقالُ لهم: يمكن أن يكون لم يُقَل ذلك كله لأنه لم يُسأل عنه، لأن
الناس لما سمعوه - مع ترك كتابته هذه السورة - يقرؤهن ويصلي بهن.
ويديمُ الصلاة بهنّ والدرس لهُن، وإن كان لا يُفرِدُهنّ في الصلاة ولا في
الدرس: زالت عنهم الشُّبهةُ في أن يُعتقَدَ كونُهنّ قرآناً، فلم يُباحثوه عمّا دعاه إلى ترك كتابتهن في مُصحفه، وهذا جائز ليس ببعيد، وإذا احتَمَلَ تركُ كتابة هذه السورة ما وصفناه بطل التعلقُ بهذا الباب.
ويجوزُ أيضاً أن يكون عبد الله إنما لم يكتب الحمدَ والمعوّذتين في
مصحفه على خلاف ترتيب إثباتها في مصحف عثمان، بل كان يرى أن يثبته
على تاريخ نزوله، فلمّا رتّبَ ذلك لنفسه كَرِهَ أن يُقدّمَ على سُورة في
المصحف السُّور التي أُنزِلت قبلها على ما أوجبه التاريخ وترتيبُ مصحفه.
لأجل تسمية رسول الله ﷺ وجمع الأمّة الحمدَ فاتحةَ الكتاب وأمّ الكتاب، فامتنع لذلك من أن يفتتحَ المصحف بغيرها لئلا يخالف السُّنّة في
стр. 267
هذه التسمية ويؤخَر كتابةَ ما هو الفاتحة، وكره أيضاً مع ذلك أن يثبتها في
أول المصحف مقدَّمَةً على ما نزل قبلها، فيكونُ بذلك كاتبا لها على غير
تاريخ النزول، ومُفسِدا به ما أصَّل كتابةَ مصحفه عليه، فترَكَ لأجل ذلك أن
يكتبها لا لأجل جحده أن تكون قرآناً منزَلاً، فلمّا فعَلَ ذلك في الحمد الذي
هو فاتحةُ الكتاب فعلَ مثله في الخاتمة، لاعتقاده أنّه قد نزل بعدَ نزول الناس
والفَلَق شيءٌ من القرآن، فكَرِهَ أن يختمَ بذلك النازلَ الذي هو آخرُ ما نزل
لأنّ السُّنّةَ غيرُ ذلك، وكَرِهَ أن يثبتَ الناسَ في خاتمة مصحفه فيكونَ قد قدّم
على الناس والفَلَقِ في الرسم ما هما قبله في النزول، فيُفسدُ أيضاً بذلك
تأليف مصُحفه على التاريخ الذي عمل عليه، وإذا احتمل الأمرُ ما وصفناه لم
يجب حملُ ذلك منه على جحد ما ترك رسمه وكتابته وإن كان عنده كونَه
قرآناً مُنزَلا.
فإن قال القائل: ما قلتموه في الخاتمة من التأويل إنّما يتم لكم في
الناس التي هي الخاتمةُ، فما بالُه لم يثبت الفَلَقَ - وهي سور منفصلة عنها -
على تاريخ نزولها؟
قيل له: يُمكنُ أن يكون إنما فعل ذلك لأنّه لم يَسمَع رسول الله ﷺ قطُّ يتلو الناسَ مفرَدةً منفصلةً من الفَلَق، ولا رأى أحداً يكتبُها مفرَدة عنها، فرأى أن السُّنَّة في إثباتها ما فعله رسولُ الله ﷺ من الجمعِ بينهما في الرسم، وذلك كان عنده ناقضاً لتأليف مصحفه أو فعله، فلم يفعَلْه، أو لأنّه رأى أنّ السُّنّة في إثبات هاتين السورتين في الوصل بينهما كالسُّنّة في تلاوة الرسول لهما، فلم يجب أن يُفرّق بينهما في الرسم ولا أن يَحْتِمَ بهما جميعاً مصحفه، وقد نزل قبلهما قرآن غيرُهما، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما سأل عنه السائلُ.
стр. 268
وقد يُحتملُ أيضاً أن يكونَ إنما تركَ كتابةَ الحمدِ في مصحفه لأجل أنه
كان المستحب المندوبَ إليه عنده أو من سُنَنِه هو وعادته أن لا يقرأ شيئا من
القرآن إلا قرأ قبله سورة الحمد، فإذا قطعَ القراءة وأخذ في عملٍ غيرها ثم
أرادَ العَودَ إليها ابتدأ أيضاً بالحمد من حيثُ قَطَعَ، ثم كذلك أبداً كُلّما قطع
وابتدأ، ورأى مع ذلك أن المستحبَّ في كتابةِ القرآن من هذا مثلُ المستحَب
منه في تلاوته، ولم يُمكِنه التبتلُ لكتابة مصحفه من أوله إلى آخره دفعةً
واحدةً من غير قطعه وتشاغُلٍ بعملٍ غيره، وأن يستكتب له كَتاباً يكتبُهُ له على هذه السبيل، وهو مُستسلِمٌ يحتاجُ إلى إقامة صلاته وأكل ما يُقيمُ رمقه وغير ذلك مما تَمس الحاجةُ إليه ويقطعُه الاشتغالُ به عن كتابتِه للمصحَف، فرأى عند ذلك أنّه يجبُ أن يكتب الحمد في كلّ موضعٍ قُطِعَ عند الكتابة ثم يصلُها بما بعد الذي انتهى إليه، فيحتاجُ أن يكتُبها في مواضع كثيرة من المصحف، وفي ذلك نقضٌ لتأليف المصحف وإفسادٌ له، فعدل لأجل ذلك عن إثبات الحمدِ جُملةً، ورُوِيَ عن إبراهيم النخعيّ أنّ عبد الله بن مسعود كان لا يكتبُ فاتحة الكتاب، ويقولُ له: "لو كتبتُها لكتبتُها في أوّل كلّ شيء"، يعني بذلك أنه كان يكتبُها عند كل شيءٍ ابتدأ به بعد قطع ما قبله على ما قلناه من قبلُ، وأن يكتبَه في أول كل جزءٍ إذ قَسَّمَ المصحف وجعله أجزاءً مفرداً، وذلك نقضٌ لتأليف المصحف، فهذا إن صحَّ عنه يدلُّ على أن الأمرَ في ذلك كان عندَه على ما تأوَّلناه.
