← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وبعده لم يُختلف في أنه لا يجوز التحريم موضعُ التحليل والمُحكم موضعُ المتشابِه والأمر في مكانِ النّهي، هذا مما لم يختلف قَطُّ فيه سلفُ الأمّة ولا خلفُها، ولا يجوز أن يقَع ذلك منها، وإنما اختلفت في وجوه الإعرابِ والإمالةِ والتقديمِ والتأخيرِ وتغييرِ الاسمِ بما ينوب عنه إلى أمثالِ ذلك من وجوه الأحرفِ السبعةِ مما سنشرحه فيما بعدُ إن شاء الله وكذلك قال ابن شهاب عند ذكره السبعةَ الأحرفَ التي رواها: "بلغني أن تلك السبعةَ الأحرفَ إنّما هي في الأمر الذي يكون واحداً لا يختلفُ في حلالٍ ولا حرام ". وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ أنّ هذه السبعةَ المفسّرةَ عن الرسول ليست هي السبعة الأحرف التي يسوغُ الاختلافُ فيها، وليس يجب إذا أنزل اللهُ القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ هي: أمر ونهيٌ وتحليل وتحريم وغيرُ ذلك أن لا يُنزله على سبعةِ أحرفٍ أخَرَ وهي: أوجه وإعراب مختلِفٌ وإنّها مختلفةُ اللفظِ متفقةُ المعنى، وغيرُ ذلك، وأن تكون الأخبارُ عن أنه أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ لا يسوغُ بغيرها، والاختلافُ فيها منافياً للإخبارِ بأنّه منَزَّل على سبعةِ أحرفٍ أخَرَ ليست من هذه الضروب، يسوغ الاختلافُ فيها. وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه وثبت أن هذه السبعةَ الأحرف المفسرة ليست هي القراءاتُ السبعةُ المختلفُ في تأويلها. فإن قال قائل: الأمرُ والنهيُ والتحليلُ والتحريمُ لا يُسمى في اللغة حرفاً، وإنَّما يُسمّى كل ضرْبٍ منه وجهاً وضربا من الكلام وكلمة، فكيف استجازَ الرسولُ ﷺ أن يسميَ الأمرَ والنهيَ حرفين. يقال له: هذا اعتراض على الرسولِ ﷺ وسؤالٌ لازمٌ له إن كان لازماً دوننا. فإن كان السائل عن ذلك معترفاً بالنبوةِ فلا سؤالَ له،

стр. 317

وإن كان مبطلاً لها لم يجبْ أن يُكَلمَ في تفسير الأحرفِ والقراءات، ثم يقال له: قد صح بما سنبينه فيما بعد إن شاء الله أن الوجهَ الذي يقعُ عليه الفعلُ والكلامُ يسمّى في اللغة حرفاً ولذلك قال اللهُ سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) . وإنما عنى بالحرف - وهو أعلمُ وأحْكَمُ - الوجهُ الذي تقعُ العبادةُ عليه، يقول إن منهم مَن يعبدُ على النعمةِ والرخاءِ والغِنا ويطمئنُ إلى ذلك، فإن تغيّرتْ حالُه إلى فقْرٍ وشدّة وغير ذلك، تركَ عبادةَ ربه وكفَرَ به، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الأمر وجها والنهيُ وجها آخر منه، وكذلك التحليلُ والتحريم، جاز أن يُسميَ رسولُ اللهِ كلَّ ضربٍ من هذه الضروبِ حرفا، على تأويلِ أنّه وجهٌ من وجوه الكلام، وإذا كان ذلك كذلك سقط السؤالُ وزالت الشبهةُ والاعتراض. وأما الضرب الثاني من الثلاثةِ التي رويَ تفسيرُها فهو ما قَدمنا ذكرَه في رواية أبى عن النبي ﷺ أنه قال: "يا أبيّ إني أقرِئْتُ القرآن، فقيل لي على حرفٍ أو حرفين، فقال الملَكُ الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، قلت: على ثلائة، هكذا حتى بلغت سبعةَ أحرف، ليس منها إلا شافٍ كاف، إن قلت: غفورٌ رحيمٌ سميعٌ عليم، أو عليمٌ حكيمٌ عزيزٌ حكيم هو كذلك ما لم تَختِم عذابا برحمةٍ أو تَخْتِم رحمةً بعذاب ". هذا آخرُ الخبر. وفي هذا الخبرِ أيضا من نص الرسولِ ﷺ على تفسيرِ هذه الأحرفِ ما يمنعُ من التأويل ِ والاختلافِ فيه، وتكليفِ غير ما قالَه الرسولُ أو تغييرِه، وهل السبعةُ الأحرفُ الأخَرُ أيضا ليست السبعة الأولةَ التي فسرها بالأمر والنهيِ على ما قدمناه، ولا السبعةَ التي هي وجهٌ من القراءات، واختلافِ

стр. 318

اللفظِ والإعرابِ والتقديمِ والتأخير، وإنّما هي سبعةُ أوجهٍ من أسماءِ الله تعالى لها سبعةُ معاني وسبعُ عباراتٍ مختلفة، وليس يجب إذا أَنزلَ اللهُ تعالى القرآنَ على هذه السبعةِ الأحرفِ والتي قبلها أن ينزلَه على سبعة أحرفٍ على السبعتين الأولتين، لأن ذلك غيرُ متنافٍ ولا متضادٍ ممتنع. فإن قال قائل: فما تقولون في بقاءِ حكمِ هذه السبعةِ الأحرفِ الثابتة. وممّا رُوي من تفسيرها، وأنه يجوزُ أن يُجعل مكانَ غفورٍ رحيمٍ ومكان حكيمٍ عليمٍ ومكان عزيزٍ عليمٍ ما لم يُختم عذابٌ برحمةٍ أو رحمة بعذاب. هل حكمُ ذلك باق، وهل يجوزُ أن يكون مكانَ كلّ اسمٍ لله تعالى من هذه الأسماءِ غيره مما هو بمعناه أو مخالف لمعناه أم لا؟ يقال له: نقولُ في ذلك إن هذه الروايةَ إذا صحَّت وثَبَتَت، وجب أن يُحملَ الأمرُ فيها على أنّ ذلك كان شائعا مطلقا ثم نُسخ ومُنع وأُخذَ على الناس أن لا يُبَدلوا أسماءَ اللهِ تعالى في آيةٍ وموضعٍ من المواضعِ بغيره، مما هو بمعناه أو مخالف لمعناه، لأنّ ذلك مما قد اتفقَ المسلمون عليه، ولذلك لم يَسُغ أن يُقالَ قلْ أعوذ برب البشرِ مكانَ الناس، وقل أعوذ بخالقِ الناسِ مكانَ ربِّ الناس، وتبارك اللهُ أحسنُ المقدرينَ أو المخترعينَ أو المنشئين مكانَ قوله الخالقين، في أمثال ذلك مما قد اتُفِق على منعِه وحظْرِه، فثبت أنّ هذا ممّا كان مطلقاً مباحا، ونُسخ. ويجوز أن يكون قد شُرع في صدرِ الإسلام أن يُجعلَ مكانَ الحرفِ الواحد خلافُه مثلُ مكان عليمٍ قدير، وأن يُجعلَ مكانَه مثله مثلُ مكان غفورٍ رحيم، ثم نُسِخَ ذلك من بعد، فأما أن يُجْعلَ مكانَه ضده مثلُ مكان غفورٍ شديدُ العقاب، فلم يكن ذلك جائزاً بالإجماع.

стр. 319

وقد يجوز أن يقول قائل: إن المباحَ كان من الأسماء المبدَّلة التي يسوغُ وضعُ كل شيءٍ منها مكانَ غيره سبعة من أسماء الله فقط، حتى لا يلزمُه ذلكَ في سائر أسمائِه تعالى، وذلك غير ممتَنع، إلا أنه لما اتفق المسلمون على أنّه ليسَ في شيءٍ من أسمائِه تعالى الثابتُ في آيةٍ من الآي ما يُجَوزُ أن يُبدلَ بغيره عُلم بذلك نَسْخُ ما تضمَّنه هذا الخبر من إطلاق هذا الباب ورفعه بعد تحليله، وليس بمحالٍ أن ينزل اللهُ سبحانَه القرآنَ على وجهٍ ثم يُنسخ ذلك الوجه من القراءة بغيره، كما أنه ليس بمحالٍ أن يُنزله في الأصل إلا على وجهٍ واحدٍ وليس بمحال واحد، وليس بمحالٍ رفعُ التلاوةِ نفسِها ونسخِها بعد إنزالها وإيجاب القراءة لها، وإذا كان ذلك كذلك ثبت ما قدمناه. فأمَّا الوجهُ الثالثَ المرويُّ تفسيرُه عن بعضِ التابعين، فهو ما قدَّمنا ذكرَه عن عمرو بن الحارث وابن لهيعةَ روايتان رواهما بُكير: إحداهما: أن عمرو بن العاص قرأ آيةً من القرآن فسمعَ رجلاً يقرؤها خلافا لقراءتِه، فقال من أقرأكَ هذا، فقال: رسولُ الله ﷺ ، فذهبَ به إليه، فذكرَ له وقرأ عليه كلاهُما، فقال رسول الله ﷺ : "أصبتُما، إن القرآن نزل على سبعة أحرف "، فقال بُكير: وذُكر لي أنه قيل لسعيدِ بن المسيب: ما سبعةُ أحرف، فقال: كقولك هَلُمّ وتعالَ وأقبِل، وكل ذلك سواء. وهذا التفسير وإن كان مما لا يلزمنا قولُه والقطعُ على صحتِه لكونه مذهباً وقولاً لسعيد بن المسيب ولا سأل بكير عن ذلك سعيد. وقولُه: بلغني أن سعيداً قيل له، ولم يَذكر من بقغه ذلك عن سعيد، فإنّه يمكن أن يكون صحيحاً، وأن يكون الله سبحانَه قد كان أباحَ للقارىء في صدرِ الإسلامِ أن

стр. 320

يجعلَ مكان اسم الشيء المذكور في الآية غيرَه من أسمائِه التي هي بمعنى ذلك الاسم، أو أباحَ ذلك في سبعةِ أسماءٍ فقط، إما من أسماءِ اللهِ تعالى أو من أسماء غيره، أو أباحَ ذلك في سبعِ كلماتِ ليست بأسماءَ له، معنى كل واحدةِ منها معنى الأخرى، وأطلق القراءةَ بأيها شاءوا وخَيّرهم في إبدال الاسمِ والكلمة بما هو بمعناها في تلك السبعِ الكلماتِ أو الأسماء المخصوصة. ثم إنه سبحانه حظر ذلك بعد إباحته ومنَع على ما بيَّناه من قبل. وتحتمل هذه الرواية أيضا أن يكون من سعيدِ بن المسيبِ تفسيرٌ لبعض الحروفِ السبعة، الشافي حكمُ القراءةِ له، فكأنه قال: هذه سبيلُ السبعةِ الأحرفِ أو أكثرها في أنه اختلافٌ بالإعرابِ والتقديم والتأخير والإمالة وتركها، والجمعِ والتوحيدِ لا يفسدُ معنىَ ولا يغيره، مثلُ الصوف المنفوش مكان العهن، وقوله إن كانت إلا زقيةَ واحدةَ مكان صيحة، وطعامُ الفاجر مكان الأثيم، مثل هَلُمَ وتعال وأقبل، وكأنّه فَسر السبعةَ بوجهِ منها، ليبينَهُ بذكره على أنّها أو أكَثَرها جارية مَجَرى ذلك الوجه، في أنّها لا تغيرُ مَعنى ولا تُفْسِدُه، وإن كان فيها ما يختلف معناه اختلافا لا يُتضاذُ ويتنافى على ما سنبينه فيما بعد إن شاءَ الله، فهذا وجهُ القول في هذا التفسير المروي عن سعيد بنِ المسيب وما جرى مجراه مما رُوي عن غيره. وأما الوجهُ الرابعُ من ضروبِ السبعةِ الأخَر: فهو الضربُ الذي صوب فيه رسول الله ﷺ القراءة بجميعِها، وأنّه وافاه عُمَر وهشامٌ وأبى وعبدُ اللهِ وعمروُ ومن خالفَه على سائرها، وهي التي راجعَ اللهَ تعالى فيها فزادَهُ وسهّلَ على أمتِه لعلمِه بما هم عليه من اختلافِ اللغاتِ واسستصعابِ مفارقةِ الطبعِ والعادةِ في الكلام إلى غيره، وتأويل هذا الضرب من السبعةِ الأحرف أنه أنزلَ على سبعِ قراءاتِ وسبعةِ أوجه، وقولهُ أحرفِ وقراءاتِ ولغاتِ وأوجهِ

