← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يقال لهم: لا يجبُ بما قلتم، لأن هذه الأمورُ وإن لم نقطع ونعلمْ أنها قرآن من عندِ الله، وكان الدليلُ قد قام على أنها ليست من القرآن، فإنه قد روي روايات الآحاد أنَّها قرآن منزل، وقال بعضهم: قد نُسخ ذلك. وقال آخرون: بل هو ثابت فصارت هذه الرواياتُ شُبهةً لمن ظن أنها قرآن إذا خَفي عليه الدليل، على أنه لا يجوزُ إثباتها وإلحاقُها بالثابت المعلوم، وصار ذلك على ضربٍ من التأويل الذي قد غُلط فيه، وإن لم يقصِد الجهلَ والغباءَ فلم يجب إكفاره، ومن قال ذلك في شعر امرئ القيس، وبعض كلام الله فلا تأويلَ ولا شبهة، فوجب إكفارهُ وافترقت الحال في ذلك. فإن قالوا: فكذلك لا يحبُ إكفارُ من جحدَ أن تكون الكلماتُ الزائدةُ من القرآن، وأنكرَ ذلك، وأن يكون بمثابة من جحدَ الحمدَ وثبتْ المتفق بغيرٍ خلاف على أنها قرآن، لأن هذه الكلماتُ الزائدةَ لم تتفق الأمةُ على أنّها قرآن منزل ولا تواترَ الخبرُ بكونها قرآنا، ولا قامت بذلكَ حجة، وإن رويت الأخبارُ الكثيرةُ في أنها قرآن، وليس كذلكَ سبيلُ الحمد وثبت بحصول الإجماع والتواتر على أنهما قرآن، وزوالُ الريبَ والشكوك في ذَلك. يقال لهم: فقد صرتمُ لنا إلى ما أردناكم عليه، وأخبِرنا بصحته من أقرب الطرُق، لأنكم لمّا طالبتمونا بجعلِ هذه الكلمات من القرآن لموضعِ هذه الروايات، قلنا لكم: لا يجبُ ذلك لأنّه لها اتفاق من الأمة حصل على أنها من القرآن ولا تواترَ الخبرُ بذلك ولا عُلم ضرورةً من دينِ الرسول. وليس كذلك سبيلُ الحمد وآلِ عمران، وإنما هي روايات جاءت مجيء الآحاد التي لا توجبُ علماً، ولا تقطعُ عذراً في إثباتها، وأنَّه لا يجبُ إثباتُ ما هذه سبيله، فقلتم في جواب ذلك: إن ساغت لكُم هذه الدعوى في هذا القرآن ساغ مثلُها في دعوى ظهور الرسل والإعلامِ من جميع ما رُوي من

стр. 387

الأحكام، وأجبنا عن ذلك بما قطعَ شغَبكُم، وأنتم الآن قد التجأتُم عندَ حيزِ النظر وتحقيق الأمرِ إلى الاعتراف والإذعان بأن حال الروايات الواردة بهذه الأحرف الشواذ والكلمات الزائدة في أنها غيرُ مقطوعٍ على صحتها، ولا مما ظهر أمرُها واتُفق عليها، فوجب الاعترافُ بأنها قرآنٌ منزلٌ حال الرواية بسورة ألهاكم، والعصر، وهكذا يفعلُ الله سبحانهُ بمن حاول الطعن في الدين والقَدح في أئمةِ المسلمين وإيقاعَ الشكوك واللبس في التنزيل. دليلٌ لهم آخر: وقد استدلّ قومٌ منهم على تغيير الأمة للقرآن، وفساد نظمه وتحريفه والنقصان منه والزيادة فيه بما رُوي عن النبى صلى الله عليه أنهُ قال: "لَتسلُكُن سنَنَ الذين من قبلكم حَذوَ النعلِ بالنعل، والقُذة بالقُذة حتى إن أحدهُم لو دخل جُحر ضبٍ لدخلتمُوه، قيل يا رسولَ الله: اليهودُ والنصارى، قال: فمن إذن، ". قالوا: وقد صح أن اليهود غيرت كتاب الله وحرفتهُ ونقصت منه أشياء كانت فيه، وزادت فيه أشياء ليست منه، وأن النصارى أيضا حرَّفت الإنجيل وغيرته وأفسدته، بخلط ما ليس منه وإسقاط ما هو منه، وقد خبره الله تعالى بذلك من أمرهم، فقال تعالى: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) . وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) . وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) .

стр. 388

فنصُ هذه الآي على تغيير أهل الكتاب لكتابهم وزيادتِهم فيه ونقصانِهم منه، وإذا ثبت ذلك وصح أن الرسول قد ختر عن سلوك هذه الأمة لسنَنَهم في جميع ما كانوا عليه، وجب القطعُ على أن فيهم من غيّر الكتاب، وأحال نظمَه وقصدَ إيقاعَ التخليط والإلباس فيه، وساوى في ذلكَ مَن سبقه من أهل الكتابين. يقال لهم: لا تعلق لكم فيما ذكرتُم من وجوه: أولُها: أنكم قد علمتم على القطع بأن الأمة قد غيّرت القرآنَ وبدّلته ونقصت منهُ من جهة هذا الخبر، وهذا عجز منكم وتقصيرٌ بيّن، لأجل أن هذا الخبر من أخبار الآحاد التي لم نعلم صحّتها ضرورةً ولا استدلالاً، ولا هوَ مما تلقته الأمةُ بالقَبول، ولا دل عليه بعضُ الأدلة الذالة على صحة الأخبار، وإذا كان ذلك كذلك، لم يجُز أن نَتيقَّنَ ونقطع على أن الأمة أو بعضها قد غيّرت القرآن وحرفته من جهة خبر لا سبيل إلى العلم بصحته. لأننا إذا لم نعلم صحته كنّا عن العلمِ بتضمنه أبعدَ وهذا مما لا خلاف فيه. أعني أنّه لا يجوزُ إثباتُ أصلٍ يُقطع به على الله تعالى بخبرٍ لا يُعلمُ بثبوته. ولا نقطعُ بصحته، وإذا كان ذلك كذلك سقط تعلقكم بهذه الرواية سقوطا ظاهراً. فإن قالوا: هذا الخبرُ من أخبار التواتر، بُهتوا وكابروا وسقطت مؤونةُ كلامهم، وادُّعيَ في كل خبر ينكرونهُ ويجحدونهُ أو يقفون في صحته أنّه خبرُ تواتر، ولا سبيل إلى دفع ذلك. وإن قالوا: قد قام الدليلُ على صحة هذا الخبرِ وإن قصَر عن حدّ التواتر؟ قيل لهم: وما ذلك الدليل، فلا يجدون إلى ذكر شيءٍ سبيلا، ثم يُقالُ لهم: أنتم تجحدونَ خبرَ الرؤية والشفاعة، أو كثيرٌ منكم، وتجحدونَ

стр. 389

فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، وغيرهم ممن تتبّرءون منه من الصحابة، وتكذّبون ما رُوي من قول النبيّ صلى الله عليه لمعاذ: "بِمَ تحكم، إلى قوله أجتهدُ رأيي وأحكم "، وقوله صلى الله عليه عقِب ذلك: "الحمدُ لله الذي وفّقَ رسول رسول الله ". وقوله: "إذا اجتهد الحاكمُ فأصاب فلهُ أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فلهُ أجر". وقوله لعمرو بن العاص: "اجتهد، فقال: أجتهد وأنت حاضرٌ، قال: نعم ". وما رُوي من غسل الرجلَين، والمسح على الخفّين وأمر الرسول بذلك، وأن يكون النبي ﷺ قد سها وقال لذي اليَدين عند قوله: "يا رسولَ الله أقُصرت الصلاةُ أم نَسيت، قال: كلّ ذلك لم يكن، وقوله: "إنما أنا بشرٌ مثلُكم أنسى لأسُنّ ". وغير هذا من الأخبار الظاهرة المشهورة عند الثّبت الثقات مع إطباق سلف الأمَّة وجميع الفقهاء، ومن خالفكم من المتكلمينَ في سائرِ الأعصارِ عليها، واعتقادُهم لثبوتها، فكيف يسوغُ لكم التعلقُ في هذا الأصل العظيم بمثل هذا الخبر الذي لا يجري مجرى ما أنكرتموه، ولا يقاربهُ ولا يدانيهِ في الصحة والثبوت، ولولا القحةُ وقلة الدين لم تقولوها في مثل هذه الأخبار الثابتة المعلومةِ هذهِ من أخبارِ المروانية وشيعة معاوية ووضعِ ( ... ) والحنابلة، وتدّعون في مثل خبركم الذَي تعلقتم به أنّه من الأخبار الثابتة التي يجبُ أن يُقطعَ من جهته

стр. 390

على تحريف كثيرِ من الأمة للقرآن وتغييره، نعوذُ بالله من الجهل والعناد وقصد التمويه والإلباس. ثم يقالُ لهم: لو سلمنا لكم صحة هذا الخبر ووجوب القطع على ثبوته لم يكن لكم فيه متعلّق من وجوه: أحدها: أنه لو قال صلى الله عليه: "لَتَسلُكُن سنَنَ الذين من قبلِكم حَذوَ النعلِ بالنعل، والقُذة بالقُذة إلا في تَغيير القرآن، وإفساد الدين، وعبادة العجل والمسيح، وكذا وكذا" لصح ذلك وجاز، ووجب أن يُعتقدَ عمومُ سلوكِهم لسنَنَهم إلا فيما استثناه، وإذا كان ذلك كذلك، وكان قد ورد عنه ما هو قائم مقام هذا الاستثناءِ وأبلغَ منه وجب الحكمُ بما قالهُ من ذلك، وقد وردَ عنه صلى الله عليه من الجهات المختلفة والطرق الواضحة المشهورة عن الثبت ورُوداَ متواتراً على المعنى، وإن اختلفَ اللفظ: "أن الأمة لا تجتمعُ على ضلال ولا خطأ"، فوجب أن تكون ما شهدت بأنه حق أو باطل، فإنه على ما شهدت به، فرُوي عنه صلى الله عليه أنه قال: "سألتُ الله تعالى أن لا يجمع أمتى على ضلالِ فأعطانيها". وأنه قال: "أمتي لا تُجمع على خطأ، ولا تزالُ طائفة من أمتي على الحق حتى يقاتلوا الدجال". وفي خبرِ آخر: "حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك". وفي خبرِ آخر: "على الحق لا يضرهم خِلافُ من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء"،

