← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ثبت أنَّهم جميعا أنصارُ الحقً، وأهلُ الحياطَةِ والحِراسةِ لكتابِ اللهِ والتنبيهِ على الواجبِ لهُ وفيه، وما يجبُ أن نعتقدَ في صحيحِ ما ثَبتَ فيه، وغَلطِ من أدخلَ فيه ما ليسَ منه، وكيفَ ينُسب قوم هذه سبيلُهم إلى التمويهِ وقصدِ الإلباسِ والإدغالِ للذين وأهله، لولا الغباوَةُ وجهلُ من يعتقدُ ذلكَ فيهم. ويروي مثلَ هذه الرَِّوايةِ عنهم، وبمواضعِ التخليطِ والمناقضةِ في كلامهِ واحتجاجه، ونحنُ الآنَ نبيِّنُ وَجهَ التأويلِ في هاتينِ الرِّوايتينِ لو صحتا عن عثمانَ وعائشةَ وما الذي قصَداهُ بذلك، وأنهما لم يعتقدا أن في القرآن لحناً لا يجوزُ في لُغةٍ منه وعلى كل وجه. فنقول وبالله التوفيق: إنهُ يمكنُ إن كانت هذه الرَِّواية ُ صحيحَةً أن يكونَ عثمانُ لما أرادَ بقوله: "أرى فيه لحناً وستقيمه العربُ بألسنتِها"، إن فيه لحنا في لغةِ بعضِ العربِ وعلى مذهَب قبيلةٍ منهم لا يتكلمونَ بتلكَ الكلماتِ على الوَجهِ الذي أُثبِتَ في المصحَف، وأن من لَم يألف الكلامَ بتلكَ الحروفِ على ذلكَ الوجهِ اعتقدَ أنه لحن وأئه لا يُقرأ به، وأن لسانَه لا ينطلقُ به، ولا يمكنُهُ مفارقةُ نشوءهِ وطبعِه وعادتِه في الكلام، فأرادَ بقوله إنه لحن عند من اعتقد ذلكَ وصعُبَ عليه التكلُّمُ به، واستكبرهُ وخفَي عليه وظن لأجلِ ذلكَ أن اللهَ لم ينزلهُ ولم يقل ذلكَ على سبيلِ القطعِ بأنه لحن وأنه غيرُ جائز، وأراد بقولهِ: لتقيمَنه العربُ بألسِنتها أنه ستقرأ تلكَ الكلماتُ ويَنطقُ بها كل ناطقٍ منهم على الجائزِ في لغتهِ والمألوفِ في طبعهِ وعادته، فيتكلمُ بهِ قوم على وجهِ ما ثَبتَ في المصحفِ إذا كانَ التكلمُ به على ذلكَ الوَجهِ لسانَهم، ويتكلمُ به آخرون َ على الوجهِ الشائعِ الجائزِ المألوفِ في لُغته، لأن اللهَ سبحانهُ أطلقَ القِراءةَ بتلكَ الأحرفِ على هذهِ الوجوهِ المختلفةِ نظراً لعبادهِ وتسهيلاً عليهم وتخفيفا لمحنتهم في التكليف، ولم يُردِ بقولهِ: ولتقيمنه

стр. 492

العربُ بألسنتها، أنّه ليس فيها متكلم به على وجهِ ما ثَبت في المصحَف. وأن ذلكَ خطأ غيرُ جائز. ويمكنُ أيضًا أن يكونَ إنّما قصدَ بقولهِ: إنَّ فيهِ لحناَ عندَ مَن توهّم ذلكَ وخفيَ عليهِ وجهُ الصّوابِ في إعرابه على ما ثبتَ رسمُه، ولم، يَعرِف الوَجهَ في جوازه، وأن يكونَ أرادَ بقولهِ: ولتقيمنه العربُ بألسِنتها، أي لتحتجّنّ العربُ وَلَيُتَيحَنَّ الوجهَ في صحةِ ذلك، وصوابِ ما ثبتَ في المصحف. وليبيحَنّ الله تعالى منهم في كلِ عصرٍ وأوانِ يظهرُ فيه دعوى وقوعِ اللّحنِ فيما يتوهم ويُظن أنّه لحنٌ مَن يُعرِبُ عن صوابِه، ويحتج بجوازه،، ويكشفُ عن وجهِ صحتِه، وتخطئةِ دعوى الخطأ فيه، وذلكَ إقامة له ممن صنعَه من العَرب وإفصاح عن معناهُ وصوابِه بلسَانه. فأمّا أن يكونَ أراد القطعَ على أن فيه لحناً، لا يسُوغُ بوجه، وهو مَع ذلكَ مقر له وغيرُ مغيره، فذلكَ غيرُ جائزِ ولا بُدَّ من حملِ كلامهِ على مثلِ هذا التأويلِ ونحوه، لأجلِ قيام الدليلِ القاطعِ على أنه لا لحنَ ولا خطأَ في المصحف، وأن هذهِ الأحرفَ جائزةٌ حسنة وصوابٌ على ما ثبتَ رسمُها في المصحف بما سنوضّحه ونكشفهُ فيما بعد، وأنّه لا بدَّ أن تكونَ عائشةُ وعثمانُ من أعرفِ النّاسِ بجوازِ ذلكَ وصحّتِه، وأنّهما أفصحُ وأعرفُ بهذا البابِ من سائرِ من بعدَهُما من أهلِ الأعصارِ وجميعِ من يُظَن أنّه يستدركُ عليهما. ومما يُعتمدُ عليهِ في تأويلِ قولِ عثمانَ: أرى فيه لحنا، هو أنّ المقصِدَ به ما وُجد فيه من حذفِ الكاتبِ واختصارِه في مواضعَ وزيادةِ أحرفِ في مواضعَ أخَر، وأنّ الكاتبَ لو كانَ كتبهَ على مخرجِ اللْفظِ وصورته لكانَ أحق وأولى وأقطعَ للقالةِ وانقى للشُبهةِ عمن ليسَ الكلامُ باللسانِ طبعا له. وقوله: "لتقتمنه العرب بألسِنتها"، معناه أنها لا تلتفت إلى المرسومِ المكتوبِ الذي

стр. 493

وضعَ للدلالة فقط، وأنّها تتكلّمُ بهِ على مقتضى اللغةِ والوجهِ الذي أنزِلَ عليه من مخرجِ اللّفظِ وصورته. فمِن هذهِ الحروفِ والكلماتِ، ما كتبَ في المصحفِ مِنَ الصلاةِ والزكاةِ والحياةِ بالواو دون الألف، وكانَ الأولى أن تكتبَ الصلاةُ والزكاةُ والحياةُ على مخرجِ اللَفظِ ومطابقتِه، وكذلكَ إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ وصالحُ والرحمنُ وأمثالُ هذه الأسماءِ التي تُسقطُ الألفُ منها وهي ثابتة في اللفظِ والمخرج، ونحوُ إلحاقِهم في آخرِ الكلمةِ مِن قالُوا وقامُوا وكانوا وأمثالُ ذلكَ ألفا، والألفُ غيرُ ثابتةٍ ولا بينةٍ في اللفظ، فرأى عثمانُ كتابةَ هذهِ بالكلماتِ أو الأسماءِ ورسمِها على مطابقةِ اللَفظِ ومخرجهِ أولى وأحقّ، وأن المتكلمَ إنْ تكلّم بها وتلاها على حدّ ما رُسمت في المصحفِ كان مُخطئاً لاحِنا خارجا عن لغةِ العربِ وعادِتها، ومتكلّما بغيرِ لِسَانها، غيرَ أنّه عرفَ هو وكل، أحدٍ مَن كتَبَ المصحفَ وغيرهم من أهلِ العلمِ باللُّغةِ أنّ العربَ لا تلفِظ بالصلاةِ والزكاةِ والحياةِ بالواو وتُسقطُ الألفَ، ولا تحذفُ الألفَ في لفظِها بالرحمنِ وسليمانَ وإسماعيل وإسحاقَ وصالحَ ونحو ذلك، ولا تأتي بالف في قامُوا وقالُوا وكانُوا وأمثالِ ذلك، وأنها لا تتكلمُ بذلكَ، إلا على مُقتَضى اللّفظِ ووضعِ اللغةِ لشهرةِ ذلكَ وحصولِ العلمِ به، وتعذُرِ النطقِ به على ما رسُمَ في المصحف، فلذلكَ قال: "ولتقيمنّهُ العربُ بألسِنتها"، أي أنها تنطق به على واجبه ولا تشك في ذلك، لأجلِ أن الرسمَ في الخط بخلافه. ومما يدلُ على صحة ِ هذا: التأويل، وأنَّه المقصو بما صَدرَ عن عثمان. ما رواهُ، أبو عبيد عن حجاح بنِ هارونَ بنِ موسى عن الزُبيرِ بنِ حُريثٍ عن عكرمةَ قال: - "لما كتبت المصاحِف عُرضت على عثمانَ فوَجدَ حروفا من

стр. 494

اللَّحنِ، فقال: لا تُغيروها فإن العربَ ستغيرُها، أو قالَ: ستغيرُ بها بألسِنتها. أو كانَ الكاتبُ من ثقيفٍ والمملي من هُذيلٍ لم تُؤخذ فيهِ هذهِ الحروف. وإنما قصدَ بذلكَ واللهُ أعلم، أن ثقيفاً كانت أبصرَ بالهِجاءِ وأشد تمسُكا في الكتابةِ بمخارجِ الألفاظِ وأعلمَ بذلك، وأن هُذيلاً تُظهرُ الهَمزَ في ألفاظِها وتكثِرُ استعمالَها في مواضعَ لا تستعملهُ قريش، والهمزةُ إذا بانَت وظهرَت في لفظِ الممِلي سَمعها الكاتبُ وصورها على مخرجِ اللَّفظِ، وكانَ القاريءُ لذلكَ الرَّسمِ مخيراً بينَ أن يسلُكَ طريقةَ قريشٍ فَيُلَيِّنَ ويُسقطَ الهمز، وبينَ أن يهمرِ على لُغةِ هُذيل، ومتى لم يُحمل قولهُ هذا على ما ذكرنَاه لم يكن لذِكرِ ثقيفٍ وهُذيلٍ معنىً يُعرفُ وتقفُ عليه، ولذلِكَ قال عثمانُ: "لا يُمليَن مَصاحِفنَا ولا يكتبها إلا غِلمانُ قريشٍ وثقيف، ولم يذكر هُذيلاً، لأنه لم يكن يرى الهمزةَ في جميعَ المواضعِ التي تستعملُ هذيل فيها الهمزةَ. وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ ثبتَ أن اللحنَ الذي أرادهَ عثمانُ هو غلطُ الكاتبِ وتركهُ مُراعاةِ مَخرجِ اللَفظِ وحذفهِ في موضعِ ما هو ثابث في اللفظ. وزيادتِه في موضعِ ما ليسَ فيه، ولم يقْصِدْ بذلكَ أن فيه لحنا لا يجوزُ التكلمُ به، لأنه كانَ والصحابةُ والكتَبةُ للمصحَفِ وزيدُ بنُ ثابتٍ أجل قدراً وأفصحَ لسانا وأثبتَ معرِفةً وفهما باللغةِ من أن يكتُبوا فيه لحنا، ويَذْهبُ ذلكَ على الجماعةِ سِوى عثمانَ وعائشة، ولو قَصَد عثمانُ بذكرِ اللحنِ هذهِ الحُروفَ الأربعةَ التي يُدَّعى أنَّها لحن، لم يجُرْ أن يعدِلَ عن تغييرِها ومحوِها وإثباتِها على الواجبِ الصحيح مع قلتها ونزاردها، وأنه لا كُلفةَ عليه ولا على الكتَبةِ وكلِ مَن عندهُ نسخةَ في تغييرها ورسمِها على الصواب، فلا عُذرَ لهم في ذلك.