وفي الجُملة فإنّنا قد علمنا أن عبدَ الله بن مسعودٍ لم يكتب الحمد في
مصحفِه، وجاءت بذلك الأخبارُ عنه كمجيئها بأنّه لم يكتب المعوذتين في
стр. 269
مصحفه، وقد عُلِمَ وتُيُقِّنَ أنّ عبد الله لم يكن يُنكرُ كون الحمد قراَناً منزلاً.
وأنّه كان يعتقدُ هو وكل مسلم إكفار من جَحَدَ كونَها من القرآن، وكيف لا
يكونُ ذلك كذلك وأمرُها أظهرُ وأشهرُ وأقاويلُ الرسول صلى الله عليه فيها
أكثرُ منه في غيرها، وهو يراه ويسمعُه ويصلّي بها في اليومِ والليلةِ يبيتُ
مراتٍ يجهرُ بقراءتها فيها ويداومُ عليها، ويسمعُ رسولَ الله ﷺ يقرؤها ويحث على تعلمها وحفظِها ويُعَظمُ شأنَها ويُعيدُ ويُبدي بذكر فضلها.
وروى أبو هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ وقد قرأ عليه أُبيُّ ابنُ كعبٍ أمَّ القرآن فقال: "والذي نفسي بيده ما أنزلَ الله جلّ وعزّ في التوراةِ ولا في الإنجيل ولا في الزَبُور ولا في القرآن مثلها، إنها السبعُ من
المثاني ".
وروى أبو هريرة أيضاً عن النبي صلى الله عليه أنّه قال: "هيَ
فاتحة الكتاب، وهي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيم ".
وروى الحسنُ عن النبي صلى الله عليه أنه قال: "مَن قرأ فاتحة الكتاب فكأنّما قرأَ التوراةَ والإنجيلَ والزَبُورَ والفرقانَ ".
стр. 270
وروى أيضا ابو هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه أنه قال: "يقولُ الله سبحانه:
قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفَين، نصفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعبدي
ما سأل، يقومُ العبدُ فيقول: الحمدُ لله رب العالمين، فيقول الله تعالى:
حمدني عبدي، ويقولُ العبدُ: الرحمن الرحيم، فيقولُ الله: أثنى علي
عبدي، ويقولُ العبدُ: مالكِ يومِ الدين، فيقولُ الله تعالى: مجَّدَني عبدي.
ويقولُ العبدُ: إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعين، فيقول الله تعالى: هذه بيني وبين
عبدي: أؤلُها لي وآخِرُها لعبدي، وله ما سأل، ويقول العبدُ: "اهدنا الصراط المستقيم" إلى آخرها، فيقولُ الله تعالى: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ".
في نظائر لهذه الأخبار وردت في تعظيمِ شأن الحمد وفضيلتها، والنصّ
على كونها قرآناً، فقد أصارَها إلى ما هيَ عليه من الظهور، فلا شُبهةَ على
عبد الله بن مسعود ولا على غيره في كفر من أنكرها وجَحَدَها، وعبدُ الله مع
ذلك يتركُ كتابتها في مُصحفه لوجهٍ ما، فكذلك يجبُ أن يكون إنما ترك
كتابةَ الناسِ والفَلَقِ لوجهٍ ما.
وروى أبو عُبَيد عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سِيرِين
قال: "كتب أُبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوّذتين، واللهم إنّا
стр. 271
نستعينُك، واللهمّ إيّاك نعبُد، وتركَهُن ابنُ مسعود، وكتب عثمان منهم فاتحة الكتابِ والمعوّذتين ".
وروى الشَعبي عن ابن عَوفٍ عن محمدِ بن أُبي بن كعب: "كتب أُبي خمس سُوَر في المصحف، فاتحة الكتاب والمعوّذتين، واللهمُ إنّا نستعينك، واللهمّ إياك نعبدُ، ولم يكتبهُنَّ ابنُ مسعود، فلمّا جمع ابنُ عفّان المصحف كتب ثلاثا وأخر اثنتين، فاتحة الكتاب والمعوذتين، وأخر اللهمّ إنا نستعينك، واللهمّ إيّاك نعبد".
