Полный текст (756 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَحيهِ ومشروعٌ في دينه، أو بيَّنها لآحادِ وأفرادِ من أُمتِه لا يُحتَج بخبرِهم ولا
تقطَعُ العذرَ نقلُهم، فما أنكرتم أيضا من أنَّه يجوزُ أن لا يبيّنَ كثيراَ من القرآن
الذي أُوحِيَ به إليه، ولا ينص عليه ولا يبلغُ كثيراَ من فرائضِ الذين ونوافِلِه
وما شُرعَ للأمةِ معرفتُه وأن يَصْدِفَ عن ذكرهِ جُملة، أو يثبتَه لآحادِ وأفرادِ لا تقومُ الحجَّة ُ بهم، ولا يُوجِبُ العلمَ خبرُهم، كما صنعَ ذلكَ في الأحرفِ التي أُمِرَ بتعريفها وبلاغِها والنص عليها.
قالوا: وهذا مما لا جوابَ لكم عنه، وهُو من أدل الأمورِ على تخليطِكم
هذا، على أنكم قد رويتم أيضًا في هذه الأخبارِ تفسيرا لهذه السبعةِ الأحرفِ
عن النبى صلَّى الله عليه والصحابةِ لا يجوزُ ولا يمكنُ أن تكونَ تفسيراَ لها
على قولنا وقولكم، لأنكم رَوَيتم أنها تحليلٌ وتحريم ووعدٌ ووعيدٌ وقَصَص
وأمثال وأمر ونهي، وأنتُم مع هذا ترَون أن رسولَ الله ﷺ قال: "فاقرؤوا كيف شِئْتُم"، وقال فيمَن قرأ عليه بالأحرفِ المختلفة: "أصبتُم وأحسنتم".
وأنّه قال: "فبأيها قرأتُم فقد أصبتُم وأحسنتم ".
فيجبُ على قولكم وروايتِكم هذه أن يكونَ مَن جعلَ مكانَ الأمرِ نهيا وموضعَ الوعيدِ وعداَ ومكانَ القَصَصِ أمراَ ونهياَ فقد أصابَ وأحسَنَ وأجمل، وهذا جهل مِن قائِلهِ وخلافُ دينِ المسلمين.
وكيف يكونُ أمرُ القرآنِ فيهم ظاهراَ مشهوراَ، وقد رَوَيتم في هذه
الأخبارِ أنّ أُبيًّا وعُمرَ بن الخطاب وعبدَ الله بنَ مسعودِ نافروا هشامَ بن حكيمِ
وغيرَه لما قرأ بخلافِ قرائتهم وردوها حتى ترافعوا إلى رسول الله صلى الله
عليه فأقرَّهم جميعا على ما قرؤوا به، وشُهرةُ القرآن تُوجِبُ علمَهم جميعا
стр. 282
ثم رَوَيتم بعدَ ذلك كلِّه ما ينقضُ ما روَيتمُوه أولاً! لأنكم قد رَوَيتُم عن
النبي ﷺ أنه قال: "أُنزِلَ القرآنُ على أربعةِ أحرفٍ "، وأنه قال مرةً أخرى: "أُنزل القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ "، وهذا ينقضُ أن يكونَ أُنزِلَ على سبعةِ أحرف.
وهذا كله يدلُّ على أنّ أمرَ القرآنِ لم يكن مشهوراً عندَهم ولا كان
عُذرُهم بيناَ منقطعاً، وأنّهم لم يعلموا في جميعِ ما كانوا فيه على نصِّ
الرسول في ذلك، بل اجتهدوا واستحسنُوا واستعملوا غالبَ الظنِّ والرأيِ
وتغيروا وتأمَّروا وعدَلوا عن معرفةِ الصواب وأخذِ الأمرِ عن أهلِه، ومن أُمِرَ
بالرجوعِ إليه، وأن لا يُفرِّقوا بينَ الكتابِ وبينه حيثُ قال لهم صلَّى الله عليه: "إئي مُخلِّف فيكم الثَقَلَينِ وما إن تمسكتُم به لم تضِلوا: كتابَ الله وعِتْرَتي
أهلَ بيتي، ألا وإنهما حبلانِ ممدودانِ ولن يَفْترِقا حتّى يَردا عليَّ الحوضَ ".
стр. 283
قالوا: على أن في الخبرِ إحالةً عن وجوهٍ أُخَر، منها:
- أنّه لا يجوزُ أن يُقال: أُنزل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ قبلَ نزولِ جميع
القراءاتِ الكاملة، وأنتم ترون أنّ رسولَ الله ﷺ قال ذلكَ قبل موتهِ بدهرٍ طويل، فهذا إحالة منكم.
ومنها: أنّ في الخبر ما يُوجِبُ إبطالَه، لأنه إذا نزلَ القرآنُ على سبعةِ
أحرفٍ أدّى ذلك إلى الاختلافِ والنزاع والهَرَج والرَّيبِ والشكِّ وإلى مثلِ ما
رَوَيتم أنّه جرى بينَ عُمرَ وهشامِ بن حكيمٍ وأُبيٍّ وعبدِ الله بن مسعود مع
مَن سمعوه يقرأ بخلافِ ما أقرأهُما الرسولُ ﷺ حتى شك أُبيّ واضطربَ على ما رويتُم، وذلك ما لا يجوزُ رده.
فيقالُ لهم: ليسَ في جميع ما وصفتُم شيءٌ يُعترَضُ على نقلِ القرآنِ ولا
يُوهِنُه ولا يُوجِبُ دخولَ زيادةٍ فيه ولا نقصانٍ منه، ولا تغييرٍ له ولا إمكانِ
ذلكَ فيه، وليسَ الخبرانِ اللذانِ يُذكر فيهما أن القرآنَ أُنزلَ على أربعةِ أحرفٍ وثلاثةِ أحرفٍ مناقضين للخبرِ الذي فيه أن القرآنَ أُنزل على سبعةِ أحرف، وليسَ منافرةُ عُمَرَ بنِ الخطاب لهشامِ بنِ حكيم، ومنافرةُ أبي وعبد الله لمن نافراه واستشنعا قراءته بدليلٍ على أنّ أمرَ القرآنِ نفسِه وما أُنزلَ منه لم يكن ظاهراً معلوما عندَهم، وكذلكَ ليسَ اختلافُنا نحنُ اليومَ في تأويلِ هذه
السبعةِ الأحرفِ دليلاً على أن نصَّ رسول الله ﷺ على نفس القرآنِ وتأليفِ آياتِ سُوَرِه لم يكن ظاهراً مشهوراً، ونحن نبينُ ذلكَ بما يُوضَحُ الحق إن شاءَ الله.
стр. 284
فأمّا شهرةُ أمرِ القرآنِ نفسهِ وظهورُ نصِّ الرسول ﷺ على جميع ما أنزلَه الله على طريقةٍ واحدةٍ ووجهٍ يُوجِبُ العلمَ ويقطعُ العذر، فقد بيناه وأوضحناه مِن قبلُ بما يغني عن إعادته، وليسَ يُوجِبُ ذلك عندَنا على الرسول ولا في حكمِ التعبُّدِ والشريعةِ أن يَنُصَّ الرسولُ لكافةِ الأمَّة أو مَن تقومُ به الحجَّة ُ على كلِّ حرفٍ من تلكَ الحروفِ والفصلِ بينَه وبينَ غيرِه، وأن يُوقِفَه على أنّ هذا الحرفَ الذي أقرأتُك به أو الحروفَ التي أقرأتُك بها
هيَ من جملة الحروفِ السبعةِ التي أنزَلَها الله تعالى دون وجوهٍ أُخَر قد كان
أنزلها فيما سلف ومما نزلَ من القرآن، ووجوهٍ قد كان يُقرِىءُ بها.
ولا يمتنعُ ولا يستحيلُ أن يكونَ الرسولُ ﵇ قد أعلم في
الجملةِ أنّ القرآنَ قد أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ وأوجهٍ نُص له عليها وعلى
تفصيلها، وخُيرَ في أن يُقرِىءَ أمته مجتمعين ومتفرقين كيفَ أحب وشاءَ على
أيَ وجهٍ سَهُلَ عليه وعلى الأخذِ عنه وتيسر له، وأن يُقرىءَ واحداً منهم
جميعَ السبعةِ الأحرفِ في سُوَرٍ كثيرةٍ من القرآنِ أو في جميعِه ولا يَنُصَّ له
على أن هذه الوجوهَ على السبعةِ الأحرف أو من السبعة الأحرفِ، ويُقرِىءَ
آحاداً منهم بواحدٍ منها فقط ولا يَنُص له على أنه أحدُ الأحرفِ السبعة، فيظُن القارىءُ أنّ ذلك الوجهَ ليس هو من السبعةِ الأحرف، ويُقرىءَ آخرَ باثنين منها أو ثلاثةٍ ولا يُعرفَ ذلك كما لم يُعرف الواحد، فلا يخرجُ ﵇ من الدنيا حتى يُقرءَ جميعَها على هذه السبيل وإن لم يكن منهُ نص على
تفصيلِها لكل آخذٍ عنه وإن كانت قد حصَلَت لجميعِهم وعُرِفَت عندَهم على
السبيل الذي وصفناه، وأن يكونَ تعالى قد عَلِمَ أن إلقاءَ هذه الأحرفِ وبيانَها على هذه السبيل من الجملةِ دونَ التفصيلِ مِن أصلحِ الأمورِ للأمة وأدعاها لهم إلى الإيمانِ وقبولِ القرآنِ والحرصِ على حفظِه ودراستِه، وأنّه لو
стр. 285
جَمَعَهم ونص لهم على تفصيلِ عددِ هذه الأحرفِ وجنسِ اختلافِها لنفروا عن
طاعَتِه وخالَفوا رسولَه.
وإذا لم يمتنعْ هذا ساغَ أن يكونَ بيانُه لهذه الأحرفِ لم يقع إلى كل
واحدِ منهم وإلى جماعتِهم مفصلاَ مبيَّنا بيانا يمكن أن يتقِنَه ويُحكِمَه، وإن
كان الرسولُ قد لَقَّنَ تلك السبعةَ الأحرف جميعَ الأمَّةِ على سبيل ما وصفناه.
حتى إنه لم يبقَ منها حرف إلا وقد أقرأ به بعضَ أمته ونص على جوازِه.
ونظيرُ ذلك أنّ إنسانا منا لو عرفَ قراءةَ السبعةِ الأحرفِ وعُلِمَ ذلك من
حاله واتساع معرفته بالقراءاتِ ثم آثرَ أن يُقرىءَ الناسَ بالجائز من ذلك وأن
لا يلقنَ كلَ أحدِ حرفا مجرداَ على وجهه من هذه الأحرفِ لساغَ له وجازَ أن
يُقرىءَ بعضَ الناس بحرف أبي عمروِ ولا يعرفَه أنه حرفُه، ويقرىءَ آخرَ
شيئا من القرآن بحرفِ ابن عامر، وشيئا منه بحرفِ عاصمِ ويقرىءَ آخرَ
شيئا بحرف حمزة، وشيئا بحرف ابن كثير، وشيئا بحرف يعقوبَ
الحضرمي، ثم لا يعرفه تفصيلَ هذه الحروفِ بل يعلمَه أن ذلك كلّه شائعٌ
стр. 286
جائزٌ وأنّه حقّ وصوابٌ: لكان ذلك من فعله حسناً جائزاَ ولا سيّما إذا كان
ذلك أسهلَ عليه وأيسر.
وإذا ظن أنّ أخْذَه على المتعلم بالجائز أقربُ عليه وأسهلُ وأن تجويزَ
إقرائه بحرفٍ على وجهِه مما يَشُق ويصعب ويُنفرُه عن الحفظ والضبط.