стр. 321

بمعنىً واحد، والدليل على صحةِ هذا التأويل أن الحروفَ في اللغة إنّما تستعملُ في الأصل في أحد شيئين: أحدهما: طرَفُ الشيء وشفيرُه وحاشيتُه، ومنه قولُهم: حرفُ الطريقِ وحرفُ الوادي وحرفُ الإجانة وحرفُ الرغيف، وكذلك قولُهم في حرفِ الدرهمِ والدينارِ وطرفِ كل جسمٍ وشفيرِه وحاشيتِه وهذا مما لا خلاف فيه. ويستعمَلُ أيضا في المثال المقطوع من حروفِ المعجمِ التي فيها الألفُ والباءُ والتاءُ وغير ذلك، وتستعملُ أَيضا في الكلمةِ التامةِ التي هي حروف كثيرة مجتمعة وذلك ظاهر بينهم معروف في الاستعمال، وذلك أنهم يقولون ما سُمع عن زيد في هذا الباب حرف ولا تكلمَ فيه بحرف ولا به في هذا العلمِ من الكلامِ حرف واحد، وما ذكر فلانٌ من خَبَره، وما سُئلَ عنه حرفا ألبتة، وقد نغّم فلانٌ في هذه القصة بحرفِ سوء. وقد عُرفَ أنّهم لا يعنون بذكر الحرفِ في جميع هذا الكلام عنه حرفٌ واحدٌ مقطوعٌ أنّه لم يُسمع ممن نقلَ الكلامُ عنه، حرف واحدٌ مقطوعٌ من أل أو يا، أو واو، ولأنّ الحرفَ الواحدَ لا يصِحُّ التكلم به فيُسمع أو لا يُسمع، وكذلك إذا قالوا ما نَطقَ ولا تكلَّم بحرفٍ واحد، فإنهم إنَّما يَعنونَ أنه ما تكلّم بكلمةٍ ولا أورد نقطة، لأن الحرفَ الواحدَ المنقطعَ لا يكون قولاً ولا كلاما فلا يصح أن يُنفى التكلمُ به أو يثبت، وكذلك إذا قيل: ما صنفَ فلانُ ولا تكلمَ في هذا العلمِ بحرف، فليس يعني بذلك إلاّ نفيَ كلامِه فيه، ولا يعني أنه لم يوردْ فيه ألفا أو واواً. وكذلك إذا قالوا: ما تكلّمَ فلانٌ من خَبر فلان بحرف، إنّما يعنون أنه لم يتكلم بكلمةٍ هي خَبرٌ عن بعضِ أمورِه، لأن الكلّ قد أطبقوا على أن الحرفَ

стр. 322

المقطوعَ من حروفِ المعجمِ ليس بِخَبَر، ولا يصحُ أن يكون خبراً حتى يُقالَ إنه ما أخبرَ به الرجلُ أو أخبرَ به، وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ أنّهم يُسمُون الكلمةَ المجتمعةَ من حروفٍ كثيرة حرفاً. ويبيّن ذلك أيضاً ويوضحُه أن رسولَ اللهِ ﷺ لما أخْبَر على وجه الترغيبِ بأنّ للقاريء بكلِّ حرف عشرُ حسناتٍ بَيّنَ ذلك وفَسّره، فقال: "أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام وميم حرف " فتبينَ أنّه أرادَ بذلك الصُّورَ المقطّعةَ من حروفِ المعجمِ التي هي اب ت ث، لئلا يظنوا أنّه أرادَ بذكره الحروفَ الكلمةَ المنظومةَ التامةَ من حروفٍ كثيرةٍ ولو الم، تُسَمّ الكلمةُ عندهم حرفاً، لم يكن لهذا التفسير معنى، وكل هذا يوضِحُ عن أن الكلمة تسمى في اللغة حرفا، وكذلك الكلمةُ قد استعملت عندهم في أقلِ الكلام وأكثره واستعملت في القصيدة بأسرها والخطبةِ بطولها والرسالةِ بتمامها. وقال الشاعر: إنكِ لو شاهدتِنا بالخندَمةْ ... إذ فرَّ صفوانٌ وفرَّ عكرمةْ لم تنطقي باللومِ أدنى كلمةْ يريد أقلّ كلمةٍ وأيسرَها لشدة ذلك وصعوبته، وما قالوا ما يسرهم. قال الشاعر في كلمةِ كذا وكذا يريدون بذلك في قصيدته، لأنّهم ربما حكوا عنه كلاما كثيراً من كلماتٍ فقالوا مع ذلك هذا، قالوا في كلمته، وليس يجوز أن يقولَ في كلمةٍ واحدةٍ كلماتٍ كثيرة، وربّما حكوا أنه قال في كلمةٍ وصفَ حربٍ طال، أو حالَ رجلٍ شجاعٍ أو جبانٍ أو حكوا عنه شيئاً طويلاً

стр. 323

يقولون: قالَه في كلمته، فعُلم أنّهم يعنونَ بالكلمةِ القصيدة، وشهرةُ هذا عنهم يغني عن الاحتجاج له، وإن كان ما ذكرناه يزيلُ ريبَ من عُلمَ له بجوامع كلام القوم، وكذلك إذا قالوا: قال المترسّلُ أو الخطيبُ في كلمته كذا وكذا، إنّما يعنون به الخطبةَ والرسالة. وإذا كان ذلك كذلك وثبتَ أن النبى ﷺ لم يُرد بقوله: أنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرف، حروفَ المعجمِ المصوّرةِ على المثالِ الذي يكون منها ألف وباء وتاء، لأنّ ذلك لا معنى له، لأنّه منزل إذاً على التسعةِ والعشرين، ولأنّ كلَّ مثالٍ منها حرف على الحقيقة إلاّ لامُ الألفِ لأنّها مؤلّفةُ من حرفين وأدخلت الألفُ في اللام، فصارت صورتها صورة لا. وإذا كان ذلك كذلك وكان القرآنُ منزلاً بسائرِ حروفِ المعجم، فما معنى حملِ الخبرِ على أنّه سبعةُ أحرفٍ منها، هذا ليس من كلام أهل العلم والتحصيل بسبيل، ولا يجوزُ أن يكونَ المرادُ بذلك أنّه أُنزِلَ على سبعِ كلماتٍ فقط، لأنّ الكلامَ المنزلَ أكثرُ من سبعِ كلماتٍ وسبعٍ وسبع بشيء كثير، فما معنى تأويل الخبرِ على أنّه منَزل على سبعِ كلمات، هذا أيضاً مما لا محصولَ له ولا تعلّقَ لأحد فيه. فثبًتَ بذلك أنّ الأحرفَ السبعةَ التي ذُكرت إنّما هي سبعُ لغاب وسبعةُ أوجهٍ وسبعُ قراءاتٍ مختلفات، والوجهُ والطريقة التي يكونُ الكلامُ وغيره أيضاً عليها يسمّى في اللغة حرفا، قال اللهُ تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) . ولم يُرد تعالى بذكره الحرف في هذه العبارة الحرفَ من حروف المعجم ولا أرادَ الكلمة، وإنما أرادَ وهو سبحانَه أعلم الوجهَ والطريقةَ التي تقعُ عليها العبادة، وأنّ منهم من يعبد اللهَ على الخيرِ يصيبه والنماءِ في مالِه، وإكمالِ

стр. 324

صحتِه ووُفُورِ نِعَمِه، ومنهم من يعبُده على الشدةِ والبأساء والرجاء، وكيف تصرفت به الأحوال، لأنه عنده أهل لأن يعبُدَه مع التفضلِ والامتحانِ وعلى الخيراتِ والإنعام. وقد قيلَ: إن معنى قوله تعالى: (يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) أي على شك وغيرِ استبصار وطمأنينة، وجعلُ الحرفِ مثلا لقلةِ الطمأنينة، كما يقال فلان على شفا جُرُف، إذا كان غير متمكن في الأمر، قال أبو عبيد: وكل شاك في شيءٍ فهو على حرف. وقيل: إن الآية نزلت في أعاريبَ من بني أسَد أسلموا على يد النبي ﷺ ، فكانوا إذا سَلِمَتْ مواشيهم وأُعطوا من الصدقة استقاموا على الإسلام، وإذا لم يعطَوْا وهلكت مواشيهم ارتدوا عن الإسلام، وهو العبادةُ لله سبحانه أيضاً عباد له على وجه وطريقةٍ هي الشك وعدمُ اليقين، ومخالفة لعبادتِهِ باليقين، والصبر على البأساء والضراء، فلا معنى لقول من زعموا أن الوجهَ لا يُسمّى حرفا. وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ أن الوجهَ والطريقةَ التي لا يقعُ الشيء عليها تُسمّى في اللغة حرفا، فوجبَ لذلك أن يكون قولَه سبعةُ أحرفٍ أنه أنزلَ على سبعةِ أوجهٍ وسبعِ لغاتٍ وسبعِ قراءاتٍ مختلفة، والاختلافُ فيها إما أن يكون في تبيينها وصوريها، أو في معناها بحركةٍ أو إمالةٍ أو وجهٍ من وجوه الإعراب بغير معناها، وإن كانت الصورةُ في الكتابة بعينها غير مختلفةٍ على ماسنبيّنه من بعدُ إن شاء الله. ومما يدل على صحةِ هذا التأويلِ قولُ الناسِ إنَّ هذه الكلمةَ مقروء في حرفِ أبي بكر أو في حرفِ عبد الله بغير هذا، وفي حرف زيدٍ والجماعةِ

стр. 325

بخلاف حرفِ عبد اللهِ وأبيّ، وإنما يعنون بذكر حرفِ كل واحدٍ منهم قراءَتَه واللغة التي يختارُها، والقراءَةَ التي اجتباها وآثرها على غيرها. وإنما سُميَت القراءة حرفا، وإن كانت كلاماً كثيراً، لأن منها حرفا غُيِّر نظمُه أو كُسِر وقُلِب إلى غيره أو أميلَ أو زيدَ أو نُقصَ أو قُلِبَ نحو قيّوم، إذا قلبت فقيل قيّام، وقد جُعلت الواو من قيوم ألفا، فينسب القراءُ واو الكلمة الثابتة إلى الحرف المغيَّر المختلف الحُكْمِ من القراءتين، وممّا يدل أيضاً على صحة ما قلناه ويزيده وضوحا أنّ الناس اختلفوا في تأويل ما رُويَ في ذلك على وجوه: فقال قومٌ السبعةُ الأحرف: حلالٌ وحرام وأمر ونهي وموعظةٌ وقصص وأدب، وقال قوم: محكمٌ ومتشابهٌ وقصَص، وقال آخرون: تأويل الأحرف أنها سبعةُ أنواعٍ من الكلام، خبر واستخبار وأمر ونهي وتمنٍ وتشبيه وجحد. وقال قوم: معنى الأحرفِ أنّها سبعة أسماءَ تترادف على الشيء الواحدِ يكونُ معناها واحداً، واختلفت صُوَرُها مثلُ قولك أقبل وهلُمَّ وتعالَ وجيءَ واقْصُد وتقدَّم وادْنُ واقْرب، وما جرى مجرى ذلك، وقال آخرون: معنى الأحرف أنها أسماءٌ وصفاتٌ لله تعالى، مثل عليمٌ حكيم وسميع عليمٌ وبصيرٌ وعزيزٌ حكيم، وأمثال ذلك. وقال قوم: الأحرفُ المذكورةُ في الخبر: وعد ووعيد وحلالٌ وحرام ومواعظُ وأمثالٌ واحتجاج، وقال آخرون: معناها حلالٌ وحرامٌ وأمر ونهى وخبرُ ما كان قبل وخبر ما هو كائن بعد وأمثال، وقال آخرون: معناها سبعُ قراءات بلغاتٍ سبع في حرف واحد، إما بتغييرِ إعرابِ سبعِ جهاتٍ أو في حرفٍ للسبعِ لغاتٍ بغير تغييرِ إعرابٍ بل بصور مختلفةٍ أو زيادةٍ أو نقصان.

