Полный текст (756 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ولولا علمه وعلم الجماعة بأنّها منسوخةُ الرسم لم يكن إثباتُها زيادةَ في
كتاب الله تعالى، ولم يحسُن من عمرَ أن يقول ذلك، ومن يقولُ هذا في
قراَنٍ ثابت التلاوة غير منسوخِ فإظهاراً لهذا القول، وتركُ أن يقولَ له القومُ
أو بعضُهم كيفَ زيدَ في كتاب الله إذا أثبت ما هو باقِ الرسم والحكم.
أوضحُ دليلِ على أنّه وإياهم كانوا عالمين بنزول هذه الآية ونسخِ رسمها.
وبقاء حُكمِها، وكل هذا يُنبي عن أنّ القومَ يجبُ أن يكونوا أحفظَ لسورةِ
الأحزاب التي رووا أنّها كانت توازي سورة البقرة ولغير ذلك ممّا أسقطَ من
كتاب الله تعالى لو كان هناك شيءٌ منزلٌ غيرُ الذي في أيدينا، فبانَ بهذه
الجملة كونُ هذا القولِ من عمرَ حجة عليهم وبرهانا على بطلان دعواهم.
وبالله التوفيق.
стр. 352
(باب)
الكلام فيما يتعلقون به عن أبي موسى الأشعريِّ في هذا البابِ والدَّخل عليه
فأمّا احتجاجُهم بما يَرْوونه عن أبي موسى الأشعري من أنّه قال: "والله
لقد كنّا نقرأ سورةَ على عهدِ رسول الله ﷺ كنّا نشبّهها ببراءة تغليظاً وتشديدا ونسيناها غير أنّي أحفظُ منها حرفا أو حرفين: "لو كان لابن آدمَ واديان من ذهبٍ لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ اللهِ على من تاب ".
وما رووه من قوله - أعني أبا موسى - "كانت الأحزاب مئتا آية وخمسا
وسبعين) آية، فذهب منها مئتا آية، فقيل يا أبا موسى، ذهبت من سورةٍ
واحدةٍ مئتا آية، فقال: نعم، وقرآنٌ كثير".
وذُكر أن سورة "لم يكن " كانت مثل البقرة، فلم يبقَ منها إلا سبعُ
آيات، فإنّها روايةٌ باطلةٌ والدليل على بطلانِها كلُّ شيء ذكرناه من إبطالِ مثل هذه الرواية عن عمرو وأبى بن كعب وهي مع ذلك معارضةٌ بروايةِ للكافةِ والدهماء الثبت الثقات عن أبي موسى أنّ هذا الذي بينَ اللوحين هو جميعُ كتاب الله الذي أنزله، وأنّه مرسومٌ على ما أنزل وأنّه كان يقرأه ويُقرئه ويُلقّنه من غير قدح فيه ولا وصفِ له بزيادةٍ ولا نقصان، وهذه الرواية أولى
стр. 353
بالثبوت والصحَّة من الروايةِ التي ذكروها، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما
تعلّقوا به، لأن من شأن الخبرين المتعارضين أن يتساويا، فإمّا أن يكون
أحدُهما خبرُ واحدٍ والآخرُ تواتر، ونقلُ الكافة بأنّ هذا هو القرآنُ كلُّه تواتر، وجميعُ ما يُروى من خبر أبي موسى وعائشةَ وغيرهما أخبارُ أدلّةٍ ضعافٍ لا
يُرتفع بها، فسقط ما قالوه.
وعلى أنّ هذه الروايات لو صحَّت عن أبي موسى لاحتملت من التأويل
الصحيح غير ما ذهبوا إليه، وذلك أن قوله: "والله لقد كنّا نقرأ سورةً على
عهد رسولِ الله ﷺ كنّا نُشبِّهها ببراءةَ تغليظاً وتشديداً فنسيناها غير أنَي أحفظُ منها حرفاً أو حرفين " إلى آخر الخبر ليس بتصريح منه ولا يُقرُّه فكأنّهم ذهبوا عن حفظ ما لزمهم حفظه وبقي رسمُه، ولا بأنّ غيره كان لا يحفظُ من هذه السورة المنسوخة ما يذهبُ عليه حفظه، وإنما هو إخبارٌ منه بأنّهم كانوا يقرؤون سورة هذه صفتُها، فيمكن أن يكون ذلك صحيحا عنه، وأن تكون تلك السورةُ نُسخَ رسمُها فتشاغلَ أبو موسى بحفظ الواجب الباقي رسمُه عن حفظِها فلم يبقَ عليه منه إلا حرفٌ أو حرفان، وأن يكون غيرُه قد كان يحفظُها بأسرها أو كثيراً منها، وهو لم يصرّح بأنهم أسقطوها ونقصوها وأنّها باقيةٌ غيرُ منسوخة، وإنّما أخبر أنّهم كانوا يقرؤونها فقط، وهذا لا يدلّ على بقاءِ رسمِها ويدل على أنّ هذه الروايةَ إن صحّت فهذا قصدُه بذكرِ ما قالَه في قوله: "غير أنِّي أحفظُ منها لو كان لابن آدم".
وهذا من جملةِ ما قد تظاهرت الأخبارُ بأنَّه منسوخ، فيجبُ أن يكونَ
حكمُ ما نسيه في أنه منسوخٌ حكمُ ما ذكره معه، في ظاهرِ الحال وقد يجوزُ
أن يذهبَ الناسُ عن حفظ ما يسقطُ فرضُ حقَه ونسخَ رسمُه، ولا يجوز في
مستقر العادة ذهابُهم جميعا عن حفظ الباقي الرسم الثابت الفرض، وإذا
стр. 354
احتملت هذه الرواية ما ذكرناه بطل أن تكونَ دلالةً على اعتراف أبي موسى
بنقصان القرآن الباقي الرسم وذهابِ الأمَّة عن حفظ كثير منه.
وأمَّا قوله: "إن الأحزاب كانت مائتي آيةٍ وخمساً وسبعين آيةً فذهبَ
منها مئتا آية، وقولهم له: ذهبَ من سورةٍ واحدةٍ مئتا آية، وقوله: نعم وقرآنٌ كثير، فإن معناه أيضاً - إن صح - أنه نُسخ قرآن كثيرٌ من سورةِ الأحزاب ومن غيرها فذهبَ حفظُه لمّا سقطَ وزالَ فرضُ تلاوته، نُسخ رسمُه، وكذلك قوله: إنّ (لم يكن) كانت مثلَ البقرة فبقي منها سبعُ آياتٍ معناه: أنها نُسخَ أكثرُ رسمِها وبقيَ منه سبعُ آيات، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ توهمُهم، وظن من ظن بأبي موسى أنه اعتقدَ في نفسِه وباقي أمّة محمّد ﷺ أنَّهم قد ذهبوا عن حفظِ قرآنٍ كثيرٍ ثابت باقي الرسم، وهذا واضح في بطلان قولهم.
وكذلك الجواب عمّا يَرْوونه في هذا الباب من نحوِ قولِ عبد الله "إنه
كان إذا سمعَ الإنسانَ يقول مع فلانٍ القرآنُ كله يقول: ما يدريكَ لعلَّه قد
ذهبَ قرآن، فما وُجدَ بعد" ونحوُ روايةِ عبدُ الله بنُ عباسِ عن أبي أنه سمعه
وقد قال له رجل: "يا أبا المنذر إني قد جمعت القرآن، فقال له: ما يدريكَ
لعله قد سقطَ قرآن كثير فما وُجد بعد".
وأنّ عائشةَ رضوانُ الله عليها قالت: "واللهِ لقد أنزلت رضاعةُ الكبير
عشراً ورجمُ المحصن فكانت في ورقةٍ تحت سريري، فلّما قُبضَ رسولُ الله ﷺ -
стр. 355
تشاغَلنا به فدخلَ داجنُ الحيّ فأكله ".
وروى الناسُ عنها أنّها قالت: "كان فيما يُقرأ من القرآن فسقط: يُجزئُ من الرضاع عشرُ رضعات، ثم نُسخت إلى خمس معلومات "، وفي بعض الروايات عنها أنّها قالت: "وكان ممّا يقرأ إلى أن ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ ".
ونحوهما رُويَ عن أبي بكرٍ وعمرَ من أنه كان ممّا نزل: "لا ترغبوا عن
آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ".
ومن نحو ما رَويَ من قصة أهل بئر معونةَ وأن الله تعالى أنزلَ فيهم قرآنا فروى أنسُ بنُ مالك عن النبي صلى الله عليه "أنه دعا على الذين قتلوا أهلَ بئر معونة ثلاثين غداةً يدعو على رعل وذكوان وعُصَيَّة، عصت اللهَ ورسوله " قال أنس: "أنزل في الذين قُتلوا ببئر معونةَ قرآن كثير حتى نُسخ بعد، أن بلغوا قومَنا أنّا لقينا ربنا فرضيَ عنا وأرضانا".
فجوابُنا عن كل ما يردُ من هذا الجنس أنه مما كان قرآناً رُفع ونُسخت
تلاوتُه، وذلك ما لا ينكره ولا يُدفعُ في الجملة أن يكون الله سبحانَه قد أنزلَ
قرآناً كثيراً ثم نسخَ تلاوتَه وإن كنَّا لا نتيقن صحة كل خبر من هذه الأخبار.
