ورَوَوا عن الفضلِ بن غانمٍ عن سِوارِ بن مُصعبٍ عن عطية العوفي عن
أبي سعيد الخُدري عن أم سلمةَ قالت: "كانت ليلتي، وكان النبي صلى اللهُ
عليهِ عندي فأتَتهُ فاطمةُ ومعها علي، فقال له النبي ﷺ : يا علي أنتَ وأصحابُكَ في الجنَّةِ، أنتَ وشيعتك في الجنَّة، ألا إن ممن يزعُم أنه يحبكَ لأقوام يُظهرون الإسلامَ، ثم يلفِظونه يقرَؤون القرآنَ لا يجاوزُ تراقيهم، لهم نبَز يقالُ لهم الرافضة ُ فجاهِدهم فإنّهم مشركون، قالَ: يا رسولَ اللهِ ما العلامةُ فيهم، قال: لا يشهدونَ جمعةً ولا جماعة ويطعنون على السلفِ الأول ".
فإن قالوا: جميعُ هذه الأخبارِ وما رَويتُموه من تفضيلِ على ووَلده لأبي
بكرٍ وعمرَ، وجميلِ القولِ فيهما، وما رويتموهُ من قولِ علي في أبي بكر:
"رحمةُ الله على أبي بكرٍ كان أول مَن جمعَ القرآنَ بين اللوحين "، وقوله في
جمعٍ عثمانَ لمُصحفه: "ولو ولِّيتُ مثلَ الذي ولِيَ، لصنعتُ مثلَ الذي
صنعَ "، وقوله: "إياكمُ والغلوَّ في عثمانَ وقولكم حرَّاقُ المصاحفِ " إلى آخرِ
الخبر، وجميعِ ما يروونه عن الرسول ِ ﵇ من فضائل أبي بكرٍ وعمرَ
وعثمانَ وغيرِهما من أعداءِ أهلِ البيت، أخبار مُفْتَعَلَةٌ متكذبة لا أصلَ لها.
وإنّما هي مِن وضع أبي هُريرة وشيعةِ معاويَة، وأكَلَةِ المضائر وأتباعِ
المروانية، وتكذُب الحنابلة والبربهازية، ولا يجبُ القولُ بشيءٍ منها ولا
العملُ به، وأخباركم التي روَيناها في نُقصان أئمتكم من القرآن وغيرِ ذلكَ من الأخبارِ عن ظُلمهم وتجبرهم وسُوءِ الثناء عليهم مَرويٌّ عن العِترةِ والصّفوةِ والقدوَةِ من أهل البيت، يوجبُ العملَ على روايتنا دونَ روايتكم لأنكم
стр. 457
ترُدون أخبارَ أهلِ البيت، وتقبلون رواية مَعْمر والزهري وابن المسيبِ
ومالكٍ وسفيان وأمثالِ من ذكرنا.
قيل له: هذا الكلامُ قد ألَف منكم وعُرفَ به قصدُكم والوقتُ الذي
تحتاجون إلَيه، لأنكم إنّما توردونَ ذلكَ عندَ ضيقِ الأمرِ بكم، وبلوغِكم
المسَاقطَ وحين تعلمون أنّه لا حيلة ولا مهرَب إلاّ إلى التشنيع والشغَبِ
والإلباسِ بهذا الكلام على من ليس من العلمِ وأهلِه بسبيل، فأول ما نقولُ
لكُم فِيما تعاطيتم به إثباتُ أخباركم ودفعُ ما رويناهُ لكم: أن جميعَ ما رَوَيناهُ
في هذه الفصُول، وفي أقوالِ علي ﵇، وجميعِ مَن تَرون إمامتَه
وعصمتَه من أهلِ البيتِ بصحّهِ القرآنِ وسلامةِ هذا المُصحفِ من التحريف
والزيادةِ والتقصانِ ظاهر منتشر بين أصحابِ الحديثِ وأهلِ الآثار ِ لا يمكن
أحد دفعه، وظهورُه بينهم وكثرةُ رواتِهِ، وصحةُ سنَده وثبتُ رجاله، وأنّه مِن أكثرِ شيءٍ تروُونه، وأن عِلمَهم بذلك وشهرَته عَن على وعِترَته كشُهرة جميعِ ما شُهر من مذاهب علي وأقوالِه، فلا سبيلَ إلى جحدِ ذلكَ بالقدحِ في
مذاهبِ رواة هذه الأخبار، والطعنِ على دينهم وأمانتِهم فقط بغيرِ حجّة.
وأمّا قولُكم إن هذه الأخبارُ من وَضع أبي هريرة وشيعةِ معاويةَ وبني
مروانَ، فإنها دعوى فارغة لا حجَّةَ معها، وهي بمثابةِ قولِ من قالَ لكم: إن
جميع أخبارِكم والفضائلَ التي تروونها -، وكلما تذكرونه في نقصان القرآن
إنما هو في الأصلِ مِن وضعِ الأشتر النحعيّ، وحجرِ بن عدي، وعمروِ بن
الحمقِ، وكنانةَ بن بشرٍ التجيبي، والغافقي، وحكمِ بن جَبَلَةَ العبسي.
وعبد الله بنِ سبأ" وسودان بنِ حُمرانَ المصريِّ، والمختارِ بنِ أبي عُبيد، وشيعته، وابنِ كيسان وطبقتِه، ومنه ما وضعه هشامُ ين الحكم وعلي بقن ميتّم
стр. 458
وأبو جعفرٍ الأحول، وأصحابُ البَراء، والقولِ بالرجعة وأهل الغلو، فلا يجب الإحفالُ بشيءٍ منها، ولا العملُ عليها.
فإن قالوا: الأشترُ وعمرو بن الحمقِ والغافقيُّ وجميع من ذكرتم من
سلف الشيعة، أجل قدراً من أن يحملوا أنفسهم على وضعِ الكذب.
قيل لهم: وكذلك أبو هريرةَ وأنسُ بنُ مالك، وجريرُ بنُ عبد الله.
والئعمانُ بن بشير، إلى مَن هو فوقَ هؤلاءِ مِن عبد الله بن مسعود، وأبيُّ.
ومعاذُ بنُ جبلٍ، وسعدٌ وسعيد وأبو عبيدة، وأمثالُ هذه الطبقة مثلُ معاويةَ
وعمرو بن العاص ومن تبِعهم، أجل قدراً مِن أن يحملَ أدناهم منزلةَ نفسهِ
على الكذب والوضعِ على الرسول، وجميعُ ما تروونهُ من الفضائل إنما هو
غير هذه الطبقات، فإن لم تغيروا عندكم من الوضع على الرسول لم يغير من
ذلك مالك الأشترُ وعبد اللهِ بنِ سبأ، وعمرو بن الحمق، وحكيم بن جبلة.
وسائرُ هذه الطبقة، لأنها بأسرها دون أبي هريرة، فضلاً مِمن هو أفضلُ منه
عمَن يروي أخبارنا عنه.
فإن قالوا: فكل هؤلاءِ نواصبُ وأعداءٌ لأميرِ المؤمنين، والكذبُ غيرُ
بعيد منهم؟.
قيل لهم: وجميعُ من ذكرناهُ لكم روافضُ وخُصَمَاءُ لأبي بكرٍ وعُمرَ
وعثمانَ وغيرهم، وهم غيرُ مرضيينَ ولا متبرئينَ من وضعِ الكذبِ على
الرسول، ثمَّ على عليٍّ في ذمِّ السلف والطعن على مصحفِ عُثمانَ وغير
ذلك ولا فصل به.
فإن قالوا: بينكم وبين السلفِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ِ
خلق من الحشودِ العامة يمكن تكذُّبُهم ولا يمتنعُ الوضعُ عليهم.
стр. 459
قيل: وكذلكَ بينكم وبين أئمتكم والعِترةِ التي ذكرتُم خلق من العامة لا
يبعدُ تكذُّبُهم ووضعُهم، ولا يمتنعُ ذلك عليهم، ولا جوابَ عن هذا أبداَ.
ثم يقال لهم: أنتم لَم تلَقُوا عليا ولا أحداَ من العِترَة والأئمة من ولدِه.
وإنما تروُونَ أخباركم هذه عمَّن يرويها لكم عنِ الأئمة، والوسائطُ عندكم
غيرُ معصومين من الكذب والبُهتان والافتعالِ والغَلط والنسيان، فما أنكرتم
أن تكونَ أخبارُكم هذه كَذِبَا على علي والأئمةِ من ولَده، وأن يكونَ من وضعِ الدعاة والأبواب والوسائط، فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلاً.
فأمَّا قولُكم: إتا لا نَقْبَل خبرَ الصادقِ والباقرِ والرضا وأمثالِهم، ونقبلُ
خبرَ الزُهري وسعيدِ بن المسيِّبِ ومالكٍ وسفيانَ ومن جرى مجراهُم، فإنه
بهتٌ منكم وكذِبٌ على خصومكم بل من ديننا تصديقُ جميعِ ما ذكرتم مِن
أهلِ البيتِ ومن هو دونَهم والعملُ على خَبرِه، إذا سُمع منهم أو صحَّ وثبتَ
عنهم، وإنَّما نَردُّ أخباركم الباطِلةَ عندنا عنهُم لعِلمِنا بتكذيبِ الوَسائطِ عنكُم بينهم ووضعِهم عليهم الكذبَ والبهتان، وإن طريقكم إليهم قبيح وعرٌ مظلم، فنحن إنما نكذبكم أنتم تارةً ونكذبُ أخرى القومَ الذين بينكم وبين هؤلاء الأئمة، فأما هم ﵈ فائمتنا وسادتُنا، ومَن أُخِذ علينا
حجتُهم وموالاتُهم والتقرب إلى اللهِ سبحانُه في إعظامهم وإجلالهم وحُسنِ
الثناء عليهم، فكيف نكذبُ قوماً هذا قدْرُهم عندنا وفي أنفسِنا.
فأمَّا تقريعُكم لنا بقولنا الأخبارَ عن الزهري ومعمَرٍ وسعيلد بن المسيب
ومالكِ وسفيانَ ومن جرى مجراهم، فإنه أيضا جهل منكم، لأن هؤلاءِ أعلام
وأئمة في حديث رَسول الله ﷺ ِ والحفظِ له والإحاطةِ به، ونفيُ الكذبِ عنه، ولكل رجلٍ منهم من الفضائلِ والأفعالِ والأقوالِ الدالة على تَوخَي الصدقِ وشدة التحرِّي في الحديثِ والامتناع من الأخذ عن الضعفاء
стр. 460
ومَن ليس الحديثُ من شأنه ما يطولُ تتبعه، وأعجب من هذا كله دعيتكم عن روايات هذه الطبقة والرجوع إلينا مع الظاهر من عدالتها وتشددها والمشهورِ من أمرها وتعويلُكم في أخذ أديانكم على هشام بنِ الحكم، وعلي بنِ الميثم، وشيطانِ الطاق، ويونُس بن عبد الرحمن القُمِّي، والسيد الحُميري، ودُعبل بن على الخزاعي، وأبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، وانحطاطكم إلى السوسي، والعوني، والناشي، وأمثال هذه الطبقة، وأخذهم الحديث عن أبي محنف، وأمثاله من شيوخ أهل الكوفة لا حاجة بنا، إلى ذكرهم مع العلم بسوء مذاهبهم وقبح طرائقهم، وما ظهر منهم مما لا حاجة بنا إلى ذكره، ولولا أنكم فتحتم هذا الباب لم يكن لذكرنا له وجه، ولكنكم
تتروحون إلى هذه الترهات عند ضيق العطن وصعوبة المخرج، ولا بُد من
جوابكم عنه ورفع إلباسكم، فلا معنى إذا كان الأمرُ على ما وصَفناه لقولكم
لنا في جميع ما يروونه لكم أنه من وضع أبي هريرة وشيعة بني مروان، وأنتم
أعداء أهل البيت، فإن جوابه ما عرفتُم، وأنفعُ من هذا السكوت عنكم عند
لجائكم إلى مثل هذا والإعراض عن كلامكم في مجالس التحصيل، وحيث
يؤمَن اغترار العامة بهذه الشنعة التي لا محصول لها ولا يحسن لمن له أدنى
مسكةٍ فى العلم الاعتصام بها والاستناد إليها، نعوذ بالله من التمادي في
الأباطيل والتعلُّقِ بالأضاليل.