стр. 326

ثم اختلفوا في تأويل الخبر من وجهٍ آخر، فزعمَ قوم أنّ كلّ كلمةٍ تختلف القراءةُ بها فإنها مقروءة منزلة على سبعةِ أوجهٍ وإلا بطلَ معنى الحديث. قالوا: ولكنّا نعرفُ بعضَ هذه الأوجهِ في الكلمة المختلفة القراءةِ لظهور نقلِه ومجيءِ الخبرِ به، ولا يُعرفُ بعضُها، لأنّ الخبرَ لم يأتنا بذلك. وقال منهم قائلون: ليس بموجبِ ظاهر الحديثِ أكثرُ من أن يوجدَ في القرآن كلمة أو كلمتان تقرآن على سبعة أوجه، فإذا حصلَ ذلك تمّ معنى الحديث. وأنّنا لا نعرفُ قدرَ ما فيه ممّا أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ على التحقيق، غير أننا نعرفُ أن ذلك شي بلا كثير لاختلافِ القراءة في مواضعَ كثيرة، ولو لم توجد فيه إلا كلمةُ تُقرأ ليقرأ على سبعةِ أوجهٍ فهي أوفت الحديث معناه. والذي نختارُه أن معنى ذلك: أنه وجه وطريقة يُقرأ عليها جميعُ القرآنِ أو معظمُه أو قريباً من معظمِه، وهذا التأويل هو المراد بقول الناس: حَرْفُ عثمانَ والجماعةِ يخالفُ حرفَ عبدِ الله بن مسعود، وحَرْفُ أبيّ غيرُ حَرْفِ زيد، وفلان يقرأ بحرف عاصمٍ دونَ حمزة، يعني بذلك وجهاً وطريقةً من القراءةِ يقرأُ معظمَ القرآنِ عليها. ومن البعيد أن يكون ذلك منصوباً إلى كلمةٍ منه أو اثنتين فقط تُقرآن على سبعة أوجه، لأن قولَه: أنزلَ القرآنُ على سبعة أحرف". عبارة لا تستعملُ في العادةِ إلا في جميع القرآنِ أو معظمه، يدل على ذلك أنّ الناسَ إذا اختلفوا في بيتٍ من قصيدةٍ أو كلمة أو رسالةٍ أو مسألةٍ أو كلمةٍ من كتابٍ مصنف، لم يَجُزْ في العادة أن يُقال: هذه القصيدةُ أو الخطبةُ أو الرسالةُ تُنشد وتُروى على وجهين أو وجوه، وإنما يجبُ أن يُقال: إن الكلمةَ الفلانيةَ من الخطبةِ أو البيت الفلاني من القصيدةِ تُنشد وتروى على وجوه، وكذلك

стр. 327

لا يُقال: هذا الكتاب مروي على وجهين ونسختين لاختلافٍ وَقعٍ في كلمةٍ فيه، وإنما يقال هذه المسألةُ فيه والكلمة تُروى على وجهين، فوَجب بذلك أن تكون العادة في هذا الاستعمالِ على ما وصفناه. وقد زعمَ قومٌ أن معنى قولِ النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف "، أنّه منزل على سبعِ لغاب مختلفات، وهذا أيضاً باطل إن لم يُرد باللغات الوجوه المختلفة التي يتكلّمُ بجميعها وتستعملُ في اللغة الواحدة، والدليل على فساد ذلك عِلمنا بأنَ لغةَ عمرُ بنُ الخطابِ وهشامُ بنُ حكيمِ وأبيُّ بنُ كعبِ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودِ وزيدُ بنُ ثابتِ كلّها لغة واحدة وإنها ليست لغاتٍ متغايرة، وهم مع ذلك قد تنافروا وتناكروا القراءةَ وخرجوا إلى ما قدَّمنا ذكرَه، ولو كانوا أيضًا يتكلمون بلغاتٍ مختلفةِ لم يكن ما بينهما من الاختلاف مع كونها لغةَ العرب ولسانَها، يوجبُ خروجَهم إلى ما خرجوا إليه، لأنه لم يكن في تلك اللغات مستشنع ولا مستضعف مرذول يجب إنكاره وردُّه. فوجبَ بذلك أن يكون ذلك الاختلافُ في حروفِ ووجوهٍ من القراءات أنزلَ القرآنُ عليها، وإن كانت كلها لغةُ قريشٍ ومن جاوَرَهم وقارَئهم. فوجبَ أن يكون التأويلُ ما نذهبُ إليه، ومتى أقمنا الدليلَ على بطلانِ جميع هذه التأويلاتِ صح ما قلناه من أن المعنيّ في الأحرف أنها أوجه وقراءات ولغات مختلفة بالذي نذكره فيما بعد إن شاء الله. والذي يبيًن فسادَ جميعِ هذه التأويلاتِ توقيفُ رسولِ اللهِ ﷺ على إباحة القراءة بجميعِ الأحرفِ السبعة وإطلاقُه لذلك وإخبارُه بأنه كذلك أنزل، وقولُه في غير خبر: "فاقرؤوا كيف شئتم واقرؤوا منه ما تيسَّر". وإذا كان ذلك كذلك بطلَ قولُ من زعمَ أنّ معنى الأحرفِ أنّه حلال وحرام ووعد ووعيد

стр. 328

ومواعظُ وأمثال وجحود وتشبيه وخبرُ ما قبلُ وخبر ما بعد، وأنها أسماء اللهِ تعالى وصفات أو أنها أسماء سبعة تترادفُ على شيءِ واحدٍ بمعنىَ واحدِ وغير ذلك مما حكيناه، لأنه لو كان الأمرُ على ما ذكروه لكان القاريء لكتاب اللهِ تعالى مخيراً في أن يجعلَ مكانَ الأمر نهياً، ومكانَ الخبرَ استخباراً، ومكانَ الوعدَ وعيداً، ومكانَ التمنّي تشبيها، وموضعَ التشبيه جحوداً، وموضعَ الجحود مثلاً، وأن يجعلَ مكانَ عزيزٍ حكيم سميع عليم. وأن يجعلَ موضعَ قديرٍ جواد كريم، وأن يجعلَ مكان نزلَ به الروحُ الأمينُ هبطَ به، ومكان إني ذاهب إلى ربي إني منصرف إلى ربي، وموضعَ قوله تعالى: (وَجَاء ربكَ) أقبل ربك. ولمَا أجمعَ المسلمونَ على فساد ذلك أجمع، وحظرِه وتحريمهِ وأنَّه لا يحل ولا يسوغُ إبدالُ الوعيدِ بالوعدِ والجحدِ بالمثلِ والخبرِ بالاستخبار والذهاب بالانصراف، وأنّ الواجبَ قراءةُ كل شيءٍ من ذلك على ما هو مكتوب مرسوم بغير تغيير ولا تبديل، سقطت هذه التأويلات سقوطاً ظاهراً. ومما يوضّح فسادَ ذلك أيضاً ما رويَ عن النبي ﷺ من أن جبريلَ أقرأهُ القرآنَ بحرفٍ ثم استزادَه فزادَه فقال ﷺ : "ما زِلت أستزيدُ جبريلَ ويزيدني حتى أقرأني بسبعةِ أحرف ". وقد عُلمَ أنَّه لا يستزيدُ مكان الأمر نهياً وموضعَ الوعد وعيداً، ومكان الخبر استخباراً وأمثال ذلك مما قالوه. ولا خلاف بينَ الأمةِ في إحالة هذه الاستزادة على الرسول، وإذا كان ذلك كذلك بطلت هذه التأويلات بطلاناً بَينا. ومما يدلّ على فساد تأويل قول من قال: معنى الأحرف، عليمٌ حكيمٌ وسميع بصير أن هذا في القرآن أكثر من سبعين اسماً وَصِفَةً وكل أسماء اللهِ

стр. 329

سبحانَه وصفاتِه الذاتيةِ والفعلية أسماءٌ وصفات، وقد جاء الأثر: "إن لله تعالى تسعةً وتسعينَ اسماً من أحصاها دخلَ الجنة"، وذلك لا يدلُّ على أنه ليس له أكثر من هذه الأسماء، ولكن يقتضي ظاهرُ الخبر أنّ من أحصى تلك التسعةَ والتسعينَ اسماً على وجه التعظيم لله تعالى دخلَ الجنة، وإن كان له أسماءٌ أخر، فكيف يقال إن هذه الأسماءَ والصفاتِ سبعة فقط. وعلى أننا قد بيّنا أنّ القراءةَ بالأحرفِ كلها مباحة مطلقة، فلو كان معناها أنها أسماءُ اللهِ وصفاتُه لحل وساغَ أن يَقرأَ القارىءُ مكانَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، الشكرُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وموضعَ: (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنَاسَ) ، قُل أعوذ بخالق الناس، وموضعَ: (الخلَّاقُ الْعَلِيمُ) ، هو الرزاق العليم، ومكانَ: (قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ، قل هو الخالق الفرد، فلمّا أجمعَ المسلمون على تضليل من صَنَعَ ذلك في قراءتِه وتأثيمهِ إذا كان قاصداً إلى ذلك غير غالطٍ ولا ناس ولا ساه، فسد التأويل فساداً بيّنا لأنّ ذلك لو كان كما قالوه لم يجب حفظ القرآن على وجه، ولم يكن على الناس كُلفة في حفظِه ودرسِه وترتيبه، وإذا جاز أن يجعلوا موضعَ الربِّ الإله، ومكان الخلاّقِ الرزّاقَ وموضعَ العزيز المنيع ومكان العليم الحكيم، هذا ممّا لا يصيرُ إليه أحدٌ من المسلمين فبانَ بذلك فساد ما ذهبوا إليه، وقد ثبت أنه لا يجوز إن كان ذلك مباحا في سبعة أسماء فقط من أسماء الله تعالى ثم نُسخ. فأمّا أن يكون تأويلُ السبعة الأحرفِ التي اختصمت الصحابة فيها فلا. وأما من قال إنَّ معنى الأحرفِ السبعةِ أنها: أمرٌ ونهي وخبر واستخبار وتمنٍ وأمثال، فقد بيّنا فسادَ ذلك حيث قلنا إن القاريء ليس بمخير في أن يجعلَ كل ضربٍ من هذه الضروب مكان غيره، وقد استُدِلّ على فساد ذلك بما ليس بالقوي، فمَيل: ويدل على فساد ذلك أيضاً أن أهل العربيةِ قد