فكذلك الرسولُ ﵇ إذا خُيِّرَ في إقراء الناس بالسبعةِ الأحرفِ المنزلةِ
عليه وجُعِلَ له فعلُ الأخف عليه، ولم يُؤخَذ عليه تفصيلُ تعريفِ ذلك
الناس، وظنَّ أنّ إقراءَهم بالجائز من ذلك أسهلُ عليهم وأيسر: جاز له له
تلقينُه على هذه السبيل وأن يقرىءَ رُبعَ القرآنِ بحرفٍ منها ويقرىءَ الربعَ
الآخرَ بحرفٍ آخرَ ويقرىءَ كل سُبعٍ منه بحرفِ من تلك السبعة، ويخلطَ ذلك
فلا يُفضَلَه تفصيلاً تعرفُه الأمةُ والآخذون عنه حرفا من حرف، بل يظنون
ذلك حرفاً واحداَ من السبعة يُقرأُ على وجهينِ وثلاثةٍ أو سبعة، أو حرفان
منها يُقرآنِ على تلك الوجوه.
ويجوزُ أن تكونَ هي كل السبعةِ قد أُقرِئوا بها شائعاً في جميع القرآن.
ويكونَ ذلك أصلحَ لهم وأنفعَ وأقربَ إلى تحفُّظِهم وحرصهم وتسهيل
دواعيهم على جميع القرآن ومعرفةِ تأويله وأحكامه دونَ عدد حروفه.
وتجريدِ كلِّ حرفٍ منه، غيرَ أنه لا بدَّ في الجملةِ مِن أن يُشتهرَ عن رسولِ الله
ﷺ جملةُ ما أقرأ به من الحروف، إما بتلقَيهِ منه أو بالإخبارِ به عنه، وإن لم يُعرَف بذلك تفصيلُ السبعةِ الأحرف.
فإن قال قائل: فهذا الذي ذكرناه من إقراءِ الرسول والصحابةِ على هذا
الوجه يُوجِبُ أن تكونَ الصحابةُ غيرَ عالمةٍ بأنّ القرآنَ أُنزل على سبعةِ أحرفٍ
ولا متَّبعِين لذلك: أنّها إذا لم تَعرف ولا كلُّ واحدٍ منها تلكَ السبعةَ الأحرفَ
وتُفصِّلَها لم تكن عالمةً بأنه مُنزَلٌ على سبعةِ أحرف.
стр. 287
يُقالُ له: لا يجبُ ما قلتَه لأجل أنهم إذا ظهر بينهم نص الرسول صلّى
الله عليه بأنه منزَل على سبعةِ أحرفٍ ويكونُ ذلك على أسماعهم وعندَ التنازع
والترافُعِ إليه وتواترِ الخبر بذلكَ عنه على مَن لم يسمعه مِن فِيه: حصلَ
لجميعِهم العلمُ بأنهُ على سبعةِ أحرف، وإن لم يعرفوا تفصيلَ ذلك وظنوا أن
بعضَها إذا سمعوه ولم يكن تقدَّم علمُهم به ليسَ منها، ولهذا أن يعلمَ اليومَ
أكثرُ الناسِ بالخبرِ المتواترِ أنّ للقراءِ السبعةِ سبعةَ أحرفٍ يقرؤونها لا يشكُون
في ذلك، وإن لم يعرفوا تفصيلَها ولم يحيطوا علما بجميعها، ولم يعلموا
أنّ بعضَ ما يسمعونه يُقرَأ بشيءٍ منها هو مِن جملتها، وكذلك أكثرُ الناس
يعلم أن للرسول أحكاماً كثيرةً هيَ معظَمُ دينه وجُلُّ شريعته، وإن لم يعرف
تفصيلَها، ولم يحفظ ألفاظَ نصوصه ﷺ عليها، وجَوَّزَ إذا لم يكن من أهلِ هذا الشأن أن يكونَ بعضُ ما يُحكى له من الأحكام ويُذكَرُ له فيه من الآثار ليسَ من جُملةِ ما استقرَّ في دينه ولا مما قاله ونصَّ عليه.
ولهذه العلة بعينها ساغَ لأبيٍّ وعُمرَ بنِ الخطاب وعبدِ الله بن مسعودٍ أن
يُنكروا بعضَ القراءاتِ التي سمعوها مخالِفةَ لما لُقِّنوه من الرسول، لأنَّهم لمّا
لم يكن كل واحدٍ منهم يحفظ جميعَ هذه الحروف ويحيطُ علماَ بتحصيلِها
وتفصيلها، ولم يكن مَن سمعوه يقرأُ ممَّن يُوثَق بضبطِه وحفظِه أو ممن
يُسكَنُ السكونُ التامُ إلى رضائه وأمانته، ظنوا به الغَلَطَ أو التحريفَ أو
القراءةَ على المعنى أو التساهلَ في ذلك، وكان أمرُ القرآنِ عندَهم أشدَّ
وأضيقَ من أن يقعَ فيه ضرب من التساهلِ أو التغافل، فلذلك خرجَ عُمرُ
وأُبيّ وعبدُ الله إلى ما خرجوا إليه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما حاولوه من
القدح في نقلِ القرآن متى لم يبيِّن الرسولُ جميعَ هذه الأحرفِ ويُفصِّلْها لكل
الأمة مجتمعين أو لكل واحدٍ من الأمة، وزال جميعُ ما طالبوا به.
стр. 288
فإن قالوا: فإذا قلتم إن الرسولَ صلى الله عليه لم يكن يبينُ لكل واحدٍ
ممَن يُقرئه جميعَ الأحرفِ والوجوهِ التي نزلَ القرآنُ عليها ويُفصلُها لكل الأمة
مجتمعين، وأنَّه كان يُقرِئهم قراءةً مختلفةً من تلك الحروفِ وعلى سبيلِ ما
تيسَّر له: وجبَ أن لا تقومَ الحجَّة ُ على الأمَّة بكل حرفٍ مما أقرأ به، وأن لا
يتيَقَنَ ذلك من دينه، وأن يَجدَ المُلحِدُ والمعاندُ سبيلاً إلى إدخالِ حرفٍ
ووجهٍ في القرآن ليسَ هو مما أُنزل على الرسول، ويعملَ له إسناداً وطريقا
ويُضيفَه إلى النبى صلى الله عليه ويُدخل بذلك فيما أنزل الله تعالى - من
الوجوه ما لم يُنزِله، ويُفسدَ القرآنَ ويوقعَ الشبهةَ والإلباسَ على أهل
الإسلام، كما زعمتُم من قبلُ أنه لو كان يبينُ بعضُ القرآن بيانا خاصًّا لا
تقوم به الحجَّة ُ لصارَ ذلك طريقا إلى أن يُدخَلَ في القرآنِ كلمات وأيات
تقصُرُ عن حدّ المعجز، وأن يُضافَ ذلك إلى الرسول أو أن يكونَ ذلك ذريعةً
إلى الشبهة والإلباس، وهذا ما لا فصلَ لكم فيه.
يقال له: لا يلزمُ ما وصفتَه، لأننا قد قُلنا مِن قبلُ إن رسولَ الله صلى الله
عليه وإن كان لم يبيِّن تفصيلَ الحروفِ السبعة لكل واحدٍ ممَن أقرأه وأخذَ
عنه ولا جمَعَ الأمَّة ووقفهم على ذلك، وأنَّه كان يُقرىءُ بما يَسْهُل وُشرُ له
وللمتعلم منه، فإنه لا بُدَّ أن يظهرَ عنه ويستفيضَ كل وجهٍ وحرفٍ قرأ به
وأقرأه، إما بتكررِ سماعِ ذلك منه أو بالنَّقل له عنه، ولا بُدَّ أن يَبلُغَ الحديثُ
والسماعُ في طول تلكَ السنين، وتكرير عرضِه صلى الله عليه القرآنَ على
جبريلَ ﵇ في كل عام، وعرْضِه إيَّاه مرتين في العام الذي ماتَ
فيه، وتكزُرِ قراءته وإقرائه إيَّاه وأخذهِ عنه مبلَغا يظهرُ ويستفيضُ حتى يزولَ
عن الناس فيه الرََّيبُ والشك، وأنه مما قرأه رسولُ الله صلَّى الله عليه وأقرأ
стр. 289
كما أنّه لا بدَّ إذا بيَّن الآية َ إذا نزلت عليه في منزله لأهلِهِ وقرابته ومَن
حضره من الآحاد ِ مِن أن يبينه أيضا لغيرهم ومن أن يتحدَّث بذلك عنه، ومِن أن يَبْلُغَه الحديثُ به عنه ودعوى نزولِه له عليه، وأنّه ممّا ألقاه وبلغه حتى
يَبلُغَ مبلغا يزول معه الرَّيْبُ والشك في أنه مما أُنزلَ عليه وبلَّغَه، وإذا كان
ذلك كذلك سقطَ ما ظننتَه وبطلَ ما حاولتَه.
ونظيرُ هذا أنّنا إذا عرَفنا عدالةَ رجلٍ في وقتِنا هذا وطهارته وشدةَ تديُّنه
وحسنَ منسكه وعلمَهُ بقراءة الأئمة السبعة وأنه يُقرىءُ الناسَ بها، غيرَ أنّه لا
يجرِّدُ كلَّ حرفٍ منها ويفردُ للأخذِ عنه ولا يبينُ ذلك له ويفصِّلُه ويقولُ له:
هذا حرفُ فلانٍ وهذا حرفُ فلان وروايةُ فلان: لا يُمتنَعُ علينا مع ذلك أن
نعلم أنّ الحروفَ والوجوه التي يُقرىء بها هي الأحرفُ السبعةُ المشهورةُ
ويتيقنها، وإن كنَّا لا نعرفُ تفصيلَها ونعلمَ أنّه لم يفصلها للآخذين عنه، وأن
نعلمَ مع ذلك كذِبَ من يكذِبُ عليه وأضافَ إليه القراءة بالشَّواذ، ومما يُستنكَر ولا يجوزُ مثلُه ومما لم يُقرىء به أحدأ لأنّه وإن كان لا يجرِّد لكل أحدٍ عنه حرفاً واحداً يقرِئُه جميعَ القرآن به، فإنه مع ذلك قد اشتُهِرَ عند كل وجه
وحرفٍ مما يُقرىءُ به وعُرف من رأيه، فإذا أضيفَ إليه مع ذلك أنه يقرأُ أو
كان يُقرىء في أيامِ حياتِه قراءةَ ابنِ شُنْبوذ والشَواذَّ المنكرة، والقراءةَ المرويةَ
عن السبعة علمنا بكَذِبِ ذلك عليه لشهرةِ ما كان يقرىءُ به عنه والعدولِ عما سوى ذلك، وإن كان يُقرىءُ قراءة مختلِطةً ممتزجةً من قراءةِ جميع الأئمة.
وكذلك الرسولُ إذا كان لم يَمتْ حتى ظهرَ عنه وانتشرَ جميعُ الوجوه
والأحرفِ التي كان يُقرىء بها ويداومُ عليها ولا يُقرِىءُ بغيرِها لم يَسُغْ أن
يتَوَهمَ عليه متوهم صحة َ ما يُروى عنه أنّ ما كان يُقرىء به: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) .
وأنَّه كان يُقرىءُ:
стр. 290
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ (بعلى) ﴾ ، وأمثالِ هذا إذا كان قد ظهرَ
وانتشرَ عنه جميعُ ما أقرأ به وليس هذا من جُملتِه، وإذا كان ذلك كذلك فقد بطلَ ما سألوا عنه بطلانا ظاهرا.