وقرآن من هذا الذي رُوي أنّه نزل ثم نُسخ إذا لم يتّفق عليه المسلمون ولم
يتواتر الخبر به تواتراً يلزم معه العلمُ بصحّته، ولم يدكَ على ثبوته دليل
قاطع، وليس يُوقِفُنا في غيره كلُّ خبرٍ من هذه الأخبار يُوجِبُ عدمَ علِمِنا بأنّه
стр. 356
قد أُنزل في الجملة قرآنٌ ثم نُسِخَ ورُفع بقول أُبي وعبدِ الله، وما يدريكَ لعله
سقطَ أو ذهبَ قرآن كثير، فما وُجِدَ بعدُ إنما هو أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يدَّعي
أنه قد جمعَ ما أُنزلَ من ناسخِ القرآن ومنسوخِه، وقولُهم: "فيما وُجِدَ بعدُ"
فما نجدُ اليومَ من يحفظُ جميعَ ما نُسِخَ وسقطت تلاوتُه، وهذا مما لا بدَّ
منه، ونحوُه من التأويل لأجلِ ما ذكرناه من شُهرة أمرِ القرآنِ وظهورِ نقلِه.
وقد يمكنُ أيضاً أن يكونَ أُبي وعبدُ الله بنُ عمرَ قد عَلِمَا من حال مَن
قالَ أو كان يقول: "إنّي جمعتُ القرآنَ " أي: قد جمعتُه على جميعِ وجوهِه
وحروفِه التي أُنزل عليها، فقالا له: وما يدريكَ لعلَّه قد ذهبَ أو سقطَ قرآنٌ
كثير لم يوجَدْ بعد، أي: لم تجِدْهُ أنتَ ولا وقعَ علمُه إليك، أو لم تَجِدْ بعدُ
مَن يحفظ جميعَ تلك الأحرفِ والقراءاتِ التي أُنزل القرآنُ عليها" وإن كانت
ظاهرةً في الناس ومتفرقةً منهم، على ما سنبينُه فيما بعد، لأنّ رسولَ الله
صلى اللهُ عليهِ كان يُقرِئُهم بما سَهُلَ عليه وعليهم، ولا نَعلَمُه أقرأَ رجلاً فيهم بجميعِ الأحرفِ السبعةِ وحفَّظَهُ إيّاها وأفردَه بها، لأن ذلك مما لا يجبُ عليه ولم يَرَهُ من مصالحِ الأمّة، أو لم يتَفقْ له أو لمن أخذَ عنه نشاطٌ لحفظِ جميعِ
تلك الأحرف، وإذا كان ذلك كذلك صحَّ ما قلناه من التأويل الذي هو أَليقُ وأشبهُ أن يكونَ الصحابةُ قصَدَتْهُ وأرادَتْهُ مع ما ظهرَ من إقرارِها جميعا بأن ما بين اللوحتين هو جميعُ الثابتِ الرسمِ الذي أنزلَه تعالى.
وأمَّا ما رُوِيَ عن عائشةَ ﵂ في الرَّضاع فإنه أيضاً دليلٌ على
ما قلناه، لأنّها قالت: "كان مما أُنزل ثم نُسِخَ بخمسٍ ".
وقولُها: "نُسِخَ " ليس فيه دلالةٌ أنّه نُسخ بقرآن، لأنّه قد يُنسخ بوحيٍ
ليس بقرآنٍ لقيام الدلالةِ على جوازِ نسخِ نفسِ التلاوةِ ونفسِ حكمِها بالسُّنّة،
стр. 357
وقد بيَّنا ذلك وأوضحناه في كتاب "أصول الفقه " بما يُغني الناظرَ فيه، وبينت
ذلك أنها قَرَنَت نَسخَ العشرِ رضعاتٍ المحرّماتِ بنسخِ آية ِ الرجم، وهي
قوله: (والشيخ والشيخة) ، وقد عُلِمَ أنَّها إنّما نُسِخَت تلاوتُها بسُنَّة، فبينَتْ ذلك لا بقرآن.
وقولُها: "لقد كانت مكتوبة في ورقةٍ تحتَ سريري " يدلُّ أيضاً على
ذلك، لأنّه دلالةٌ على قلّة الحفظِ له والاحترازِ والاعتناءِ بحِياطته، لأنّ
عادتَهم في الثابتِ الباقي الرسم صيانتُه وجمعُه وحراستُه دونَ طرحِه في
الظهورِ تحتَ الأسِرّة والرجْلِ وبحيثُ لا يُؤمَن عليه، فأما إذا نُسِخَ وسقطَ
فرضُه جازَ تركُ حفظِه والاعتناءُ به، وجُعِلَ ما يُكتب فيه ظُهُورا يُنتفَعُ به
ويثبِتُون فيها ما يُريدون.
وقولها: "فدخل داجِنُ الحي فأكله " لا يدلُّ على أنه لم يكن عند أحد
غيرها لم يأكله مِن عنده شيء".
وقولُها: "ولقد كان يُقرأ إلى أن مات رسولُ الله ﷺ ، وكان ممّا يُقرأ" تعني به أنه كان مما يحفظه كثير من الناس أقربَ عهدٍ بنسخِه، ولم تقُل بالخبر: "إنه كان مما يُقرأ" على أنه ثابت باقي الرسم، ونحنُ اليومَ نقرأ ذلك ونقرأ ما رُوِيَ لنا من المنسوخ على سبيل الحفظ والمذاكرةِ به، وكما يَقرأ كثير منا التوراةَ والإنجيلَ والزَّبوُرَ لا على أنه واجب علينا حفظُه وتلاوتُه، وإذا كان ذلك سقطَ أيضا التعلقُ بهذه القصة.
فأمَّا ما ذكروه من القرآنِ المُنزَلِ في بئر مَعُونة فإننا لا نُنكِرُ أن يكونَ ذلك
صحيحة قد كان، إلا أنه قد نُسِخَ وزال لأن نسخَه مرويّ، ولأنه لو كان ثابتا باقيا لوجبَ نقلُه وحفظُ الأمَّةِ له كأمثاله مِن القرآنِ الثابت، وقد قال أنس ﵁ -
стр. 358
وهو راوي الخبر: إنَّ رسولَ الله ﷺ لما بعثَ حَراما زوجَ أمَ سُلَيم في سبعين رجلاً - وذكرَ قصتهم - وقال: فأنزِلَ علينا وكان مما نقرأ فنُسِخ: (أنْ بَلغوا قومَنا أنا لَقِينا ربَّنا فرَضِيَ عنا وأرضانا) ، وليس يجبُ على الأمَّةِ حفظُ ما نُسِخَ من القرآنِ وضبطُه وإلحاقُه بما ثبتَ منه وخلطُه به، ولا سيما إذا لم يكن مما وردَ في حكمِ ثابتِ أو زائلِ يَهُتمُ الناسُ بمعرفةِ تاريخِه وسببه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ أيضا التعلُقُ بهذه القصة، وقد قال اللهُ سبحانه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
فنصَّ على أنه ينسخُ الآية َ ويُزيلها، وقد ينسخُ التلاوةَ ويُبقي الحكمَ، ويَنسخُ الحكمَ وتبقى التلاوةُ، وربما نُسخا جميعا.
وقد ذَكر قوم أنّ المرادَ بقوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) أي: نرفَعْها أو
ننسِها، أي: نأمر بتركِ العملِ بها إلا أتينا بمثلِها أو خيرِ منها لكم أن نأتيَ
بعبادةِ مثلِ التي تُرِكَت، ويكون الثواب على الاَتي أكثر، أو بأن يكونَ
عملُ الناسخِ أخف والثوابُ متساوي، فيكون ذلك خيرا لكم.
وقيل أيضا في معنى: (نُنْسِهَا) أن اللهَ جلً ذكرُه كان إذا أراد نسخَ الآية ِ
أذهبَ بحفظِها عن قلوبِ جميعِ الحافظين للآية، فإذا أصبحوا عرضوا ذلك
على الرسول وسألوا عنها فأخبرَهم أن الله قد نسخَها ورفعَ تلاوتَها، وهذا
стр. 359
عندَنا صحيح غيرُ مستحيل، وإن كان مثلُه اليومَ متعذراً على وضع العادة مع كمالِ العقل، لأن اللهَ جل وعز إنما خرقَ العادةَ بحفظ ذلك على زمنِ
الرسول، لكي يجعلَ ذلك آيةً له ودلالةً قاهرةً على صدقه في الناسخ
والمنسوخ، وليردَّ بذلك قولَ مَن حكى عنه أنّ ذلك افتراءٌ من الرسولِ في
قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) ، فهذا عندَنا أحدُ آياتِ الرسولِ ﷺ .
وقال قومٌ: إنما كان يذهبُ بحفظِها من قلوبِ جماعةٍ منهم يجوزُ على
مثلِهم النسيان، فأمّا على سائرِهم فلا، فإذا عرض ذلك البعضُ الآيةَ خُبروا
بأنها قد نُسِخَت عن الكل، فوقعَ عندَ ذلك الفتورُ من الجميعِ والإعراضُ عن
التحفُظ، فعمَ النسيانُ جميعَهم.
وقال آخرون: إنما كان نَفَرٌ منهم يَنسَونَ منها مواضعَ قد جرت بنسيانِ
مثلِها فيضطربُ عليهم ضرباً من الاضطراب، فإذا عرضوا ذلك على الرسول خُبروا بأنها قد نُسِخَت عن الجميع، فأما أن ينسى النفرُ منهم جميعَ الآية ِ فإنه محالٌ ممتنِعٌ في مستقِرِّ العادةِ مع بقاءِ الفهم وكمالِ العقل.
وقال آخرون: بل كان اللهُ تعالى يُذْهِبُ عن قلبِ كل واحدٍ منهم حِفظَ
موضعٍ منها غيرِ الموضع الذي يذهبُ بحفظه عن قلبِ الآخر، فينسى كلُّ
واحدٍ منهم غيرَ ما ينساهُ الآخر، وذلك جائزٌ في العادة، فإذا عرضوا ذلك
على رسولِ الله ﷺ لاضطرابِ جميعهم فيها على هذه السبيل خُبِّروا بأنها قد نُسِخَت عنهم، فاما أن يتفقَ لجماعتهم نسيانُ جميعِ الآيةِ أو نسيانُ موضع واحدٍ منها أو مواضعَ متساويةٍ فذلك محال.