стр. 330

أدخلوا بعضَ هذه الأقسام في بعض، فقالوا الكلامُ خمسةُ أنواع، وقالوا أكثر من ذلك شيء كثير، ثم حصروا ذلك بأن قالوا: خبر واستخبارٌ وأمر ونهيٌ. ودعاء دخل في الأمر نحوَ قولك: اللهم افعل بي كذا وكذا، وجَحدٌ دخل في الخبر نحوَ قولك: ما قامَ زيد، وكذلك القسمُ خبر، والإعرابُ داخل في الأمر، والتمني داخل في الطلب، فمنهم من يقول الذي يحيط بجميع ضروب الكلام خبر واستخبار وأمر ونهي، وإذا كان ذلك كذلك بطل قولُهم إن السبعةَ الأحرفَ هي هذه الأقسام، لأنّها أربعة على التحقيق بَدَلَ السبعة. فبانَ فسادُ ما قالوه من أنَّه لا معنى للسبعةِ الأحرف المذكورة إلا هذا. ولكن يمكن أن تكون هذه سبعة أحرفٍ أنزلت على ما فسّره الرسول جمييه، وهي غير السبعةِ التي صوّب المختلفين فيها من الأوجه والقراءات. فحصرُ أوجهِ السبعة بأربعة أوجهٍ لا يدلُّ على فساد هذا التأويل. وأما ما يدل على فساد قول من زعم أن معنى الأحرفِ السبعةِ أنَّها أسماء مترادفة على شيء واحد، إنَّ ذلك لو كان كذلك لوجبَ أن يكون القرآنُ منزلاً على أكثرَ من سبعةِ أحرفٍ وعلى أقل منها أيضا، لأنّ من الأشياء التي ذكرها اللهُ تعالى أكثرُ من سبعةِ أسماءٍ في اللغة، ومنه ما له أقلُّ من سبعةِ أسماء، ومنه ما لا اسم له إلا واحداً، فبطل ما قالوه. فإن قيل: أراد بذلك أن الأسماءَ التي ذكَرها اللهُ تعالى وأودعَ اسمَها كتابهُ ما ذكَرَه لسبعةِ أسماءَ من أسمائِه فقط وإن كان له أكثرُ من تلك الأسماء، قيل لهم: هذا فاسد لأنّنا لا نعرف في شيء مما ذكره اللهُ تعالى ، مما له سبعةُ أسماءَ ذكره اللهُ تعالى بها في موضعٍ واحدٍ أو في مواضعَ متفرقة، وإن كان ذلك كذلك سقط ما قالوه.

стр. 331

ويدلُّ على فساد هذا التأويل أيضا أنّ قارئاً لو قرأ مكان (وجاء ربُّك) ، ووافى ربّك، وقرأ: "إني ماضٍ إلى ربي" مكانَ، (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) ولو قرأ: "جيئوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم" أو: "وافوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينَكم" مكانَ قولِ اللهِ تعالى: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) لم يَسُغْ ذلك ولم يَحِلَّ بإجماعِ المسلمين، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما قالوه من كل وجه، ولسنا ننكرُ مع ما أفسدنا به قولَهم أن يكونَ من الحروف السبعةِ التي أُنزل بها القرآنُ هذا الوجه بأن يكون اللهُ تعالى ذكر شيئا أو أشياءَ من كتابه باسمين مختلفين ولفظين متغايرين أو أسماءَ متغايرةٍ مختلفةِ الصور، ويكون هذا البابُ حرفاً ممّا أنزلَه وطريقةً وقراءةً معروفة، ولكنها تكون مع ذلك بعضُ السبعةِ الأحرف، ولا يكون معنى جميعِ السبعةِ الأحرفِ هذا الوجهَ. وقد رُوي أن عبدَ اللهِ قرأ "كالصوف المنفوش" مكان (العهن المنفوش) . وقرأ: "إن كانت إلا زَعْقَةً واحدةً" مكانَ: (صَيْحَة وَاحِدَةً) . وقرأ بعضهم: "إنّ شجرةَ الزقوم طعامُ الفاجر" مكانَ: (طَعَام اَلأَثيم) . فيكون هذا الاختلاف في الأسماء التي معناها واحدٌ وجهاً مما أنزلَه اللهُ تعالى وسمّاه الرسولُ حرفا، وجعلَه بعضَ السبعةِ الأوجهِ التي أنزلَ الكتابُ بها، وإنّما ننكرُ أن يكون هذا الضربُ فقط هو معنى جميعِ الوجوه والأحرفِ التي أنزلت على ما قالَه أصحابُ هذا التأويل، فهذا هو الفصل بيننا وبينهم في تنزيل هذا الوجه ومرتبتِه، فدلّ ما ذكرناه على أنّ المرادَ بذكر الأحرف السبعةِ المطلقة للاختلاف إنّما هو أوجه.

стр. 332

(فصل) القولُ في تفسير اللغاتِ والأوجه والقراءاتِ السبعةِ التي قلنا إنها المعنيةُ بقوله: "أنزلَ القرآنُ على سبعة أحرف " فإن قالوا: قد أوضحتم أن معنى الأحرفِ أنها أوجه ولغاتٌ وقراءات سبعة وأفسدتم ما عدا هذا التأويل، فخبرونا ما تلك الأوجهُ واللغات؟ قيل لهم: أول ما نقولُ في جواب ما سألتم عنه أنه إذا صحَّ ما قلناه أن معنى هذه الأحرف أنّها أوجهٌ ولغاتٌ وقراءات متغايرة، ولم يدلُّ نصُّ الرسولِ على أعيانِها بأسرِها وأجناسِ اختلافِها وطرُقِ اللغات فيها، ولم تتفق الأمةُ على ذلك فيما علِمنا في عصرٍ من الأعصار اتفاقاً بلَغَنا، وقامت الحجة به علينا، ولم ينتشرْ تفسيرُ ذلك عن السلف ولا عن إمام في هذا الباب، ظهرَ قوله وعُلمَ تسليمُ الأمة له صحةَ ما قالَه وفسره، وثبت أنه ليس في كتاب الله سبحانَه حرفٌ أو كلمة أو آية قُرِئت على سبعةِ أوجهٍ فينصرفُ الخبرُ إليها، وجبَ أن نقولَ في الجملة: إنَّ القرآنَ منزل على سبعةِ أوجهٍ من اللغات والإعراب وتغييرِ الأسماءِ والصور، وإن ذلك متفرق في كتابِ الله تعالى، ليس بموجودٍ في حرفٍ واحدٍ وكلمةٍ واحدةٍ أو سورةٍ واحدةٍ تقطعُ على إجماع ذلك فيها، وإن لم يُعرف أعيانُ تلك القراءات والأوجه واللغات، وتحيط بحقيقةِ أجناس تلكَ الضروب من الاختلاف، غير أنّنا نعلمُ أنّها سبعةُ أوجهٍ موجودة في كتابِ الله تعالى كما أخبرَ الرسول، ولم يثبت لنا توقيف

стр. 333

عنه تقومُ به الحجةُ علينا في تغيير تلكَ الضروبِ من اللغات والقراءاتِ فيخبرُ بتعيينه ويقطعُ على ذلك من أمره. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون اعتقاد هذه الجملة في معنى الأحرف السبعة من غير تفصيل وتعيين مقنعاً كافيا، فسقطَ عنا بذلك تكلفُ تفسيرِ هذه اللغات والأوجه السبعة، وهذا أبينُ في صحةِ الاعتماد على هذا الجواب ومع هذا فإنّا لا ننكرُ أن يكونَ الرسولُ ﷺ قد بيَّن للصحابة أو للعلماء منهم وحملةِ القرآن والعلم عنه عددَ تلكَ اللغات والقراءاتِ السبعة بأعيانِها، ووقفهم على عددها وأجناسها، وعلى كل شيءٍ منها أو الفرقِ بينَه وبينَ غيره، وعلى موضعِه الذي أنزلَ فيه دونَ غيره، وأوضحَ لهم ذلك إيضاحا قامت به الحجةُ على من ألقاه إليه، ثم لم يُنقل ذلك إلينا نقلاً تقومُ به الحجة، إذ كان معرفةُ تلك اللغات والأوجهِ وتفصيلُها وتنزيلُها ليس من فرائض ديننا، وكأن من قرأ بوجهٍ منها أو بما تيسر من ذلك أجزأه وكفاهُ عن غيره، فيكون العلمُ بعدد تلك الأجناس وتفصيل ذلك الاختلاف من فرائض من قامت الحجةُ به عليه، وإن لم يكن ذلك من فرائضنا، إذا لم يكن شاذاً لها نادراً تقومُ به الحجةُ علينا وينقطعُ عند سماعه عذرنا. فبانَ أيضاً أن عدمَ علمِنا وقطعِنا على أعيانِ تلكَ القراءات السبعةِ وتفصيلِ اختلافها وأجناسها، لا يدلُّ على أنّه لا بد أن تكون هذه حالَ الصحابة، بل يمكنُ أن يكون حالُهم في ذلك حالُنا إذا لم يوقَفوا على أجناسِ الاختلاف. ويمكن أن يكون قد بُينَ ذلك لهم، فهذا ما يجبُ ضبطُه في هذا الباب. ومع ذلك قد يمكنُ أن يقالَ إنَّ السبعةَ الأحرفَ واللغاتِ التي نزلَ بها القراَنُ محصورة معروفة بما يقربُ أن يكون هو المراد بالخبر ولا يبعد، وأن من هذه الأوجه الاختلافُ في القراءةِ بالتقديم والتأخير نحوَ قوله:

стр. 334

(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) ، وقد قُرئ: "وجاءت سكرة الحق بالموت" (١) وهذا اختلافٌ في التقديم والتأخير. والوجه الثاني: أن يكون الاختلافُ في القراءتين في الزيادة والنقصان مثل قوله تعالى: "وما عملت أيديهم" (وَمَاعملَتهُ أَيدِيهِم) ، بزيادة هاء، وقوله تعالى في موضعٍ: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) . وقوله في موضعٍ آخر: (فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) ، بنقصان هو. وقرأ بعضُهم: "يا مال" موضعَ: (يَا مَالِكُ) ، بنقصان الكاف، ومنه أيضاً قولُه تعالى: (عِظَامًا نَخِرَةً) ، و "ناخرة" و (سِرَاجًا) و (سُرُجاً) ونحو ذلك، ورويَ أن بعضَ المتقدمين قرأ مع قوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) قرأ: "أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها". وقرأ بعضهم أيضاً بعد قوله: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) . وزاد فقرأ: "تسعٌ وتسعونَ نعجةً أنثى"، وهذا اختلافٌ لم يثبت وهو اختلافُ القراءة بالزيادة والنقصان، ويقول إن الرسول أقرأ بالتقديم تارةً وبالتأخير أخرى، وبالزيادة تارةً وبالنقصان أخرى، ووقف على ذلك إذا ثبت هذا الباب في الاختلاف وأنّه مروي عن الرسول ﵇. والوجه الثالث: أن يكون الاختلافُ في القراءة اختلافاً يزيدُ صورةَ اللفظ ومعناه، وذلك مثل قوله تعالى: (وطلعٍ منضود) مكان قوله: (وَطَلح مَّنضُود) ، ونقول أيضاً: إنَّ هذا إذا ثبت فقد أقرأ بهما الرسولُ ﵇، وأُنزلَ عليه كذلك، وقد رُويَ عن بعض السلف أنّه قال: معنى الطلع والطلح واحد، وأنهما اسمان لشيءٍ واحد، فإن كان ذلك كذلك فهما