فأما قولُهم: كيف يسوغُ أن تدّعوا ظهورَ إقراءِ الرسول بهذه الوجوهِ
وأنتم تختلفون في تفسيرها فإنّه لا تعلُقَ فيه، لأنّنا قد بيَّنّا أنّ رسولَ الله صلّى
الله عليه أقرأ بجميعِها وظهرَ منه ذلك، وأنّه مع هذه الحال لم يفسر تلكَ
الوجوهَ ويُسمي كلَّ شيءٍ منها باسمٍ يخُصه، فنحنُ نعلَمُ في الجملةِ أنّه منزَل
على سبعةِ أحرفٍ وأنّ الرسولَ قد بفلغها وأقرأ بها وظهرت عنه، وإن اختُلِفَ في تأويلِها لعدمِ نصِّه على التأويلِ والتفسير، كما أنّنا نعلمُ أن ما بلّغه قرآن مِن عند الله، وأنّه قد بينهُ وظهرَ عنه وقامت الحجّة بانّه كلام الله تعالى، وإن كنّا نختلف في تفسير كثيرٍ منه ونتنازع في تأويله الذي لم ينص لنا صلّى الله عليه ولا وقَفَنا عليه، فاختلافُنا في تفسير الآية ِ لا يمنعُنا من العلمِ بأنّها قرآن،، وكذلك اختلافُنا في تأويل السبعة الأحرف والأوجه لا يمنعنا من العلم أنّه مُنزَل على سبعة أحرف، وأنّ الرسولَ ﷺ قد بلَّغها وأقرأَ بها، فبطلت بذلك شبهتُهم باختلاف الأمّة في هذا الباب.
وأمّا قولُهم: إنكم قد روَيتُم في تفسير هذه الأحرف ما لا يمكنُ ولا
يجوزُ في صفة الرسولِ أن يُفسِّرها به، نحوَ روايةِ مَن روى أنها: أمر ونهي
وقَصَصٌ ومواعظُ وأمثالٌ وحلال وحرام ونحو ذلك، وأنّه لا يجوز أن يكون
الجاعلُ مكانَ الأمر نهياً وموضعَ الوعظ مثلاً ومكانَ الوعدِ وعيداً: مُحسناً
مصيباً، وأنتم قد روَيتم أنّ النبيَّ ﷺ قال لكلِّ مُختَلِفَين في هذه الأحرف: "أحسنتُما وأصبتُما"، و"هكذا أقرأتكما"، والرسولُ ﵇ يَجِلُّ من هذه الصفة ويرتفعُ عن هذه الرتبة، بل يجبُ تبرئةُ أدنى المؤمنين
стр. 291
منزلةً عن ذلك، فإنّه باطل لا تعلُقَ لهم فيه، وذلك أنّ إخبارَه ﵇
بأن القرآنَ منزَل على سبعةِ أحرفٍ وأوجهٍ من القراءاتِ كلها جائزة وحسنة
وصواب، لأنّها في الخبر، غير أنّه قد أنزَله على سبعةِ أحرفٍ هي أوجه أُخَرُ
منها أمر ومنها نهى ومنها وعدٌ ومنها وعيد ومنها قَصَصٌ وأمثالٌ وتحليل
وتحريم، فلا تكونُ هذه السبعةُ هي التي إذا اختلفَ المختلفون فيها وجعلوا
مكانَ كل شيءٍ منها غيرَه فقد أحسَنوا وأصابوا، بل لا يمتنعُ أن تكونَ هذه
السبعةُ الأوجهُ والأقسامُ قسما من السبعةِ الأحرفِ التي أنزلَ الله القرآنَ عليها، وباقي السبعة يصوبُ المختلفون فيها سوى هذا الوجه، ولا يمتنعُ غيرُ ذلك على ما سنشرحه فيما بعدُ إن شاءَ الله، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ توهُّمُهم لتعارضِ هذين الخبرين، وإحالة هذا التفسيرِ على الرسول ﵇.
وأمَّا قولُهم: إن روايَتكم في هذا متناقضة لأجلِ أنكم قد روَيتُم عن
النبى ﷺ أن القرآنَ نزلَ على ثلاثةِ أحرف، وأنه قال في خبرٍ آخر: "أُنزل على أربعةِ أحرفٍ "، فإنه أيضا لا شبهةَ فيه لعالم ولا تعلق، وذلكَ أن أولَ ما في هذا الباب أن الثلاثةَ والأربعةَ داخل في السبعة، فيمكنُ أن تكونَ هذه الأحرفُ أُنزلت أولاً فأول، وأُنزل منها ابتداءً ثلاثة فقط، ثم زِيدَ الرسولُ ﵇ رابعَها، ثم زِيدَ ثلاثةً فصارت سبعاَ، هذا غيرُ ممتنعٍ لولا أن في لفظِ إخبارنا بأنَّه أُنزلَ على سبعةٍ ما يمنع هذا التأويل، ولكنْ لهم من الزيادةِ ما لم يُدخِلُوه في شيءٍ من اعتراضهم، وهو أنّ في كثيرٍ من الرواياتِ أن المَلَكَ قال: على حرفٍ أو حرفين، فقال المَلَك الذي معي عن شمال: على حرفين، فقال المَلَكُ: على حرفين أو ثلاثة، فقال:. على ثلاثة، إلى أن بلَغَتْ سبعةَ أحرف، وهذا اللَّفظُ يقتضي أن يكونَ قد أُقرىءَ بالسبعةِ جُملة، وشُرِعَ له ذلك في مجلسٍ واحد، على أنّه يُحتمَلُ أن تكونَ بعضُ تلك
стр. 292
الأحرفِ السبعةِ يُقرأُ على ثلاثةِ أوجهٍ كلها جائزة، وبعضُها يُقرأُ على أربعةِ
أوجهٍ تسمى أحرفا كلها جائزة، فيكون قولُه: أنزل على أحرفٍ وأربعةِ أحرفٍ منصرفاً إلى وجهين من وجه القراءات السبعة، يُقرأُ أحدُهما على ثلاثة أوجهٍ والآخرُ على أربعةِ أوجه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما توهموه من التعارض.
ويُحتمل أيضاً أن تكونَ الثلاثةُ الأحرفُ والأربعةُ اللاتي خبَّر في هذين
الخبرَين وأن القرآنَ أُنزل عليها غيرُ الأحرفِ السبعة التي خبَّر فيها، وليسَ
يمتنعُ أن يُنزَلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفِ ويُنزَلَ أيضا على أربعةِ أحرفٍ وثلاثةِ
أوجهٍ أُخَرَ غيرِ الأربعةِ وغير السبعة على ما نبينه فيما بعد، وإذا كان ذلك
كذلك سقطَ ما توهموا من تعارضِ هذه الأخبار وتنافي موجبِها.
وأما قولُهم: كيف يكون أمرُ القرآنِ ظاهراً مشهوراً وعُمرُ وأُبيّ وعبدُ الله
يُناكِرُون من قرأ خلافَ قراءتِهم وينافرونَه ويرافعونه إلى الرسول، وقد قُلنا
في ذلك من قبلُ ما يُغني عن إعادته، وهو أن الرسولَ كان يُقرئهُم قراءةً مِن
وجهٍ من السبعة الأحرف، ولم يكُنْ كل واحدِ منهم يعرفُ جميعَها ولم تكن
الأخبار بذلك ظهرت واستفاضت بجميع ما يُقرئُه الرسولُ على الأوقات.
فلذلك أنكروا خلافَ ما لُقِّنوه عن الرسول.
ويُحتمَلُ أن يكونَ الرسول كان يقرىءُ عمرَ وأُبيّا وعبدَ الله بوجوهٍ
وأحرفٍ جائزةِ قبلَ نزول هذه السبعةِ الأخَرِ التي خبَّر الرسولُ عنها، ثم نزَلت هذه الأحرفُ وأقرأ بها رسولُ الله صلَّى الله عليه وقتَ نزولِها أو يومَ ذلك، ولم يكن انتشر عنه، فلمَّا سمعَ القومُ ذلك أنكروه واحتاجوا إلى البحثِ عنه وسؤالِ الرسول عن صحته.
ويُحتمَلُ غيرُ هذا مما لعلَّنا أن سنذكُرَه فيما بعد إن شاء الله، وإذا كان
ذلك كذلكَ بطلَ قدحُهم في ظهور نقل القرآن بإنكار هذه الفرقة ما لم يكن
стр. 293
تقدَّم سماعُها له، ولم يمر من الزمانِ وتطاوِلِ الوقت ما يقتضي ظهورَهُ
وحصولَ الغنى عن السؤال عنه، وهذا يُبطِلُ جميعَ ما عوَّلوا عليه وموَّهُوا به
في نقل القرآنِ وعدمِ قيام الحجَّة.
فإن قال منهم قائل: إن في خبرِكم هذا إحالةً وتناقضا ظاهراً من وجهٍ
آخر، وهو أنه قد ثبتَ وعُلِمَ أن القرآنَ لم ينزل على الرسول صلَّى الله عليه
جملةً واحداً وإنما نزلَ في نيفٍ وعشرين سنة، وأنّه لم يتكامل نزولُه إلا عندَ
تقاربِ وفاةِ الرسول ﷺ وآخرِ عهده بالدنيا، وهذا الخبرُ الذي رويتموه لا شكَّ أنه قد قاله قبلَ موته بدهرٍ طويلٍ وقبلَ نزولِ كثيرٍ من القرآن، فهذا تناقضٌ بيِّن؟
يقال له: لا يجبُ ما قلتَه، لأنّ مِن الناس مَن يقول: إن هذا الظاهرَ لا
يقتضي أكثرَ من أن يكونَ في القرآنِ كلمة واحدة أو اثنتين تُقْرأُ على سبعةِ
أوجه، فإذا حصلَ ذلك فيه وُفِّيَ الخبرُ حقّه وموجبَه، ومنهم من يقول: ذلك
إنما يُستعمَلُ إذا قُرئ جملةُ القرآن أو كثير منه على سبعة أحرفٍ وأوجه.
وهذا هو الذي نختارُه، وسندل على ذلك فيما بعدُ إن شاء الله.
وإذا كان ذلك كذلك ولم ينُكَر أن يكونَ النبي ﷺ قد قال هذا القولَ بعد أن نزلَ شطرُ القرآنِ أو ثلثاه أو ستةُ أسباعه: ساغَ أن يُقال إذ ذاك إنه منزَل على سبعة أحرف، ويعني بذلك ﷺ هذا الذي نزل، ويكونَ جبريلُ ﵇ قد أخبرَه أن قدْرَ ما نزل عليكَ هو معظَمُ القرآن وكثيرُه، وأنّ ما ينزلُ عليكَ فيما بعدُ قليل بالإضافة إليه، فَيَحسُنُ لذلك، وجاز أن يُقال: أُنزل القرآنُ على سبعة أحرفٍ لأنّ معظَمَه قد أُنزل كذلك، فبطلَ بذلك ما قلتُمُوه.