стр. 495

فوجبَ أنّه إنما أرادَ بذكرِ اللحنِ الهِجاءَ الذي رُسِمَ على غيرِ مُطابقةِ اللفظِ ومِنهاجه، وأنه لمَّا رأى ذلكَ قد اتسعَ وكثرُ في المُصحف كثرةً يطول تتبعها، ويحتاجُ معها إلى إبطالِ النُّسخةِ التي رُفعتْ إليه، واستئنافِ غيرها. إلزامَ الكَتَبةِ في ذلكَ وسائِر من عِندهُ نسخةٌ منه كُلفةً ومشقةً شديدة، وعَلم أن ذلكَ يصعبُ على أهلِ الذكاءِ والفِطنةِ الذين نَصَّبَهم لكتبةِ المصحفِ وعَرضه، لأنهم لم يعتادوا الكتابةَ إلا على ذلكَ الوجه، وأن أيديَهم لا تجري إلا به، أو خافَ نفورَهم مِنْ ذلك، وتنكُرَهُم لهُ ونسبتَهم إلى ميلٍ عليهم وقدح فيهم، وخشيَ حصولَ قالةٍ وتَفرقِ الكلمةِ فأبقاهُ على ما رُفع إليه من لحنِ الهجاء، وقال: إن العربَ ستقيمهُ بألسنتِها، لموضعِ شُهرةِ تلكَ الألفاظ، وعلمه وعلم الناس بأن العرَبَ لا تتكلمُ بها أبداً على ما قيلت ورُسمت في الخط، وإذا كانَ ذلكَ بانَ صحةُ ما قلناهُ وبطلانُ ما قَدَّروه. فإن قالوا: على هذا الجوابِ فقد صرتُم إلى أنّه قد وقعَ في خط المصحفِ ورسمهِ خطأ، وما ليسَ بصواب، وما كان غيرُه أولى منه، وأنّ القومَ أجازوا ذلكَ وأمضوه وسوّغوه، وذلكَ إجماعٌ منهم على خطأ، وإقرار بما ليسَ بصواب. يقالُ لهم: لا يجبُ ما قلُتم، لأجلِ أن اللهَ إنما أوجبَ على القُراءِ والحفظةِ أن يقرؤُوا القرآنَ ويُؤَدُوهُ على منهاجٍ محدود، وسبيلِ ما أنزلَ عليه، وأن لا يُجاوزوا ذلكَ ولا يُؤَخرِوا منه مقدماً ولا يقدموا مؤخراً، ولا يزيدوا فيه حَرفا ولا يُنقصوا منه شيئا، ولا يأتونَ به على المعنى والتعريبِ دونَ لفظِ التنزيلِ على ما بيّناهُ فيما سلف، ولم يأخذ على كَتبةِ القرآنِ وحفاظ المصاحفِ رسما بعينِه دونَ غيرِه أوجبَهُ عليهم وحظرَ ما عداه، لأن ذلكَ لا يجبُ لو كانَ واجبا إلا بالسمعِ والتوقيف، وليسَ في نص الكِتابِ ولا في

стр. 496

مضمونهِ ولحنِه أن رسمَ القرآنِ وخطه لا يجوزُ إلا على وجهٍ مخصوصٍ وحد محدود، ولا يجوزُ تجاوُزه إلى غيره، ولا في نص السُّنَّةِ أيضا ما يُوجبُ ذلكَ ويدلُّ عليه، ولا هُو مما أجمعت عليهِ الأمة، ولا دلتْ عليه المقاييسُ الشّرعية، بل السُّنَّةُ قد دلت على جوازِ كَتبهِ بأي رسمٍ سَهلٍ وسَنحَ للكاتب، لأن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ كان يأمرُ برسمِه وإثباتهِ على ما بيناهُ سالفا، ولا يأخذُ أحداً بخطٍ محدودٍ ورسم محصورٍ ولا يسألهُم عن ذلكَ، ولا يُحفط عنه فيه حرف واحد، ولأجلِ ذلكَ اختلفت خُطوطُ المصاحف، وكانَ منهم من يكتبُ الكلِمةَ على مطابقةِ مخرجِ اللفظ، ومنهم من يحذفُ أو يزيدُ مما يَعلمُ أنه أولى في القياسِ بمطابقتهِ وسياقهِ ومخرجه، غير أنه يستجيزُ ذلك لعلمهِ بأنه اصطلاح وأنّ الناسَ لا يخفى عليهم، ولأجلِ هذا بعنيه جاز أن يُكتبَ بالحروفِ الكوفيةِ والخط الأول، وأن يَجعل اللامَ على صورةِ الكافِ وأن يُعَوجَ الألِفات، وأن يكتُبَ أيضاً على غيرِ هذهِ الوجوه، وساغَ أن يكتبَ الكاتبُ المصحَفَ على الخط والهجاءِ القديمين، وجازَ أن يَكْتبَ بالهجاءِ والخطوطِ المُحدَثة، وجازَ أن يكتُبَ بينَ ذلك. وإذا عُلمَ وثبتَ أن خطوطَ المصاحفِ وكثيراً من حروفِها مختلفة متغايرةُ الصورة، وأن النّاسَ قد أجازوا ذلكَ أجمعَ ولم يُنكرْ أحد منهم على غيرهِ مخالفةً لرسمِه وصورةِ خطه، بل أجازُوا أن يكتبَ كل واحدٍ بما هو عادتهُ واشتُهر عنده، وما هو أسهلُ وأولى من غيرِ تأثيمٍ ولا تناكرٍ لذلك، عُلمَ أنه لم يُوجد على الناسِ في ذلكَ حد محدود محصور، كما أخِذ عليهم في القراءةِ والأداء، والسببُ في ذلكَ أن الخطوطَ إنما هيَ علاماتٌ ورسوم تجري مجرى الإشاراتِ والعقودِ والرموز وكل شيءٍ يدلُّ على اللغظِ وينبَي عنه، وإذا دكَ الرسمُ على الكلمةِ وطريقها والوجهِ الذي يجبُ التكلُّمُ عليه

стр. 497

بها، وجبَ صحتُه وصوابُ الكاتبِ له على أي صورةٍ كان وأي سبيلٍ كَتب، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ بطلَ ما توهموه. وفي الجُملةِ فإن كل من ادّعى أنه قد ألزَمَ الناسَ وأخذَ عليهم في كَتبِ المصحَفِ رَسماً محصوراً وصُورةً محدودةً لا يجوزُ العدولُ عنها إلى غيرِها. لزِمه إقامةُ الحجَّة ِ وإيرادُ السمعِ الدالِ على ذلكَ وأنى لهُ به، وإن عارضوا بمثلِ هذا في قراءةِ القرآنِ على إيرادٍ معناهُ أي لفظٍ كان وعلى أي سبيلٍ تسنحَ وبوجه، وقد بينا من قبلُ الحجَّة َ على فسادِ ذلكَ بغيرِ طريقٍ فأغنى عن إعادته. فأما قولُ عائشةَ في تلكَ الحروفِ إنها من غلَطِ الكاتب، فقد قُلنا فيه أنه أيضا من أخبارِ الآحاد ِ التي لا حجَّةَ فيها، وأنه لا يسوغُ لذي دينٍ أن يقطعَ على أن عائشةَ لحَّنتِ الصَّحابة َ وخطأتِ الكَتَبة، ومحلُّهم من الفصاحةِ والعلمِ بالعربيةِ محلُّهم بمثلِ هذه الرِّواية، على أن فيها ما يدّلُ على بطلانِ الخبرِ عنها، لأنها خطأت الكاتبَ في جميعِ هذه الحروفِ ومنها ثلاثةٌ جائزة سائغة عند سائرِ أهلِ العربيةِ وواحد ليس هوَ من لُغةِ قريش، وهو قولُه: "إن هذانِ لَساحِران "، يُذكرُ أنه لغة بالحارث بنِ كعب، فلو كانت خطأت الكاتبَ في هذا الحرفِ فقط لخروجِه عن لغةِ قريش، لكانَ الأمرُ أقرب، فأما أن تخطئَهُ فيما لا خلافَ في جوازِه في كل لغة، وإن كانَ غيرُ ذلكَ الوجهِ أشهرَ وأظهر فإنها بعيدة فيه لبراعتِها وفصاحتِها وكونها من العلماءِ باللِّسانِ ووجوه الخطابِ والإعراب.

стр. 498

والأشبهَ فيما يُروى عنها وعن غيرها من الصَّحابة في هذا البابِ إن صح وسلِمَ مسندهُ وطريقه، أن يكونوا قالوا: إن الوجهَ الأشهرَ الظاهرَ المعروفَ المألوفَ في هذهِ الحروفِ غيرُ ما جاءَ به المصحفُ ووردَ به التنزيل، وإنَّ استعمالَه على ذلك الوجهِ غامض قليل، أو غلط عند كثيرٍ من الناس، ولحن عند من لا يعرفُ الوجهَ فيه ونحو هذا الكلامِ فلم بَضبطْ ذلكَ الرواةُ عنهم. ولم يسمعوا علته ولم يورِدوه على وجهِه، إمّا لسهوٍ لَحِقَهم أو لذهابِهم عن سماعِ تمامِ الكلام، أو لاقتصارِهم على شاهدِ الحالِ وإذكارِهم بذلك من كانَ سمعَ هذا الكلامَ من عائشةَ وعثمان، فأمَّا أن يقطعَ عثمانُ وعائشةُ على أن في القرآنِ لحنا وغلطا وقعَ من الكَتبةِ فذلكَ باطل لما بينَاه سالفا. فأمَّا قولهُ تعالى: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) ، فإنه يجوزُ قراءتهُ على موافقةِ خط المصحفِ الذي نقلتهُ الجماعةُ وقامت به الحجَّة، ويجوزُ أيضاً قراءتهُ بمخالفةِ خط المصحفِ وأن يُتلَى: "إنَّ هذينِ لساحران ". فأمّا ما يدلُّ على صحة قراءتهِ على موافقة خط المصحفِ فنقلُ جماعةِ الأمّةِ الذين ببعضِهم تقومُ الحجّةُ على أن القرآنَ منزل على وجهِ موافقةِ المصحف، وأنه يجوزُ أن يُقرأ: "إن هذان لساحرانِ "، وأنّ ما تضمنه المصحفُ مِن هذا الحرفِ وغيرهِ صحيح سليم من الخطأ، فلا وجهَ لإنكارِ ذلكَ وتخطئةِ القاريءِ بهِ مع النّقلِ والإجماعِ الذي وصفناه، وقد قالَ قائلونَ من جلَّةِ أهلِ النحو: إن إثباتَ الألفِ في الرّفعِ والنّصبِ والخفضِ في هذانِ هو الأصح وهو القياس، قالوا: لأنّ الألفَ في ذلكَ تَتبعُ فتحةَ ما قبلها كما أن الواوَ في مسلمونَ تابعة لضمة ما قبلها، والياءَ في مسلمين تابعة للكسرةِ ما قبلها، قالوا وغيرهُم من سائِر الناسِ والرواة: وهذه اللغةُ هي لغةُ

