بني هاشمٍ وشيعتِهم منه وحمايتهم لجانبِه، فقد كان يحبُّ أن يُظهر ما عنده
في ذلك وينظر ما الذي يُحدث عنه، وإنّما كان يكونُ له عذر في ذلك لو
تكرر مِن أبي بكرٍ وعمر وعثمان وشيعتهم إخافةُ قومٍ وقتلُهم لدُعائهم إلى
حقٍ وأمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن منكر، وترادفَ ذلك منهم ترادفا يخافُ معه
القتل، فأما وجميعُ هذه الأسباب معدومةُ الغميزةِ على عثمان إذ ذاك واقعة.
وعلى غيره نجد كثيراً من الناس يثلُبُه وينتقِصُهُ له كعمار وابن أبي بكر وابن
أبي حذيفة، وأهل مصر والكوفة، ومن سارَ من البصرة والأشترِ النخعي.
وحُجر بن عَدي والتجيبي والغافقي وعمرو بن الجُمق، وأبي بديل بن ورقاء.
والجمهور من الصحابة، فإنه قد كان يجبُ عليهم الإنكارُ على عثمانَ ومن
كان قبله، وكشفُ ما صنعوا من تغيُّر القرآن ونقصانِه وإفسادِ نظمه، وكان
ذلك وقتَ التغييرِ والمقال، وقد كان الناسُ عتِبوا على عثمانَ وتعقبوه وثلبوه
ونقصوه بما لا تعلق فيه من حميته الحمى وإتمامِ الصّلاة بمنى، وأنه رجعَ
يومَ أحدٍ ولم يحضر بدراً، وولى أما اربه، وأمثالُ ذلك. مما لا عُتب عليه فيه.
وقد رويتم أنتُم أن عليا ﵇ أيام أفضت الخلافةُ إليه، وطُعن عليه
وعلى الوالِيَين: قبله، وقال في خطبه الشقشقية (١) بعد ذمه لأبي بكر وقوله في عمر: "وصاحِبُها كراكب الضبعة إن أسلس لها عسفت، وإن غمزتها
جريت، ثم قام ثالث القوم ( ... ) ، يخصمون مالَ الله تعالى خصمَ الإبل
بيتَ الربيعِ حتى أموتَ به بِطنتَه، وأهجمَ عليه عمله " وأنه خطبَ الناسَ أيام
стр. 422
نظره خُطبة قال فيها: "أما إني لو أشاءُ أن أقولَ لقلتُ عفا الله عما سلف.
مضى الرجلان وقام الثالثُ كالغُرابِ همَّته بطنُه يا وَيْحَهُ لو قصَّر جناحَه.
وقطعَ ريشه كان خيراً له شُغل من الجنة، والنارُ أمامه، ثم قال: ألا إن كل
قطيعةٍ اقتَطعها عثمانُ بن عفان أو مالٍ أعطاهُ من مال الله فهو مردود على
المسلمين في بيتِ مالهم "، وأنه بعد ذلك قبض كل سلاح كان في دارِ عثمان
ومال به على الناس، وأنه قبض سيفه ودِرعه وكانت في داره متخذة له، وأنه قال في أبي بكرٍ وعمر: "ألا إنهما منعاني حقي وهما يعلمان أن محلها مني
محل القطب من الرَّحى، وقالا: ألا إن في الحق إن نأخذه وفي الحق إن
نمنعه، فأصرَّا وجئت حبواً متأسفا، فصبرت من كظم الغيظ على أمرِّ من
، العلقم وأمرَّ للقلب من حرِّ الشغار"، في كلامٍ له يروونه طويل، وأنه قال:
"أما واللهِ لقد نقص بها أوجودهم وهو يعلمُ أن مكانها مِني مكانَ القُطب من
الرحى يتحادرُ إلى السيل ولا يرقى إلى الطير، لكني سدلتُ دونها ثوبا
وطويت عنها كشحا"، في أمثال لهذا كثيرةٍ يروونها عنه، وقد نزَههُ الله عنها
ورفعَ قدره عن التلفظ بها، بل قد حفظَ عليه الثبتُ الثقاتُ ضدها ونقيضها.
غيرَ أنكمُ تعتقدون صحة هذه الروايات عنه وثبوتها، وكل هذا نقضُ التقية، وكلام من لا يخافُ السطوة، وهو مبطلٌ لقولكم عند ضيق المطالبة إنه لم
ينقُض أحكام أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ويرد فدك على مستحقها، وأنفذ ما
أمضاه القومُ وأقرَّه، لأن أنصاره كانوا شيعةَ أبي بكر وعمرَ وعثمان، فإذا لم
يكن عليه إظهارُ ما رويتموه من ذمه لهم وتبزيه منهم وقُبحِ الثناءِ عليهم
والوصف لظلمهم وتجبُّرهم تُقيَة، لم يكن عليه أيضا تُقيةٌ في إظهاره لتحريفهم
القرآنَ وإلغاء كثيرٍ منه، وذكرٍ لما عنده من الضحيح ودعائه إليه وإذكارهم
стр. 423
إياه فكان ذلك لو فعله من أوضح حُجَجِه على ظلمهم وأقوى أسبابه، وذريعةً إلى ما يدعون الناس إلى البراءة منهم والكشف عما يدعونه من ضلالاهم.
وبعد: فأيُّ تُقية عليه بعد حصول الأمر له وإشهارِ سيفِه وقتلِ من قتلَ
بصفينَ والبصرة، ونصب الحرب بينه وبين مخالفيه فيما هو دون تغييرِ القرآن
وامتناعه من إقرارِ معاويةَ على الشام، وقوله: (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) .
فقد كانَ يجبُ أيضا أن يكشفَ الحال في تغيير القوم للقرآن
وذكر ما فيه من نقصان، ويكون جهاده على ذلك أعظمَ وتعلُّقه به أشد.
وكان لا أقل مِن أن يترك إظهارَ متابعة القوم أن يقرأ ويُقرىءَ بقراءتِهم إذ لم
ينفرد بقراءةِ حرفٍ غيرَ ما كانوا يقرؤون كانفراد ابن مسعود وترك متابعته له، وكان ذلك كافيا في تشكك القوم وانقطاع التهمة والريب ولكان أعذر له من اتباع القوم على ما كانوا عليه.
وبعد: فكيف أمكن خلافُ عبد الله بن مسعود وزالت عنه التقيةُ في
انفراده بحرفه ومنافرته لهم في تركِه وإخراج مصحفه إليهم وتركِ متابعته لهم
على قراءةٍ يعلم أنها منزلةٌ له ومباحةٌ مطلقة، واستبداده بحرفه إلى حين
رجوعه إلى قولهم، ويتميزُ الحقُ له، ولم يُمكَن علي أن ينفرد عنهم، ويُظهر
ما عنده ويصنع كصنيع ابن مسعود، وقد رآه فارق الجماعةَ فلم يُقتل صبراً
ولا خيف ولا سُجن، وقد كانَ ﵇ أقوى نفسا وأعز عشيرةً وأكثرَ
شيعةً وأنصاراً من عبد الله بن مسعود، فقد كان يجب أن يفعل كفعله حتى
يكون ذلك عذراً له وحجةً لشيعته والمتَبعين له، ولو كان ذلك قد وقع
لوجبَ علمنا به على حد ما وصفناه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ تعلُّقهم
بالتقية بطلانا ظاهراً، وصح تسليمُ عليٍّ ﵇ على إقراءه الجماعة
وفرقهم والمتابعة لهم على ثبوت نقلِ القرآن وصحّته من حيثُ لا يمكن دفعه
стр. 424
والارتيابُ به، - وجميعُ هذا الذي وصفناه يدلُّ على كذبهم على الأئمة من
ولَده بنقصان القرآن.
ثم يقال لهم: إن جميعَ أخباركم هذه التي تدَّعون تواتركم فيها إنما هيَ
مروية عن نفرٍ من أهل البيت، وقد روينا عن سائرِهم ومن هو أكثرُ منهم عدداً من أهلِ البيت نقيضَ ما رويتموه، وأنهم جميعا كانوا يعظمون عثمانَ والصحابة، ويفضلون أبا بكرٍ وعمَر وعثمان، ويشهدونَ لهم بالجنّة ويصونوهم عن جميع أفعالِهم وسيرَيهم، وقدرُ ما رويتموه عن علي ﵇ من أنه حمل المصف هو قُنبرُ لا يقيلانه لا يدلُّ على أن القرآن الذي حمله كان أكثرَ مما جمعوه، وعلى خلاف ترتيبه، ولعله كان فى جلود كثيفة ثقيلة المحمَل، وقدرُ ما قراه عليهم لا يدلُّ على أنهم نقصوا وضيعوا من القرآن، بل إنّما قرأ عليهم منه ما في مصحَفه، والرّواياتُ عنهم متظاهربلا متواترة على ما سنضيفه بعد ما وصفتم، وتصويبُ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ والإخبارُ بأنَّ ما فعلاه كان بملأَ من الأمة، وأحوطُ الأمور لكتاب الله غيرَ أنّنا نعدلُ في هذا الموضوع عن ذلك أجمعَ ونذكره على التفصيل وقتَ الحاجة إليه.