стр. 461
دليل لهم آخرُ في تغييرِ المصحفِ وإفسادِ نظمِ القرآنِ، ووقوعِ الغلَطِ والتَّحريفِ فيه
قالوا: ومما يدلُّ على تغييرِ القومِ للقرآنِ وإفسادِهم تأليفَه ونظمَه
وجهلِهم بترتيبه وتصدِّي بعضِهم إلى الإفسادِ والعِناد في ذلك، اتفاقُنا جميعاً
على أنّ القرآن نَزل مرتَباً ومكّياً أولاً ثمَّ مدنياً، وإنّ النّاسخ منه نزلَ بعد
المنسوخ، والمنسوخِ في الرُّتبة والتنزيلِ قبلَه، وإنّ القرآن أولاً نزلَ لم ينزلْ
قبلَه شيء منه، وإذا خُتم به لم يَنزلْ بعدَه شيء منه، وإن أبا بكرٍ وعمرَ
وعثمانَ ومن اتّفق معهم على تأليفِ القرآنِ خلَطوا في هذا البابِ فقذَموا
المدنى على المكى في التأليف، واللهُ تعالى قد رتَّبه بعدَه، وجعلوا النّاسِخَ
باتفاقٍ في كثيرٍ من المواضعِ قبل المنسوخِ به، واللهُ سبحانه قد أخبرَه عنه
وأنزَله بعده، ولم يبتدئوا في المصحفِ بما ابتدأ اللهُ سبحانه بإنزالِه ولا
جعلوا آخرهُ ما ختمهُ - به، وقد كانَ من حقِّهم والواجبِ عليهم أن يُرتبوهُ كما رتبه تعالى في التنزِيل، والتقديمِ والتأخير، ولما لم يفعلوا ذلك دل ما صنعوه على جهلِهم بتأليفه أو قصدِهم إلى التخليطِ والعِنادِ بإفسادِه وتأخير ما قدمه الله وتقديم ما أخره.
فيقالُ لهم: أما قولُكم إنَّ الله تعالى أنزلَ المكى قبل المدنى والمنسوخَ
قبلَ الناسخَ، وأنزلَ من القرآن أولاً لا شيءَ قبله وأخر منه لا شيءَ بعده
فصحيح لا خلافَ فيه بيننا وبينكم.
وأمّا قولكم إنه سبحانهُ وَرسوله صلى اللهُ عليهِ كذلك رتَباه في النظم والتأليف فدعوى مجردة تعلمون يقيناً أننا وجميعَ
стр. 462
فرقِ الأمَّةِ ومعظمِ الشيعة المخالفين لكم في هذا الباب والمقرِّين معنا بسلامةِ
هذا المصحفِ من التحريف والتغييرِ والئقصان نخالفكم فيها، وننْسِبُكم نحن
وجميعُ من وافقكم إلى الكذب في ادعائها، فما الدليل إذا كان ذلكَ كذلكَ
على صحة قولكم إن اللهَ تعالى ورسُوله رتباه وألفاهُ على سبيلِ ما أنزل عليهِ
في التقديمِ والتأخير، وخبرونا عنكم باضطرارِ تعلمون صحة هذه الدعوى
أم بحجةِ ودليل؟.
فإن قالوا: باضطرار، عرفنا ذلك، عارضناكم بأننا مضطرون إلى العلمِ
بأن الأمرَ على خلافِ ما ادَّعيتموه، وأنهم يكذِبون في هذه الدعوى، وأن الله
تعالى أمرَ بتأليف القرآنِ ونظمِه إذ ذاك على ما جمَعه أبو بكرِ وعثمانُ
وجماعةُ الأمَّة، وهذه الدعوى أحق وأولى لأن نقلَ الكافة وارد بها وناطق
بصحتها ودعواهم فارغة لا حجة معها ولا فصلَ في ذلك.
فإن قالوا: إنَّما علِمنا أن اللهَ سبحانهُ ألف القرآنَ على حسبِ ما نزَل
وقدمه في التنزيل وأخَّره بنقل مَن قالَ بهذا المذهب مِن الشيعة عن الأئمة
﵈.
قيل لهم: قد مضى جوابُ هذا فيما سلَف بِما يُغني عَن إعادته، وجملتُه
أننا لا نعلمُ صحة هذا النّقلِ بل نعتقدُ بطلانَه ونعرفُ بحرصِ ناقله، فإن كنتم
تعلمونَ صِدقَ مَن نقلَ ذلكُم إليكم من الشَيعةِ ضرورة، فلسنا نضطرُ إلى
ذلكَ، وإن كُنتم تعلمونَ صدقَهم بدليلِ فما الدليل عليه.
فإن قالوا: الدليلُ على ذلكَ كثرةُ نقَلةِ هذا الخبرِ من الشيعةِ وامتناعُ
الكذبِ عليهم.
стр. 463
قيل: لو كان الأمرُ على ما ذكرتُم، وكان أولُ خبَرِهم كآخرِه ووسطُه
كطرفَيه لوجَبتْ الضرورةُ إلى صدقهم، وإذا لم يكن ذلكَ كذلكَ بطلت أيضا
هذهِ الدّعوى، ثمَّ يقالُ لهم: فقد نقلَ سائرُ من خالفكُم من جميع فِرقِ الأمَّةِ
والدهماءِ من الشَيعةِ خاصةً، أنّ اللهَ تعالى ورسولَه ألقى القرآنَ على ما هوَ
عليهِ في مُصحفنا ورتّبناهُ كذلك، وفرقٌ منهُم أكثرُ منكُم عدداً وأصَح سَنداً
وأثبتُ رِجالاً وأوثقُ وأعدلُ من سائرِ من تروونه عنه، بل مخالفوكم الشيعةُ
فقط في هذا المذهب أكثرُ عدداً منكم وأوثَقُ وأقربُ إلى الحق مِنكم وأشد
أنَفَةً مِنَ احتمال عارِ الكذبِ والبُهتانِ من سائرِكم، فيجبُ إذا كانَ ذلك
كذلك تَصديقُ جمِيع مخالفِيكم في نقلِهم لتأليفِ القرآنِ ونظمِه على ما هو بهِ
عنِ الرسول، ولا جواب عن ذلك.
وإن هُم قالوا: لسنا نستدلُ على أن اللهَ جلَّ وعزَّ رتَبَ المكى قبلَ
المدني، والمنسوخَ قبلَ الناسخ، والأولَ منه قبلَ آخرهِ بالرواية ونقلِ الشَيعة
أو غيرهم إذا تعلَّقنا بهذه الطَريقة، بل إنما نستدل على ذلكَ بأن اللهَ سبحانهُ
لقا أنزَلَ المكى قبلَ المدني، والمنسوخَ قبلَ الناسخ، والأولَ منه قبلَ آخرِه.
وَجَبَ أن يرتَبه الله تعالى في التأليف والجمع على ما أنزله عليه، وأن يأمُرَهم
بتقديمِ مَا تقذَمَ إنزالهُ في الرّسم، وتأخيرِ ما أَخر إنزالَه عن المقدم.
قيل لهم: هذا أيضاً هوَ نفسُ دعواكُم، فمَا الحجّةُ عليها وما الدليلُ على
صحَّتِها، فإننا قد علِمنا أن اللهَ سبحانهُ أنزلَ المكى قبل المدنى والناسخَ قبل
المنسوخِ ولسنا نعلمُ معَ ذلكَ أنه يجبُ أن يرتَبه في الرّسمِ والتَلاوة على
ما أنزَلَه، فما وجهُ الدليلِ بما وصفتُم، خبرُونا أباضطرارٍ تعلمونَ وجوبَ
стр. 464
تأليفِ اللهِ سبحانهُ لهُ وجمعِه إيَّاه في الرَّسمِ والتلاوةِ على حسب ما أنزَلَه عليه
أم بدليلٍ.
فإن قالوا: باضطرارٍ تعلمُ وجوبَ جمعهِ وتأليفهِ على وجه نزوله، بُهتوا.
وقيل لهم: نحن نعلمُ باضطرارٍ كذبَكُم في هذه الدعوى وأنّهُ لا يجبُ ما
وصفتم.
وإن قالوا: بدليلٍ علمنا ذلك، قيل لهم: وما هو، وقد كان يجبُ أن
تذكُروهُ معَ ذكرِ تنزيلِه إذ كانَ مجردُ التنزِيلِ لا يدلُّ على وجوبِ الترتيب.
فإن قالوا: الدليلُ على ذلكَ أن اللهَ جلَّ وعزَّ لم يُقدِّم ذكرَ بعضِه على
بعضٍ في التنزيلِ إلاّ لاستصلاحِ عبادِهِ بذلك، وعلمِه بكونه لُطفاً لهم وأدعى
الأمورَ إلى صلاحِ دينهم ودنياهُم، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ وجبَ أيضاً أن
يكونَ أصلحُ الأمورِ لهُم بتقديمِ ما أنزِلَ أوّلاً في الرَّسمِ والتأليفِ والتَلاوةِ
على ما أُنزلَ أخيراً.
يُقال لهم: أنتم تعلمُون أنكم تخالفِون في وُجوب فعلِ اللُّطفِ والأصلحِ
على اللهِ سبحانه، وأنّنا وسائرَ أهلِ الحق ننكرُ أن يكونَ اللهُ سبحانَه أنزلَ كتابهُ أو فعلَ شيئاً أو يفعلُ شيئا في المستقبلِ لعلَّةٍ من العلَل وسببٍ من الأسباب هو الاستصلاحُ أو غيره، فلو ضايقناكم في هذا البابِ لاشتدَّ الأمرُ بكم وطالَ تعبُكم واحتجتُم إلى الخروجِ عنِ الكلامِ في نظمِ القرآنِ إلى الكلاَم في الأصلحِ والتعديلِ والتجويز، غيرَ أنّنا نسلِّم ذلكَ لكم قوداً ونظراً، ونُبينُ لكُم أنه لا يجبُ معَ ذلكَ ما ادّعيتُم.
ويقالُ لهم: قد سلَّمنا لكم أن اللهَ تعالى ما أنزلَه مقدَّماً ومؤخراً إلا لِعلْمِه
بتعلُقِ صلاحِ عبادِه بإنزالِه كذلِك، فلمَ زعمتُم أيضا أنه لا بُدَّ أن يُعلمَ أن
стр. 465
مصلَحة عبادِه متعلقة بتأليفهِ ونظمِه في الرّسمِ والتلاوةِ على حَسبِ ما أنزلَه، وما الحجَّة ُ في ذلك، وباضطرارٍ تعلمونَ أن المصلحةَ إذا تعلَّقت بإبراءٍ له
كذلكَ وجبَ أن يتعلَّقَ بنظمِه وتأليفِه كذلكَ أم بدليل.
فإن قالوا: باضطرار، ظهرَ أمرُهم وبانَ بهتُهم وعجزُهم.
وإن قالوا: بدليل، سألناهُم عنه، ولَن يجدوا إلى ذِكر شيءٍ سبيلا، لأن
ذلكَ لَيس مِن موجباتِ العُقول، وإنما هوَ بحَسبِ ما نعلمُ من تعلقِ مصالحِ
المكلَّفين.
ثم يقالُ لهم: ما المانع مِن أن يكونَ اللهُ سبحانَه قد علِمَ أن مصلحَة
عبادِه متعلقةٌ بتقديمِ بعضِ المدني على المكي أو جمعَه في الرَّسمِ والتأليفِ
والتَلاوة، وتقديمِ التأليفِ النّاسخِ كلهِ قبلَ المنسوخِ أو بعضِه، وأن نظمَه
وتأليفَه على غير هذا الوجه، وأخذِهم بتلاوته كذلكَ مفسدةٌ لهم ولطفٌ في
عصيانِهم وخلافِهم وعدولِهم عن الحقِّ والعملِ به والتصديقِ لمورده، فإن
حاوَلوا ذكرَ حجة ٍ في هذا الباب، لم يجِدوها، وإن مرٌّوا على إجازةِ ما
سألناهُم عنهُ أبطلوا دليلَهم بُطلانا ظاهرا.
وإن قالوا: إذا عُلم أن تلاوتَهم لِما أنزَله أوّلا حين أنزلَه كانت أصلحُ
لهمُ في الوقتِ من تلاوَة ما أخَّرَ إنزالَه عنه، وجبَ أن يُعلم أن هذا حالُهم في
تلاوته في سائرِ الأوقات.
قيل لهم: هذهِ نفسُ دعواكم وفيها اختصَمنا، فما الدليلُ على صحتها.
وما المانعُ مِن أن يعلمَ الله سبحانه أن تلاوتَهم للناسخ والمنسوخِ والمكي
حينَ أنزلَه أصلحُ من تلاوتهم الناسخِ في ذلك الوقت، وأن يعلمَ أن تلاوتَهم
في غيرِ ذلك الوقت، وفي جميع ما بعده من الأوقات للناسخِ قبلَ المنسوخِ
والمدنى قبلَ المكي من أصلحِ الأَمورِ لهم، فهل تجدون إلى دفعِ هذا سبيلا.
стр. 466
وإن هم قالوا: إنما وجبَ أن يكونَ تأليفُ المنسوخِ قبلَ الناسخ.
والمكيُّ قبلَ المدني، لأنه لو لم يُفعل ذلكَ لظنَّ سامعُ المدنى قبلَ المكي.
وسامعُ الناسخِ قبلَ المنسوخِ والمشاهِدُ لهُما مكتوبَينِ كذلكَ أنهما كذلكَ رتبا
في التنزيل، وأن اعتقادَ هذا جهل، واللهُ تعالى لا يفعلُ ما يدعوا إلى فعلِ
الجهل، ويكون شبهةَ في جوازِ اعتقاده.
يقالُ لهم: ولم قُلتم إن سامعَه مفرَداَ كذلك ورائيه مكتوباَ كذلكَ يجبُ
أن يعتقد أنّه كذلكَ إنزالُه قبلَ أن يَسأل عن وقتِ التنزيل، ويعرفَ التاريخَ.