وكل هذا ممكنٌ عندَنا وإن كان في بعضه خرقُ العادة، لأنه آية للرسول.
وليس الكلامُ في هذا الباب مما قصدنا له فكنا نُسهِبُ فيه.
стр. 360
وإذا كان الأمرُ على ما وصفناه ثبتَ بهذه الجملةِ حصولُ العلم لنا بأنَ
الله تعالى قد كان نَسخَ أشياءَ كثيرةً من كتابه بعدَ أن أنزلها على رسوله.
فيجبُ حملُ جميعِ ما رُوِيَ عن الصحابةِ والتابعين من ذهاب قرآنٍ كثير
وسقوطِه وقولهم لمن ادّعى جَمْعَ القرآنِ كله: "فما يدريك لعله قد ذهبَ
قرآنٌ كثيرٌ لم يوجد بعد" على التأويل الذي وصفناه، وهذا بَينٌ في سقوط
جميعِ ما يتعلَّقون به من هذه الألفاظ.
وليس على جديدِ الأرض أجهلُ ممن يظُنُ أن الرسولَ والصحابةَ كانوا
جميعا يُهملون أمرَ القرآن ويعدِلون عن تحفُظه وإحرازِه ويعوِّلون على إثباته
في رقعةٍ تُجعَلُ تحتَ سريرِ عائشةَ وحدَها، وفي رقاعٍ ملقاةِ ممتهَنةٍ حتى
دخلَ داجنُ الحى فأكلَها أو الشاةُ ضاع منهم وتفقَت ودرسَ أثرُه وانقطعَ
خبره! وما الذي كان تُرى يبعثُ رسولَ الله ﷺ على هذا التفريطِ والعجز والتواني وهو صاحبُ الشريعة والمأمورُ بحفظِه وصيانتِه ونصب الكَتَبةِ له، ويَحضُرُه خَلْقٌ كثيرٌ متبتلون لهذا الباب ومنصوبون لكتبِ القرآنَ الذي يَنزِل وكتبِ العهودِ والصلح والأمانات وغير ذلك مما نزل ويَحدُثُ بالرسول خاصةً وبه حاجةٌ إلى إثباته.
وكان ﷺ يَعرِضُ القرآنُ في كل عام، وعَرَضَهُ في العام الذي ماتَ فيه عرضتَين، ويقولُ لهم: "إذا أُنزِلَت الآية ُ ضعُوها في السورة التي يُذكَر فيها كذا" وينظمُ لهم الآيات ِ في السور، ويقول لعمرَ وقد قال له في آيةِ الرجم "الشيخ والشيخة": ألا نُثبِتُها يا رسولَ الله، قال: "لا أستطيعُ ذلك "، يعني: أنها قد نُسِخَت وأُزيلَ رسمُها وبقيَ حكمُها، وسنذكر في بابِ جمع أبي بكرِ القرآنَ جملةً من ألفاظِ الرسول ﷺ في إثباتِ ما نزل عليه من القرآن مما قاله لأبيٍّ وزيدِ بن ثابتٍ وغيرهما.
стр. 361
وقد كان له ﵇ جماعة أماثل عُقَلاءُ أفاضل، كُلهم كَتَبةٌ له
ومعروفونَ بالانتصابِ لذلك من المهاجرينَ والأنصار، فمَن كتبَ له من
قريشٍ من المهاجرين: أبو بكر الصديق، وعمرُ بن الخطاب، وعثمان.
وعلي، وزيدُ بن أرقم، خالد بن سعيد وذكر أهل السير أنه كان
ائتمنَهُ حتى كان يأمرُه بطَي ما كُتِبَ وختمه، وكان أيضاً كاتبا لأبي بكرٍ وعمرَ ليستعمله على بيت المال.
ومنهم أيضاً: الزُّبَير بن العوام، وحنظلة الأسَدي، وخالد بن أسَد، وجُهَيم بن الصَّلت بن مَحرَمَة
стр. 362
والعلاء بن الحضرميّ، وشرحبيل بن حسنة، وحاطبُ بن عمرو بن عبدِ شمس، وأبو سلمةَ بن عبدِ الأسد، ومُهاجِر بن أبي أُميّة، وحُوَيطِب بن عبد
العُزّى، وأبو حذيفةَ بنُ عتبةَ بنِ ربيعة،
стр. 363
وأبان بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخو عثمانَ بن عفّان لأمه، وعمرو بن العاص، وعبد الله ابنه، وأبو سفيانَ بن حرب، ومعاويةُ بن أبي سفيان.
وكتب له من ثقيفٍ: المغيرةُ بن شعبة، وحنظلة بن الربيع، ومات
نفر فنسينا، يُذكر أن امرأته رثته فقالت:
إن سوادَ الشَّعْرِ أودى به ... وجدي على حنظلةَ الكاتِبِ
وكتبَ له ﷺ من الأنصار: زيد بن ثابت، وأمَرَه أن يتعلمَ كتابَ اليهود فتعلمه، فكان يكاتبُهم عنه، وكتبَ له عبدُ الله بن مَسْلَمة، وعبدُ الله بن رَواحة،
стр. 364
وأبو أمامةَ أسعدُ بن زرارة، والمنذر بن عمرٍ و، وأُبيُّ بن كعب، وكان - فيما ذكر - أولَ مَن كتبَ للنبي ﷺ حينَ قدمَ المدينة، وكان يكتبُ هو وأبو بكرٍ وعلي في آخرِ كُتُبِ رسولِ ﷺ من العهود والنشر وكان: "كتبَ أُبى"، وكان أولَ من كتب
ذلك، وكانا يكتبان في آخر كُتبِ رسول ﷺ : "شهدَ عبدُ الله ابن أبي قحافةَ وعلي بن أبي طالب ".
وكتبَ لرسولِ الله أيضاً: مالكُ بن العَجْلان، وأُسَيدُ بن حُضَير.
ومَعْنُ بن عَدِي، وأبو عيسى بن جُبَير، وسعدُ بن الربيع وأوسُ بن
خولي،
стр. 365
وبشيرُ بن سعد، وأسدُ بن الصامِت، وسعدُ بن عُبَادة، وعبدُ الله بن أبي
سلول، والسِّجِل، ومنه يُقال: (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)
روى ذلك عبدُ الله بن عباس، وكتبَ له عامرُ بن فُهَيرةَ، وغيرُ هؤلاِ
أيضا.
وقد عُلِمَ أن هؤلاءِ جميعاُ وإن لم يكونوا كَتَبة ملازمين لحضرةِ الرسولِ
فقد كتبَ الكلُّ أو كان ممن يُحسِنُ يكتب ما استكتبه رسولُ الله ﷺ ، يمكنُ أن يكونَ الرسولُ ممن يسثقل إثباتَ ما نزل مِن القرآن حتى لا يحصلَ
стр. 366
إلا عندَ عائشةً في رقعة تحتَ سريرها، وعندَ آخَرَ أكلته الشاةُ مِن عنده! لولا
الجهلُ والغباوةُ!
والرسولُ ﵇ منصوبٌ للبيان وحِياطةِ القرآنِ وحفظِ الشريعةِ
فقط، لا حرفةَ له ولا شيءَ يقطعُه من أمورِ الدنيا غيرُ ذلك إلا بنَصَبٍ يعود
بنُصرةِ الدين وتوكيدِه، ويثبِتُ أمرَ القرآن ويُشِيدُه، وكيف يجوزُ في العادةِ أن يذهبَ على هؤلاءِ وعلى سائرِ الصحابةِ آيةُ الرضاع والرجمِ فلا يحفظها
ويذكرها إلا عائشةُ وحدَها لولا قلةُ التحصيلِ والذهابِ عن معرفةِ الضروراتِ وما عليه تركيبُ الفِطَرِ والعادات.
فقد بأن بجملةِ ما وصفناه من حالِ الرسولِ والصحابةِ أنه لا يجوزُ أن
يذهبَ عليهم شيءٌ من كتاب الله تعالى قلَّ أو كَثرُ، وأنّ العادةَ تُوجِبُ أن
يكونوا أقربَ الناسِ إلى حفظِه وحراستِه وما نزلَ منه وما وقع وتاريخهِ
وأسبابهِ وناسخِه ومنسوخِه، وأن مَن حملَ قولَ قائلهم: "وما يدريك لعله قد
سقط به أو ذهبَ قرآنٌ كثيرٌ" على أنه دُثِرَ وضاعَ ونُقِلَت عن سائر الصحابةِ
وجميعِ الأمة لإعراضِها عن إعظامه وقلةِ رغبتها في حفظه وحراسته
واشتغالِها عنه بغيره وما هو عندَهم أهمُّ منه: فقد صارَ من الجهلِ بالعاداتِ
وما عليه أحوالُ الناس إلى أمرٍ عظيم.
فوجبَ بذلك حملُ جميعِ ما رُوِيَ عن آحادِ الصحابة من هذه الأقاويلِ
التي ذكرناها وما لم نذكره منها أيضا على التأويلِ والتفسيرِ الذي أوضحناه.
دون ما يظُنه من لا علمَ له ولا تحصيلَ عندَه، وبالله التوفيق.