ونسلم لكم نظراَ صحّة - جميعِ وواياتِكم عن أهلِ البيت لتغييره ونقصانه
وأنها قد ثبتت وعُلم صحتُها، ونقطعُ على صدقكم فيها، فخبرونا مع تسليم
ذلك، ما الدليلُ على صحة قراءة هؤلاء النّفر من أهل البيت لما قرؤوه
وقولهم أن ربُع القرآنِ كان منزلاً فيهم فأسقط، وأنه قد خنَس منه ما فيه لعنُ
سبعينَ رجلاً من قريشٍ بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم، وأنتم جميعا
تروون عنهم روايةً لا تشكُون فيها أنهم كانوا يعتقدون - أن أول هؤلاء
السبعين أو من جملتهم أبو بكر وعمر وعثمان، وطلحةُ والزّبيرُ وعبدُ الرحمن
ابن عوف، وسعدُ بنُ مالكٍ وسعيدُ بن زيدٍ بن عمرَ بن نفيل،
стр. 425
وأبو عبيدة بنُ الجراح، وغيرُ هؤلاء ممن لا حاجةَ بنا إلى ذكره، وقد عرفتم أن جميعَ من خالفكم يعتقد أنه ليس فيما أنزل الله سبحانه لعنُ أحدٍ من هؤلاء، بل فيه تقريظهم وتعظيمهم وحسنُ الثناء عليهم والأمرُ بالاستغفار لهم والاقتفاء لآثارهم، وأن جميعَ من اعتقد نقصَ هذه الطبقة من سلف الأمَّة وخلَفها وأن اللهَ قد أنزلَ في لعنِها قرآنا في نص كتابه ومحكم تنزيله فقد ضل وأخطأ، وأنهم جميعا - أعني مخالفيكم ينزهون جميع أهلِ البيت الذين رويتم
عنهم هذه الروايات، وغيرَهم منهم عن هذا الذي أضفتُموه إليهم وعلَّقتموه
عليهم، ويَنْسبونكم إلى الكذب والافتعال عليهم ووضع هذه التلفيقات
عليهم للتأكُل والتكسب، وتروون عن أهل البيت وصفكم بالكذب عليهم
والتأكُل بهم واللعن لكم، والبراءةِ منكم، فإن أبيتم إلا دفعَ الأخبار التي
يروونها مخالفوكم عن أهل البيت وتصحيح رواياتكم هذه عنهم، فما الدليلُ
على صحة قولكم هذا، أو صحة رِواياتكم عنهم وعلى صدقكم عليهم، وما البرهانُ على أنهم لم يغلَطوا، ﵈، ولم يتأؤلوا في ذلك أقاويلاً
ليس على ما قدروه، ولم يأخذوا كثيراً من هذه الأقوال والروايات عن قومٍ
وضعوها لهم وتخرصوها وأسندوها إليهم إلى النبي صلى الله عليه، أو عن
أبيهم علي بن أبي طالبٍ ﵇، وأنتم لم ترووا أن قراءة جعفر بن
محمد، وما رويتموه أيضا عن غيره من أهل البيت مرفوعةٌ عندَهم عن النبي
صلى الله عليه، ولا عن علي ﵇، وإنَّما رويتم أنهم قالوا: لو قُرئ
القرآنُ كما أنزل لوجدوا فيه كذا وكذا، وأن كل رجلٍ منهم قرأ بكذا وكذا، وإذا لم يُسندوا ذلك ولم يرفعوه إلى جدهم وإلى أبيهم فما يُدرينا لعلهم
стр. 426
قالوه برواية راوٍ لهم لا تقوم الحجَّة ُ بمثله، ويمكنُ الكذِب والافتعالُ في
قوله وروايته، أو لعلَّهم بضرب من الرأي والتقدير، ولعلَّهم استجازوا
القراءة بالمعنى وقالوا في ذلك ضرباً من التأويل، فمن أينَ نعلمُ صوابَ هذه
القراءات التي رويتموها عنهم مع تجويزها عنه مع تجويز ما وصفناه، وليس
هم أيضا أهلَ تواترٍ فيما يروونه، هذا مع أن قراءتَهم هذه مخالفةٌ لقراءةِ
عثمانَ وعلي والجماعة، وقد اتفق عليه عندنا سائرُ سلفِ الأمَّة، الذين كل
من حدَّث بعدَهم من أولادِ نبيهم وغيرهم محجوجين بقولهم وإجماعهم.
فإن قالوا: الذي يدلُّ على صحة ما قرأوه أنه هو كتابُ الله المنزل دونَ
ما خالفه من قول مَن كان قبلكم وقد يحدُثُ بعدهم، ما صحَّ وثبت مِن
إمامتهم ونص الرسول عليهم، وما هم عليه من العصمةِ التامة والوقارةِ
الكاملة، وامتناع الكذب والسهو والخطأ والإغفال والتقصير عليهم، لما
أفردهم الله تعالى من عصمَتهم وألزمَ العالمَ من فرض طاعتهم والانقياد
لهم، لأن اللهَ تعالى لا ينص على إمامة قوم على لسانِ رسوله إلا أن يكونوا
أبراراً معصومين من كلِ زلةٍ وسهوٍ وخطيئة، ويسيرِ الذنوب وكثيرها.
فيقال لهم: من سلّم لكم النص عليهم، وأنهم أئمة الأمّة، وأنهم من
الوقارة والعصمَة بحيث وصفتم، وأنتم تعلمون أننا نمنع ذلك أجمعَ في على
وأبي بكر وعمرَ وعثمانَ ونُبطلُ هذه الجملة، فما الحجَّة أيضا على صوابِ
هذه الدعوى، وأن الخلافَ فيها كالخلاف في أمرِ القرآنِ بل لعله أعظمُ
وأخطر، فإن كان صحةُ هذه القراءات المرويَّة عنهم منوطا معقوداً بصحَّة ِ
إمامَتهم وثبوت النصِّ عليهم، فيجبُ أن تدعوا أولا عن ثبوت هذه الجملة.
وأن فرضَ الإمامة واجبٌ من جهةِ العقل وأنها لا تثبتُ إلا بنص من الرسول.
وأن ذلك النص إذا وجبَ لا يجوزُ أن يقعَ إلا على وافرٍ معصومٍ فإننا
стр. 427
نخالفكم في هذا أجمع، ونرده أشد مِن ردنا لصحة هذه القراءات التي
رويتمُوها عن هذا السلف الصالح، وقد يجبُ أن يقولوا على هذا الباب دون
ذكرِ التواتر والاستفاضةِ وإيجابِ خبر الشيعة للعلم وقطعه للعذر، وهذا
مُحير منهم، فإن عدلوا إلى تثبيت هذه الأصول وتصحيح النص كُلِّموا في ذلك بما ذكرناهُ وشرحناه في كتاب "الأمامة"، وفي "شرح اللُمَع" وغيرِه من الكتب، ولولا كراهِتنا التطويل والإكثار لذكرنا منه طرفا.
وإذا فسد بما ذكرنا هناك النص وصح الاختيار، ولم يكن هذا العددُ من
أهل البيت الذين رووا هذه القراءاتِ عنهم عدداً يثبُت بهم التواترُ لو رفعوا
أقاويلهم هذه التي رويتموها وقرآنهم إلى النبي صلى الله عليه، وإلى أبيهم
على بن أبي طالبٍ ﵇، وكان الخطا والسهوُ والإغفالُ والغلطُ في
التأويل وقبولِ روايةِ من لم يقطَع خبرهُ العذرَ جائزاً عليهم كما أنه جائز عندنا
على أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان، لم يكن معهم حجة على صواب قولهم وصحة
قراءاتهم، إذا كانت الحالُ على ما وصفناهُ ولا محيص لهم من ذلك إلا تنقلُ
الكلام إلى الإمامة وتصحيحِ النص، والأمرُ في ذلك أسهلُ وأقربُ فما نحن
معهم فيه.
ويقال لهم أيضاً: اعلموا على أننا قد سلَّمنا لكم عصمَتهم ونص
الرسولُ عليهم، فمن أين لنا أنكم صادقون مما تروونَه عنهم مِن هذه
القراءات، ولستم بمعصومينَ من السهو والإغفال والكذب والافتعال، بل
ما نشك في أنكم تكذبون عليهم في هذا وغيرِه من الضلالات التي تُضيفونها
إليهم فبان أنه لا تعلق لكم أيضا في عصمتهم وثبوت النص عليهم.
ثم يقال لهم: ألستم جميعا تزعمون أن عليًّا ﵇ وجماعة ولده
وعِترَته قد أظهروا في أوقاتٍ كثيرةٍ متغايرةٍ القولَ بصحَّة مصحفِ عثمان؟!
стр. 428
وأنّه هو كتابُ الله المنزّلُ على ما أنزل، وقرأوا به وأقرأوه على سبيل التقية
والخوف من قتلِ الظالمين وسيوفِهم وسطوتهم؟! لأن القوم كانوا شيعةَ أبي
بكر وعمر وعثمان.
فإن قالوا: نعم، ولا بُدَّ من ذلك لأنّه دينُ جميعهم، قيل لهم: فهل دل
إظهارُهم لذلك على أنهم كانوا يعتقدون ما يُظهرونه.
فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فما أنكرتم إذا كان هذه جائزاَ على الأئمة
من أن يكون جميعُ ما أظهره علي ﵇ وولَدهُ من بعده من هذه
القراءات والأقاويل في القرآن إنما أبدوه وقالوا على سبيل التقية من مالكٍ
الأشتر وعَمرو بن الحمق، وبُديل بن ورقاء الخزاعي ومحمد بن أبي حذيفة.
والتجيبي والغافقي وحكيم بن جبلة العبسي، وسائر أهل الفتنة الذين كانوا
يدعون إلى إمامته ويُظهرون موالاته، وأنهم كانوا مع ذلك لا يتعلّقون في
الدّين بشيء، وأنّهم تهددوهُ وتوعدوه بأنه لم يُظهر مخالفةَ القوم في
المصحف، والوصفِ لهم بالظلم اغتالوه وسفكوا دمه، فخاف عند ذلك
سطوتهم وعلمَ مخالفَتهم ومفارقَتهم للدين، وأنّهم ليسوا بشيعةٍ لأبي بكرٍ
وعمر وآله، فلمّا خافهم على نفسه أظهر ولده من ذلك ما رَويتُم، ولم يكن
هؤلاء عِترته على اعتقاد شيء من ذلك، وكذلك كانت حال محمد بن الحنفيّة، والصادق والباقر في أنهم جميعا كانوا يخافون سطوةَ من يتأكَل بهم ويُنسبُ إليهم وإلى موالاتهم، ويرهبونَهم ويخافونهم على أنفسهم، فأظهروا هذه ْالقراءات وهذه الأقاويل في القرآن على وجه التقيَة والخوف من المختار بن عبيد، وأمرائه من جنده من كان في عصرِهم ممن يُنسب إلى التشيع، وتعلَمُ هذه الفرقةُ من أهلِ البيتِ أنهم ليسوا من المسلمين - في - شيء -، وأن تكون بواطنهم منظومةَ على خلاف ما أبدوه أظهروه، فإن ذلك ليس بأعظم من
стр. 429
إظهارِ علي والحسن والحسين بصحة مصحف عثمان وقراءته به والإقراء به
دهراً طويلاً على وجه التقية مع علمهم عندكم بانّه مغير ومبدل ومرتَب على
التخليط والفساد، وهذا ما لا جوابَ لهم عنه.
ويقال لهم: فلعل القرآن المرتب على حساب ما أنزل ليس هو عند علي
والأئمة من ولَده مما في مصحف عثمان، ولا هو هذه القراءة التي رويتموها
عنه وعنهم، وأن يكون غير ذلك أجمع، إلا أن التقية منعت من إظهاره فلا
يجدون إلى دفع ذلك سبيلاً.