بل ما أنكرتُم أن يكونَ الواجبُ عليهِ في الجملةِ إذا عرَف أن إحدى الآيتينِ
منسوخة والأخرى ناسخةٌ أن يعلَم أن الناسخَ نزلَ بعدَ المنسوخِ وأن ترتيب
تلاوته بعده، لأن ذلكَ مما لا شبهة فيه على عاقل، ولن يجوزَ في المكيِّ
والمدنيِّ إذا سُمع المدنيُّ قبل المكى ولم يُعرف أيُّهما المكي من المدني أن
هذا أنزِل أولا بدلَ الآخِر، وأن يكونَ الآخرُ قُدِّم عليه، لأنّ ذلكَ غيرُ مستحيل في العقلِ وإِن رتِّب في التِّلاَوةِ على ما هو به، فلمَ قُلتم إن الواجبَ التسرعُ إلى اعتقادِ تنزيِله على حسبِ تلاوته، وتأليفه.
فإن قالوا: لسنا نقولُ إن ذلكَ واجب على العُقلاء إذا سمعوه، ولكنه
مما يجوزُ أن يُظهر ويتوهَّم فيجبُ نفيُ هذا الظن.
يقالُ لهم: ولِمَ إذا عَلِم تعالى جوازَ توهم هذا ممن قلَّ ضبطُه وتحصيلُه
أن لا يؤلفه ويجمعه كذلكَ إذا علمَ أنّ مصلحةَ عبادِه متعلقة بنظمهِ كذلك.
وما أنكرتُم من أنه لا يجوزُ ما وصفتُم إنزالُ شيءِ من المحتمِلِ المتشابِه الذي
لا يَعلم تأويلهُ إلا اللهُ والراسخونَ في العلم، لأنّه قد يظُن ظانٌ أن المراد به
غيرُ ما قصدَهُ الله وأرادَه، فيجهلُ بذلكَ ويعتقدُ فيه غيرَ معناه، وقد قال اللهُ
تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) .
стр. 467
فيجب على اعتلالِكم أن لا يُنزل متشابها ومجملاَ ومحتملاَ، وقولُه: (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) ، وقولُه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ) ، وقولُه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) .
وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ، وقولُه: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) .
وأمثالُ هذا قد تعلق به عندَكم المبطِلون، واحتج بكثيرِ منه الملحِدون، فإنْ مروا على ذلك جَحدوا التنزيل، ودفعوا قولَه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .
وكُفينا بالتسرعِ إلى ركُوب هذا مؤونةِ كلامِهم، وإنْ أجازُوه معَ علمِ اللهِ سبحانهُ بأنه سَيفسُد ويضلُ عند ذلكَ المحلدينَ في آياتهِ تركُوا اعتلالَهم، َ فليسَ مع العلم بذلكَ بطريقِ لأهل الزيغ والجهلِ إلى التعلق بالمتشابهِ واعتقادِ غيرِ مُرادِه به، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ تَركوا أيضا اعتِلالَهم تَركا ظاهراً.
وإن قالوا: قد نصبَ اللهُ وأوضحَ الأدلة َ على مُراده بالمجملِ والمتشابِه -
المحتَمِل، فلِمَ يضر إنزالُه كذلك.
قيل لهم: وكذلكَ قد نصبَ الله وأوضح الأدلة، وبيَّن البراهينَ على
تقديمِ ما قدَّمَه في التنزيل، وتأخيرِ ما أخره، وحفِظَه على العبادِ ذلكَ بنقلِ من
نقلَه، وحفظِ مَن حفظَه وضبَطه وعمِل المكي والمدنِى والناسخَ والمنسوخ.
وذكرَ أوقاتَه وأسبابَه وأيامهُ وساعاتِه وأجهدَ نفسَه في ذلك، ولم يُخِل بشيءِ
منه، فلم يضر مَع ذلكَ تقديمُ المدنى على المكى، والناسخِ على المنسوخِ
في الرسمِ والتأليفِ والتلاوةِ، وهذا مما لا جوابَ لهم عنه.
ويقال لهم أيضاً: وما قدْرُ المآثمِ والعصيانِ في اعتقادِ إنزال اللهِ المدني
على المكى إذا صدق المرءُ بجميعِه وآمنَ به، حتى لا يجوزُ أن يفعلَ اللهُ
سبحانهُ ما يكونُ شبهةً في هذا البابِ، وهو قد أنزلَ المتشابهَ الذي يعلمُ أنه
стр. 468
يضِلُّ عندَ إنزالِه الزائغون، ويتعلقُ به الملحِدونَ لولا النقصُ وإيثارُ العَنَت.
ومَن احتج بهذا الاحتِجاج من اليهودِ والنصارى في تخليطِ الرسول ِ في كتابنا
الذي ادّعى إنزَالهُ عليه من قِبَلِ اللهِ سبحانه، وأنَّه لمَّا لم يُفتتح رسمُه وتلاوتُه
بأول ما ادُّعيَ أنّ الله سبحانه أنزَله، عُلم أنه ليس مِن عندِ الله، كانَ الجوابُ
لهُ ما أجبنا الرّافضةَ به، فإنه بأسرِه كأسرِه لتوهُّمهِم.
ثم يقال لهم: لو كان ما قلتموه واجبا، لوجب الحكم بتخليط موسى
وعيسى في دعواهُما نزولَ التّوراةِ والإنجيلِ عليهِما، وتخليطِ قومِهما أيضا.
لأنّ النّصارى متفقونَ على أنّه ليسَ أوّلُ المرسومِ في الإنجيلِ هو أوّلُ ما أنزلَه
اللهُ تعالى مِنه، وأكثرُ الأناجيلِ التي معهم أوّلُها ليس من كلامِ اللهِ جملة.
وإنّما هيَ كلامُ عيسى، ووصفُ نفسِه وسيرَتِه، وذِكرُ تلامِذته ودعويه، وأولُ التوراة عند اليهودِ في التِّلاوة والرسمِ هو غيرُ ما أنزِل على موسى أولا
وخُوطب به، لأنّ أوّلَ ما أنزِل عليه وهوَ عندَهم في التوراة: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ، وليسَ هذا أوّلُ التوراةِ فوجبَ بذلكَ
القَدحُ في كتابِهم، وإن لم يجِب هذا سقطَ ما تعلَّقوا به، وهم أولُ من سبقَ
إلى الاحتجاجِ في الطَعن على القرآن بهذا الضرب، فظن بعضُ الرافضة ِأنه
حجّة فيما قالَ أو شُبهة ينالُ بها باطلا وأنى لهُم بذلك.
стр. 469
دليل لهم آخرُ على تغييرِ المصحفِ ونقصانِ القرآن، وتحريفِ السَّلفِ له
واستدلُوا على ذلكَ بأن قالوا: وجدنا فيه كتابةً لا معنى لها، ولا يجوزُ
أن يستعمِلها إلاّ من يَخافُ المُدَاراةَ أو يَحتاجُ إلى التّوريةِ والمُداجاة، والله
تعالى يُجَل عن ذلك، وقد وجَدنا في المصحف: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) .
قالوا: وهذا لا معنى له، ولا وُجِد مِن ربِّ العالَمين، وقد
رُوينا عن الأئمة والسلفِ من شيعةِ أميرِ المؤمنينَ ﵇: أنّ فلاناً هذا
الذي كَنَّا القَومُ عن ذِكره، كانَ رجلاً معيناً مُسمى في نفسِ التنزِيل باسمهِ
المشهور، فَحذَفَ القومُ ذِكرَه، واتّبعهم النّواصبُ على ذلكَ وجعلوا مكانه
فلانا، قالوا: وكان هذا الرّجلُ عمرَ بنَ الخطابِ، قالوا وقولُه: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) ، قالوا: يعني أبا بكرٍ يقولُ: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) ، يعني عمرَ، وإنَّما قال: ليتني لم أتخذ عُمرَ خليلاً لقد أضلني
عن الذكر بعدَ إذ جاءَني، يعني أنّ عمرَ أضلّه عن اتِّباعِ عليّ وتسليمِ الأمرِ
إليه، والانقِياد له فندِم، - زعَموا - على أن لَم يؤمنْ بالرّسولِ ولم يتَّخِذ معهُ سبيلَ هدىً وحقّ، وتندَّم على اتِّخاذِه عُمرَ خليلا، وطاعتهِ في غصبِ عليّ الأمر، قالوا: وإلا فلا معنى للكتابة ممن لا يَخافُ الاستضرارَ ولا يتَّقي شرَّ العباد -
فيقال لهم: ليسَ العجبُ ممن يضعُ منكم هذهِ التُّرهات والخرافات إذا
كان إنما يضعُها على علمٍ منه بتكذِيبه وتجاهُله، إمّا لكوبه مُلحداً خلِيعا
متلاعبا بالدين وقاصداً بِما يصنعُه من ذلكَ الغَضَّ مِن سلفِ المسلمينَ،
стр. 470
والقدحَ في الدِّين وفي رَسُولِ رب العالمين المختص بأبي بكرٍ وعمرَ
والمادحِ لهما والمحسنِ للثناء عليهِما، أو متكسِّب متأكِّل بما يُظهرهُ من ذلكَ
مع خلوِّ قلبِه من اعتقادِه وخوفِ سَخَطِ اللهِ تعالى وتعجيلِ العقابِ والنَكالِ له
بما يصنعُه ويفترِيه، وإنَّما العجبُ مِن العامة ِ والرُّعاع منكم الذين يتسرعون
إلى تصديقِ هذا التآويلِ ويُقْدِمونَ على البراءةِ من أَبي بكرٍ وعمرَ لأجلِه.
وفيهم من يُفسِّرُ للعامةِ كل آيةٍ نزلت في الظالمينَ والمشركينَ والفاسِقين في
أبي بكرٍ وعمرَ وجماعةِ الصّحابةِ سِوى نفرٍ تستثنُونهم فيتسَرَّعون إلى
قَبول ذلك، ويُنصِتون إلَيه إنصاتَ واثقٍ به وثِلَجِ الصدورِ بما قيلَ فيه.
وهذا مِن جنسِ تفسير مَن قال: إن الخمرَ والميسِر والجبتَ والطاغوتَ
هما أبو بكرٍ وعمرَ، وأن الصلاةَ والصيام والحج رجال، وأن الخمرَ والميسرَ
والأنصَاب والأزلامَ رجال أمِرنا بموالاَةِ بعضهِم والبراءةِ من بعضهم، أو
أنّهما أسماءُ أفعالٍ ممدوحةٍ ومذمُومة، وأن الطلاق والنكاحَ ليس هما الفُرقَة
والعقدَ، وهل بينَ هذا التفسيرِ الذي ارتضُوه لأنفسِهم وبين تفسيرِ الإسماعِيلية
والغُلاة فرق، وهل هُم في ذلكَ إلا بمثابةِ مَن قال: إن محمدَ بنَ إسماعِيلَ
القائمَ المنتظرَ العالِمَ بما ظهر وبطن، قد فسَّر الصلاة َ المذكورةَ في الكتابِ
بأنها هِي الإمامُ نفسُه، وأن إقامَتها هِي لزومُ طاعِته والانقِيادُ له، واستدل
على ذلكَ بقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) .
والصلاةُ - زعموا - لا تَنهى عن الفحشاء، وإنَّما الإمامُ هوَ الآمرُ
بالمعروفِ والناهي عنِ المنكَر، وأن الصوم إنما هُو الإمساكُ عن ذِكر علمِ
البَاطِن وإظهارِه فقط، فمن فعلَ ذلكَ فقد صام، ولا يجبُ عليهِ غيرُ ذلكَ.
وأن الفِطرَ هو ما أطْلَعَ الأساسُ جميعَ الأئمةِ الستة عليه من أولادِه مِن عُلومِ
стр. 471
الباطنِ فقط، وأنّ الزكاةَ إنّما هي كناية عن الإقرارِ بخمسةٍ روحانية وهو:
الأساس، والمقيمُ وهو التّالي، واللاحقُ واليدُ والجناح، الذين عنهم يُوخذُ
علومُ الباطن، ومنهم إله، ومنهم نبي، ومنهم إمام، ومنهم جناح، ومنهم
ناطقٌ داعٍ مأذون في الدّعوة.
وأن الحجَّ إنما هو علامة على محمدٍ صلى الله عليهِ وبابُهُ علي، والمنازِلَ
دليلُ الدعاةِ حالاً بعد حالٍ إلى حين الرجوع إلى العلم، وأن الإحرَامَ إنّما هو
تحريمُ النطقِ بغيرِ باطنِ الشّريعةِ فقط، وأنَّ تحريمَ الطيب والنساءِ إنّما هُوَ
تحريمُ النطقِ بما عرَفه المبينُ له الحقَ، وإن كان حقا وطيِّبَا حتى يأذنَ له من
فوقه فيصيرُ عندَ ذلكَ مأذونا له، وأن معنى تحريمِ الصيدِ، إنما هو تحريمُ
دعاءِ المخالِف لحقهم وقولهم إلا بعدَ إذنٍ من الإمام، وأن معنى الطوافِ
سبعا، إنما هو محمدٌ - والسّبعةُ أئمّةٍ من ولدِه، وأن الميقاتَ اسمُ أساسِ
الدعوةِ، والتلبيةَ إنما هي اسمُ إجابة المدعُوَّ إلى الحق بالقَبول، ونزعَ الثيابِ
خلعُ ما خَالفَ دينَهم، ورفضهُ فقط، وأنّ الاغتِسالَ المرادُ به غَسلُ القلبِ من الدّنس، وأن حلقَ الرأسِ اسم لرَمي ما عُلن من الناسِ، وظهرَ من الشرائع وتَركِ العملِ بها فقط، ومعنى لِبسِ الثوبين الجديدين، إنّما هو الإقرارُ بمحمدٍ وعلى والنّاطقين والأسّين.