стр. 499

بالحارثِ بن كعب، وأنهم يقولون: مررتُ برجلان، وقبضتُ منهُ دِرهمان. وجلستُ بينَ يداه، وركبتُ بغلاه، وأنشدوا في ذلك: تزودَ منا بينَ أذنَاهُ ضربةً ... دعَتْهُ إلى هابي الترابِ عقيمُ يعني موضعا كثير التراب. وأنشدوا فيه: فأَطْرَق إطْراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مَسَاغاً لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما وأنشدوا أيضاً قولَ الآخر: شالوا علاهُن فشُل عِلاها ... وأشد مستاحقت حقواها وقال الآخر: أيُّ قلوصٍ راكبٍ تراها ... طارقا عِلاهن قطر عِلاها وإذا كانَ الأمرُ في جوازِ هذا الحرف، وتكلمِ أهلِ اللغةِ من فُصَحاءِ العربِ واحتجاجِ قومٍ له وقولهم إنه الأصل، وإنه أقيسُ على ما وصفناه. ووجدناه مكتوبا في المصحفِ على ذلك، وجدنا نقلَه متواتِراً قد قامت به الحجّة، وعلِمنا أن الصَّحابة َ والفصحاءَ الذينَ كتبوا المصحفَ معَ أمانتِهم وفضلِ عِلمِهم وشدةِ احتياطهم وصحةِ قرائحهمِ وأذهانهم، وقُرْبِ عهدهم بالوحي، وكونِ القرآنِ مُنْزلاً عليهِم، وثاقبِ معرفتهم بتصرفِ الكلامِ ووجوهِ الإعراب، لم يكتبوا ذلكَ في المصحفِ إلا عن علم واتباعِ سنةٍ وموافقةٍ لتوقيفٍ على جوازِ ذلكَ وصحته، وجبَ القطعُ على صحة ِ قراءةِ هذهِ الحروفِ على موافقةِ خط المصحفِ وتوثيقه، لأن نقل خطّ المصحفِ وشهادةِ الجماعةِ

стр. 500

بصحتهِ وسلامته، وأنه لا خطأَ فيه، أحدُ الأدلة ِ على صحة ِ الخط والتلاوةِ. وعلى موافقته، فَوَجبَ بذلكَ جوازُ هذا الحرفِ وصحته، وتجهيلُ من أنكَره واستبعدهُ واستوحشَ مِن قراءَته على هذا الوجه. فإن كانَ مخالِفاً للُغةِ قريش، وكانت قريشٌ لا تكادُ تتكلمُ به على هذا الوجه، فأما وجهُ جوازِ قراءِته بخلافِ خط المصحف، وأن يُقرأ: (إن هذينَ لساحرانِ "، فهو: إن الأمَّة قد اتفقت على جوازِ ذلكَ وتركِ تخطئةِ من قرأهُ بخلافِ خط المصحف، والعدولِ عن تضليلهِ وتأثيمه، وأن ذلكَ هو لغةٌ قريشٍ مع اتفاقِها على أن القرآنَ منزَلٌ بلُغةِ قريش. وإذا كانَ ذلكَ كذلك، وكان هذا الحرفُ في لُغةِ قريشٍ فيتكلم به على خط المصحف، وجبَ أن يكونَ مُنزلا أيضا على مخالفةِ خط المصحف. وأن يكونَ القاريءُ به على مخالفةِ خط المصحفِ مصححاُ مصيبا إذا كانَ ذلكَ هُوَ لُغةُ قريش، كما أن القاريءَ لَهُ بخلافِ لُغتهم مصحح لنقلِ الجماعةِ لذلكَ وشهادَتِهم بصحَّة ِ خط المصحف، وأنه منزل على ما ثبتَ فيه، وأن الأشهرَ الواضحَ هو المعروفُ في لُغةِ قريشٍ وأكثرِ العرب، وهو المعروفُ الذي لا يُشك فيه، يوجبُ جوازَ القرائتينِ وتصحيحِهما استدلالا بما ثبتَ من خط المصحف، وتركَ التأثيمِ والتضليلِ في ذلك، ولذلكَ استجازَ كثير من السلفِ أن يقرؤوا: "إنَ هذينِ لساحرانِ". وروِيَ ذلكَ عن عائشةَ وعن عبدِ اللهِ ابن الزُبير، والحسنِ البصري وسعيد بن جبير وإبراهيمَ النّخعيّ، وقرأ بهِ جماعة من قراءِ الأمصار، منهم: أبو عَمرو بنُ العَلاء، وعاصئم الجُحدُري، وعيسى بنُ عِمران، وأبانُ بنُ تَغلب، ومسلَمةُ بنُ محارب. وهذا أشهرُ وأظهرُ عند أهلِ النّقلِ من أن يُحتاجَ فيه إلى إطالةٍ وإكثار، حتى إن في الناسِ مَن يقولُ: لا يجوزُ قراءتُه، إلا على مخالفةِ خط المصحف، وقد عُلمَ أن

стр. 501

هذهِ الطبقةَ لا تقرأ بما تعلمُ أنه مخالِف للتَّنزِيل، وأن الأمَّة َ لا تتركُ تأثيمهم وتضليلهم مع عِلمهم بأنَّهم قد قَرؤوا وأقرأوا الناسَ بخلاف المنزّل، وبما لا يجوزُ ويسوغ، وإذا كان ذلك كذلكَ ثبتَ بهذهِ الجُملةِ جوازُ قراءةِ هذا الحرفِ على الوجهَين واللحنينِ جميعآ. وقد كانَ عمرُ بن الخطاب ﵁ يختارُ أن لا يقرَأ النّاسُ إلا بلُغة قريش، وروى الئاسُ عنه أيضًا: أنّه سَمعَ رجلاً يقرأ هذا الحرفَ مِن يُوسُف: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ (عتَّى) حِينٍ﴾ ، فقالَ لهُ عُمر: من أقرأك هذا. قال: ابنُ مُسعود، قال عمرُ: (لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حين) ، ثمَّ كتبَ إلى ابنِ مسعود: سلام عليك، أمَا بعدُ فإنّ اللهَ أنزلَ هذا القرآنَ فجعلَه قرآناً عربياً مُبينا، وأنزله بلُغةِ هذا الحيِّ مِن قريش، فإذا أتاكَ كتابي هذا فأقريءِ النّاسَ بلُغةِ هذا الحيِّ مِن قُريش، ولا تُقرئهُم بلُغةِ هُذَيل ". فهذا عمرُ يختارُ أن لا يقرَأ النّاسُ إلاّ بموافقةِ لُغةِ قريش، وليسَ هذا القولُ مِن عُمر، ومِن كلِّ من روُىَ عنه إنكاراً لأن يقرأ الناسُ بغيرِ لغةِ قريشٍ إذا كان مُنزَّلاً بلُغةِ قريش، وبوجهٍ يخالفُ لغَتهم، وكانت الحجّةُ قد قامتْ بذلك، ولكئهُ اختيار منهم لملازمة لغةِ قريشِ، لأنها هِيَ الأظهرُ المعروفة. والناسُ لها آلفَ، والألسُن بها أجرى، والقلوبُ لها أوعى، وليسَ يمنعُ ذلكَ من أن يُنزله اللهُ سبحانهُ بخلافِ الوجهِ الأظهر، كما أنزلَه على الوجهِ الأظهرِ المعروف " وقد ينظمُ الشاعرُ قصيدةً ويُنشىءُ الخطيب خطبة، ويعملُ المترسِّلُ رسالة، فيُعربُ كل واحدٍ منهم بكلمةٍ في قصيدَته وخُطبتِه فيكونُ ذلكَ سائغاً

стр. 502

جائزاً، غيرَ أنه مما يقلُ استعمالُه ومعرفةُ الناسِ بجوازه، ويكونُ الأظهرُ الأشهرُ غيرُه، وكذلكَ يسوغُ أن يُنزًلَ الله الكلمةَ بقراءتينِ إحداهُما أظهرُ وأشهر، ولا ننكرُ معَ ذلكَ أن يكونَ الرسول ُ قد أقرأ في أكثرِ أيامه في آخرِ عُمره، وآخرِ عَرضهٍ عَرض القرآنَ فيها بالوجهِ الذي يخالفُ خط المصحف. ليبيًنَ لهم أنّه منزَل على ذلكَ الوجه، وليستفيضَ ويظهرَ عنه، وأن يكونَ كثرُ الناسِ قد قرأوا على عصرهِ وبعدِه بموافقةِ خطً المصحفِ للذي هو الأقل في الاستعمال، ولم يلتفتوا إلى أن ذلكَ ليسَ بمعروفٍ في لُغةِ قريش، لأن الغَرضَ في ذلكَ القراءةُ بالجائز، وما كثُرَ استعمالُه وأن يؤثروا القرَءاةَ على آخرِ ما وقعَ عليه العرض، وإن كانَ غيرهُ شائعا جائزاً، وإذا كانَ ذلكَ كذلك ثبتَ بما وصفناهُ جوازُ القرائتَين جميعا وأن الكَلمةَ منزلة على الوجهَينِ جَميعا. وأما قولهُ تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) ، فقد اختُلفت في وجهِ القراءَةِ بالصابرين. فقالَ بعضُهم: هو نصب على المدح، والعرَبُ تنصِبُ على الذم والمدح، كأنهم - زعموا - قَرنوا قراءةَ المدحِ بمدح مجددٍ غيرِ متبعِ لأولِ الكلام، وقال بعضُهم: إنما نصبَ الصابرينَ لأنه أراد: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) لأن الباساءَ الفقر، وكأنهُ قالَ: وءاتى الفقراء، والضراء: البلاءُ في البَدنِ من المرضِ والزمانة، وكأنَّه قالَ: وآتى المالَ الصابرينَ من الفقراءِ وأصحابَ البلاء الصابرين على فقرِهم وبلائهم الذينَ لا يسألونَ ولا يُلحُّون، وجَعلَ المُوفينَ وُسطاءَ بينَ المعطينَ والضابرينَ نسَقا على مَن آمنَ باللهِ وهذا بين غير متعسَّف ولا مستبعد، والقراءُ جميعا على نصبِ الصابرينَ إلا عاصم الجُحدري،

стр. 503

فإنه كانَ يَرفعُ الحرفَ الذي قرأ به، وينصبُه إذا كتَبهُ كراهيةَ مخالفةِ خط المصحفِ الذي هو الإمام. فأمَّا قولهُ تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) ، فقد ذُكر فيه وجوه. فقالَ قوم: أرادَ به يؤمنونَ بما أنزِلَ إليكَ وإلى المقيمينَ الصلاة. وقالَ آخرونَ: أرادَ يؤمنونَ بما أُنزِل مِن قبلِكَ ومِن قبلِ المقيمنَ الصلاة َ. قالوا: وكانَ الكِسائي يردهُ إلى يؤمنونَ بما أنزلَ إليكَ ويؤمنونَ بالمقيمينَ الصلاة، واعتبروهُ بقولهِ في موضعٍ آخر: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) . وقال خلق من أهلِ العرَبيةِ هو نصب على المدح، لأن العربَ تنصِب على المدح، وتفرِدُ الممدوحَ وتعطِفُ عن ردهِ إلى ما قبلَه، وقالَ أبو عبيدةَ وجلة من أهلِ العلمِ بالعربية: هو نصب على تطاولِ الكلامِ بالسبقِ وهم يستعملونَ ذلكَ في الكلامِ إذا طالَ أو تكررَ الوصفُ الذي يمدحونَ به أو يذمون، يتحرَّجونَ من الرفعِ إلى النصب، ومِنَ النصبِ إلى الرفع، ورُبما فَعلوا ذلكَ وإن لم يتطاول الكلامُ أيضاً ولم يُنكروا الوصفَ والذمَ والمدح. ويعملون في ذلكَ على القَصدِ والنيةِ في اتباعِ الكلامِ بعضَه بعضا، ورُبما أضمروا شيئا ينصِبون به أو يرفعُون، نحوِ ما قدمنا عنهم من أنَّه أرادَ يؤمنونَ بما أنزِلَ إليك، وإلى المقيمنَ الصلاة، أو أنه أرادَ يؤمنونَ بما أنزِلَ من قَبلكِ ومنْ قبلِ المقيمينَ الصلاة ِ ونحوِ ذلك، وأنشدوا في جوازِ رفعِ ذلكَ ونصبهِ على تطاوُلِ الكلامِ وتكُررِ الوصفِ والمدحِ قولَ الشاعر: لا يبعُدن قومي الذين هم سُمُ العُداة وآفةُ الجُزرِ النازِلينَ بكلِ معتركٍ والطيبونَ معاقدَ الأزُرِ