стр. 335

بمنزلة العِهن والصوف والأثيم والفاجر، فيكون مما تختلف صورتُه في النطق ولا يختلف معناه. وقال الجمهورُ من الناس غير هذا، فزعم بعضُ أهلِ التفسير أن الطلحَ هو زينةُ أهل الجنة، وأنه ليس من الطلعِ في شيء، وقال كثيرٌ منهم إنَّ الطلحَ هو الموز، وقال آخرون إن الطلحَ هو الشجر العظامُ الذي يُظلُ ويُعَرش. وإن قريشا وأهلَ مكة كان يُعجبُهم طلحاتُ وج - وهو واد بالطائف - لعظمِها وحُسنها، فأخُبِروا عن وجهِ الترغيبِ في الجنة طلحا منضودا يرادُ به متزاحم كثير، قالوا إنَّ العربَ تسمي الرجلَ طلحة، على وجه التشبيه له بالشجرةِ العظيمةِ المستحسنة، وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ أن الطلعَ والطلحَ إذا قُرئ به كان مما تختلف صورُهُ ومعناه. والوجه الرابع: أن يكون الاختلافُ في القراءتين اختلافا في حروف الكلمة بما يُغَيرُ من معناها ولفظِها من السماع ولا يغير صورتها في الكتاب. نحوَ قوله تعالى: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) ، (نُنشرها) بالإعجام، والانتشارُ الإتيان والزيادة، والإنشارُ الإنشاء والإحياء بعد الممات، وقد أنزلَ القرآنُ كذلك، لأنّها منشأةٌ مبدعةٌ ومنشورٌ ومحياةٌ بعد الممات فأريد إيداعُ المعنيين في القراءتين. والوجه الخامس: أن يكون الاختلافُ بين القراءتين اختلافاً في بناءِ الكلمةِ وصورتها بما لا يزيلها في الكتاب ولا يغير معناها، نحو قوله تعالى: (وَهَل نُجَازِىَ إِلا اَلكَفُوَر) ، و (هل يجازى إلا الكفور) ، وصورة ذلك في الكتاب واحدة، وقوله تعالى: (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) بالضمة، و (بالبَخْل) بالفتح، و (ميسُرة) و (مَيْسَرَةٍ) بالنصب والضم. و (يَعكفُونَ) ، و (يعكِفون) بالرفع والكسر، والصورة واحدةٌ

стр. 336

وأمثال ذلك، ومنه أيضا قولُه: (وَفُومهَا) ، أو (ثومها) ، وأمثال ذلك كثير. والوجه السادس: أن يكون الاختلافُ بين القراءتين بما يغير صورتها ولا يغيِّر معناها، نحو قوله: (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) و"كالصوف المنفوش"، و (إِن كاَنَت إِلا صَحية واحدة) و "إن هي إلا زعقة واحدة"، و (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) . و (طعام الفاجر) ، ومنه قولُه: (وَفُومهَا) و (ثومها) ، وأمثال هذا مما لا تختلف به صورُ الأسماءِ وحروفُها، وإن لم يختلف معناها، وهذا مما أنزلَه اللهُ تعالى، لأن في العرب من يثقُلُ عليه مفارقةُ طبعِه ونمطِ كلامه، وأن يقول صوف مكان عهنٍ وزعقة مكانَ صيحة، فأنزلَ القراءتين وأطلقَهما رخصةً وتخفيفا عن عباده مع حصول السلامةِ والاستقامة وإرادة الرخصةِ لهم وتخليهم وطباعَهم وعادتهم وسجيةَ أنفسهم في الكلام. والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بين القراءتين للاختلاف في الإعراب للكلمة وحركات بنائها، بما يُغيّر معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب، نحوَ قوله تعالى: (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ، على طريق الخبر، و (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ، و (رَبَّنَا بَعَّدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ، و (رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) بفتح العين وكسرها، وقوله: و (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) و (بعد أمه) ، ومعنى أمَّة حين، وأمَه معناها النسيان، وذلك صحيح لأنه ادّكر بعد حين، وبعد أن نسي أيضا، فضم الله تعالى المعنيين في القراءتين، وقوله تعالى: (رَبَّخَابَخعِذتتن أَشفَارِنَا@ بكسر العين، معناه: الطلب والمسألة من أهل سبأ أن يُفرِّقهم الله ويباعدَ بين أسفارهم، وقد كانوا سألوا ذلك، ومنه أيضا: (يَعكُفُونَ) ، و (يعكِفون) بالضمَ والكسر، والصورة في

стр. 337

الكتاب واحدة، فحكى سبحانه السؤالَ والطلبَ عنهم في قوله: ((رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) للإخبار عنهم بأنّهم قد بوعد بين أسفارهم، وقد كان من أهل سبأ أمران لأنهم سألوا الله سبحانه أن يفرِّقهم ويباعد بين أسفارِهم فحكى ذلك عنهم، فلمّا فعلَ ذلك بهم وأجابَهم إلى مسألَتهم، أخبروا عن أنفسهم بأن الله أجابَهم وباعدَ بينَ أسفارِهم، فحكى اللهُ تعالى ذلك عنهم. وكذلك قوله: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ) ، لأن فرعون قال لموسى: إنَّ ما أتيتَ به السحرُ والتخييل، فقال موسى مُخبراً عن نفسه: إنني ما أتيتُ إلا بآيات وبصائر، وقال أيضاً لفرعونَ مرةَ أخرى: لقد علمتَ أنت أيضًا أن ما جئتُ به بصائرَ وآياب ليست بسحر، فحكى الله تعالى الأمرين جميعا، وهما صحيحان يأتيان غيرَ متضادين ولا متنافيين، وكذلك كلّ ما وردَ من هذا الضرب. فهذا الذي ذكرناه والله أعلمُ هو تفسيرُ السبعة الأحرف دون جميع ما قدمنا ذكره، وقد أخبَرْنا فيما سلف أنَّه لا يجبُ علينا الإخبارُ عن عددِ اللغات والأوجهِ السبعة، وذكرُ أجناسِ الاختلاف بينها وضروبه إذا لم يكن عندنا توقيف في ذلك، وهذه جملةٌ كافيةٌ في هذا الباب إن شاء الله. فإن قالوا: فإذا قلتم إن الحروفَ المنزلةَ إنما هي قراءات وأوجه مختلفة بإعرابٍ مختلف، كالضمِّ والفتح والكسر، أو إمالةٍ وترك إمالة، أو إدغامٍ وترك إدغام، أو قلب حرف إلى حرف، أو تقديم وتأخير وزيادة حرف في الكلمة أو نقصان حرفٍ منها، لا غير ذلك، فكيف سمّى رسولُ الله ﷺ هذه الأوجه والحركات والإعراب المختلف وقلبَ الحرف إلى غيره حرفاَ، والإعراب الذي هو الضمُ والفتحُ ليس بحرف، وإمالةُ الحرفِ ليس بحرفِ وقلبُ الحرفِ إلى غيره ليسَ بحرف، وإبدالُ الاسم بحرفٍ وتقديمُ الكلمة

стр. 338

على كلمةٍ أخرى، وجميع ما قلتموه في هذه القراءات ليس بحرف لأنّ نَقصان الحرف ليس بحرف، وزيادة الحرف في الكلمة لا يُصير الكلمة باسرها حرفا، فما وجهُ تسميةِ هذه الوجوه في القراءات حرفا؟ يقال لهم: قد نبّهنا على جوابِ هذا فيما سلف، وذلك أنّه قد ثبتَ أنّ العربَ تُسمي الشيءَ باسم ما هو منه وما قارنَه وجاوَره وكان بسببٍ منه وتعلّقَ به ضربا من التعلق، وتُسمي الجملةَ باسم البعض منها، وتُسمي القصيدة والخطبةُ والرسالةُ كلمة، وتسمّي الكلمةَ التامةَ حرفا فنقول: (الم) حرف على ما قلناه من قبل، وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يُسميَ النبي ﷺ الكلمةَ التامةَ والقراءةَ الطويلةَ حرفا على تأويل أنّ منها وفيها حرفا يغير كلمةً وحالةً في القراءة، فيُقرأ مرةَ بالفتح ومرةً بالضم، أو أنّ سببَ هذه القراءةِ حرفاً يثبتُ تارةً فيها وتارةً ينقُص، أو أنّ منها حرفاً مرةً يقرأ على ما هو به ومرةً يُقلبُ إلى غيره ويبدلُ بسواه، أو أن منها حروفاً تُقدّمُ في القراءة، ومرةً تؤخَّر، وتسمى الحروف حروفا وتريد به جنسَ الحروف. وإذا كان هذا بيِّنا جاريا في استعمال العرب وجبَ صحةُ ما رُويَ واتُفق عليه من قولهم: هذا يقرأُ من حرفِ عبد الله بكذا، ومن حرف أبيّ بكذا. ومن حرف زيد بكذا، فتنسبُ الكلمةُ والقراءةُ إلى الحرفِ الذي فيها، فبطلَ تعجب من ظن بعدَ هذا أو استهجانَه في اللغة. ويجوزُ أيضاً أن يقالَ إنّه ﷺ سمّى الكلمةَ والقراءةَ حرفاً مجازاً واتساعا واختصاراً، كما سُميت القصيدة كلمة، كذلك الرسالةُ والخطبةُ على ما بيَّناه من قبل.

стр. 339

ويجوزُ أيضا أن يكون إنّما سمّى جميعَ هذه الوجوه واللُّغات المختلفة والقراءاتِ المتغايرة حرفا على تأويل أن كلّ شيءٍ منها طريقة وسبيلٌ على حذَتها غير الطريقة الأخرى، كما قال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) ، أي على سبيلٍ وطريق، وإن تغيَّرت عليه تغيَّر عن عبادته وشُكره على حسب ما شرحناه من قبل، وإذا كان ذلك كذلك سقط قولُه إنّ الإعرابَ في الإمالَةِ لا يُسمّى حرفا، لأنّ الحرفَ ها هنا على هذا التأويل، ليس المراد به الصورُ من الخط المُمَثَّل، وإنّما هي الطريقة والوجه والسبيل فقط. وليس في جميع القراءات المنزَّلة التي يسوغُ الاختلاف فيها وصُوِّب القارئون لسائِرها ما يتضادُّ معناهُ وينفي بعضُه بعضاً وإنَّما فيه مختلفُ اللفظ والإعراب، وإن كان معناه واحداً ومختلفُ الصورة واللفظ والإعراب والبناء، لتضمُّنه معاني مختلفةً غيرَ متضادةٍ ولا متنافيةٍ مثلُ قولهم: (بَاعِدْ) ، بكسر العين و (باعَد) بفتحها على الخبر، وأمثالُ ذلك مما يختلفُ ولا يتضاد، وإنما المحالُ المنكَر أن يكون فيه قراءات متناقضة متضادةُ المعاني، والله تعالى عن إنزالِ ذلك وتصويب جميع القراءة به. وقال قوم من الناس: إنَّ تأويلَ السبعة الأحرف هو أنّ الاختلاف الواقعَ في القرآن بجميعه، ويحيطُ به سبعةُ أوجهٍ منها وجا يكون بتغيير اللفظ نفسه، والوجوه الستّةُ تكونُ بأن يثبتَ اللفظُ في جنسِها ويتغير من قبل واحدٍ منها، فإنّ الستةَ الباقيةَ تكونُ في الجمعِ والتوحيدِ والتذكير والتأنيث والتصريف والإعراب، واختلافُ الأدوات، واختلاف اللغات. قالوا: والوجهُ الأول من السبعة الذي هو تغيُّر اللفظِ في نفسِه وإحالَتِه إلى لفظ آخر: هو كقوله: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) . قالوا: وننشزها بالزاي المعجمة، وما جرى مجرى ذلك.