وأن الوُضوءَ إنما هو اسمُ أخذِ العهدِ على الداخلِ في دعولهم فقط.
وكل من لم يَدخُل في العَهد لم يكن في الدعوة، كما أنّ من لم يتَوضأ لم
يدخل في الصلاة، وأنَ معنى النكاحِ المذكور في كتابِ الله إنما هوَ العهدُ
الذي يأخذُه المأذونُ له في الدعوة، وأن معنى الجِماعِ إنَّما هوَ تعليمُ الداعي
للمدعُوَّ علمَ الباطنِ، وأن معنى الحملِ المذكورِ في الكتابِ أنّه حِفظُ علمِ
الباطِن والفهمُ عن المأذونِ له، ومعنى أنه لا يحل للمرأة أكثرُ من زَوجٍ
стр. 472
واحد، أنه لا يحلُّ لأحدٍ من المستَجيبةِ أن يأخذ هذا العلمَ ويتلكنه إلا مفَن
أخذَ عليه العهدُ فقط، وأن معنى الطلاقِ أنه مفارقةُ من أخذِ عليه العهدُ بما
حلَف عليه، وإفشاءُه السر للنّاسِ وإظهارِه، ومعنى أنه لا يحل نكاحُ المطلَّقة
ثلاثاً إلا بعد زوجٍ ثاني، أن مُظهرَ السرِّ لا يُعلَّم، ويلقَّنُ حتى يؤديَ ما التُمس
منه الحجَّة ثم يؤخذُ عليه العهدُ ثانياً، وأن معنى تحريمِ الزنا المحرَّم في
التنزِيل أنه كَلامُ مأذونٍ له، أعني لرجلٍ أخِذَ عليه العهد، وكلَّمه مأذون آخر، فالمأذون الثّاني الداخلُ على الأولِ هو الزاني لكلامهِ لزوجةِ المأذُون الأول.
والزوجةُ اسمُ المتعلِّم، ومعنى الزوجُ أنه المعلِّمُ وأن على بن أبي طالبٍ كان
عندهم زوجةً للنبيِّ، ثمَّ صارَ لاحقا وإماما، وأن معنى اللواطِ أنه كلامُ
المأذونِ له في الدعوة لمن لا يؤنَسُ منه، وإذا فعلَ ذلكَ فقد لاطَ وبطُلت
نطفتُه، وأن معنى السرقةِ المحرمة هو أن يتسمَّع متسمِّعٌ كلامَهم ثم يُفشيه
ويُظهره، وأن هذهِ الشرائعَ والأسماءَ إنَّما جُعلت دلائل على هذهِ الحقائقَ
ووسيلة إليها، فإذا عَرفها الإنسانُ سقطت عنه الفرائضُ وزالَ عنه التكليف، وصاَ روحَانيا ربانيا إذا ترقى في علمِ الباطنِ رتبةً بعد رتبةٍ حتى يصيرَ لاحقا
وجناحا ويداً بعد أن كان داعياً ومأذوناً.
وقالت الإسماعيليّة: إن الكِناية في قولي تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) .
وقوله: (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) ، و (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) .
وقوله: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، كله يدلُّ على أن اللهَ
سبحانهُ ليسَ هوَ منزَلُ القرآن، لأن الذي هو عندنا الله الواحدُ
القديم، لم يُنزلِ القرآنَ عندكُم، ولا خلقَ العالم، وأنَّه لم يخلُق إلا الأولَ
فقط وهو العقلُ عندهم، ويُولدُ مِن العقلِ الروحاني، وهو الثاني عندهم وهو
стр. 473
الخالِقُ للعالم، ومنزلُ القرآن، ولو كان الواحدُ القديمُ هو منزل لم يكن
للكنايةِ معنى، ولوجب أن يقولَ بسمي بَدل بسم الله، وأن يقول ادعوني بدلاً من قوله ادعوا الله، أوِ ادعو الرحمن، ومِن قوله ادعُو ربكم، وأن يقولَ ادعُوني بدلاً مِن قوله (ادعوا اللهَ مخلِصين) ، لأنه - زعموا - لا وجهَ ولا معنى للكِناية عن نفسِه في هذه المواضع لو كان هو منزَلُ القرآن، والمتعبَّدَ به إذ كان لا يخافُ ولا يذهبُ ولا يُبقي ضررَ أحد، وهذا بعينه هُو الذي قالتهُ الرافِضة، وعمِلت عليه في تأويل قوله: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) .
وأنه لا معنى للكِنايةِ ها هُنا بذكرِ فلان، وكذلكَ قالت الإسماعيلية: إن جميعَ
هذهِ الكناياتِ في قوله: ادعوا الله، وادعوا ربَّكم، وادعوا اللهَ مخلِصين.
والحمدُ لله، ولم يقُل لِي ولا لِنفسي، دليل على أنّ القرآنَ مِن عندِ الرُّوحاني
الذي أحدثَ العالمَ وخلقَه، وأنَّه ليس مِن عندِ الباري القديمِ، وأن هذا
الروحانيَّ المتولدَ عن العقلِ هوَ الذي فهَّمَ الرّسولَ هذا القرآنَ وصوَّره في
قلبِه، فاتحد به، وهو معنى الوحي، ومعنى جبريل والروحِ الأمينِ أنّه يُصوِّرُ
المعانيَ في قلبِ الرسول ِ بتفهيم الروحانى له وتصويرِها في قلبِه عبَّر عنها
الرسولُ باللفظ العربى والكّلامُ للرسول، ومعانيهِ المتصوَّرة في قلبه للثاني
الروحانيّ المتولدِ عن العقلِ الأوّلِ الذي خلقَه القديمُ الأزلي الذي هو عند
المسلمين - باعثُ الرّسُلِ ومنزلُ الفرائضَ والكُتبَ وخالقُ السمواتِ والأرضَ.
ولولا خوفُ الإطالةِ وخروجُ الكلامِ عن غَرَضِ الكتاب، لذكرنا من
جنسِ التفاسيرِ عن الرافضة والإسماعيلية وأشياعِهم من الطاعنين على
الشريعةِ ما فيه أعجوبة للمتأملينَ وأوضحُ دِلالةٍ على تمامِ نعمةِ اللهِ علينا
وعلى المؤمنينَ بتوفيقِه للتمسكِ بالدِّين، ولزومِ سنن المؤمنين، والعدولِ
عن التورطِ في الجهلِ والأضالِيل.
стр. 474
فيقال للرافضة - لعنهمُ الله -: إنْ وجبَ علينا قبولُ تفسيرِكم هذهِ الكنايةَ
على ما ذهبتم إليه لاجتهادَاتكم إلى ذلك، أو روايتِكم له خلَفٌ عن سلفٍ
عن الأئمةِ والعِترة من أهلِ البيت، وجبَ لمثلِ ذلكَ قبولُ هذه التفاسيرِ
بأسرِها في الكناية عن أسماءِ الله، وفي جميعِ أسماءِ الشرائعِ والعباداتِ.
لأنهم جميعا يرْوُون ذلكَ خلفٌ عن سلفٍ عن علي ﵇ والأئمّةِ من
ولَده، وعن محمدٍ بن إسماعيلَ قيِّمِ الزمان، ويُبَدِّلون عليه العهودَ والأيمانَ
ويُكذبون كل من أنكرَ أن يكونَ ما قالوا مذهبَ على ﵇ والأئمّةِ من وَلَده، وهو عندَ كثير من الناس أحسنُ وألطفُ من تأويلاتِ الإمامية، فهل بينكم وبينهم في ذلك من فضلٍ وكُلكم تروون ذلكَ عن الأئمة، والله
المستعان، وإليه سبحانَه الرغبةُ في تعجيلِ النكال والانتقامِ ممن حاولَ إبطالَ
الدينِ، والقدحَ في التنزيل، وتحريفَ التأويل، إنّه سميعٌ قريبٌ مجيب.
ثم يقال لهم: ليس الأمرُ على ما ادَّعيتموه من أنّ اللهَ سبحانهُ لا يجوزُ أن
يُكني عن اسمِ أحدٍ ويعرضُ بذكره من غيرِ تصريح، وأن ذلكَ لا يفعلُه إلا
مَن يحتاجُ إلى المداراةِ والمداجَاة، لأن استعمالِ الكنايةِ والتعريضِ مذهبُ
العربِ في كلامها معروفٌ مشهور، وكذلكَ يقولون: رُبَّ إشارةٍ هي أفصحُ
من عبارة، وتعريضُ أبلغُ من تصريحٍ، وقد يقولُ الرجلُ لمن يكذبه ويخالفُه
ويباهِله عند الرد عليه، والتكذيبِ له: إنَ أحدَنا لكاذب، وإن أحدَنا لخائنٌ
وجبان، وإنّ أحدَنا لجاهلٌ غبيّ، ويُقيم هذه الكِناية مقامَ قوله لخصمِه
ومخالِفه: أنت كاذبٌ وجبانٌ وجاهل، وربما كان هذا التَعريضُ أبلغَ من
التصريحِ وأبدعَ وأنكى للقلبِ وأبلغَ في الرد، وهو مع ذلكَ أحسنُ في
اللَّفظ، وأجدرُ أن يُنسبَ صاحبُه إلى الوقارة والعقلِ والتوصل إلى غايةِ
غرضِه بغير المستَهجن من اللَّفظ، وقد أطلقَه اللهُ سبحانهُ وأجازَه في خِطبة
стр. 475
النساء في عدتهنَ، فقال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) ، وحظرَ سبحانهُ التصريحَ بذلك.
وقالَ أهلُ العلِم: إن الكِنايةَ عن ذكرِ التزويجِ والخِطبة، أن يقولَ الرجلُ
للمرأةِ: إن النساء لِمن حاجَتي وإني فيكِ لراغب وعليكِ لحريص، ولعل اللهَ
أن يرزُقكِ بعلاً صَالحا، ووالله إنك لجميلة، ونحوِ هذا من الكلام.
وقد وردَ القرآن بالكِنايةِ والتعرِيض في مواضعَ على وجوهٍ مختلفةٍ منها
قوله: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) ، إلى آخر القضة.
فكنَّى عن ذكرِ المَلَكَين المَتَسورَين، وقد كان يجوزُ أن يَذكُرهُما ويسميهما.
ولم يعدِل عن ذلكَ لحاجة إلى مُداجاةٍ وخوفٍ من سطوةٍ ومبادأة.
وكذلكَ قولُه تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) .
فكنَّى عن ذكرِ النساء بذكرِ النعاج (١) ، ولم يامُرِ اللهُ سُبحانه المَلكين بهذه الكناية لخوف سطوةٍ ودفع بليّة، ولو تتبعَ هذا لكثرُ وطال.
وإذا كانَ ذلكَ كذلك، وكانَ اللهُ تعالى قد أرادَ بقوله: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) ، الإخبارَ عن كل من أطمَعَ في معصيتهِ الله، وأراد بِذكر الظالمِ كل
ظالمٍ وعادلٍ عمَّا وجبَ عليه، كنى عنهم بذكر فلان، ولو جُعل مكان هذه
الكِناية تفصِيلَ أسمائهم لطالَ ذلكَ وكثُر واستُهجن ومجَّتْه القلوبُ والأسماع.
ولخرج بذلك عن مذهبِ العرب، وطريقةِ سائرِ الئاسِ في الكلام، لأنه كان
يجبُ أنْ يقول: (وَيَومَ يَعَضُ اَلظالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) فرعونُ وقارونُ وهامان، وأبو
لهبٍ وأبو جهلِ بن هشام، وعتبةُ وشيبةُ والوليد، وهذا من الطُول والغَثاثةِ
من مستعْمِله بحيثُ لا خفاءَ على أحدٍ به، وهو معَ ذلكَ قاصر للكلامِ عن
تناوُله لكلِ من قُصد به من الظالمينَ والمطاعنِ في معصِيته الله، لأنه لو سمّى
стр. 476
ألفاً أو مائةِ ألفٍ خرَجَ الكلامُ بصريحِ التشَبيهِ لمن سمّاه عن تناولِ من تقدم
من الظالمينَ قبل نزولِ القرآنِ ومن يتأخرُ منهم عن وقت نُزوله، ويوجدُ في
المستقبل، واللهُ سبحانَه باتَفاقِ الأمَّة إنما قصدَ بهذا الكلامِ تحذيرَ جميعِ
المكلفينَ مِن الظلم، ومِن اتَخاذِ خليلٍ يطاعُ في معصية اللهِ جلَّ وعزَّ، فكانت
الكِنايةُ عنْهم بذكرِ الظالمِ الذي هو للجنسِ إذا لم يكن للعهد، والتعريفُ عند
كثيرٍ من الناس أولى وأجدر، وبذكرِ فلانٍ عن كلِ من أطِيع في معصِية اللهِ
أولى من تعديدِ قومٍ منهم بأسمائهم والتصريحِ بذكرهم على وجهٍ يوجبُ
قصرَهُ عليهم فقط، فإذا كان ذلكَ كذلكَ بطلَ ما أصلتُموه.