стр. 504

وأنشدَ في ذلكَ أيضا: وكلُّ قومٍ أطاعوا أمرَ سيدهم ... إلاّ نُميراَ أطاعت أمرَ غاويها الطاعِنينَ ولما يطعنوا أحداَ ... والقائلونَ لمن دار تُخَيلها وقد اتفقُوا على جوازِ إسناد ذلكَ على الوجهَينِ جميعا: أحدها: أن يقولوُا النّازلينَ والطّاعِنينَ منصوب، ثمَّ يقُولوا والطيبون والقائلون فيرفعون، أو أن يقوُلوا النّازِلون والطاعِنون فيرفعون، ثمَّ يقوُلوا والطيبين أو القائلين فينصبون، ويُعمِلون الكلامَ في الإعرابِ على النية وإتباعِ الكلامِ بعضَه بعضا، وقد قالوا: إنَّ رفعَ مثلِ هذا ونصبه عند تطاولِ الكلامِ شائعُ جائز، وإذا كان ذلكَ كذلكَ وجبَ القولُ بصحّةِ هذهِ القراءةِ وصوابِها وغلطِ من زعَم أنّها ملحونة. فأمّا قولهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) . فقد قيلَ فيه أيضًا: إنّه رد على موضعِ إنَّ الذينَ آمنوا، قالوا: وموضعُه رفع، لأنّ إنَّ ها هنا مبتدأ لا تحذِف في الكلامِ معنى أخواتِها، لأنك تقولُ: زيد قائم، ثمَّ تقولُ: إن زيدا قائم فلا يكونُ بينَ إدخالِ إن واطراحِها فرق في المعنى، وكذلكَ نقولُ زيد قائم، ثمَّ نقولُ: لعل زيداً قائم، فيحدُثُ في الكلامِ معنى الشك، ونقولُ: زيد قائم، ثمَّ نقول: ليتَ زيداً قائم، فُتحدِث ليتَ معنى التمني، ويَدلُّ على هذا أنّهم يقولون: إن عبدَ اللهِ قائم وزيد. فيرفعُ زيداً، لأنكَ قُلت: عبدُ اللهِ قائم وزيد، وتقولُ: لعل عبدَ اللهِ قائم وزيداً، فتنصبُ معَ لعل وترفعُ من أن لما أحدثته لعل من معنى الشك، ولأن

стр. 505

إن لم تُحدِث فيه شيئا، وكانَ الكِسسائي يجيزُ: إن عبدَ أللهِ وزيد قائمان، وإن عبدَ اللهِ وزيداً قائم، وإن عبدَ اللهِ وزيد قائم، والبصريونَ يجيزُونَ ذلكَ ويحتجونَ بقو له: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ويُنشدون في ذلك: فمن يَكُ أمسى بالمدينةِ دارهُ ... فإني وقيَّارٌ بها لغريبُ وهذه جمل تنبىءُ عن صحة ِ هذا الحرف، وبطلانِ دعوى كونه ملحوناً. قالوا: ومما وردَ أيضاً ملحوناً خطأ لا يجوزُ ما أثبتوه في مصحَفهم من قوله في المنافقين: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) . وموضعُه نصب وإنَّما هو فأكونَ بإثبات الواو لا غيرَ ذلك. فإنه يقال لهم: ليسَ الأمرُ على ما قدرتم، بل الوَجهانِ جميعاً جائزانِ سائغان، وقد قَرأ السلفُ الآية على الوَجهين، فقرأ بعضُهم: " وأكنْ " مجزوما، وقرأ منهم: "فأكونَ " منصوبا بإثباتِ الواو، ولكل مِن ذلكَ وَجه، وقد اشتُهر عنهم قراءةُ الوَجهينِ جميعاَ، فقرأ أبيٌّ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ وسالم مولى أبي حُذيفة: "وأكونَ " بإثباتِ الواو، وروى ابنُ مجاهد عن أحمدٍ بنِ الحسنِ. قال: حدثَنا الحسنُ بن عَرفةَ قال: حدَّثنا شُجاعُ بنُ أبي نصرٍ عن عيسى بنِ عمرَ الثقفى: "أن أبي بنَ كعبٍ وعبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ وسالما مولى أبي حُذيفةَ كانوا يقرأون "فأصدقَ وأكونَ ". وروى أيضاً ابنُ مجاهدٍ عن شُجاعٍ بنِ أبي نصرٍ عن حمزةَ الزياتِ عن الأعمش عن أصحابِ عبدِ اللهِ بن مسعود الذي

стр. 506

قرأ عليهمُ الأعمشُ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنه كان يقرأ: "فأصدقَ وأكون "، وهذه القِراءةُ هيَ قِراءةُ ابنِ مُحيصِ وأبي عَمرو بنِ العلاءِ وعيسى بن عمرَ الثّقفيّ، وكل هذهِ الأخبارِ والروايات، وعملُ القراءِ بذلكَ وتجويزهم له. أوضحُ دليلٍ على جوازِ القِراءةِ بهذا الوَجه، أعني النصبَ لجوازِها بالجزم. لأن مثلَ هذا الحذفِ المثبَتِ في المصحَفِ على خلافِ الوَجهِ الأشهرِ الظاهرِ يُحركُ دواعيَ القومِ وهمَمهم عن البحثِ عنه، والسؤال عما لأجلِه ثبتَ في الإمامِ بخلافِ الوجهِ الأظهر، وكيفَ سبيلُه والمخرجُ عنه، وكيفَ هو في قراءةِ عبدِ اللهِ وأبى وغيرهما من القرّاءِ المشهورين المنتصبينَ لإقراء القرآن. ولا يجوزُ في مستقرِّ العادةِ وما رُكُبت عليه الطباعُ إهمالُ الأمّةِ لذلك. وذهابُ أهلِ القرآنِ عن البحثِ عن ذلك، والسؤالِ عن قِراءةٍ في حَرْفِ كلِّ مشهورٍ بالقراءة، ومعروفٍ بالأخذِ عنه، ولو كشفَ لهمُ البحثُ والسؤالُ عن أنه مقروءاً في كلِّ حرفٍ وعندَ كلِّ قارئٍ على وجهٍ واحدٍ لا يسوغ غيره، لتوفرت همُمهم ودواعيِهم على نقلِ ذلكَ عن كافتهم، واشتهارهِ ولارتفعَ الخِلاف فيه، ولم يخفَ عليهم إجماعُ القرّاءِ عليه والمُضيّ على ذلكَ الخلفُ بعدَهم والمتبعونَ لهم. ولما لم يكن ذلكَ كذلكَ وكانت القِراءةُ بالنصب، وإثباتُ القرّاءِ ظاهر مِنهم ومشهور عَنهم، وكانت مقروءَةً ومأخوذاً بها عند جماعةٍ من الأئمّة والخَلفِ الصالح، ثبت بذلكَ إشهارُ القرائتينِ جميعا، وأن الحرفَ مقروء على الوجهين، وأن القوم قد وقفوا على أن الحرفَ منزَّل على الوجهينِ جميعاً. فإن السنة قاضية بذلك فهذهِ جملة تكشفُ عن جوازَ القراءتينِ على الوجهين جميعا، وأن القومَ قد وقفوا على أنّ الحرفَ متزل على الوجهين جميعا وصحّتها، وغلطِ من زعمَ أنّه لا يجوزُ قراءةُ الحرفِ بالنّصب، وإثباتِ الواو.

стр. 507

فأما وجهُ جوازِ القراءةِ بالجزمِ وحذفِ الواوِ وهيَ الأكثرُ والموافِقةُ لخط المصحف، فهو أنه عطف بـ أكنُ على موضعِ الفاءِ من فأصدق، فيجعلُ حكمهُما مردوداً إلى ما يجبُ لأصدق من الإعراب لو لم تَدخِلِ الفاء في الكلام، فلما دخلَت الفاءُ عمِلت في نصبِ أصدق، وبقيت وأكن على حكمها قبلَ دخول الفاء، لأنها عَطف على الفعلِ المجزوم. وأمّا جوازُ القِراءةِ بالنصب، وإثباتِ الواوِ فهو بين ظاهر، لأنه عطف على الفعلِ المنصوبِ الذي هو التصدق، وموضعهُ نصب، وقد قالَ أهلُ العِلمِ بالعربية: إن القراءةَ بإثباتِ الواوِ لا تخالفُ خط المصحف، قالوا: لأن الواوَ إنَّما حُذفت من الكتابِ اختصاراً، وحكوا: أن في بعِض المصاحِفِ: ﴿ (فَقُلاَ) لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ، قاف، لام، ألِف، بغيرِ واو، وقالُوا: وهذا لا يكونُ وإن أثبِتَ كذلكَ وحذفت الواوُ من فقولا إلا على أن يُنطقَ بالواو. وإن كانَت محذوفة، وإن حُذفت من الكتابِ على وجهِ الاختصار، وهذا أيضا ليس ببعيد، ويجبُ أن يكونوا إنما أثبتوا الواوَ في كل موضعٍ ذكرَ فيه أكون، لأنه لا يجوزُ أن يُقرأ إلا بالنّصبِ وإثباتِ الواو، وأثبِتَ في هذا الموضع أكنُ بحذفِ الواو، وخُص بذلكَ لأجلِ جوازِ قراءَته مجزوما ومنصوبَاً، فأثبِتَ على أحدِ الوجهينِ الجائزينِ وهو الأخْصرُ لحذف الواو. وإن كانت الحجَّة ُ قائمةً لجوازِ قراءتهِ بالئصبِ وإثباتِ الواو لا يخالفُ خط المصحفِ الذي حُذف منه الواو، وعلى سبيل الاختصار، وإن لم تكُن القصة كذلك، وقد ذكرنا وجهَ جوازِ النصبِ وقيامَ الحجّةِ به وشهرَته وثبوته عن السلف، وأخذِهم وكثير مِن الخلفِ به. وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ صحَّ ما قلناه، وبطلَ قولُ من منعَ جوازَ قراءةِ هذا الحرفِ بغيرِ الجزم، وبطلان قول من ادّعى كونَ الجزم في القراءةِ ملحونا.

