Полный текст (756 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
يريد: يمينُ اللهِ لازمة لي لا أبرحَ قاعداً، فحُذفَ على وجهِ الاختصار.
وهذا أكثرُ من أن يتتبعَ فمن ادّعى الفسادَ والتخليطَ بمثلِ هذا فقد جَهلِ
وأبعد.
قالوا: ومما يدلُّ أيضا على نقصانِ القرآنِ وتغييرِ نظمهِ أننا وجَدنا في
مصحفِ عثمانَ ما ليسَ بملائمٍ ولا متناسبٍ من الكلام، واللهُ يَجل عن إنزالِ
كلامهِ على هذا الوجهِ من الفسادِ والنقصان.
قالوا فمن هذا قولهُ تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
قالوا: فأيُّ مناسبةٍ بينَ جعلهِ البيتَ الحرامَ قياما للناسِ وبينَ قولهِ:
(لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
وهل كانَ أن لو لم يجعلِ البيتَ قياما للناس أن لا يعلموا أن اللهَ بكلِ شيءٍ
عليم، وإذا كان بكل شيءٍ عليم جعلَ ذلكَ أو لم يجعله، فما معنى هذا
الكلام، وما معنى جعلِه البيتَ الحرامَ والشهرَ الحرامَ قياما للناس.
فيقالُ لهم: ليسَ الأمرُ في هذا على ما ظننتُم، وذلكَ أن العربَ كانت
في جاهليتها تَشُن الغارات، وتسفِكُ الدماءَ الحرام، وتأخذُ الأموالَ بغيرِ
الحق وتخيفُ السبيلَ وتطلبُ الثأرَ فيُقتلُ بالمقتولِ قاتلهُ وغيرُ قاتلة.
وبالواحدِ الجماعةُ ويُقتلُ القاتلُ وجارهُ ومن في ذمامه فجعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ
الحرامَ وما حولَه والشهرَ الحرامَ قواما للناسِ أي أمناً لهم، لأن الخائفَ
منهم كان إذا لجأ إلى البيتِ حُقنَ دمه، وسلمتْ نفسُه وزال خوفه، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) .
стр. 527
يعني بالقتلِ والإخافةِ والغاراتِ وكانوا إذا دخلَ الشهرُ الحرامُ يكُفونَ عن
الحربِ والقتلِ وشن الغاراتِ ويتبسَّطُونَ في الأرضِ آمنين على أموالِهم
وأنفسِهم، فجعلَ الله البيتَ الحرامَ وما حولهَ والهديَ والتقليدَ إليه من مصالح
خلقه، وعائداً بحفظِ نفوسِهم وأموالِهم وحقنِ دمائِهم، ولو تركَهم على ما
كانوا عليه لتفانَوا ولذهبَت أموالَهم وأنفسهُم ولم يستقر بهم دار ولا قرار.
وعرفهم تعالى أنه جعلَ ذلكَ من مصالحهم، فقال تعالى: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
يقولُ كما أنني علمتُ أن جعلَ الكعبةِ الحرامَ والحرمَ قياما للناسِ وأمنا لهم، فإن ذلكَ من مصالِحهم، واعلموا أيضا أنني أعلمُ ما في السموات وما في
الأرضِ من مصالحِ أهلِها ومرافِقِهم ووجوهِ دفع المضارِ عنهم، وأنني مع
ذلكَ بكل شيءٍ عليم، فأيُّ كلامٍ أليقُ بكلامٍ وأشَبهُ بهِ من هذا لولا الجهل
والتخليط.
قالوا: ومن هذا الباب أيضا قولهُ: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) ، وهل يصيرون مقسطين في اليتامى بنكاحهم النساء، وكيفَ يكونُ ذلكَ وهُم عند نكاحِ النساءِ أعجزُ عن القسطِ والعدلِ في اليتامى، وأيُّ تناسُبٍ بينَ هذا الكلام؟
فيقال لهم: ليسَ الأمرُ في هذا أيضا على ما قدرتم، وذلك أن الله شبَّهَ
خوفَنا بالعجزِ عن العدلِ والقسطِ في اليتامى، بعجزِنا عن العدلِ بين أكثرَ من
أربعِ نسوة، لو أَطلقَ لنا نكاحُ أكثرَ من أربعة، فقالَ كما تخافون أن لا تعدِلوا بين اليتامى إذا كفلتموهُم، فخافوا أيضاً أن لا تعدلوا بين النساء إذا
نكحتموهُنّ وأكثرتُم منهن، فانكِحوا إذا كنتُم تخافونَ ذلك اثنتينِ وثلاثا
وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك، لا تُقَصّروا وتعجزوا عن العدِل بينهن، ثم قال
стр. 528
وإن خفتُم أيضاً أن لا تعدلوا بن الاثنتينِ والثلاثِ والأربع فانكحوا واحدة.
واقتصروا معها على ما ملكتْ أيمانكم من الإماء، ذلكَ أدَنى أن لا تَعولوا.
أي لا تميلوا وتُجاوزُوا.
وقد رُويَ هذا الذي قلناهُ بعينه عن ابنِ عباس، فإنّه قال: "قُصِرَ الرجالُ
على أربعٍ من أجلِ اليتامى فيقول لما كانَ النساءُ مكفولاتٍ بمنزلةِ اليتامى.
وكان العدلُ على اليتامى صعبٌ شديا على كافِلهمِ قصِرَ الرجالُ على ما بين
الواحدةِ إلى الأربعِ من النساء، ولم يُطلِق لهم ما فوقَ ذلكَ لأنْ لا يميلوا".
وإذا كان ذلك كذلك بطلَ توهمهم وزالَ تعجبهُم.
وقد قيل: إن تأويلَ هذه الآية ِ أنه قد كانَ مُباحاً لهم في صدرِ الإسلامِ أن
ينكحوا ربائبهمُ اللاتي في حُجورِهم من نسائهمُ اللاتي دخلوا بِهِنّ، وأن
منُهم من كانَ يخافُ أن لا يعدلَ بينَ الربيبةِ وبين غيرها ممن ليست بربيبَته.
لكونه والياً على الربيبةِ ومرّبياً لها ومستولياً على أمرِها فقالَ لمَّا علمَ ذلكَ من
حالِهم: (وإنْ خفتُم أن لا تُقسِطوا في اليتامى) إذا أنتم نكحتموهنّ وتَزوجتم
بهن فيما يتعلق بحقوقِ الزوجيةِ والعدلِ بيَنهنَّ وبينَ غيرهن، فانكحوا غيرَهنّ
من النساءِ اللاتي ليسَ في حُجورِكم ولا لكم عليهن ولاية لتُحسَمَ أطماعكُمُ
في تحيُّفِهن، وهذا تأويلٌ صحيح.
وقيل أيضاً: إن تأويلَ الآية ِ ألكُم إن خفتمُ أن لا تعدِلوا في اليتامى
الأطفالِ إذا تزوجتم بهن وكن ذواتِ أموالٍ تخافونَ أخذَها وأكلَها بالباطلِ
وعَجَزَ الأطفالُ عن منعكم منها وصدكم عنها، واستيفاءِ ما تتلونه منها.
فانكحوا ما طابَ لكم النساءِ البُذَّلِ القادراتِ على تدبيرِ أموالهنّ، ومنعكم
من تَخَطُفها، لأنكم تكونون عند ذلكَ أبعدَ في أكلِ أموالهنّ بالباطل.
والاعتداءِ عليهن، وهذا أيضاً قريب ليسَ ببعيد.