стр. 340

والوجه الأول من الستة: الجمعُ والتوحيدُ كقوله: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ (وكتابه) ، وكقوله: (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) (وللكتاب) . والوجه الثاني: التذكير والتأنيث نحوَ قوله: (صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) ، بالنون ولتحصنكم بالتاء المعجمة من فوقها. والوجه الثالث: هو التصريف كقوله: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ) ، بكسر النون ويقنَط بنصبها. والوجه الرابع: الإعراب كقو له: (ذُو العَرشِ اَلمجيدُ) بكسر الدال والمجيدُ برفعها، وأمثال ذلك. والوجه الخامس: اختلافُ الأدوات كقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) ، بتشديد لكنّ وبتخفيفها إذا قلت لكن مخففاً. وقوله: (لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) ، بالتخفيف ولمّا بالتشديد إلى أمثال ذلك. والوجه السادس: اختلاف اللغات كقوله: (وَاَلصابئونَ) والصابون بالهمزة وإسقاطِها، وقوله: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) ، بالإمالة والتفخيم، فهذه سبعةُ أوجه كلّها منزلة وسائغة جائزة. وفي بعض ما ذكرناه من تأويل هذه الرواية ما يوضحُ الحق ويمنعُ أهلَ التأمّل والاستبصار من التورّط في الشبهات والأحوال بتعلل أهلِ الزيغ والضلال، وبالله التوفيق والتسديد والعصمة والتأييد.

стр. 341

(باب) ذكرِ ضروب أخَرَ من اعتراضات الرافضة وشُبههم وغيرهم من الملحدين والمنحرفين، ووصف حال الروايات التي يتعلقون بها في هذا الباب مما ادّعوا فيه نقل المؤالف والمخالف، ومما انفردت الشيعةُ خاصةً بنقله عن علي بن أبي طالبٍ ﵇ والعِتْرةِ من ولده ، والكشفُ عن فسادِها فأمّا ما يتعلّقون به ويكثرون ذكرَه عن عبدِ الله بن مسعود في إسقاطه الحمد والمعوذتين من مصحَفِه، فقد ذكرنا ما يجبُ فيه والوجهَ في ذلك، وضروبا من التأويلات والوجوه فيه، أبما، يغني عن إعادة القول في ذلك. فأمَّا ما يتعلّقون به من منافَرته لعثمانَ وامتناعِه من تسليم مصحفه وما كان من كراهيته لعزله عن كتب المصحفِ وتوليتِه زيدَ بن ثابت وما قال فيه. فسنُفرد له بابا عند ذكرنا جمعَ عثمانَ الناس على حرفه وكتبِ الإمام الذي أخذهم به، ونذكر فيه جميعَ ما رُوي عنه وعن عثمان وعن الجماعة. ونَصِفُ قدرَ ما نَقَمهُ وتبيّن أنّه لم يقرن عثمانَ ولا أحداً من الجماعة بتغيير القرآن ولا بالزيادة فيه ولا النقصان منه، ولا خطأهم في اختيار حرفهم الذي صاروا إليه، ونصفُ رجوعه إلى قولِ عثمانَ ورأي الجماعة وحثة وحضّه على ذلك ونأتي منه على جملةٍ توضِّح الحقَّ إن شاء الله.

стр. 342

(باب) ذكر ما رُوي عن أبيّ بن كعبٍ في هذا الباب فأمَّا تعلقُهم بالروايات عن أبي بن كعبٍ في هذا الباب وأنّه قال: "إنّا كتا نقرأ سورة الأحزاب، فوالله الذي أنزل القرآن على محمد لقد كانت توازي سورة البقرة، وإن فيها آية الرجم "، فإنّه لا تعلق لهم فيه أيضا، لأجل أن هذه الرواية عن أُبن لو كانت صحيحة ثابتةً لوجب أن يشتهر عن أبي الشهرةَ التي تلزمُ القلوبَ ثبوتها، ولا يمكن جحدها وإنكارها، لأن هذه هي العادةُ في مثل هذه الدعوى من مثل أبن في نباهته وعلو قدره في حُفّاظ القرآن، فإذا لم يظهر ذلك عنه الظهورَ الذي يُلزم الحجّة بمثله عُلمَ بطلانُ الخبر، وأنّه لا أصلَ له. ومما يدلّ أيضاً على بطلان هذه الرواية أنه لا يجوز أن يضيعَ ويسقُطَ من سورة الأحزاب أضعاف ما بقيَ منها فيذهبُ ذكرُ ذلك وحفظه عن سائر الأمّة سوى أبيّ بن كعب مع ما وصفناه من حالِهم في حفظ القرآن والتدين بضبطه وقراءته وإقرائه والقيام به والرجوع إليه والعمل بموجبه وغير ذلك من أحكامه، وأنّ مثلَ هذا ممتنع في سائرِ كلامِ البشر الذي له قوم يعنون به ويأخذون أنفسهم بحفظه وضبطه وتبحُّر معانيه والاستمداد فيما يثورهم منه أو الاحتجاج به والتعظيم لقائله، فلأجل ذلك لم يجز أن يظن ظان أن "قفا نبك" كانت أضعافَ مما هي كثيراً فسقط معظمها ولم يظهر ذلك وينتشر عند رواة الدواوين وحفّاظ الشعر وأصحاب كتب الطبقات، ومصنفي غريب هذه

стр. 343

القصيدة والمتكلمين على معانيها والمعروفين بهذا الشأن، ولم يَسُغ لعاقلٍ عرف عادات الناس في امتناع ذهاب ذلك عليهم أن يقبل رواية راو يروي له من جهة الآحاد عن لبيد أو حسان أو كعب بن زهير أو غيرهم من أهل عصرهم أو من بعدهم أنّهم كانوا ينشدون قصيدة امرىء القيس أضعاف ما هي وأنّها كانت خمس مائة بيت، وأطول من "ديوان ابن الرومي " أو أبي نواس، وأكثرُها ومعظمها ذهب وسقط ودرس أثره وانطوى علمُه وانقطع على الناس خبرُه، هذا جهلٌ لا يبلغ إلى اعتقاده وتجويزه من له أدنى معرفة بالعادات في الأخبار وما يعلم بالفطرة كونه كذباً أو صدقا أو يمكن الشك والوقف فيه. وكذلك لو ادّعى مدَّعٍ مثل هذا فيما يُروى ويُقرأ من "موطأ مالك " و"الأم للشافعي " و"مختصر المزني "، و"جامع محمد بن الحسن "، و"الصحيح للبخاري " و"المقتضب " وغير ذلك من الكتب المشهورة المحفوظة المتداولة، وقال: إنَّ كل كتاب من هذه الكتب قد كان أضعاف ما هو. وأنه قد ذهب وسقطَ أكثرُها ومعظمها، وبقي الأقل اليسير منها، وروى لنا في ذلك الأخبار والحكاياتُ لوجبَ أن يقطعَ على جهله ونقصه وعلى أنّ كلّ ما يروونه في هذا الباب كذبٌ موضوع ومردودٌ مدفوع لا يسوغ لعاقلٍ تصديقُ شيءٍ منه والسكون إليه. وإذا كان ذلك كذلك، وعلمنا أنّ هذا القولَ المروي عن أُبيّ لم يكن ظاهراً في الصحابة ولا متداولاً بينهم، ولم نعلم أيضاً أن أحداً قاله ورُوي عنه، ولم يُعلم أيضاً صحة هذه الرواية نفسُها فضلاً عن شهرتها ووجوب ذكرها عنه وعن غيرها، علم بذلك وتيقّن تكذُبها على أُبى واحتقارُ واضعها عليه لعظم الإثم والبهتان.

стр. 344

ولو نشطنا لقبول مثل هذا عن أُبن لوجب أن نقبلَ خبرَ الشيعةِ عن النص على إمام بعينه وروايتهم لأعلام الأئمة من أهل البيت وما يروونه من فقههم وأحكامهم، ومن ذمّ عليّ ﵇ وولده للسلف والتبري منهم ووصف ظلمهم وغشمهم، فإنّ هذه الروايات عندي أظهرُ وأشهرُ من هذه الرواية عن أُبى، وقد بينا بغير حجّة الدلالةَ على تكذّب هذه الأخبار وما جرى مجراها فسقط ما قالوه. على أن هذه الرواية لو أمكن أن تكون صحيحة ثابتة، وأمكن أن تكون كذبا لوجب اطراحُها بما هو أشهر وأظهر منها، لأنّ الكافة والدّهماء رووا جميعا عن أبيّ أنّه كان يقرّ بأنّ هذا القرآن هو جميع ما أنزل الله تعالى على رسوله، وأمر بإثبات رسمه، وأنه كان على مذهب الجماعة ورأيهم في هذا المصحف وأنّه أحد من أملاهُ على زيد والنفر القرشيين ونصبه عثمانُ لذلك. وسنذكر ما ورد في هذا من الروايات فيما بعد إن شاء الله، وأنّ أُبيًّا كان يُقرِأ ويُقرأ بهذا المصحف كما يقرؤه غيره لا يدعي زيادة فيه ولا نقصانا منه. وهذه الرواية هي الظاهرة المعروفة، وأقل أحوالها أن تكون كرواية من رُوي عنه سقوط كثيرٍ من الأحزاب وأن تكون مكافئةً لها، وإذا تكافئتا سقطتا جميعا، ووجبَ حملُ أمر أبي على ما عليه الكافّة من تسليم صحةِ هذا المصحف فكيف وقد دلّنا بأدلة قاطعة على تكذب هذه الرواية عن أبيّ. وممّا يدلّ على بطلان هذا الخبر عن أبيّ روايةُ جماعة الناس عن أبيّ أنّه أدخل في مصحَفه دعاء القنوت، وأئبتَه في جملةِ القرآن، فإذا كان أبيّ قد حفظَ دعاء القنوت وحرصَ عليه وأدخله في مصحفه لتوهمه أنّه مما أنزلَ اللهُ من القرآن، فكيف يجوز أن يذهبَ عليه أكثرُ سورة الأحزاب، وأن تذهب عليه وعلى أبي موسى وغيرهما من الصحابة سورة أنزلت مثلُ البقرة ذهبت