стр. 508

فإن قالوا: إذا أجزتم قراءةَ هذا الحرفِ بالجزمِ والنصب، وأجزتم أيضا قراءةَ قوله: (إنَ هذان لساحران) ، تارة كذلكَ وتارةَ: "إنَ هذين لساحرانِ" "، فألا أجزتُم أيضا قراءةَ قوله: (والمقيمينَ الصلاة) ، بالرفع، وأن يَقرأوا: إ والمقيمونَ الصلاة "، وكذلكَ فألاَ أجزتُم قراءةَ قولهِ: "والصابئونُ " بالنصب، وأن يَقرأوا: "والصابئينَ " منصوباً، وإن كانَ ذلكَ مخالفا لخط المصحَفِ، كما صنَعتم ذلكَ في "أصدقَ وأكن "، و "إنَّ هذين لساحران "، وإن خالفت القراءة خط المصحفِ حيثُ تكونوا قد أعطيتمُ القِياسَ حقّه ومضيتم مع موجبه. يقالُ لهم: لا يجبُ ما قلتم لأجلِ أننا قد بيَّنَّا جوازَ قراءةِ الحرفينِ الأولَين على الوجهينِ جميعاً، وبينا أن قوماً من السلف، وخلقاً من الخَلفِ قرأوا بذلك، فاشتُهر عنهم وقامت الحجَّة ُ به من غيرِ تناكرِ ولا ترافع، وأوضحنا ذلكَ بما يُغني عن رده، فوجبَ تجويزُ الوجهينِ جميعاً في "أصّدقَ وأكنُ ". وفي "إنَّ هذين لساحرانِ"، ولم يُنقل عن أحدٍ من السّلف، ولا قامت الحُجّةُ بأنّ أحداً منهم قرأ: "والمقيمينَ الصلاةَ" بالرفع، "والصّابئينَ بالنصب "، وهو إذا قُرئ كذلك مخالف لخط المصحف، وإذ قُرئ على موافقة خط المصحفِ فقدْ قُرىءَ بوجهٍ صحيحٍ جائز، وقد بينا صحته وسلامته لغيرِ وجه، فلا يُسوع لأحدٍ تركُ قراءتِهما على موافقةِ خط المصحفِ الذي قد نتفقُ أنه قد أنزل كذلك، وقُرىء بهِ إلى مخالفةِ الخط في المصحفِ الذي لا يُؤمن معَه أن يكونَ اللهُ سبحانهُ ما أنزله على ذلكَ الوجه، وإن كانَ جائزاً سَائغا، وقد أوضَحنا فيما سلفَ أن القِراءةَ تُثبت تارةً جوازَ ما بِخطِّ المصحَفِ ونقلهِ والشهادةِ بصحّته، وتثبتُ تارةً بالنقلِ عن السلفِ وظهورِ القراءةِ للحرفِ بينهم، وإن خالفَ خط المصحف، فوجب لأجلِ هذه الجملةِ جوازُ قراءة ما قلناه على الوجهين جميعا، ولم يَجز قراءةُ: "والمقيمينَ الصلاةَ": "الصابئُونَ

стр. 509

بخلافِ خطّ المصحف، وعلى ما لا نعلمُ أن اللهَ سبحانهُ أنزلهَ عليه، وإن كان سائغا ظاهراً وكانَ هوَ الأشهرَ في اللّغةِ العربية، لأنه قد يجوزُ أن "يتركَ الحرفُ والحرفان على خلافِ الوجهِ الأظهر الأشهرِ على ما بيَّنَّاه من قبلُ إذا كان لإنزالهِ على خلافِ ذلكَ في اللغةِ توجُّهاَ صحيحا، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ بطلَ ما سألوا عنه وطالبوا به. فأمَّا ما يُروى عن عاصمٍ الجُحدريً مِن أنه كان إذا قَرأ: "والصابئونَ " قرأهُ بالرفع، وإذا كتبهُ كتبهُ منصوبا كراهيةَ مخالفةِ خط المصحف، فإنه إن ثبتَ عنه رِواية لِذلكَ عن السّلفِ وجبَ إجازةُ قراءتهِ على الوجهين، وإن لم يكنْ عندهُ في ذلكَ رواية وكانَ مِن رأيهِ واجتهادهِ وظنهِ أن ذلك من اللّحن، فإنه خطأ منه مردود، لأننا قد بينا جوازَ ذلك ووجهَ ما يجوزُ أن يُضمر فيه فلا وجهَ لمخالفته إن لم تكن هناكَ رواية مشهورة عن الصَّحابةِ الذين همُ السلفُ في جوازِ قِراءةِ هذا على خلافِ خط المصحفِ وهذه جملة تكشفُ عن بطلانِ جميعِ ما يتوهمونه في هذا البابِ من دخولِ الخللِ والغلطِ في نقلِ القرآنِ وجمعهِ وإثباتِه. واعلموا رحمكمُ اللهُ. أنّ ضبطَ السلفِ والخَلفِ لهذهِ الأحرفِ اليسيرةِ المعدودةِ وخوضهم فيها، واختلافِهم في وُجوهِ قواءتِها، وما ذُكر عن بعضهم: أنّها ملحونة على تأويلِ ما قلناه، أو: أنّها من غلطِ الكاتب، وقولُ بعضهم: إنه لا يجوزُ قراءةُ شيءِ منها على مخالفةِ خط المصحَف، وقولُ آخرين: يجوزُ ذلك، وقولُ بعضِهم: يجوزُ قراءةُ بعضها على مخالفةِ خط المصحفِ وعلى موافقته، ولا يجوزُ قراءةُ بعضها على مخالفةٍ خط المصحف، وحمل بعصهم نفسَه على أن يَقرأ بعضَها على مخالفةٍ خط المصحف، فإذا كتبهَ كتبه على موافقةِ خط المصحفِ كراهِيةَ مخالفةِ الإمامِ وكلامِ الناسِ في هذا الباب.

стр. 510

وتخريجِ الوُجوه وتقديرِ الحرفِ وإظهارِ الأسبابِ الذي يخرجُ بها الكلامُ عن أن يكونَ لحنا إلى غيرِ ذلكَ مما ذُكر في هذا الباب من أدل الأمورِ على صحةِ نقلِ القرآنِ وضبطه، وشهرةِ أمرهِ فيهم وظهورِ نقلهِ بينهم وإحاطتِهم بعلمه ومعرفتهم بما ثبتَ منه وإدراكهم بعلمِ جميعهِ وبمعرفةِ نظمهِ وترتيبه. وكمالهِ وسلامته، لأن العادةَ موضوعة على أن القومَ الذين لم يُهملوا الكلامَ في هذه الأحرفِ اليسيرة، والبحثَ عنها وتطلبُ الوجوه لها، والكشفَ عن معانيها والكلامَ في قراءتها وإثباتها، لا يجوز أن يذهبوا عن معرفة قرآنٍ قد حذف ونقص، وعن علم قرآن زيدَ وبُدل وغير واختل عن نظمه وسننه. وأزيلَ عن نظامه وترتيبه، بل موجَبُ العادة فيهم أنهم لو لحق كتابَهم اليسيرُ من ذلك، لعَظُمَ خوضُهم واستدراكُهم له وتمادِيهم وتجادُلُهم فيه، وإذكارُ بعضهم لبعضٍ موضعَ الغلط والإهمال، ولتفاقَم الأمرُ في ذلك وظهرَ وانتشرَ وكثر الحديث به والقول فيه، وظهر ظهوراً تعلمه العذراء في خِدرها فضلاً عن قُراء القرآن، وأصحاب السنن والآثار، ونَقَلة الحديث والأخبار، ولكانت عنايتهم بذلك واشتغالهم بالخوض فيه من أكثر شأنهم وأفشى شيءٍ فيهم، ولما لم يكن الأمر فيما يدعونه من تغيير القرآن ونقصانه وزيادته ومخالفة ترتيبه، وتقديم مؤخره وتأخير مقدمه، على ما ذكرنا وجبَ بهذه الجملة بطلانُ جميع ما يدعون من هذا الباب، وثبتَ بما وصفناه أن الله سبحانه قد عصمَ الأمةَ من ذهابها عن حفظ كتاب ربها، ونفى ذلك عنها، وحفظ عليها ولها ما استحفظها من كلامه، ورعا لها ما استرعاها من القيام بحفظ كتابه، وجمع لها ما ضَمِنَ جمعه، وحرسه من أن يأتيه الباطلُ من بين يديه، أو من خلفه على ما أخبر سبحانه بذلك في نص كتابه، وعلى لسان نبيه ورسوله.

стр. 511

فهذا من الحجج القاهرة والأدلة الباهرة على بطلان قول من ادّعى دخول الخلل والفساد على القرآن، وكيف يجوز في وضع العادة أن يذهب من القرآن مثل سورة البقرة في المقدار ولا يبقى منها إلا آيات، وأضعاف ما في أيدينا من سورة الأحزاب، على قوم ضبطوا هذه الأحرفَ وتكلموا فيها بما وصفناه وخاضوا فيها الخوضَ الذي قدمناه، وأن توهم ذلك عليهم من التفريط الشديد والجهل العظيم والعناد الدال على إلحاد صاحبه وتلاعُبه. نعوذ بالله من الحيرة والضلال ونرغبُ إليه في التوفيق والسداد. فإن قال قائل: قد زعمتم أن هذه الأحرف مثبتة في المصحف ومقروءة على خلاف الوجه الأظهر في اللغة، وعلى ما يظنه من قَصُر علمه أنها ملحونة فاسدة، وأن الأشهر في اللغة غير ما أثبت عليه، فخبرونا لم أثبتها القوم كذلك، فإن كانوا إنما أثبتوها على خلاف الوجه المألوف الأشهر لأنهم بذلك أمروا وعليه وقفوا فلم أمرهم الله بذلك وأنزله على خلاف الوجه الأظهر وعدلَ سبحانه إلى الأمر فكتبه على الوجه الموهم للخطأ وما يدعو إلى الالتباس والشبهة، وما وجه الحكمة والصواب في ذلك. يقال له: أما إطباق الجماعة على كتابة هذه الحروف على خلاف الوجه الأظهر الأشهر فهو أصح دليل على أنهم مأمورون بذلك وموقفون عليه ومأخذون به، وأنه لولا إلزامهم ذلك وجواز القراءة ببعضها مع إطلاق القراءة بغيره رحمة، وتضييقه القراءة ببعضها على وجه ما ثبت، وموافقة خط المصحف، لكتبوه على الوجه الأظهر الأشهر لا سيّما وليس في ذلك ما يتعلق باختلاف منفعة أو دفع مضرة، أو يعود بإثبات إمامة وتأثيل محل ورئاسة وتفضيل قوم، وبنقص آخرين ولا يضر بهم إثباته على الوجه الأشهر

стр. 512

في باب دنيا ولا دين، وإثباته له على ما أثبتوه، إذا كانت الحال على ما وصفناه من أدل الأمور على أنهم - مأمورون بذلك ومخبَّرون بصحَّته وجوازه. فأمّا وجهُ الحكمة من أمْرهم بذلك وتوقيفهم عليه، فإننا قد بيّنا في غير موضع من الكلام في الأصول أن حكمة الباري سبحانه لا تثبت له إلا من جهة فعله وتعبده، وأنه لا يشرع ويأمر وينهى ويخفف المحنة تارة، ويغلظها أخرى لعلةٍ وباعثٍ وخاطرٍ ومحرّك، وأسبابٍ تدعوه إلى ما شرع ويبعثه على ما تعبد، وكشفنا ذلك بغير وجه، وأقربُ ما يقال في هذا أئّه إنما أنزله سبحانه كذلك وأمرهم بإثباته على هذا الوجه، وإن كان السلف يعرفون وجه الصواب فيه، والمخرج تغليظا لمحنة الخلف وتشديداً لها ولتعمِلَ آراءَها وأفكارها، وتكثرَ نَظرها واستخراجَها فيما بيَّن صواب هذه الأحرف وتخرجَها عن اللحن والخطأ، وينقصونَ تصحيح ما يؤديهم النظر والاستخراجُ ومعرفة لطيف ما يحتج به لصحة هذه الأحرف على من خالفهم من الملحدين، وقدح في كتابهم وعلى سلفٍ من الزائغين والمنحرفين، فيكون ذلك ذريعةً إلى إجزال ثوابهم وسبيلاً ووصله تفضلهم وإعظامهم وألاحتجاج على أهل الجهل والإهمال والتقصير بهم، والأمر بالرجوع إلى بيانهم والمصير إلى برهانهم، ولو أنزل تعالى جميع كتابه بالأحرف الظاهرة وبما يستوي في معرفته الخاصة والعامة لبطلت هذه الفضلية وزالت المؤونة، كما أنه لو أنزل جميع كتابه محكما بينا غير مشكل ولا مجملٍ ولا محتملٍ للتأويل ولا مما يحتاج في معرفة معناه إلى برهان ودليل لخفت المحنة وزالت المؤونة وبطلت فضيلة العالم على الجاهل، والمجتهد الناظر على المهمل المقصر. وبطل معنى ما قصده تعالى بقوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، ولم يكن هذا التعظيم لشأن أهل العلم، والتفخيبم والإشادة