فإن قالوا: المتقي الخائفُ لا بدَّ له مع إظهارِ ما يُظهره مما هو متقٍ فيه
عن أسباب ورموز وإشاراتٍ وأحوالٍ لا يمكن نقلها وأسبابٍ تظهر منه يُعلم
بها ما هو الحق عند شيعته وأتباعه ودعاته وإن خفي ذلك على عدوه ومن
خافه على نفسه، ومن لم يفعل ذلك كان غاشاً مُلبِّسا، وقد كانت هذه
الأسبابُ كلها موجودةً في علي والأئمة من ولده وقت إظهارهم القولَ
بتسليم مصحفه - أعني عثمانَ وصحبه - وعُلم من حالهم استبطانُهم لخلافِ
ما أظهروه، ولم يكن منه ولا من ولَده شيء من هذه الأمور عند إظهارِهم
للقراءةِ التي رويتموها عنهم والأقوال التي قالوها في القرآن، فوجب لذلك
أن يكون دينهم في القرآن ما رويناه عنهم دون ما رواه سائرُ فرق الأمة.
وفيل لهم: ما الفصل بينكم وبين مَن قالَ لكم إن جميع هذه الأسباب
كانت مفقودةً من علي وولَده عند إظهمارهم القولَ بصحَّة مصحف عثمان
والاعترأف به،، وأنها بأسرِها قد وجُدت من علي وولده عند إظهارهم لهذه
القراءاتِ والأقوال التي رويتموها عنهم في القرآن، فعُلم بذلك أن دينَهم في
القرآن وأنه بأسره الذي بين اللوحين على ترتيب ما أنزِل مذهبُ عثمانً "
والجماعة، فهل تجدون في ذلك فصلاً،
стр. 430
فإن قالوا: قد نقلت الشيعةُ خلفا عن سلف، وهم قوم أثبتت الحجةُ
أنهم علموا ضرورةً مِن دينِ علي والأئمة مِن ولَده أن دينهم في القرآن ما
رَوُوه عنهم دُون ما رَواه أصحابُ الحديث وسائر فرق الأمَّة، فوجبَ أن
يكون القولُ في ذلك ما قالت الشيعة.
قيل لهم: ما الفصلُ بينكم وبينَ مَن قالَ إن أصحابَ الحديث وسائرَ
فِرَق الأمَّة قد روُوا جميعا، وببعضِهم تثبتُ حجة ُ التواترِ خلفا عَن سَلفٍ أنهم
علِموا ضرورةً من دِين علي وولَده أنهم يعتقدونَ في القرآن صحة مذهبِ
عثمانَ والجماعة، فوجبَ أن يكون الحق ما قاله مخالفكم.
فإن قالوا: لو علموا ذلك ضرورةً لعلمناه كما علِموه، ولاشتركنا في
ذلك ونحن نجدُ أنفُسنا غيرَ عالمةِ بصحَّة دعواهم هذه.
قيل لهم: لو علِمتم أنتم ضرورةً عند تلقيكم لهذه الأخبار عَن رُواتها أن
مذهبَ علي والجماعة من ولَده ما وصَفتم، لعلمنا نحنُ وسائرُ مخالِفيكم
ضرورةً من ذلك ما علمتُموه، فلما لم نجد أنفسنا عالمةَ بذلك بأن كذبُكم
في هذه الدعاوي.
فإن قالوا: أنتم تعلمون صحة قولنا ضرورةً ولكنكم تجحَدون وتعانِدون.
قيل لهم: وكذلك أنتم تعلمون صحة نقلنا عن علي وأهل البيت ولكنكُم
تجحَدون وتعانِدون.
فإن قالوا: لو لم تضطرونا إلى صحة ِ قولنا فيما ندعيه على أهل البيت
لم نضطر نحن إلى ذلك، فلمَّا كنَّا إليه مضطرين علمنا أن حالكم في ذلك
حالنا؟
قيل لهم: ولو لم تضطروا إلى صدق ما ندعيه على علي وولده وأنكم
تكذبون في ادعائكم عليهم خلافِ ذلك لم نُضطر نحن إلى أنكم تكذبون،
стр. 431
وإلى أن دينَ عليٍّ والجماعة ما وصفناه، فلمَّا اضطُرِرنا إلى ذلك علِمنا أنكم
قد اضطررتم إلى ما نحنُ إلى العلمِ مضطرون، ولا جواب لهم عن هذا أبداً -
فإن قالوا: إنما يعلمُ دينَ أهلِ البيت مَن توالاهُم وثبت النص عليهم
وتبرأ من أعدائهم، وهذه هي صفةُ الشيعة.
قيل لهم: نحن نتوالهم ونتبرّأ من أعدائهم ولا نُثبتُ النص عليهم، ولو
كنتم مُحقين في إثباتِ النص عليهم وكنَّا نحن في إنكارِه مبطلون، لم يدلّ
ذلك على أنكم لا بد أن تضطروا إلى العلم بدينهم في القرآن إذا جازت عليه
التقيةُ مع ثبوتِ النص، وقد يُعرف دينُ الرجل وما يقصد أن يضُر به مخالفُهُ
وعدوه كما يعرفُه موافقه ومُواليه، فلا متعلق ولا طائلَ فيما ذكرتُم فبطل
بذلك توهيمُكم بذكر الولاءِ والبراءِ وعودِكم إلى النص.
ثم يقالُ لهم: إن وجبَ القطعُ على صدقِ هذه الطبقةِ من الشيعة في
روايتهم عن علي والسلفِ الصالحِ من ولده في تغيير القرآن ونقصانه، فما
أنكرتُم من وجوبِ تصديقِ الفريقِ الآخرِ من الشيعةِ الذين يروون عن مثلهم
مع كثرة عددهم واختلاف هممهم وتفرق ديارهم عن عليٍّ والأئمة من ولَده
أن هذا القرآنَ المرسومَ بين اللوحين هو جميعُ كتاب الله المنزل على رسوله
على ترتيبه ونظامه غيرَ مغيّر ولا مبدّل ولا مزيدٍ فيه، وأنهم كانوا يقرؤونه
ويُقرئونه ويوقفونهم على اعتقادهم لصحته وكماله وتمامه، والكذبُ
مستحيل على مثلهم، وخبرهُم هذا معارض لخبركم في نقيض موجبِه، وقد
علمتم علما لا يتخالجكم فيه الشك والريب أن في الشيعة خلقاً عظيما
يعتقدون في صحة القرآن ونظمِه وترتيبه اعتقادَ أصحابِ الحديثِ وسائر فرقِ
الأمة، وأئهم يروون ذلك عن علي ﵇ والأئمة من ولده، فما الذي
جعل خبرُكم بالتوثيق والتصديق أولى من خبرِهم وهم في الكثرة كأنتم بل
стр. 432
أكثر، لأن الدهماءَ من الشيعة والسواد الأعظمِ ينكرُ نقصان القرآنِ وتغييرَه
وتبديله، ويُعظم ذلك ويتبرأ من قائله ويكفّرُ الدائن به، ويُفرقُ في ذمِ معتقده
والناصر له كثرَ من افتراق جميعِ فرقِ الأمَّة، والقليلُ منهم القائلُ بقولكم
والناصرُ له، ولا جواب لهم عن ذلك.
فإن قالوا: القائلُ بهذا من الشيعة يناقضُ بهذا القولِ مذهبه، ودافع
بمقالته هذه للولاء، ومتولٍّ بقوله الأعداءَ من ظالمي أهلِ بيت رسول الله صلى
الله عليه ومصوّر لهم على ما كانوا عليه، وهذا لا يشبهُ اعتقادهم فيهم ويبرئه منهم ونحن على سنن في فرقِ القوم بما قلناه وإضافة هذه الضّلالة إليهم.
يقالُ لهم: ما قلتموهُ لا يخرجُ القومَ عن أن يكونوا كثرةَ يخبرونَ أنهم
نقلوا عن كثرة إلى أن يتصل ذلك بعلي والأئمة من ولده أن القرآن بأسره هو
الذي بين اللوحين غير مغيرٍ ولا مبدَّلٍ ولا منقوصِ منه، فنقلُهم لهذا بمثابةِ
نقلكم لضد روايتهم، فإن كانت هذه الرّوايةُ توجبُ عليهم تركَ الولاء والبراء فيجبُ أن يصيروا إلى ذلك، ويجبُ أن تصيروا أنتم أيضا إلى ذلك إذا كان هذا الخبرُ الذي رَووهُ حجة ً كاعتقادهم وآباءِهم بشيءٍ يوجبُ نقيضَ موجَب الخبر، لا يخرج الخبر أن يكون صحيحا، فالتعللُ في هذا بما قلتم لا معنى له.
ثم يقالُ لهم: إن الولاء والبراء غيرُ مفتقرٍ على أصولكم إلى اعتقاد تغيير
أبي بكرِ وعمرَ وعثمانَ وسائرِ الأمَّة للقرآن، وإنَّما يجبُ تولي علي والأئمة.
واعتقاد كونهم أئمةَ منصوصا عليهم، والتبري ممن ظلمَهم وغَصبهم ودفعهم
عن حقوقِهم وتآمر عليهم، وقد أمر بأن يكون رعية لهم. وما يتصلُ بهذه
الجملة مما هو في معناها، وليس يفتقرُ اعتقادُ الولاء والبرأءِ إلى الكذب
على أبي بكر وعُمر وعثمانَ بنقصان القرآنِ وتغييره، كما لا يوجب ذلك أنَ
стр. 433
يعتقد فيه الزندقة، وأنهم كانوا ثنوية أو براهمةَ أو عبدة الدِّيك والتدرج.
ومظهرين لذلك ومناظرين عليه حتى يجبُ أن يكونَ من لم يعتقد أن هذه
الأمورَ كانت دينَ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فقد نقضَ قوله بالولاء والبراء، وإذا كان ذلكَ كذلك بطلَ تعللُ النفس بهذا الضرب من الجهل، ووجبَ أن يكونَ نقلُ هذه الطبقة من الشّيعة عن عليّ والأئمة من ولَده تصحيحَ هذا القرآن وتسليمه، وأنه على ما أنزل غير مغير ولا مبدل مع كثرةِ عددهم وامتناع اتفاقِ الكذب منهم ووقوع تواطىء عليه، مع انكتامه عليهم يوجبُ توثيقه والقطعَ على صحته، ولا حيلةَ لهم في دفعِ ذلك.