فمَن ظنّ بعبد الله أنّه إنما أسقط المعوذتين من مصحفه لكونهما غير
قرآن عنده لزمه مثلُ ذلك في إسقاطه الحمدَ من مصحفه، ومن اتَهمَ عبد الله
بذلك وقَذَفَه به واعتقد فيه فليس هو عندنا بمحل من يُكلم في العلم ولا ممّن
يُرجى فهمه واستدراكُه.
فأما تركُ عبد الله لإفرادهما في درسه وإفرادهما في الصلاة بهما إذا
صلى ويملأُ وقته أبدا في الصلاة والدرس بغيرهما، إن كان فعل وثبت من
اختياره فإنّه لا يدُل أيضاً على أنه كان لا يعتقدُهما قرآنا مُنزَلاً، لأجل أنّه قد
يعتقدُ أن السُّنّة والفضل والاختيار في أن لا يفرِدَهما في الدرسِ ولا في
الصلاة، لأنّ رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك فيما رواه وسمعه.
وقد كان مجاهدٌ فيما ذكر عنه يَكرَهُ ذلك، وروى يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ عن إبراهيم بن نافعٍ قال: سمعتُ سُلَيماً مولى أم علي أنّ مجاهداً
стр. 272
كان يكرهُ أن يَقرَأ بالمعوذاتِ وحدها حتى يجعل معها سورةً، ولم يجب
لأجل ذلك أن يكون مجاهد منكراً لكون المعوذتين قرآنا، وكذلك عبدُ الله.
إن ثبت ذلك عنه، وقد قال الشافعيُ: إنه لا يُقتَصَرُ في الأربع ركعاتٍ على
فاتحة الكتاب وحدها، ولم يدل ذلك على أنها ليست بقرآنٍ عندَه وكذلك
حكمُ الناس والفَلَق عند عبد الله ومجاهدٍ في أنّهما لا يُفرَدانِ في الصلاةِ
والدرس عن غيرهما، ولا يُقرَآنِ إلا متَّصلتَين بسواهُما، وإن كانتا من القرآن
ال منزَل على رسول الله ﷺ ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما التأوُّلُ عليه في إخراج المعوّذتين من كلام الله تعالى بهذا الضرب من التأويل.
وأمّا جوابُه لمن قال له: "إن العَوْذَ من القرآن " بأنّها ليست من القرآن.
فإنّه رد يدلُّ على إنكاره إن كان قد سُئِلَ عن ذلك في عَوْذةٍ ليست من
القرآن، وقال ذلك لأنه لم يسأل عن العَوْذةِ التي هيَ الفَلَقُ والناسُ أو هما.
وإنّما سُئِلَ عن عَوذةٍ ليست من القرآن، وليس كل عَوذةٍ رُوِيَت عن النبي ﷺ من القرآن، وكان يجبُ لمتوَهم ذلك على عبد الله أن يتأمل ما الذي يُسأل عنه من العوذ وأن يستفهم عبد الله: أفيُ عوذة أنكرت كونَها من القرآن، الناسُ والفَلَقُ أم غيرُها، ولا يتسرعَ إلى اعتقاد الباطل فيه بالتوفهم والظن، فبطلَ أيضا التأوُّلُ عليه بهذا الجوابِ وإن كان قد وقعَ منه.
وأما التأويلُ عليه في جحدهما وإنكارهما بمنعِهِ تسميتَهما قرآنا - إن كان
قد امتنعَ من ذلك - فإنه أيضاً باطلٌ، لأنّ الله تعالى لو نصَّ لنا أو رسوله ﵇ على أن لا يُسمى يوسفُ والرعدُ قرآنا لوجَبَ أن لا يُسميها بذلك لأجلِ السمع والاتباع، وإن لم يدُل تركُنا لهذه التسمية على اعتقادنا أنهما
стр. 273
ليستا من القرآن، فكذلك سبيلُ مَن تأوَّلَ تأويلاً أداه إلى الامتناعِ من تسميةِ
المعوذتين قرآناً في أنه لا يجبُ بهذا القدر أن يُعتقدَ فيه إنكارُ كونهما قرآناً.
وسواءٌ غَلِطَ وتوهمَ في ذلك الاجتهادَ أم أصاب وصحّح.
فأما تعلقُ عبد الله في منع تسميتها قرآناً وغيرِها بروايةِ أُبي عن النبي
ﷺ أنّه قال لمَّا سأله: أمِنَ القرآن هما،: "قيلَ لي: قُل، فقلتُ "، فإنه لا تعلُّق في ذلك لعبدِ الله ولا لأبى ولا غيرِهما مِن كلِّ مَن توفهم ذلك، لأنّ قولَ الرسول صلى الله عليه: "إتما قيل لي: قُل، فقلت "، ليس بنفي لتسميتهما قرآناً، بل هو تنبيهٌ منه على أنه قرآن، قيل له: "قل، واقرأ على حسب ما أُوحِيَ إليك وقيل لك، ولو كان قولُ الله تعالى له في السورتين: (قل) وإخبار الرسول بأنّه أقرَّ بذلك دلالةً على أنّهما ليستا من كتابِ الله لوجبَ أن تكون هذه سبيلَ كل موضع قيل له: قل.
وقد قال الله سبحانه لنبيه: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) .
وقال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) .
و (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ) .