стр. 391

وأنه قال: "فمن سرَّه بحبوحة الجنة فليلزمِ الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد". وفي رواية أخرى: "فإن يد الله على الجماعة، لا يبالي الله شذوذ من شذ"، إلى نظائر هذه الأخبار التي يطول تتبعها، وقد ذكرناها وبينا صحَّتها وثبوتها وتسليم الأمّة لها وتواترها على المعنى وإن اختلفت ألفاظها. وأوضحنا فساد جميع ما يعترضون به عليها في كتاب الإجماع من كتاب "أصول الفقه الصغير" بما يغني متأمله والناظر فيه. وإذا كان ذلك كذلك وكنا قد بيّنا فيما سلف، وسنبيّنُ أيضا فيما يأتي إجماعَ الأمة في عصر أبي بكر عند جمعه للقرآن، وفي زمن عثمان وجمعه الناسَ على القراءات والأحرفِ الثابتة، أن ما بين اللوحين من القرآن الحاصلِ في أيدينا هو جميعُ كتابِ الله الذي أنزله على رسوله، ومرسومُ تأليفهُ الذي ألف عليه، ومقروء على وجه ما أُنزل عليه، وجبَ لذلك أن تكون صادقةً مُحقة فيما شهدَت به من هذا الباب، لإخبار الرسول عنها بأنّها لا تُخطىء وتضِلُّ ولا تُصدقُ كذباً، ولا تكذبُ حقاً وصدقا، فوجب لأجل ما وصفناه حملُ قوله: "لتَسلُكُنّ بكم سنَنَ الذين من قبلكم على سلوك سنَنَهم فيما عدا تغيير المصحف وتحريف الكتاب" لأجل هذا الإجماع وشهادة الرسول والأمة على أنّه محفوظ إلى يوم القيامة، وأنّ قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .

стр. 392

و (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ، دالاَ على ذلك ومقتضِ له، فيجبُ الأمانُ من تخوُّفِ تغيير وتحريف للكتاب، لا تقومُ الحجّةُ بفساده ويوجبُ إحباط صحيحه بفساده. فإن قالوا: ما حصل على هذا إجماع، لأنّ عليًّا وشيعته وأُبيًّا وعبدَ الله ابن مسعود لم يتفقوا على ذلك، فقد أوضحنا فساد هذه الدعاوى وبيّنا دخول عليّ ﵇ في الجماعة، وتحكيمه مصحف عثمان وقراءَته له وإقرائه إيَّاه، وتسليمهم كذلك، وأنه لا معنى لدعواهم التقية في ذلك، ولا صحة عليه، وإذا كان ذلك كذلك وجب استثناءُ هذا القدر من سُنن أهل الكتاب ومنعُ وقوعه من الأمة. فإن قالوا: الإجماعُ أصل يقطعون بصحته على الله تعالى، وهذه الأخبارُ التي روَيْتُموها عن الرسول في تصحيح الإجماع، ونفي الخطأ عن أهله أخبارُ آحادِ غيرُ ثابتة. قيل لهم: هذه الأخبارُ متواترة ثابتة، ومتلقاة بالقبول ومتواترة على المعنى، ومن أكثر شيءٍ رُوي عن الرسول، فلا معنى لجحدها ولا أقل من أن تكون على كل حال أثبتَ وأظهرَ من خبَركم الذي تعلقتم به، فلا معنى للغطرسة والمدافعة، ثم يقالُ لهم: إن صحّ ما قلتموه فصنيعُنا في هذا الكتاب كصنيعِكم، لأنكم أنتم استدللْتُم على أصلِ تقطعون به على الله تعالى بخبر واحد، فإن كنّا قد أخطأنا فخطأنا في ذلك مثلُ خطئكم، وإن كنتم على صوابِ فيما تعلقتُم به فلا ينبغي أن ترفعوا عنه النظر وتعيّروا به خصومكم. وفي بعض ما ذكرناهُ ما يُسقط تعلقكُم بالخبر.

стр. 393

ومما يدل على أنّ تأويلَ الخبر إن صح بما قلناه،، وأنه لم يقصِد ذهابَ القرآن وتغيير الأمة له وتحريفه وتضييع أحكامه وحدوده، علمنا بأن رسول الله ﷺ ، قد كان يخبرهم بآيات الساعة وأشراطها، وعن الحوادث التي تحدثُ بينهم، والحروب،، ويحذرُ من التسرع فيها ويكررُ عليهم أمثالَ هذه الأقاويل، فلو علم صلى الله عليه أنّ الأمة ستضيعُ القرآنَ وتغيرهُ وتبدله لوجب أن يخبرهم بذلك ويعرفهم أنه من إحداثهم، ومما يخافه عليهم، فلمّا عدل عن هذا إلى إخبارهم بما يَدل على أن القرآن أبداً هاد، وأن التمسّكَ به والرجوع إليه وحمل السّنن والآثار عليه لأنه باقٍ فيهم، وإن خاف عليهم عدم الانتفاع به كما عدمت اليهودُ والنّصارى الانتفاع بكتابهم، فما أغنى عنهم شيئا، دل ذلك على ظهور أمر القرآن أبدا، وقيامِ الحجة به وانقطاع العذر فيه. وقد روى التاسُ على طبقاتهم، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته على الناس في الحرم في حِجة الوداع، ويوم الجمع الأعظم بعد أن عرفهم حُرمة الشهر والبلد، وتحريم دمائهم وأموالهم، وأمرهم بأمور ونهاهم عن أمور: "قد خَلَّفتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسُنّتي ". ولو علم أنّ كتاب الله سيذهبُ ويصيرُ من التغيير والفساد إلى حال لا تقومُ به الحجة لم يكن للأمر بالرجوع إليه والتمسُّك به وجه، ولكان يجبُ أن يخبرهُم بأن الكتاب سيذهب، فلا يبقي معهم مَا يرجعُون إليه ويهتدون به، وكيف يكونُ ذلك كذلك وهو يحذّرهم في هذه الخُطبة من

стр. 394

الكذب عليه ويحثهم على الأداء عنه كما سمعُوا، ويأمرهُم بضبطه وأخذ العلم عنه قبل فوته، فيقول: "خُذوا العلم قبل رفعه، وقبل ذهابه " في نظائر هذه الألفاظ سنذكرُها فيما بعدُ إن شاء الله، ولا يخبرهم في شيءٍ من هذه الأخبار بذهاب القرآن، ولا ضياع شيءٍ منه ولا بتحريفٍ وتغيير يقعُ فيه، بل يأمُرهم بالردّ إليه والعمل عليه، وفيِ هذه الخُطبةِ قال صلى الله عليه "نَضَّر الله أمراً سمع مقالتي فحفظها وأداها فرُبَّ حامل فقه غير فقيه ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقهُ منه ". وفي بعض الروايات: "فأداها كما سمعها فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقهُ منه ". ويحذرهم من الكذب عليه، ولو علم أن القرآن سيُغير ويُبدل لأخبرهم بذلك وحذرهم أيضا منه. وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه قال: «سَيَأْتِيكُمْ عَنِّى أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا جَاءَكُمْ مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِسُنَّتِى فَهُوَ مِنِّى وَمَا جَاءَكُمْ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِسُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى» (١) . ورُويَ عن ميمون الحُضرمي أن أبا موسى الغافقى سمع عُقبة بن عامر الجهني يُحدثُ على المنبر عن النبي صلى الله عليه أحاديث، فقال أبو موسى: إن صاحبَكم لحافط أو هالك، إن رسول الله ﷺ كان آخرُ ما عَهِد إلينا أن قال: "عليكُم بكتابِ الله وسنتي، وسترجِعونَ إلى قوم يُحدثون الحديث عنِّي فمن قال علي ما لم أقلُ فليتبَوّأ مقعده من النار، ومن حفظ شيئا فليحدِّث به.

стр. 395

وروى الأعرجُ عن عبد الله بن بُحينه قال خطب رسولُ الله ﷺ فقال: (ما أتاكم عني يُوافقُ القرآن فهو عني، وما خالف القرآن فليس عني " فإذا كان صلى الله عليه قد أمرهُم بعرض حديثه على القرآن، فكيف يُظن به أنه قد علم من حالِهم تضييعَه وتغييرَه وتحريفه وبلوغه إلى حدّ لا يجوزُ أن يدين به موافقة الحديث له أو مخالفته إياه، فكل هذا يدل على أنه لم يقصد بقوله: "لتَسلُكُن سنَنَ الذين من قبلكم" تغير القرآن وتحريفه وتضييعه. وروى وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعدِ عن زياد بن لبيد قال: ذكر رسولُ الله ﷺ شيئاً فقال: "وذلك عند أوانِ ذهاب العلم. قال: قلتُ يا رسول الله كيفَ يذهب العلمُ ونحن نقرَأ القرآن، وفي رواية أخرى: وفينا كتاب الله نُقرئه أبنائَنا ويقرئُه أبناؤنا أبناءَهم إلى يوم القيامة. قال: ثكلتك أمُّك يا زيادُ إن كنتُ لأراك من أفقه رجل بالمدينة". وفي رواية أخرى: "إن كنتُ لأعُدُّك من فقهاء المدينة، أو ليس هذه اليهودُ والنصارى يُقرؤون التوراة والإنجيلَ لا يعملُون بشيء مما فيهما، " ولو علم ذهاب القرآن لرد عليهم قوله: ويُعلمهُ أبناؤنا أبناءَهم إلى يوم القيامة. ويُقال: إنكم ستضيعون القرآنَ أيضا وتغيرونه تغييراً لا يمكنُ معهُ معرفةُ العلم. وروى القاسمُ بنُ عبد الرحمن عن أبي أمامةَ الباهلى أن رسول الله صلى الله عليه قال: "خُذوا العلمَ قبل أن ينفد ثلاثا، قالوا: يا رسول الله وكيف ينفدُ وفينا كتابُ الله، قال: فغضب لا يُغْضبهُ إلا الله، ثم قال:

стр. 396

ثكلتكُم أمهاتكم أو لم تكن التوارةُ والإنجيلُ في بني إسرائيل ثم لم تُغْنِ عنهم شيئاً، إن ذهاب العلم ذهابُ حمَلته ". وروى أيضاً القاسمُ بنُ عبد الرحمنِ عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ وقف في حِجّة الوداع وهو مُردفٌ الفضل بنَ عباسٍ على جمل آدم، فقال: "يا أيها التاسُ خذوا العلم قبل رفعه وقبضه ". قال: "وكنّا نهاب مسألته بعد نزول الآية: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) . فقّدمنا إليه أعرابياً فرشَوناهُ بُرداً على مسألته، فاعتمّ به حتى رأيتُ حاشية البُردِ على حاجبه الأيمن، وقُلنا له: سَل رسولَ الله صلى الله عليه كيفَ يُرفع العلمُ وهذا القرآنُ بين أظهرُنا، وقد تعلّمناهُ وعلَّمناهُ نساءَنا وذرارينا وخدَمِنا، قالَ: فرفع رسولُ الله ﷺ رأسَهُ وقد علا وجهَه حمرةٌ من الغضبِ فقال: ثكِلَتك أمُّك، أو ليست هذه اليهودُ والنصارى بين أظهُرها المصاحفُ وقد أصبحوا ما يتعلقونَ منها بحرفٍ مما جاءت به أنبياؤهم، إنَّ ذهاب العلم أن يذهبَ حملتهم". وكل هذه الأخبار أيضاً تنبىءُ عن بقاء الكتابِ بين المسلمين وتعقُلهم له ومحافظتِهم عليه، ولو عُلم أنّ القرآن سيضيعُ ويُحرّفُ ويغير وتزولُ الحجةُ به لقالَ لهم: وأولُ ذهاب علمِكم ضياعُ القرآن منكُم وتغييرُه وتبديلُه، وهذا هو الذي أريده بذهابِ العلم، ولم يُحلهُم على أنّ ذهابَ العلم وقبضِه ورفعِه هو ذهاب حملَته، ولا ردهم إلى قوم قد كان الكتابُ بينهم،

стр. 397

وأنه لا يُغني عنهم شيئا، وليس يجوزُ أن يَعنى بهذه الأخبار إلا كتابا صحيحا لا يعنيهم شيئا، لأن المُسقط والمحرف والمغيرُ ليس بكتاب الله، ولو تأملوا أيضاً ما أغنى عنهم شيئاً، وهذا بيّن يوضحُ أن الكتاب بادٍ ظاهر مستفيض عار من كل شبهة وتحريف، على هذا دل قولُه ﷺ : "لا تزالُ طائفة من أمتي على الحق " في سائر الأخبار التي قدّمنا في صحة الإجماع، ولو علم أنّ القرآن سيضيعُ عقيب موته ويُحرفُ ويُغيّرُ ويبّدلُ حتى لا تقوم به الحجة لكانت الأمةُ كلّها قد عرفت وعطلت من قام لله بحقه في حفظ الكتاب وحراسته. وقد دلّ على هذا أيضا قولُه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . وقوله تعالى، (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ، وقد بينا ذلك فيما سلَف بما يُغني عن رده، وأنه لو ضُيعَ القرآنُ وحُرفَ وصارَ إلى حد لا يُعرفُ صحيحهُ من سقيمه لم يكُن تعالى حافظا لهُ ولا جامعا لهُ على خلقه. وكذلك قوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) . يوجبُ ذلك ويقتضيه. فكذلك قولهُ تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) . وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) . وهذان خبران من الله تعالى بأنه سيُظهرُ دين الرسول صلى الله عليه على الدين كله وأن يمكنه، ولو علم تعالى أنّ أصلَه وأُسهُ ومعدِنه سيذهبُ ويُغيرُ ويُبدلُ ويحرفُ وتسقطُ الحجةُ به عقِيبَ موته صلى الله علعه لم يُخبر بمثل هذا، ولكان إخبارُه عن وهايته وعدم تمكُنه وشدة ضعفه ودُروس أثره

стр. 398

أولى بالإخبار عن ظهوره وتمكلينه، وكل مسلم تدبر هذه الآيات والآثارِ التي ذكرناها عرف أنه لم يقصد الرسولُ ﷺ بقوله "لتسلكُن سنَنَ الذين من قبلكم" تضييعَكُم القرآن وتحريفَه وتبديله. فإن قالوا: أفليس قد زعمتُم أن النَبي صلى الله عليه قد حذرهم في هذه الأخبار من تضييع العلم، وأمرهم بتعلمه قبل ذهابه، فيزعُمون أن العلم يذهبُ دون القرآن على ما أصلتُم. قيل له: لا، لأنه أراد عندنا بذهاب العلم ذهاب كثير من أهله وقلتهُ في الناس، كما يقولُ القائل: ذهب الإسلام، وذهب الجودُ وارتفع الخير، ونفَد العلمُ والأدب، أي: قد قل ذلك وقل أهله وطلابُه، ولا يعني به أنه لم يبق قائم بذلك ولا معروف به، ويدلُّ على أن هذا هو مرادُه بقوله: (وَلَيُمَكِنَن لَهُم دِينهمُ) ، و (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ، ولو ذهب بأسره وانقرض جميعُ أهله لم يكن مُظهراً له على الدين كله، ولا ممكنا له، ويدل عليه قولُ الرسول صلى الله عليه: "لا تزالُ طائفة من أمَّتي على الحق حتى يأتي أمرُ الله وهُم على ذلك". ولو علم أنه سيضيعُ جميعُ العلم، أو بابٍ من أبوابه حتى لا يوجد في الأمَّة قائم، لوجب أنها قد عُطلت، وخلت من قائم بالحق في ذلك. فأما تحذيرهُ ونهيهُ عن تضييع العلم، وحثهُ عليه وأمرهُ به ونهيُه عن تركه، فإنه لا يدلُ شيء منه على أنهم سيضيعونه ويفعلون ما نهُوا عنه، هذه حالةُ أمرهِ بطلبِ العلم ونهيه عن تركه، أو تجرد أو كيف بهما إذا قارنهما ما يدل على أنه لا يذهبُ من قول النبي صلى الله عليه: "لا تزالُ طائفة من أمتي على الحق"، وقوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ، وقد قال الله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، ولم يُجِب ذلك علمَهُ

стр. 399

بمواقعته صلى الله عليه للشرك، وقال تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، ولم يقتض ذلك علمه بأنه يتبعُ أهواءهم، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) ، فحثة وحضَّه على أداء ما حُمِّل، وقال له: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) ، ولم يوجب أن يكون تعالى قد عَلِم من حاله صلى الله عليه أنه سيترك البلاغ والصّدع بما أنزل، بل المعلومُ من حاله أنه سيفعلُ ذلك ويبالغُ ويجتهدُ في حُسن القيام بهِ والحرص عليه، فهذا إذا تجرد لم يدل على أنه لا يُبلغُ ما أنزل إليه، فكيف به إذا انضم إليه قولُه تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) . في أمثال هذه الآيات مما خبّر فيها عن مناصحته صلى الله عليه واجتهاده وإيذائه في الله جل وعز، وكذلك تجرّدُ أمره للأمة بطلب العلم ونهيهم عن تضيعيه لا يدلان على أنهم سيضيعونه، فكيف بهم إذا انضمّ إليهما ما وصفناه من إخبار الله تعالى ورسوله أنَّهم لا يزالون على الحق ظاهرين، وأن دينهم ظاهر على الأديان وأنه سيمكنهُ لهم، في أمثال ذلك، فإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهموه ُ في هذا الفصل. ثم يقال لهم: أليس قد قال رسولُ الله ﷺ ما وصفتُم، وإن علمنا أن الأمة لم تعبُد ولا أحد منهم عندَ غيبتهِ عنهم في غزواته عجلاً ولا وثنا، ولم يقُولوا ولا أحد منهم: يا محمدُ اجعل لنا إلها كما لهمُ آلهة، ولا قالوا له: أرنا الله جهرة ولا أخذتهمُ الصاعقة. فإذا قالوا: أجل، قيل لهم: فما أنكرتُم أيضاً أن لا يكونوا حرَّفوا القرآن ولا غيروا نظمه، وإن كان قد فعل ذلك أهلُ الكنائس وأنه يجبُ لأجل ما وصفناهُ أن نعلم أنه أراد سلوك سنَنَهم في كثيرٍ من سيرتهم وأبواب دنياهم.

стр. 400

فإن قالوا: أراد بقوله "لتسلُكُنَّ" في المستقبل بعد وفاتي، فإن قومَ موسى لم يعبُدوا العجل، ولا سألوا من شيء أن يُريهمُ الله جهرة، وأن يجعل لهم إلها يعبدونه بعد وفاته، وإنما سألوا ذلك وفعلوهُ في أيام حياته وحرفوا الكتاب بعد وفاته، يقالُ له: وما الدليلُ على أنه أراد بعد وفاته. وقولهُ "لتسلُكُنَّ" لا يقتضي ظاهرهُ سوى وقوع ذلك في المستقبل منهم وهو متناوِل لأيام حياته المستقبلية، ولِما بعد وفاته من الأزمان فما الموجِبُ لتخصيص هذا الكلام، ولا سبيل لهمُ إلى ذلك، بل الواجبُ بطلانُ قوله "لتسلُكُنَّ" أن يكون خطاب مواجهةِ للصحابة دون المعدومين الذين يأتون بعده، وقد عُلم أن الصحابة لم تعبد العجلَ ولا تحُدث إلها دون الله تعالى ولا عبدت وثنا في أيام حياته ولا بعده صلى الله عليه فزال بما قالوه. فإن قالوا: أراد إلاّ عبادة العجل، وسؤال جعلِ إله مع الله، وأن يَرَوهُ جهرة، قيل لهم: وأراد إلاّ تحريف الكتاب وتغييره ولا فصل في ذلك. فإن قالوا: قد علمنا أنّ ما ذكرتموه لم يقع من الأمَّة، قيل لهم: فقد بطل التعلّقُ بعموم الخبر، والاستدلالُ به على أنه لا بد أن تفعل هذه الأمَّة ُ مثل جميع ما فعلتهُ اليهودُ والنصارى، وقيلَ لهم أيضاً: وقد علمنا أنهم لم يحرفوا القرآن ولا غيّروهُ فأراد ما سوى ذلك. فإن قالوا: ظاهرُ الخبر يوجبُ وقوع تحريف الكتاب لأنه من سنن الذين من قبلهم، قيل لهم: وظاهرهُ يقتَضي وقوع عبادةِ تحصلُ منها للعجل وطلب إله مع الله، وأن يروهُ جهرة، لأن ذلك من سنن الذين من قبلهم. ولا جواب عن هذا وإنّما أراد النبي صلى الله عليه إن صحّ هذا الخبرُ عنه حدوث خلاف كثيرِ وتنازعٍ بينكم وفِتن غير هذا الباب، على ما بيناه من قبل.