стр. 529
ويُمكن أيضًا أن يكون التأويلُ في ذلكَ أنكم إذا خفتم الإثمَ والنارَ بأن
لا تعدِلوا بين اليتامى فخافوا مثلَ ذلكَ في تركِ العدلِ بين النساء، وانكِحوا ما طابَ لكم من النساء، يعني به من أُحِل لكم منهن وهم اثنتينِ أو ثلاث أو
ربُاع، ولا تنكحوا أكثرَ من ذلكَ فتتركوا العدلَ بينهنّ إذا كثُروا فتتَورطوا
لذلك في الإثمِ والنار، فكأنّه قال: إن خفتُم النارَ بتركِ العدلِ بينَ اليتامى
فخافوا ذلك في تركِ العدلِ بين النساءِ وانكِحوا قدرَ ما أحللتُه لكم ممّا أعلمُ
أنكم تستطيعونَ العدلَ بينهن، ولا تتجاوزوا ذلك، ولو قالَ مكانَ هذا فإن
خفتم أن لا تعدلوا بينَ اليتامى فاعدلوا في الحُكمِ وأوفوا الكيلَ وقُوموا
بالفرائضِ لتتبرؤا من الإثم، لكانَ ذلكَ صحيحاَ جائزاَ كما يقولُ القائل: إن
خفتَ السلطانَ في منعِ الحرامِ فلا تقذفِ المحصنات، ولا تشتمِ الناس، يريدُ
بذلكَ فإنّ الضَّررَ عليكَ في مثلِ هذا، ما خفتَ منه أو أكثر، وقد يمكنُ أيضاً
أن يكونَ أرادَ بالآيةِ أنكم إن خفتُم إذا تزوجتُم بالأيتامِ أو الأطفالِ اللاتيِ لا
وليَّ لهن وطالَبْنَكم بحقوقِ الزوجيةِ وإقامةِ العدلِ بينهن، فانكِحوا البالغاتِ
البُذلِ اللاتي يقدِرن على أخذكم بالعدلِ بينهن، وتكونونَ عند نكاحِهن أبعدَ
من الظلمِ لَهُنَ.
قالوا: ومنِ ذلكَ أيضاً قولُهُ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) .
قالوا: فما معنى تخصيصَه للصبارِ الشكورِ دونِ غيره، وفيما ذكره آياتٌ لكلِ مُكَلَّفٍ ممن صبر وشكر وممّن ليست هذه صفتُه.
فيقالُ لهم: ليسَ فيما ذكرتُموه من هذا متعلقٌ وذلك أن اللهَ كنَّى وهو
أعلمُ بذكرِ الصبّارِ الشكورِ عن المؤمنِ لأجلِ أن أفضلَ صفاتِ المؤمنِ الصبرُ
المُقترنُ بالشكر، فكأنَّه قال: إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لكلِ مؤمن، وقد قالَ في
стр. 530
موضعٍ آخر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) فلا تَعلقَ فيما وصفتُم، وإنما يخُص المؤمنين المتفكرينَ والمعتبرينَ بالذكرِ في ذلك، وتضافُ الآياتُ إليهم دونَ الكافرين، ومن أهَملَ نفسَه وصدقَ وعاندَ وتنكَر الحق لأجلِ أنهم هم المنتفعونَ بالنظرِ في هذهِ الآيات، والمستدلُونَ بها
والمعتَبِرونَ بعجيبِ صُنعِها ولطيفِ ما فيها، وكذلكَ قولُه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) .
يعني من كان له علم، وإن كان لو نَظرَ في ذلكَ من لا عِلمَ له لعلِم بصحيحِ النظرِ ما عَلمهَ المؤمنون، واتعظ وانزجرَ بذلك، فذلك ما ظنوه.
قالوا: ومن هذا الباب أيضا قولُهُ تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) ، وكيفَ يُعجِبُ النباتُ الكفارَ دونَ المؤمنينَ الأبرار.
وهذا إذا طلعَ واخضر وأينَع، أعجبَ المؤمنينَ والكافرين.
فيقال لهم: لم يُردِ اللهُ تعالى بذكرِ الكفارِ ها هنا الكفارَ بالله تعالى
وبالأديان، وإنَّما عنى وهو أعلمُ بالزراعِ الكفار، لأن مغطي الزرعَ إذا بَذرهُ
في الأرضِ وسَترهُ كافر، ومنه قيلَ للمتسلّح المعتد: مُتكفر بسلاحه، أي:
متغطي به، من قولِ الشاعر:
في ليلةٍ كَفَر النجومَ غمامُها.
يريد غطى الغَمامُ النجومَ وسترَها وإنما قال يُعجبُ الزُراعَ نباتُه.
وخصهم بذلكَ لأنهم هم المُبلونَ به والمترقبونَ لما تُخرجهُ الأرضُ
والمنتفعونَ به قبل غيرهم، فأضافَ ذلك إليهم.
قالوا: ومنِ ذلكَ أيضا قولُهُ تعالى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) .
وقد عُلم أن القواريرَ لا تكونُ من فضة، وفي هذا الكلامِ إحالة وفساد
стр. 531
ونقصانُ ما لا يتم الفائدة، وينتظمُ الكلامُ ومعناهُ الآية، فوجبَ أن يكونَ ما
هذه صِفتهُ فليسَ من عندِ الله.
يقالُ لهم: ليس الأمرُ في هذا على ما قدرتم، لأن الله تعالى أراد أن
تلكَ الأكواب التي هي كيزان لا عُرى لها في بياض الفضةِ وصفء القواريرِ
على مذهبِ النسبة، فكأنه قال: هي أكوابٌ قواريرُ كأنها الفضةُ من بياضِها
فحذفَ كأنها أو مثلَ الفضة، أو تشبهُ الفضةَ لحصول العلمِ بذلك وعلمِ أهلِ
اللسانِ به، وهذا شبيهٌ بقوله: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) ، و (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) ، ولو قال: إنهن ياقوت ومرجان وبيض مكنون وحُذفت كأنهن، وهو يعني بذلك لكان صحيحا سائغا على طريقةِ
أهلِ اللسان، ولهذا استجازوا أن يقولوا: فلان درةٌ لا قيمةَ لها وجوهرةٌ
نفيسة، وهذه الجاريةُ لؤلؤةٌ وياقوتة، وهذا شرابٌ من نارٍ ومن نور، يريدون
بذلك أنه يشبه الجوهرةَ والياقوتة، وأن الشرابَ يشبهُ النورَ والنار، وإذا كان ذلك كذلك سقطَ ما تعلقوا به هم وإخوانهُم من الملحدين.
قالوا ومن هذا أيضا قولُه: (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) .
وقد عُلم أن الحجارةَ خلافَ الطين، فعُلمَ بذلك فسادُ هذا الكلام.
وأن اللهَ لم ينزله كذلك.
يقال لهم: هذا غلط لأن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ ذكر الذي أُرسلَ عليهم آجُر.
والآجرُ حجارةٌ من طين لأن أصله الطين، وسماه حجارةً لأنّه كان في صلابةِ
الحجارةِ وشدتها، وذلك صحيح غيرُ بعيد، بأن يكونَ اللهُ تعالى أمرَ الملائكةَ
أن تَرميهم بالآجرُ، وأن يكونَ هُو تعالى رماهُم بها، فخلقَ حركاتِ الآجرُ
стр. 532
واعتماداتِه على رؤوسِهم، وقد ذُكرَ في السيرةِ أن ولدَ نوحٍ ﵇
تفرقوا في الأرض، وكانت الأرضُ لساناً واحداً، فلمَّا ارتحلوا من المشرقِ
وجدوا بقعةً في الأرض سبعةً سَبِخَةً فنزلوا ثم جعل الرجلُ يقولُ للرجل:
هلمَ فَلْنُلين لبِناً فنحرّقهُ فيكونَ اللَّبِنُ حجارةً ونبني مجدلاً رأسهُ في السماء.
وذكرَ بعضُ من رأى هذه الحجارةَ أنّها حُمنٌ مخَتَمةً، وقال آخرون: بل هي
مخططة وذلكَ تسويمها، وهذا يزيلُ توهُّمَهم ويُبطل شبَههم.
قالوا: وممّا يدلُّ على تغيير القومِ لنظمِ القرآنِ وترتيبهِ على غيرِ ما أُنزلَ
ووضعِهم لأشياءَ منه في غيرِ حقها ومواضعها وجودُ الاستثناءاتِ منه
واردةٌ في غيرِ مواضعها وموجبةٌ للنقصِ وفسادِ المعنى والمقصود قالوا:
فمن ذلك قولُه: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) .