في نظائرَ لهذه الآيات
قد قيل له ﷺ في جميعها: (قل) ، ولم يُصير ذلك شُبهة لأحدٍ في أنها ليست بقرآن، ولا مما يجبُ أن يسمى قرآنا، وكذلك قوله: (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ اَلفَلَق) و (قُل أَعُوذ بِرَبِّ اَلناسِ) لا يدلُّ على ذلك، وقولُ الرسول ﷺ : "قيل لي: قل.. " ليسَ فيه تصريحٌ بأنّ ما قيل له فيه: (قل) ، ليس بقرآن ولا تنبيهٌ على ذلك أيضاً، فبطل التأويلُ في إخراج المعوذتين عن أن تكون قرآناً بهذه الروايةِ وهذا الجوابِ مِن رسولِ الله ﷺ .
стр. 274
روى عبدُ الله بن محمد بن أبي شيبة عن حسين بن علي عن
زائدة عن عاصم عن زِرِّ بن حُبَيش قال: قلتُ لأبي: إنَّ ابن مسعود لا
يكتبُ المعوِّذتين في مصحفه، فقال: "إني سألتُ عنهما النبيَّ ﷺ فقال: "قيل لي: قل، فقلت "، فقال أُبيّ: نحن نقولُ كما قيلَ لنا"، وقد عُلِمَ أنّ أُبيّا مع ذلك ومع قوله: "فنحن نقولُ كما قيلَ لنا" قد كتب المعوِّذتين ولم يعتقد خُروجَهما عن كلام الله جلَّ وعزَّ ولا منعَ تسميتَها قراَناً، وهو الأصل في هذه الرواية، فوجبَ أنّه لا تعلُّق لأحدٍ فيها مع نفيِ كون المعوِّذتين قرآناً، ولا في من تسميتها بذلك.
فأمّا ما رُوِيَ مِن حَكِّ عبدِ الله للمعوِّذتين مِن المصحف فإنّه بعيد.
ويجبُ أن يكون ذلك إنّما رُوِيَ عنه عن طريقِ الظنِّ به والتوهم عليه، لأنه لو كان مِن عبد الله حَكُّ المعوذتين من المصحفِ ظاهرا مشهورا معلوماً لم يَخْلُ ذلك الحكُّ الذي كان منه وظهرَ من أن يكون حَكّا لهما من مصحفه
ومصاحف أصحابه التي انتُسِخَت منه أو من مصحف عثمان وفروعه التي
انتُسِخَت منه، فإن كان ذلك إنّما كان حكّاً من مصحفه، فذلك باطل، لأنّه
لم يُلفِهما ثابتتَين من مصحفه ولا كتبَهما، فكيف يمحوهما منه! وكذلك
سبيلُ فروعِ مصحفه.
стр. 275
وإن كان إنّما حكَّهما من مصحفِ عثمانَ أو بعض فروعِه فذلك أمر
عظيم وخَطْب جَسِيم وعمل لنفسِه على خَطِّه من الخلاف الشديد وشقِّ
العصا، وقد عُلِمَ أنّ ذلك لم يكن مما يمهيّأ لعبدِ الله بن مسعودٍ، ولأنه لو
كان منه لَعظُمَ الخَطْبُ بينه وبينَ عثمانَ والجماعة ويجري في ذلك ما تَشِيبُ
منه النواصي، وما يجبُ أن يَهجُمَ علمُه على نفوسِنا فيُلزِمَ قلوبَنا، وفي عدمِ
العلمِ بذلك دليل على أن ذلك لم يكن من عبد الله.
وإن كانَ إنما فعل ذلك سراً وفي خفيةً عن الناس في بعضِ المصاحف
فقد دلَّ هذا الخوفُ منه أنّ أمرَ المعوِّذتين في المسلمين مشهور ظاهر، وأنّه
لا يمكن لمسلمٍ أن يُكاشِفَ بإنكارهما أو حكِّهما من المصحف، وعبدُ الله
أولى الناسِ بعلمِ ما عرفَه المسلمون وإنكار ما أنكروه، على أنه إن كان قد
فعلَ ذلك فمَن ذا الذي رآه منه وخَبَّر به عنه وهو قد استسرَّ بذلك؟!
وإن كان قد استسرَّ بينَ جماعة يُعلَم أنّه لا يَكتُمُ عليه ما يُظهِرُهم عليه من أفعاله وأقواله فليس ذلك بسِرٍّ منه، بل يجبُ أن يكونَ ظاهراَ عنه، وإن كان قد استسَرَّ به بحضرةِ الواحدِ والاثنين ما يجبُ أن تضيفَ إلى عبد الله ذلك
ويُقطع عليه ومِن دينه بخبر واحد ومَن جرى مجراه ممّن لا يُوجبُ خبرُه
علماً ولا يقطعُ عذراً، فيجبُ إذا كان ذلك كذلك إبطالُ هذه الروايةِ عنه.
وقد رُوِيَ عن عبدِ الله أنّه كان يحكُّها بلفظِ الواحد دونَ التثنية، وهذه
الروايةُ خلافُ روايةِ مَن روى: كان يحكُّهما، فلعل بعضَ المنحرفين زاد فيه
ميماً، أو لعلَّ بعضَ الرواة توهَّم ذلك، أو لعلَّ بعضَ الكَتَبة غَلِط فزاد ما يدلُّ على الكناية عن الاثنتين وهذا ليسَ ببعيد.