стр. 294
ولو حُمِلَ الأمرُ في هذا على أن قولَه: أُنزل القراَنُ على سبعةِ أحرف لا
بُدَّ أن يتناول كل سورة لوجبَ أن يُحمَلَ على أنه قد أُريدَ به أنّ كل آية منه
تُقرأُ على سبعةِ أوجه، وعلى أنّ كلَّ كلمة من الآية ِ يجبُ أن تُقرأَ على سبعةِ
أوجه، بل يجبُ أن يُحمَلَ على أنّ كل حرف من حروف الكلمة منه تُقرأ على سبعة أوجه، ولمّا لم يجب ذلك كما لا يجبُ إذا قلنا هذه القصيدةُ تنشدُ
على وجهين، وهذه الخطبةُ والرسالةُ تروى على وجهين، ومصنفُ فلان في
الفقه يُروى على وجهين، أن يكونَ كل بيت من القصيدة، وكلّ مصراعٍ وكل كلمةٍ وكل حرف من الكلمة تُنشَدُ على وجهين، وكل مسألة من الكتاب وكل كلمة منه تُروى على وجهين، لم يجبْ إذا قيل إن القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أحرف أن تكونَ كلُّ سورة منه وكلُّ آيةٍ وكل كلمةٍ وكل حرفٍ من الكلمة منزَلا على سبعة أحرف، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما ظنُّوه من إحالةِ هذا القول.
على أنّه قد يجوزُ أيضاً أن يكونَ جبريلُ لما أقرأ الرسول ﵉
في ابتداء أمره شيئا من سور القرآن أنزل مواضعَ منها على سبعةِ أوجهٍ ووقفَهُ
على أنَّها جارية في جميع ما يُنزّل عليه على هذه السبيل والطريقة، كأنه قال
له: اقرأ غير المغضوب عليهم وعليهمو، فكل ما جاء من كتابة الجمعِ فهذه
طريقتُه نحو إليهم وإليهمو، وأنعمتَ عليهمو، أو قرأ هذا الحرف بالهمزة.
وترك الهمزة، وكلّ حرف مثله مما نزل عليك، ومما سينزل مثله، وكذلك
القولُ في الإمالة وترك الإمالة في الحرف والكلمة التي يجوزُ فيها الرفعُ
والنصب، وغير ذلك، فيعلم رسول الله ﷺ بذلك أنّ جميعَ ما نزلَ وينزلُ عليه من القرآن، فهذه سبيلُ اختلاف حروفه ووجوهه، وإذا كان ذلك كذلك بأن سقوطُ ما تعلّقوا به من أنّه لا يجوز أن يقول مثل هذا القول حتّى يتكامل نزولُ جميعِ القرآن.
стр. 295
فأمّا قولهم: إنَّ في الخبر ما يدل على فساده، وأنّ متضمنه لا يجوزُ
على الله سبحانه، وهو أنّ القرآنَ منزل على سبعة أحرف مختلفة، وقد عُلم
أنه جهتُه، ولا معنى في إنزالِه على سبعة أحرفٍ إلا القصدُ إلى حصول
الخلاف والتنازعِ والتنافرِ فيه، والتحريف له، ووجودِ السبيل إلى أن يدخُل
فيه حرف ليس منه وإلى تعذُر حفظِ هذه السبعة والإحاطة بها، وتثقيلِ العبادة
بتكليف معرفتها، حتى يؤدي ذلك إلى ما روَيتم من تلبب عُمر بن الخطاب
بهشام بن حكيم، وأخذه إلى النبي صلى الله عليه منكراً عليه حرفا أقرأه به
رسولُ الله ﷺ لم يقرأه عُمَرُ ولم يعرفه.
مثل ما رويتم أنه قال أبي بن كعب لما أنكر على رجلٍ آخر سمعَه يقرأ
بخلاف ما كان لُقِّنه هو من رسولِ الله ﷺ فلما قرأ عليه وقال لهما: "فيما رَويتُماه أحسنتُما وأصبتُما، هكذا أقرأتكُما"، فقال أبي: فأخذني عند ذلك من الشك أشدَّ مما أخذني في الجاهلية، فضربَ النبي
صلى الله عليه صدري وأخسأ عني الشيطان، فقال: يا أبي، أعندك من الشكِّ والتكذيب، قال: ففضتُ عرقاً، وكأني أنظرُ إلى الله فرقاً، ثم قال لي: إنّ جبريلَ أتاني فقال لي: اقرأ القرآن على حرفٍ فقلت: ربِّ خفِّف عن أمتي، فلم يزلْ يقول كذلك حتى قال له - فيما رويتم: إن الله تعالى يأمُركَ أن تقرأ القراَنَ على سبعة أحرف، فلا معنى لإنزاله على سبعة إلا ما رويتموه، ويؤدي إليه من هذه الشكوك والرّيب والتخاصُم والخلاف، وذلك مما لا
يجوزُ على الله سبحانه، فوجبَ بذلك بطلانُ ما رويتموه.
فيقال لهم في جواب هذا وجواب جميع ما قدّمناه عنهم: فإن كان هذا
الخبرُ باطلاً مفتعلاً فقد نالَ طعنُكم على نقلِ القرآن بأنّ الرسولَ لم يبين تلك
السبعة الأحرف، وأنّه كان يجبُ ظهورُها، وأن لا تختلفَ الأمّة وأزلتُم عنَّا
стр. 296
بذلك كلفته، وإن كان هذا عندكم صحيحا وهو ذاك على أنّ أمرَ القرآن لم
يكن عندكم ظاهرا مستفيضا فقد بطلَ مدحكم فيه بهذه المطاعن، وهذا
اختلاط منكم أنتم إلى أن نُبيّن عن فسادِ كل شيء توهمتموه مُبطلاَ لهذه
الأخبار، فهذا مما تجبُ موافقتُهم عليه عند المطالبة بواجب كل اعتراضٍ
يوردونه على هذه الرواية.
ثم يقال لهم: لا يجب أن يكون هذا الذي توهمتُموه قادحا في الخبر.
وذلك أنّه لا يُمتنع أن يعلمَ الله سبحانه أنّ مصلحةَ عباده متعلقة بإنزال القرآن على سبعة أحرفٍ أو أكثر منها، كما لا يُمتنعُ أن يعلم أن مصلحَتَهم متعلقةٌ بإنزاله على حرفِ واحد، لأنه إذا علم سبحانه أنّ طباعَ الناس وسجاياهم
مختلفة في النطق والكلام، وأنّ منهم من يألف التكلم بالكلمة والحرف على
وجهِ وطريقةِ هي أخف عليه وألصقُ بقلبه وأسهلُ وأجرى على لسانه، ومنهم
من يصعُبُ عليه ويستثقلُ أن يميلَ ويهمزَ الحرف ويزيدَ الواو من قوله:
عليهمو وإليهمو، ويخف عليه إليهم وعليهم، وأنّه لو كُلف كل واحد منهما
ما هو في طبعِ غيره وأسهلُ عليه لشقّ ذلك عليه، وصارَ طريقا إلى نفورِه
واستثقاله وملالِه وصعوبة حفظِه، وأنه إذا لم يلزمه إلا قدرُ ما تيسّر عليه منه
كان ذلك لطفا له، ساغ لهذا أن يكونَ إنزاله الحرفين والسبعةِ أحرفٍ أصلحَ
من تضييق الأمر فيه، وحملِ الناسِ في النطقِ به على وجهٍ واحد صعب
متعشرٍ ثقيلِ على أكثرهم، فلعلّه لو كُلف هشامُ بن حكيمٍ والرجلُ الذي
خالف أبيًّا أن لا يقرأ إلا بما أقرأه النبي ﷺ عمر وأبياَ لثقل ذلك عليهم أو أعرَضا عنه وشكّا في نبوة الرسول، وصارا جرباً للرسول صلى الله عليه وعمر وأبي على أصل الدِّين ودعوة الحق، وإذا كان ذلك ممّا لا يمتنعُ في المعلوم بطل ما توهموه.
стр. 297
وكذلك إذا عُلم أن في الناس الألكنَ والفصيحَ والألثغَ والطلق الذرب
والتمتام العيّ، والقادر المنبسط ساغَ أن ينزلَ القرآنَ بالهمز وغير الهمز.
وأن يجعلَ مكان الحركة التي تثقل على التمتام تسكينا لا يثقُلُ عليه، وهذا
أولى وأجدر وأقربُ في تخفيف المحنة وتيسير العبادة وأحرس للعباد إلى
الطاعة.
وكذلك إذا جاز أن يُعلم أن من الناس السكتة النزر الكلام القليل
الحفظ، وأن منهم الذكى الحفوظ الذي يميل طبعُه إلى تشويق
الكلام والتبسط والتصرف في وجوه الألفاظ والعبارات، وأنه يُنقلُ عليه لزومُ نهجِ واحدِ وسبيلِ لا يختلفُ في النطقِ ويعظم عليه حفظُ ذلك، ويؤديه
تكليفُه إيَّاه إلى الضجر والملل وقلة الرغبة والإعراض، جاز لذلك أن ينزله
على حرفين وسبعةِ وعشرة ليحفظه على الوجه الواحد مَن قدَّمنا ذكره.
ويحفظ على هذه الوجوه الكثيرة من وصفنا قدرته وتبشطه وميله إلى الإكثار
والتنفُل في وجوه الخطاب.
وكذلك أيضا فقد يجوز أن يعلم سبحانه أنَّه إذا أنزل القرآنُ على حرفِ
واحد، لزم الأمَّة بأسرها أن لا تُقرأ الآية، جاز أن يشُك شاك في ذلك
الحرف ويتبناه، وينطلق لسانُه بحرفِ غيره يقوم مقامه ولا يُبطلُ معناه.
وأنهما إذا ترافعا إلى النبي ﷺ فاقرأهما فأخطأ أحدُهما وترك القراءة بذلك الحرف الواحد المنزل، وقال له الرسول عند ذلك: أخطات، أو أسات، أو ما هكذا أقرأتك، انكسفَ باله وصغرت حاله ونفسه، وانكسرت حدته، وفترت شهوتُه، وقل حرصُه، وصار ذلك طريقا إلى ضجره وملاله،
стр. 298
وقلَّت دواعيه في تعلُّم القرآن وتحفُظه أو لحقه عند ذلك من الأنفة والحميّة وعزّة النفس وكراهة الغلبة عند المناقشة والمشاحة والهرب من عارِ القهر ونسبته إلى السهو والغفلة وسوء الفهم وجلافة الطبع وقلّة الحفظ والضبط، ما يكونُ أدعى الأمور إلى الزهد في الإسلام جملةً والرغبة عنه، ومتى أمكن أن يكونَ هذا أجمعُ مما قد سبق في علمِ الله سبحانه، بطل بذلك طريقُ من توهَّم أنّه لا وجه لإنزال القرآن بسبعة أحرفٍ إلا الاستفساد للعباد والتهارج والفساد وهذا ما لا مدخل لهم عليه.
ثم يقال لهم: فيجب على اعتلالكم أن لا يُنزلَ الله سبحانه في كتابه
مجمَلاً ولا محتملاً ولا متشابهاً بل يجعله كلُّه نصّاً جليّاً، لأنّنا نعلم أنّ في
الناس من يُلحد في تأويله ويتعلّق بمتشابهه ويُلبسُ ويوهمُ الباطل في التعلُّق
بمجمله ومحتمله، وهذا أولى مما قلتُم وأقربُ لو كنتم مقسطين ولأنّ الله
سبحانه قد نصّ على هذا، والذي قلناه من فساد خلقٍ بمتشابهه ولم ينصّ
على ما ادّعيتم من فساد قومٍ بإنزاله على سبعة أحرف، ولا رأينا هشام بن
حكيم ولا أبياً ولا عبدَ الله، ولا من خالفهم كفروا ولا ارتدُّوا عند الترافعَ
إلى النبيّ ﷺ بل استجابوا لقوله وخنعوا لطاعته، ورضوا جميعا بما أقرّهم به على اختلافهم.
وقد قال سبحانه فيما عارضناكم به: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) .