قالوا: وقد ثبتَ أنّ أهلَ الجنةِ وغيرهم أيضاً من الأحياءِ لا يصح أن
يذوقَ الموتةَ الأولى التي ماتوا بها في الدنيا، لأن الموتَ الذي كان في الدنيا
مضى وانقَضَى، ولا يجوزُ أن يُعاد ويُخلقَ مرةً أخرى، فيذوقهُ أهلُ الجنةِ ولا
غيرُهم.
قالوا: على أنه قد أخبرَ في غيرِ موضح، أنّ أهلَ الجنةِ لا يموتونَ أبداً.
ولا يألمونَ ولا ينقطعُ ويزولُ ما هم فيه من العيشِ السليمِ والنعيمِ المقيم.
ومَنْ هذه حَالهُ لا يذوقُ الموتَ جملة، لا الموتة الأولى التي كانت في الدنيا
ولا في غيرها، ووجبَ أن يكونَ قولهُ إلا الموتةَ الأولى استثناءً يفسُدُ من
وجهين:
стр. 533
أحدهما: أن الموتةَ الأولى لا تَصحُّ أن تعادَ فيذوقَها أحد، والآخر: أن
أهلَ الجنةِ لا يذوقونَ الموتَ أبدا، لا الموتةَ الأولى ولا غيرها.
قالوا فهذا يدلُّ على أن هذا الاستثنى ليس من كلامِ الله، أو هو من
كلامهِ غيرَ أنه وارد في غيرِ هذا الموضع، أو على غيرِ هذا الوجه، أو كان
معهُ كلام من حكاية عن مبطل، أو قولٍ لقائل، أو مقدم أو مؤخرٍ يُخرجُهُ عن الفسادِ والاستحالة.
فيقالُ لهم: لا يجبُ شيء ممّا قلتُم، لأجلِ أن إلاّ ها هنا بمعنى سوى.
وسوى هو بمعنى غير، فكأنه قال تعالى "لا يذقونَ الموتَ غير الموتِ الذي
كانوا ذاقُوه في الدنيا، وقولُه فيها ليسَ معناهُ أنّهم يذوقون في غيرها الموت.
ولكن لما ذكرَ الجنةَ ووَصفَها، بأنّها دارُ مُقامِهم وقرارِهم وأنّه لا دارَ لهم
سواها، قال: لا يذوقونَ فيها الموت، ومثلُ هذا قولُه: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) ، يعني سوى ما قد
سلفَ في الجاهلية، وقد يقولُ القائل: ما ينالُك في هذا الأمرِ ضرر ولا حزن
إلا ما نالكَ وسوى ما نالك، لا يريد بذلك أنّك يَنالكُ ما قد نالكَ وانقضَى
ومضَى، وإنما يعني بذلك أنّه لا ينالُك شيء غيرُ الذي قد نالكَ من قبلُ وهذا
أبينُ من أن يحتاج إلى إكثار.
وأما قولهم: إن أهلَ الجنةِ لو جازَ أن يموتُوا لم يصحَّ أن يذوقُوا الموتةَ
الأولى التي كانت في الدنيا، لأنّها لا تصحُّ أن تُخلق وتُعادَ مرةً أخرى، فإنّه
باطل، لأنّ الموتَ المُنقضي وجميعَ الأعراضِ الفانيةِ يَصحُّ أن تُخلقَ وتعادُ
بعد فنائِها، وأن يُقدَّمَ خلقُها ويُؤخَرَ أيضاً، وإن استحالَ بقاؤُها واستمرارُ
الوجودِ بها وقتينِ فصاعدا، وقد بيّنا ذلك ودللَّنا على صحته
стр. 534
في كتاب "شرحِ اللُمعٍ لأبي الحسنِ الأشعري " بما تُغني الناظرَ فيه، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالُوه.
قالوا: ومن هذه أيضا قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) .
قالوا: وقد عُلم أن قولَه غيرُ مجذوذ يقتضي أن يكون دائما غير مقطوع، وقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يقتضي أنهم يمكثون في الجنة دهراً ثم لا يكونون فيها لقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، لأنه يقتضي إلا ما شاء الله من إخراجهم، وهذا تناقضْ واستثناء في غير موضعه.
يقال لهم: لا يجب ما قلتم لأن العرب تعبر عن معنى الأبد والتأبيد
بألفاظ كثيرة، يقصدون بها الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده، فمن ذلك
قولهم: لا أفعل ذلك ما تكرر العصران وما اختلف الجديدان، وما اختلف
الليل والنهار، وما طلعت الشمس، وما غربت، وما ظمأ البحر، وما أقام
أحد، وما در لله شارق، وأمثال هذه الألفاظ قال امرؤ القيس:
وإني مقيم ما أقام عَسيبُ
يعني جبلاً قائما، استجازوا جعل هذه الألفاظ مكان ذكر الأبد لاعتقادهم
أن العصرين يتكرران أبداً سرمداً، وأن الليلَ والنهارَ يختلفان ويتجددان أبداً
стр. 535
دائما، وأن البحرَ لا يزالُ ظاميا مرتفعا، وأن الجبلَ والسموات والأرض لا
تزولان ولا يتغيران أبداً، فقالوا كذلك: لا أكلمُك ما اختلفَ الجديدان وما
ظَمِأ البحر، وهم لا يعنون بذلك مدةً من الزمان منقطعة متناهية، وإنما
يعنون الأبد الذي لا انقطاعَ له ولا تأخير، فخاطبَ الله العربَ بما تَعْهَده في
كلامِها وتعرفُه في عُرفها فقال تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ، يعني أنّهم خالدون فيها أبداً سرمداً فعبر عن هذا بدوام السموات والأرض لاعتقادهم في أصلِ اللغة أنهما غيرُ منقطعين ولا مبتعدين.
فهذا الكلامُ جواب من قال: كيف قال خالدين فيها ما دامت السمواتُ
والأرض، وقدرُ دوام السمواتِ والأرضِ منقطعٌ متناهي، وهو قد أخبرَ أن
خلودَهم ودوامَهم غيرُ مجذوذٍ ولا مقطوع، وإن وجبَ اعتقادُ انقطاع دوامِ
السموات والأرض من جهة السمع، قال الله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) ، وقال: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) ، فأخبر عن تغييرها وتبديلها.
وأما قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، فإن معناه سوى ما شاء ربك، ومعنى
ذلك أن الله تعالى لما علم أن مكثَ السموات والأرض منقطعٌ متناهي.
قال: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، أي سوى ما شاء
стр. 536
ربك من إدامة خلودهم بعد فناء السموات والأرض وتبديلهما الذي علمه.
وإن كنتم أنتم لا تعرفون ذلك في وضع لغتكم وتعارفكم، لأنّه لو لم يقل:
إلا ما شاء الله أن تكونَ مدةُ مقامِهم في الجنة مدة مقام السموات والأرض
إلى حين فَنائها وتبديلها، هذا وجا صحيح، وقد يقولُ القائل: لأسكنن في
هذه الدار حولاَ أو شهراَ إلا ما شئت، وقد يصح أن يريد بقوله: إلا ما شئت أن أزيدَ على ذلك، وقد يصحُّ أن يعني إلا ما شئت أن أنقصَ منه فإذا عَلِمنا بوجهٍ قاطعٍ أنّه لا ينقصُ من سُكنى سنةِ حمل قوله: إلا ما شئتَ على الزيادة على ذلك دونَ النقصان، وكذلك إذا قال بعد قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ، يعني غير مقطوع حمل على أنّه أرادَ سوى ما شاء من الزيادة على قدر دوامِ السموات والأرض، إذ كان قدرُ دوامها منقطعاَ متناهيا.
ويحتملُ أيضاً أن يكون تعالى أراد بقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، مع دوام
السموات والأرضِ من كونهم في الدنيا ومن كونهم بأرض المحشر، لأنهم
في الدنيا وفي الموقف للحساب لا في الجنة ولا في النار، فكأنّه قال: وهم
أبداً في الجنة وعبّر عن ذلك بدوام السموات والأرض إلا قدرَ ما نقصَ من
ذلك من مدةِ مُقامهم في الدنيا، وفي المحشر وهذا أيضاً وجه صحيح.