стр. 513

بذكرهم، والنص على تفضيلهم معنى، فهذا وجه من الصواب والحكمة بين مع تسليم القول بالأصلح، وأن الله سبحانه لم يامر بذلك ويشرعه إلا لعلةٍ ووجه من وجوه المصالح والحكمة. وقد يمكن أيضاً أن يكون تعالى إنما أنزل هذه على هذا الوجه، وأمر بإثباتها كذلك ليبعث سلف الأمة وخلفها على حفظ كتابه وتأمل ألفاظه وتبحر معانيه، وإمعان النظر في وجوهه ومبانيه وطرق إعرابه، والفحص عن باقي ألفاظه، وهل في الكتاب ما يجري مجرى هذه الحروف ويشاكلها أم لا، فيصيروا بذلك إلى ملازمة دراسته وكثرة تصفحه، وتعرف حال ألفاظه وحروفه وشدة ضبطه وتكرار الفكر فيه، والاعتبار لألفاظه ومعانيه والاحتجاج لما طعن فيه والتنبيه على وجه المخرج منه، ويكون هذا أدعى الأمور لهم إلى حفظه وحراسته والإحاطة به، وإطالة الفكرة فيه، والتتبع له، والتوقيف عند كل شيء منه، ورد بعضه إلى بعض، واعتبار اللفظ بمثله، وقياسه على نظيره، ومعرفة السبب الذي خولف ببعضه حكم مثله، وجعل مباينا لما من سبيله أن يكون كهو وجاري مجراه، حتى يكونون في كل عصر وزمان وحين من الأحيان على مثل هذه الحال من دراسته وتحفظه وتأمل جميعه وتتبُّعه والاحتجاج له، والاجتهادِ في الدفاع عنه، ودفع كيدِ القادحين في تنزيله والملحدين في تأويله، ولو أخلاهم سبحانه من أحرفٍ منه غريبة وألفاظٍ شاذةٍ ووجوهٍ غير مألوفة عند كثيرٍ منهم، يحتاج منهم فيها إلى طلب الوجه والمخرج، لعدل القوم عن الدرس والتحفظ والبحث والتأمل، وثقلت عليهم مؤونة الاحتجاج، وتكلف النظر والاستدلال، ولعوّلوا على أنه كله ظاهر جلي ومألوف معروف، وأن الحليم العليم سبحانه منزله، ومحمداً صلى الله عليه مؤديه ومتحمله، والأمة المتلقية حفاظه وكتبته، وأن ذلك أجمع يغني

стр. 514

عن الفكرة والحفظ وكثرة الدرس والتأمل، فيصير بهم الحال إلى قلة الدرس له، والقيام به، والإنكار على من قبلهم، والعمل على حكم منزله وصدق رسوله وفصاحة أمته، وكل ذلك أسباب تدعو إلى التقصير والإهمال، وترك حياطة القرآن ودراسته ووجود الطاعن والملحد سبيلاً إلى القدح في القرآن. والتوهين لأمره والتمكين من الزيادة فيه، والنقصان منه. فلما أراد الله تعالى حياطتَه وحراستَه وتحصينه وجمعه، والحفظ له على أمة نبيه، حرك خوطرهم، وجمع هممهم ودواعيهم على حفظه وتأمله من ملازمة دراسته والتفكر والتأمل لوجوه إعرابه، بما أنزل فيه من هذه الوجوه العربية والأحرف الشاذة القليلة في الاستعمال، وهذا أيضاً وجه من وجوه الحكمة والصواب يُنبي عن صحة ما قلناه، وفساد ما دانوا به وتوهموه وبالله التأييد.

стр. 515

بابُ ذكرِ مطاعنهم في صحةِ القرآن ونظمِه من جهة اللغة ووصف شبهٍ لهم تجمعُ ضروباً من مطاعنِهم على التنزيل والكشف عن إبطالها قالوا: ومما يدلُ على نقصان القرآن، وتغيير نظمه وزيادة الكلمةِ منه في غير موضِعها، والعدول بها عن مكانها الذي هو أولى بها، ودخول الخلل والغلط على جامعيه - فإن الصحيح المرسوم على ما أنزل ورتب عند الإمام وشيعته القائمين لله بالحق فيه والذابين عنه - وجودنا فيه الكلام الذي ليس له تمام ولا متناسب في اللفظ، ولا في المعنى، ووجودنا فيه كثيراً من الكلام المنقطع المنبتر الذي لا يقتضي صلته بتمامه، وإيراد جواب له حتى يكون تاما مفيداً، ووجودنا الاستثناءات منه وارد في غير مواضعها، ومبطلة مناقضة لما قبلها، وما هي استثناء منه. وعلمنا بأنه قد أحيل القول في كثير منه، ووصف الشيء فيه بغير صفته ونُسبَ إلى ما ليس منه في شيء، نحو قوله تعالى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) . والقوارير لا تكون من فضة أبداً، وقوله: (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) . والججارة لا تكون من طين، ووجدنا أيضا

стр. 516

المصحف الذي في أيديكم منطويا على وصف الهادي الباري تعالى بغير صفته نحو قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) . موضوعة للشك وهو مستحيل في صفته. وقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) . وهذا لفظ استخبار واستفهام، وهو ممتنع على علام الغيوب. وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) . وذلك يقتضي أن خلقَ بعض الأشياءِ أصعبُ وأشق عليه من غيره الأهون منه، وهو موجبٌ لأن يكون ممن يناله الوصبُ والتعب، يتعالى عن ذلك. ووجدنا فيه أخباراً متنافية متناقضة نحو قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) ، بعد إخباره في أول القصة بأنه خلق الأرض قبل السماء. وقوله في آية أخرى: (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) . يريد بعد خلق السماء وبنائها، وذلك خلف وتناقضٌ من القول. ووجدناه أيضاً منطويا على ما لا معنى له، وعلى كنايات عن قوم لا وجه لترك ذكرهم وإظهار أسمائهم، نحو قوله: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) . وأمثال هذا مما سنذكر في كل فصل منه جملة مقنعة إن شاء الله. قالوا: وقد عُلم أن هذا الاختلاف والتخليط واللّحنَ والتناقضَ والتكرارَ للقصة بعينها على وجه يقتضي العي واللكنة والإطالة بما لا معنى له، لا يجوز أن يكون وارداً من عند العليم الحكيم، فوجب أنه من تحريف جامعي المصحف وغلطهم، أو إلباسهم وعنادهم، وإدغالهم (١) للدين وأهله وإدخالهم فيه ما ليس منه.

стр. 517

واعلموا - رحمكم الله - قبلَ الكلام عليهم أن هذه المطاعنَ بأسرِها مطاعن الملحدينَ في كتاب الله تعالى، وقد سبقوا إلى ذكرها والاحتجاج بها وزادوا على قدر ما تذكره الرافضة من هذه الأبوإب، لأنها إنما تذكر قليلاً من كثير من كلام الملحدين في هذا الباب، ومن هذه الفصول التي أحتج بها الملحدون ما تودعه الرافضهُّ كتبها، وتحتج به على تخليطِ السلفِ في كتاب الله، وتغييرهم له، وفيما تورده في نفس المناظرة والدعوةِ إلى ضلالتهم على وجه التمويه على المستضعفينَ ممن يدعونَه أو يناظرونَه، وربما أجهدوا أنفسَهم عند قوله للعامة الغوغاء مِن أتباعهم: إنَّ هذا المصحفَ مصحفُ عثمان، وأنه مغيّر مبدّل ومزيد فيه ومنقوص منه ومتواضَع على تحريفه. وقصدَ التخليطِ فيه في إيراد جميع شُبه الملحدينَ ومطاعنهم على كتابِ الله. وإن كانوا عالمينَ بفسادِه ووجهِ المخرَج منه، وجواز استعماله في اللغة قصدا منهم إلى الإلباس وتشكيك من اشتركوه في صحة كتاب الله. والاستعانة بما يوردونه عليه، ضمنَ شبه الملحدين على ما يحاولونه من استجابة الناس إلى ذم السلف، تركَ العملِ على مصحفِ عثمان، وتعلق قلوبِ سامعِ شُبههم بالقرآن الصحيح الذي عند الإمام علمه، وليس على أحد له أدنى فضل ومِسْكة ومطالبة شبهةٍ فيما يتعلقون به. ونحن نذكر في كل ما تعلقوا به جملة بينة على ما وراءها، ونفتح طريقَ العلم بصحَّة ما طعنوا فيه وتوهمهم وعنادهم فيما صاروا إليه على سبيل الإشارة به والتلويح، وإننا إن قصدنا لاستيفاء الكلامِ في جميع هذه الفصولِ والأبواب، احتجنا أن نبسطه ونتقَصَّاه في دسوس أوراقٍ وخرجنا بذلك

стр. 518

عن غرض الكتاب، ونحن نرجو إغناء من نصح نفسه وهُدي لرشده بقدر ما نذكره واستقلاله به عن أمثاله، وما هو بمعناه وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان. قالوا: ومما يدل على تغيير القوم لكتاب الله تعالى ونقصانِهم منه ما في مصحف عثمان من قوله : (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) . فذكر أمة واحدة ولم يذكر أخرى، وسواءٌ. - تأتي للمعادلة بين شيئين، يستويان ويتفاضلان، ومتى ذُكرَ أحدَهما ولم يذكر الأخرى كان الكلام ناقصا، مبتراً غير مفيد، قالوا: ومن هذه أيضاً قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) . وينبغي أن يقال: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لنالكم كذى وكذى أو لأصابكم بكذى ونحوه، وإلا لم يكن الكلام تاما. قالوا: وفيه أيضا قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) ، ولم يقل لكان هذا القرآن أو مثل هذا القرآن ونحو ذلك مما تتم به الفائدة، ومن هذا أيضا قوله، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) ، ولم يذكر ضد هذا، ولا بد من ذكره ضده وخلافه. لأنك تقول أم مَن هو مصدقٌ لك ومنقادٌ لأمرك كمن هو مخالفٌ عليك ومكذب لك، ومتى لم يذكر نقيض الموصوف الأول أخلت، وتبتر الكلام. قالوا: فوجبَ أن يكون هذا أجمع وأمثاله يقتضي من ناحية وضع اللغة. ومُقتضى الخطابِ أن يكونَ القرآنُ المرسومُ في مصحفِ عثمانَ مغيراً ناقصا. يقال لهم: لا يجبُ شيءٌ مما ظننتم، لأن سائر ما تعلقتم به وادعيتم الإحالة فيه معروف مستعملٌ في اللغة، وقد تكلم فيه أربابها. وقالوا: إنه باب حذف الجواب المقدر في الكلام على وجه الاختصار والاقتصارِ على شاهد الحال،