стр. 367
(باب)
تعلُّقِهم بما يروونه من مشاجرة الحسن بن علي ﵇ لسعيد بن العاص رحمةُ الله عليه
فأمَّا تعلقُهم في ذلك بما رُوي من مشاجرةِ سعيد بن العاص للحسن بن
علي، وإن سعيداً قال للحسن: "أما إني قد أدخلت في كتابكم ألفَ
حرف، وأسقطت منه ألفَ حرف، فقال له الحسن: فأنا مؤمنٌ بما أسقطتَ
كافرٌ بما أدخلت، فقال له: ليس حيثُ يذهبُ إنما أردت إصلاح اللحن منه، فقال له الحسن: فأيُّ الثلاثة لَحَن: اللهُ تعالى الذي تكلَّم به، أم جبريلُ الذي نزل به، أم رسولُ الله ﷺ الذي بلَّغه، " فإنه أيضاً مما لا تعلق لهم فيه من وجوه.
أحدُها: إنَّ هذه الرواية باطلةٌ غيرُ ثابتةُ ولا تُعرفُ صحَّتُها باضطرارٍ ولا
بنظرٍ واستدلال.
والثاني: أنّها معارضةٌ بما نعرفُه ضرورةً من جمعِ عثمانَ لزيد بن ثابتٍ
وعبد الله بن عباسٍ وعبد الله بن عمرَ وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد
стр. 368
ابن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرِهم على كتابة المصحف.
وأمرِه لهم بإثبات ما اختلفوا فيه على ما يقولُه النفرُ القرشيُّون، وقوله إنّه
بلسانهم نزل وإنهم لم يختلفوا إلا في التابوتِ فقالَ القريشيون: التابوت.
وقال الباقون: التابوه، وأنهم رفعوا ذلك إلى عثمان فأمَرهم أن يكتبوه بلغة
قريش، وهذه روايةٌ ظاهرة مستفيضة، ولو كانوا قد اختلفوا في ألفي حرفٍ
ساقطٍ وزائدٍ من جهة اللَّحنِ لوجبَ في مستقرِ العادةِ ظهورُ ذلك وإشهارُه
واللهجُ بذكرهِ، لأنّ اللّحنَ في هذا الباب أعظمُ وأفحشُ وأخطرُ من اختلافِ
لغتين سائغتين، فكيف ذهبوا عن حفظِ ألفي حرفٍ وحفظوا اختلافهم في
التابوت والتابوه حتى شهروه وأظهرُوه.
وإذا لم يجزُ مثلُ ذلكَ عُلم تكذُّبُ هذه الرواية على سعيدِ بن العاص.
وإن الثابت عنه وعن العبادلة القرشيين ما وصفناه، وسنزيدُ ذلك شرحاً وبياناَ في الاحتجاج لصحّة صُنع عُثمان في جمعِ القرآن.
والوجه الثالث: أن سعيداً إن صحَّت عنه هذه الرواية قد اعترفَ أنّه إنما
أراد بالزائد والناقص اللحن، فإمّا أن يكون قَصَدَ إزالة إثبات حروفِ يصيرُ
الكلامُ لحنا بإسقاطها، ونقصانِ حروف يصير لحنا بزيادَتِها، وأراد بذكر
الحروفِ الحركاتِ والإعراب، وليس هذا من نقصان القرآنِ وذهاب كثيرِ منه في شيء، وإذا كان ذلك كذلك بأن أيضاً أنّه لا شبهة لهم في هذه الرواية
ولا تعلُّق من كل وجه.
стр. 369
الجزء الثاني
(باب)
تعلُّقِهم بالشَّواذِّ والزَّوائد المرويّةِ عن السَّلَف روايةَ الآحاد، وبيانُ فساد تعلُّقِهم بذلك
فأمَّا تعلُّقُهم بما رواه أبو عبيدٍ وغيرُه من النَقلة عن كثيرٍ من السلف من
قراءة كلمات وحروفٍ زائدة على ما بين الدفَتين، ونقصان حروفي وتقديمِ
كلمةٍ على كلمة، وقولهم: إن هذه الروايات إذا كانت من روايتكم وجبَ أن تكونَ حجّةً عليكم ولازمةً لكم، فإنّه أيضاً باطل من وجوه:
أوَّلُها: أنّه لا يجوز لأحد من الشيعةِ التعلُّق بشيءٍ منها ولا بشيءٍ مما
قدمناه أيضا من الروايات التي ذكروها عن أبى وعبد الله بن مسعود وعمرَ
وأبي موسى وغيرهم، لأن هذه الأخبارَ إذا لم تبلغ في الشهرة والظهور مبلغا
تقوم به الحجّة، وتُلزمُ القلوبَ العلمَ بصحَّتها ضرورة، وكانت من روايات
الآحاد، وكان هؤلاء الآحادُ الذين رَووها عن هذه الطبقةِ ليس هم علياً
والحسن والحسينَ وفاطمةَ ولا عمارَ وسلمانَ وأبا الذر وقنبراً وهذه الطبقة
من الشيعة، وإنما هم عبد الله بن عمرَ وعبد الله بن عباسٍ وعائشةَ وأبو هريرةَ وعبدُ الله بنُ مسعود وأبو موسى الأشعريّ.
وهؤلاء إذا قالوا قولاً، وروى بعضُهم عن بعضٍ عن النبيِّ صلى الله عليه
فهم فيه غيرُ ثقاتٍ مأمونين، لأنهم نواصبُ كفَّارٌ ضُلاَّلٌ غَشَمَة يجب عندهم
стр. 370
لعنتُهم والبراءةُ منهم، فضلاً عن العمل بأخبارهم والتوثيقِ لروايتهم، ولم
يجُز أن يعتقدَ الشيعةُ نقصانَ القرآن بقول هؤلاءِ الكفَرَةِ الضلال، وإن كانوا
عند غيرِهم عدولاً أبراراً.
وكذلك حالُ من يُروى عنهم من شيعتهم وأتباعهم في أنهم غيرُ مأمونينَ
ولا مبرئين من الكذب ووضْعِ الزور، فلا حجَّةَ في رواية أحد من هؤلاء
وأتباعهم لنقصانِ القرآن ولا لغيرِه من الأمور فإنما يجب أن يعلمَ الشيعةُ
ويُقطع على نقصانِ القرآنَ بخبرٍ يُعلمُ صدقُه ضرورة، أو دليلٍ قاطعٍ إذا كان
خبرَ بارٍّ عدلٍ أو بخبر الإمام المعصوم من الكذب، فأمَّا التعويلُ على خبرِ من
ليس بمعصومٍ من الشيعةِ كان أو من الناصبةِ فإنه لا حجَّةَ فيه.
فإنّ قالوا: فنحنُ لسنا نعملُ في ذلك على رواية هذه الطبقة، وإنّما نعلمُ
نقصان القرآنِ بنقل الشيعةِ وتواترِ خبرِهم عن الأئمة الهاديةِ من أهلِ البيت.
أن القومَ قد أسقطوا من القرآنِ شيئاً كثيراً.
قيل لهم: قد علِمناكم على خبرِ الشيعةِ هذا الذي تدعونه من قبلُ بما
يُغني عن إعادته، وسنذكرُ فيما بعدُ ما يروونه عن أهل البيت من التُرهاتِ في
هذا البابِ الذي لا أصلَ لها، وأمَّا نحنُ فإننا وإن كنا نوثقُ جميعَ من ذكرناه
من السلفِ وأتباعهم، فإنّا لا نعتقد تصديقَ جميعِ ما يُروى عنهم، بل نعتقدُ
أنّ فيه كذِبا كثيراً قد قامت الدلالةُ على أنّه موضوعٌ عليهم، وأنّ فيه ما يمكنُ أن يكونَ حقا عنهم، ويمكن أن يكون باطلاً ولا يثبتُ عليهم من طريقِ العلم البتاتُ بأخبارِ الآحاد، وإذا كان ذلك كذلك وكانت هذه القراءاتُ والكلماتُ المرويّةُ عن جماعة منهم المخالفةُ لما في مصحفِنا مما لا يُعلم صحتُها
وثبوتها، وكنا مع ذلك نعلمُ اجتماعهم على تسليمِ مصحف عثمانَ وقراءتِهم
стр. 371
وإقرائهم ما فيه والعملِ به دون غيره، لم يجبْ أن نحفلَ بشيءٍ من هذه
الرواياتِ عنهم لأجلِ ما - ذكرناه.
وَقَدْ رُوِيَ من هذه القراءات شيء كثير رواه أبو عُبَيدٍ القاسمِ بنِ سلامِ في
كتابهِ المترجم ب "فضائل القرآن" عن رجالِه وغيرِه روايةً غيرَ ثابتةٍ عن أبي
عُبيدٍ على ما ذُكر ولا عندَ غيرِه، فمن ذلك ما رُوي أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقرأ: "غيرِ المغضوبِ عليهم وغيرِ الضالين"، ومنه ما رُوي عن عبدِ الله بن الزبيرِ أنه كان يقرأ: "صِراط مَن أنعمتَ عليهم".
ورُوِيَ أن ابنَ عبّاصٍ كان يقرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وأنهُ كانَ يقرأ، "وعلى الذينَ يُطوَّقونَه فدية"، يعني يكلفونهُ ولا يطيقونه، وأنهُ كانَ يقرأ:
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) "في مواسم الحج".
وأنهُ كانَ يقرأ: "للذين يُقسمون من نسائهم تربص أربعة أشهر".
وأن أبي بنَ كعبٍ كان يقرأ: (فَإِنْ فَاءُوا " (فيهن" فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
وإن حفصةَ زوجَ النبى صلى الله عليهِ كانتْ تقرأُ وأثبتت في
مصحفها الذي أمرت بكتابته: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) ، أن تكتب بعد ذلك "صلاة العصر"، وأن أبي بنَ كعبٍ كان
يقرؤها: "والصلاةِ الوِسطى صلاةِ العصر".
стр. 372
وأنّ عبدَ الله بنَ عباسٍ كان يقرؤها كذلك، وأنّ عبد الله بن مسعودٍ كان
يقرأ: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ "يَومَ القِيامَة") .