стр. 345

بأسرها حتى لم يذكروا منها إلا كلمة أو كلمتين، وهم قد حفظوا عن الرسول سننه وآدابه وأخلاقه وطرائقَه ومزاحَه وكيف السنة في الأكل والشرب، وفي التغوُّط والبول إلى غير ذلك، حتى أحاطوا علما به ودونوه وشهروه وتداولوا به، ثم يذهبون مع ذلك عن حفظ سورة بأسرها إلا كلمة واحدة منها أو اثنتين، وعن حفظ الأحزاب إلا أقلها، وهذا جهل وغباء ممن أجازه على من هو دون الصحابة في التدين بحفظ القرآن وجودة القرائح والأفهام وسهولة الحفظ وانطلاق الألسن وانشراح الصدور لحفظ ما يأمرهم الرسول بحفظه ويحثهم ويحضهم على تعلمه وتعظيمه، ويعرفهم عظيمَ الأجر على تلاوته ويحذِّرهم أليمَ العقاب في نسيانه وذهابه عن القلوب بعد حفظه. فإذا كان ذلك كذلك عُلم ببعض ما ذكرناه سقوطُ هذه الروايات وتكذبها. وأنه لا أصلَ لشيءٍ منها، ولما يجري مجراها من الحروف الزائدة المرويّة عن جماعة من الصحابة على ما سنذكره مفصّلاً فيما بعد إن شاء الله. ثم يقال لهم: إنَّ هذه الرواية لو صحَّت عن أبيّ لم توجب نقصان القرآن ولا سقوط شيءٍ منه عليه ولا على سائر الصحابة مما يلزمهم حفظُه وتلاوتُه ويلحقُهم التقصيرُ والتفريطُ بتضييعه، وذلك أنّه قولٌ محتمل لأن يكون ما كانوا يقرؤونَه في سورة الأحزاب قد نُسخت تلاوتُه وزالَ عنهم فرضُ حفظه، فلذلك لم يثبتوه ولم يقرؤوه، وأبيٌّ لم يقل مع قوله: "إنّا كنّا نقرأ سورةَ الأحزاب، وأنها - كانت توازي سورة البقرة"، أنّه ضاع أكثرُها ومعظمُها، ولا أنّهم وأنَّا جميعاً ذهبنا عن حفظها وفرّطنا فيما وجب علينا من ذلك، وإنّما قال: "كنّا نقرؤها، وأنها كانت توازي سورةَ البقرة وأنه كان فيها آية الرّجم "، فما في هذا ما يوجب أنّ فرضَ تلاوتِها وحفظِ جميعِها باق، وأنّ القومَ فرّطوا في حفظِها وضيعوا، مع كونه قولاً محتملاً للنسخ لتلاوة أكثرها،

стр. 346

وهذا هو الأشبه الأليق به وبالصحابة، وليس يُستنكر أن يكون كان أكثرها قصصا وأمثالاً ومواعظ فنُسخت التلاوةُ ونُسخ فيها التلاوة في الرجم، ولهذا قال: "وإن كان فيها آية الرجم "، وقد بينا أن آية الرّجمِ منسوخةَ التلاوة، وإن كانت باقية الحكم فكأنه قال لنا: نقرؤُها قبل النسخ، وكان فيها آية ُ الرجم فنُسخَ منها أكثرُها وكان مما نُسخ آيةُ الرّجم. وقال عمر بن الخطاب: لولا أن يقال: زاد عمرُ في كتاب الله لأثبتها وتلا: "والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة"، ولم يقل ذلك إلا لعلمه وعلم الأمّةِ بأنّ الآية َ منسوخة وأنّ إثباتها زيادة على ما ثبت فرضُ إثباته وحفظه على ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله. وإذا كان ذلك كذلك لم يُنكر أن تكون سور بأسرها قصصا وأخباراً وأمثالاً، أو عظمها كسورة يوسف والكهف وأمثالهما، وأن لا يكون فيهما ما فيه حكم ثابت إلا اليسير الذي بقيَ فرضُه، أو نُسخَ وبقي حكمُه وحُفظت تلاوتُه مع زوال فرضه لموضع تضمنه للحكم اللازم لهم، لم يجب مع إمكان ذلك أن يجعلَ قولُ أبي هذا دلالةً على نقصان القرآن، أو أنّ أبيّا كان يعتقدُ ذلك أو أنّه عرضَ به في هذا القول، وهذا بيّن في إبطال تعلُّقهم بهذه الرواية من كل وجه. فأمَّا ما يذكرونَه عنه في الحروف والكلمات الزائدة في مصحفه نحو ما ذكر أنه كان يقرأ وغيره من الصحابة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) ، (وهي صلاة العصر) ، ونحو ذلك فإنه أيضا ممّا لا أصلَ له، ولو ثبت لاحتمل من التأويل ما نذكره فى هذا الفصل من الجواب عن القراءات الزائدة على ما في مصحف عثمان، وهذه جملة تكشفُ عن إبطال ضجيجهم وتهويلهم بخلاف عبد الله وأبى، وهذان الرجلان هما العهدة فيما يدّعى من خلافهما للجماعة وكثرة مخالفة مصحفيهما لمصحفِ الجماعة، وقد ثبتَ أنّه لا حجّة لهم في شيء مما يَرْوونه عنهما بما في بعضه إقناعٌ وبلاغ.

стр. 347

(باب) ذكر ما يتعلقون به من الروايات عن عمرَ بن الخطّاب رضوان الله عليه والإبانةُ عن فسادِه وأما ما يروونَه عن عمر بن الخطاب من أنه قال: "لقد قُتِلَ يوم اليمامة قوم كانوا يقرؤون قرآناً كثيراً لا يقرؤه غيرُهم فذهب من القرآن ما كان عندهم "، فإنه أيضا من الأماني الكاذبة والترهات الباطلة، وممّا لا يذهبُ فسادُ التعلق به على ذي تحصيل، لأننا قد رَوينا فيما سلف من تظاهر أبي بكر وعُمر وجماعة الصحابة على جمعِ القرآن وعرضِه وتدوينِ عُمرَ له وعرضه عرضةً ثانيةً وضبطِه في الصحيفة التي خلَّفها عند ابنته حفصةَ زوج النبي ﷺ وأخذه الناسَ بذلك وتعريفهم أنّه جميعُ الذي كان أنزلَه اللهُ سبحانَه ما هو أظهرُ وأشهرُ وأثبتُ من هذه الرواية، بل هو الثابتُ المعلوم من حاله ضرورةً فثبت بذلك تكذُّبُ هذه الرواية على عمر، وأنها لا أصلَ لها، وأقل ما في ذلك أن تكون هذه الرواية معارضةً بالروايات التي ذكرناها، فلا متعلق لأحد فيها ولا سبيل له إلى تصحيحها عن عمر. ثم يقال لهم: إن هذه الرواية لو صحَّت عن عمرَ لكانت محتملةً لتأويلٍ صحيحٍ غير الذي قدمتموه، وذلك أنّ قوله: "لقد قتل يومُ اليمامة قومٌ كانوا

стр. 348

يقرؤون قرآناً كثيراً لا يقرؤه غيرهم، فذهب من القرآن ما كان عندهم ". يُحتمل أن يكون أراد به أنَّهم كانوا يكثرون دراسةَ القرآن وتلاوتَه والتهجدَ به والانتصابَ لقراءته في المحاريب وغيرِها في آناء الليل وأطراف النهار ويقدرون من ذلك على ما يثقُل ويتعذَّرُ على كثير ممن بقي من الأمّة، وإن كان منهم اليسيرُ ممّن يساوي من قُتل باليمامة من هذا الباب، ويكون قوله: "فذهبَ من القرآن ما كان عندَهم " محمولا على أنّه ذهبَ أكثرُ درسة القرآن وتلاوته وتركِ التهجد والابتهال به ما كان عندهم، وهذا هو الذي أرادَه وقصدَه إن صحَّ هذا القولُ عنه دون ذهاب شيء من القرآن على سائر من بقيَ من الأمَّة. وكيف يقولُ ذلك وهو يعلمُ أنّ القومَ الذين قُتلوا إنما أخذوا القرآن عن أبيّ وعبد الله وأمثالهما، وأئمتُهم باقون، أو أخذوه عن الرسول والرسولُ قد أقرأَه وحفظه عن أبيّ وعبد الله بن مسعود وستة من أمّته حفّاظ، وأنّ العادةَ مستقرّةٌ موضوعةٌ على إحالة انكتام أمر قرآن كثيرٍ وذهابِ حفظِه عن مثل من بقي من أمَّة محمّدٍ ﷺ وفيهم أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعلي وأبيٌّ وعبدُ الله بن مسعود وزيدُ بن ثابتٍ لولا غباوة من يظن أنّ في التعلُّق بمثل هذه الرواية شبهة، فوجبَ بما وصفناه بطلان هذه الرواية أو حملها على التأويل الذي وصفنا إن سلمنا صحتها يوما ونظرا. وأما ما يتعلّقون به في هذا الباب من الرّواية عن عمر بن الخطاب من أنه خطبَ وقال على المنبر: "أيّها الناسُ إئاكم أن تهلكوا عن آية الرّجم فلقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ وقد نزلت وقرأ بها، ولولا أن يقول الناسُ زاد ابن الخطاب في كتاب الله، لكتبتُ فيه أو لألحقت في حاشيته:

стр. 349

والشيخُ والشيخة فارجُموهما ألبتَّة "، وأنّه قال في موقف آخر: "إنّ اللهَ تعالى بعث محمداً ﷺ بالحقِّ وأنزلَ عليه الكتاب، وكان مما أنزل إليه آيةُ الرجم فرجم رسولُ الله ﷺ ورجَمنا بعده، ألا وإنّ آية َ الرجم في كتاب الله حق: "والشيخُ والشيخةُ فارجُموهما ألبتّة جزاءً بما قضيا من الشهوة نكالاً من الله، والله عزيزٌ حكيم ". وقولهم إنَّ هذا تصريحٌ منه بنقصان القرآن وسقوط آية الرّجم، فإنّه أيضاً جهلٌ من المتعقق به وذهابٌ عن الواجب، لأنّ هذه الروايةَ بأن تكون عليهم وحخة على فساد قولهم أولى من أن تكون دلالة لهم. وذلك أنّه لمّا كانت هذه الآية ُ مما أنزلَه اللهُ تعالى من القرآن لم يذهبْ حفظُها عن عمر بن الخطاب وغيره، وإن كانت منسوخةَ التلاوة وباقية الحكم، وقد زالَ فرضُ حفظ التلاوةِ مع النسخِ لها ولم تنصرف هممُ الأمّةِ عن حفظِ ما نزلَ ممّا تضمَّن حُكما خيف تضييعُه، وأن يحتجّ محتجّ في إسقاطه بأنه ليس من كتاب الله تعالى، فلو كان هناك قرآنٌ كثير منزلٌ غيرُ الذي في أيدينا ثابتٌ غيرُ منسوخٍ ولا مزالٍ فرضُه لم يجزُ أن يذهبَ حفظُه على عُمرَ وغيره من الصحابة، كما لم يجز أن يذهبَ عليهم حفظُ هذه الآيةِ الساقط فرضُ تلاوتها بالنسخ لها، بل العادةُ موضوعةٌ جاريةٌ بأنهم أحفظُ لما ثبتَ حكمُه وبقيَ فرضُ حفظِه وتلاوتِه وإثباتِه، وأنهم إذا لم يجز أن يذهب عليهم حفظُ القليل الزائلِ الفرض، لم يجزُ أن يذهبَ عليهم حفظُ الكثير الباقي فرضُ حفظه وتلاوته وإجزاء الصلاة به، وإذا كان ذلك كذلك كانت