فإن قالوا: قولُ هذا الفريق من الشيعة والمفضلين لعلي وعترته قول
محدَث، وإلا فقد صحّ أن يذهب علي وجميعُ السلف والأئمّة من ولَده أن
القرآن مغيرٌ مبدَّلٌ منقوص، فلا معتبرَ بخلافهم.
يقال لهم: افصلوا بينكم وبينَ من قالَ إن قولكم مذهبُ علي وولده
القولُ بنقصانِ هذا القرآنِ وتغييره، مذهب محدَث قريبُ الحدوث، وأن
شيوخَ الشيعة وغيرِهم أكثرُ وأقدمُ منه، وأن القولَ بأن مذهبَ عليّ والأئمة
من ولَده أن جميعَ ما أنزلَ الله تعالى من القرآن على نبيه صلى الله عليه هو
هذا المرسومُ بين اللّوحين على وجهه وترتيبه، هو المذهبُ القديمُ المعروفُ
المروي عن الثبّت الثّقات وعن الكافة فلا معتبر بقولكم وخلافكم، فهل
ترون لكم من هذا مخرجا؟ !
стр. 434
ويقال لهم أيضاً: إن وجبَ ولزم القولُ بصحةِ خبرِكم والقطعِ بصدقكم.
والمصيرِ إلى موجبِ روايتكم عن على وولَده في نقصانِ القرآنِ وتغييره
وتبديله، وإفسادِ نظمه وإيقاعِ التخليط فيه لأجل ما أنتم عليه من كثرةِ العددِ واختلافِ الهِمم وتعذر اتفاق الكذبِ مِن مثلكم، واستحالةِ التواطؤ والتشاعر عليكم، فما أنكرتم من وجوب القطع على صحة خبر سائر أصحاب الحديث، وجميعِ فرقِ الأمَّة: من المعتزلة والمُرجئة والنجادية والمثبتة، في روايتهم عن علي وولده الاعتراف بصحَّة هذا القرآن المرسوم بين اللّوحين وأنه جميعُ كتاب الله تعالى، ومرتب منظوم على ما أمرَ القومَ الرسول ﷺ بنظمه وترتيبه، وإخبارُهم عن على وولَده بما هو معنى هذا القولِ بتفضيل أبي بكرٍ وعمر وعثمان، وحسنِ الثئاء عليهم والمدحِ لهم والتمني المضي على سبيلهم، واللعن للطاعن عليهم والتبري منهم، وما يروونه عنهم من ذم الرافضة ولعنِ الرسول لهم والإخبار عنهم بأنهم هم المعتقدون لدينكم
ومذهبكم في الصحابة، لأجل أن رواةَ هذا أجمعَ عن علي وولَده من
أصحاب الحديث وغيرِهم من فِرق الأمَّة أكثرُ منكم ومن سائرِ الشيعة عدداً
وأشد تفرقا في البلاد وتباينا في الأحوال والأنساب، وحالُهم أثبتُ وسندهُم
أظهرُ وأشهرُ عن قومٍ معروفين، وهم مع هذا أجمعَ غيرُ متهمين على علي
وولده، ولا طاعنينَ عليهم ولا متبرئين منهم، وأنتم متهمون في جميع ما
تروونه من ذم أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان وشتمهم والتبري منهم، فسوءُ اعتقادهم فيه وشدةُ طعنكم عليهم واعتقادكم لبرءاتهم من الإسلام جملة، وإخبارُكم بأن هذا دينُ عليٍّ وولَده فيهم، والروايةُ للعنِ القومِ وذمهم، إذا جاءت ممن هذا دينُه فيهم كان من التهمة والظنة ما تعرفون، وإذا كان ذلك كذلك وكانت أخبارُ جميع هذه الفِرق المخالفةِ لكم متواترةً على علي وولده بما
стр. 435
وصفناه وجب تصديقُهم والقطعُ على صحة رواياتِهم دون رواياتكم، فإن لم
تجب هذه الجملةُ فلا أقل من أن يكون خبرُكم معارِضا لخبرهم ومقاوما له.
وهيهاتَ أن يكون ذلك كذلك، وأخبارُكم عند أهلِ النقل وأصحاب الحديث التي تدعونها على أهل البيت معروفةَ النقل والطرق والرجال، وأخبارُ أصحابِ الحديث المرويَّة عن مثل: مالكٍ والثوري وطبقتهما في عصرهما، وعن معمَرٍ والزُهري وعلقمة وإبراهيم والنخعي وسعيد بن المسيب وأحزابهم من أهلِ عصرهم، إلى أن ينتهيَ ذلك إلى النبي صلى الله عليه فشتانَ بين هذه الطبقةِ وبين غيرهم من جملةِ أخبارهم ممن لا حاجةَ بنا إلى ذكره، فوجبَ بهذه الجملة سقوطُ خبركم، والعملُ على ما ترويه هذه الفرقُ والطبقاتُ المعروفةُ عن علي وعترته في أمر القرآن، وغيرِه من تفضيل الصحابة وتقريظهم، والبراءة ممن دان فيهم بدينكم، وقال عليهم قولكم.
فإن قالوا: فما هذه الروايات التي ترويها هذه الفرقُ الموجبةُ لضد
رواياتنا عن علي وأهلِ البيت.
قيل لهم: هي أكثرُ من أن تُحصى ويُحاط بها، فمنها ما رواهُ التاسُ عن
سفيانَ عن السُّدي عن عبد خيرٍ عن علي ﵇ أنَّه قال: "رحمةُ الله
على أبي بكرٍ هوَ أول من جمع القرآنَ بين اللوحين"، ولو كان جمعه له بين
اللوحين ضلالةً وبدعةً على ما يصفون، أو كان جامعا له على خلافِ ما أمرَ
الله جل وعز في نظمه وترتيبه، لكان ﵇ خبرنا بذَمه وإظهارِ رُكوبه
المحظور في هذا الباب، وذكرَ تأليفه له على غير وجهه، ونقصانِ ما نقصه،
стр. 436
وكان ذلك أولى به من الترحُّم عليه، وجعل ذلك منقبةً له، والتَوهمِ لصوابِ فعله وصحةِ تأليفه.
ورُوي أيضا عن عبد خيرٍ في خبرٍ آخرَ عن علي ﵇ أنّه قال:
"أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، رحمةُ الله على أبي بكر، هو أول
من جمع القرآن بين اللوحين "، ورووا جميعا عن شعبةَ بن علقمةَ بن
مرثد، عن سُويد بن غفلة عن على ﵇ قال: "لو كنتُ وُلِّيتُ
الذي وَلِيَ عثمانُ لفعلتُ الذي فعل "، يعني في المصاحف، قالَ جميعُ من
روى ذلك: إنهم علموا من قوله هذا أنَّه قد قصد إلى أنه كان يصنعُ كصَنعته
في المصاحف.
وروى بعضُهم أيضا عن علقمة بن مرثد عن سُويدٍ بن غفلة قال: سمعتُ
على بن أبي طالب ﵇ يقول: "أيها الناسُ الله الله وإياكُم والغلوَّ في
عثمانَ وقولكم حرَّاق المصاحف، فوالله ما حرَّقها إلا عن ملأٍ منا أصحابَ
محمد" في كلامٍ له في مدحهِ طويل سنذكره فيما بعد، إلى أن قالَ عليه
السلام: "لو وُلِّيتُ مثل الذي وَلِيَ لصنعتُ مثلَ الذي صنع "
стр. 437
فهذه الرِّواياتُ كلها أظهرُ وأشهرُ من رواياتكم عنه بخلاف ذلكَ وأصح
سنداً وأثبت رجلاً، وإنّما نعني بصحّة السند وثبتِ الرجال، الطريقَ في غير
خبرٍ من هذه الأخبار إذا أفرد وخُصَّ، فأما أن نحتاج إلى ذلكَ في علمنا في
الجملة بأن علياً ﵇ كان يقرأ هذا المصحف ويُلقَنه ويحكَمه ويعترفُ
بصحته، ويقولُ بقولِ الجماعة فيه فإنه باطل، ولا ما نعلمُ ضرورةً إظهارَ
علي ﵇ القولَ بهذا، وأنه كان على هذه الطريقة، ولا نعلمُ ضرورةً
ولا باستدلال أن علياً أظهرَ في وقتٍ من الأوقات خلافَ ذلك على ما يدّعيه
قوم من الشيعة، ولا خلافَ بيننا وبينهم وبين مخالفينا من الشَيعة في هذا
الباب بأن عليا ﵇ كان يُظهرُ القولَ بهذه الجملة، وأن دينَه في
المصحف لعثمانَ ما وصفناهُ ولا يمكنُ أحدٌ منهم دفعَ هذا أو جحده.
وقولُهم بعد هذا: أنه أظهر ذلكَ برهةً من الزمان ثمَّ أظهرَ خلافه، وأنه كان
ابتدأ بإظهار خلافه باطلٌ لا أصل له.
ويقال لهم: إن كان ابتدأ بإظهار خلاف ثم أظهر بعد ذلك خلافَه بما
وصفناه فَذلك رجوع منه عن قوله الأول، ويجبُ العملُ في مذهبه إلى ما
صار إليه، وإن كان أظهرَ خلافَ ما قلناه، وعلمنا إظهارَه له ضرورةً، وكان إنما أظهرَ ما قلناهُ أوَّلاً على سبيلِ التقية، ولم نأمنْ أن يكون أيضاً إنما أظهرَ الثّاني لأجلِ تقُيةٍ أخرى من قوم آخرين هم أشر من القومِ الذين خافهم على نفسه أولاً أو مِثلهمْ في الشر، بل لعل القولَ الصحيحَ عنده هو الذي وقفَ عليه وهو معتقدٌ له القولُ الأولُ الذي هو دينُ عثمانَ والجماعة، وأن يكونَ القولُ الثاني إنما ظهرَ منه على سبيل التقية ِ من أشرارِ قومٍ كانوا مختلطين بأصحابه، قليلي البصائرِ والرغبةِ في طاعةِ الله تعالى وكثيري الخلافِ عليهِ والشقِ لعصاهُ والتعقُبِ على أمره، وهم الذين حملُوه على التحكيم
стр. 438
وكفِّ الحربِ، وهم الذين عناهُم بقولهِ: "بدَّل الله لي بكم أصحابَ معاويةَ صرفَ الدرهمِ بالدينارِ"، وكثرةُ الذم لهم والدعاءِ عليهم، وتمني الخلاصِ
منهم، وما حُفظ عليه شيء من ذلك في فريقٍ من الأمَّةِ قبلَ أيام نَظرِه بأواخرِ
أفعالهِ وأقوالِه الواقعةِ منه في هذه الأيامِ أشبهَ بأن تكونَ واقعةً على سبيلِ
التُقيةِ إذ كانت أسبابُ التُميةِ ظاهرةً، وقد بئتا في غيرِ موْضعٍ بطلانَ هذه
التُقية، وأنَّه لا أصلَ لها ولا دليلَ لهم عليها بما يُغني عن رَده.