ويمكنُ أيضاً أن يكونَ اللهُ سبحَانه إنما قصرَ بذلكَ لفلانٍ وبهذه الكناية
قادةَ أهلِ الكُفر والشَرك، وأكابرِ الظّلَمةِ وأئمةِ أهلِ الضلال والظُلم والعُدوان، فكنى عنهم بذكر فلان، لأن العَرب تقولُ: ما جاءكَ اليومَ إلاّ فلانُ بنُ فلان، يعنون بذلك الأكابرَ والأماثِل المعرُوفينَ والمشهُورِينَ من النّاس، والشاعرُ
يقول: أمسكَ فلانٌ عن قيل، يعني عن فلانٍ يُريدُ في عِظَم الأمر وتزايدِ
الشَدة في الحربِ أو في الخَطابة والكلامِ والمفاخَرة، وليسَ يريدُ بقوله
أمسكَ فلانٌ عن فلانٍ برجُلَينِ قط بأعيانهما.
ومن هذا البابِ أيضاً قولُه: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) .
و (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) .
وإنّما أرادَ به سائرَ الكَفَرَة والنّاسِ إلاّ من استثناهُ منهم بصِفته، وفي بعض ما ذكرناه دليلٌ على فسادِ ما ظنُّه في هذا الباب، وليس هذا القدحُ والاحتجاجُ من استخراج من قالَ به الرّافضةُ، بل هَو ما سَبق إلى الطّعن والقدح في القرآنِ به الملحِدون، وقالوا: إن الكنايةَ والتعريضَ إنّما يستعملُه الخائفُ المداجِي، وليسَ هذه صفةً منزلةً لله عند الموحدين، فظنَّت الرّافضةُ أن لهم في هذا شبهةً ومتعلَّقا.
стр. 477
ثم يقالُ لهم: لو سُلِّمَ لكم أنَّ الكناية لا يستعملُها إلا مَن ذكرتم حالَه
مِن الخائفين، وأنّه يجبُ في حكمِ اللُّغة أن يكونَ في موضع فلانٍ هذا رجلاً
مذكوراً باسمه وعينه، لم يدلَّ ذلك على أنّه يجبُ أن يكون هو عُمرُ بنُ
الخطاب، وأن يكونَ الظالمُ هو أبو بكر، والذِّكْرُ هو عليُّ بنُ أبي طالب.
ولم تكونوا بتأويلِكم هذا أولى ممّن تأوّله من الخوارجِ في ضد تأويلِكم.
وزعَم أنّ فلانا هذا هو مالك الأشتر، وأن الذِّكْرَ الذي ضلَّ عنه هو عبدُ الله
ابنُ وهبٍ الراسِبي، أو يزيدُ بنُ حصينٍ الفُزاريّ، وأن الظالِم هو محاربُ
هؤلاء القوم، وعمِلَ لذلك إسناداً وطُرُقاً من الحديث عن عِمران بن حطانَ
وقطْري بن الفُجاءةِ وأبي مالك الخارجي وغيرِهم من أئمّة الضّلال، وادعى
صخة نقلِه لِما نَقلَه وحصولِ العلمِ به، ولو خِفتم مجاهرةَ مناظِركم على ما
توردونه مِن هذه الجهالاتِ بمثلِ هذه المُقابلة لَقلّة دعاويكم وقصُرت
ألسنتكم، وقل تبسُّطكم في شتمِ الصَّحابة، وقذفِهم بكلِّ كفرٍ وضَلال.
ولكنكم لمّا عرفتم من حالِنا إعظامَ أميرِ المؤمنين، واعتقادِ موالاتِه، وقولَنا
بفضلِه، وتبرِينا من كلِ من نَفصَه وغضَّ باليسير من قدرِه وتضلِيلنا له، وأنّنا
لا نستحل ونستجيزُ مقابلَتكم بوصفِ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ بغير صفته، وإضافةِ
نقيصةٍ أو تقصيرٍ أو تبَسُّطكم وعِظم إقدامكم، وصرنا وإياكم كمسلمٍ يناظرُ
يهوديا أو نصرانياً يتناولُ محمداً صلّى اللهُ عليه، ويغُض من قَدْره ويقدحُ في
رِسالته، والمسلمُ مبتلاً - به مَحوجٌ إلى حل شبهَته وتعظيمِ موسى وعيسى
﵉، والإذعانِ له بفضلهما، وليس ذلك بتقوية لحجّة اليهودي
والنصراني، ولا بموهنٍ لحُجاج المسلمِ ودليلِه، ولكنّه من شُبَه جُهالِ اليهودِ
والنّصارى وعامتهم إذا سمعوا اليهودي يقولُ: للمسلم أنت قد أقررتَ بنبوة
стр. 478
موسى وعِظَمِ قدرهِ وجلالةِ محَلِّه، وأنا منكر لبنُوة محمدٍ صلى الله عليهِ وما
تدعيه من شرَف موضعه، وكذلك سبيلُ عامتكم في الاغترارِ بكم إذا قُلتم
عند ضيق الخِناقِ وخلق البِطان: قد أقررتم لنا بفضلِ علي وإمامتِه، وأنكرنا
نحنُ فضلَ أبي بكرٍ وعمرَ وبرئنا منهما وجَحَدنا إمامَتهما وإسلامَهما، ونحن
نعوذُ بالله من التعلُّق بمثل هذهِ الأباطيل والتعاليل.
واعلموا رحَمكم الله أن أهلَ التفسيرِ قد فسَّروا هذهِ الآية، وذكروا فلانا
هذا الذي جُعلت الكِنايةُ عن ذكرِه عامةً متناوِلةً لجميعِ من أطِيع في معصية
اللهِ بما يُزيل الريب والشك، فقال عبدُ اللهِ بنُ العباسِ: إن سببَ هذه الآية ِ أن عُقبة بنَ أبي معيطٍ صنع طعاماً، ودعا إليه أشرافَ أهلِ مكة وكان النبي صلى اللهُ عليهِ فيهم فامتنع من أن يطْعَمَ أو يشهدَ عقبة بشهادةِ الحق ففعل، فأتاه أبي بنُ خلَف الجُمَحيُّ، وكان خليلَه وصفتهُ فقال له: أصَبَأت، فقال: لا، ولكن دخلَ عليَّ رجل من قريشٍ فاستحييتُ أن يَخرجَ من بيتي ولم يَطْعم، فقال: ما كنتُ لأرضى حتى تبصُق في وجهه وتفعلَ وتفعل، ففعل عقبةُ
ذلك، فأنزل اللهُ سبحانهُ هذهِ الآية عامةً في الظالمين بمثل ذلكَ الظلم، وفي
جميع من أطِيع في معصيةِ الله، وسببُ نزولِها هذان الرجلان، هذا مما عليه
جماعة أهلِ التفسير، وإن اختلفوا في لفظ قضَتهما وسياقِهما، فالعدولُ
بها إلى أبي بكرٍ وعمرَ من القِحَةِ والغثاثة، وادعاءِ إبطالِ الخِطاب بالكناية
ونقصانِ اسمِ الزجل مِن كتاب اللهِ وتغييره جهل وفرطُ غباوة، ولولا تعلّقُهم
بمثل هذا وخوفُ ظن الجُهَّال لصحته وخشيةُ اغترارهم به لكان من الواجبِ
تركُه وتنزيهُ الكتابِ عن ذكرِه والحشو به. اهـ.
стр. 479
الكلامِ عليهم فيما طعنوا على القرآنِ ونَحلوه من اللَّحنِ
قالوا: ويدلُّ أيضا على تغييرِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ للمصحفِ وتحريفِهم
له، وغلَطِهم فيه ولحوقِ الخللِ والفسَاد به، ما نجدهُ فيه من اللَّحنِ الفاحش
الذي لا يسوغُ مثلُه، ولا يجوزُ على اللهِ سبحانه، ولا على رسُوله التكلمُّ به، والأمر بحفظه وتبقِيةُ رسمِه ودعوى الإحكامِ والإعجازِ فيه، نحوَ قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) ، وهو موضعُ نصب، وقولهِ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) ، وهو موضع نصب لا إشكالَ فيهِ على أحد.
وقوله: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) .
وموضعِ المقيمينَ رفع واجب في هذا الموضع وجوباً ظاهراً بيّناً.
وقولهِ: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) .
وهو الصّابرونَ بغير اختلافٍ بينَ أهلِ الإعرابِ، وقولهِ في المنافقين: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) .
وهو موضعُ نصب، وهو في المصحَفِ مجزُوم.
قالُوا: وقد ثبتَ وعُلِم أن اللهَ سبحانهُ لا يجوزُ أن يتكلمَ باللحنِ ولا
يتزلُ القرآنَ ملحُوناً، وأَنّ ذلكَ إئَما هو تخليط ممن جمعَ القرآنَ وكتبَ
المصحف، وتحريفِهم إما للجَهلَ بذلكَ وذهابِهم عن معرفةِ الوجهِ الذي
أنزلَ عليه، أو لقصدِ العِنادِ والإلباسِ وإفسادِ كتابِ اللهِ وإيقاعِ التّخليطِ فيه.
стр. 480
قالوا: وهم إلى هذا الوجهِ أقربُ وهو بفعلِهم، وما أخبَروا به عن
أنفسِهم أشبه، لأنه قد رُويَ عنهُم روايةً ظاهرةً أنّ في القرآنِ لحنا، وأنّ
العَربَ ستقيمُهُ بألسِنتها، وأنّه مِن غلَطِ الكَاتب، واشتُهرْ ذلكَ عنهم في باقِي
الصّحابة، ثمَّ لم يُغيِّر قائلُ ذلكَ ولا سامِعهُ هذا اللحنَ ولا أسقَطوه، معَ
القُدرةِ عليه، والتمكُّنِ منه، فلا وجهَ لتركِهم ذلكَ إلا قصدَ العنادِ والإلباسِ
وإيقاعِ التّخليطِ والفسادِ في كتابِ اللهِ تعالى، وقد رَويتم أن عثمانَ لمَّا نُسخَ
مصحفُه ورُفع إليه نَظر فيه وقال: "أرى فيه لحناً وستُقِيْمُهُ العربُ بألسِنتها" (١) ، ورَوَيتم عن هِشامِ بنِ عُروةَ: "عن عائشةَ أنّها قالت: ثلاثةُ أحرفٍ هيَ في كتابِ اللهِ تعالى خطأٌ من الكاتِب: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) ، و: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) في المائدة، و ((لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) .
فأيُّ عذرٍ للقَومِ في إقرَارهم هذا اللحنَ وتركهِ على حاله، وأيُّ مخرجٍ - لقائلِ هذا أو سَامعيه إذا لم يتسرعوا إلى تغييره وإنكارِه، وأخذِ الناسِ برسمهِ على وجهِ ما أنزلَ علمِه،. فلولم يدل على جهلِ القومِ وتخبيطهمِ وإدغالهمِ للدِّينِ ودخول الخللِ والفسادِ في الكتاب، وذهابِهم عن ضَبطه وقصدِ قومٍ منهم إلى تحريفهِ سوى ما وَصفناه، لكانَ كافيا لمن تدبر.
стр. 481
فيقالُ لهم: قد جَمعتم في كلامِكم هذا بين ضُروبٍ من التّخليطِ:
أحدُها: ظنكُم لصحّةِ هذه الروايةِ عن عثمانَ وعائشةَ وقيامِ الحجّةِ بها
وَوُجوبِ القطعِ على أنّهُما قد قَالا ذلك، ووجوبِ طلبِ المخرجِ لهما منه.
وليست هذه صفة هذا الخبرِ عندَنا.
والوجهُ الآخرُ: توهمُكم أنّ ذلكَ إن صحَ عنهما فإنّه لا عُذرَ لهما ولا
مخرجَ من إقرارِ الخطأ، وليسَ الأمرُ في ذلكَ على ما توهمتُم.
والوجهُ الثالثُ: قولكمُ: إنَّ القومَ جهِلوا الصواب، وذهبوا عنهُ معَ
اعترافِكم بأنّهم قد عرَفوا اللَّحنَ وذكرُوه، وهذا جهلٌ منكم وتخليط.
والوجهُ الرابع: دعواكم أنّ القَومَ إنَّما قصدُوا بذلكَ إيقاعَ التَّخليطِ
والإلباسِ في كتابِ الله، معَ اعترافِكم بأنّهم قد نبهوا على اللَّحن، وذكروه
وذكروا مواضعه، وهذا أيضاً تخليطٌ ظاهر.