فكان يجبُ على موضوع اعتلالكم أن لا يُنزلَ من القرآن متشابهاً يُبتغى العسر به ويُلبس على العباد في تأويله ويُلحد في صفات الله سبحانه عند تنزيله، فإن لم يجب هذا عندكم
فقد بطل جميع ما أوردتموه في هذا الفصل بطلاناً بيّنا، وبان لكم أنّ هذا
стр. 299
الضرب من الطّعن في نقلِ القرآن وإنزاله من مطاعن الملحدين على الله
وعلى رسوله وعلى جملة كتابه وتفصيله، وهكذا فعلَ الله سبحانَه بمن صدّ
عن دينه وصدفَ عن صحيح النظر في براهينه، واشْرأبّ قلبُه إلى التعلّق
بالشبهات والميل إلى الزيغ والضلالات.
فإن قالوا: أفليس قد رويتم أنّ الذين بعث عثمان ﵁ على
جمع الناس على مصحفه، وقراءته والمنع من باقي الحروف التي أنزلها الله
جل وعز ما حدثَ في عصره، وشدّة الاختلاف والتشاجر والتبرِّي والإكفار
في القراءات بهذه الحروف المختلفة، فألا علمتُم أنّ إنزالَه على سبعة أحرفٍ
سببٌ لما قلناه؟
يقال لهم: ليس الأمرُ في هذا على ما وصفتم، لأن القومَ عندنا لم
يختلفوا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول صلى الله عليه التي لم يمُت
حتى عُلم من دينه أنه أقرأ بها وصوب المختلفين فيها، وإنما اختلفوا في
قراءاتٍ ووجوهٍ أخر لم تثبت عن الرسول ﵇ ولم تقم بها حجّة.
وكانت تجيء عنه مجيءِ الآحاد ِ وما لا يُعلمُ ثبوتُه وصحتُه، وكان منهم من
يقرأ التأويل مع التنزيل نحو قوله: والصلاةُ الوسطى، (وهي صلاة العصر) .
فاؤوا (فيهن) ، ولا جُناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم (في مواسم
الحج) ، وأمثال هذا ممّا وجدوه في بعض المصاحف، فمنعَ عثمانُ من هذا
الذي لم يثبت ولم تقُم الحجّة به وأحرقه وأخذهم بالمُتيقّن المعلوم من
قراءات الرسول ﵇.
فأما أن يستجيز هو أو غيرُه من أئمة المسلمين المنعَ من القراءة بحرفٍ
ثبت أنّ الله أنزلَهُ ويأمرَ بتحريقه والمنع من النظر فيه والانتساخ منه، وتضييق
على الأمة ما وسّعه الله تعالى، ويُحرمُ من ذلك ما أحلّه اللهُ ويمنعُ منه ما
стр. 300
أطلقَه وأباحه، فمعاذَ الله أن يكون ذلك كذلك، لماذا كان هذا هكذا سقط ما قلتُموه، على أننا لو سلَّمنا لكم نظرا أن أهل عصرِ عثمان رضوانُ الله عليه اختلفوا في هذه الأحرف السبعة، وأدَّى ذلك خلفا منهم إلى البراءةِ من
أهل الحقً، لم يجب أن لا ينزلَ الله سبحانَه القرآنَ بها إذا علم أن من يصلحُ
بقراءته بها على اختلافها أكثرُ ممن يُفسد، أو أنه لا أحد يفسدُ عنه ذلك إلى
- زمن عثمان، فيسوغُ حينئذِ لعثمان على قول بعض الناس أخذُه للأمة ببعض تلك الأحرف والمنعُ من باقيها لأجل حدوثِ ما حدث مما لم يكن من قبل.
أو لعله سبحانه قد علم أنه لو لم يُنزِل القرآنَ على سبعة أحرف كان
منكرُ حرفِ منها والمختلفين فيها يُعرِضون عن الإسلام جملةَ والانخلاع من
الإيمان وإلى أن يكونوا حربا للرسول صلى الله عليه وإن اختلافهم في
القراءات أسهلُ من اليسير من ذلك.
فإننا نُنكر عليكم ونقولُ لكم: فيجبُ على اعتلالكم أن لا ينزلَ اللهُ
سبحانه المتشابهَ المحتملَ من كتابه لموضع إخباره باتباع أهل الزيغ لما تشابه
منه ابتغاء الفتنة والإلحاد في تأويله، فإن لم يلزم ذلك لم يلزم شيء مما
قلتموه، وقد بينا - رحمكم الله - في غير موضع من الكلام في التعديل
والتجويز أنه لا يجبُ على الله استصلاح جميع خلقه، وفعلُ أصلح الأمور
لهم، والمساواةُ في اللطف لجميعهم، وأنه لا يصح منه أن يَضر بعضهم
ويطبعِ على قلبه ويختم على سمعه وبصره، وأنَّه قال سبحانه فى كتابه: إنه
(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، وقال في أخرى: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)
وقد بينا ذلك بما يُغني الناظرَ فيه، ولولا أننا لم نصنع كتابنا لهذا الفن
من الكلام لأسهبنا في ذلك، غير أنه مخرج لنا من غرض الكتاب، وفيما
أجبناهم به بلاغ وإقناع.
стр. 301
(فصل)
ونحن الآن نذكرُ بعض ما جاء من الروايات في أن القرآن منزل على
ثلاثة أحرفٍ وأربعةٍ وسبعةٍ ليعلَم قارئُ كتابَنا ظهور ذلك وانتشاره في علماء
الأمة من سلفها وخلفِها، ونتكلّمُ على ما يجبُ الكلامُ عليه من هذه الأخبار
ثم نبيِّن القولَ في تفسير السبعة الأحرف بما يوضح الحق ويزيلُ الشكَّ
والريب، وما توفيقنا إلا بالله.
وقد روى الشعبي عن ابن عوفٍ عن محمد عن ابن مسعود قال: "أنزل
القرآنُ على سبعة أحرف كلُّها شاف كاف " كقولهم: هلُمَّ، تعال، أقْبِل.
وروى حمَّاد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبيِّ
صلى الله عليه قال: "أنزل القرآنُ على ثلاثة أحرف "، وروى سعيد بن أبي
سعيد المقبريُ عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ -
стр. 302
"أعرِبوا القرآنَ والتمِسوا غرائبه، وغرائبُه فرائضُه، فإنّ القرآن أنزل
على خمسة وجوه: حلالٍ وحرامٍ ومحكمٍ ومتشابهٍ وأمثال، فخذوا بالحلال
ودعوا الحرام، واعملوا بالمحكم وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال ".
فهذه الثلاثةُ الأخبارُ تقتضي أن يكونَ القرآنُ منزلاً على ثلاثة أحرف
وعلى أربعة أحرف وعلى خمسة أحرف، وقد بيّنا فيما سلف أنّ ذلك لا
يُناقضُ ما رُوي من أنه منزل على سبعة أحرف، وتكلمنا على ذلك بما
يوضِّحُ الحق، وقلنا إن ذلك الحلالَ والحرام، وما أتبع يُحتمل أن يكونَ
وجهاً من وجوه السبعة، وأن الأظهرَ أنه غيرُها، لأنّ تلك مُخيرُ في القراءة
بأيها شاء القارىء على ما وردت به الرواياتُ التي سنذكرها، وقلنا إن الثلاثةَ الأوجه والأربعةَ التي لم تُفسِّر بهذه الأقسام من الأمر والنهي وغيرهما.
يحتمل أن يكون بعض السبعة التي خُيِّرَ الناسُ في القراءة بأيها شاؤوا.
ويُحتمل أن تكونَ غيرَها.
وقد تحتملُ أيضا هاتان الروايتان أن يكون معنى قول النبى صلّى الله
عليه أنزلَ القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ وعلى أربعةِ أحرف، أن من الحروفِ
السبعةِ حرفا يُقرأ على ثلاثة أوجه، وإن حرفا منها آخرَ يُقرأ على تلك الثلاثة وعلى وجهٍ رابع، أو أن حرفا منها يقرأ على أربعةِ أوجهٍ غير الثلاثة الأوجه التي يُقرأ حرف آخرُ من السبعة عليها، ويكونُ باقي السبعة الأحرف لا يُقرأ كل شيءٍ منها إلا على طريقةٍ واحدة، فلا يكون في هذا تعارض ولا تناقض.
ويمكن أيضا أن يكون أراد بهذين الخبرين أنّ ثلاثةَ أحرفٍ من تلك
السبعةِ الأحرف يُقرأ على وجهٍ ونحوٍ من الاختلاف متقارب، ليس بالمتباينِ
الشديد وهو حرفُ زيدٍ والجماعة، والذين أكثرُهم كان يألفُه ويقرأ به
ويعلق بقلبه وينطلقُ به لسانُه، وأربعةُ أحرفٍ أخر من السبعة منزلةٌ على تباينٍ
стр. 303
شديد غير متقارب، وعسى أن تكونَ هي حروفَ الأربعة النفر الذي أمر
رسول الله صلَّى الله عليه بأن تُؤخذ القراءةُ عنهم وهم أبي بن كعب وعبدُ الله
ابن مسعود ومعاذُ بن جبل وسالمٌ مولى أبي حذيفة، أو لعل هذه الأربعةَ
الأحرف المتقاربة التي ليست بشديدة التباين هي التي كان يقرأ الناسُ كثيراً
بها وعليها الجمهورُ وعامة الناس.
ولسنا نقف على حقيقة هذا غير أنّنا قد بيَّنَّا أن قوله صلى الله عليه: أنزل
القرآنُ على ثلاثة أحرفٍ وأربعةٍ وخمسةٍ لا تنافي قوله: إنه منزلٌ على سبعة
أحرف، وهذا هو الغَرضُ المقصودُ دون تفصيل أجناس الاختلاف بين الثلاثة
والأربعةِ والخمسةِ والسبعة، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ إكثارُهم بذكر هذا
الباب ووجبَ حملُ الأمر فيه على ما قُلناه.
فأما الرواياتُ الوارد" عنه صلى الله عليه بأن القرآنَ منزلٌ على سبعةِ
أحرفٍ فإنها كثيرة متظاهرة مشهورة عند أهل العلمِ والنقل، وهي أكثرُ شيءٍ
رُوي عن النبي ﷺ وكلها مع اختلاف ألفاظِها وطرقِها متوافية على المعنى، فيجب لذلك وصولُ العلمِ بمتَضمنها وإن اختلفت ألفاظها وتشعَّبت طرقها فمنها ما رواه عُبيد الله بن عمر عن أبي الحكم عن أبي بن كعبٍ أن رسولَ الله صلَّى الله عليه قال: "أتاني آتٍ من ربِّي جل وعز فقال: يا محمد
стр. 304
اقرأ القرآنَ على حرف، فقلت: يا ربِّ، خفف على أمتي، ثم أتاني آتٍ من
ربِّي فقال: يا محمد اقرأ القرآن على حرفين، فقلت: خفِّف على أمتي، ثم
أتاني فقال: يا محمد اقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكلِّ ردةٍ مسألة
لك، فقلت: يا ربِّ اغفر لأمَّتي، ثم قلت: يا ربِّ اغفر لأمَّتي، وأَخرتُ
الثالثةَ شفاعة لي يومَ القيامة، والذي نفسي بيده إنَّ إبراهيمَ ﵇
ليرغب في شفاعتي ".
وروى يونس عن ابن شهاب قال: حدّثنا عبيدُ الله بنُ عبد الله بن
عباس حدثه أن رسولَ الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل ﵇ على حرف، ولم أزلْ أستزيدُه ويزيدُني حتى انتهى إلى سبعة أحرف ".