وأن عمرَ كان يقرأ افتتاحَ آلَ عمران: (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ "القِيامِ") ، مكانَ (الْقَيُّومُ) .
وأن سعدَ بن أبي وقاص قرأ: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ "من أمَّه") .
وإنّ ابنَ عبّاسٍ كانَ يقرأ: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ "إلى أجل مسمى" فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
وأن أبي بنَ كعبٍ وعبدَ الله بن مسعود كانا يقرآن: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ "وأنَا كتبتُها عليك") .
وأن عبد الله بنَ مسعودٍ كان يقرأ: (بل يداه بسلطان) ، وأن
سلمان كان يُسألُ عن هذه الآية: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا)
فقال لسائله: دع القسيسين في الصوامع والحِرَب، أقْرَأنِيها
رسول الله ﷺ ِ ذلك بأن منهم صديقين رُهبانا.
وإن ابنَ مسعودٍ كان يقرأ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعات) ، وأنّ عثمانَ
كتبَ في مُصحفه: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ "صحيحةٍ وصالحة" غَصْبًا) .
وأن أنس بنَ مالكٍ كانَ يقرأ: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا "وَصمتَاً") .
وأن عمرَ بن الخطاب كان يَقْرأ: (وإن كان مكرهم لِتزولَ منهم "الجياد") ، وأن عليَّا كانَ يقرأ: (وإذا أردنا أن نُهلك قريةً "بعثنا أكابرَ مجرِميها" فمكروا فيها فحق عليهم القول) .
وأن ابن عباسٍ كان يقرأ: (حتى تُسلّموا على أهلها "وتستأذنوا") .
وأن ابنَ مسعودٍ كانَ يقرأ: (فعلتُها إذاً وأنا من الجاهلين) ، وأنه كان يقرأ: "أنا أنظرُ في كتابِ ربي ثمَّ آتيك بهِ قبلَ أنْ يرتد إليكَ طرفُكَ"،
стр. 373
وأن ابنَ عباس كان يقرأ: (بَلى أدرك علمُهم) ، وأنّ أبن بن كعبٍ قرأها: (أمْ أدرَك علمهم في الآخرة) ، على الاستفهام، وأنّ ابنَ جُبيرٍ كانَ يقرأ: (والصوفِ المنفوشِ) ، وأنّ عليًّا كان يقرأ: (والعصر ونوائب الدهر لقد خلقنا الإنسان في خسر وأنَّ فيه إلى آخر الدهر) .
وأن أسماء بنتَ أبي بكرٍ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ ِ يقول: (ويل أمكم قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف) .
وأن ابن عباس قرأ: (إذا فتح الله النصرَ) ، إلى أمثال هذا مما يكثرُ ويطولُ تعداده.
وقد قلنا من قبلُ إن هذهِ أخبارُ آحادٍ غيرُ مقطوع عليها ولا موثوقِ
بصحتها، وإننا لا نجؤز أن نُثبت قراَناً بطريقٍ لا يوجبُ العلمَ ولا يَقطعُ
العذر، وإنّ الشهادةَ على أدنى المؤمنينَ منزَلة بمثلِ ذلك، وأنهُ قد زادَ في
كتابِ اللهِ تعالى ما ليسَ منهُ أو نقَصَ شيءٌ منهُ غيرُ مقبولة، فلا يجبُ الاعتدادُ
بمثلِ هذهِ القراءاتِ على وجه.
وقلنا أيضاً: إننا نعلمُ إجماعَ الأمةِ وسائرَ من رُويت عنهم هذه الرواياتُ
من طريقٍ يوجب العلمَ تسليمَهم بمصحف عثمانَ والرضا به والإقرارَ بصحة
ما فيه، وأنه هو الذي أنزلهُ اللهُ على ما أنزلهُ ورتّبه، فيجبُ إن صحت هذه
القراءات عنهم أن يكونوا بأسرِهم قد رَجعوا عنها وأذعنوا بصحة مصحف
عثمان، فلا أقل من أن تكونَ الرواية لرجوعهم إلى مصحفِ عثمانَ أشهر من
جميعِ هذه الرواياتِ عنهم، فلا يجب الإحفال بها مع معارضة ما هو أقوى
وأثبتُ منها.
وقلنا أيضا: إنّه لا يجوزُ للشيعةِ التعلقُ بالنقصانِ من كتاب الله تعالى أو
الزيادةِ فيه بهذه الأخبار، لأنّها عندهم أخبارُ قوم كَذَبة ضُلالٍ كُفّار، لا يؤمَن عليهم وضعُ الكذبَ والزيادةَ والنقصانَ في كتابِ الله، هذا لو تواتر الخبرُ عنهم بهذه القراءات، فكيف وهي في أدْوَن طبقاتِ أخبارِ الآحاد ِ الواهيةِ الضعيفة،
стр. 374
ومما يجبُ أن يُعتمدَ أيضاً عليهِ في إبطالِ كونِ هذه القراءاتِ كلها من كتابِ
الله الواجبِ قراءتُه ورسمُه بين الدفتين، إجماعُ المسلمينَ اليومَ وقبلَ اليوم
وبعدَ موتِ من رُويت هذه القراءاتُ عنه على أنها ليست من كلامِ الله الذي
يجب رسمُه بين اللوحين، والإجماعُ قاضٍ على الخلافِ المتقدم وقاطع
لحُكمِه، ومحرم للقولِ به لما قد بيَّنَّاه في كتابِ الإجماع من كتاب "أصولِ
الفقه"، بما يغني الناظرَ فيه، فوجب بذلك إبطالُ جميعِ هذه القراءات.
وقد يُحتملُ أن يكونَ جميعَ هذه القراءاتِ قد كانت منزَلةً على ما رويت
عن هذه الجماعة ثم نُسخت الزيادةُ على ما في مصحفنا والنقصانُ منه وإبدالُ
الحرفِ بغيره، والكلمةِ بغيرها، ونُهي القومُ عن إثباتها وتلاوتها، فظن كلُ
من كان لُقن شيئا منها أنه باقيَ الرسمِ غيرَ منسوخٍ وعلمَ ذلكَ عثمانُ والجماعةُ ونهوهم عنه، ثم علم أصحابُ هذه القراءاتِ صحة ما دعاهم إليه عثمانُ من إزالة هذه القراءات ونسخِها، وأن الحجة لم تقم بها، ولم يتيقن من وجه يوجبُ العلمَ أن رسول الله ﷺ قرأ بها فرجعوا عند التأملِ والتنبيهِ إلى قولهِ وأذعنوا بصحة مصحفه.
ويحتملُ أن يكون جميعَ ما سُمع منهم أو أكثرَه أو وجد مُثبَتا في مصحفٍ
لهم إنما قرأوه وأثبتوه على وجه التفسيرِ والتذكير لهم أو الإخبار لمن يسمعُ
القراءة بأن هذا هو المراد بها، نحو قوله: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) ، (وهي
صلاةُ العصر) ، وقوله: (فإن فَاءوا "فيهن") وأمثالُ ذلك فقدر من سمعَهم
يقولون ذلك أو رآه مثبتا في مصحفهم، أنهم إنما قالوه وأثبتوه على أنه قرآن
منزل، ولم يكن الأمرُ عندهم كذلك ولا قصدوا لكَتبه بمصاحفهم وجعلها
إماما ومدرسةً للناس، وكانوا لا يثبتون فيها إلا ما ثبت أنه قرآن، دون غيره.
стр. 375
وإذا احتملَ أمرُ هذه القراءاتِ جميعَ هذه الوجوهِ كان القطعُ على أنها
من كلامِ الله تعالى الذي يجبُ إثباته وقراءته جهلاً وتفريطا ممن صار إليهِ ولا
سيما مع العلمِ بحصولِ إجماعِ الأمةِ على مصحف عثمانَ رضوان الله عليه.
وإذا كان ذلكَ كذلكَ بأنَ بهذه الجملةِ سقوطُ كل ما يتعلقون به من هذه
الرواياتِ وأن العملَ في هذا البابِ على ما نقله المسلمون، خلَفٌ عن سلَف
على وجه تقومُ به الحجة، وينقطعُ العذرُ عن عثمانَ والجماعةِ وأن عليا
وغيرهُ من الصحابةِ كانوا لا يقرؤون إلا هذه القراءة ولا يرجعون إلا إليها.
ولا يُحكَمون غيرَ هذا المصحف فيما نزلَ بهم، وبالله التوفيق..
стр. 376
(باب)
ما رُوِيَ من الآيِ المنسوخةِ ووجهُ القولِ فيها
وأما تعلقهُم بما ذكروا من الآي المنسوخةِ من نحو قوله:
"إنا أنزلنا المالَ لإقامةِ الصلاةِ وإيتاء الزكاةِ، ولو أن لابنِ آدم واديا
لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان الثاني لأحب أن يكونَ إليهما الثالث.
ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا الترابُ، ويتوبُ اللهُ على من تاب ".
وما قيل
стр. 377
في روايةٍ اخرى: "لو أن لابن آدم واديان من ذهب وفضةٍ لابتغى إليهما
ثالثا، ولا يملأ بطنَ ابنِ - آدم إلا التراب، ويتوبُ الله على من تابَ ".
وما روي في رواية أخرى: "لو أن لابنِ آدمَ واديا مالاً لأحبَّ أن يكونَ إليه مثلُه،ولا يملاُّ* جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ويتوبُ اللهُ على من تاب ".
وما رُوي أنه كانَ في مصحفِ عائشةَ رضوان الله عليها: "إن الله
- وملائكتهُ يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، وعلى الذين يصُلَّون الصفوف الأولى".