стр. 519

ومفهوم الخطاب، فأما قوله: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) إلى آخر الآية، والمراد وأمة أخرى ليست كذلك فحذف الجواب على وجه الاختصار. وأمَّا قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) ، فإنّما المراد والله أعلمُ لعذّبكم بذنوبكم أو أخذكم بها، ونحو ذلك الحذف أيضًا على الاختصار، وكذلك المقصد بقوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) ، لكان هذا القرآن أو مثل هذا القرآن ونحوه، فحذف اقتصاراً على العلم بالمراد به. فأما قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) ، فالمراد به والله أعلم كمن هو بضد هذه الصفة وتاركٌ لهذه القربة وهذا الاجتهاد، فحذف اقتصاراَ على ما ذكره بعد ذلك من قوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ، وقد ورد مثل هذا في اللغة والشعر كثير من ذلك. قال الشاعر: عصيتُ إليها القلبَ إني لأمرِها ... سميع فما أدري أرشدٌ طِلابُها أراد: فما أدري أرشد طِلابُها، أم غيّ، فحذف ذِكرَ الغيّ. وقال آخر: فأقسمُ لو أنَّا يا رسولُ سواك ... ولكن لم نجد لك مدفعا أراد به: ردَدَناه أو حجبناه، فحذف ذكر الرد والحجاب. وقال آخر: أراك فلا أدري أهمٌ هممتُه ... وذو الهم يوما خاشع متضائلُ

стр. 520

أراد أهم هممته أو شيء غيره فحذف ذكر غير الهم، وهذا كثير من أن ومثل هذا ما يتعلّقون به قوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) . ثم وصفَ المؤمنين ثم قال: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) ، ولم يذكر الشيء الذي شتهه بإخراج الله له من بيته بالحق، وكما أنّه يدخلُ في الكلام لتشبيه الشيءِ بغيره، وذلك أن الله تعالى شبه إخراجَه من بيتِه مع كراهةِ قوم من المؤمنين لذلك بتنفيله ﵇ يوم بدر لسلبِ القاتل، وجعلِه لمن أتى بأسيرٍ كذى وكذى، وإنما فعل ذلك لقلة المسلمين يومئذ وكراهةِ كثير منهم القتال، وكره قوم منهم أن يكون لكل من قتلَ قتيلاً سلبُه، فقال الله لهم: قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، أي يضعُها حيث شاء، (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، أي فرقوها بينكم على ما أمر الله ثم قال: ((كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) ، أي أنهم كرهوا ذلك كما كرهوا إخراجَك يوم أخرجتَ من بيتك، فحذفَ وجعلَ ما تقدم في أول السورة جوابا لهذا الكلام، واقتصر على دلالة الكلام عليه. ومثلُ هذا قولُ الشاعر: فلا تدفنوني إنَّ دَفْني مُحرَّمٌ ... عليكم ولكن خامري أمّ عامر يقول: لا تَدفِنوني، ولكن دَعوني للتي يقال لها إذا صيدت: خامري أم عامر يقصدُ الضّبع لتأكلني، فحذف ولكن دَعوني، للعلم باقتضاء الخطاب له.

стр. 521

قالوا: ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ، ولم يأتِ بالشيء الذي جعل الجنّة مثلاً له، وهذا يتقضي فساد الكلام وخلوّه من فائدة، واستعماله على غير ما يجب وذلك ينفي أن يكون من عند الحليم العليم. يقال لهم: ليس الأمر في ذلك على ما قدمتم لأن المثل قد يكون معناه النسبة الذي هو مماثلةُ الشيء لغيره، لأنك تقول: هذا الشيء مثل هذا وأمثاله، كما تقول هذا شبه الشيء، وشبيهُه وشبهُه، وقد يكونُ بمعنى صفة الشيء وصورته، وكذلك المثلُ والمثالُ يكونُ بمعنى الصفةِ والصورة والخلقة، يدلُّ على ذلك قولهم للمرأة الجميلة الرقيقة الرائعةِ كأنها تمثال ومثال أي كأنّها صورة، وكما يقال كأنها دمية، يعني الصورة، وهذه المرأة مثل أي صورة، ومنه قولهم مثلت له كذى أي صورته، وأَرني مثال الدار ومثال زيد أي: صورة ذلك، وقولهم: مثّل له الحظ أي صوّره له ما يَقتفي فيه أثرَ الممثل، وهذا أظهرُ وأشهرُ من أن يُحتاج إلى إكثار وإذا كان ذلك كذلك حُملَ قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) إلى آخر ما نَعتَها به على أنه أراد أن صورتَها وصفتَها أنّ فيها كذى وكذى. ومن هذا أيضا قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، إلى آخر ما وصفهم وصوّرهم، لأنه لم يَضرب لهم مثلاَ في أول الكلام، فيرد بمثلهم عليهم، ورُويَ أنّ علياً ﵇ كان يقرأُ: "مثالُ الجنّة التي وُعدَ المتقون "، و"أمثالُ الجنهّ "، وهذا بمثابة مثلُ الجنّة. فأمّا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) . فإنه إنّما لم يأت بالمثل، لأنّ في الكلام معناه، وما يدلّ عليه وهو قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)

стр. 522

فكأنه قال إنّما مثلكم أيها الناسُ في عبادةِ الأصنام وغيرِها مثلُ من عبد إلها لا يقدرُ على خلقِ ذبابة ولا يقدرُ على الاعتصام من سلبِ ما يسلبهم الذبابُ في أن عابدَ من هذه صفتُه جاهل مقصِّر وقاصد بالعبادة والتعظيمِ من لا يجوزُ له فحذف على وجه الاختصار والاحتذاءِ بما يدل على ما في سياق الكلام، ومن الحذف والاختصار أيضا حذفُ جواب القسم، ومنه قوله: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) (إلى قوله) (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) ، ثم قال (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) ، ولم يذكر ما أقسم لأجله وإنَّما معناه والنازعات وكذى وكذى لتبعثن، وكذلك قوله: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) . ثم قال (بَلْ عَجِبُوا) ولم ياتِ بذكر ما أوقعَ القسم له، والتقديرُ والقرآن لتُبعثُن، فقال الكافرون هذا شي عجيب، فحذفَ ذكرَ البعث لما في الكلام من الدلالةِ عليه من جحدِ الكفّار للبعثِ والنشور، ومن هذا أيضا قوله: (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ) ، فأراد إلا كباسطِ كفيه إلى الماء ليفيضَ عليه ليبلُغ فاه، فاستطال وحذفَ لدلالةِ الكلام عليه. قال الشاعر: فإني وإتاكُم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسُقه أناملُه أرادَ كقابضِ ماء ليرفَعه لم تسُقه أنامِله، فحذفَ واقتصر، وقد يقعُ الحذفُ والاقتصارُ بالكنايةِ عن غير مذكور تقدم، كما نكنِّي عما تقدم له ذكرُ الاقتصارِ على دلالةِ الحال والخطاب، وما خرجَ الكلامُ عليه، ومنه قولُه تعالى: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) ، يعني الوادي، وقوله: (إِذَا جَلَّاهَا) ، يعني الدنيا، ولم يتقدم لها ذكر وقوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) ، يعني

стр. 523

الشمس، ولم يجر ذكرَها وقوله: (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) ، أي: بموسى، وإن لم يذكره وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ، يعني القرآن، ولم يتقدم ذكرُه وقال: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ) ، يعني الأرض، وإن لم يتقدم لها ذكر، وهذا أجمعُ سائغ مستحسن في اللغة، ومعروف عند أهلها، وليس لأحد أن يقول: إن هذا كلام ناقص مبتّرٌ غيرُ مفيد، إذا كانت المقاصدُ به معروفةً والعادةُ باستعمالِ أمثالِه جارية مألوفة. قال المثقب العَبْدي: فما أدري إذا يَممتُ أرضا ... أريدُ الخيرَ أيهما يَلِيني أألخيرُ الذي أنا أبْتَغِيه ... أم الشرُّ الذي هو يَبتغِيني فكنَّا بقوله أيهما عن الخير والشر لما ذكرهما بعد الكناية. وقال آخر: إذا نُهيَ السفيهُ جَرى إليه ... وخالفَ والسفيهُ إلى خلافِ يعني تاليه إلى السّفه. ومنه قولُ حاتم: أما ويٌّ ما يُغني الثراءُ عن الفتى ... إذا حَشْرجَت يوما وضاقَ بها الصدرُ

стр. 524

يعني النفس، ولم يتقدم لها ذكر. وقال لبيد: حتى إذا ألقت يدا في كافرٍ ... وأجن عورات الثغور ظلامها يعني الشمس إذا أبتدأت في المغيب، والكافر المعط، والثغور الأودية والشعاب، من كل موضع يخافه يسمى ثغراً. وقد يحذفُ ويختصرُ بأن يوقع على شيئين وهو لأحدهما ولا يذكرُ فعل الآخر، ويقام فعلُ أحدهما مقامَ ما ذكرُ معه على وجه الإيجاز والاختصار ويضمرُ في الكلام ما كان يجب أن يذكرَ ويُظهر، ومن هذا قوله تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) . والفاكهة واللحم والحورُ لا يطافُ بها، وإنما معنى ذلك أنهم يؤتون مع ما يطافُ به عليهم بلحم طير وفاكهة وحور عين، ومنه أيضا قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) ، أي فادعوا شركاءكم. قال الشاعر: تراه كان اللهُ يَجدعُ أنفَه ... وعينيه إن مولاه بانَ له وفرُ وإنما عني تراه كان الله يجدع أنفه ويفقأ عينيه، فأجرى على العين فعل الأنف على سبيل الحذف والاختصار.

стр. 525

وقال الشاعر: ورأيت زوجكَ في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً والرمحُ لا يتقلد به، وأجرى عليه فعل السيف. وقال آخر: إذا ما الغانياتُ برزنَ يوماً ... وزجَّجنَ الحواجبَ والعيونا والعيونُ لا تزججُ وإنّما أراد زججنَ الحواجبَ وكحَّلن العيونا. وقد يحذفُ أيضاً المضافُ ويقامُ المضافُ إليه مقامَه، ويجعلُ الفعلُ له. ومنه قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) ، أي حبّ العجل و (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) ، أي: وقت الحج، وقوله: (لَهُدِّمَتَ صَوَامِعُ) ، الصلو اتُ وبيوتُ الصلوات، وقوله: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) ، يريد ضعفَ عذاب الحياة وضعفَ عذابِ الممات، في أمثالٍ لهذا يطولُ ذكرُ جميعها، وليس لأحدٍ أن يدّعي الفسادَ والإحالة والنقصانَ في شيءٍ من هذا، وإن ظنَّ ذلكَ الجاهلُ الذي لا عِلمَ لَهُ بعادةِ الاستعمال، وطريقةِ أهلِ اللسان، ومنَ الحذفِ والاختصارِ المعروفِ في كلامِهم حذفُ لا في القسم، ومنه قولُه: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) ، أي: ألاّ تضلوا فحذفَ لا، وقولُه: (كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ) ، أي لا تحبط. قالَ الشاعرُ: فقلتُ يَمينَ اللهِ أبرحُ قاعداً ... ولو قَطَعوا رأسي لَدَيكِ وأوصالي

стр. 526

يريد: يمينُ اللهِ لازمة لي لا أبرحَ قاعداً، فحُذفَ على وجهِ الاختصار. وهذا أكثرُ من أن يتتبعَ فمن ادّعى الفسادَ والتخليطَ بمثلِ هذا فقد جَهلِ وأبعد. قالوا: ومما يدلُّ أيضا على نقصانِ القرآنِ وتغييرِ نظمهِ أننا وجَدنا في مصحفِ عثمانَ ما ليسَ بملائمٍ ولا متناسبٍ من الكلام، واللهُ يَجل عن إنزالِ كلامهِ على هذا الوجهِ من الفسادِ والنقصان. قالوا فمن هذا قولهُ تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . قالوا: فأيُّ مناسبةٍ بينَ جعلهِ البيتَ الحرامَ قياما للناسِ وبينَ قولهِ: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . وهل كانَ أن لو لم يجعلِ البيتَ قياما للناس أن لا يعلموا أن اللهَ بكلِ شيءٍ عليم، وإذا كان بكل شيءٍ عليم جعلَ ذلكَ أو لم يجعله، فما معنى هذا الكلام، وما معنى جعلِه البيتَ الحرامَ والشهرَ الحرامَ قياما للناس. فيقالُ لهم: ليسَ الأمرُ في هذا على ما ظننتُم، وذلكَ أن العربَ كانت في جاهليتها تَشُن الغارات، وتسفِكُ الدماءَ الحرام، وتأخذُ الأموالَ بغيرِ الحق وتخيفُ السبيلَ وتطلبُ الثأرَ فيُقتلُ بالمقتولِ قاتلهُ وغيرُ قاتلة. وبالواحدِ الجماعةُ ويُقتلُ القاتلُ وجارهُ ومن في ذمامه فجعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ وما حولَه والشهرَ الحرامَ قواما للناسِ أي أمناً لهم، لأن الخائفَ منهم كان إذا لجأ إلى البيتِ حُقنَ دمه، وسلمتْ نفسُه وزال خوفه، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) .