قال ابنُ شهاب: "بلغني أنّ تلك السبعةَ إنّما هي في الأمر الذي يكونُ واحدا لا يختلفُ في حلالٍ ولا حرام ".
стр. 305
وروى حميدٌ قال: قال أنس: قال أبيّ بن كعب: إن رسول الله صلى الله
عليه قال: "جاءني جبريلُ وميكائيلُ فقعد جبريلُ عن يميني وميكائيلُ عن
يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعةَ أحرفٍ وكل كافٍ شاف ".
وروى سعدٌ عن الحكم عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
أبى بن كعب "أن النبيّ صلى الله عليه كان بأضاة بني غفار فأتاه جبريلُ فقال:
إن الله تعالى يأمُرك أن تقرأ القرآن على حرف، قال: أمتي لا تطيقُ ذلك، ثم
أتاه فقال: على حرفين، فقال: أمَّتي لا تطيقُ ذلك، ثم أتاه الثالثة فقال: على ثلاثةْ أحرف، فقال: أمتي لا تطيقُ ذلك ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك على سبعة أحرف، فايُّما حرفٍ قرؤوا عليه فقد أصابوا".
وروى أنس بن عاصم قال: أخبرني أبو حازم عن أبي سلمة قال: لا
أعلمه إلا عن أبي هريرةَ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أنزل القرآنُ على سبعة أحرف، والمراءُ في القرآن كفرٌ ثلاث مرات فما عرفتُم فاعملوا به وما جهلتم فردُّوه إلى عالمه ".
وروى أيضا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرفٍ عليما غفوراً رحيما".
وروى عقيل بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن
стр. 306
أبيه عن ابن مسعود عن رسول الله صلَّى الله عليه قال: "كان الكتابُ الأولُ
أنزل من باب واحد، وكان على حرفٍ واحد، فنزل القرآنُ من سبعة أبوابٍ
على سبعة أحرف: أمر ونهي وحلالٍ وحرامٍ ومحكمٍ ومتشابهٍ وأمثالٍ
فأحلوا حلالَه وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتُم به وانتهوا عما نُهيتم عنه.
واعتبِروا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا".
وروى بشرُ بن سعيد بن أبي قيسٍ مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن
العاص قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((أنزلَ القراَنُ على سبعة أحرف، فأي حرف قرأتم فقد أصبتم، فلا تماروا فيه، فإنّ المراء فيه كفر".
وروى واصل بن حيان عن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إنّ القرآن أنزلَ على سبعة أحرف كل آيةٍ منها ظهر وبطن ولكلِّ حدٍّ مطلع ".
وروى عمرو بن أبي قيس عن عاصمٍ عن زر عن أبى بن كعب قال:
لقي رسولَ الله صلَّى الله عليه جبريلَ ﵇ عند أحجار المرقي - أحجار بالمدينة - فقال له: يا جبريلُ أرسلتُ إلى أمةِ أمّيين منهم الغلامُ والجاريةُ والشيخُ والعجوزُ والرجلُ الفارسيُ لم يعلم كتاباً قط، فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ".
стр. 307
وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد
القاري أنّه سمعَ عمرَ بن الخطاب يقول: سمعتُ هشامَ بن حكيم يقرأ سورة
الفرقان على غير ما أقرأها، وكان رسولُ الله ﷺ أقرأنيها، فكدتُ أن أعجلَ عليه ثم أمهلت حتى انصرف، فلما انصرفَ لببتُه برادئه ثم جئتُ به إلى رسولِ الله ﷺ فقلت: يا رسولُ الله، إنّي سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال عليّ ﵇: أرسله، فأرسلته، فقال: اقرأ، فقرأ القراءةَ التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، ثم قال: اقرأ فقرأت، فقال: "هكذا أنزلت، إنَّ هذا القرآنَ أنزلَ على سبعةِ أحرفٍ فاقرؤوا ما تيسَّر منه ".
وروى عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث وابن
لهيعة أن بكيرا حدثهما: أنّ عمرو بن العاص قرأ آيةَ من القرآن، فسمع
رجلاَ يقرأها خلافَ قراءته، فقال له: من أقرأك، فقال: رسولُ الله ﷺ ، فذهب إليه فذكر له ذلك وقرأ عليه كلاهُما فقال رسول الله ﷺ : "أصبتُما إنَّ القرآن أُنزلَ على سبعة أحرف ".
قال بُكير: فذكر لي أنّه
стр. 308
قيل لسعيد بن المسيب: ما سبعة أحرف، قال: كقولك هلُمَ وتعالى، وأقبل
وكل ذلك سواء.
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيّ بن كعب قال: "كنتُ في
المسجد فدخل رجل فقرأ قراءةً أنكرتُها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءةً سوى
قراءة صاحبه، فقُمنا جميعا فدخلنا على رسول الله صلَّى الله عليه فقلت له:
يا رسول الله إنَّ هذا دخل فقرأ قراءةً أنكرتُها عليه، ثم دخل اَخرُ فقرأ غير
قراءة صاحبه، فقال لهما النبى صلى الله عليه: اقرأ، فقرأ، فقال: أحسنتما، فلمّا قال لهما النبي صلى الله عليه الذي قال، كبُر على ولا إذ كنت في
الجاهلية، فلما رأى النبي ما قد غشيني ضربَ على صدري ففضتُ عرقا
وكأنّي أنظرُ إلى الله فرقاً، فقال: يا أبيّ إن ربي أرسل إليَّ أن أقرأ القرآنَ على
حرف، فرددت إليه أن هوِّن على أمَّتي، فأرسلَ إليّ أن اقرأ على سبعة أحرفٍ ولك بكل ردة مسألة تسألنيها.
قال: قلت: اللهم اغفر لأمّي اللهم اغفر لأمّتي.
وأخرت الثالثة ليومٍ يحتاجُ إليّ فيه الخلقُ حتى إبراهيمُ الخليلُ ﵇ ".
وفي روايةٍ أخرى عن سقير العبدي عن سليمان بن صُرد عن أبى
بن كعب قال: "دخلتُ المسجدَ فإذا رجل يقرأ قلتُ له: من أقرأك هذه
القراءة، قال: النبى ﷺ ، قلتُ: انطلق إليه، قال: فانطلق، قال: قلتُ: استقرىء، قال: فاستقرأ، فقال: أحسنت، قال: قلت: ألم تُقرئني
стр. 309
كذا وكذا، قال: بلى، قال: وأنت فقد أحسنت، فنكّبتُ بيدي هكذا، وقد أحسنت، قال: فضربَ رسول الله ﷺ في صدري وقال: اللهم أذهب عن أبي الشك، قال: فارفَضضتُ عرقاً وامتلأ جوفي فرَقاً، ثم قال صلى الله عليه: يا أبيُّ أتاني مَلَكان اثنان فقال أحدُهما: اقرأ على حرف، فقال الآخر: زده، قال: قلتُ: زدني، قال: اقرأ على حرفين، فقال الآخر زده، قلت: زدني قال: اقرأ على ثلاثةِ أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على خمسة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على ستةِ أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على سبعةِ أحرف ".
وروى قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صُردٍ الخزاعي عن
أبيّ بن كعب، قال: "قرأت آيةً وقرأ ابن مسعود خلافها فأتينا النبيَّ ﷺ فقلت: ألم تُقرئني آيةَ كذا وكذا، قال: بلى، قال ابن مسعود: ألم تُقرئنيها كذا وكذا، قال: بلى، كلاكُما محسن مجمل، فقلت: كلانا ما أحسنَ ولا أجمل، فضرب في صدري وقال: يا أبي إنِّي أُقرئتُ القرآن، فقيل لي: على حرفٍ أو حرفين، فقال الملك الذي معي: قل على حرفين.
قلت: على حرفين، فقيل: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي:
على ثلاثة، قلت: على ثلاثة، هكذا حتى بلغ السبعة أحرف ليس منها إلا
شافٍ كاف، إن قلت غفور رحيم، سميع عليم، أو عليم حكيم، عزيز حليم هو كذلك، ما لم تختم عذاباً برحمة أو رحمة بعذاب ".
стр. 310
وقد رُوي في ذلك أخبارٌ كثيرةٌ يطولُ تتبعها، وفي بعض ما ذكرناه منها
ما يدلُّ على ما نقصده من العرض وكشفِ الشبهة، وأدلُّ ما نقول في هذا:
إنّ هذه الأخبار التي ذكرناها أخيراً من مشاجرة عُمر لحكمِ بن هشام وأبيّ
لعبد الله بن مسعود ورجلٍ آخر، وعمرو بن العاص لآخر خالف ما لُقنه عن
النبي ﷺ وترافعهم إليه وتخاصُمِهم بحضرته واستعظامهم الأمر في ذلك، من أدلِّ الأمر على تشدد القوم في هذا الباب وتصعُّبهم وتدينهم بقراءة القرآن على ما أقرِئوا عليه من اللّفظ دون المعنى والعملِ والاجتهاد في القراءة على غلبة الظن فيها، وأنّهم كانوا لا يَرونَ وضع الآية والكلمة منه في غير الموضع الذي وُضعت فيه، وأنّهم كانوا يُحرِّمون ذلك ويأخذون أنفُسهم بترتيبه على ما أنزلَ وقراءته على ما وقفوا عليه من غير تغييرٍ ولا تبديلٍ ولا تقديمٍ ولا تأخير ولا تساهُل في القراءة بالمعنى، على كذب من ادّعى عليهم شيئاً من ذلك واستجازته وأنهم أجازُوا تقديم المؤخَّرِ وتأخير المقدّم والقراءة على المعنى والاستحسان وغالب الظن والرأي والاجتهاد، لأنّ ما يجوز فيه ذلك عندهم لا يقع فيه هذا التخاصم والتشاجر والإعظامُ له، فوجب بذلك نفيُ ما فرقوا به الصحابةَ من ذلك وأضافوه إليهم منهم.
وكيف يستجيزون ذلك، وقد علموا أنّ رسول الله ﷺ كان يُعرَضُ عليه القرآن في كلِّ مرةً وظهرت الروايةُ بينهم بذلك، حتّى رووا أنّ رسولَ الله ﷺ كان يُعرضُ عليه القرآن في كل عام مرة، حتى كان العامُ الذي توفي فيه يُعرض عليه مرّتين، قالوا: فكأنّهم يرون أنّ العرضة الأخيرة في قراءة ابن عفّان، وكلّ هذا يدلُّ على إحاطة القوم بعلم ترتيبِ القرآن على الوجه الذي رتبه رسول الله ﷺ وأنّه لا يجوز أن يذهب عليهم ذلك مع تكرُّر عرضِ الرسول له في كل عام، ولا أن يتسمّحوا
стр. 311
ويتساهَلوا في نظمِه وترتيبه على خلاف ما رتَبه رسولُ الله ﷺ وعرضه، ولا أن تتوافى هِمَمُ الجميعِ منهم على تركِ ذلك وتسويغ خلاف ترتيب النبي ﷺ ، أو تركِ الإنكارِ والتغليظ على من فعلَ ذلك وأجازه، ولو كان هذا مما قد وقع وفُصل وأنكره مُنكر، لوجبَ في مستقر العادة ظهور هذا الإنكار وشُهرته، وعَلمنا ضرورةَ لخلاف من خالف نظمَ الرسول وترتيبه وإنكار المنكرين لذلك، وفي عدم العلم بذلك وحصولِ الإجماع بخلافه دليل على سقوطِ جميعِ هذه الدعاوى وتكذبُّها وسلامةُ أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وسائر الصحابة مما قذفوهم به وأضافوه إليهم من التبديل والتغيير والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير وغير ذلك مما رموهم به.