وقد روى عبدُ الرحمن بن زَيدٍ
стр. 276
قال: "كان عبدُ الله يحكُّها ويقول: لا تخلطوا به ما ليس منه " يعني
المعوذتين، وهذا تفسيرُ الراوي ليس هو النص من عبد الله على ذلك
فيُحتمل أن تكونَ التي حكَّها هيَ الفواتحُ والفواصلُ التي لا يجوزُ عندَه أن
تكتَبَ في المصحف على ما رويناه عنه وعن غيره في باب الكلام في بسم
الله الرحمن الرحيم، فهذه الروايةُ التي ليس فيها لفظُ التثنية تقوِّي ما قلناهُ من
تاويلِ ذلك عليه أو توهُّمه، فقد رُوِيَ عن عبد الله بن مسعودٍ أنه رأى خطأً
في مصحف فحَكَه وقال: لا تخلطوا به غيره "، فيمكنُ أن يكونَ مَن رآه
يُحك لم يره يحُك الخط، وقد كان سبقَ علمُه بأنه لا يكتُبُ المعوِّذتين
فتسرع إلى أنّه كان يحُك المعوذتين، فروى على التأويل أنه كان يحكُهما.
على أنّه لو رُوِيَ بلفظِ التثنيةِ أنه كان حكَّهما لاحتملَ ذلك التأويل.
فيُحتملُ أن يكونَ كان يحُك حرفين وقراءتين لم يَثبُتا عنده، وكلمتين قد
كُتبتا ملونتَين، أو على وجهٍ لا يجوزُ عندَه.
ويُحتمل أيضاً أن يكونَ المرادُ بلفظ التثنيةِ أنه كان يحُك الفاتحةَ
والخاتمةَ، فعبَّرَ عن جِنْسِ الفاتحةِ والخاتمة اللتين كان يكتبُهما بعضُ الناس
стр. 277
بلفظ التثنية، وقد رُوِيَت أخبار بأنه كان يحُكُهما ليسَ فيها ذكرُ المعوِّذتين.
وإذا كان ذلك كذلك حُمِلَ الأمرُ فيما رُوِيَ عنه على ما وصفناه على بيانه.
ولو ثبت عنه بنص لا يحتَمِلُ أنه كان يحُكُّ الناسَ والفَلَق من المصحف
لاحتَمَلَ ذلك تأويلات عن إنكارِه أن يكونوا قرآناً، فمنها أن يكونَ إنّما
حكَهما لأنه لم يَرَ رسولَ الله ﷺ كتبها بحضرته، ولا أمرَ بذلك فيهما، فاعتقدَ لهذا أنّ السُّنَّة فيهما أن لا يُكتبا.
ومنها أن يكونا قد كُتِبا في بعضِ المصاحف في غير موضعهما الذي
يجبُ أن يُكتبا فيه وأن يكون الذي كتبَهما حيثُ تيسر له وإلى جنبِ البقرة
لمّا حَفِظَها، فحكَهما وأراد بقوله: "لا تخلطوا به ما ليس منه ": التأليف
الفاسدَ الذي ليسَ منه، دون ذاتَي السورتين.
ومنها أن يكونَ قد رآهما كُتبتا بزيادةٍ ونقصانٍ وضربٍ من التغيير
فحكَّهما لما لحقهما في الرسم ممّا يُفسدُ نظمَهما وترتيبَهما وقال: "لا
تخلطوا به ما ليس منه " يعني: فسادَ نظمِها وترتيبهما، ولم يَرَ في ذلك شيئاً
لحقَه الفسادُ والتغييرُ غيرَهما فخصهما بالذكر لهذه العلّة.
ومنها أن يكونَ إنّما حكَهما لأنه كان من رأيه أن لا يثبِتَ القرآنَ إلا على
تاريخ نزوله، وأنه يجبُ لذلك إسقاطُ رسمِ فاتحة الكتاب والمعوذتين لأنّهما
قد جُعِلَتا خاتمتَين في التلاوة، وتقديمُ نزولهما يمنعُ مِن تأخيرِهما في الرسم
وإن تقدَّم عليهما ما نزلَ بعدَهما، فحكَّهما لذلك وقال: "لا تخلطوا به ما
ليس منه "، يعني بذلك إنْ ختموه في القراءةِ والتلاوة بهذه الخاتمةِ وافتتحوه
بالفاتحة، ولا تكتبوهما على غيرِ تاريخ نزولِهما.
وإذا كان ذلك كذلك واحتَمَلَ حكُهما ما وصفناهُ بطلَ مَن زعم أنه يجبُ
حملُ هذا الفعلِ منه على جحدِ المعوذتين وإنكارِ كوبهما قرآنا، وفي بعضِ
стр. 278
هذه الجملةِ دلالةٌ باهرةٌ واضحةٌ على أنّ هذه الأخبارَ متكذَّبةٌ على عبد الله
بن مسعودٍ لا أصلَ لها، أو محمولة متأوَّلة على ما قلناه دون الجَحْدِ والإنكار
منه لكونهما قرآنا، وأنّه لا خلافَ بين سَلَفِ الأمّة في كونِ المعوذتين قرآنا
مُنزَلاً وكلاما لله تعالى، وأنّ النقلَ لهما والعلمَ بهما جارٍ مجرى نقلِ جميعِ
القرآنِ في الظهورِ والانتشار وارتفاعِ الريب في ذلك والنزاع.