ويحتملُ أيضاً أن يكون تأويلُ قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) من كون المؤمنين
من أهل الإجرام في النار، فقال خالدين فيها يعني المؤمنين إلا ما شاء ربك
من مدة كونهم معاتبين في النار على إجرامهم إلى حين تدركهم رحمةُ الله
لهم وشفاعةُ نبيه فيهم، وإذا كان ذلك كذلك زالَ توهمهم للمُحال بهذا
الاستثناء وسقط تعجبهم.
стр. 537
قالوا: ومما يدلّ أيضاً على تغيير القرآن وتلاوة القوم له ورسمه على
خلاف ما أنزل الله تعالى، وجودنا فيه خطابا للحاضر بما هو مبين للغائب.
وليس يحسُنْ أن يقول القائلُ اختبرتكُ فوجدته ثقةً مناصحاً، ورأيتكَ أمس
صحيحاً مناظّراً فاستعقلته واسترجَحته، لأنّ ذلك أجمعَ خطاب للحاضرِ بما
هو موضوع للغائب، وقد وجدَنا مثل هذا في مصحف عثمان فمن ذلك قوله: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) ، فبدأ بخطاب الحاضر
فيه بقوله: "كنتم " ثم جاء بخطاب الغائب بقوله: "وجرين بهم "، ومنه أيضا
قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) ، وذلك خطاب الحاضر، ثم قال: (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) ، وهو خطالب للغانب، ومنه أيضاً قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) .
وهم للغائب وقوله: آتيتم وتريدون للحاضر، وهذا تخليط لا يجوزُ وروده من عند الحكيم العليم.
فيقال لهم: هذا توهم منكم، لأن أهل اللغة قد أطبقوا على أنّه قد
يحسُن أن يصل الخطاب الحاضرُ ما يصلحُ للغائب في مواضع قد عُرفت
وجرت بها عادتُهم، ولذلك قد يردُ خطابُ الغائب أيضاً على وجه ما
يُستعملُ خطابُ الحاضر، ويجب أن يسوغَ ذلك ويستحسنه حيث استحسنوه.
قال الشاعر:
يا دارَ ميَّةَ بالعلياء فالسَنَدِ ... أقْوَتْ ومرَّ عليها سالفُ الأبدِ
يريد: قويتِ يا دار، ومرّ عليك سالفُ الأبد.
стр. 538
وقال آخر:
يا ويحَ نفسي كان جلدة خلة ... وبياض وجهك للتراب الأعفر
فبدأ بخطاب الغائب ثم وصله بما يصلحُ للحاضر، وإن لم يجب أن
يُقاس على ذلك سائرُ ما ذكروه، وكذلك يحسنُ من الله تعالى استعمالُ مثل
هذا، وإن لم يُستحسن ذلك في كل موضع، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما
تعلقوا به.
فأما قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) .
وقوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) .
وقوله: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) ، (مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) .
فإنه واردٌ على طريقِ التقرير والتقريع للقوم، والاحتجاج على
من ادّعى على عيسى وأمه ما ادعت النصارى، وربما وردَ من هذا الباب لفظُ الاستفهام والمرادُ به التعجبُ نحو قوله: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) .
كأنه قال: عم يتساءلون يا محمد؟! قال: عن النبأ العظيم يتساءلون.
وكذلك قوله: (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) ، جاء على وجه التعجب.
ثم قال: (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (أجلت) ، وما ورد منه على وجه التوبيخ نحو
قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) ، ومذهبُ العرب في
هذا معروفٌ إذا قال قائلهم: تعرفني، أتدري من أنا، على مذهب التهديد.
فلا تعلق لأحد منهم في هذا الباب.
стр. 539
ومما خلطوا به ما ليس منه قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) .
وأو موضوع للشك وهو مستحيل على الله، وهذا باطل وقد قيل فيه ثلاثةُ أشياء، فقيل إن أو هاهنا بمعنى الواو فكأنه قال: إلى مائة ألفٍ ويزيدون، وأنشدوا في ذلك قول الشاعر:
بدت مثلَ قرنِ الشمسِ في رونقِ الضُحى ... بزينتها أو أنت في العين أملحُ
يريد: وأنت في العين أملح.
وقول الآخر:
نال الخلافةَ أو كانت له قَدَراً ... كما أتى ربه موسى على قَدَرِ
يريد وكانت له قدراً.
وقال قائلون: إن أو هاهنا بمعنى بل يزيدون، وقالوا: أراد الشاعر بأو:
بل كانت له قدراً، وبل أنت في العين أملح، قالوا: وقد تجيء الواو بمعنى
أو، قال الله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) .
يريدُ مثنى أو ثلاث أو رباع، وقال قائلون: أراد بقوله: أو يزيدون عندكم
وفي تقديركم، فكأنَّه قال: أرسلناه إلى مائة ألفٍ أو يزيدون في حِزْركم
وحَدْسكم، وهذا أيضا وجه حسن، فبطل ما توهموه.
стр. 540
ومن تخاليطهم في المصحف الذي لا يليقُ بالله سبحانه قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) .
قالوا: وذلك يؤذنُ بأن فعلَ بعض الأمور أشق عليه من بعض.
قال الملحدون: وهذا ما يأباه القوم في صفة صانعهم، قالوا ومن هذا
قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ، وقوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، واللعب والاحتيالُ ممتنعٌ عليه، وهذا باطل، وقد قال الناسُ في هذا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أرادَ وهو أهونُ عليه عندكم وفي تقديركم إذا كان ابتداءُ
الشيء لا على مثالٍ ونظيرٍ تقدم أصعبَ عندكم من إعادته على مثالٍ سلف.
فضربَ لهم المثلُ بما عندهم، ثم قال عقيب ذلك: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) ، أي أنني أجل عن أن تكون هذه صفتي، وهذا ضد قوله: أو يزيدون يزيدُ عندكُم وفي تقديركُم.
وقال آخرون: أراد بقوله: "وهو أهونُ عليه " على الخلق، والهاءُ في
عليه مردودة عليهم، وإنَّما صار ذلك كذلك لأنّه يقولُ لهم سبحانه: كونوا
أحياء ناطقين مميزّين وإذا هم بشرٌ منتشرون، وذلك أسهلُ عليهم من كونهم
نطفةً ثم علقةً ثم مضعةً ثم طفلاً، ومن التنقّل من أصلاب الرجال إلى أرحام
النساء ومن الطفولية إلى الكبر والهرم حالاً بعد حالٍ فكذلك صارت الإعادةً
أهون عليهم من الابتداء، فيمكنُ أن يكونَ أرادَ بقوله: "وهو أهونُ عليه " في أنه هيّن عليه، فيكون أهونُ بمعنى هيّن، لأن ذلك مستعملٌ في اللغة وهو
المرادُ بقولهم الله أكبرُ إنّما معناهُ الكبيرُ ولم يرد إضافتَه إلى شيء هو أكبرُ منه
والمبالغةُ في تعظيمه عليه.
стр. 541
قال الفرزدق يهجو جريراً:
إن الذي رفعَ السماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائِمُه أعز وأطولُ
يريد أنه عزيز طويل ولم يرد وصف بيت جريرٍ بأنه عزيز، وأن بيتَه أعزُّ
وأطولُ منه.
وقال آخر:
لعمرُكَ ما أدري وإني لأوجلُ ... على أننا نغدوا المنيّة أولُ
يريد أني وجلٌ فجعلَ أوجلُ بمعنى وجل، لأن أفعلَ تستعملُ بمعنى
فعل، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما تعلقوا به بطلاناً بيناً.
وأما قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) ، فلم يرد الفراغَ
من الشغل، يتعالى عن ذلك، وإنّما أراد أننا نقصِد لحسابكم وجزائكم.
والعربُ تقول: سأفرغُ لكلامك وسأفرغ لمسائلتك ومواقفتك يعني بذلك
القصد إلى هذا دون الفراغ من شغل قاطع، فلا تعلُّق لهم في هذا الباب.
وأما قوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) ، وقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) .