وكلُ هذه الرواياتِ عن علي في القرآنِ وفي القِراءاتِ المنسوبةِ إلى
مصحفِ عثمانَ نقيضُ تواتُركمِ عنه الذي تدعونه، ومع ذلكَ فقد وافقتمونا
على أنه كان مُظهراً للجملة التي ذكرناها عنه في باب القرآن، ونحنُ غيرُ
موافقين لكم في روايَتكم عنهُ أنه قالَ في بعضِ الأوقات غيرَ ذلك، وأنَّه إنما
أظهرَه على سبيل التقية، وإذا كان ذلكَ كذلكَ كانت أخبارنا أولى بالثبوتِ والصحةِ من أخبارِكم من كلِ وجهٍ وطريق.
وكذلك أيضا فقد روى أصحابُ الحديثِ كافةً عن كافةٍ خلَفا عن سلَفٍ
من تفضيلِ علي ﵇ لأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، وتعظيمِ شأنِهم وجميلِ
الثناء عليهم ما في بعضهِ دلالة على أنهم لم يغيروا القرآنَ ولا بدلُوه ولا شيئا
من أحكام الدينِ، فمِن هذهِ الأخبارِ ما رَوتهُ الجماعةُ عن أبي الأحوصِ عن
أبي جحَيفة قالَ: "سمعتُ علي بنَ أبي طالبٍ ﵇ على منبرِ
الكوفةِ يقول: إن خيرَ هذهِ الأمَّة ِ بعدَ نبيها أبو بكر، ثمَّ خيرهُم بعد أبي بكرٍ
لم أجده.
стр. 439
عُمر، والثالثُ لو شئتُ لسميتُه "، وروي عن شريكٍ عن الأسود بن
قيسٍ عن عمرَ عن سفيانَ قالَ: قال عليُ بنُ أبي طالبٍ ﵇: "سبقَ
رسولُ الله صلى اللهُ عليهِ وثنى أبو بكرٍ وثلث عُمرُ".
ورُوي عن عليِ بنِ هاشم عن أبيه عن أبي الجحاف قال: "قام أبو بكرٍ بعدَ ما بُويعَ له، وبَايعَ علي وأصحابُه، قامَ ثلاثا يقول: "أيها التاسُ
قد أقلتكم بيعتكم هل من كارهٍ، فيقومُ علي ﵇ أوائلَ الناسِ يقولُ: لا نُقيلُكَ ولا نستقيلك، قدَّمكَ رسولُ الله فمن الذي يُؤَخركَ ".
ورَوَوا عنه ﵇ أنه قال: "قَدَّمَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ أبا بكرٍ يصلي بالناس، وقد رآني وما كنتُ غائبا ولا مريضا، ولو أرادَ أن يُقدِّمني لقدَّمني، فرضينا
стр. 440
لدُنيانَا من رضيَهُ رسولُ الله لديننا".
وروى عبدُ خيرٍ قال: "سمعتُ عليا يقولُ: قبضَ اللهُ تعالى نبيّه على خيرِ ما قُبضَ عليه نبيا من الأنبياء، وأثنى عليه، ثمَّ استُخلِفَ أبو بكرٍ فعمِلَ بعملِ رسولِ اللهِ وسنته، ثمَّ قُبضَ أبو بكرٍ على خيرِ ما قَبض اللهُ عليه أحداً وكان خيرَ هذه الأمَّةِ بعد نبيها، ثمَّ استخُلفَ عمرُ فعملَ بعملِها وسننهما، ثمَّ قُبض على خيرِ ما قَبض اللهُ عليه أحداً، وكان خيرَ هذهِ الأمَّة بعد نبيها وبعد أبي بكرِ".
وروَى عن كُثير النواء عن أبي سريحة قال: "سمعتُ عليا يقولُ
على المنبر: ألا إن أبا بكر كان أواها منيب القلب، وأن عمرَ ناصحَ الله
فنصَحه ".
وروي عن سالمٍ بنِ أبي حفصَة عن عبد الله بنِ مليلٍ عن على
ابن أبي طالبٍ أنه قالَ: "لكل نبيٍ سبعةُ نُجباءٍ مِن أمّته، وإنّ لنبينا أربعةَ عشَرَ
نجيِباً منهم: أبو بكرٍ وعُمر".
ورَوَوا من غير طريقٍ عن منذرٍ الثوري
стр. 441
وغيرهِ عن محمد بنِ الحنفية قال: قلت لأبي علي بنِ طالبٍ: من خيرُ الناسِ
بعدَ رسولِ اللهِ، قال: أبو بكر، قلتَُ -: ثمَّ مَن، قال: ثمَّ عمر، ثمَّ بادرتُ
فخفتُ أن أسالَه فقلتُ: ثم أنتَ، قال: أبوكَ رجل من الناسِ له حسنات
وسيئات يفعلُ اللهُ ما يشاءُ".
ورَوَوا أن علياً ﵇ قيلَ لهُ: استخلف علينا، قال: ما أستخلف.
لكن إن يردِ اللهُ بهذه الأمَّة خيرا يجمعُهم على خيرِهم كما جمعَهم بعد
نبيهم على خيرِهم ".
ورَوَوا عن عبيدة السلماني وغيرهِ من الرواةِ عن عليِّ بن أبي طالبٍ أنه
أرسلَ إلى رجلٍ بلغهُ أنه عيبُ أبا بكرٍ وعمرَ ويطعنُ عليهما، فجيء بالرجلِ
فعرضَ علي ﵇ بعيبهما عنده، فَفَطِنَ الرجلُ فقال: أما والذي بعثَ
محمداً بالحقِ لو أني سمعتُ منكَ الذي بلغني عنكَ أو يثبتُ به عليكَ بنيَّة
لألقيتُ عنكَ أكثرك شعراً، يعني رأسَه".
ورَوَوا عن جعفرِ بنِ محمد أنه رَوى عن أبيهِ قال: قالَ رجل لعلي: يا أميرَ المؤمنين، سمعتك تقولُ في الخُطبةِ أيضا: اللهمَ أصلحنا كما أصلحتَ به الخلفاءَ الراشدينَ المهديين، فمن هم، فاغر ورَقت عيناهُ ثمَّ أهَملهُما، وقال: هما حبيبايَ وعمَّاكَ أبو بكرٍ وعمرُ ﵄، إماما الهُدى وشيخَا الإسلامِ ورجلا قريشٍ المقتدى بهما بعدَ رسول اللهِ - صلى اللهُ عليهِ، من اقتدى بهما عُصم، ومن تبع
стр. 442
آثارهما هُدي إلى صراطِ مستقيمٍ، ومن تمسكَ بهما فهو حزبُ الله وحزبُ
الله هم المفلحون".
ورَوَوا عن علي بنِ أبي طالبِ ﵇ وأبي أيوبِ الأنصاري أن
النبي صلى الله عليهِ قالَ: (إن اللهَ أمرني أن أتخذَ أبا بكرِ والداً (١) .
ورَوَوا عن أبي رجاءٍ العَطارديَ قال: "سمعتُ عليا والزبيرَ بن العوامِ يقولانِ:
قالَ رسولُ الله ﷺ : أفضلُ أمتي أبو بكرِ".
ورَوَوا أيضا عن أبي رجاءٍ العطاردي عن على بنِ أبي طالبٍ والزبيرِ بن
العوامِ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليهِ يقولُ: "الخليفةُ بعدي أبو بكرِ
ثمَ عمرُ".
قال أبو رجاءٍ فدخلنَا على علي فقلُنا يا أميرَ المؤمنينَ، سمعنا
الزبيرَ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله صلى اللهُ عليهِ يقولُ: الخليفةُ بعدي أبو بكرٍ
ثم عمرُ، فقال: صدَقَ، وسمعتُ ذلكَ مِن رَسول اللهِ صلى اللهُ عليهِ، ورَووا
أيضا عن غيرِ واحدٍ من أصحابِ علي ﵇ أنه كان إذا ذُكر عنَده
стр. 443
أبو بكرٍ قالَ: السَّباقَ تذكرونَ يقولُها ثلاثا: والذي نفسي بيدِه ما استبقنا إلى خيرِ قط إلاسبقنَا إليه".
ورُوي عن جابرِ بن عبد الله وأبي جحيفة وجعفرِ بن محمدِ عن أبيه عن
جدهِ عن علي ﵇ قال: "كنتُ جالسا معَ رسُولِ الله صلى اللهُ عليهِ
فأقبل أبو بكر وعمرُ، فقال لي: يا علي هذان سيدا كُهولِ الجنةِ من الأولينَ
والآخرِين، ما خلا النبيينَ والمُرسلين، لا تُخبْرهما يا على".
ورووا في أكثرِ الروايات عنه: "ما خلا النبيين والمرسلينَ ممن مضى في سالف الدهر، ومن بقيَ في غابرة، يا علي: لا تخبرهما بمقالتي هذه ما عاشا،.
وقد روى عن النبى صلى الله عليه هذا الخبر خلق من الناسِ غيرُ علي.
منهم أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.
وأبو هريرة، وجابرُ بن عبد الله، والحسنُ بن علي، وأبو مريم السلولي، وأنسُ بن مالك، كل روى عن النبي ﷺ مثلَ روايةِ علي ﵇ يزيدُ لفظة، واللفظتين أو يُنقِص، وروى هذا الخبرَ عن علي بن أبي طالب خلق من الرواة منهم: سويدُ بن غفلة، وزرُّ بن حبيش، وعبدُ الله بن أبي ليلى.
стр. 444
وعمرو بن شرحبيل أبو ميسرة، وعاصم بن ضمرة، والحارثُ الأعور.
وعامر الشَعبي، وأبو البختري الطائي، وأبو عبد الرحمن السلمي.
وغيرهم أيضا، وبدون هؤلاء يثبت التواتر عنه، وليس في أخباركم خبر
تروونه عنه في نقصان القرآن وتغييره يجري مجرى هذا الخبر ولا يقاربه، بل
لا رواية تعلم عنه أصلاً في ذلك إلا ما تصنعونه وتلفقونه.