وأمّا اعتراضُهم بأنه لو كان نقلُ القرآن ظاهراً مشهوراً عندَهم لم يحتجْ
أبو بكرٍ في إثباتِ ما جمعه منه إلى شهادةِ شاهدَين عليه، ولم يَشُك زيد في
آياتٍ منه لمّا جمعَه في أيام عثمان، فسنقولُ في ذلك قولاً بيّناً عندَ القولِ في
جمع أبي بكرٍ القرآنَ وجمعِ عثمانَ الناسَ على مصحفه، ونُجِيبُ هناك عن
جميعِ ما يَسُوغُ التعلق به إن شاء الله.
стр. 279
(باب)
ذكرِ اعتراضِهم في نقلِ القرآنِ بما رُوي عن النبيِّ ﷺ من قوله: "أنزِلَ القرآنُ على سبعة أحرف، كلّها شافٍ كافٍ ".
ووصفُ تواترُ الأخبارِ بذلك، وذكرُ تأويلها واختلافِ الناسِ
في تفسيرها، وهل نصَّ رسولُ الله ﷺ للأمّةِ على جميعِها وجملتِها وتفصيلِها ووقفَهُم على إيجابِها على حسبِ نصِّه
وتوقيفِه على نفسِ القرآنِ وجميعِ ما ظهرَ مِن ديِنه من الأحكامِ أم لا، ووصفُ ما نختارهُ في هذه الفصول.
فإن قالوا: كيف يجوزُ لكم أن تدَّعوا أنّ ظهورَ نقلِ القرآن، وما يجبُ له
وفيه، وأنّ رسولَ الله ﷺ ألقى ذلكَ إلى مَن تقومُ الحجّةُ بنقلِه ويجبُ العلمُ بخبرِه، وأنتم قد رَوَيتُم رواياتِ كثيرةَ متظاهرةَ عن النبي ﷺ أنّه قال: "أُنزلَ القراَنُ على سبعةِ أحرفٍ، كلُّها شافٍ كافٍ "، ثمّ
стр. 280
أنتم مع ذلك مختلفون في تأويلِ هذه السبعة الأحرفِ ومُدْهَشونَ في تفسيرها
ولا تعرفونَ شيئاً نحكُونه عن النبي ﷺ فيها.
فإن كان رسولُ الله ﷺ عندَكم قد بئنَ هذه الأحرفَ السبعةَ ونصَّ عليها، وعرفَ أجناسَ اختلافِها وما هي، وكيفَ يجبُ أن يُقرَأَ بها، وأوضحَ ذلكَ وقطعَ العُذرَ فيه وأنتم مع هذا مختلفون في ذلكَ الاختلافَ
الكثير، فلا تجدون خبراً تَرْوونه عن النبي صلى الله عليه في تفصيل هذه
الأحرفِ السبعةِ والنص عليها والتعريفِ لكلِ شيءٍ منها، إما لانقطاعِ الخبرِ
عن النبى صلَّى الله عليه عن ذلك أو دُثُورِه، أو لعناد الأمة وغَلَطِ سائرِ النقَلةِ
أو لغيرِ ذلك، فما أنكرتمُ أن يكونَ رسولُ الله صلَّى الله عليه قد نصَّ على
قرآنٍ كثيرٍ شُهِرَ أمرهُ وأُعلن النصُّ عليه وقُطِعَ العُذرُ في بابه، وإن جازَ أن
يجهَلَه بعضُ الأمّة ويُنكِرَه ويذهبَ عن معرفتِه، وجازَ أيضا أن ينقطعَ ذكرُه
ويعفُوَ أمرهُ ويَهِيَ نقلُه ويَندرِسَ ذكرُه، حتى يصيرَ إلى حدّ ما لا يُروى عن
النبي ﷺ ولا يُذكر كما جرى مثلُ ذلك في اندراسِ ذكر تفصيلِ الأحرف.
وإن كان الرسول صلى الله عليه عندَكم لم يُبين هذه الأحرفَ التي أُنزِلَ
القرآنُ بها وجرت الأمّة في القراءةِ بأنها شاؤوا، وأُمروا أن يعتقدوا أنها كلها
منزَلة مِن عندِ الله ومما لا يجوزُ ردُّه وإنكارُه وتَسخُطُه، وأنّ ذلك رخصة منه
وتيسير على عبادِه واستصلاح لخَلْقِه، ومما يجبُ أن يعلموا أنه منزَلٌ من
стр. 281
وَحيهِ ومشروعٌ في دينه، أو بيَّنها لآحادِ وأفرادِ من أُمتِه لا يُحتَج بخبرِهم ولا
تقطَعُ العذرَ نقلُهم، فما أنكرتم أيضا من أنَّه يجوزُ أن لا يبيّنَ كثيراَ من القرآن
الذي أُوحِيَ به إليه، ولا ينص عليه ولا يبلغُ كثيراَ من فرائضِ الذين ونوافِلِه
وما شُرعَ للأمةِ معرفتُه وأن يَصْدِفَ عن ذكرهِ جُملة، أو يثبتَه لآحادِ وأفرادِ لا تقومُ الحجَّة ُ بهم، ولا يُوجِبُ العلمَ خبرُهم، كما صنعَ ذلكَ في الأحرفِ التي أُمِرَ بتعريفها وبلاغِها والنص عليها.