والوجهُ الخامس: توهُّمكُم أن هذه المواضِعَ ملحونةٌ لا محالةَ لا وجهَ
لجوَازها في اللُّغة، فليسَ الأمرُ في ذلكَ على ما تقدرون، ونحن نتكلمُ على
فصلٍ ممّا أوردتموه بما يوضّحُ الحق ويكشِفُ تخليطَكم وفسادَ تعلقِكم إن
شاءَ الله تعالى.
وأولُ ما نقولُ في ذلك: أنكم قد زعمتُم أنّ عثمانَ وعائشةَ قد اعترفا بأن
في كتابِ اللهِ لحنَا وخطأ، وأنّه من غلطِ الكاتب، وأنهما أقرَّا ذلكَ وعَصَيا
اللهَ بإقرارِه، وتركِ تغييرِه، وإنكاره، وعصى اللهَ أيضا جميعُ من سمعَ ذلكَ
مِن الصَّحابة ِ وعرَفهُ فلم ينكِرْه معَ ظهورِ هذا القولِ فيهم وانتشارِه بينَهم.
وليسَ يجوزُ أن يقطع على تخطئةِ الصَّحابة ِ وتفسيقهم ونسبتهِم إلى العِصيانِ
بقول يُحكى عن بعضهم ويُدَّعى انتشارُهُ في باقِيهم، يوجبُ ذمَّ قائلهِ وسامعهِ
стр. 482
مع إقرارهِ له بخبرٍ وروايةٍ لم تقم بها الحجَّة ُ ولا هي مما عُلم صحتها بضرورةٍ أو
دليل، بل يجبُ أن لا يُنسب إلى أدنى المؤمنينَ منزلةً شيءٌ من ذلكَ، ولا
يُقطعُ بهِ عليه، إلا بخبرٍ تقومُ به الحجَّة ُ ويَلزمُ القُلوبَ العلمُ بثبوته، وبمثلِ
هذا بعينهِ أبطَلنا مطاعنَ الخوارجِ على عليٍّ برواياتٍ تَروونها لم تقُم الحجَّة ُ
بها، ولا عِلمَ بثبُويها لا حاجةَ بنا إلى ذكرِها، ولو عَلمنا على إضافةِ مثلِ هذا
إلى عثمانَ وعائشةَ والقطعِ عليهما بهِ وذمِّهما لأجلهِ بخبرِ الواحدِ ومَن جرى
مجراه، لوجبَ ذمُ سائرِ الصَّحابة ِ وقذفهِم بالخطأِ والعِصيانِ والتفريط، لأنه
ليسَ فيهم إلا مَن قد رُويَ عنه أمرٌ لم يثبتْ عليه، ولم تقُم حجةٌ به، ولما لم
يجب ذلكَ سقطَ ما تعلقتُم به، إذ كنا لا نعلمُ بثبوتِ هذهِ الروايةِ بضرورةٍ ولا بدليل.
فأمَّا عدمُ علِمنا بصحتها ضَرورة، فأمرٌ لا شُبهةَ علينا ولا علَيهم فيه.
لأنَّ أحداً لا يسوغُ لهُ دعوى الضرورةِ إلى العِلم بصحَّة ِ هذهِ الرواية، وكيفَ يسُوغُ ذلكَ وهو لو كانَ مما قَد ظَهر وانتشرَ واستفاضَ وبلغَ حد التّواتر الموجبِ للعلمِ القاطعِ للعذر، لوجبَ أن نّجدَ أنفسنَا مضطرّةً إلى العلمِ به، وغيرَ واجدةٍ للسبيلَ إلى دفعه، أو الشّكَ فيه، وباضطرارٍ يُعلم من أنفسِنا أنّه لا علمَ فينا بصحّةِ هذه الرِّوايةِ، وأن لِطوارقِ الريبِ والشُكوكِ فيه تسلُّطاً وسبيلاً على قُلوبنا كتسلطِه على ذلكَ في جميعِ ما يُروى لنا ممّا لم تقم بهِ الحجةُ من أخبارِ الآحاد، ومِن دَفعِنا عن ذلكَ لم يكن عندَنا في حدِّ من
يجبُ كلامهُ ويحسنُ مناظرتهُ ولا ممن يُرجى الانتفاعُ بمشاجرِته، ولم تكن
الحيلةُ في أمره، إلا أن يقالَ له: إنّكَ تعلَمُ ضرورةً أنّ هذا الخبرَ لا يوجبُ
العلمَ ولا يقطعُ العذر، ويُعلمُ ضرورةً أنه متكذَّبٌ باطل، ويُضطرُ إلى أنّه
стр. 483
لم يثبت عن عثمانَ وعائشة، ولم ينتشَرْ في الصَّحابة فإنه لا فصلَ له في شيء
من ذلك، وإذا كانَ هذا هكذا بطلت دعوى الضّرورة إلى صحة هذهِ الرواية.
لمان قالوا: بدليلٍ نعلمُ صحَّتها وحجّةٍ دون الضّرورة.
قيل لهم: وما ذلكَ الدليلُ والحجة، أهوَ إجماعُ الأمَّة ِ على تصحيح هذهِ
الرواية عنهما، أو توقيفِ اللهِ ورسُولهِ على ذلك، أو إيجابِ العقلِ لقولهما
لذلك، أم أي شيءٍ هو، فلا يجدونَ إلى ذكر شيءٍ سبيلاً.
فلو كان هذا الخبرُ سليما مما يدلُّ على اضطرابِه وفسادِه، ويمكنُ أن
يكونَ صحيحا عَن عثمانَ وحالُه ما وصفناه، لم يجبْ القطعُ به والعملُ عليه.
فكيفَ وفي نقلهِ من الاضطِرابِ ما يوجبُ تركَ الإصغاءِ إليه والعملِ عليه.
وذلكَ أن هذا الخبرَ إنَّما مدارهُ على قتادةَ وعنه يُروى، وقتادةُ إنما أرسلَهُ عن
عثمانَ وتارةً يرويهِ عن يحيى بنِ يَعمُر وهوُ لم يسمعهُ من يحيى بنِ يَعمر.
وإنما سمعَه على ما ذكره من قومٍ من أهل العلمِ عن نصرِ بنِ عاصمٍ
الجحْدَري، ويحيى بن يَعمرَ يرويه عن رجلٍ مجهولٍ مشكوكٍ فيه غير
معروفٍ وهو ابنُ فُطيمة أو ابنُ أبي فُطيمة، ولو كانَ هذا الرجلُ مشهوراً
معرُوفا لمَا وقعَ مثلُ هذا الشك في أمرِه.
стр. 484
فروَى أبو بكرِ بنُ مجاهدٍ عن أبي أحمدَ بن محمدِ بنِ موسى قال:
حدثنَا ابنُ أبي سعيدٍ قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ خلاد: قال حدثنا شبابةُ قال:
حدَّثنا أبو عمرو بنُ العلاءِ: قالَ حدَّثنا قتادةُ قال: "لما كُتبَ المصحفُ
عُرض على عثمان، فقالَ: إنَّ فيه لحناً ولتقيمنه العربُ بألسنتِها".
وروى ابنُ مجاهد عن محمدِ بنِ يحيى عن أبي جعفر المكفوفِ عن شَبَابة بنِ سُوارَ عن أبي عمروِ بنِ العلاءِ عن قتادة قال: "لما كُتبَ المصحفُ رُفعَ إلى عثمانَ
فنظرَ فيه، فقالَ: إنَّ فيه لحناً ولتقيمنه العربُ بألسنتِها".
فهذان الخبران إرسالُ قتادةَ عن عثمانَ بهذهِ الرِّواية، والمرسَلُ في مثِل
هذا غيرُ مقبولٍ لأنّنا لا نعرفُ مَنْ بينَ قتادةَ وعثمان، ولعلَّنا لو عَرفنا لم يكن
عندَنا وعند الشِّيعةِ ممَّن يُقبلُ خبره، ويُسكَن إلى قولهِ، بل لعلّهُ أنْ يكونَ من
الناصبةِ وشيعةِ الجَملِ والمنحرفينَ عن القولِ بالنّصِّ على علي، ومن هذه
صفتهُ فخبرهُ عند الشِّيعةِ مردود غيرُ مقبول، وليس لأحدٍ أن يقولَ: إنَّ قتادةَ
لا يُرسلُ إلا عن ثقةٍ عندَه، لأنّه لا دليلَ على ذلك، وقد يُرسلُ الثقةُ في
حديثهِ عمَّن إذا سُئل عنه وثَّقة وأحسنَ الثّناء عليه، ويُرسلُ عمَّن إذا سُئل عنه وصَفَ بالتهمةِ له أو الكذبِ والتدليس ووضعِ الحديث وأشياءَ إلينا عليه، فلا حُجةَ مَعنا في أنّ قتادةَ لا يرُسلُ إلاّ عن ثقة، وليس لأحدِ أن يقولَ إنه إذا أرسلَ عن غيرِ ثقة عنده فقد ألبسَ ودلس وغَشَّ من روَى له، لأنّه لا يُعلم أنّ أهل العلمِ لا يقلِّدون في ذلكَ، وأنّهم يعلمونَ أنّهم مأمورونَ بالبحثِ
стр. 485
والسُّؤالِ عمَّن أرسلَ عنه والاجتهادِ في الخبرِ المرسَل، وأنّه لا معتبرَ في
تعرُّفِ حالِ الوَسائطِ بالإرسالِ عنهم، والسّكتِ عن ذكرِهم، على أنّ أيضاً
حالَ قتادةَ أنّه لا يُرسل إلاّ عن ثقةٍ عنده، وقد يكونُ الثّقةُ عنده غيرَ ثقة عندنا ولا عند الشِّيعة، بل يكونُ معروفاً عندَنا جميعاً بما يُسقطُ عَدالتهُ ويبطلُ خبرَه وشهادتَه ويعرفهُ غيرُ قتادةَ بما لا يعرفهُ به قتادة، ولم يوجب اللهُ علينا تقليدَ قتادةَ في تعديلِ من أرسَلَ عنه، ومن هو ثقةٌ عندَه، فإذا كان ذلكَ كذلكَ بانَ بهذه الجملةِ أنه لا حُجةَ في الأخبار التي أرسَلها قتادةُ أو غيرُه عن عثمانَ في هذا البابِ، فهذا هذا.
وأمّا الرِّوايةُ المسندةُ عن قتادةَ في هذا فصِفتُها في الاضطرابِ ما قدَّمنا
ذكرَه، فروى ابنُ مجاهدٍ قالَ: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا
يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدَّثنا أبو داود، قالَ: حدَّثنا عمرانُ القطانُ عن قتادةَ عن نصرِ بنِ عاصمٍ عن عبدِ الله بنِ فطيمةَ عن يحيى بنِ يعمر، "قالَ: "قال لي عثمانُ: إن في القرآنِ لحنا تُقيِّمه العربُ بألسِتتها".
ورَوى ابنُ مجاهد قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا عمرو بنُ مرزوق، قال: أخبرنا عمرانُ القطانُ عن قتادةَ عن نصرِ بن عاصم عن عبدِ الله بن أبي فطيمةَ عن يحيى ابن يعمرٍ قال: "لما عُرضتِ المصاحفُ على عثمانَ، قال: "إنَّ في مصحِفنا لحنا تقيمهُ العربُ بألسنتها".
وروى ابنُ مجاهد، قال: حدَّثني أبو عبد الله
стр. 486
أحمدُ بنُ عبدُوس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المخزوميُ، قال:
حدَّثنا أبو داودَ الطيالسيُ، قال: حدَّثنا عمرانُ القطان عن قتادةَ عن يحيى
ابنِ يعمرِ عن ابن فطيمةَ، قال: "قال عثمانُ: إن في القرآن لحناً وإن العربَ
ستقيمهُ بألسنتها".
وفي هذه الروايات المسندةِ المرفوعةِ ضروبٌ من التخليط، فمنها أنّ
قتادةَ مرةً يروي الخبرَ عن يحيى بنِ يعمرِ ولا يذكُر نصراً، ومرةً يروي عن
نصرِ بن عاصمٍ عن يحيى، وتارةً تردُ الروايةُ عنه بأن يحيى بنَ يعمرٍ هو الذي
يروي عن ابن أبي فُطيمةَ، وتارةً يردُ بأن ابنَ فطيمةَ هو الراوي عند يحيى بن
يعمر، وهذا اختلاف وتخليطٌ ظاهر، وتارةً يقولُ الراوي ابنُ فطيمةَ وآخرُ
يقولُ ابنُ أبي فطيمة، وهذا أوضحُ دليلٍ على الجهالةِ بابن أبي فُطيمةَ هذا
وخفاء أمرهِ وخمولِ ذكرِه وحصولِ الشُكوكِ في أمره، وأنه غيرُ معروفٍ عن
أهلِ الضبطِ والنقل، ولو كانَ معرُوفاً لَزالت عنهم الشُكوكُ في أمرِه، فمنْ
ظن أننا نقطعُ على عثمانَ بصحَّة ِ هذهِ الرواية، وأنه قالَ هذا القولَ وأذاعهُ
بمثلِ هذا الخبرِ فقط، فقدْ ظن بعيداً، وقد بينا فيما سلَف أنه لو سلَّم جميعَ
ما ذكرناه لم يجب من ناحيةِ القطعِ على عثمانَ بموجبهِ وتصحيحِه عليه، وإذا
كانَ ذلكَ بانَ أنه لا تعلُقَ لأحد على عثمانَ بمثل هذا الخبر مِن كل وَجه.