стр. 401

ثم يقالُ لهم: إنَّ رسول الله ﷺ لم يقل ليَلحقَن كتابكم من الفساد والتغيير باختلاط حقه بباطله والتباسه بالحق كَدَأبِ من قبلكُم من اليهود والنّصارى، وإنَّما يقتضي هذا الظاهرُ على ما قلتم أن يقع من الأمَّة أو قوم منها تغييرُ الكتاب وتحريفهُ فقط، ولا يوجبُ ذلك أن يصير كتابُنا بذلك التغيير مُفسداَ أو بالغا إلى حدّ في الوَهاء وضعف النّقل وقلة الحفاظ والضبط. لا نعرفُ صحيحه من فاسده وسقيمه من سليمه ولا تقومُ الحجَّة ُ به، وإذا كان ذلك كذلك لم يُنكَر أن يكون قوم من المنافقين والمدغِلين للدين في صدر الإسلام قد قصدوا إلى تغيير القرآن وتقديمِ مؤخره، وإدخال ما ليس منه فيه، وإخراج بعض ما هو منه عنه، وأن يكون عثمانُ والجماعةُ قد ألغت ذلك وأبطلته، وأوضحت عن فساده، وقامت بالحق والواجب في حفظ القرآن ورسمه ونقله وضبط قراءته الثابتة التي أُنزِل عليه بيانا قُطع به العُذرَ وأوجب الحجّةَ ونفى عنه تحريف الزائغين وكيد المُبطلين، وأن يكون قد كان في كثرة تلك المصاحف التي حرقها شيء كثير من هذا الباب، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلقتُم به، فكذلك لا ننكرُ أن يُحدث قوم في بعض الأعصار يقصدون إفساد نظم القرآن وتغييرَه وتحريفه وإكثار دعاوى الأباطيل فيه، وإن لم يخلهم الله تعالى فمن يَرُد قولهم ويكشفُ شُبههم ويبين باطلهم لأجل ضمان الله سبحانه لحفظه وجمعه على ما بيناه من قبل. فإن قالوا: ما أراد بهذا القول إلا أن عثمان وشيعتَه يحرفون القرآن ويغيرونه، قيل لهم: لا، بل أراد إلا من رد عليه عثمانُ في أمر القرآن وبَرِئ منه، وما أراد بذلك غيركم وغير أتباعكم في باب القرآن، وما تدعونه فيه من التغيير والنقصان والحروف والكلمات التي تروُونها وتدعون اعتماد السلفِ لإسقاطها، وأنتم أقربُ إلى ذلك وأحق به، وأشبهُ أن يكون الذي عناكم

стр. 402

الرسولُ صلى الله عليه بالوصف لتحريف القرآن، ولا جواب عن هذا أيضا، ويقالُ لهم: هل عنى الرسولُ بقوله "لتسلكُن سنَنَ الذين من قبلكم"، جميع الأمة أو بعضها. فإن قالوا: جميع الأمَّة، قيل لهم: فعلي ووَلداهُ ﵈، وعمار وسلمان، وجميعُ الشيعة المعاصرين كانوا للرسول ومن حدثَ بعده داخلوُن في هذا القول وهذا ما لا يصيرُ أحد منهم إليه. وإن قالوا: أراد بعضَ الأمة دون بعض، قيلَ لهم: هذا مسلم لكم، فما الدليل على أن ذلك البعض هو عثمانُ والمتفقون معه على مصحفه دون أن يكون هو المختار، وابنُ عبيدٍ قتله مصعبُ بنُ الزبير صبراً مع سبعةٍ من أصحابه، وكانَ يدَّعي النبوة ويقول: جبريلُ عن يميني وميكائيلُ عن شِمالي وأمثالهُ من قادتكم، ومَن قال منكُم: (إنّ من القرآن، وإن علينا جمعُه وقرءانه) ، (وإنّ الله اصطفى آدم ونُوحا وآل إبراهيم (وآل محمد) على العالمين) ، ومن روى عن علي ﵇: (والعصر ونوائب الدهر إنّ الإنسان لفي خسر وإن فيه إلى آخر الدهر) ، ومن روى عن بعض أهل البيت أنّه قال: (أنزِلَ ربعُ القرآن فينا وربعهُ في عدوّنا) ، وروى عنهم أنَّهم قالوا: "لو قُرئ القرآنُ كما أنزلَ لألفيتمونا مسمّين فيه كما سُمي مَن كانَ قبلَنا". إلى أمثال هذه الخرافات والترهات، ورواةُ هذا والقائلون به أقربُ إلى التُهمة والظنّة بنقصان القرآن وتحريفه من عثمان ومن سائر السلف الصالح. بل هم عندنا مقطوع على موضوعهم وتكذُبهم وإكادتهم الدين، ونصبهم له الحبائل والغوائل وطلبهم أهله والناصرين له والقائمين بحثِّه بالطوائل

стр. 403

وتكسبهم بالمذهب معروف، وإحرافُهم له معلوم، وما هم عليه من مذموم الطرائق وشدةِ الرغبة في العاجل، وقلة اكتراثهم بأمر الآخرة، ويقالُ لمن استدل بهذا الخبر منهم - ممن يزعُم أن قد نقص منه ولم يُزد فيه ولا يمكنُ أن يزاد فيه، لإعجاز نظمه تعذر الإتيانُ بمثله -: أنت في غفلة مما تخوضُ فيه لأنك قد اعترفت بأن أهل الكتابين زادوا في القرآن ونقصوا منه، وأن الله سبحانهُ خبَّر بذلك حيثُ يقول: (وَيَقُولون هُوَ مِن عِندِ اللهِ) . وقوله: (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) ، فيجبُ إذا كانَ ذلك كله أن يدل هذا الخبرُ دلالة قاطعةَ على أن القرآنَ مَزيد فيه ومدخَل فيه كثير ليس منه، كما دل على أنه نقص منه حتى يكون من ضيع ذلك مِن الأمَّة سالكا لسَنَن من قبله حَذوَ النعل بالنعل، فإن مرَّ على ذلك ظهر عجزهُ ورغب عن مذهبه، دهان أباهُ أسقط استدلالهُ بالخبر سقوطا ظاهرا. وإن قالوا: أراد أنهم يسلُكون سنَنَ أهل الكتاب إلا في الزيادة في الكتاب، قيل له: وأراد سلوك سنَنَهم إلا في النقصان من الكتاب، وإلا تحريفه وتغييرهُ وقصد ما عدا ذلك، وهذا ما لا حيلة فيه ولا جواب عنه. وكذلك الكلامُ على من قال: إنه مزيد فيه وليس بمنقوصِ أو مغير النظم والتأليف فقط من غير زيادةِ ولا نقصانِ منه، وفي بعض ما أشرنا إليه أوضحُ دليل على سقوط تعلُّقهم بهذه الرويات. دليل لهم آخرُ على نقصان القرآن وتحريفه: بأن الشيعة تنقلُ خلفا عن سلفِ عن علي والأئمة من عترته، عن سلف لهم تقومُ بهم الحجةُ وينقطعُ العُذر: أن القرآن قد نُقص منه وغُير وبُدلَ وأحيل عن نظمه، قالوا: والكذبُ ممتنع على من ذكرنا، والعُذرُ ببعضِهم، فوجب لذلك صدقُهم فيما نقلوهُ من هذا الباب، والقطعُ من جهة خبرهم على نقصان القرآن وتغييره.

стр. 404

يقال لهم: ما الدليلُ على صحة نقلكم هذا مع مخالفتنا لكم فيه، وما أنكرتم من أنه لو كان نقل الشيعة لذلك صحيحا فيه شرطُ التواترِ لوجب أن نعلمَ ضرورة أن في صدر الأمة من قال إن القرآن قد نُقص منه وغُيرَ عما أنزل عليه على ما ذكرنا من قبل، فلمَّا لم نعلم من ذلك شيئا عُلم فسادُ إدخالهم، ولأن الإسماعيليةَ والغالية يزعمون أنّهم قد نقلوا خلفا عن سلف لهم عن الأئمة أن الأمر في أصول الدين وفروعه على ما يعتقدونه ويُنزلونه. ولأن الشيعة معترفة بحجج بعضها إذا نُقل عن سماع ومشاهدة، وكلُ فريق منهم يذكرُ أنه أخذ دينه في الأصول والفروع جميعا عن سلف لهم، والسلفُ عن سلفٍ إلى أن ينتهي ذلك إلى الأئمة وإلى قوم منهم في الأصل تقومُ بهم الحجة، فيجبُ لذلك العملُ على قول جميع الشيعة مع اختلافها، وإذا كانت هذه دعاوى متكافئة لا يُعلمُ صحةُ شيء منها بطل جميعها، ولأنهم مثلُ هذا النقل يدعون في النص على علي ﵇ ورواية الأخبار الكثيرة في وجوب شتم السلف ولعنهم والبراءة منهم ومن سائرِ أتباعهم، ونحنُ فلا شبهة علينا في كذب هذا الخلف الذي يدينُ بذلك في الأئمة وجُلة الصحابة، فلا مُعتبر بهذه الدعاوى التي قد أُخلقت وعُرِف جوابُها وأغراضُ مدعيها، وقد بسطنا الأدلةَ عليهم في هذه الفصول وما جانسها والدعاوى وما أشبهها في كتاب:الإمامة" بما يُغني الناظر فيه. فأمَّا ادعاؤهم أنّ عبد الله بن مسعود كان يقرأ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ (بعلي) وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ . وأنه كان يقرأ في آل عمران: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ (وآل محمدِ) عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . فإنه بُهتٌ وزُورٌ وليس هذا بمعروفِ، في أصحاب الحديث ولا مروي رواية ما قدمنا ذكرهُ من السواد، ولو كان بمثابته السداد لكانت الحالُ فيه لهي كما قدمنا