وما رُوي عن عمر بن الخطابِ وقوله: "كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم
فإنه كُفر"، ثم قال لزيدِ بن ثابتٍ أكذلكَ يا زيد، قال: نعم، وإنه قال - أعني عمر - لعبد الرحمن بنِ عوف: ألم تجد فيما أنزلَ علينا أن جاهدوا كما
جاهدتم أولَ مرًةٍ فإنا لا نجدها،، فقال عبدُ الرحمن: أُسقطت فيما أُسقط
من القرآن "، وما روى من آية الرجمِ والشيخُ والشيخةُ فقد مضى عنه أجوبة.
وجملةُ القولِ في ذلكَ أن جميعَ هذه الرواياتِ أخبارُ آحادٍ لا سبيلَ إلى
صحتها والعلم بثبوتها، ولا يخيلُ لنا أن ننسبَ إلى أحدٍ من الصحابة ومَن
دونهم إثباتُ قرآنٍ زائد على ما في أيدينا، أو نقصاناً منه بمثلها، ولا نضيفُ
стр. 378
إليهم مِن ذلكَ أمراً غيرَ معلومٍ ولا متيفَن، مع أن نظمَ ما روى من قوله: لو
أن لابنِ آدم، نظم خفيف يُباينُ وزنَ القرآنِ ويفارقه، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ
سَقَطَ التعلُّق بهذهِ الأخبارِ واقتضى ما فيها أنها لو صحت لوجبَ القطعُ على
أنه قرآنْ كان أنزلَ ونسخَ رسمه وأسقط، وحُظر علينا إثباته بين الدفتين
وتلاوته على أنه قرآن ثابت.
وكذلكَ سبيلُ ما رُوي عن عائشةَ من قولها: "كان مما أنزَل الله تعالى
عشرُ رضعات معلوماتٍ يُحرمنَ ثم نُسخن بخمسِ رضعات ".
ولعل قولها ثم نُسخن من كلامها، والصحيح في هذا أنه ليس شيء من هذه الروايات مستقراَ متيقَنا معلوماً صحته، فلا يجبُ الإحفال بها.
وكذلك ما رُوي عن ابن عمر في قوله: "لا يقولُ أحدكُم أخذتُ القرآن
كله وما يُدريه ما كله، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل أخذتُ ما ظهر
منه "، وما ذُكر في سورةِ الأحزاب وغيرها مما قدمنا ذكرَه، وقد كان القومُ
يعلمون ويعلمُ أكثرُهم أن ما صحَّ من هذه الكلمات والقراءات التي ليست
في مصحف عثمان مرفوعةٌ منسوخةْ فربما عبروا عنها بالنسخ، وربما قالوا
سقطت، وقد رُوي: "أن عثمانَ بن عفان رضوانُ الله عليه مر برجلٍ يقرأ في
المصحف: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) "وهو أبوهم" فقالَ عمر: لا تفارقني حتى يأتي أبي بن كعب، فأتى أبي بن كعب فقال عمر: يا أبي، ألا تسمعُ هذا كيف يقرأ هذه الآية، فقال أبي: كانت فيما أسقط.
وقد عُلم أنه لا يجوز أن يذكرَ عمرُ وأبي وعائشة، وهذه الجماعةُ
وأمثالُهم في الفضل والسابقة قرآنا كانوا يعلمون أنه كان أنزلَ النبي صلى الله
عليه وأنه لم يُنسخ وترتفع تلاوته ولا أزيل رسمُه، فيتركوا قراءته وإثباته في
стр. 379
المصحف، وأخذ الناس بحفظه، ويعتذرونَ في ذلك بأنه مما أسقط.
ويعنون بذلك أنه أسقطه الناسُ من المصحف، وتركوا حفظِه وإثباتَه، لأنه لو
كان مثلُ هذا عذراَ في ترك حفظه وإثباته لكان لو أسقطَ الناسُ جميع القرآنِ
على هذا المعنى أو ثلثيهِ ونصفهِ على اعتماد إسقاطه والذهاب عن حفظهِ
وضبطه، أن يجب على من كان لُقنه وعرفه وحفظه أن يترُك قراءته وإثباته
ورسمه لأجل أن غيره من الناس عصى الله وأسقطه، وهذا جهلٌ لا يظنه
بالصحابة إلا غبيٌّ مغرور، فإن حالَ أدوَن المؤمنينَ منزلةً يرتفعُ عن هذه
الرتبة، فكيف بالصحابة في فضلهم وجلالة قدرهم وشدة تدينهم، وما
وصفهم الله تعالى به من أنهم خيرُ أمةٍ أُخرجت للناس، وأنهم يأمرون
بالمعروف وينهونَ عن المنكر، إلى غير ذلك مما وصفهم به، فبانَ بما
وصفناه أنه لا تعلق لهم في شيءٍ مما حكيناه من كل وَجْدٍ وطريق.
قال أبو عبيدِ عقِيب القراءاتِ الشاذة التي قدَّمنا ذكرَها، وهذه الآيات
التي ذُكرَ أنها كانت مما أنزل ثم رُفع وأسقط، وقد ذَكر في بابين شيئا كثيراً
قد ذكرنا بعضه، فقال أبو عبيد: " هذه الحروفُ التي ذكرناها في هذين
البابينِ الزوائد لم يَروْها العلماء، واحتملوها على أنها مِثلُ الذي بين
اللوحين من القرآن، ولا أنهم كانوا يقرؤون بها في صلاة، ولم يجعلوا من
جَحدها كافراً بما يقرأ في الصلاة، ويُحكم بالكفر على الجاحد لهذا الذي
بين اللوحين، وهو مما يثبتُ في القرآن الذي نسخه عثمانُ بإجماعٍ من
المهاجرينَ والأنصار وإسقاطُ ما سواه، ثمَّ أطبقت عليه الأمة فلم يُختلف في
شيءٍ منه، يعرفُه جاهلُهم كما يعرفُه عالمُهم، وتوارثه القرونُ بعضُها عن
بعض، ويتعلمهُ الولدان في المكتب، وكانت هذه إحدى مناقب عثمان
стр. 380
العظام، ثم مرّ في ذكرِ أخبارِ ورواياتِ عن الأماثلِ في تفضيل عثمانَ في هذا
الباب إلى أن قال: "فالذي ألفه عثمانُ هو الذي بين ظهراني المسلمينَ
اليوم، وهو الذي يُحكمُ على من أنكر منه شيئا بما يُحكم على المرتدّ من
الاستتابة فإن أبى فالقتل ".
فأمّا ما جاءَ من هذهِ الحروفِ التي لم يؤخذ علمها إلا بالإسنادِ والرواياتِ
التي يعرفُها الخاصةُ من العلماء دونَ عَوام الناس، فإنما أرادَ أهلُ العلم منها.
أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين، ويكونُ دلائلُ على معرفةِ
معانيهِ وعلمِ وجوهه، قال: "وكذلك قراءةُ حفصةَ وعائشة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) (صلاة العصر) .
وكقراءةِ ابنِ مسعودٍ: "والسارقونَ والسارقاتُ فاقطعوا أبدانهم"، ومثلُ قراءةِ أُبي بن كعب: (فإن فاءوا "فيهن") ، وكقراءة سعد: (فإن كان له أخ أو أخت "من أمه") ، وكما قرأ ابنُ عباس: (لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم "في مواسم الحج") .
وكذلك قراءةُ جابر: (فإن الله من بعد إكراهِهِنّ "لهُنّ" لغفور رحيم) ، فهذه
الحروفُ وأشباهٌ لها كثير قد صارت مفسرةً للقرآن، وقد كانوا يَرْوونَ مثل
هذا عن بعض التابعينَ يعني بذلك استجازة كتابة التفسير مع الآية، ثم هل في
كلامٍ هذا معناه من تضعيفِ هذه الروايات تارة، وأنها ليست توجبُ علماً، بأن ما رُوي قرآن منزل يجبُ إكفارُ من جَحدَةُ واستتابتهُ وإلا قُتل كالمرتد، ويكونُ بمثابةِ ما يعلمُ أنه قرآن، مما ثبت بين اللوحين، ومن أن العلماءَ إنما احتملوه إن صح عندهم على وجهِ التفسيرِ بهِ لمعاني القرآن، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ ثبتَ أنّ أبا عبيدِ يعتقدُ في هذه الأخبارِ ما يُعتقدُ من أنّ الحجَّة لم تقم بها، وأن معناها إن صحَّت بعض ما ذكرناه، وهذا رأيُ جميعِ أصحابِ الحديث وفِرق المسلمين الرواة لهذهِ الأخبارِ من مخالفي من يَدّعي الزيادة - فيه والنقصان منه.
стр. 381
ولو سُئل كلّ واحد منهم عما يرويه من هذه الحروف، لقالَ فيها وفي
معتقِدِ إثباتها: والقطعُ على أنّها قرآنٌ أكثرُ وأغلظُ مما قالَ أبو عبيد، هذا
معلومٌ من حال جميعهم، وإذا كان ذلكَ كذلك لم يكن في قولِ المخالفِ لنا
أنّنا إنما ندل برواياتِ هذه الآثار عن رواتكم لإقامةِ الحجةِ بها عليكم، لأنّ
هؤلاءِ الأئمةَ عندهم في هذه الروايات ما ذكرناه مما يُبقي اعتقادُ القطع على
صحتها، ويوجبُ أنّ الصحيح غيرُها، لأنّهم قد قالوا صريحاَ: إنَّ الذي
أجمع عليه المسلمونَ هو الذي بين اللوحين، وهو الذي يُحكم على جاحدِ
شيءٍ بحكم المرتدين، وقالوا أيضاً: إنَّ ما أجمع عليه المسلمون هو الحق
والصواب، وأنّ ما عداه مطرح مرذول لأنّنا نعلمُ ضرورةً من مذاهبهم اعتقادُ صحة الإجماع، واطراحَ ما عداه، فكيفَ تكونُ رواياتُهم لأخبارٍ يعتقدون هذا فيها حجةً عليهم لولا الغباوةُ والجهل، ولو كانوا قاطعين على أن هذه الحروف والكلمات قرآن لم يُعبأ بهم عند المخالف، لأنّهم عند المخالف قوم حشو طِغام، وعلى النّصب ومخالفة الرسول والإمام المعصوم، ولا معتَبر بقول من هذا دينُه ومذهبُه، وإذا كان ذلك كذلك سقطَ ما يتعلقون بهِ من الاحتجاجِ بروايةِ مخالفِيهم من أهل الحديث سقوطاً بيّناً.