وأن المراد به واللهُ أعلم يجازيهم على مكرهم واستهزائهم، وقد نسمي
الجزاء على الشيء باسمه لما بينهما من التعلق، وقد ذُكر هذا في إثبات
المجاز، وذكروا منه قوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) .
وقوله: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، وقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
وقال الشاعر:
ألا لايجهلنَّ أحد علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
стр. 542
يريد فنكافئه على جهله، وقد قيلَ الجزاءُ على الشيء إنما يُسمّى باسمه
لمقاربته له وتعلقه به وطول الاصطحاب، كما قالوا: القمران والعمران
والأسودان، وهلاك أمتي في الأحمرين وأمثال ذلك.
قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكمُ ... لنا قمراها والنجومُ الطوالعُ
يعني الشمسَ والقمر.
وقال آخر:
فقولوا لأهل المكتين تحاشَدوا ... وسيروا إلى آطامِ يثربَ والنخل
يعني مكة والمدينة، وكذلك لمّا كان الجزاءُ مقرونا بالعمل، وكان على
كل جُرمٍ عقوبة سموا الجزاء على الفعلِ باسمِه للاصطحاب، وإذا كان ذلك
كذلك بطل ما توهموه من أن الله تعالى وصف نفسَه باللعب، والهزل
والمكرِ الذي هو تطلبُ المكائد والحيل.
فأمَّا تعلقُهم بأنّ الله لا يصفُ رسله بما لا يجوزُ عليهم، وقد وجدنا في
المصحف أن إبراهيم قال لمَّا جنّ عليه الليل ورأى كوكبا قال: هَذَا رَبي
إلى آخر القصة، فقد قيل في هذا إنه كان أولَ حالِ بلوغه وطلب ما كُلفه ﷺ من معرفَته ربه تعالى، ولم يعرف كفراً ولا شركا قبل ذلك، ولا في حال نظره.
وقيل أيضا: إنه خرجَ على مذهبِ العلمِ لقومه والبينة لهم على وجه
الاستدلال على حدث هذه الأفلاك.
стр. 543
وقيل أيضا: إنه خرجَ على مذهب التقرير والاستفهام وأن ألف الاستفهام
أسقط على مذهب الإيجاز والاختصار، فكأنَّه قال على طريقِ التعجب
والتوبيخ لقومه أهذا ربي فحُذف ألف الاستفهام وأنشدوا في ذلك قول
الشاعر:
كذبَتْكَ عينُك أم رأيتَ بواسطٍ ... غلسَ الظلام من الرباب خيالا.
يريد أكذبتك عينُك، فحذفَ الألفَ اقتصاراً على ما في الكلام من دلالة
استفهام، وهو قوله أم رأيت بواسطٍ لأن أم من حروف الاستفهام.
ويقول الآخر:
ثم قالوا تحبُّها قلتُ بهراً ... عدد القَطْر والحصى والترابِ
يريد قالوا أتحبُّها.
وأنشدوا أيضا قولَ امرىءِ القيس:
أصاحِ ترى ومضا أريكَ وميضَه
أراد صاح أترى، فحذفَ الألف على وجه الاختصار، وإذا كان ذلك
كذلك، سقط ما ظنوه.
стр. 544
قالوا: وممّا يدل أيضاً على وقوع التخليط والتناقض والتناقض الذي لا
يجوز على الله سبحانه في القرآن، ما نجده فيه من الكلام المتناقض، نحو
قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) .
وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)) .
مع قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.
و (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) .
وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) .
وقال: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) .
وقوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) .
وقوله: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) .
وقوله بعد ذلك: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) .
وكيف يكون في شك وصفته ما قدّم، ومنه أيضاً قوله: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) .
وقوله في موضعٍ آخر: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) .
والغسلين غير الضريع، وهذا - زعموا - تناقض على أن الضريع نبتٌ والنار لا نبات فيها، وكذلك قوله: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) .
قالوا ولا معنى لهذا التشبيه الذي لا يعرفونه، ولأنه لا يجوزُ أن يكون في النار شجرا ونبتا، لأنّ النار تحرقُ الشجرَ والنبات.
ْقالوا: ومنه أيضاً قو لُه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) .
وقوله على إثر ذلك: ْ (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) وهذا تناقض بين.
قالوا: ومنه قوله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)
على وجه نفي الاختلاف عنه وفيه. وقد وجدَ من الاختلاف في
стр. 545
القرآن المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، والاختلاف في أحكامه التي ضمّته
العقلية والسمعية شيء كثير لا خفاء به، وذلك تناقضٌ بين وخللٌ في القول.
ومنه أيضاً أنّه أخبر أنّه خلق الأرض قبل السماء، ثم أخبرَ أنه خلقَ
الأرضُ بعد السماء، حيثُ قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى قوله (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) .
ثم قال في موضع آخر: (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) .
وهذا أيضاً - زعموا - تناقض ظاهر، ومنه أنّه أخبرَ في غير موضعٍ
أنّه خلقَ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ئم فضلها لهم في ثمانيةٍ فقال:
(أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) .
واليومين مع الستة التي خلقت الأرضُ وأقواتُها فيها ثمانية، فأجمل ذلك في ستةٍ وفصّلها في ثمانية، وهذا - زعموا - تناقض بيّن.
قالوا: ومن ذلك أيضا قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، و (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) . مع قوله: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) .
والواو ها هنا واو استئناف لا واوَ عطف، وقوله: (كهيعَصَ، وحمَ، عسَقَ، والم) وغير ذلك من الحروف المذكورة في أوائل السور التي لا يُعرف معناها
وقوله: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) ، ما يعرفُ معناهُ وغيرُ ذلك مما لا يعرفُ الخلقُ له معنى، وهذا - زعموا - نقض قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
стр. 546
فيقال لهم: ليس فيما أوردتموه شبهةً يسوغُ التعلق بها.
فأمَّا قوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ) .
فإن ذلك اليومَ أوقات وتارات وهو في طوله بجنبِ ما وصفَ الله سبحانه في قوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) . و (أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) .
(هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) ٣٦) .
(وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) .
عند قيامِهم من قبورِهم وحشرهم وتبديلِ الأرضِ غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهّار فلا يزالون كذلك إلى حين العرض والمسائلة، ثم يؤذنُ لهم في النطق، فإذا استقر أهلُ الجنة في الجنّة، وأهلُ النار في النّار لم يُوذن لهم في الاعتذار ولا في الخصام، وقيلَ لهم: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) .
وذلك لا يَنفي تخاصُمهم في النار وتلاومهم وما ذكره الله من ندَمهم في قوله: (نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) .
إلى أمثال ذلك، وهذا ينفي التناقض الذي ظنوه.
فأمَّا قوله تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) ، مع قوله: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) .
فإنه غير متنافي ولا متناقض، وذلك أن عذابَ أهلِ النّار دركات وطبقات وأهلُها فيها على قدرِ ذنوبهم في الكثرة والقلة.
وكذلك قصةُ أهل البوار، وفريق منهم طعامُه الضريع، وفريق منهم طعامُه
الغِسلين، وفريق آخر طعامُه الزقّوم، كما أخبر اللهُ في موضعٍ آخر، وقوم
منهم شرابُهم الحميم، وقوم منهم شرابُهم الصديد، فالذي ليس له طعام إلا
من غِسلين غير الذي لا يُطْعم إلا الضريع، وشاربُ الصديدِ فيها غيرُ
شارب الحميم، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه، والضريع نبت يكون
стр. 547
بالحجاز يقال لرُطبه الشبرق وهو مما لا يُشبع ولا يُسمن ولا يغني شيئا.
والعرب تعرِفُه وتصِفُه بذلك.
قال الهذلي يصفُ سوء رعي الإبل:
وحُبسن في هزمِ الضريع فكلها ... حدباءُ داميةُ اليدين حرود
والحروج التي لا تلد، فضربَ اللهُ لهم بذكر الضريع مثلاً، فكأنَّه قال:
إن أهلَ النارِ يقتاتون ما لا يُغنيهم ولا يُشبعهم، فهم في ذلك كآكل الضريع
الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع، والغِسلين هو من فعلين، من غسلت فهو
غُسالةُ أهلِ النار، وقال قوم هو ما يسيل من أجسام المعذبين.