стр. 405

ذكرنا له من القراءة التي لم تقم الحجةُ بها، وقد عُلم أنهم ليس يدافعون عن هذا لتضمُّنه معنىً فاسداً عند مخالفتهم، لأنّ الله قد كفى النبي والمؤمنين القتال بعليّ في مواطن كثيرةِ حَسُن فيها إبلاؤه وجهادُه، وأن آل محمدٍ مصطفونَ كآل نوح وآل إبراهيم، فمذهبُ الشيعة والسنة في هذا سيان فلا معنى لقولهم: النّصَبُ حَمَلَهُم على جحد هذه القراءات وما جرى مجراها. كذلك سبيلُ ما يدعونه من أمر روايات الذين لا يُعرفونَ بالرفض والطعن على الصحابة وأمّ المؤمنين عائشة رضوانَ الله عليها، أنّ ابن عباس قال: "إن لله تعالى حُرمات ثلاث ليس مثلُهنّ، كتابهُ وهو حكمتهُ نطقَ به وأنزَله، بيتُه الذي جعله للناس مثابة وأمنا، وعترةُ نبيه فيكم ﷺ فأما الكتابُ فحرّفتُم، وأما البيتُ فخربتم، وأما العترةُ فشردتُم، وقتلتُم "، أن حُذيفة قال للصحابة: "أرأيتم لو حدّثتكُم أنكم تأخذون مصاحفكم فتحرِّفونها، وتُلقونها في الحُشوشِ أكنتُم مصدقيّ، قالوا: سبحان الله ولمَ نفعل ذلك. قال: أرأيتم إن قلتُ لكم إن أمكم تخرجُ من فئة فتقاتل أكنتُم مُصدّقيّ. قالوا: سبحان الله ولم نفعلُ ذلك! قال: أرأيتم إن قلت لكم أن يكون فيكم قردة وخنازير، أكنتم مصدّقي، فقال رجل: يكونُ فينا قردة وخنازير،! قال: وما يؤمّنُك من ذلك لا أمّ لك. فإنّها أيضا كذب وزور وبهتان لأصحاب الحديث، لأنّهم كلُّهم يروون عن عبد الله بن عباس وحذيفة نقيضَ هذه الأخبار، ووصف الأمّة بالفضل

стр. 406

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفضيلِ لعائشة، وجميع من يتبرأُ منه الشيعةُ من أصحاب رسولِ الله ﷺ ، وهذا أظهرُ عندهم وأكثرُ من أن تُحتاج إلى تكلف الرّوايات عنهما في تفضيل الصحابة ووصف الأمة. وقد تواتر من الأخبار التي لا يمكن دفعُها أن أولَ من خاطب عثمان في جمع القرآن وأشار به عليه وناشدُه الله في ذلك حذيفةُ بنُ اليمان، وأنه لما قدم عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذَرْبيجانَ مع أهل العراق، فأفزَعَ حذيفة اختلافُهم في القرآن، فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين. أدرِك هذه الأمَّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى". فشرَع عثمانُ رضوانُ الله عليه عند ذلك في جمع الناس على القرآن، وأرسل إلى حفصة زوج النبي صلى الله عليه في شأن الصحيفة التي كانت عندها. فكيف يأمرُ عثمانُ بذلك -، ويُقسمُ عليه فيه من بعده ويعيبُ فعله، هذا بهتٌ ممن صار إليه وأضافه إلى أحد من ثقات أصحاب الحديث الذين لا مغمَز عليهم في قلة أمانة وابتداعِ في الدين، فأما ما يروونه قوم منهم من أن

стр. 407

الأخبار قد ورَدت متواترةً مستفيضةً من جهة نقل هذه الفرقة من الشيعة بأنّ القرآن مُغير ومُبدل وأنه قد نُقص منه وأسقط أسماءُ الأئمة الإثني عشر المذكورين فيه، وأسماءُ سبعينَ رجلاً من قريش ملعونين فيه باسمائهم وأنسابهم، وأن ربُع القرآن منزل في فضائل الأئمة الإثني عشَر وأهل البيت. وأن عثمان والجماعةَ وضعت مكان رجل مسمّى ملعون من قريشِ: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) . ومحوا اسمه، إلى غير هذه الجهالات والأماني الكاذبة والتلاحُدِ الذي يستهوون به العامة الطغام، ويقصدون به إبطال الإسلام فإنّه لا شبهة على من له أدنى مسكة في فساده وتكذُب مفتريه وواضعه، وسنتكلم على تكذُب جميع هذه الروايات وعند مفتَعلها عند فراغنا من حكاية عمل ما يروونه في هذا الباب إن شاء الله.

стр. 408

فصل فيما ذكرُوه في هذا الباب وادعوا انتشاره وظهوره، ومعتقدي نقصان القرآن من الشيعة أن عليا ﵇ جمع القرآن بعد النبي صلى الله عليه وجاء به يحمِله قنبَر لا يغلانه فوضع، ثم تلى عليهمِ آيات يكبتُهم بها في تقدمهم بن يديه، وهي قوله: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) . فقال له عمرُ عند ذلك: ارفع ارفع مصحفك لا حاجةَ لنا إليه. ومن ذلك - زعموا - ما تواترته نقلُ الشيعة خلفا عن سلف عن علماء أهل بيت رسول الله ﷺ ، منهم علي بنُ موسى بن جعفر، وموسى بنُ جعفر بن محمد، وجعفر بنُ محمد بن عليّ بن الحسين. والحسنُ بنُ علي بن محمد، وعلي بنُ محمد بن على بن موسى، وأمثالهم من أهل البيت، أنهم جميعا قالوا: أنزِل القرآنُ أربعة أرباع، رُبعا فينا، وربعا في عدُونا، وربع سِيَر وأمثال، وربع فرائضَ وأحكام، ولنا أهل البيتِ

стр. 409

فضائلُ القرآن، وأنهم قالوا: لو قُرئ القرآنُ كما أنزل لوُجد فيه أسماءُ سبعين رجلاً من قريش ملعونينَ بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم. وأن رجلاً قرأ على جعفر بن محمدِ الصادق من سورة آل عمران: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فقال لهُ الصادق: يا ويحك كيف تكونُ أمة قتلت عترة نبيها، وحرفت كتاب ربها وهدمت بيته، خير الأمم كلها، بل كيف تأمرُ بالمعروف وهي تخالفه، وكيف تنهى عن المنكر وهي تأتيه، فقالَ له الرجل: جُعلتُ فداك، فكيف نزلت، فقال: كُنتم خير أئمة أخرجت للنّاس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر". وأن رجلا آخر قرأ عليه - أعني جعفر بن محمد - في سورة هود: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) ، فقال الصادق: ما هكذا أنزل الله تعالى، إنما أنزل الله: "أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى". وأن رجلاً قرأ عليه من سورة التحل: (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) ، فقال له: ويحك! ما أربى، إنما هو: "أن تكون أمة هو أزكى من أمة". وأن آخَر قرأ عليه: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) . فقال الصادق: ولقد سأل هؤلاء القومُ عظيما أن يجعلهم أئمة للمتقين، فقال له الرجل: كيف أقرأُها، فقال له: واجعل لنا من المتقين إماما. وأن رجلا قرأ بحضرته: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) . فقال له: إن الجن كانوا يعلمون

стр. 410

أنهم لا يعلمون الغيب. وأن رجلاً قرأ على الصادق: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) ، فقال له: يا هذا كيف يذل قوم في رسول الله ﷺ فقال له الرجل: كيف أقرأ، قال: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء". وأن الصادق كان يقرأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ (ولا محدث) إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ . ، وأنه كان يقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (لتَعْمهوا فيها) ﴾ . وأنه قرأ: (والعصر إن الإنسان لفي خسر وأنه فيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وائتموا بالحق وائتموا بالصبر". وأنه كان يقرأ في النّور: "ليس (عليهنّ) جناح أن يضعن ثيابهنَّ غير متبرجات لزينة"، وأنّه كان يقرأ في سورة النساء: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ (يا علي) فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ . وأن الباقر كان يقرأ: "لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار". ويقرأ في سورة التوبة: "فأنزل الله سكينتهُ على رسوله وأيدهُ بجنود لم تروها"، وأن الأئمة كانت تقرأ: "إن علينا جمعهُ وقراءٌ به "، وإن من الشيعة ينقلُ نقلاَ متواتراً عن العترة أنهم كانوا يقرؤون في: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) ﴾ "وأيدْنَاكَ بَصِهْرِكَ" إلى أمثال هذا مما يروونه ممّا لا أصل له.

стр. 411

فصل مما يدل على كذب الرافضة في هذه الدعوى، صحةُ ما قلناهُ في ثبوت القرآن والإطباق عليه، وعلمُنا وعلمُ الكافة من الشيعة وغيرِهم بدخول على ﵇ في الجماعةِ التي اتفقت على كتب المصحف وأخذ الناس به. وإلغاء ما عداه، والتصويب لعثمان فيما صنعه من ذلك، حتى لم يُحفظ عليه كلمةٌ ولا حرف واحدٌ في الطعن على هذا المصحف والحرف الذي اتفقُوا عليه، بل روى الناسُ عنهُ روايةً ظاهرةً أنه كان يُقريءُ به ويُعلمه كما يُقريءُ به غيره، وروى ذلك عنهُ أبو عبد الرحمن السُّلمي وغيره: أنه أقرأهُ فلم يُختلف عنه في ذلك، ولا روِي عنه خلافٌ للجماعة فيما اتفقت عليه، لا من جهة الآحاد ولا من طريق التواتر. ولو كان من خلافٍ في هذا الباب أو يسير قولٍ لوجب في مستقر العادة أن يظهر ويستفيض حتى لا يمكنه جَحدهُ وإنكارهُ كما ظهر عن عبد الله بن مسعودٍ اختيارُ القراءة بحرفه، وكراهيةُ نصبه وبدلُ كتبة المصحف، ولو كان مثلُ هذا قد وقع من علي والأئمة العلماء من ولَده لوجب أن يكون نقلهُ أظهر وأشهر، وأن يكون العِلمُ به أثبت في النفوس وألزم للقلوب بجلالة قدر علي وعِترته، وعظيم شأنهم في النفوس، وقد ثبت أن نقل كلام ممن ارتفع قدرُه وعظُم شانُه وكثُرت شيعتهُ والاقتداءُ به يجبُ أن يكون أظهر وأكثر من نقل كلامٍ قصرُ عن محِله، وفي رجوعنا إلى أنفسنا وعلمِنا بأنه لم يُروَ عنه حرف واحد في هذا الباب بل روِيت موافقتهُ وتصويبهُ ومتابعتهُ أوضحُ دليلٍ على أنه صلى الله عليه كان أخذ القراءة بحرف عثمان والداخلين فيها عليه، ودَانوا