ثم يقال لهم: إذا لم تكن هذه الأخبارُ مما قد بلغت حدّ التواتر، ولا
مما يَلزَم قلوبَنا العلمُ بصحتها، وكان راويها عندكُم ممن يصحُ عليهمُ الغلطُ
والإغفالُ ووضعُ الكذب فما الذي يدلُ على صحة هذه الإخبارِ وصدق
رُواتها، فلا يجدون في ذلك متعلّقاً.
فإن قالوا: لو جازَ أن يكونوا قد غلَطوا وتكذبوا في هذه الأخبار لجاز
أن يكون جميعُ ما رُوي من الأخبار التي أجمع عليها المسلمونَ من إعلامِ
الرسولِ وغيرها تكذُّبا.
стр. 382
قيل لهم: ولم قُلتم إنه إن جاز عليهم الغلط، والاعتمادُ في هذه الأخبار
جاز ذلك فيما أطبق عليه المسلمون من الإعلام وغيرها من الأخبار، فلا
يجدون في ذلك متعلقا.
ثم يقالُ لهم: إذا كانت هذه الأخبارُ أخبار آحاد لم تبلغ حدّ التواتر.
ولم يدلّ عقل ولا سمع ولا شهادة من سائر الأمة على صحتها، ولا ادعي
سماعُها من الرسول صلى الله عليه، وحضور إلقائها على جماعة يستحيل في
العادة عليهم الإمساكُ عن إنكار كذبِ من يدّعي عليهم، ويضاف إلى
مشاهدتهم وسماعهم، ولا غير ذلك من وجوهِ الأدلة لم يجب القولُ
بصحتها، وليس هذه سبيلُ الإخبار التي يروونها الأمةُ قاطبةً ويعرِفها الخاصةُ
والعامة، وسبيلُ ما دل على صحته بعضُ هذه الأدلة، فجمعُهم بينَ الأمرين
دعوى لا برهان عليها ولا معها.
ثم يقالُ لهم: فقد روى هؤلاء القوم من أهل الأحاديث كأبي عبيدٍ
وغيره ممن ذكر هذه القراءات من طريقٍ هي أسلمُ من الطرق التي ذكروها.
وعن قوم هم أثبتُ ممن رُوي عنه هذه القراءات، وبإسنادٍ هو أظهرُ وأشهرُ
من أخبار الرؤية والشفاعة، ووقوع الطلاق في الحيض، وتحريم المتعةِ بعد
إطلاقها، والمسحِ على الخفين وإيجاب غسل الرجلَين، وأن النبى صلى الله
عليه لا يورث، وأن ما ترَكه صدقة، وأنه شهد للعشرة بالجنة، قال صلى الله عليه: "اقتدوا بالذين من بعدي أي أبي بكر وعمَر".
وأنهما من الدين
стр. 383
بمنزلة السمع والبصر من الرأس "، و "أنهما سيدا كُهول أهلِ الجنة".
و"أنهما وزيراه من أهل الأرض "، وأنَّه "لا ينبغي لقومٍ فيهم أبو بكر أن
يتقدمَهم غيره"، وأن "لو كان بعده نبى لكان عمَر"، ولأن أبا بكرٍ خيرُ
الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسَلين ممن مَضى في سالفِ الدهر ومَن في
غابره"، ورووا في كل واحد ممن تكفرون أنتم وتشهدون عليه بالضلال
والكفر من الفضائلِ والمناقبِ أمراً عظيما كثيراً، وقالوا كلهم: هذه الفضائلُ
أظهرُ وأشهرُ عندَهم مِن نقل هذه الأحرف الشواذ، فيجبُ لذلك أن يوثقهم
ويصدقوهم فيما رووه من هذا أجمع.
ومتى قلتم إنهم قد كذبوا أو غلطوا ووهموا في جميع ما رووهُ من هذهِ
الأخبارِ وجب على اعتلالكم أن لا تأمنوا أن تكون جميعُ الأخبارِ التي أطبق
عليها المسلمون من إعلام الرسل وغيرها كذباً وزوراً، وأن لا تثقوا بصحة
خبرٍ ألبتَّة، وهذا ما لا فصل لهم فيه، وقد بينا فيما سلف وسنبين في باب
الكلام في جمع عثمانَ المصحفَ وأخذهم بالقراءات الثابتة أنه لا يسوغُ
إطلاقُ ما روي من روايات الآحاد، ومن وجه لا يوجبُ العلم بما يقطعُ على
стр. 384
أنه قرآن، وخلطِ المعلومِ المتيقّنِ من ذلك بالمجهول، وأنّه أَجلبُ الأمور
لإدخال اللّبس والشكوكِ في المصحف، وأن يثبت كلّ أحد فيه ما يريد
ويوقن مما ورد هذا المورد من القرآن والقراءات، وأن يدّعي أنه أثبت من
الحمدِ والبقرةِ وآل عمرانَ وذلك من الفساد والتخليلط ما لا خفاء به.
وسنوضحُ أيضاً فيما بعدُ أنه لا يجوز إثبات شيءٍ من هذه القراءات في
المصحف على حكم الظاهر، والعملُ بخبر الواحد دُون القطع على أنه قرآن، وأن ذلك من أدعى الأمور إلى خلط الصحيحِ بالفاسد والسليم بالسقيم.
وفتح دعاوى الملحدين بأنَّ كلَ ما بين الدفّتين ثابت على طريقة. واحدة، وأنّه معلوم، أو أن يدّعوا أنه كلّه غيرُ متيقّنٍ ولا معلوم، أو أن يقولوا: ما نعرفُ ما قامت الحجةُ به مما لم يَقُم ولا المعلومُ منه ولا المجهول، وأنّ ما أدى
إلى ذلك وسهّل سبيله وجبَ منعه والحظر له ونكشفُ ذلك يما يوضحُ الحقّ
إن شاء الله.
стр. 385
(فصل)
ومما يدلُ عملى أنه جميع هذه القراءات، والقرآن الذي يُدّعى إنزالهُ
والكلمات الزائدة ليست بمثابة القرآن المتيقن المعلوم، إجماعُ الأمةِ على أن
من جحد الحمدَ والبقرةَ أو بعض القرآن، وقال: إنها ليست بقرآن، أو قال: لستُ أدري أنها قرآن أم لا، وجبَ إكفارهُ والحكمُ بردّته وخروجه عن جملة المسلمين، ولا سيّما إذا كان ممن ينسبُ إلى العلم وحفظ القرآن وسماع
النقل والأخبار، وأن من جحد قوله: (وهي العصرُ) ، (والسارقُ والسرقةُ
فاقطعوا (أبدانهم)) ، (ويأخذُ كل سفينة (صحيحةٍ) غصبا) ، (وأن تبتغوا فضلاً من ربكم في (مواسم الحج)) ، (والشيخُ والشيخةُ، ولو أن لابن آدم وادٍ من ذهب) ، (ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كُفْر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) ، وأنكر أن يكون ذلك قرآناً، وقال: إني لستُ أدري أقرآن هو أم لا،، وقال: أقرأهُ كما رُوي على الظاهر دون القطع عليه، لم يكفُر بذلك ولم يكن خارجاً عن جملة المسلمين باتفاق، فوجب لذلك جهلُ من اعتقد أنّ هذه الشواذّ جارية في ظهورها وثبوتها وحصولِ العلم بها، مجرى الحمدِ والنمل والكهف، وبعض سور القرآن، وثبت بذلك افتراقُ الأمر فيهما.
فإن قالوا: ولو لم تكن هذه الكلماتُ والأحرفُ الزائدةُ قرآنا، ولا من
سبيل يوجبُ أن يكون من أدخلهما في القرآن واعتقد أنها منه كافراً، وبمثابة
من أدخل (قِفا نبك) ، (وألا هُبّي) ، (وودعّ عُميرةَ) في القرآن واعتقد أنّها
منها، فلما لم يكن ذلك كذلك، وجب أن تكون هذه الكلماتُ من القرآن.
стр. 386
يقال لهم: لا يجبُ بما قلتم، لأن هذه الأمورُ وإن لم نقطع ونعلمْ أنها
قرآن من عندِ الله، وكان الدليلُ قد قام على أنها ليست من القرآن، فإنه قد
روي روايات الآحاد أنَّها قرآن منزل، وقال بعضهم: قد نُسخ ذلك.
وقال آخرون: بل هو ثابت فصارت هذه الرواياتُ شُبهةً لمن ظن أنها قرآن إذا خَفي عليه الدليل، على أنه لا يجوزُ إثباتها وإلحاقُها بالثابت المعلوم، وصار
ذلك على ضربٍ من التأويل الذي قد غُلط فيه، وإن لم يقصِد الجهلَ والغباءَ
فلم يجب إكفاره، ومن قال ذلك في شعر امرئ القيس، وبعض كلام الله
فلا تأويلَ ولا شبهة، فوجب إكفارهُ وافترقت الحال في ذلك.