قالوا: وهذا مما لا جوابَ لكم عنه، وهُو من أدل الأمورِ على تخليطِكم
هذا، على أنكم قد رويتم أيضًا في هذه الأخبارِ تفسيرا لهذه السبعةِ الأحرفِ
عن النبى صلَّى الله عليه والصحابةِ لا يجوزُ ولا يمكنُ أن تكونَ تفسيراَ لها
على قولنا وقولكم، لأنكم رَوَيتم أنها تحليلٌ وتحريم ووعدٌ ووعيدٌ وقَصَص
وأمثال وأمر ونهي، وأنتُم مع هذا ترَون أن رسولَ الله ﷺ قال: "فاقرؤوا كيف شِئْتُم"، وقال فيمَن قرأ عليه بالأحرفِ المختلفة: "أصبتُم وأحسنتم".
وأنّه قال: "فبأيها قرأتُم فقد أصبتُم وأحسنتم ".
فيجبُ على قولكم وروايتِكم هذه أن يكونَ مَن جعلَ مكانَ الأمرِ نهيا وموضعَ الوعيدِ وعداَ ومكانَ القَصَصِ أمراَ ونهياَ فقد أصابَ وأحسَنَ وأجمل، وهذا جهل مِن قائِلهِ وخلافُ دينِ المسلمين.
وكيف يكونُ أمرُ القرآنِ فيهم ظاهراَ مشهوراَ، وقد رَوَيتم في هذه
الأخبارِ أنّ أُبيًّا وعُمرَ بن الخطاب وعبدَ الله بنَ مسعودِ نافروا هشامَ بن حكيمِ
وغيرَه لما قرأ بخلافِ قرائتهم وردوها حتى ترافعوا إلى رسول الله صلى الله
عليه فأقرَّهم جميعا على ما قرؤوا به، وشُهرةُ القرآن تُوجِبُ علمَهم جميعا
стр. 282
ثم رَوَيتم بعدَ ذلك كلِّه ما ينقضُ ما روَيتمُوه أولاً! لأنكم قد رَوَيتُم عن
النبي ﷺ أنه قال: "أُنزِلَ القرآنُ على أربعةِ أحرفٍ "، وأنه قال مرةً أخرى: "أُنزل القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ "، وهذا ينقضُ أن يكونَ أُنزِلَ على سبعةِ أحرف.
وهذا كله يدلُّ على أنّ أمرَ القرآنِ لم يكن مشهوراً عندَهم ولا كان
عُذرُهم بيناَ منقطعاً، وأنّهم لم يعلموا في جميعِ ما كانوا فيه على نصِّ
الرسول في ذلك، بل اجتهدوا واستحسنُوا واستعملوا غالبَ الظنِّ والرأيِ
وتغيروا وتأمَّروا وعدَلوا عن معرفةِ الصواب وأخذِ الأمرِ عن أهلِه، ومن أُمِرَ
بالرجوعِ إليه، وأن لا يُفرِّقوا بينَ الكتابِ وبينه حيثُ قال لهم صلَّى الله عليه: "إئي مُخلِّف فيكم الثَقَلَينِ وما إن تمسكتُم به لم تضِلوا: كتابَ الله وعِتْرَتي
أهلَ بيتي، ألا وإنهما حبلانِ ممدودانِ ولن يَفْترِقا حتّى يَردا عليَّ الحوضَ ".
стр. 283
قالوا: على أن في الخبرِ إحالةً عن وجوهٍ أُخَر، منها:
- أنّه لا يجوزُ أن يُقال: أُنزل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ قبلَ نزولِ جميع
القراءاتِ الكاملة، وأنتم ترون أنّ رسولَ الله ﷺ قال ذلكَ قبل موتهِ بدهرٍ طويل، فهذا إحالة منكم.
ومنها: أنّ في الخبر ما يُوجِبُ إبطالَه، لأنه إذا نزلَ القرآنُ على سبعةِ
أحرفٍ أدّى ذلك إلى الاختلافِ والنزاع والهَرَج والرَّيبِ والشكِّ وإلى مثلِ ما
رَوَيتم أنّه جرى بينَ عُمرَ وهشامِ بن حكيمٍ وأُبيٍّ وعبدِ الله بن مسعود مع
مَن سمعوه يقرأ بخلافِ ما أقرأهُما الرسولُ ﷺ حتى شك أُبيّ واضطربَ على ما رويتُم، وذلك ما لا يجوزُ رده.
فيقالُ لهم: ليسَ في جميع ما وصفتُم شيءٌ يُعترَضُ على نقلِ القرآنِ ولا
يُوهِنُه ولا يُوجِبُ دخولَ زيادةٍ فيه ولا نقصانٍ منه، ولا تغييرٍ له ولا إمكانِ
ذلكَ فيه، وليسَ الخبرانِ اللذانِ يُذكر فيهما أن القرآنَ أُنزلَ على أربعةِ أحرفٍ وثلاثةِ أحرفٍ مناقضين للخبرِ الذي فيه أن القرآنَ أُنزل على سبعةِ أحرف، وليسَ منافرةُ عُمَرَ بنِ الخطاب لهشامِ بنِ حكيم، ومنافرةُ أبي وعبد الله لمن نافراه واستشنعا قراءته بدليلٍ على أنّ أمرَ القرآنِ نفسِه وما أُنزلَ منه لم يكن ظاهراً معلوما عندَهم، وكذلكَ ليسَ اختلافُنا نحنُ اليومَ في تأويلِ هذه
السبعةِ الأحرفِ دليلاً على أن نصَّ رسول الله ﷺ على نفس القرآنِ وتأليفِ آياتِ سُوَرِه لم يكن ظاهراً مشهوراً، ونحن نبينُ ذلكَ بما يُوضَحُ الحق إن شاءَ الله.