فأمَّا قوله: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) ، (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) ، وقولهم: كيف يكون في النار نبت وشجر، فإنه لا تعلقَ لهم فيه، إن كان كنى بذلك الضريع وشجرة الزقوم عن جوعِهم.
وأنهم لا يشبعون وعن شيء مشبهٍ لشجرةٍ تشبه رؤوس الشياطين في قَبْح
مَنْظرها، فليس هناك نبت ولا شجر، وإنما ذلك أمثال وتشبيه، وإذا كان
أراد تعالى تحقيق نبتٍ وشجرٍ يخرجُ من النار، فإن ذلك غيرُ مستحيل.
وأمَّا قولُهم إنه لا معنى لتمثيلِ طلع الشجرة برؤوس الشياطين من وجهين:
أحدهما: أن الشجرة لا طلعَ لها وإنما يكون الطلعُ دونَ الشجر.
والوجهُ الآخر: أننا لا نعرفُ رؤوسَ الشياطين، وليس هو ما تعرِفُه
العرب، فيُمثلُ لها به بعض الأشياء، فإنه باطل لأنه إنَّما أراد بقوله تعالى:
стр. 548
طلعُها ثمرها لطلوعه كل سنةٍ ومنه سميَ طلعُ النخل طلعا عند أول
خروجه، مأخوذٌ ذلك من طلوعه، فإذا تغيرت حالُه وانتقل إلى حُكمٍ آخرَ
سميَ باسمٍ آخر من بلحٍ وبُسرٍ ورَطب، فطلعُها المرادُ به ثمرها الطالع، وأما
الشياطين التي مثلها برؤوسها فإنها حياتٌ خفيفاتٌ الأجسام قبيحات المناظر
والرؤوس.
قال الشاعر:
عجينٌ تحلفُ حينَ أخلفُ ... كمثل شيطانِ الحماطِ أعرُفُ
يريد كأنه حيةٌ تأوي الحِماط، والحِماط شجر، والأعرُفُ الحية من هذا
الذي له عُرف، والعربُ تقول إذا رأت منظراً قبيحاً كأنه شيطانُ الحماط.
وقال يشبّه التواء زمام ناقته بتلؤي الحية:
تقلبَ مني حضرمى كأنه تعمج شياطينٍ بذي خروعٍ قفرِ
يزيد تشبيه تلؤي زمامها بتلوِّي هذه الحية التي تُسمى شيطان، ولم يرد
الشياطين الذين هم الجن، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ تعجبُهم وزال تمويههم.
فأمَّا قولُه تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) ، مع قوله: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) ، فلا تناقض فيه، وذلك أن النّضرَ بنَ الحارث قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، يعني بذلك أهلكنا جميعاً ومحمداً ومن اتبعه عاماً، فأنزل@ اللهُ تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي: وفيهم قومٌ يستغفرون وهم
стр. 549
المسلمون، ثم بيّن ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) .
ثم قال تعالى: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) يعني: النّضر ومن كان بمثابته (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) .
يعني المسلمون، فلا تناقض في ذلك.
وأمّا قولُه: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) مع قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) فلا تنافي فيه لأن قوله: (دَحَاهَا) معناه بسطَها وليسَ معناه أنّه
خلقَها وأنشأنها، وقد جاء في الحديث "أن الأرضَ خُلقت ربوةً غير مبسوطةٍ
ثم بُسطت "، فقوله: دحاهَا يريد بسطها، وقد يخلِقُها ربوةً ويخلقُ السماءَ
بعدها ثم يبسطها بعد خلق السماء فلا تنافي في ذلك.
فأمّا قولُهم إنه أجمل خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثم فصَّلها
لهم في ثمانية، فإنه أيضاً لا تعلُّق فيه من وجهين:
أحدهما: أنه إذا أدخلَ القليلَ في الكثيرِ المشتملِ عليه كان ذلك
صحيحاً، لأنه إذا خلقَها في ثمانيةِ أيامٍ فقد خلقَها في ستةٍ لا محالة، لأن
الستةَ داخلة في الثمانية، ولذلك لم يكن من أقز وأخبر بأن لزيد عليه ستةَ
دراهم ثم أقر له بعدَ ذلك بثمانية فاعترف أن له ثمانيةً كاذباً في إقراره
وخيره، لأن أحدُ إقرارَيه وخبَريه داخلٌ في الآخر، فهذا جواب.
وجواب آخر: وهو أن اللهَ سبحانه لم يخبرْ أنه خلقَ الأرض في يومين
هما غير الأربعة أيام التي قدر فيها أقوات الأرض، لأنّه يمكن أن يكون خلقَ
الأرض في يومين، وخلقَ أقواتَها في يومين آخرين، ثم قال: خلقَ الأرضَ
في يومين وباركَ فيها وقدر فيها أقواتَها في أربعة أيام، أي أن خلقها وخلقَ
أقواتِها كاق في أربعةِ أيام، وهذا كما يقول القائل حوطتُ داري وبنيتُ
стр. 550
سُورَها في يومين وفرغتُ منها ومن بيوتها ومرافِقها في عشرة أيام، لا يعني
بذلك عشرةَ ليس فيها اليومين اللذين فرغَ فيهما من تَسويرِها، وإذا كان ذلك كذلك سقطَ ما توهموه وزالَ ما نحلوه كتاب الله من التناقض والاختلاف.
فأمَّا قولُه تعالى: (لَاَ إكرَاهَ فِى اَلدينِ) ، مع قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) .
وقوله: (فَضَرْبَ اَلرقابِ) .
وأخذه للعباد بالدخول في الدين ففيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّه لا إكراه في الدين ولا قتلَ ولا حربَ لمن له عهد وذمة بقيَ
عليها، ويمكن أن يكون التأويل ُ في ذلك أنه لا إجبارَ ولا حملَ ولا اضطهاد
في الدين، أي ليس يفعله فاعل إلا على سبيل الطوعِ والاختيار، وعلى وجهِ
يقتضي الثواب، ولا بد أن يكون من كُلِّفَه إما قادراَ عليه أو على تركه
والانصرافِ عنه والإيثارِ لضده عليه.
ويمكن أيضا أن يكون المعنى في ذلك أن ما وقعَ منهم من التصديق
على سبيل الإلجاء والجهلِ والفزعِ من السيفِ ومن ظاهر القول والإقرار.
فليس بدينِ يُعتَدُّ به و"شابُ صاحبُهُ وإنَّما الدين منه ما وقعَ طوعا مع قصدِ
دينه، ولذلك قال تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) .
أي: استسلمنا خنوعا ورهبةَ من السيف وما وقعَ كذلك
فليس بدينِ ولا إسلام.
ويمكن أيضا أن يكون أراد بقوله: (لا إكراه في الدين) أي: لا إكراه
يقعُ ويصح في نفسِ التصديقِ والإقرار الذي يكونُ بالقلب، لأن الإكراهَ على
تصديقِ القلب والمعرفة لا يصح، لأنه يقعَ مكتسبا مستدلا عليه بما يختارُ
عند إيقاعه، ولا يصح الإكراهُ عليه كما يتأتى ذلك في الأفعال الظاهرةِ
стр. 551
الواقعةِ بالجوارح، وقد قال خلق من الناسِ إن الإكراه على العلوم وأفعال
القلوبِ لا يصحّ، وإنما يتأتى ذلك في أفعال الجوارح، والدينُ من أفعال
القلوب، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ظنهم أن نفيَ الإكراه عن الدين ينصرفُ إلى نقضِ أمره بالقتال عليه والدخول فيه.
وأما قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) .
وقد نرى من يريدُها فلا يصلُ إليها ليسَ ينقضُ لأن مِنْ ها هنا ليست للعموم
والاستغراق، بل يرادُ بها تارةَ الكل وتارةَ البعضُ فكأنّه أرادَ أن من أرادَ ثواب الدنيا آتاه منها إذا كان في المعلوم أنه يؤتاه منها ولم يرد بذلك الكل، وقد أوضحنا ذلك في كتابي "أصول الفقه " وغيرهما أنّه لا صيغة للعموم بهذا
اللفظ ولا بغيره بما يغني الناظر فيه، فبطلَ تعلُّقُهم به، ويحتملُ أن يكون
أراد بقوله نؤته منها إما قليلا أو كثيرا، أو لم يُرد أننا نأتيه الكثير وكلما
يريده، وليس أحد أرادَ ثوابَها إلا وقد أُتي منها إما قليل أو كثير فبطل ما
ظنوه.