ورووا أيضا عن مالك بن مغول عن السُّديّ عن عبد خير قال: "كنتُ
عند عليّ بن أبي طالب ﵇ جالسا فقال له رجل: يا أميرَ المؤمنين.
من أولُ من يدخلُ الجنّة من هذه الأمة، فقال أبو بكر وعمر: فقال له رجل
اَخر: يا أمير المؤمنين، ويدخلانها قبلك، قال: أي والله ويشبعان من
ثمارها"
وروي أيضا عبد خير عن علي ﵇ قال: سبقَ رسولُ الله
وصلى أبو بكرٍ وثلث عمرُ ثم خبطتنا فتنة يعفو الله عمّا شاء".
وروى أبو الطفيل عن علي قال: "سبق رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وثلّث عمر، وخبطتنا فتنة، فهو ما شاء الله ".
وفي رواية أخرى عنه: "فما شاء الله "،
стр. 445
وفي رواية أخرى: "يصنغ الله فيها ما شاء"
وفي رواية أخرى عن عبد خير قال: "سمعت عليا يقول: سبق رسول الله، وصلى أبو بكرِ، وثلث عمر، ثمّ خَبطتنا فتنة فهوَ ما شاء الله، فمن فضلني على أبي بكرِ وعمرَ فعليه حدُّ المفترِي من الضرب، وطرح الشهادة".
ولولا خوفُ الإطالة والإكثار لذكرنا من كلامه في تفضيلهما في خُطبه على المنابر ومقاماته ومشاجراته أضعاف ما ذكرنا.
فأمَّا ما يرويه جماعةُ أصحابِ الحديث روايةً ظاهرةَ مستفيضةَ عن علي
في عمرَ من التفضيل والتقريظ فهو أيضا أكثرُ من أن يُحاط به، فمنها ما
ذكرناهُ من قوله: "إن أبا بكرِ كان أواها منيبا، وإن عمرَ ناصحَ الله فنصحُه.
وقد كئا نرى شيطانه يهابُه أن يأمُره بمعصيته ".
وهذا مروي من طريقِ الشعبي
ومن رواية الشعبي أيضا عن علي أنّه قال: "كان عمرُ ليقول الحق فينزلُ
القرآنُ بتصديقه ".
وروى مجالدٌ عن عامر الشعبي عن على كرّم الله وجهَه، أنه قال:
"إنَّ في القرآن من كلام عمرَ كلاما كثيراً".
يريد من الأوامر والأحكام.
стр. 446
ورُويَ عن واحدٍ عن علي ﵇ أنَّهم سمعوه يقول: لأدخلتُ على عمرَ حين وجأة أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما أبكاك يا أميرَ المؤمنين، فقال: أبكاني خبرُ السماء، أيُذهب بي إلى الجنة أو إلى النار، فقلتُ: أبشر بالجنة، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ ما لا أحصِي: "سيدا كهول أهلِ الجنة أبو بكرٍ وعمرُ، وأنعما، فقال: أشاهد أنتَ يا على بالجنة، فقلتُ نعم، وأنت يا حسنُ فاشهدَ على أبيك رسولِ الله، أن عمرَ من أهل الجنة".
وروى جعفرُ بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: "لمَّا طُعنَ
عمر ﵇ قال: أعَن ملإ منكم هذا، فقال علي: ما كان عن ملإ منا
ولودِدنا أنه قد زِيد في عُمرك من أعمارِنا".
ورَووا جميعا عن عُقيلٍ بن خالد عن محمدٍ عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله ابن عباس قال: قال لي علي بن أبي طالب: ما علمتُ أحداً من المهاجرين هاجر إلا متخفيا إلا عمرَ بن الخطاب، فإنه لما همَّ بالهجرةِ تقلَّد سيفَه
стр. 447
وتنكب قوسه وانتضى أسهما في يده وأحضرَ عِترتِه، ومضى قبل الكعبة.
والملأ من قريش بفنائها، فطافَ بالبيت سبعا متمكنا، ثمّ أتى المقام فصلى
متمكنا، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه لا
يُرغمُ الله إلا هذه المعاطِس، من أرادَ أن تثكُله أمّه أو يوتَّم ولَده أو يُرمّل
زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، قال عليّ ﵇: فما تبعه أحد إلا
قوم من المستضعفين عليهم دارَ شَرُّهم ومضى لوجهه".
ورووا جميعاً عن عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة أن عمر لما ماتَ
دخلَ عليه علي بن أبي طالبٍ ﵉ وهو مسجا بثوبه، فقال: ما أحد أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجَّا بينكم، ثم قال: رحمك الله يا ابن الخطاب أن كنت بذات الله لعليما، وأن كان الله في صدرك لعظيماً
وأن كنت لتخشى الله في النّاس ولا تخشى الناسَ في الله، كنت جواداً بالحقّ
بخيلاً بالباطل، خميصاً من الدنيا بطينا من الآخرة، لم تكن غيّاباً ولا
مدَّاحا".
في أمثالٍ لهذه الأقاويل كثير قالها ورواها في عمر، فيها من
تفضيلِه وتعظيمِ شأنه وذكر قدره ومحلِّه عند الله ورسوله، ومكانِه من الذين، يُؤذِنُ بفضلٍ عظيمٍ وتقديمٍ شديدٍ، كرهنا الإطالة بها، كل هذه الأقاويل
والروايات لا تجوز عندنا وعندهم أن نقولها ونرويها في قومٍ ابتدعوا في
الدين ما ليس منه بجمع كتابِ الله بين لوحين، وغيَّروا القرآن وبذلوا كثيراً
стр. 448
منه ونقْصوا منه أمراً عظيما، وأسقطوا أسماء رجالٍ ملعونين في نص تنزيله.
وحذفوا أسماء آخرينَ ممدوحينَ مقرَّظين مأمورٌ باتَباعهم في نصه، فإن فاعلَ
هذا بالخروجِ عن الدين والإدغال له والاستحقاق للعن والإهانة وقبيح
الأسماء وعظيم الذّم أولى بما وصفه ورواه عليٌّ فيه، وكل هذه الروايات
أشهرُ وأظهرُ وأعلى وأكثرُ رجالاً وأوضحُ طرقا من رِواياتكم، ونحنُ وإن لم
نعلمْ عين كل خبرٍ من هذه الأخبار ضرورة، فقد عرفنا في الجملة ضرورة
مدحَ علي لهما وحسنُ ثنائه عليهما، وقد قُلتم معنا بذلك وادعيتُم عليه
التقية، وأنه قال في مقاماتٍ أخرَ نقيضَ هذه الأقوال، وهذأ منكم غيرَ مسموعٍ ولا مقبولٍ ولا معلومٍ صحته، فصح ما قلناه وبطلَ تسويفكم أنفسُكم بالتعاليل والأباطيل، وأما رِواياتُ أهل البيت عن علي وسائرِ أسلافهم بتفضيل الصَّحابة وتقديمهم وحُسنِ الثناء عليهم والتَبري من أعدائهم والقادح في فضلهم، فأكثرُ من أن يحاط بها، فمن هذه الأخبار:
ما رَووه عن محمد بن فُضيل عن سالم ابن أبي حفصة قال:
"سألتُ أبا جعفرٍ محمد بن عليّ وجعفر بن محمدٍ عن أبي بكر وعُمرَ.
فقالا: يا سالمُ توالاَّهما، وابرأ من عدؤوهما فإنهما كانا إمامي هُدى".
ورووا أيضا عن بشير بن ميمون أبي صيفي عن جعفر بن محمد عن أبيه،
стр. 449
قال: "توالوا أبا بكر وعمر، فما أصابكم من ذلك فهو في عنقي ".
ورووا عن أبي عقيلٍ عن كثيرٍ النواء قال: "قلتُ لأبي جعفرَ بن محمد بن علي: أخبرني عن أبي بكر وعمر أظَلَما من حقكم شيئا أو ذَهَبا به فقال: لا ومنزَل
الفرقان على عبده ليكونَ للعالَمين نذيراً، ما ظلما من حقنا من يزنُ حبةَ
خردلة، قال: قلتُ: أتتوالاهُما جعلني الله فداك قال: نعم يا كثير أتوالاَّهما
في الدنيا والآخرة، قال: وجعلَ يصلُ عنق نفسه بعنقي، قال: ثم قال: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت ".
ورووا أيضاً عن خلفِ بن حوشب عن سالمٍ بن أبي حفصة، قال:
دخلتُ على جعفر بن محمد الصّادق وهو مريض، قال: فقال: اللهمَ إني
أحبُّ أبا بكرٍ وعمرَ وأتوالاهما، اللهمَّ إن كان في نفسي غيرُ هذا فلا تنالني
شفاعةُ محمد صلى الله عليه ".
ورووا أيضاً عن سالم بن أبي حفصة قال: قال لي جعفرُ بن محمد يا سالم: أَيسبُّ الرجلُ جده، أبو بكرِ جدّي، لا نالَتني شفاعة محمد صلى الله
عليه يوم القيامة إن لم أكن أتوالاهما وأبرأ من عدُوهما".
стр. 450
ورووا عن عبد العزيز بن محمد الأزدي، قال: حدَّثنا حفص بن
غياث قال: سمعتُ جعفر بن محمد يقول: "ما أرجو من شفاعة عليٍّ عليه
السلام شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله.
ورووا عن علي بنِ الجعد عن زهير بن معاوية عن أبيه، قال:
"كان لي جارٌ يزعمُ أن جعفر بن محمد بن على بن الحُسين يتبرأ من أبي بكر
الصديق وعمرَ، قال: فغدوتُ على جعفر فقلتُ له: إن لي جارا يزعمُ أنك
تتبرأ من أبي بكرٍ الصديق وعمرَ، فما تقول له: قال برئ الله من جارك، إني
لأرجو أن ينفعني الله بِقرابتي من أبي بكر الصديق، ولقد اشتكيتُ شكاةً
أوصيتُ فيها إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر".
стр. 451
ورووا عن أبي حازم عن أبيه، قال: "سُئل عليّ بنُ الحسين عن
أبي بكر وعمر ومنزلتهما عن النبي صلى الله عليه قال: لمنزلتُهما اليومَ منه
هما ضجيعاه ".
ورَوي عن إسحاق الأزرق عن بسام بن عبد الله الصيرفي قال: "سألت أبا جعفر محمدٍ بن علي قلتُ: ما تقولُ في أبي بكرِ وعمرَ ﵄؟
فقال: والله إني لأتوالاهما وأستغفر لهما، وما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتوالاهما".