стр. 412

بتصويبه، ولو كان الأمرُ عند علي ﵇ في أمر القرآن كما يدعيهِ الشّيعةُ من تغييره وتبديله ومخالفة نظمه الذي أنزل عليه، وإسقاط كثيرِ منه أو الزّيادة، لم يسعهُ السكوتُ عن إنكاره لذلكَ وتوقيف الناس على تغيير كتاب الله وتبديله، وتحريفه وتصحيفه ودخوله الخلل فيه، وإشاعة ذلك في شيعته والمنحرفين عنه، لأنه أحق من أمر بمعروفٍ ونهى عن منكر، ولا شيءَ في المنكر أعظم وأفحشَ من تغييرِ الكتاب وتحريفه وإفساد نظمه وترتيبِه، لأن ذلك إفساد للدين وإبطال للشّرع، وعلي ﵇ أجلُّ قدرا وأرفعُ موضعا وأشد احتياطا لدينه وللأمة من أن يتَساهل في إقرار مثل هذا ويُسامحُ نفسه به، ولو كان منه قول في ذلك لوجب أن يعلمهُ على حدّ ما وصفناهُ من قبل. فإن قالوا: قد نقلت الشّيعة، وببعضُهم تثبُتُ الحجَّة ُ عن مثلهم عن عليّ ﵇ أنه أنكر على القومِ وخالفَهم وعرفهم أن القرآن ناقص مغير محرَّف. قيل لهم: هذا بهتٌ منكم وشيء وضعه قوم من غُلاتكم، والقادحين في الشريعة، وإلا فما نقل أحد من أسلاف الشيعة في ذلك حرفا واحدا، بل نُقل أنّه كان داخلاَ في الجماعة ومُقرا بما اتفقوا عليه ومُصوّباَ له، وأنه كان يقريءُ به ويعلّمه، وعلى ذلك الدهماءُ من الشيعة والسوادُ الأعظمُ إلى اليوم، وبعدُ فما الذي قالهُ لهُم لمَّا وقَّفهم على تبديل القوم وتغييرهم وما الذي عرفهم به مما غيره، وما الذي لقنهم مما أسقطوه وكيف يمكنه أن يقول لهم: إن القومَ حرّفوا كتاب الله وغيروه، ولم يمكنه أن يوقفهم على موضع التّغيير ويذكُر لهم الذي ألغوه منهُ وكتموه، وهو لو قال لهم ذلك لكان أظهر لحجّته

стр. 413

وأشد تأييداً لقوله، ولتذكر عند توقيفه على ما كتموه الساهي، وتبينهُ العاقلُ ولحفظ الناسي، ولم يجُز أن يذهب ذكرُ ذلك ومعرفته على سائرهم وقد سمعوا ذلك، وكان يكون هذا من أفصح الأمور لهم، وأدل الأشياء على ضلالهم وسوء اختيارِهم، وخُبث اعتقادهم في الدين وأهله، فإن كان قد ذكر من ذلك شيئا فاذكروا ما هو، ولن يجدُوا إلى ذلك سبيلاً، إلا زيادة أحرُفٍ وكلمة وكلمتين لم تقم الحجّةُ بشيء منه، وسنذكر فيما بعدُ ما يروونه من هذه الأحرُف عن علي ﵇، وعن الصّادق وغيره من أهل البيت ونبين بطلان ما يروونه عن العترة، وأنهم براءٌ ممّا يضيفونه إليهم، ولم يجدوا إلى ذكر شيءِ عن هذه الأحرف سبيلا، اللهم إلا أن يفتعلُوا كلاما سخيفا متفاوتا غير ملئتم ولا متناسب، أو خارج عن أوزان كلام العرب المعروفة من الشعراء أو الخطابة أو الرّسائل، ويضيفونه إلى عليّ ﵇، فلا يبعد على كل أحد نظمُ ضده وخلافه وإضافتِه إلى عليّ ﵇، ولا يُشكلُ على أحد أنه ليس من نظم القرآن في شيءٍ وهم لعلهم بهذا لا نراهم يتعاطونَ حكاية ما يدّعون نقصانهُ وروايتهُ عن عليّ ولا عن غيره من ولَده ولا اللفظة والحرف والحرفين، ويُحيلون معرفة ما طال وكَثُرَ على القائمِ المنتظر، وكلُ هذا تخبط وتخليط وإدغال للدين وأهله، وكلُّ هذه الأقاويل والدعاوى باطلة مخالفة لظاهر ما عليه علي ﵇ فيجبُ تركُها وإطراحُها، لأنّه كان باتفاق جميعنا يُحكمُ مصحفَ عثمان، ويدعو الناس في المحافل إلى العمل بما فيه دون قرآن يدّعيه ومصحفِ يظهرُه غيرُه ويجتبيه، ويحلفُ مع ذلك أنّه لا شيء عنده، ولا عهد من رسول الله ﷺ غير ما في صحيفةٍ أخرَجها وغيرها على قائم سيفه على ما ذكر.

стр. 414

وروى عبدُ الله بنُ عباس قال: "لما تواقعنا يوم الجمل وعلى عليه السلامُ بين الصفين أعطاني مصحفا منشورا وقال: اذهب به وقل لطلحة والزبير وعائشة يدعوكم إلى ما فيه. قال ابنُ عباس: فخرجتُ والناسُ على صُفوفهم وعلي ﵇ قائم ينتظُرني، فجئتُ القوم فقلت: إنما يدعُوكم إلى ما في هذا المصحف، فاتقوا الله ولا تقتلوا أنفسكم، فصاحوا صيحةَ واحدة: والله لا يكون ما يريدُ صاحبُك ويُراد، لا نعطيه إلا السيف. فقلت: والله أذن نُنزلُ بكم السيف حتى تخافوه، فرجعتُ إلى على فقلت: لا يريدُ القومُ إلا السيف ". وفي رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: "أرسلني على ﵇ إلى طلحة والزبير بمصحف فدعوتُهما إلى ما فيه وجئتُهما به منشورا تُقَلُّبُهُ الريحُ ورقةَ ورقةَ فعرضتُ عليهما ما قال،

стр. 415

فقالا: يا ابنَ عباس، ارجع إلى صاحبك فإنه يُريد ما نُريد، يعنيان الإمارة، فلما رجعتُ إليه وهو يُرشق بالنبل: فقال: جلعتنا عرضا للقوم، خل عنّا وعنهم، قال: لا والله حتى تاتُوني بقتيل فأتيناهُ بقتيل من أصحابه وهو يشحطُ دما فلمَّا رآه كبّر وقال: احملوا فحملنا فلم يلبث القومُ أن انهزموا. وروى مسلم الأعور عن حبة بن جوين العُرني قال: "قام علي عليه السلام يوم الجمل ومعه مصحف فقال: من يأخذُ هذا فيأتي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول، فلم يُجبهُ أحد، فقام رجل يقالُ له مُسلم، عليه قباءٌ أبيضُ جديد، فقال: أنا، فنظر إليه ثم أعرض عنه ثم قال: من يأخذُ المصحف فيدعوا القوم إلى ما فيه وهو مقتول، فلم يجبه أحد. وقامَ مُسلم فقال: أنا، فأعطاهُ إيّاه ثمَّ دعاهم فضربهُ رجل بالسيف فقطع يده وأخذهُ بيده الأخرى فقَطعها، ثمَّ احتضنه حتى قُتل، وذكر بعضُ الرواة لهذه القصة أن شاعر أهل العراق قال في ذلك: لاهُمَّ إن مُسلِما أتاهُم ... يتلو كتاب الله لا يخشاهُم فَزَمّلوهُ من دمٍ إذ جاهُم ... وأمُّهم قائمة تراهُم يأتمرونَ الغى لا تنهاهم ...

стр. 416

يعني عائشة ﵂ وأنها أنكرت هذا الشعر وعاتَبت عليه، ولما دعاهُ معاويةُ وأهلُ الشّام إلى التحكيم أمر الحكَمَين بالرجوع إلى كتاب الله وتحكيمه من فاتحته إلى خاتمته، فكان يقول: والله ما حكمتُ مخلوقاً وإنما حكّمتُ القرآن. ولو كان عندهُ قرآن غيرُ هذا ومصحف يجتبيه غير مصحف عثمان لكانت هذه المواطنُ وقت إظهاره وإعلانه والاحتجاج له وإدخال الناس بما فيه، ولكان ذلك من أكبر الحُجج على القوم وأشدها كشفا لباطلهم وتنفير الناس عنهم، وكان ذلك لعليّ من تحكيمه وإظهاره لصحابته والرّضا بما فيه، وقد زالت التقية وشُقَرت السيوفُ ووقعت المكاشفةُ والمكاسرة. وأصلُ جميع ما كانوا فيه وأسُّه قتلُ عُثمان وما خرج معه إليه، ولو قد كان مصحفهُ مغيّراً ومبدّلاً ومنقوصاً منه ومنظوماً على القراءة بغير ما أنزل الله تعالى، والمنعُ من القراءة بصحيح ما أنزله علينا وتحريمه، لَلَزمَ عليا فرضُ إظهار ذلك، ولكان التغافُل عنه أضرّ بالأمّة والدين من تولية معاوية الشام. ومن ترك عائشة وطلحة والزبير بالعراق، ولا شيء إذ ذاك يمنعهُ من إظهار كلام الله تعالى والقدح في المصحف له، ولم يكن حالهُ إذ ذاك دون حال عبد الله بن مسعود، لما نافر عثمان في الامتناع من تسليم مصحفه وعزله عن كتبة المصحف بزيد بن ثابت، حتى قال ما قال إلى أن عرف الصوابَ ورجع، وكان لا أقلّ من أن نكذب من ادّعى أن عنده قرآنا وأشياءَ أخذها عن رسول الله ﷺ ليس عند الأمَّة ولا مما بينه للجماعة، فإن ذلك أيضا ممّا يزيدُ في الشُبهة ويقؤي الباطل ويُوهنُ الحق وأهله ويضعفُ شأنه، وقد رُويَ عنه التكذيبُ لمن ادّعى لهُ شيئا من ذلك والحلف عليه.