فإن قالوا: فكذلك لا يحبُ إكفارُ من جحدَ أن تكون الكلماتُ الزائدةُ
من القرآن، وأنكرَ ذلك، وأن يكون بمثابة من جحدَ الحمدَ وثبتْ المتفق
بغيرٍ خلاف على أنها قرآن، لأن هذه الكلماتُ الزائدةَ لم تتفق الأمةُ على أنّها
قرآن منزل ولا تواترَ الخبرُ بكونها قرآنا، ولا قامت بذلكَ حجة، وإن رويت
الأخبارُ الكثيرةُ في أنها قرآن، وليس كذلكَ سبيلُ الحمد وثبت بحصول
الإجماع والتواتر على أنهما قرآن، وزوالُ الريبَ والشكوك في ذَلك.
يقال لهم: فقد صرتمُ لنا إلى ما أردناكم عليه، وأخبِرنا بصحته من
أقرب الطرُق، لأنكم لمّا طالبتمونا بجعلِ هذه الكلمات من القرآن لموضعِ
هذه الروايات، قلنا لكم: لا يجبُ ذلك لأنّه لها اتفاق من الأمة حصل على
أنها من القرآن ولا تواترَ الخبرُ بذلك ولا عُلم ضرورةً من دينِ الرسول.
وليس كذلك سبيلُ الحمد وآلِ عمران، وإنما هي روايات جاءت مجيء
الآحاد التي لا توجبُ علماً، ولا تقطعُ عذراً في إثباتها، وأنَّه لا يجبُ إثباتُ
ما هذه سبيله، فقلتم في جواب ذلك: إن ساغت لكُم هذه الدعوى في هذا
القرآن ساغ مثلُها في دعوى ظهور الرسل والإعلامِ من جميع ما رُوي من
стр. 387
الأحكام، وأجبنا عن ذلك بما قطعَ شغَبكُم، وأنتم الآن قد التجأتُم عندَ حيزِ
النظر وتحقيق الأمرِ إلى الاعتراف والإذعان بأن حال الروايات الواردة بهذه
الأحرف الشواذ والكلمات الزائدة في أنها غيرُ مقطوعٍ على صحتها، ولا مما
ظهر أمرُها واتُفق عليها، فوجب الاعترافُ بأنها قرآنٌ منزلٌ حال الرواية
بسورة ألهاكم، والعصر، وهكذا يفعلُ الله سبحانهُ بمن حاول الطعن في
الدين والقَدح في أئمةِ المسلمين وإيقاعَ الشكوك واللبس في التنزيل.
دليلٌ لهم آخر: وقد استدلّ قومٌ منهم على تغيير الأمة للقرآن، وفساد
نظمه وتحريفه والنقصان منه والزيادة فيه بما رُوي عن النبى صلى الله عليه أنهُ
قال: "لَتسلُكُن سنَنَ الذين من قبلكم حَذوَ النعلِ بالنعل، والقُذة بالقُذة حتى
إن أحدهُم لو دخل جُحر ضبٍ لدخلتمُوه، قيل يا رسولَ الله: اليهودُ والنصارى، قال: فمن إذن، ".
قالوا: وقد صح أن اليهود غيرت كتاب الله وحرفتهُ ونقصت منه أشياء كانت فيه، وزادت فيه أشياء ليست منه، وأن النصارى
أيضا حرَّفت الإنجيل وغيرته وأفسدته، بخلط ما ليس منه وإسقاط ما هو
منه، وقد خبره الله تعالى بذلك من أمرهم، فقال تعالى: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) .
وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .
وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) .
стр. 388
فنصُ هذه الآي على تغيير أهل الكتاب لكتابهم وزيادتِهم فيه ونقصانِهم منه، وإذا ثبت ذلك وصح أن الرسول قد ختر عن سلوك هذه الأمة لسنَنَهم في جميع ما كانوا عليه، وجب القطعُ على أن فيهم من غيّر الكتاب، وأحال نظمَه وقصدَ إيقاعَ التخليط والإلباس فيه، وساوى في ذلكَ مَن سبقه من أهل الكتابين.
يقال لهم: لا تعلق لكم فيما ذكرتُم من وجوه:
أولُها: أنكم قد علمتم على القطع بأن الأمة قد غيّرت القرآنَ وبدّلته
ونقصت منهُ من جهة هذا الخبر، وهذا عجز منكم وتقصيرٌ بيّن، لأجل أن
هذا الخبر من أخبار الآحاد التي لم نعلم صحّتها ضرورةً ولا استدلالاً، ولا
هوَ مما تلقته الأمةُ بالقَبول، ولا دل عليه بعضُ الأدلة الذالة على صحة
الأخبار، وإذا كان ذلك كذلك، لم يجُز أن نَتيقَّنَ ونقطع على أن الأمة أو
بعضها قد غيّرت القرآن وحرفته من جهة خبر لا سبيل إلى العلم بصحته.
لأننا إذا لم نعلم صحته كنّا عن العلمِ بتضمنه أبعدَ وهذا مما لا خلاف فيه.
أعني أنّه لا يجوزُ إثباتُ أصلٍ يُقطع به على الله تعالى بخبرٍ لا يُعلمُ بثبوته.
ولا نقطعُ بصحته، وإذا كان ذلك كذلك سقط تعلقكم بهذه الرواية سقوطا
ظاهراً.
فإن قالوا: هذا الخبرُ من أخبار التواتر، بُهتوا وكابروا وسقطت مؤونةُ
كلامهم، وادُّعيَ في كل خبر ينكرونهُ ويجحدونهُ أو يقفون في صحته أنّه خبرُ
تواتر، ولا سبيل إلى دفع ذلك.
وإن قالوا: قد قام الدليلُ على صحة هذا الخبرِ وإن قصَر عن حدّ التواتر؟
قيل لهم: وما ذلك الدليل، فلا يجدون إلى ذكر شيءٍ سبيلا، ثم يُقالُ لهم:
أنتم تجحدونَ خبرَ الرؤية والشفاعة، أو كثيرٌ منكم، وتجحدونَ
стр. 389
فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، وغيرهم ممن تتبّرءون منه من الصحابة، وتكذّبون ما رُوي من قول النبيّ صلى الله عليه لمعاذ: "بِمَ تحكم، إلى قوله أجتهدُ رأيي وأحكم "، وقوله صلى الله عليه عقِب ذلك: "الحمدُ لله الذي وفّقَ رسول رسول الله ".
وقوله: "إذا اجتهد الحاكمُ فأصاب فلهُ أجران، وإذا اجتهد
فأخطأ فلهُ أجر".
وقوله لعمرو بن العاص: "اجتهد، فقال: أجتهد وأنت حاضرٌ، قال: نعم ".
وما رُوي من غسل الرجلَين، والمسح على الخفّين
وأمر الرسول بذلك، وأن يكون النبي ﷺ قد سها وقال لذي اليَدين عند قوله: "يا رسولَ الله أقُصرت الصلاةُ أم نَسيت، قال: كلّ ذلك لم يكن، وقوله: "إنما أنا بشرٌ مثلُكم أنسى لأسُنّ ".
وغير هذا من الأخبار الظاهرة المشهورة عند الثّبت الثقات مع إطباق سلف الأمَّة وجميع الفقهاء، ومن خالفكم من المتكلمينَ في سائرِ الأعصارِ عليها، واعتقادُهم لثبوتها، فكيف يسوغُ لكم التعلقُ في هذا الأصل العظيم بمثل هذا الخبر الذي لا يجري مجرى ما أنكرتموه، ولا يقاربهُ ولا يدانيهِ في الصحة والثبوت، ولولا القحةُ وقلة الدين لم تقولوها في مثل هذه الأخبار الثابتة المعلومةِ هذهِ من أخبارِ المروانية وشيعة معاوية ووضعِ ( ... ) والحنابلة، وتدّعون في مثل خبركم الذَي تعلقتم به أنّه من الأخبار الثابتة التي يجبُ أن يُقطعَ من جهته
стр. 390
على تحريف كثيرِ من الأمة للقرآن وتغييره، نعوذُ بالله من الجهل والعناد
وقصد التمويه والإلباس.
ثم يقالُ لهم: لو سلمنا لكم صحة هذا الخبر ووجوب القطع على ثبوته
لم يكن لكم فيه متعلّق من وجوه:
أحدها: أنه لو قال صلى الله عليه: "لَتَسلُكُن سنَنَ الذين من قبلِكم حَذوَ
النعلِ بالنعل، والقُذة بالقُذة إلا في تَغيير القرآن، وإفساد الدين، وعبادة
العجل والمسيح، وكذا وكذا" لصح ذلك وجاز، ووجب أن يُعتقدَ عمومُ
سلوكِهم لسنَنَهم إلا فيما استثناه، وإذا كان ذلك كذلك، وكان قد ورد عنه ما هو قائم مقام هذا الاستثناءِ وأبلغَ منه وجب الحكمُ بما قالهُ من ذلك، وقد وردَ عنه صلى الله عليه من الجهات المختلفة والطرق الواضحة المشهورة عن الثبت ورُوداَ متواتراً على المعنى، وإن اختلفَ اللفظ: "أن الأمة لا تجتمعُ
على ضلال ولا خطأ"، فوجب أن تكون ما شهدت بأنه حق أو باطل، فإنه
على ما شهدت به، فرُوي عنه صلى الله عليه أنه قال: "سألتُ الله تعالى أن
لا يجمع أمتى على ضلالِ فأعطانيها".
وأنه قال: "أمتي لا تُجمع على خطأ، ولا تزالُ طائفة من أمتي على الحق حتى يقاتلوا الدجال".
وفي خبرِ آخر: "حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك".
وفي خبرِ آخر: "على الحق لا يضرهم خِلافُ من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء"،
следующие страницы →