ورووا عنه أيضا أنه قال: "من جعلَ عمرَ بن الخطاب بينه وبين الله فقد
استوثق ".
ورووا عن جعفر بن قيس قال: "سألتُ عبد الله بن حسن عن المسح
على الخفين فقال: امسح فقد مسح عمرُ بن الخطاب، قلت: إنما أسألك.
أنت، أمسحُ، قال: ذاكَ أعجز لك، أخبرك عن عمرَ وتسالُني عن رأيي؟ !
فعمر كان خيراً مني وملءِ الأرضِ مثلي ملزوما، يا محمدُ إنَ ناسا يقولُون
стр. 452
هذا منكم تقيةً فقال لِي، ونحن بين القبرِ والمنبَر: اللَّهُمَّ إنَ هذا قَولي في
السر والعلانية، فلا تسمعَن قولَ أحدِ بعدي، ثُمَّ قال: مَن هذا الذي يزعُم أنَ علياً كان مقهوراً، وأن رسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ أمرهُ بأمرٍ لم يُنفِّذه، وكفى بهذا أزرَاً على علي ومنقَصةً أن يزعُمَ قوم أن رسولَ الله صلى اللهُ عليهِ أمرهُ بأمرٍ فلم ينفذه ".
ورَوَوا أيضا عن محمدِ بن شُعبةَ الباهلي عن علي بن هاشم عن أبيه
قال: "سمعتُ زيدَ بن علي بنِ الحُسينِ، يقولُ: "البراءةُ مِن أبي بكرٍ وعمرَ
البراءةُ من علي ﵈ ".
ورَوَوا عن ابنِ داوودَ عن فضيلِ بن مرزوقٍ قال: قال زيد بنُ عليٍ بن الحسين: "أما أنا فلو كنتُ مكانَ أبي بكرِ لحكمتُ بمثلِ ما حكمَ بهِ أبو بكرٍ في فَدَك ".
ورُوِيَ عن عمرو بن سَمرةَ عن عروةَ بنِ عبدِ الله الجعفيٍ قال: "قلتُ لأبي جعفرَ أنسَفَي أبا بكرٍ الصديقِ قال: سمّاه رسُول اللهِ ﷺ الصديق، فمن لم يسمه الصديقَ فلا صدَّق اللهُ لقولهِ في الدنيا والآخرة".
стр. 453
ورَوَوا عن زيدِ بن علي أنه قال: "أبو بكرٍ الصديق إِمامُ الشاكرين، وقرأ
(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) .
ورَوَوا عن السَّريِ بنِ يحى عن هلالِ بنِ حيانَ عن الحسنِ بنِ محمد بنِ الحنفية أنه قالَ: "يا أهلَ الكوفةِ اتقوا الله ولا تقولوا لأبي بكرٍ وعمرَ ما ليس له بأهل، إن أبا بكرٍ الصديقَ كان معَ رسُولِ اللهِ صلى الله عليهِ في الغار، ثاني اثنين، وإن عمر عزَّ اللهُ بهِ الدينَ "، ورُويَ عن أبي خالدٍ الأحمر قال: "سألتُ عبدَ الله بنَ حسنٍ بنِ حسن عن أبي بكرٍ وعمرَ، فقال صلى الله عليهما، ولا صلى الله على من لا يصلي عليهما".
وروي عن نِصاحَ بنِ حسانَ عن فُضيلِ بنِ مرزوقٍ قالَ سمعتُ عبد الله بنَ حسنِ بنِ حسنِ يقولُ لرجلٍ من الرافضةِ: "إنَّ قتلَكَ لقربة إلى الله تعالى".
ورَوَوا أيضاً عن جعفرَ بنِ عونٍ عن فُضيلِ بن مرزوقٍ قالَ: "سمعتُ
الحسنَ بنَ الحسنِ وقال له رجل: ألم يَقُل رسولُ الله صلى اللهُ عليهِ من كنتُ
مولاهُ فعليٌّ مولاَه، قال: بلَى، أما واللهِ لو يعني بذلكَ الإمارةَ والسلطانَ
لأفصحَ لهم بذلكَ، فإنّ رسُولَ الله صلى اللهُ عليهِ كانَ أنصحَ النَّاسِ للمسملمينَ لقالَ لهم: "أنَّها الناسُ هذا وليُّ أمركم والقائمُ عليكم مِن بَعدي، فاسمعوا
стр. 454
له وأطيعوا، ما كانَ هذا يَشق فوالله لئن كانَ اللهُ ورسولُه اختار عليا لهذا
الأمرِ، والقيامِ به للمسلمين مِن بعدهِ ثم تركَ على ﵇ أمرَ اللهِ
ورسولهِ أن يقومَ بهِ أو تعذر منه إلى المسلمينَ إن كان أعظم الناسِ في ذلك
خطيئةً لعلي إذ تركَ ما أمرَ اللهُ ورسولهُ واختارهُ الله ورسولهُ له وحاشاهُ من
ذلك!.
ورووا أيضا عن مصعبِ بنِ سلامٍ عن جعفرَ بنِ محمدٍ عن أبيه أن
عبد الله بن جعفر قال: "رحم الله أبا بكرٍ كان لنا واليا فنِعمَ الوالي كانَ لنا.
ما رأينا قاضيا قطُ كان خيراً منه ".
ورَوَوا عن محمدٍ بنِ الصباحِ عن يحيى ابن سليمان قال: "سمعتُ جعفرَ بن محمد يقولُ: سمعتُ أبي يقولُ: سمعت عبدَ الله بنَ جعفرٍ يقول: ولِينا أبو بكر رضوان الله عليه فَخيرُ خليفة، وأرحمهُ بنا، وأحناهُ علينا".
ولو أردنا تتبعَ ما رُوي عن أهلِ البيتِ وولَدِ عليٍّ خاصة في تفضيلِ أبي
بكرٍ وعمرَ، ونشرِ محاسِنهما، وجميلِ الثناءِ عليهما والقولِ فيهما لخرجنا
بذلك عن غرض الكتاب، وقد أسهبنا فيما ذكرناه من هذه الأخبار صوبا من
الإسهاب للحاجة إلى معارضةٍ بنقيضها، وليعلم قارئ ما ذكرناه أن
الروايات عن أهلِ البيتِ ظاهرة منتشرة بضد ما يروونه عنهم، وأما ما رُوي
عن على ﵇ وولَدِه في سبِّ الرافضةِ ولعنهم والبراءةِ منهم فكثير
أيضا، وظاهر مستفيض بين أهلِ النقلِ، فمِن هذه الأخبارِ ما رَواه الناسُ عن
стр. 455
حُصينِ بنِ عبد الرحمنِ عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلمي عن علي ﵇ ُ
قال: "قالَ لِي رسولُ الله صلى اللهُ عليهِ سيأتي من بعدي قوم لهم نبزٌ يقال لهُ
الرافضة، فإن أدركتَهم فاقتلهُم فإنهم مشركون، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ
والعلامةُ فيهم، فقال: يُقرِّظونكَ فيما ليسَ فيك، ويطعنونَ على السَّلفِ ".
ورَوَوا أيضاً عن على ﵇ قالَ: قال لِي رسُولُ الله ﷺ "أنتَ وشيعتك في الجنَّةِ، وإن قوما لهم نبزٌ يقالُ لهم الرافضة، فإن لقيتَهم فاقتُلهم فإنّهم مشركون ".
وقال على ﵇: "ينتحلون حُبَّنا أهلَ البيتِ
وليسُوا كذلك، وآيةُ ذلك أنهم يشتمون أبا بكرٍ وعمرَ ﵉ " ورَوَوا عن كثير النواء عن إبراهيمَ بنِ حسنِ بنِ حسن عن أبيه عن جدهِ على بنِ أبي طالبٍ ﵇ أن النبى صلى اللهُ عليهِ قالَ: "يظهرُ في أمتي في آخرِ الزمانِ قوم يُسمونَ الرافضة، يرفضونَ الإسلامَ ".
ورُوِيَ عن أبي الجحافِ داودِ بنِ أبي عوفٍ عن محمد بنِ عَمرٍ الهاشمى
عن زينبَ بنتِ على عن فاطمةَ بنتِ محمدٍ قالت: "نظر النبي صلى الله عليهِ
إلى علي كرم اللهُ وجهه، فقالَ: هذا في الجنَّةِ، وإن من شيعَته قوماً يغطُّونَ
الإسلامَ ثمَّ يلفِظونه، لهم نبز يُسَمَّونَ الرافضة، من لقِيهم فليقتُلهم فإنهم
مشركون".
стр. 456
ورَوَوا عن الفضلِ بن غانمٍ عن سِوارِ بن مُصعبٍ عن عطية العوفي عن
أبي سعيد الخُدري عن أم سلمةَ قالت: "كانت ليلتي، وكان النبي صلى اللهُ
عليهِ عندي فأتَتهُ فاطمةُ ومعها علي، فقال له النبي ﷺ : يا علي أنتَ وأصحابُكَ في الجنَّةِ، أنتَ وشيعتك في الجنَّة، ألا إن ممن يزعُم أنه يحبكَ لأقوام يُظهرون الإسلامَ، ثم يلفِظونه يقرَؤون القرآنَ لا يجاوزُ تراقيهم، لهم نبَز يقالُ لهم الرافضة ُ فجاهِدهم فإنّهم مشركون، قالَ: يا رسولَ اللهِ ما العلامةُ فيهم، قال: لا يشهدونَ جمعةً ولا جماعة ويطعنون على السلفِ الأول ".
فإن قالوا: جميعُ هذه الأخبارِ وما رَويتُموه من تفضيلِ على ووَلده لأبي
بكرٍ وعمرَ، وجميلِ القولِ فيهما، وما رويتموهُ من قولِ علي في أبي بكر:
"رحمةُ الله على أبي بكرٍ كان أول مَن جمعَ القرآنَ بين اللوحين "، وقوله في
جمعٍ عثمانَ لمُصحفه: "ولو ولِّيتُ مثلَ الذي ولِيَ، لصنعتُ مثلَ الذي
صنعَ "، وقوله: "إياكمُ والغلوَّ في عثمانَ وقولكم حرَّاقُ المصاحفِ " إلى آخرِ
الخبر، وجميعِ ما يروونه عن الرسول ِ ﵇ من فضائل أبي بكرٍ وعمرَ
وعثمانَ وغيرِهما من أعداءِ أهلِ البيت، أخبار مُفْتَعَلَةٌ متكذبة لا أصلَ لها.