стр. 350

هذه الرواية من أدل الأمور على إبطال قولهم بسقوط شيءٍ كثيرٍ من القرآن وذهاب الأمة عن حفظه. والدليلُ على أن هذه الآية كانت محفوظةَ عند غير عمر من الأمّة قوله: "كنا نقرؤها"، وتلاوتُه لها بمحضرٍ من الصحابة وترك النكير لقوله والرد له. وأن يقولَ قائل في أيّام حياتِه أو بعده أو مواجها له أو بغير حضرته متى نزلت هذه الآية ُ ومتى قرأناها، والعادةُ جارية بمثل هذا في قرآن يُدعى إنزاله لا أصلَ له ويُدعى فيه حضورُ قومٍ نبلٍ أخيار أبرار، أهلِ دينٍ ونسكٍ وحفظٍ ولسنٍ وبراعة، وقرائح سليمةٍ وأذهانٍ صافية، فإمساكُهم عنه أوضحُ دليلٍ على أن ما قالَه وادّعاهُ كان معلوما محفوظاَ عندهم، وكذلك سبيلُ غيرهم لو كان هناك قرآن أكثرُ من هذا قد نزل وقُرىء على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه، ولا سيما مع بقاء رسمه ولزوم حفظه وتلاوته، وهذا واضح في سقوط قولهم. وأمّا ما يدلّ على أنّ هذه الآية منسوخة برواية جميع من روى هذه القصّة، وأكثر من تكلم في الناسخ والمنسوخ: أن هذه الآية كانت ممّا أنزلت ونُسخت فهي في ذلك جارية مجرى ما أنزلَ ثم نُسخ، وهذه الروايةُ حخة قاطعة في نسخ تلاوة الآية في الجملة، فإنها لمّا كانت قرآنا منزلاً حُفظت واعترفَ الكلُّ بأنها قرآن منزل، وإن خالف قوم لا يُعتَدُّ بهم في نسخها، فكذلك يجبُ لو كان هناك قرآن منزل غيرُ هذا أن يكون محفوظا لا سيّما مع بقاء فرضه وتجبُ الإحاطة به، وإن اختلفت في نسخ حُكمه وتلاوته لو اتفق على ذلك. ومما يدلُّ أيضا على أن آيةَ الرّجم منسوخةُ الرسم قولُ عمرُ بنُ الخطابِ في الملأ من أصحابه: "لولا أن يُقال زاد ابنُ الخطاب في كتاب الله لأثبتها"،

стр. 351

ولولا علمه وعلم الجماعة بأنّها منسوخةُ الرسم لم يكن إثباتُها زيادةَ في كتاب الله تعالى، ولم يحسُن من عمرَ أن يقول ذلك، ومن يقولُ هذا في قراَنٍ ثابت التلاوة غير منسوخِ فإظهاراً لهذا القول، وتركُ أن يقولَ له القومُ أو بعضُهم كيفَ زيدَ في كتاب الله إذا أثبت ما هو باقِ الرسم والحكم. أوضحُ دليلِ على أنّه وإياهم كانوا عالمين بنزول هذه الآية ونسخِ رسمها. وبقاء حُكمِها، وكل هذا يُنبي عن أنّ القومَ يجبُ أن يكونوا أحفظَ لسورةِ الأحزاب التي رووا أنّها كانت توازي سورة البقرة ولغير ذلك ممّا أسقطَ من كتاب الله تعالى لو كان هناك شيءٌ منزلٌ غيرُ الذي في أيدينا، فبانَ بهذه الجملة كونُ هذا القولِ من عمرَ حجة عليهم وبرهانا على بطلان دعواهم. وبالله التوفيق.

стр. 352

(باب) الكلام فيما يتعلقون به عن أبي موسى الأشعريِّ في هذا البابِ والدَّخل عليه فأمّا احتجاجُهم بما يَرْوونه عن أبي موسى الأشعري من أنّه قال: "والله لقد كنّا نقرأ سورةَ على عهدِ رسول الله ﷺ كنّا نشبّهها ببراءة تغليظاً وتشديدا ونسيناها غير أنّي أحفظُ منها حرفا أو حرفين: "لو كان لابن آدمَ واديان من ذهبٍ لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ اللهِ على من تاب ". وما رووه من قوله - أعني أبا موسى - "كانت الأحزاب مئتا آية وخمسا وسبعين) آية، فذهب منها مئتا آية، فقيل يا أبا موسى، ذهبت من سورةٍ واحدةٍ مئتا آية، فقال: نعم، وقرآنٌ كثير". وذُكر أن سورة "لم يكن " كانت مثل البقرة، فلم يبقَ منها إلا سبعُ آيات، فإنّها روايةٌ باطلةٌ والدليل على بطلانِها كلُّ شيء ذكرناه من إبطالِ مثل هذه الرواية عن عمرو وأبى بن كعب وهي مع ذلك معارضةٌ بروايةِ للكافةِ والدهماء الثبت الثقات عن أبي موسى أنّ هذا الذي بينَ اللوحين هو جميعُ كتاب الله الذي أنزله، وأنّه مرسومٌ على ما أنزل وأنّه كان يقرأه ويُقرئه ويُلقّنه من غير قدح فيه ولا وصفِ له بزيادةٍ ولا نقصان، وهذه الرواية أولى

стр. 353

بالثبوت والصحَّة من الروايةِ التي ذكروها، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلّقوا به، لأن من شأن الخبرين المتعارضين أن يتساويا، فإمّا أن يكون أحدُهما خبرُ واحدٍ والآخرُ تواتر، ونقلُ الكافة بأنّ هذا هو القرآنُ كلُّه تواتر، وجميعُ ما يُروى من خبر أبي موسى وعائشةَ وغيرهما أخبارُ أدلّةٍ ضعافٍ لا يُرتفع بها، فسقط ما قالوه. وعلى أنّ هذه الروايات لو صحَّت عن أبي موسى لاحتملت من التأويل الصحيح غير ما ذهبوا إليه، وذلك أن قوله: "والله لقد كنّا نقرأ سورةً على عهد رسولِ الله ﷺ كنّا نُشبِّهها ببراءةَ تغليظاً وتشديداً فنسيناها غير أنَي أحفظُ منها حرفاً أو حرفين " إلى آخر الخبر ليس بتصريح منه ولا يُقرُّه فكأنّهم ذهبوا عن حفظ ما لزمهم حفظه وبقي رسمُه، ولا بأنّ غيره كان لا يحفظُ من هذه السورة المنسوخة ما يذهبُ عليه حفظه، وإنما هو إخبارٌ منه بأنّهم كانوا يقرؤون سورة هذه صفتُها، فيمكن أن يكون ذلك صحيحا عنه، وأن تكون تلك السورةُ نُسخَ رسمُها فتشاغلَ أبو موسى بحفظ الواجب الباقي رسمُه عن حفظِها فلم يبقَ عليه منه إلا حرفٌ أو حرفان، وأن يكون غيرُه قد كان يحفظُها بأسرها أو كثيراً منها، وهو لم يصرّح بأنهم أسقطوها ونقصوها وأنّها باقيةٌ غيرُ منسوخة، وإنّما أخبر أنّهم كانوا يقرؤونها فقط، وهذا لا يدلّ على بقاءِ رسمِها ويدل على أنّ هذه الروايةَ إن صحّت فهذا قصدُه بذكرِ ما قالَه في قوله: "غير أنِّي أحفظُ منها لو كان لابن آدم". وهذا من جملةِ ما قد تظاهرت الأخبارُ بأنَّه منسوخ، فيجبُ أن يكونَ حكمُ ما نسيه في أنه منسوخٌ حكمُ ما ذكره معه، في ظاهرِ الحال وقد يجوزُ أن يذهبَ الناسُ عن حفظ ما يسقطُ فرضُ حقَه ونسخَ رسمُه، ولا يجوز في مستقر العادة ذهابُهم جميعا عن حفظ الباقي الرسم الثابت الفرض، وإذا

стр. 354

احتملت هذه الرواية ما ذكرناه بطل أن تكونَ دلالةً على اعتراف أبي موسى بنقصان القرآن الباقي الرسم وذهابِ الأمَّة عن حفظ كثير منه. وأمَّا قوله: "إن الأحزاب كانت مائتي آيةٍ وخمساً وسبعين آيةً فذهبَ منها مئتا آية، وقولهم له: ذهبَ من سورةٍ واحدةٍ مئتا آية، وقوله: نعم وقرآنٌ كثير، فإن معناه أيضاً - إن صح - أنه نُسخ قرآن كثيرٌ من سورةِ الأحزاب ومن غيرها فذهبَ حفظُه لمّا سقطَ وزالَ فرضُ تلاوته، نُسخ رسمُه، وكذلك قوله: إنّ (لم يكن) كانت مثلَ البقرة فبقي منها سبعُ آياتٍ معناه: أنها نُسخَ أكثرُ رسمِها وبقيَ منه سبعُ آيات، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ توهمُهم، وظن من ظن بأبي موسى أنه اعتقدَ في نفسِه وباقي أمّة محمّد ﷺ أنَّهم قد ذهبوا عن حفظِ قرآنٍ كثيرٍ ثابت باقي الرسم، وهذا واضح في بطلان قولهم. وكذلك الجواب عمّا يَرْوونه في هذا الباب من نحوِ قولِ عبد الله "إنه كان إذا سمعَ الإنسانَ يقول مع فلانٍ القرآنُ كله يقول: ما يدريكَ لعلَّه قد ذهبَ قرآن، فما وُجدَ بعد" ونحوُ روايةِ عبدُ الله بنُ عباسِ عن أبي أنه سمعه وقد قال له رجل: "يا أبا المنذر إني قد جمعت القرآن، فقال له: ما يدريكَ لعله قد سقطَ قرآن كثير فما وُجد بعد". وأنّ عائشةَ رضوانُ الله عليها قالت: "واللهِ لقد أنزلت رضاعةُ الكبير عشراً ورجمُ المحصن فكانت في ورقةٍ تحت سريري، فلّما قُبضَ رسولُ الله ﷺ -

стр. 355

تشاغَلنا به فدخلَ داجنُ الحيّ فأكله ". وروى الناسُ عنها أنّها قالت: "كان فيما يُقرأ من القرآن فسقط: يُجزئُ من الرضاع عشرُ رضعات، ثم نُسخت إلى خمس معلومات "، وفي بعض الروايات عنها أنّها قالت: "وكان ممّا يقرأ إلى أن ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ ". ونحوهما رُويَ عن أبي بكرٍ وعمرَ من أنه كان ممّا نزل: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ". ومن نحو ما رَويَ من قصة أهل بئر معونةَ وأن الله تعالى أنزلَ فيهم قرآنا فروى أنسُ بنُ مالك عن النبي صلى الله عليه "أنه دعا على الذين قتلوا أهلَ بئر معونة ثلاثين غداةً يدعو على رعل وذكوان وعُصَيَّة، عصت اللهَ ورسوله " قال أنس: "أنزل في الذين قُتلوا ببئر معونةَ قرآن كثير حتى نُسخ بعد، أن بلغوا قومَنا أنّا لقينا ربنا فرضيَ عنا وأرضانا". فجوابُنا عن كل ما يردُ من هذا الجنس أنه مما كان قرآناً رُفع ونُسخت تلاوتُه، وذلك ما لا ينكره ولا يُدفعُ في الجملة أن يكون الله سبحانَه قد أنزلَ قرآناً كثيراً ثم نسخَ تلاوتَه وإن كنَّا لا نتيقن صحة كل خبر من هذه الأخبار. وقرآن من هذا الذي رُوي أنّه نزل ثم نُسخ إذا لم يتّفق عليه المسلمون ولم يتواتر الخبر به تواتراً يلزم معه العلمُ بصحّته، ولم يدكَ على ثبوته دليل قاطع، وليس يُوقِفُنا في غيره كلُّ خبرٍ من هذه الأخبار يُوجِبُ عدمَ علِمِنا بأنّه
следующие страницы →