فأمَّا قولُه في قصةِ إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، فليس بنقض لقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ، وقوله: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) .
فيحتملُ أن يكونَ أرادَ بقوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) بإجابتك لي
إلى ما سالتُه وإلى مشاهدة نمرودِ ومن أنكرَ نبوءتي إجابتكَ لي، ولم يُرد
ليطمئن قلبي بإزالةِ شكِ في كونك قادراَ على ذلك.
стр. 552
ويمكن أن يكون أراد بقوله ليطمئن قلبي مشاهدتي ميتا أحييتَه، لأنّني
وإن كنتُ عالماً معترفا بكونكَ قادراً على ذلك فإنّني غيرُ راء له ولم أره
قط، فقال أرني لأخبرَ به إذا أخبرتُ عن مشاهدة، فيطمئنّ قلبي إلى مشاهدة
ذلك لا إلى العلمِ بأنّه من مقدوراتك.
ويمكنُ أن يكونَ تأويل قوله: "ليطمئنّ قلبي " أي: ليطمئن قلوبُ هؤلاء
الشاكين في ذلك فذكرَ نفسَه وأرادَ غيره، ومثلُ هذا قد يقولُه ويستعمِلُه
المحتجُّ على غيره يقولُ القائلُ أنا أريدُ أن أفعل كذا ليراه ويطمئنَّ قلبي
برؤيتَك له، أي ليزولَ شكّك فيطمئنَ قلبي بسكونِ قلبِك وزوالِ شكّك، وإذا كان هذا هكذا بطلَ التناقضُ الذي توهّموه.
فأمّا قولُه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) ، فلا منافاةَ أيضًا بينَه وبينَ قوله: (يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) .
وقوله: (تَوَّابٌ حَكِيمٌ) ، وقوله: (فإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصّلَاةَ) .
ونحو ذلك، لأنّه يحتمل أن يكون أراد بقوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي: التوبةُ الأولةُ من الكفر الأوّل، أي لا تنفعهم توبتُهم من الكفرِ مع عودتهم إليه ومفارقتهم الإيمان، وذلك صحيح، لأن التوبةَ
الأولةَ غيرُ نافعة مع العود، فإمّا أن تكونَ غيرُ عاصمةٍ من العقاب على الكفر
الثاني، أو يكونَ العودُ إلى الكفر والذنب ناقصا للتوبة الأولة، حتى يرجعَ
عقابُ الأولِ والثاني على قولِ كثير مِن الناس، ولم يُرد بقوله لن تُقبلَ توبتهم
إن تابوا من ارتدادهم، ووافقَ الله بالتوبة والإقلاع عن الكفر، فبطلَ ما ظنوه.
стр. 553
ويمكنُ أيضاً أن يكونَ التأويلُ في ذلك أنه لن يقبلَ توبتَهم الظاهرة.
وإذا وقعت على وجهِ النفاق، فيحتملُ أن يكونوا قوماً آمنوا نفاقا ثم عادوا
إلى إظهار الكفر، فقال تعالى: إن تابوا منه نفاقاً مثل توبتهم الأولى فلن يُقبل
منهم هذا الجنسُ من الإقلاع، لأنه ليس بتوبة في الباطن، وإن كان توبةً في
الظاهر عند من لا يعرفُ المواطنَ والأسرار، فلم تكن هذه توبةُ ندمٍ على
الكفرِ وعدمِ مواقعة مثله، وهذا أيضاً يُبطل ما قدّروه من التناقض.
وقد قيل إنَّ الآية نزلت في المتربصين من أهل مكة حين تربصوا
بالنبي صلى الله عليه ريب المنون، وقالوا له: فإن ذهَبْتَ الحرف ذهبنا إليه
وتبنا فقبلَ توبتنا فقال اللهُ تعالى قل لهم لن تُقبل توبتهم هذه لأنّها على
الحقيقة ليست مخلصةً لله، وإنما هي للتربُّص والمدافعة.
فأما قوله تعالى: (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) ، (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) وقوله: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) .
فلا منافاةَ أيضاً بينَه وبينَ قوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
و (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) ، لأن قولَه: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أراد به بعض الأنفس دون بعض، وكذلك قوله: (إِلَّا مَا آتَاهَا) ، وقوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) .
خبر عن بعض المكلفين دون بعضٍ فزال ما توهموه.
ويُحتمل أن يكون أرادَ بالسمع وما آتاها أنه لا يكلفُ الإنفاقَ ولا الزكاة
مع عدم المال، وما كلّف ذلك تعالى، لأنّه مما لا يُستطاعُ فعله، ولا تركُه
وليس كذلك حالُ عدمِ الاستطاعة على الإيمان والقبول، لأنّه قد يُستطاعُ
تَركُه والدخولُ في ضده، فليس كتكليف الزكاةِ والنفقة مع عدم الطول
والمال.
стр. 554
ويحتمل أيضا أن يكون أراد بقوله: (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) ، أنهم
كانوا لا يستطيعون ذلك لتركه وإيثار ضده لا للعجز عنه، وأن يكون أراد
بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، أي ما لا تعجزُ عنه من تكليف
الطيران وتنقيط المصاحف مع العمى، والإخبار عن الغيوب، ونحوِ ذلك
وهذا ما لا تنافيَ فيه ولا تناقض، فبطل ما توهموه.
وقد قال كثير من الناس إن معنى قوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) ، أي أن
ذلك يثقلُ عليهم ويأبونه، ويكرهونَه كما يقولُ القائل: أنا أكلم زيداً وما
أستطيعُ كلامه والنظرَ إليه، أي: إن ذلك يثقل علي، لا يعني به نفيَ قُدرته
على خطابه، وكيفَ ينفيها وهو قد خاطبَه، ويحتمل أيضا أنهم كانوا يُمنعونَ
من سماع بعض ما يضرون به النبي ﷺ من أخباره وأحواله وعن أمته، ويُمنعون من ذلك ويُحال بينَهم وبينَه مع حرصهم عليه وطلَبهم له، وليس ذلك من باب تكاليفهم في شيء.
وأما قولهم: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) ، أي: لا يستطيعون معارضةَ القرآن والطعن عليه بوجه يوجبُ
فساده وتناقضَه، وكونه شعراً ومن أساطير الأولين، كما زعموا ذلك
وادعوه.
ويُحتملُ أن يكونَ أرادَ أنهم لا يستطيعون جعلكَ مجنونا كما ادعوا
ذلك عليك أو الكشف عن أنك ساحرٌ على ما ادعَوه وراقَبوه، وليس هذه
السبيل التي أمروا بها فيكون ذلك تناقضا على ما قدروه.
فأمَّا قوله تعالى: (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ) ، فلا تناقضَ بينَه
وبين قوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) .
لأنه عنى تعالى - وهو أعلمُ - لا خلةَ فيه تنفعُ وإن كانت هناك خُلةٌ لا تنفع،
стр. 555
فيمكن أن يكون أراد لا بيعُ فيه ولا خلة أي لا خلة مبتدأة، مستأنفة لما
الناسُ عليه من شغل العرضِ والحسابِ والجزاء والثواب والعقاب.
ويُحتملُ أن يكون أراد به لا خلةَ في الآخرة بين أهل النار، فكَأنه قال الأخلاءُ في الدنيا يومئذ أعداء لا تنفعُهم خُلَّتُهم التي كانوا في الدنيا عليها، ولم يُرد إثباتَ الخلة في الآخرة ِ من حيثُ نفاها فتعالى عن ذلك، فبطلَ ما قالوه.
وأما قولُه: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) .
وقولُه: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) .