стр. 417

وقد روى الأعمشُ عن إبراهيم التيمى عن أبيه قال: خطبنا علي بنُ أبي طالب ﵇، فقال: من زَعم أنّ عندنا شيئا نقرأهُ إلاّ كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة، صحيفةٌ قال رسول الله ﷺ : "المدينةُ حرمٌ فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى مُحدثا فعليه لعنةُ الله والملائكة والنّاسِ أجمعين، لا يقبلُ الله منه صَرفا ولا عدلا". وفي روايةِ أخرى عن إبراهيم التيميّ عن أبيه قال: "خطبنا علي عليه السلامُ وفي قائم سيفه صحيفة، فقال: إيه والله ما عندنا كتابٌ نقرؤُه ليس كتاب الله، ولا في هَذه الصحيفة، فأخذها فنشَرها فإذا فيها: المدينةُ حَرمٌ فمن أحدَث فيها ... نحو الخبر الأول إلى قوله صَرفا ولا عدلا". وروى أيضا الأعمشُ عن إبراهيم التيمى عن أبيه قال: "ما عندنا شيءٌ إلا كتابُ الله وهذه الصحفيةُ عن النبي صلى الله عليه قال: "من تولى مولى قوم بغير إذنِ فعليه لعنةُ الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا قبل الله منه صرفا ولا عدلا. فلو كان كتابُ الله الذي عنده غير الذي جمعهم عثمانُ عليه لوجب أن يُظهره، وكان ذلك أولى من إظهار الصحيفة، وقد اتفق الكل

стр. 418

على أنّه ما أظهر مصحفا غير مصحَفهم، ولا ادّعى لله كلاما غير الذي معهُم، وليس ما يدكُ في بعض الروايات من أنه كان لهُ مصحف، أولهُ اقرأ باسم ربك، فخالفهُ عليهم، لأنه ليس في ترتيب السُّور نص ولا توقيف على ما بيَّنَّاه من قبل، وليس بين هاتين الروايتين أيضا تعارض - أعني قوله: المدينةُ حرمٌ إلى آخر ما ذكرها، وقولَه: من تولى مولى قوم بغير إذن مواليه - لأنه يجوز أن يكونا جميعا كانا في الصحيفة، وأن يكون قرأ ذلك في وقعتين. وحُفظ عليه مرّتين لما رآه من المصلحة في ذلك، لا تعارُض بين هذه الروايات وبين ما رُويَ في بعض الآثار من أنه كان في الصحيفة أسنان الإبل يعني إبل الصَّدقة، وأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتَلنَّ مؤمنٌ بكافرٍ ولا حُرٌ بعبد، لأنه قد يكون ذلك أجمعُ فيها ويقرأها في مرات، ويذكرُه في مواقف شتى. وقد كان ﵇ يُلقنُ أولادَه وأصحابَه القرآن، فما رُوي عنه أنه أقرأ أحداً منهم شيئا يخالفُ مصحف الجماعة، وكان أبو عبد الرحمن يقرىءُ الناس في مسجد الكوفة أربعينَ سنةً بحرفِ الجماعة ويقولُ: أقرأني بذلك علي وعثمانُ وزيدُ بن ثابت، فلم يعترض عليه أحد في هذه الدعوى ولا ردها، كل هذا يدلُّ على كذب من ادّعى على على ﵇ مخالفة الجماعة على مصحفهم، ويقرَأه بقرآنٍ عنده.

стр. 419

ثم يقال لهم: لو كان نقلُ الشيعة الذي ذكرتموهُ وارداَ على شرط ما وصفتُم، كثرةَ عن كثرة حتى ينتهي في الأصل إلى قومِ بهم تقومُ الحجَّة. سمعوا إنكارَه على علي وخلافِه على القوم بما قل أو كثُر، لوجبَ لنا علمُ الضرورة بصدقكم، وللزم قلوبُنا العلمُ بصحةِ نقلكم وثبوت روايتكم، لأن هذه سبيلَ العلم بكل خبرٍ تواتر نقلُه واستوى طرفاه ووسُطَ، وفي رجوعنا إلى أنفُسنا مع سماعِنا لقولِ مُدعي ذلك منكم، ووجودنا أنفسنا مع سماعِنا غيرَ عالمةِ بصحة دعواهُ وروايته أوضحُ دليلٍ على كذبكم في هذه الرواية. وبمثل هذه الطريقة بعينها يُعلم بطلانُ نقلكم لنص النبي ﷺ على عليٍّ ﵇، وأمره للناس بالانقياد والخنوع لطاعته، وقد أشبَعنا القولَ في ذلك في كتابي "الإمامة" وغيرِها بما يُغني متأمله. فإن قالوا: لم يبلُغ نقلُنا لذلكَ عَن عليٍّ ﵇ مبلَغا يوجبُ علمَ الضرورة، وإنَّما يُعلمُ صحّةُ نقلِنا بدليل، قيل لهم: فما ذلك الدليل، فإنا غيرُ عالمينَ بصحَّة ما ذكرتم، ولا عارِفي الدليل على ثبوته. فإن قالوا: الدليلُ عليه كثرةُ نقلةِ هذا الخبر من الشيعة، ونعرِف هممهُم ودواعِيَهم واعتراضَهم وتباعد ديارِهم وأوطانهم، وامتناعَ اتفاقِ الكذب من جمِيعهم في الأمر الواحد لداعٍ واحدٍ ودواعِ متفرقة، أو تراسُلهم وتشاعُرهم بذلك مع إكتامِه عليهم واستمرارِ السلامة بهم فيه، قيل لهم: فبدون العدد الذي وصفتُم تقع الضرورةُ إلى صدقِ النقَلةِ ويزولُ الشك والشبهة، وبنقلِ مثلِ هذا العدد ودونه حصلت لنا الضرورةُ إلى العلم بأن في العالم صينا وخراسانا، وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون نقل من ذُكر حاله ممّا نحتاجُ في العلمِ بصحته إلى نظرٍ وتفكُرٍ وإقامةِ برهانٍ ودليل.

стр. 420

وإن هم قالوا: أنتم تعلمون ضرورةً صحة َ نقل من نقلَ هذا من الشيعة عن علي، ولا تشكُون عند سماعِ نقلِهم أن عليّا قد خالف القومَ وأنكر ورودَ ما - صنعوه، قيل لهم: ما الحيلةُ عندنا في أمرِكم إلا السكوتُ عنكم وتنبيهُ الناس على بُهتكم، وكثرةِ التعخب مما أحوجَكم في نصرتِه إلى هذا البُهت والعِناد والمكابرة، فإنكم تعلمونَ ضرورةً أن قلوب جميعِ مخالفيكم خاليةٌ فارغة من العلم بما وصفتم، وأنهم جميعاً معتقدون لتكفِير مَن دان بذلك والبراءة منه، وإن كنتم تقنَعون منا بالإيمان على وجودنا أنفسنا غير عالمة بما قلتم واذعيتُم عليها، بَذَلنا لكم منها ما يُقنعكم، وإن أبيتم إلا القحاح والمكابرة، فما الفرق بينكم وبين من قال: إنكم تعلمون ضرورةً أنكم تكذبون في دعواكم هذه على علي، وتجدون أنفسَكم عالمةً بخلاف ذلك. وتعلمون ضرورةً أننا نعلم أنكم تكذبون، ولولا أنكم قد اضطررتم إلى العلم بأنكم تكذبون لم نجد أنفسنا مصرةً إلى العلم بكذبكم، وهذا مما لا سبيلَ لهم إلى الخروج عنه أبداً. فإن قالوا عند تحصيل هذا الكلام: ما أنكرتم أن يكون ما نقلتموه من متابعة علي الجماعةَ وإظهارِه، والاقتداء بمصحف عثمانَ والعمل به، فيه تفضيل لأبي بكرٍ وعمر وعثمان، وحسنُ الثناء عليهم وجميلُ القول فيهم. صحيحا على ما وصفتُم، وأن يكون إنّما فعلَ ذلك على وجه التقية والخوف من إظهارِ حقهِ وإنكارِ باطله، - وكشفِ تحريفهم وتحيرهم وقد كانت التقيةُ دينه، قيل لهم: وما الذي خافه في ذلك، وأيُّ شيء منعهُ منه، ومَن الذي قُتل أو سُجن أو عُسّف في أيام عثمانَ بحضور الجماعة على حقٍ قالَه ودَعا إليه، ولو جرى ذلك على علي ﵇ لا مِن مثله عليه معَ عظم قدره وشجاعته وعزةِ نفسه والعلمِ بتقدمه في الإسلام وسابقته وقرابته وفضله ومنع

стр. 421

بني هاشمٍ وشيعتِهم منه وحمايتهم لجانبِه، فقد كان يحبُّ أن يُظهر ما عنده في ذلك وينظر ما الذي يُحدث عنه، وإنّما كان يكونُ له عذر في ذلك لو تكرر مِن أبي بكرٍ وعمر وعثمان وشيعتهم إخافةُ قومٍ وقتلُهم لدُعائهم إلى حقٍ وأمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن منكر، وترادفَ ذلك منهم ترادفا يخافُ معه القتل، فأما وجميعُ هذه الأسباب معدومةُ الغميزةِ على عثمان إذ ذاك واقعة. وعلى غيره نجد كثيراً من الناس يثلُبُه وينتقِصُهُ له كعمار وابن أبي بكر وابن أبي حذيفة، وأهل مصر والكوفة، ومن سارَ من البصرة والأشترِ النخعي. وحُجر بن عَدي والتجيبي والغافقي وعمرو بن الجُمق، وأبي بديل بن ورقاء. والجمهور من الصحابة، فإنه قد كان يجبُ عليهم الإنكارُ على عثمانَ ومن كان قبله، وكشفُ ما صنعوا من تغيُّر القرآن ونقصانِه وإفسادِ نظمه، وكان ذلك وقتَ التغييرِ والمقال، وقد كان الناسُ عتِبوا على عثمانَ وتعقبوه وثلبوه ونقصوه بما لا تعلق فيه من حميته الحمى وإتمامِ الصّلاة بمنى، وأنه رجعَ يومَ أحدٍ ولم يحضر بدراً، وولى أما اربه، وأمثالُ ذلك. مما لا عُتب عليه فيه. وقد رويتم أنتُم أن عليا ﵇ أيام أفضت الخلافةُ إليه، وطُعن عليه وعلى الوالِيَين: قبله، وقال في خطبه الشقشقية (١) بعد ذمه لأبي بكر وقوله في عمر: "وصاحِبُها كراكب الضبعة إن أسلس لها عسفت، وإن غمزتها جريت، ثم قام ثالث القوم ( ... ) ، يخصمون مالَ الله تعالى خصمَ الإبل بيتَ الربيعِ حتى أموتَ به بِطنتَه، وأهجمَ عليه عمله " وأنه خطبَ الناسَ أيام