стр. 487
فصل
وأمَّا رُوِي عن عائشةَ من قولها في أحرفٍ في المصحفِ إنها لحن.
وإنها من غلطِ الكاتب، فإنهُ أيضاً جاري مجرى الخبرِ المروي عن عثمانَ في
هذا الباب، لأنه من أخبارِ الآحاد ِ التي لم تقُم الحجَّة ُ بها، ولا سبيلَ إلى
العلمِ بصحَّتها لا من ناحيةِ الضرورة، ولا من جهةِ الدليل، وكل شيءٍ ثَبتَ
أنه من الروايةِ عن عثمانَ من أخبارِ الآحاد، فإنه بتعيّنه دالٌّ على أن هذهِ
الرِّوايةَ من أخبارِ الآحاد ِ فلا حاجةَ بنا إلى إعادتِه، ولم يروِ هذا الخبرُ عنها
إلاّ عُروةُ بنُ الزُبير وحدَه، وعروةُ عندنا غيرُ متهمٍ ولا ظنين بل ثقةٌ أمينُ
وعدلٌ صدوق، غير أننا لا نعلمُ ضرورةً ولا استدلالاً صحة َ هذه الرواية ِ عن عُروة، ولا يُقطعُ على أنه رَوَى ذلكَ عن عائشة، ولا ندري كيفَ حالُ الروايةِ كذلكَ عند عبدِ الله.
ومتى كانَ ذلك كذلكَ لم نُجِز القطعَ على أن عائشةَ حكَمت أن في
المصحَفِ حُروفاً ملحونةً أخطأ فيها الكاتبُ والمملي والمجتمعونَ على كَتْبِ
المصحفِ وعرضه، وهُم قوم من جِلَّة الصَّحابة، وأهل ثقةٍ وأمانةٍ وبراعة.
ولسِنٍ وعِلمٍ وفَهمٍ ثاقبٍ بصحيحِ الكلام والسائغِ الجائزِ منهُ في اللُّغة
والملحونُ الفاسدُ الذي لا يحْسُن ولا يسوغ التكلّمُ به، لأن ذلكَ قذفاً منها
لهُم بالتجهيلِ والتخطئة، والنسبةِ إلى ما يبعدُونَ عنه، أو بالتُّهمةِ وقِبحِ الطنةِ
وقصدِ التمويهِ والإلباسِ في كتاب الله، وكل ذلك منفي عنهم، ويجبُ أن
يُنفى أيضاً عن عائشةَ قذفُهم بذلك، لأنها أعلمُ بعدالتِهم وأعرفُ بثاقبِ
стр. 488
أفهامِهم وصحةِ نحائرهم وفصاحتِهم ولسِنِهم، وأن اللغةَ طِباعُهم، والكلامَ
بها شأنُهم ونشوءَهم وديدَنُهم، وأنه لا يمكنُ أن يذهبَ عليهم معرفةُ اللحنِ
في لغتهِم وهم أفصحُ قومِهم أو مِن أفصَحِهم وأعرفِهم باللسانِ ومواقعِ
الخِطابِ ووجوهِ الإعراب، فمن توهم أننا لا بد أن نُلصقَ بعائشةَ هذهِ الروايةَ
ونقطعَ بها عليها ونحقَقها من قِبلِها بمثلِ هذا الخبرِ الذي الله سبحانهُ أعلمُ
بحالِ طريقه إلى عروةَ بنِ الزبير، فقد توهّم علينا العجزَ والتّفريط، وإَذا كانَ
ذلكَ كذلكَ بطَل أيضاً التّعلُقُ بهذِهِ الرِّوايةِ على أنّ الذي روى عنها في ذلكَ
هو ما رواهُ أبو بكرِ بنِ مجاهدٍ وغيرهُ مِنَ الرواةِ يرفعُونه إلى عُروةَ بنِ الزُّبير.
فَروى ابنُ مجاهد عن يحيى بنِ زيادٍ الفّراء، قال: حدَّثني أبو معاويةَ
الضرير، وروى أيضاً أنه حدَّثَه فضلٌ الورّاقُ عن خلاد بن خالدٍ عن أبي
معاويةَ الضرير، وروى أنّه حدثه موسى بنُ إسحاقَ عن مِنجاب عن
علي بن مسهرٍ عن هشامِ بن عروةَ عن أبيه: "أنّ عائشةَ قالت: في
(والمقيمينَ الصّلاة والمؤتونَ الزكاةَ) ، و (وإنّ الذين آمنوا والذينَ هادوا
والصابئون) ، (إنَ هذانِ لساحِران) ، أن ذلكَ خطأ من الكَاتبِ ".
وقد بيّنا فيما سلفَ أننا لا نعرفُ كيف الحالُ فيمن دونَ هشامِ بن عروةَ
من الرواةِ عندَ الله، وأّنه لا حُجّةَ فيما هذه سبيلُه منَ الإخبارِ في الأمرِ الذي
стр. 489
يجبُ القطعُ به على الله، وعلى المروي َ عنه وما يقتضيهِ مِن ذمِّة والبراءَةِ منه
أوتعظيمهه ووُجوبِ موالاَته، فوجبَ بذلكَ أنّه لا حجّةَ في هذهِ الرَِّواية، على أنّ في الرَِّواية ِ ما يدلُّ على ضعفِ الخبرِ عنها وبُعدِها عن أن تكونَ قالته، وذهبَ عليها وجهُ الخطأ عنه وذلكَ أنّها ذكَرت ثلاثةَ أحرف: مِنها حرفانِ
صحيحانِ جائزانِ عندَ سائرِ أهلِ العربيّة، فيها الرفعُ والنصبُ جميعا في لغة
قريشٍ وغيرها وهما: قولُه: (والصابئونَ) ، وقولُه: (والمقيمِينَ الصّلاة) .
وسنذكرُ وجهَ جوازِ ذلك وحجَّته إن شاءَ اللهُ، فهذهِ جملةٌ تُسقطُ تعلُّقَهم بهذه
الروايةِ عن عثمانَ وعائشة.
ثم إنّا نقولُ بعدَ ذلك: فإن صحَّت هذهِ الرَِّواية ُ وكانت على ما يدّعون
ظاهرةً معلومةً في الصَّحابةِ مشتهرةً فيهم، فقد بطلَ بذلكَ قولُهم إنَّ الصَّحابة َجهِلت وحذفت وأثبتَت في المصحفِ ما لا عِلمَ لها بِصوابِه من خطئِه، لأجلِ أنّ عثمانَ وعائشةَ قد عَرفا اللّحنَ والخطأ وذكَرا ذلكَ عن أنفسهما.
ولو لَم يعرِفاه لمَا ذكراهُ ونبّها عليه، وكذلكَ سائرُ الصّحابةِ يجبُ أن تكونَ
قد عرفتْ هذا اللّحنَ والخَطأ، إن كانت هذهِ الرَِّواية ُ عن عثمانَ وعائشةَ
مشهورةٌ فيهم عنهما، لأجلِ أنهم أهلُ الفصاحةِ واللّسنِ والمعرفةِ بوجوهِ
العربيةِ وضُروبِ الخِطابِ والتصويبِ في الكلام، واللغةُ لغتهم، وإنما أنزِلَ
القرآنُ بلسانِهم وفيهم، وليسَ يقصرُ الخلقُ الكثيرُ والدهماءُ منهم في
الفَصاحةِ والمعرفةِ بلسانِ العربِ والجائزِ فيهِ وغيرِ الجائز، عن منزلةِ عثمانَ
. وعائشة، بل فيهم من قَد قيلَ إنّه أفصحُ منهما وأكثرُ انبساطا وتصرُّفا في
معرفةِ اللسانِ والقدرةِ على التكلمِ به، فإذا شُهِرَ فيهم قولُ عثمانَ وعائشةَ إن في القرآنِ لحناَ وإنه من خطأ الكاتب فلم نحفظَ أحداَ أنكرَ ذلكَ على عثمانَ وعائشةَ أو عارضَ فيه أو احتج فيه أَوردّه أو قدَح فيه بوجهِ من وجُوهِ الطعن،
стр. 490
عُلمَ بذلكَ أنَّهم لم يُمسكوا عن المعارضةِ في هذا الأمرِ العظيمِ إلا لعلمِهم
بصوابِ ما قالَه عثمانُ وعائشةُ ومعرفتُهم بذلك، ولولا هذا لأنكروا هذا
القولَ وردوه، ولم يكن في موضعِ العادةِ أن لا يقدحَ قادح منهم في هذا
القول، مع اعتقادِهم خطاَ قائلهِ وصخةَ ما نسبهُ إلى الخطا واللّحن، ولو رَد
هذا منُهم رَاد وقدحَ فيه قادح لوجبَ في مستقر العادةِ ظهورُ رده وقدحه.
وأن يُعلمَ في الجملةِ أن ذلكَ أمر قد رُوي كَما رُوِيَ ما هُوَ قدح فيه من قِبلِ
عثمانَ وعائشة، وإذا لم يكن ذلكَ كذلكَ ثبتَ أن هذا القولَ كان مسلَّماَ في
الصحابة، وغيرَ مردودٍ إن كان قد ثبتَ صحة ُ هذه الرواية ِ وظهورِها في
الصحابةِ على ما يدعون، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ وجبَ علمُ سائرِ الصّحابةِ
والدهماءِ منهم بوقوعِ هذا اللّحنِ والخطأ في المصَحفِ وبانَ بذلكَ جهلُ من
نسبَهم إلى الجهلِ به والذهابِ عن الصواب.
وكذلك هذه الرواية ُ إن كانت صحيحةً على ما يدّعون، فقد ناقضوا في
قولهم إن عثمانَ وعائشةَ وكثيراً من الصَّحابة ِ قصَدُوا إلى تحريفٍ بالمصحَفِ
وتبديلهِ والإلباسِ على الأمَّةِ فيه والغِشِّ لها والإدغالِ في دينها بإثباتِ اللحنِ
والخطأ فيه، لانهما لو قَصدا ذلكَ لكتما ذِكرَ اللحنِ وأعرَضا عنه وتغافَلا
عنه ولم يُناديا به وينتها، وكذلك الباقونَ منهم لو قصدُوا أو بعضُهم غِش مَنْ
بَعدهُم والإلباسَ في كتاب اللهِ لناقضوا عائشةَ وعثمانَ وردوا عليهما واحتجوا
للحنَ والخطأ وألبسوا ترتيبه ورد قولِ من نبهَ عليه، حتى يُصوروا الباطلَ
بصورةِ الحق، هذه سبيلُ من قصدَ الإلباسَ والتّمويهَ وكِتمانَ الصوابِ وطيه
ونشرَ الباطلِ وإذاعتَه، والدعاءَ إليه، فلمَّا أظهرت عائشةُ وعثمانُ هذا القولَ ورضيَ بهِ الباقُون وأقرُّوهُ وصوبُوه وعدَلوا عن القَدحِ فيه والاعتراضِ عليه،
стр. 491
ثبت أنَّهم جميعا أنصارُ الحقً، وأهلُ الحياطَةِ والحِراسةِ لكتابِ اللهِ والتنبيهِ
على الواجبِ لهُ وفيه، وما يجبُ أن نعتقدَ في صحيحِ ما ثَبتَ فيه، وغَلطِ من
أدخلَ فيه ما ليسَ منه، وكيفَ ينُسب قوم هذه سبيلُهم إلى التمويهِ وقصدِ
الإلباسِ والإدغالِ للذين وأهله، لولا الغباوَةُ وجهلُ من يعتقدُ ذلكَ فيهم.
ويروي مثلَ هذه الرَِّوايةِ عنهم، وبمواضعِ التخليطِ والمناقضةِ في كلامهِ
واحتجاجه، ونحنُ الآنَ نبيِّنُ وَجهَ التأويلِ في هاتينِ الرِّوايتينِ لو صحتا عن
عثمانَ وعائشةَ وما الذي قصَداهُ بذلك، وأنهما لم يعتقدا أن في القرآن
لحناً لا يجوزُ في لُغةٍ منه وعلى كل وجه.