وإنّما هي مِن وضع أبي هُريرة وشيعةِ معاويَة، وأكَلَةِ المضائر وأتباعِ
المروانية، وتكذُب الحنابلة والبربهازية، ولا يجبُ القولُ بشيءٍ منها ولا
العملُ به، وأخباركم التي روَيناها في نُقصان أئمتكم من القرآن وغيرِ ذلكَ من الأخبارِ عن ظُلمهم وتجبرهم وسُوءِ الثناء عليهم مَرويٌّ عن العِترةِ والصّفوةِ والقدوَةِ من أهل البيت، يوجبُ العملَ على روايتنا دونَ روايتكم لأنكم
стр. 457
ترُدون أخبارَ أهلِ البيت، وتقبلون رواية مَعْمر والزهري وابن المسيبِ
ومالكٍ وسفيان وأمثالِ من ذكرنا.
قيل له: هذا الكلامُ قد ألَف منكم وعُرفَ به قصدُكم والوقتُ الذي
تحتاجون إلَيه، لأنكم إنّما توردونَ ذلكَ عندَ ضيقِ الأمرِ بكم، وبلوغِكم
المسَاقطَ وحين تعلمون أنّه لا حيلة ولا مهرَب إلاّ إلى التشنيع والشغَبِ
والإلباسِ بهذا الكلام على من ليس من العلمِ وأهلِه بسبيل، فأول ما نقولُ
لكُم فِيما تعاطيتم به إثباتُ أخباركم ودفعُ ما رويناهُ لكم: أن جميعَ ما رَوَيناهُ
في هذه الفصُول، وفي أقوالِ علي ﵇، وجميعِ مَن تَرون إمامتَه
وعصمتَه من أهلِ البيتِ بصحّهِ القرآنِ وسلامةِ هذا المُصحفِ من التحريف
والزيادةِ والتقصانِ ظاهر منتشر بين أصحابِ الحديثِ وأهلِ الآثار ِ لا يمكن
أحد دفعه، وظهورُه بينهم وكثرةُ رواتِهِ، وصحةُ سنَده وثبتُ رجاله، وأنّه مِن أكثرِ شيءٍ تروُونه، وأن عِلمَهم بذلك وشهرَته عَن على وعِترَته كشُهرة جميعِ ما شُهر من مذاهب علي وأقوالِه، فلا سبيلَ إلى جحدِ ذلكَ بالقدحِ في
مذاهبِ رواة هذه الأخبار، والطعنِ على دينهم وأمانتِهم فقط بغيرِ حجّة.
وأمّا قولُكم إن هذه الأخبارُ من وَضع أبي هريرة وشيعةِ معاويةَ وبني
مروانَ، فإنها دعوى فارغة لا حجَّةَ معها، وهي بمثابةِ قولِ من قالَ لكم: إن
جميع أخبارِكم والفضائلَ التي تروونها -، وكلما تذكرونه في نقصان القرآن
إنما هو في الأصلِ مِن وضعِ الأشتر النحعيّ، وحجرِ بن عدي، وعمروِ بن
الحمقِ، وكنانةَ بن بشرٍ التجيبي، والغافقي، وحكمِ بن جَبَلَةَ العبسي.
وعبد الله بنِ سبأ" وسودان بنِ حُمرانَ المصريِّ، والمختارِ بنِ أبي عُبيد، وشيعته، وابنِ كيسان وطبقتِه، ومنه ما وضعه هشامُ ين الحكم وعلي بقن ميتّم
стр. 458
وأبو جعفرٍ الأحول، وأصحابُ البَراء، والقولِ بالرجعة وأهل الغلو، فلا يجب الإحفالُ بشيءٍ منها، ولا العملُ عليها.
فإن قالوا: الأشترُ وعمرو بن الحمقِ والغافقيُّ وجميع من ذكرتم من
سلف الشيعة، أجل قدراً من أن يحملوا أنفسهم على وضعِ الكذب.
قيل لهم: وكذلك أبو هريرةَ وأنسُ بنُ مالك، وجريرُ بنُ عبد الله.
والئعمانُ بن بشير، إلى مَن هو فوقَ هؤلاءِ مِن عبد الله بن مسعود، وأبيُّ.
ومعاذُ بنُ جبلٍ، وسعدٌ وسعيد وأبو عبيدة، وأمثالُ هذه الطبقة مثلُ معاويةَ
وعمرو بن العاص ومن تبِعهم، أجل قدراً مِن أن يحملَ أدناهم منزلةَ نفسهِ
على الكذب والوضعِ على الرسول، وجميعُ ما تروونهُ من الفضائل إنما هو
غير هذه الطبقات، فإن لم تغيروا عندكم من الوضع على الرسول لم يغير من
ذلك مالك الأشترُ وعبد اللهِ بنِ سبأ، وعمرو بن الحمق، وحكيم بن جبلة.
وسائرُ هذه الطبقة، لأنها بأسرها دون أبي هريرة، فضلاً مِمن هو أفضلُ منه
عمَن يروي أخبارنا عنه.
فإن قالوا: فكل هؤلاءِ نواصبُ وأعداءٌ لأميرِ المؤمنين، والكذبُ غيرُ
بعيد منهم؟.
قيل لهم: وجميعُ من ذكرناهُ لكم روافضُ وخُصَمَاءُ لأبي بكرٍ وعُمرَ
وعثمانَ وغيرهم، وهم غيرُ مرضيينَ ولا متبرئينَ من وضعِ الكذبِ على
الرسول، ثمَّ على عليٍّ في ذمِّ السلف والطعن على مصحفِ عُثمانَ وغير
ذلك ولا فصل به.
فإن قالوا: بينكم وبين السلفِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ِ
خلق من الحشودِ العامة يمكن تكذُّبُهم ولا يمتنعُ الوضعُ عليهم.
стр. 459
قيل: وكذلكَ بينكم وبين أئمتكم والعِترةِ التي ذكرتُم خلق من العامة لا
يبعدُ تكذُّبُهم ووضعُهم، ولا يمتنعُ ذلك عليهم، ولا جوابَ عن هذا أبداَ.
ثم يقال لهم: أنتم لَم تلَقُوا عليا ولا أحداَ من العِترَة والأئمة من ولدِه.
وإنما تروُونَ أخباركم هذه عمَّن يرويها لكم عنِ الأئمة، والوسائطُ عندكم
غيرُ معصومين من الكذب والبُهتان والافتعالِ والغَلط والنسيان، فما أنكرتم
أن تكونَ أخبارُكم هذه كَذِبَا على علي والأئمةِ من ولَده، وأن يكونَ من وضعِ الدعاة والأبواب والوسائط، فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلاً.
فأمَّا قولُكم: إتا لا نَقْبَل خبرَ الصادقِ والباقرِ والرضا وأمثالِهم، ونقبلُ
خبرَ الزُهري وسعيدِ بن المسيِّبِ ومالكٍ وسفيانَ ومن جرى مجراهُم، فإنه
بهتٌ منكم وكذِبٌ على خصومكم بل من ديننا تصديقُ جميعِ ما ذكرتم مِن
أهلِ البيتِ ومن هو دونَهم والعملُ على خَبرِه، إذا سُمع منهم أو صحَّ وثبتَ
عنهم، وإنَّما نَردُّ أخباركم الباطِلةَ عندنا عنهُم لعِلمِنا بتكذيبِ الوَسائطِ عنكُم بينهم ووضعِهم عليهم الكذبَ والبهتان، وإن طريقكم إليهم قبيح وعرٌ مظلم، فنحن إنما نكذبكم أنتم تارةً ونكذبُ أخرى القومَ الذين بينكم وبين هؤلاء الأئمة، فأما هم ﵈ فائمتنا وسادتُنا، ومَن أُخِذ علينا
حجتُهم وموالاتُهم والتقرب إلى اللهِ سبحانُه في إعظامهم وإجلالهم وحُسنِ
الثناء عليهم، فكيف نكذبُ قوماً هذا قدْرُهم عندنا وفي أنفسِنا.
فأمَّا تقريعُكم لنا بقولنا الأخبارَ عن الزهري ومعمَرٍ وسعيلد بن المسيب
ومالكِ وسفيانَ ومن جرى مجراهم، فإنه أيضا جهل منكم، لأن هؤلاءِ أعلام
وأئمة في حديث رَسول الله ﷺ ِ والحفظِ له والإحاطةِ به، ونفيُ الكذبِ عنه، ولكل رجلٍ منهم من الفضائلِ والأفعالِ والأقوالِ الدالة على تَوخَي الصدقِ وشدة التحرِّي في الحديثِ والامتناع من الأخذ عن الضعفاء
стр. 460
ومَن ليس الحديثُ من شأنه ما يطولُ تتبعه، وأعجب من هذا كله دعيتكم عن روايات هذه الطبقة والرجوع إلينا مع الظاهر من عدالتها وتشددها والمشهورِ من أمرها وتعويلُكم في أخذ أديانكم على هشام بنِ الحكم، وعلي بنِ الميثم، وشيطانِ الطاق، ويونُس بن عبد الرحمن القُمِّي، والسيد الحُميري، ودُعبل بن على الخزاعي، وأبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، وانحطاطكم إلى السوسي، والعوني، والناشي، وأمثال هذه الطبقة، وأخذهم الحديث عن أبي محنف، وأمثاله من شيوخ أهل الكوفة لا حاجة بنا، إلى ذكرهم مع العلم بسوء مذاهبهم وقبح طرائقهم، وما ظهر منهم مما لا حاجة بنا إلى ذكره، ولولا أنكم فتحتم هذا الباب لم يكن لذكرنا له وجه، ولكنكم
تتروحون إلى هذه الترهات عند ضيق العطن وصعوبة المخرج، ولا بُد من
جوابكم عنه ورفع إلباسكم، فلا معنى إذا كان الأمرُ على ما وصَفناه لقولكم
لنا في جميع ما يروونه لكم أنه من وضع أبي هريرة وشيعة بني مروان، وأنتم
أعداء أهل البيت، فإن جوابه ما عرفتُم، وأنفعُ من هذا السكوت عنكم عند
لجائكم إلى مثل هذا والإعراض عن كلامكم في مجالس التحصيل، وحيث
يؤمَن اغترار العامة بهذه الشنعة التي لا محصول لها ولا يحسن لمن له أدنى
مسكةٍ فى العلم الاعتصام بها والاستناد إليها، نعوذ بالله من التمادي في
الأباطيل والتعلُّقِ بالأضاليل.