стр. 422

نظره خُطبة قال فيها: "أما إني لو أشاءُ أن أقولَ لقلتُ عفا الله عما سلف. مضى الرجلان وقام الثالثُ كالغُرابِ همَّته بطنُه يا وَيْحَهُ لو قصَّر جناحَه. وقطعَ ريشه كان خيراً له شُغل من الجنة، والنارُ أمامه، ثم قال: ألا إن كل قطيعةٍ اقتَطعها عثمانُ بن عفان أو مالٍ أعطاهُ من مال الله فهو مردود على المسلمين في بيتِ مالهم "، وأنه بعد ذلك قبض كل سلاح كان في دارِ عثمان ومال به على الناس، وأنه قبض سيفه ودِرعه وكانت في داره متخذة له، وأنه قال في أبي بكرٍ وعمر: "ألا إنهما منعاني حقي وهما يعلمان أن محلها مني محل القطب من الرَّحى، وقالا: ألا إن في الحق إن نأخذه وفي الحق إن نمنعه، فأصرَّا وجئت حبواً متأسفا، فصبرت من كظم الغيظ على أمرِّ من ، العلقم وأمرَّ للقلب من حرِّ الشغار"، في كلامٍ له يروونه طويل، وأنه قال: "أما واللهِ لقد نقص بها أوجودهم وهو يعلمُ أن مكانها مِني مكانَ القُطب من الرحى يتحادرُ إلى السيل ولا يرقى إلى الطير، لكني سدلتُ دونها ثوبا وطويت عنها كشحا"، في أمثال لهذا كثيرةٍ يروونها عنه، وقد نزَههُ الله عنها ورفعَ قدره عن التلفظ بها، بل قد حفظَ عليه الثبتُ الثقاتُ ضدها ونقيضها. غيرَ أنكمُ تعتقدون صحة هذه الروايات عنه وثبوتها، وكل هذا نقضُ التقية، وكلام من لا يخافُ السطوة، وهو مبطلٌ لقولكم عند ضيق المطالبة إنه لم ينقُض أحكام أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ويرد فدك على مستحقها، وأنفذ ما أمضاه القومُ وأقرَّه، لأن أنصاره كانوا شيعةَ أبي بكر وعمرَ وعثمان، فإذا لم يكن عليه إظهارُ ما رويتموه من ذمه لهم وتبزيه منهم وقُبحِ الثناءِ عليهم والوصف لظلمهم وتجبُّرهم تُقيَة، لم يكن عليه أيضا تُقيةٌ في إظهاره لتحريفهم القرآنَ وإلغاء كثيرٍ منه، وذكرٍ لما عنده من الضحيح ودعائه إليه وإذكارهم

стр. 423

إياه فكان ذلك لو فعله من أوضح حُجَجِه على ظلمهم وأقوى أسبابه، وذريعةً إلى ما يدعون الناس إلى البراءة منهم والكشف عما يدعونه من ضلالاهم. وبعد: فأيُّ تُقية عليه بعد حصول الأمر له وإشهارِ سيفِه وقتلِ من قتلَ بصفينَ والبصرة، ونصب الحرب بينه وبين مخالفيه فيما هو دون تغييرِ القرآن وامتناعه من إقرارِ معاويةَ على الشام، وقوله: (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) . فقد كانَ يجبُ أيضا أن يكشفَ الحال في تغيير القوم للقرآن وذكر ما فيه من نقصان، ويكون جهاده على ذلك أعظمَ وتعلُّقه به أشد. وكان لا أقل مِن أن يترك إظهارَ متابعة القوم أن يقرأ ويُقرىءَ بقراءتِهم إذ لم ينفرد بقراءةِ حرفٍ غيرَ ما كانوا يقرؤون كانفراد ابن مسعود وترك متابعته له، وكان ذلك كافيا في تشكك القوم وانقطاع التهمة والريب ولكان أعذر له من اتباع القوم على ما كانوا عليه. وبعد: فكيف أمكن خلافُ عبد الله بن مسعود وزالت عنه التقيةُ في انفراده بحرفه ومنافرته لهم في تركِه وإخراج مصحفه إليهم وتركِ متابعته لهم على قراءةٍ يعلم أنها منزلةٌ له ومباحةٌ مطلقة، واستبداده بحرفه إلى حين رجوعه إلى قولهم، ويتميزُ الحقُ له، ولم يُمكَن علي أن ينفرد عنهم، ويُظهر ما عنده ويصنع كصنيع ابن مسعود، وقد رآه فارق الجماعةَ فلم يُقتل صبراً ولا خيف ولا سُجن، وقد كانَ ﵇ أقوى نفسا وأعز عشيرةً وأكثرَ شيعةً وأنصاراً من عبد الله بن مسعود، فقد كان يجب أن يفعل كفعله حتى يكون ذلك عذراً له وحجةً لشيعته والمتَبعين له، ولو كان ذلك قد وقع لوجبَ علمنا به على حد ما وصفناه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ تعلُّقهم بالتقية بطلانا ظاهراً، وصح تسليمُ عليٍّ ﵇ على إقراءه الجماعة وفرقهم والمتابعة لهم على ثبوت نقلِ القرآن وصحّته من حيثُ لا يمكن دفعه

стр. 424

والارتيابُ به، - وجميعُ هذا الذي وصفناه يدلُّ على كذبهم على الأئمة من ولَده بنقصان القرآن. ثم يقال لهم: إن جميعَ أخباركم هذه التي تدَّعون تواتركم فيها إنما هيَ مروية عن نفرٍ من أهل البيت، وقد روينا عن سائرِهم ومن هو أكثرُ منهم عدداً من أهلِ البيت نقيضَ ما رويتموه، وأنهم جميعا كانوا يعظمون عثمانَ والصحابة، ويفضلون أبا بكرٍ وعمَر وعثمان، ويشهدونَ لهم بالجنّة ويصونوهم عن جميع أفعالِهم وسيرَيهم، وقدرُ ما رويتموه عن علي ﵇ من أنه حمل المصف هو قُنبرُ لا يقيلانه لا يدلُّ على أن القرآن الذي حمله كان أكثرَ مما جمعوه، وعلى خلاف ترتيبه، ولعله كان فى جلود كثيفة ثقيلة المحمَل، وقدرُ ما قراه عليهم لا يدلُّ على أنهم نقصوا وضيعوا من القرآن، بل إنّما قرأ عليهم منه ما في مصحَفه، والرّواياتُ عنهم متظاهربلا متواترة على ما سنضيفه بعد ما وصفتم، وتصويبُ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ والإخبارُ بأنَّ ما فعلاه كان بملأَ من الأمة، وأحوطُ الأمور لكتاب الله غيرَ أنّنا نعدلُ في هذا الموضوع عن ذلك أجمعَ ونذكره على التفصيل وقتَ الحاجة إليه. ونسلم لكم نظراَ صحّة - جميعِ وواياتِكم عن أهلِ البيت لتغييره ونقصانه وأنها قد ثبتت وعُلم صحتُها، ونقطعُ على صدقكم فيها، فخبرونا مع تسليم ذلك، ما الدليلُ على صحة قراءة هؤلاء النّفر من أهل البيت لما قرؤوه وقولهم أن ربُع القرآنِ كان منزلاً فيهم فأسقط، وأنه قد خنَس منه ما فيه لعنُ سبعينَ رجلاً من قريشٍ بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم، وأنتم جميعا تروون عنهم روايةً لا تشكُون فيها أنهم كانوا يعتقدون - أن أول هؤلاء السبعين أو من جملتهم أبو بكر وعمر وعثمان، وطلحةُ والزّبيرُ وعبدُ الرحمن ابن عوف، وسعدُ بنُ مالكٍ وسعيدُ بن زيدٍ بن عمرَ بن نفيل،

стр. 425

وأبو عبيدة بنُ الجراح، وغيرُ هؤلاء ممن لا حاجةَ بنا إلى ذكره، وقد عرفتم أن جميعَ من خالفكم يعتقد أنه ليس فيما أنزل الله سبحانه لعنُ أحدٍ من هؤلاء، بل فيه تقريظهم وتعظيمهم وحسنُ الثناء عليهم والأمرُ بالاستغفار لهم والاقتفاء لآثارهم، وأن جميعَ من اعتقد نقصَ هذه الطبقة من سلف الأمَّة وخلَفها وأن اللهَ قد أنزلَ في لعنِها قرآنا في نص كتابه ومحكم تنزيله فقد ضل وأخطأ، وأنهم جميعا - أعني مخالفيكم ينزهون جميع أهلِ البيت الذين رويتم عنهم هذه الروايات، وغيرَهم منهم عن هذا الذي أضفتُموه إليهم وعلَّقتموه عليهم، ويَنْسبونكم إلى الكذب والافتعال عليهم ووضع هذه التلفيقات عليهم للتأكُل والتكسب، وتروون عن أهل البيت وصفكم بالكذب عليهم والتأكُل بهم واللعن لكم، والبراءةِ منكم، فإن أبيتم إلا دفعَ الأخبار التي يروونها مخالفوكم عن أهل البيت وتصحيح رواياتكم هذه عنهم، فما الدليلُ على صحة قولكم هذا، أو صحة رِواياتكم عنهم وعلى صدقكم عليهم، وما البرهانُ على أنهم لم يغلَطوا، ﵈، ولم يتأؤلوا في ذلك أقاويلاً ليس على ما قدروه، ولم يأخذوا كثيراً من هذه الأقوال والروايات عن قومٍ وضعوها لهم وتخرصوها وأسندوها إليهم إلى النبي صلى الله عليه، أو عن أبيهم علي بن أبي طالبٍ ﵇، وأنتم لم ترووا أن قراءة جعفر بن محمد، وما رويتموه أيضا عن غيره من أهل البيت مرفوعةٌ عندَهم عن النبي صلى الله عليه، ولا عن علي ﵇، وإنَّما رويتم أنهم قالوا: لو قُرئ القرآنُ كما أنزل لوجدوا فيه كذا وكذا، وأن كل رجلٍ منهم قرأ بكذا وكذا، وإذا لم يُسندوا ذلك ولم يرفعوه إلى جدهم وإلى أبيهم فما يُدرينا لعلهم
следующие страницы →