стр. 527

يعني بالقتلِ والإخافةِ والغاراتِ وكانوا إذا دخلَ الشهرُ الحرامُ يكُفونَ عن الحربِ والقتلِ وشن الغاراتِ ويتبسَّطُونَ في الأرضِ آمنين على أموالِهم وأنفسِهم، فجعلَ الله البيتَ الحرامَ وما حولهَ والهديَ والتقليدَ إليه من مصالح خلقه، وعائداً بحفظِ نفوسِهم وأموالِهم وحقنِ دمائِهم، ولو تركَهم على ما كانوا عليه لتفانَوا ولذهبَت أموالَهم وأنفسهُم ولم يستقر بهم دار ولا قرار. وعرفهم تعالى أنه جعلَ ذلكَ من مصالحهم، فقال تعالى: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . يقولُ كما أنني علمتُ أن جعلَ الكعبةِ الحرامَ والحرمَ قياما للناسِ وأمنا لهم، فإن ذلكَ من مصالِحهم، واعلموا أيضا أنني أعلمُ ما في السموات وما في الأرضِ من مصالحِ أهلِها ومرافِقِهم ووجوهِ دفع المضارِ عنهم، وأنني مع ذلكَ بكل شيءٍ عليم، فأيُّ كلامٍ أليقُ بكلامٍ وأشَبهُ بهِ من هذا لولا الجهل والتخليط. قالوا: ومن هذا الباب أيضا قولهُ: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) ، وهل يصيرون مقسطين في اليتامى بنكاحهم النساء، وكيفَ يكونُ ذلكَ وهُم عند نكاحِ النساءِ أعجزُ عن القسطِ والعدلِ في اليتامى، وأيُّ تناسُبٍ بينَ هذا الكلام؟ فيقال لهم: ليسَ الأمرُ في هذا أيضا على ما قدرتم، وذلك أن الله شبَّهَ خوفَنا بالعجزِ عن العدلِ والقسطِ في اليتامى، بعجزِنا عن العدلِ بين أكثرَ من أربعِ نسوة، لو أَطلقَ لنا نكاحُ أكثرَ من أربعة، فقالَ كما تخافون أن لا تعدِلوا بين اليتامى إذا كفلتموهُم، فخافوا أيضاً أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهُنّ وأكثرتُم منهن، فانكِحوا إذا كنتُم تخافونَ ذلك اثنتينِ وثلاثا وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك، لا تُقَصّروا وتعجزوا عن العدِل بينهن، ثم قال

стр. 528

وإن خفتُم أيضاً أن لا تعدلوا بن الاثنتينِ والثلاثِ والأربع فانكحوا واحدة. واقتصروا معها على ما ملكتْ أيمانكم من الإماء، ذلكَ أدَنى أن لا تَعولوا. أي لا تميلوا وتُجاوزُوا. وقد رُويَ هذا الذي قلناهُ بعينه عن ابنِ عباس، فإنّه قال: "قُصِرَ الرجالُ على أربعٍ من أجلِ اليتامى فيقول لما كانَ النساءُ مكفولاتٍ بمنزلةِ اليتامى. وكان العدلُ على اليتامى صعبٌ شديا على كافِلهمِ قصِرَ الرجالُ على ما بين الواحدةِ إلى الأربعِ من النساء، ولم يُطلِق لهم ما فوقَ ذلكَ لأنْ لا يميلوا". وإذا كان ذلك كذلك بطلَ توهمهم وزالَ تعجبهُم. وقد قيل: إن تأويلَ هذه الآية ِ أنه قد كانَ مُباحاً لهم في صدرِ الإسلامِ أن ينكحوا ربائبهمُ اللاتي في حُجورِهم من نسائهمُ اللاتي دخلوا بِهِنّ، وأن منُهم من كانَ يخافُ أن لا يعدلَ بينَ الربيبةِ وبين غيرها ممن ليست بربيبَته. لكونه والياً على الربيبةِ ومرّبياً لها ومستولياً على أمرِها فقالَ لمَّا علمَ ذلكَ من حالِهم: (وإنْ خفتُم أن لا تُقسِطوا في اليتامى) إذا أنتم نكحتموهنّ وتَزوجتم بهن فيما يتعلق بحقوقِ الزوجيةِ والعدلِ بيَنهنَّ وبينَ غيرهن، فانكحوا غيرَهنّ من النساءِ اللاتي ليسَ في حُجورِكم ولا لكم عليهن ولاية لتُحسَمَ أطماعكُمُ في تحيُّفِهن، وهذا تأويلٌ صحيح. وقيل أيضاً: إن تأويلَ الآية ِ ألكُم إن خفتمُ أن لا تعدِلوا في اليتامى الأطفالِ إذا تزوجتم بهن وكن ذواتِ أموالٍ تخافونَ أخذَها وأكلَها بالباطلِ وعَجَزَ الأطفالُ عن منعكم منها وصدكم عنها، واستيفاءِ ما تتلونه منها. فانكحوا ما طابَ لكم النساءِ البُذَّلِ القادراتِ على تدبيرِ أموالهنّ، ومنعكم من تَخَطُفها، لأنكم تكونون عند ذلكَ أبعدَ في أكلِ أموالهنّ بالباطل. والاعتداءِ عليهن، وهذا أيضاً قريب ليسَ ببعيد.

стр. 529

ويُمكن أيضًا أن يكون التأويلُ في ذلكَ أنكم إذا خفتم الإثمَ والنارَ بأن لا تعدِلوا بين اليتامى فخافوا مثلَ ذلكَ في تركِ العدلِ بين النساء، وانكِحوا ما طابَ لكم من النساء، يعني به من أُحِل لكم منهن وهم اثنتينِ أو ثلاث أو ربُاع، ولا تنكحوا أكثرَ من ذلكَ فتتركوا العدلَ بينهنّ إذا كثُروا فتتَورطوا لذلك في الإثمِ والنار، فكأنّه قال: إن خفتُم النارَ بتركِ العدلِ بينَ اليتامى فخافوا ذلك في تركِ العدلِ بين النساءِ وانكِحوا قدرَ ما أحللتُه لكم ممّا أعلمُ أنكم تستطيعونَ العدلَ بينهن، ولا تتجاوزوا ذلك، ولو قالَ مكانَ هذا فإن خفتم أن لا تعدلوا بينَ اليتامى فاعدلوا في الحُكمِ وأوفوا الكيلَ وقُوموا بالفرائضِ لتتبرؤا من الإثم، لكانَ ذلكَ صحيحاَ جائزاَ كما يقولُ القائل: إن خفتَ السلطانَ في منعِ الحرامِ فلا تقذفِ المحصنات، ولا تشتمِ الناس، يريدُ بذلكَ فإنّ الضَّررَ عليكَ في مثلِ هذا، ما خفتَ منه أو أكثر، وقد يمكنُ أيضاً أن يكونَ أرادَ بالآيةِ أنكم إن خفتُم إذا تزوجتُم بالأيتامِ أو الأطفالِ اللاتيِ لا وليَّ لهن وطالَبْنَكم بحقوقِ الزوجيةِ وإقامةِ العدلِ بينهن، فانكِحوا البالغاتِ البُذلِ اللاتي يقدِرن على أخذكم بالعدلِ بينهن، وتكونونَ عند نكاحِهن أبعدَ من الظلمِ لَهُنَ. قالوا: ومنِ ذلكَ أيضاً قولُهُ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) . قالوا: فما معنى تخصيصَه للصبارِ الشكورِ دونِ غيره، وفيما ذكره آياتٌ لكلِ مُكَلَّفٍ ممن صبر وشكر وممّن ليست هذه صفتُه. فيقالُ لهم: ليسَ فيما ذكرتُموه من هذا متعلقٌ وذلك أن اللهَ كنَّى وهو أعلمُ بذكرِ الصبّارِ الشكورِ عن المؤمنِ لأجلِ أن أفضلَ صفاتِ المؤمنِ الصبرُ المُقترنُ بالشكر، فكأنَّه قال: إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لكلِ مؤمن، وقد قالَ في

стр. 530

موضعٍ آخر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) فلا تَعلقَ فيما وصفتُم، وإنما يخُص المؤمنين المتفكرينَ والمعتبرينَ بالذكرِ في ذلك، وتضافُ الآياتُ إليهم دونَ الكافرين، ومن أهَملَ نفسَه وصدقَ وعاندَ وتنكَر الحق لأجلِ أنهم هم المنتفعونَ بالنظرِ في هذهِ الآيات، والمستدلُونَ بها والمعتَبِرونَ بعجيبِ صُنعِها ولطيفِ ما فيها، وكذلكَ قولُه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) . يعني من كان له علم، وإن كان لو نَظرَ في ذلكَ من لا عِلمَ له لعلِم بصحيحِ النظرِ ما عَلمهَ المؤمنون، واتعظ وانزجرَ بذلك، فذلك ما ظنوه. قالوا: ومن هذا الباب أيضا قولُهُ تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) ، وكيفَ يُعجِبُ النباتُ الكفارَ دونَ المؤمنينَ الأبرار. وهذا إذا طلعَ واخضر وأينَع، أعجبَ المؤمنينَ والكافرين. فيقال لهم: لم يُردِ اللهُ تعالى بذكرِ الكفارِ ها هنا الكفارَ بالله تعالى وبالأديان، وإنَّما عنى وهو أعلمُ بالزراعِ الكفار، لأن مغطي الزرعَ إذا بَذرهُ في الأرضِ وسَترهُ كافر، ومنه قيلَ للمتسلّح المعتد: مُتكفر بسلاحه، أي: متغطي به، من قولِ الشاعر: في ليلةٍ كَفَر النجومَ غمامُها. يريد غطى الغَمامُ النجومَ وسترَها وإنما قال يُعجبُ الزُراعَ نباتُه. وخصهم بذلكَ لأنهم هم المُبلونَ به والمترقبونَ لما تُخرجهُ الأرضُ والمنتفعونَ به قبل غيرهم، فأضافَ ذلك إليهم. قالوا: ومنِ ذلكَ أيضا قولُهُ تعالى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) . وقد عُلم أن القواريرَ لا تكونُ من فضة، وفي هذا الكلامِ إحالة وفساد
следующие страницы →