فنقول وبالله التوفيق: إنهُ يمكنُ إن كانت هذه الرَِّواية ُ صحيحَةً أن يكونَ
عثمانُ لما أرادَ بقوله: "أرى فيه لحناً وستقيمه العربُ بألسنتِها"، إن فيه لحنا
في لغةِ بعضِ العربِ وعلى مذهَب قبيلةٍ منهم لا يتكلمونَ بتلكَ الكلماتِ
على الوَجهِ الذي أُثبِتَ في المصحَف، وأن من لَم يألف الكلامَ بتلكَ
الحروفِ على ذلكَ الوجهِ اعتقدَ أنه لحن وأئه لا يُقرأ به، وأن لسانَه لا ينطلقُ
به، ولا يمكنُهُ مفارقةُ نشوءهِ وطبعِه وعادتِه في الكلام، فأرادَ بقوله إنه لحن
عند من اعتقد ذلكَ وصعُبَ عليه التكلُّمُ به، واستكبرهُ وخفَي عليه وظن
لأجلِ ذلكَ أن اللهَ لم ينزلهُ ولم يقل ذلكَ على سبيلِ القطعِ بأنه لحن وأنه غيرُ
جائز، وأراد بقولهِ: لتقيمَنه العربُ بألسِنتها أنه ستقرأ تلكَ الكلماتُ ويَنطقُ
بها كل ناطقٍ منهم على الجائزِ في لغتهِ والمألوفِ في طبعهِ وعادته، فيتكلمُ
بهِ قوم على وجهِ ما ثَبتَ في المصحفِ إذا كانَ التكلمُ به على ذلكَ الوَجهِ
لسانَهم، ويتكلمُ به آخرون َ على الوجهِ الشائعِ الجائزِ المألوفِ في لُغته، لأن
اللهَ سبحانهُ أطلقَ القِراءةَ بتلكَ الأحرفِ على هذهِ الوجوهِ المختلفةِ نظراً
لعبادهِ وتسهيلاً عليهم وتخفيفا لمحنتهم في التكليف، ولم يُردِ بقولهِ: ولتقيمنه
стр. 492
العربُ بألسنتها، أنّه ليس فيها متكلم به على وجهِ ما ثَبت في المصحَف.
وأن ذلكَ خطأ غيرُ جائز.
ويمكنُ أيضًا أن يكونَ إنّما قصدَ بقولهِ: إنَّ فيهِ لحناَ عندَ مَن توهّم ذلكَ
وخفيَ عليهِ وجهُ الصّوابِ في إعرابه على ما ثبتَ رسمُه، ولم، يَعرِف الوَجهَ
في جوازه، وأن يكونَ أرادَ بقولهِ: ولتقيمنه العربُ بألسِنتها، أي لتحتجّنّ
العربُ وَلَيُتَيحَنَّ الوجهَ في صحةِ ذلك، وصوابِ ما ثبتَ في المصحف.
وليبيحَنّ الله تعالى منهم في كلِ عصرٍ وأوانِ يظهرُ فيه دعوى وقوعِ اللّحنِ
فيما يتوهم ويُظن أنّه لحنٌ مَن يُعرِبُ عن صوابِه، ويحتج بجوازه،، ويكشفُ
عن وجهِ صحتِه، وتخطئةِ دعوى الخطأ فيه، وذلكَ إقامة له ممن صنعَه من
العَرب وإفصاح عن معناهُ وصوابِه بلسَانه.
فأمّا أن يكونَ أراد القطعَ على أن فيه لحناً، لا يسُوغُ بوجه، وهو مَع
ذلكَ مقر له وغيرُ مغيره، فذلكَ غيرُ جائزِ ولا بُدَّ من حملِ كلامهِ على مثلِ
هذا التأويلِ ونحوه، لأجلِ قيام الدليلِ القاطعِ على أنه لا لحنَ ولا خطأَ في
المصحف، وأن هذهِ الأحرفَ جائزةٌ حسنة وصوابٌ على ما ثبتَ رسمُها في
المصحف بما سنوضّحه ونكشفهُ فيما بعد، وأنّه لا بدَّ أن تكونَ عائشةُ وعثمانُ من أعرفِ النّاسِ بجوازِ ذلكَ وصحّتِه، وأنّهما أفصحُ وأعرفُ بهذا البابِ من سائرِ من بعدَهُما من أهلِ الأعصارِ وجميعِ من يُظَن أنّه يستدركُ عليهما.
ومما يُعتمدُ عليهِ في تأويلِ قولِ عثمانَ: أرى فيه لحنا، هو أنّ المقصِدَ
به ما وُجد فيه من حذفِ الكاتبِ واختصارِه في مواضعَ وزيادةِ أحرفِ في
مواضعَ أخَر، وأنّ الكاتبَ لو كانَ كتبهَ على مخرجِ اللْفظِ وصورته لكانَ أحق
وأولى وأقطعَ للقالةِ وانقى للشُبهةِ عمن ليسَ الكلامُ باللسانِ طبعا له.
وقوله: "لتقتمنه العرب بألسِنتها"، معناه أنها لا تلتفت إلى المرسومِ المكتوبِ الذي
стр. 493
وضعَ للدلالة فقط، وأنّها تتكلّمُ بهِ على مقتضى اللغةِ والوجهِ الذي أنزِلَ عليه من مخرجِ اللّفظِ وصورته.
فمِن هذهِ الحروفِ والكلماتِ، ما كتبَ في المصحفِ مِنَ الصلاةِ والزكاةِ
والحياةِ بالواو دون الألف، وكانَ الأولى أن تكتبَ الصلاةُ والزكاةُ والحياةُ
على مخرجِ اللَفظِ ومطابقتِه، وكذلكَ إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ وصالحُ
والرحمنُ وأمثالُ هذه الأسماءِ التي تُسقطُ الألفُ منها وهي ثابتة في اللفظِ
والمخرج، ونحوُ إلحاقِهم في آخرِ الكلمةِ مِن قالُوا وقامُوا وكانوا وأمثالُ
ذلكَ ألفا، والألفُ غيرُ ثابتةٍ ولا بينةٍ في اللفظ، فرأى عثمانُ كتابةَ هذهِ
بالكلماتِ أو الأسماءِ ورسمِها على مطابقةِ اللَفظِ ومخرجهِ أولى وأحقّ، وأن
المتكلمَ إنْ تكلّم بها وتلاها على حدّ ما رُسمت في المصحفِ كان مُخطئاً
لاحِنا خارجا عن لغةِ العربِ وعادِتها، ومتكلّما بغيرِ لِسَانها، غيرَ أنّه عرفَ
هو وكل، أحدٍ مَن كتَبَ المصحفَ وغيرهم من أهلِ العلمِ باللُّغةِ أنّ العربَ لا
تلفِظ بالصلاةِ والزكاةِ والحياةِ بالواو وتُسقطُ الألفَ، ولا تحذفُ الألفَ في
لفظِها بالرحمنِ وسليمانَ وإسماعيل وإسحاقَ وصالحَ ونحو ذلك، ولا تأتي
بالف في قامُوا وقالُوا وكانُوا وأمثالِ ذلك، وأنها لا تتكلمُ بذلكَ، إلا على
مُقتَضى اللّفظِ ووضعِ اللغةِ لشهرةِ ذلكَ وحصولِ العلمِ به، وتعذُرِ النطقِ به
على ما رسُمَ في المصحف، فلذلكَ قال: "ولتقيمنّهُ العربُ بألسِنتها"، أي
أنها تنطق به على واجبه ولا تشك في ذلك، لأجلِ أن الرسمَ في الخط
بخلافه.
ومما يدلُ على صحة ِ هذا: التأويل، وأنَّه المقصو بما صَدرَ عن عثمان.
ما رواهُ، أبو عبيد عن حجاح بنِ هارونَ بنِ موسى عن الزُبيرِ بنِ حُريثٍ عن
عكرمةَ قال: - "لما كتبت المصاحِف عُرضت على عثمانَ فوَجدَ حروفا من
стр. 494
اللَّحنِ، فقال: لا تُغيروها فإن العربَ ستغيرُها، أو قالَ: ستغيرُ بها بألسِنتها.
أو كانَ الكاتبُ من ثقيفٍ والمملي من هُذيلٍ لم تُؤخذ فيهِ هذهِ الحروف.
وإنما قصدَ بذلكَ واللهُ أعلم، أن ثقيفاً كانت أبصرَ بالهِجاءِ وأشد تمسُكا
في الكتابةِ بمخارجِ الألفاظِ وأعلمَ بذلك، وأن هُذيلاً تُظهرُ الهَمزَ في ألفاظِها
وتكثِرُ استعمالَها في مواضعَ لا تستعملهُ قريش، والهمزةُ إذا بانَت وظهرَت
في لفظِ الممِلي سَمعها الكاتبُ وصورها على مخرجِ اللَّفظِ، وكانَ القاريءُ
لذلكَ الرَّسمِ مخيراً بينَ أن يسلُكَ طريقةَ قريشٍ فَيُلَيِّنَ ويُسقطَ الهمز، وبينَ أن
يهمرِ على لُغةِ هُذيل، ومتى لم يُحمل قولهُ هذا على ما ذكرنَاه لم يكن لذِكرِ
ثقيفٍ وهُذيلٍ معنىً يُعرفُ وتقفُ عليه، ولذلِكَ قال عثمانُ: "لا يُمليَن
مَصاحِفنَا ولا يكتبها إلا غِلمانُ قريشٍ وثقيف، ولم يذكر هُذيلاً، لأنه لم يكن
يرى الهمزةَ في جميعَ المواضعِ التي تستعملُ هذيل فيها الهمزةَ.
وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ ثبتَ أن اللحنَ الذي أرادهَ عثمانُ هو غلطُ
الكاتبِ وتركهُ مُراعاةِ مَخرجِ اللَفظِ وحذفهِ في موضعِ ما هو ثابث في اللفظ.
وزيادتِه في موضعِ ما ليسَ فيه، ولم يقْصِدْ بذلكَ أن فيه لحنا لا يجوزُ التكلمُ
به، لأنه كانَ والصحابةُ والكتَبةُ للمصحَفِ وزيدُ بنُ ثابتٍ أجل قدراً وأفصحَ
لسانا وأثبتَ معرِفةً وفهما باللغةِ من أن يكتُبوا فيه لحنا، ويَذْهبُ ذلكَ على
الجماعةِ سِوى عثمانَ وعائشة، ولو قَصَد عثمانُ بذكرِ اللحنِ هذهِ الحُروفَ
الأربعةَ التي يُدَّعى أنَّها لحن، لم يجُرْ أن يعدِلَ عن تغييرِها ومحوِها وإثباتِها
على الواجبِ الصحيح مع قلتها ونزاردها، وأنه لا كُلفةَ عليه ولا على الكتَبةِ وكلِ مَن عندهُ نسخةَ في تغييرها ورسمِها على الصواب، فلا عُذرَ لهم في ذلك.
стр. 495
فوجبَ أنّه إنما أرادَ بذكرِ اللحنِ الهِجاءَ الذي رُسِمَ على غيرِ مُطابقةِ
اللفظِ ومِنهاجه، وأنه لمَّا رأى ذلكَ قد اتسعَ وكثرُ في المُصحف كثرةً يطول
تتبعها، ويحتاجُ معها إلى إبطالِ النُّسخةِ التي رُفعتْ إليه، واستئنافِ غيرها.
إلزامَ الكَتَبةِ في ذلكَ وسائِر من عِندهُ نسخةٌ منه كُلفةً ومشقةً شديدة، وعَلم أن ذلكَ يصعبُ على أهلِ الذكاءِ والفِطنةِ الذين نَصَّبَهم لكتبةِ المصحفِ
وعَرضه، لأنهم لم يعتادوا الكتابةَ إلا على ذلكَ الوجه، وأن أيديَهم لا تجري
إلا به، أو خافَ نفورَهم مِنْ ذلك، وتنكُرَهُم لهُ ونسبتَهم إلى ميلٍ عليهم
وقدح فيهم، وخشيَ حصولَ قالةٍ وتَفرقِ الكلمةِ فأبقاهُ على ما رُفع إليه من
لحنِ الهجاء، وقال: إن العربَ ستقيمهُ بألسنتِها، لموضعِ شُهرةِ تلكَ
الألفاظ، وعلمه وعلم الناس بأن العرَبَ لا تتكلمُ بها أبداً على ما قيلت
ورُسمت في الخط، وإذا كانَ ذلكَ بانَ صحةُ ما قلناهُ وبطلانُ ما قَدَّروه.
فإن قالوا: على هذا الجوابِ فقد صرتُم إلى أنّه قد وقعَ في خط المصحفِ
ورسمهِ خطأ، وما ليسَ بصواب، وما كان غيرُه أولى منه، وأنّ القومَ أجازوا
ذلكَ وأمضوه وسوّغوه، وذلكَ إجماعٌ منهم على خطأ، وإقرار بما ليسَ
بصواب.
يقالُ لهم: لا يجبُ ما قلُتم، لأجلِ أن اللهَ إنما أوجبَ على القُراءِ
والحفظةِ أن يقرؤُوا القرآنَ ويُؤَدُوهُ على منهاجٍ محدود، وسبيلِ ما أنزلَ
عليه، وأن لا يُجاوزوا ذلكَ ولا يُؤَخرِوا منه مقدماً ولا يقدموا مؤخراً، ولا
يزيدوا فيه حَرفا ولا يُنقصوا منه شيئا، ولا يأتونَ به على المعنى والتعريبِ
دونَ لفظِ التنزيلِ على ما بيّناهُ فيما سلف، ولم يأخذ على كَتبةِ القرآنِ وحفاظ المصاحفِ رسما بعينِه دونَ غيرِه أوجبَهُ عليهم وحظرَ ما عداه، لأن ذلكَ لا يجبُ لو كانَ واجبا إلا بالسمعِ والتوقيف، وليسَ في نص الكِتابِ ولا في