стр. 284
فأمّا شهرةُ أمرِ القرآنِ نفسهِ وظهورُ نصِّ الرسول ﷺ على جميع ما أنزلَه الله على طريقةٍ واحدةٍ ووجهٍ يُوجِبُ العلمَ ويقطعُ العذر، فقد بيناه وأوضحناه مِن قبلُ بما يغني عن إعادته، وليسَ يُوجِبُ ذلك عندَنا على الرسول ولا في حكمِ التعبُّدِ والشريعةِ أن يَنُصَّ الرسولُ لكافةِ الأمَّة أو مَن تقومُ به الحجَّة ُ على كلِّ حرفٍ من تلكَ الحروفِ والفصلِ بينَه وبينَ غيرِه، وأن يُوقِفَه على أنّ هذا الحرفَ الذي أقرأتُك به أو الحروفَ التي أقرأتُك بها
هيَ من جملة الحروفِ السبعةِ التي أنزَلَها الله تعالى دون وجوهٍ أُخَر قد كان
أنزلها فيما سلف ومما نزلَ من القرآن، ووجوهٍ قد كان يُقرِىءُ بها.
ولا يمتنعُ ولا يستحيلُ أن يكونَ الرسولُ ﵇ قد أعلم في
الجملةِ أنّ القرآنَ قد أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ وأوجهٍ نُص له عليها وعلى
تفصيلها، وخُيرَ في أن يُقرِىءَ أمته مجتمعين ومتفرقين كيفَ أحب وشاءَ على
أيَ وجهٍ سَهُلَ عليه وعلى الأخذِ عنه وتيسر له، وأن يُقرىءَ واحداً منهم
جميعَ السبعةِ الأحرفِ في سُوَرٍ كثيرةٍ من القرآنِ أو في جميعِه ولا يَنُصَّ له
على أن هذه الوجوهَ على السبعةِ الأحرف أو من السبعة الأحرفِ، ويُقرِىءَ
آحاداً منهم بواحدٍ منها فقط ولا يَنُص له على أنه أحدُ الأحرفِ السبعة، فيظُن القارىءُ أنّ ذلك الوجهَ ليس هو من السبعةِ الأحرف، ويُقرىءَ آخرَ باثنين منها أو ثلاثةٍ ولا يُعرفَ ذلك كما لم يُعرف الواحد، فلا يخرجُ ﵇ من الدنيا حتى يُقرءَ جميعَها على هذه السبيل وإن لم يكن منهُ نص على
تفصيلِها لكل آخذٍ عنه وإن كانت قد حصَلَت لجميعِهم وعُرِفَت عندَهم على
السبيل الذي وصفناه، وأن يكونَ تعالى قد عَلِمَ أن إلقاءَ هذه الأحرفِ وبيانَها على هذه السبيل من الجملةِ دونَ التفصيلِ مِن أصلحِ الأمورِ للأمة وأدعاها لهم إلى الإيمانِ وقبولِ القرآنِ والحرصِ على حفظِه ودراستِه، وأنّه لو
стр. 285
جَمَعَهم ونص لهم على تفصيلِ عددِ هذه الأحرفِ وجنسِ اختلافِها لنفروا عن
طاعَتِه وخالَفوا رسولَه.
وإذا لم يمتنعْ هذا ساغَ أن يكونَ بيانُه لهذه الأحرفِ لم يقع إلى كل
واحدِ منهم وإلى جماعتِهم مفصلاَ مبيَّنا بيانا يمكن أن يتقِنَه ويُحكِمَه، وإن
كان الرسولُ قد لَقَّنَ تلك السبعةَ الأحرف جميعَ الأمَّةِ على سبيل ما وصفناه.
حتى إنه لم يبقَ منها حرف إلا وقد أقرأ به بعضَ أمته ونص على جوازِه.
ونظيرُ ذلك أنّ إنسانا منا لو عرفَ قراءةَ السبعةِ الأحرفِ وعُلِمَ ذلك من
حاله واتساع معرفته بالقراءاتِ ثم آثرَ أن يُقرىءَ الناسَ بالجائز من ذلك وأن
لا يلقنَ كلَ أحدِ حرفا مجرداَ على وجهه من هذه الأحرفِ لساغَ له وجازَ أن
يُقرىءَ بعضَ الناس بحرف أبي عمروِ ولا يعرفَه أنه حرفُه، ويقرىءَ آخرَ
شيئا من القرآن بحرفِ ابن عامر، وشيئا منه بحرفِ عاصمِ ويقرىءَ آخرَ
شيئا بحرف حمزة، وشيئا بحرف ابن كثير، وشيئا بحرف يعقوبَ
الحضرمي، ثم لا يعرفه تفصيلَ هذه الحروفِ بل يعلمَه أن ذلك كلّه شائعٌ