ثم رجع بنا الكلامُ إلى معنى السبعة الأحرف المروية وتفسيرها ووجوبِ
إطلاق القراءة بسائرها، فنقول أولاَ: إنَّ جميع ما قدّمنا ذكره من الأخبار
المتظاهرة عن الرسول نص منه على أن القرآن منزلٌ على سبعة أحرف
وسبعةِ وجوه من القرآن كلها صواب وحلالٌ مطلق القراءة بها، فلذلك قال
جبريلُ عن اللهِ سبحانه: "بأيها قرأتُم فقد أصبتُم وأحسنتم ".
وقال الرسولُ صقى الله عليه لعمرَ وهشام وأبى وعبد الله بن مسعود وعمرو بن العاص والرجل الذي رافعه إليه: "قد أصبتُم وأحسنتم ".
ثم أخبرهم أن كل تلك القراءات منزلةٌ من عند الله تعالى، ومن جملةِ السبعة الأحرف التي راجع فيها وسألَه التخفيفَ عن أمته، وأنه استزاد الملكَ فزاده حتى بلغ سبعةَ أحرف، فوجبَ بذلك القطعُ على تصويب كل قارىء ببعض هذه السبعة الأحرف، وأنّها بأسرها من عند الله تعالى، وأن عثمانَ وأبيّا وعبدَ الله بن مسعود لم يختلفوا قط في شيءٍ من هذه الأحرف السبعة، ولا أنكر أحدٌ منهم على صاحبه القراءة ببعضها والإخبار له وإطلاق الباقي لمن قرأ به،
стр. 312
وأن عثمانَ لم يَحرِق شيئاً من المصاحف لتضمنها شيئاً من هذه القراءات، وأنّه إنما حرَّق منها ومنعَ من التمسك به لتضمنها شيئاً لم يثبت أنّه قرآن، وما أُثبتَ على خلاف ما أنزل الله، أو لتضمنه الآيةَ وتفسيرَها التي يخافُ على غير مثبتها توهمه لكون التفسير قرآناً، أو لتضمُّن تلك المصاحف لقرآنٍ كان أُنزلَ ثم نُسخَ ومُنع وحُظرَ رسمُه، فلم يعرف ذلك من سَمِعَهُ أو أثبته بذكره لنفسه لا ليجعل مصحفَه إماماً.
وقد روى رواية ظاهرةً أنّ عمر ﵁ قال للنبي ﷺ لما نزلت آية الرّجم: والشيخُ والشيخة فارجموهما ألبتّة، أثبتها يا رسول الله، فقال له: لا أستطيعُ ذلك لقوله ﵇ إنه مما نُهيَ عن رسمه، ولو كان مما أمِرنا بإثباته لاستطاعَ أن يثبته ولم يكن لتركه وإجابة عُمر بأنّه لا يستطيع ذلك وجه.
فيجب إذا كان ذلك كله أخذُ المصاحف المتضمِّنة لمثل هذه الأمور
وتصفية آثارها والمنعِ من التمسُّك بها والانتساخِ منها إذا كان ذلك من
أجلبِ الأمورِ لفساد نقلِ القرآن وإدخال السنة والتخاليط فيه، وخلطِه بما
ليس منه على مارتبناه وبيّنّاه من قبل.
ووجبَ لذلك أن لا يكونَ بين عثمانَ وعبد الله وأبيّ خلافٌ في هذه
القراءات، وفي تسويغ جميعها وإطلاقه والقطعِ على أنَّها من عند الله جلّ
ذكره، وأنّه لا يجوز لعثمانَ ولا لغيره منعُ القراءة بشي، من هذه الأحرف
وحظره وتخطئةِ القارىء به وتأثيمِه بعد توقيف الرسول على صواب القارىء
بكل شيء منها، لأنّه لا يسوغ لأحد أن يُحرِّم ويحظر ما أحقه الله جلَّ وعزَّ
ويُخطَىءَ من حَكمَ اللهُ بصوابه، وحكم الرسولُ بأنّه محسنٌ مُجملٌ في قراءته،
стр. 313
وأنه لا يجوزُ أبداً أن تتفق الأمَّة ُ على حظرِ ما أحقه اللهُ تعالى وتخطئة من
أخبر اللهُ بصوابه، لأنّ ذلك إجماع على خطأ وهو ممتنعٌ على الأمَّة.
وأنه لا يسوغ أيضا لمذعٍ أن يدّعي أن ما أحقهُ اللهُ وأطلقه وحكمَ بصوابِ
فاعله حلالٌ بشريطة أن لا يُحرِّمه إمامُ الأمَّة ويمنعُ منه أو بأن لا يُجمِع
المسلمونَ على خلاف ما حكمَ الله به، لأن الإجماعَ على ذلك خطأ وإجماعٌ
على مخالفة حُكمِ الله سبحانه، ولن يجوز أن يتّفق منهم أبداً، ولأن ذلك لو
ساغ أن يقالَ في بعض ما حكم الله به لساغ أن يقالَ مثلُه في جميع أحكام الله
تعالى، وأنّ جميعَ ما أحقهُ وحرّمه وأوجبه وأباحه وأطلقه إنما أوجبه وأباحَه
وحرمه بشريطة أن لا يحكمُ إمام الأمَّة فيه بخلاف حكم الله تعالى، ويرى أنّ
مخالفةَ حكمِ الله من مصالح الأمّة، وبأن لا يجمع الأمَّة على مخالفة حُكمِ
الله بذلك الشيء، ويرى أنّ منعَهُ أصوبُ وأحوطُ للأمَّة من إطلاق مقال لا
ينكر سقوطَ قطع السارق وجلد الزاني والقصاص إذا أدّى ذلك في بعض
الأوقات إلى تهارُج الأمّة وسفكِ الدماء وتعطيل جميع الحدود والأحكام.
وأن يُسقط أيضاً لمثل ذلك في بعض الأحايين فرضَ الصلاة والحج
والصيام، إذا خيفَ في تيقنه فرضَه على الناس تهارج وفتنةٌ وتعطيل الأحكام
والارتداد واللحوق بدورِ الكفر، فإنّ من صارَ على ذلك أجمعَ خرقَ
الإجماع وفارق الدين، وإن أباه لم يجد فصلا.
وإن قال: إنّه لا يجوز أن تفسُدَ الأمَّة أو بعضُها بنفيه بعض الأحكام على ما
حكم به، ويكون ذلك لطفا في فسادها، قيل له: وكذلك لا يجوز أن يتّفق مثلُ هذا في إطلاق القراءات التي أنزلها اللهُ سبحانه وأحقها وحكمَ بصواب القارىء بها.
стр. 314
وإن قالوا: بالضرورة يُعلمُ أن حكمَ الله تعالى بوجوب قطع السارق وجلدِ
الزاني وفرضِ الحجِ والصلاةِ دائمٌ مؤبدٌ على الأمَّة بغير شرط، قيل لهم: وبمثل هذه الضرورة يُعلم أنّ إطلاقَ رسولِ الله ﷺ لهذه القراءات والحكمَ بصوابها مؤبَّد، ولا جوابَ عن ذلك، وقد أشبَعْنا هذا الكلام فيما سلف بما يغني عن إعادته.
وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ صوابُ جميع هذه الأحرف والقراءات وإطلاقُها
على التأبيد، وأنّ الصحابة لم يكن بينهم خلافٌ في هذا الباب، وأنّه يجبُ أن
يُحملَ الأمرُ في كل خلاف رُوي عنهم في المصاحف والقراءات، خرجوا فيه
إلى المنافرة والإنكار والمنع من القراءة بما اختلفوا فيه، على أنّ ذلك
الاختلافَ ليس من هذه الأحرف السبعة والقراءات التي أحل الله سبحانَه
جميعَها في شيء، وإنّما هو في بعض ما تقدم ذكرُه ممّا لم يصحّ وتقوم الحجّة
بأنّه قرآنٌ منزل، أو فيما كان نزلَ ونُسخ أو فيما أُثبتَ من تأويل مع تنزيل على وجه التذكرة، أو مما أُسقطت كتابتُه وحُذف، وهو قرآن ثابت، قد أمرَ اللهُ سبحانَه به وألزمَ إثباتَه وقراءته، ونحو هذا مما يجبُ إنكارُه ومنعُه والمنافرةُ فيه، وهذه جملةٌ كافيةٌ في هذا الباب، وبالله التوفيق.
стр. 315
(باب)
القولِ في تفسير معنى القراءاتِ السبعِ التي أنزل الله جل وعز القرآن بها
فإن قال قائل: فما هذه الأحرف السبعة، وما تأويلُها وحسنُ الاختيار
فيها، قيل له: هي في الأصلِ على أربعة أضْرُب، فثلاثة منها مرويّ تفسيرُها
عن النبي ﷺ وبعض التابعين، والضربُ الرابعُ ثابت عن النبي ﷺ وإن لم يكن نصَّ في تفسيرها، وقد اختلف الناس في تأويلِه اختلافا سنذكره فيما بعدُ إن شاء الله، ونَصِفُ ما نختارُه ونقيمُ الدّليلَ على صحتِه، وحرفان من
الأحرفِ الثلاثة المرويِّ تفسيرُها قد وردَ تفسيرها عن النبي ﷺ من ذلك فهو ما قدّمنا ذكرَه من قوله ﷺ : "إن الكتابَ الأوّلَ أنزِل من بابٍ واحد، وكان على حرفٍ واحد، وأنزلَ القرآن من سبعةِ أبوابٍ على سبعة أحرف: نهي وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابهٌ وأمثال، فأحلّوا حلالَه وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عمّا نُهيتم عنه، واعتبِروا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا".
فهذا نص منه على تفسيرِ هذه السبعةِ الأحرف بما يمنعُ ويحظرُ من زيادةٍ
عليها ونقصانٍ منها، أو تفسيرِها بغير ما فسّره ﷺ وبيّنَه، وليست هذه السبعةُ الأحرف هي الأحرفُ التي أجاز لعُمر وهشام وعبد الله وأبيّ وعَمرو ومن رافَعَه إليه القراءةَ بجميعِ ما اختلفوا فيه وصوّبهم عليه، وقال لهم في سائرِه أصبتُم وأحسنتم، وهكذا أقرأتكم، لأن القرآن على عصرِ الرسول ﷺ -
стр. 316
وبعده لم يُختلف في أنه لا يجوز التحريم موضعُ التحليل والمُحكم موضعُ المتشابِه والأمر في مكانِ النّهي، هذا مما لم يختلف قَطُّ فيه سلفُ الأمّة ولا خلفُها، ولا يجوز أن يقَع ذلك منها، وإنما اختلفت في وجوه الإعرابِ والإمالةِ والتقديمِ والتأخيرِ وتغييرِ الاسمِ بما ينوب عنه إلى أمثالِ ذلك من وجوه الأحرفِ السبعةِ مما سنشرحه فيما بعدُ إن شاء الله وكذلك قال ابن شهاب عند ذكره السبعةَ الأحرفَ التي رواها: "بلغني أن تلك السبعةَ الأحرفَ إنّما هي في الأمر الذي يكون واحداً لا يختلفُ في حلالٍ ولا حرام ".
وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ أنّ هذه السبعةَ المفسّرةَ عن الرسول ليست
هي السبعة الأحرف التي يسوغُ الاختلافُ فيها، وليس يجب إذا أنزل اللهُ
القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ هي: أمر ونهيٌ وتحليل وتحريم وغيرُ ذلك أن لا
يُنزله على سبعةِ أحرفٍ أخَرَ وهي: أوجه وإعراب مختلِفٌ وإنّها مختلفةُ
اللفظِ متفقةُ المعنى، وغيرُ ذلك، وأن تكون الأخبارُ عن أنه أُنزلَ على سبعةِ
أحرفٍ لا يسوغُ بغيرها، والاختلافُ فيها منافياً للإخبارِ بأنّه منَزَّل على سبعةِ
أحرفٍ أخَرَ ليست من هذه الضروب، يسوغ الاختلافُ فيها.
وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه وثبت أن هذه السبعةَ الأحرف
المفسرة ليست هي القراءاتُ السبعةُ المختلفُ في تأويلها.
فإن قال قائل: الأمرُ والنهيُ والتحليلُ والتحريمُ لا يُسمى في اللغة
حرفاً، وإنَّما يُسمّى كل ضرْبٍ منه وجهاً وضربا من الكلام وكلمة، فكيف
استجازَ الرسولُ ﷺ أن يسميَ الأمرَ والنهيَ حرفين.
يقال له: هذا اعتراض على الرسولِ ﷺ وسؤالٌ لازمٌ له إن كان لازماً دوننا.
فإن كان السائل عن ذلك معترفاً بالنبوةِ فلا سؤالَ له،
стр. 317
وإن كان مبطلاً لها لم يجبْ أن يُكَلمَ في تفسير الأحرفِ والقراءات، ثم يقال له: قد صح بما سنبينه فيما بعد إن شاء الله أن الوجهَ الذي يقعُ عليه الفعلُ والكلامُ يسمّى في اللغة حرفاً ولذلك قال اللهُ سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) .
وإنما عنى بالحرف - وهو أعلمُ وأحْكَمُ - الوجهُ الذي تقعُ العبادةُ عليه، يقول إن منهم مَن يعبدُ على النعمةِ والرخاءِ والغِنا ويطمئنُ إلى ذلك، فإن تغيّرتْ حالُه إلى فقْرٍ وشدّة وغير ذلك، تركَ عبادةَ ربه وكفَرَ به، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الأمر وجها والنهيُ وجها آخر منه، وكذلك التحليلُ والتحريم، جاز أن يُسميَ رسولُ اللهِ كلَّ ضربٍ من هذه الضروبِ حرفا، على تأويلِ أنّه وجهٌ من وجوه الكلام، وإذا كان ذلك كذلك سقط السؤالُ وزالت الشبهةُ والاعتراض.
وأما الضرب الثاني من الثلاثةِ التي رويَ تفسيرُها فهو ما قَدمنا ذكرَه في
رواية أبى عن النبي ﷺ أنه قال: "يا أبيّ إني أقرِئْتُ القرآن، فقيل لي على حرفٍ أو حرفين، فقال الملَكُ الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، قلت: على ثلائة، هكذا حتى بلغت سبعةَ أحرف، ليس منها إلا شافٍ كاف، إن قلت: غفورٌ رحيمٌ سميعٌ عليم، أو عليمٌ حكيمٌ عزيزٌ حكيم هو كذلك ما لم تَختِم عذابا برحمةٍ أو تَخْتِم رحمةً بعذاب ".
هذا آخرُ الخبر.
وفي هذا الخبرِ أيضا من نص الرسولِ ﷺ على تفسيرِ هذه الأحرفِ ما يمنعُ من التأويل ِ والاختلافِ فيه، وتكليفِ غير ما قالَه الرسولُ أو تغييرِه، وهل السبعةُ الأحرفُ الأخَرُ أيضا ليست السبعة الأولةَ التي فسرها بالأمر والنهيِ على ما قدمناه، ولا السبعةَ التي هي وجهٌ من القراءات، واختلافِ
стр. 318
اللفظِ والإعرابِ والتقديمِ والتأخير، وإنّما هي سبعةُ أوجهٍ من أسماءِ الله
تعالى لها سبعةُ معاني وسبعُ عباراتٍ مختلفة، وليس يجب إذا أَنزلَ اللهُ تعالى
القرآنَ على هذه السبعةِ الأحرفِ والتي قبلها أن ينزلَه على سبعة أحرفٍ على
السبعتين الأولتين، لأن ذلك غيرُ متنافٍ ولا متضادٍ ممتنع.
فإن قال قائل: فما تقولون في بقاءِ حكمِ هذه السبعةِ الأحرفِ الثابتة.
وممّا رُوي من تفسيرها، وأنه يجوزُ أن يُجعل مكانَ غفورٍ رحيمٍ ومكان
حكيمٍ عليمٍ ومكان عزيزٍ عليمٍ ما لم يُختم عذابٌ برحمةٍ أو رحمة بعذاب.
هل حكمُ ذلك باق، وهل يجوزُ أن يكون مكانَ كلّ اسمٍ لله تعالى من هذه
الأسماءِ غيره مما هو بمعناه أو مخالف لمعناه أم لا؟
يقال له: نقولُ في ذلك إن هذه الروايةَ إذا صحَّت وثَبَتَت، وجب أن
يُحملَ الأمرُ فيها على أنّ ذلك كان شائعا مطلقا ثم نُسخ ومُنع وأُخذَ على
الناس أن لا يُبَدلوا أسماءَ اللهِ تعالى في آيةٍ وموضعٍ من المواضعِ بغيره، مما
هو بمعناه أو مخالف لمعناه، لأنّ ذلك مما قد اتفقَ المسلمون عليه، ولذلك
لم يَسُغ أن يُقالَ قلْ أعوذ برب البشرِ مكانَ الناس، وقل أعوذ بخالقِ الناسِ
مكانَ ربِّ الناس، وتبارك اللهُ أحسنُ المقدرينَ أو المخترعينَ أو المنشئين
مكانَ قوله الخالقين، في أمثال ذلك مما قد اتُفِق على منعِه وحظْرِه، فثبت
أنّ هذا ممّا كان مطلقاً مباحا، ونُسخ.
ويجوز أن يكون قد شُرع في صدرِ الإسلام أن يُجعلَ مكانَ الحرفِ
الواحد خلافُه مثلُ مكان عليمٍ قدير، وأن يُجعلَ مكانَه مثله مثلُ مكان غفورٍ
رحيم، ثم نُسِخَ ذلك من بعد، فأما أن يُجْعلَ مكانَه ضده مثلُ مكان غفورٍ
شديدُ العقاب، فلم يكن ذلك جائزاً بالإجماع.
стр. 319
وقد يجوز أن يقول قائل: إن المباحَ كان من الأسماء المبدَّلة التي يسوغُ
وضعُ كل شيءٍ منها مكانَ غيره سبعة من أسماء الله فقط، حتى لا يلزمُه ذلكَ
في سائر أسمائِه تعالى، وذلك غير ممتَنع، إلا أنه لما اتفق المسلمون على
أنّه ليسَ في شيءٍ من أسمائِه تعالى الثابتُ في آيةٍ من الآي ما يُجَوزُ أن يُبدلَ
بغيره عُلم بذلك نَسْخُ ما تضمَّنه هذا الخبر من إطلاق هذا الباب ورفعه بعد
تحليله، وليس بمحالٍ أن ينزل اللهُ سبحانَه القرآنَ على وجهٍ ثم يُنسخ ذلك
الوجه من القراءة بغيره، كما أنه ليس بمحالٍ أن يُنزله في الأصل إلا على
وجهٍ واحدٍ وليس بمحال واحد، وليس بمحالٍ رفعُ التلاوةِ نفسِها ونسخِها
بعد إنزالها وإيجاب القراءة لها، وإذا كان ذلك كذلك ثبت ما قدمناه.
فأمَّا الوجهُ الثالثَ المرويُّ تفسيرُه عن بعضِ التابعين، فهو ما قدَّمنا ذكرَه
عن عمرو بن الحارث وابن لهيعةَ روايتان رواهما بُكير:
إحداهما: أن عمرو بن العاص قرأ آيةً من القرآن فسمعَ رجلاً يقرؤها
خلافا لقراءتِه، فقال من أقرأكَ هذا، فقال: رسولُ الله ﷺ ، فذهبَ به إليه، فذكرَ له وقرأ عليه كلاهُما، فقال رسول الله ﷺ : "أصبتُما، إن القرآن نزل على سبعة أحرف "، فقال بُكير: وذُكر لي أنه قيل لسعيدِ بن المسيب: ما سبعةُ أحرف، فقال: كقولك هَلُمّ وتعالَ وأقبِل، وكل ذلك سواء.
وهذا التفسير وإن كان مما لا يلزمنا قولُه والقطعُ على صحتِه لكونه مذهباً وقولاً لسعيد بن المسيب ولا سأل بكير عن ذلك سعيد.
وقولُه: بلغني أن سعيداً قيل له، ولم يَذكر من بقغه ذلك عن سعيد، فإنّه يمكن أن يكون صحيحاً، وأن يكون الله سبحانَه قد كان أباحَ للقارىء في صدرِ الإسلامِ أن
стр. 320
يجعلَ مكان اسم الشيء المذكور في الآية غيرَه من أسمائِه التي هي بمعنى
ذلك الاسم، أو أباحَ ذلك في سبعةِ أسماءٍ فقط، إما من أسماءِ اللهِ تعالى أو
من أسماء غيره، أو أباحَ ذلك في سبعِ كلماتِ ليست بأسماءَ له، معنى كل
واحدةِ منها معنى الأخرى، وأطلق القراءةَ بأيها شاءوا وخَيّرهم في إبدال
الاسمِ والكلمة بما هو بمعناها في تلك السبعِ الكلماتِ أو الأسماء المخصوصة.
ثم إنه سبحانه حظر ذلك بعد إباحته ومنَع على ما بيَّناه من قبل.
وتحتمل هذه الرواية أيضا أن يكون من سعيدِ بن المسيبِ تفسيرٌ لبعض
الحروفِ السبعة، الشافي حكمُ القراءةِ له، فكأنه قال: هذه سبيلُ السبعةِ
الأحرفِ أو أكثرها في أنه اختلافٌ بالإعرابِ والتقديم والتأخير والإمالة
وتركها، والجمعِ والتوحيدِ لا يفسدُ معنىَ ولا يغيره، مثلُ الصوف المنفوش
مكان العهن، وقوله إن كانت إلا زقيةَ واحدةَ مكان صيحة، وطعامُ الفاجر
مكان الأثيم، مثل هَلُمَ وتعال وأقبل، وكأنّه فَسر السبعةَ بوجهِ منها، ليبينَهُ
بذكره على أنّها أو أكَثَرها جارية مَجَرى ذلك الوجه، في أنّها لا تغيرُ مَعنى
ولا تُفْسِدُه، وإن كان فيها ما يختلف معناه اختلافا لا يُتضاذُ ويتنافى على ما
سنبينه فيما بعد إن شاءَ الله، فهذا وجهُ القول في هذا التفسير المروي عن
سعيد بنِ المسيب وما جرى مجراه مما رُوي عن غيره.
وأما الوجهُ الرابعُ من ضروبِ السبعةِ الأخَر: فهو الضربُ الذي صوب
فيه رسول الله ﷺ القراءة بجميعِها، وأنّه وافاه عُمَر وهشامٌ وأبى وعبدُ اللهِ وعمروُ ومن خالفَه على سائرها، وهي التي راجعَ اللهَ تعالى فيها فزادَهُ وسهّلَ على أمتِه لعلمِه بما هم عليه من اختلافِ اللغاتِ واسستصعابِ مفارقةِ الطبعِ والعادةِ في الكلام إلى غيره، وتأويل هذا الضرب من السبعةِ الأحرف أنه أنزلَ على سبعِ قراءاتِ وسبعةِ أوجه، وقولهُ أحرفِ وقراءاتِ ولغاتِ وأوجهِ
следующие страницы →