فلا تناقضَ بينَه وبينَ قوله: (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، و (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
ونحوُه، لأنه عنى وهو أعلمُ إلا لتعلمَ أنتَ يا محمدُ ويعلمَ الذينَ معكَ فذكرَ
نفسَه وأرادَ غيرَه، وذلكَ شائع في اللغة، والقائلُ بقولٍ يُريدُ أن يفعلَ كذى
ليعَلَم ويحَتَج لكذى، ليعلمَ مَن المحق من المُبطِل، والقوي من الضعيف.
أي: ليعلمَ ذلك منَ شك فيه دون المحتج المتقدم العلمُ بصحةِ ما يُحتج له.
ويُحتمل أن يكونَ أرادَ بقولهِ إلا ليَعلمَ أتباعُ الرسولِ ممن يتبعهُ ممن هو
كائن موجود، فإنه قد عَلِمَه قبلَ كونه متيقنا معروُفا وهو يَعلمهُ إذا كان.
ووجد ثابتا موجوداً، وكذلكَ قولهُ: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ) ، أي حتى تعلمَ أنت وهُم أو حتى نعلمَ المجاهدينَ مجاهدين، ونعلمَ جهادَهم كائناً
موجوداً، لأنه يعلمُه قبلَ وجودهِ معدوُما ويعْلَمهُ إذا وجُد كائنا موجوداً.
والتغييرُ والوقتُ جاري على معلومهِ لا علي نفسِه تعالى وعلمِه، لأنه لم يزل
بصفاتِ ذاتِه غير متغيرِ ولا حائلٍ على صفته، والعلمُ من صفاتِ نفسِه.
وقيل إن اللهَ تعالى لما أمرهم باتباع الرسولِ ونهاهُم عن المفارقةِ
والانقلابِ علي الأعقاب، قال: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) ،
стр. 556
أي: فليتبعوا الرسولَ ولا ينقلبوا على أعقابِهم، فنعلَمُهم عندَ ذلك منقلبين.
ومثلهُ قولُ الشاعرِ:
لا أعرفنَّك بعدَ الموت تندبني ... وفي حياتي ما زَوّدتني زادي
أي لا تكن كذلك، ولا تفعل هذا فأعرِفُكَ به وفاعلاً له على مذهبِ
النهيِ والتحذير له من ذلك، ومن أن يُعرَف بهذِه الصفة، والنهيَ على
الحقيقة نهي عن المعروفِ الذي هو الفعلُ لا عن المعرفةِ التي هي فعلُ
المعلومِ أو صفته، وكذلك إذا قال القائل: لا أريَتك ها هنا ولا أسمعُ لك
كلمة، فإنّما هي نهي عن الكونِ المرئيِ والكلامِ المسموعِ المتعلقَين بقدرة
المكلَّفِ الموجود، وليسا بنهيٍ عن رؤيةِ الزاجرِ المتقوي وسمعِه، لأنّ ذلك
ليسَ من مقدورات المخاطبِ الموجود، فعلى هذه التأولِ يسوغُ حملُ الآيةِ
وفي إبطالِ ذلكَ إبطالُ ما قدّره.
فأمّا قوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، وقولُهم
يجب أن يكونَ كذِباً لأنّنا نرى السمواتِ والأرَضَ في غيرِ كرسيٍّ ولا شيءَ
يحيطُ بهما، فإنّه لا تعلقَ لهم فيه، وذلكَ أنه أراد بهذا وهو أعلم أنّ له
كرسيا قَدرُ عِظَمهِ وسَعَته، قَدْرُ عِظَمِ السمواتِ والأرضينَ وسَعَتِهمِا، ولم يَردْ
أنّهما في الكرسي، كما يقولُ القائلُ قد وسِع حلمُ زيدٍ الإغضاءَ عن كلِّ
أحَد وإن لم يُوجَد من كل أحدٍ مكروه عليه حلمٌ عنه.
وقد يُمكنُ أن يكونَ أرادَ بالكرسي القدرةَ والسلطان، والكرسُي عند
العربِ الأصل، فلمَّا كانت الأشياءُ كلُّها داخلةَ ثمَّ قُدرته تعالى وسلطانه،
стр. 557
صارَ سلطانُه أصلاً لكلِ قدرةٍ وسلطانٍ لأحد، ولكل مقدورٍ مخترع، فقالَ
لأجلِ ذلكَ وسِعَ كُرسيُّه السمواتِ والأرض.
وقد يمكنُ أن يكونَ أرادَ بقولهِ: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) عِلمُه
المحيطُ بجميعِ الأشياءِ وبجميعِ السمواتِ والأرضِ وما فيهما وبينهما.
والعربُ تُسمّي العلمَ كرسيًّا قال الشاعر:
مالي بعِلْمكَ كرسيٌّ أكاتمُهُ ... وهَل بكرسي علمِ الغيبِ مُخلوقُ
وقال آخرُ:
يحفُ بها بيضُ الوجوهِ وعصبه ... كراسيَّ وبالأحداث حينَ تنوبُ
يعني بكراسي: علماءَ بما كان وما يحدث وينوب من الخطوب.
فأمّا قولُه: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) .
وطعنكُمُ عليه بأنّه كذبٌ وأن أحداً من أولئكَ ومن غيرِهم لا يتمنّى الموتَ بل
يأباه ويكرهُه، فلا تعَلُّقَ لهمُ فيه من وجهين:
أحدُهما: أنّه لا يمتنعُ أن يكونَ فيهم من قد تَمنى الشهادةَ وأحبّ لقاءَ
اللهِ تعالى بما يعلمهُ ويرجوه من تحصيلِ ثوابه.
والوجهُ الآخر: أنّه أرادَ بذكرِ الموتِ أنّهم كانوا يتمنونَ اللقاءَ والحرب.
ثم قالَ: فقد رأيتموه أي فاصبروا على ما كنتم تمنّونه ولم يُردِ تمنّي مفارقةَ
الحياة، فبطلَ ما قالوه، وقد يُسمّى اللقاءُ والحربُ موت على معنى أنه من
أسبابِ الموت، وكذلك يقال لمن هو في الصف والشدة إنه في الموت.
أي: في الشدة.
стр. 558
قال الشاعر:
يا أيها الراكبُ المرُخي مطيتَهُ ... سائِل بني أسدٍ ما هذه الصوتُ
وقل لهم بادِروا بالعُذر والتَمِسوا ... قولاً يبرئكُم إني أنا الموتُ
ولم يَرِد أنه ضد الحياة، ولكنه عنى أنَّه يكون فيه ما هو من أسباب الموت
فبطل ما توهموه.
فأمَّا قولهُ تعالى: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) .
فإنه لا تنافي أيضا بينَه وبينَ قولهِ: (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، و (يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) ، و (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) ، وما جرى مجرى ذلك، لأن اللهَ تعالى لا يجوزُ أن يكْتمَ شيئا، لكونه عالما بالغيوب، وما أضمرتْهُ القلوب، وانطوَت
عليه النفوس، وإنما أرادَ تعالى لو تسوَّى بهم الأرض، أي: تمنوا أن تُسوَى
بهم الأرضُ وتمنوا أن لا يكتموا الله حَديثا، فحذفَ واوَ العطفِ اقتصاراً على
مفهومِ الخطاب، وأرادَ بقولهِ: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) ، أي: لا يتهيأُ لهم
كتمانُ شيءٍ من أعمالِهم واعتقاداتِهم وإخلاصِهم ونفاقِهم عنه.
ولا يستطيعون ذلك لكونه عالما بما ينطوي عليه، فكأنه قالَ لستُ ممن أكتمُ شيئا أو يُنكتمُ عنى شيء.
ويمكن أيضا أن يكون في جُهالِ الناس من ظنّ أنه إذا اسْتسر بشيءٍ في
نفسِه انكَتمَ يومَ القيامة عن ربه، وكانَ اعتقادهُ هذا كفر وضلال فإذا وردَ
أرضَ القيامةِ وحاسَبه على اعتقادِه وسرائرِه وذاته، لم يكن اعتقد في الدنيا
كتمانَ شيءٍ عنه تعالى لما انكشفَ وعلم ضَرورةً أنّ الأسرارَ غيرُ خافيةٍ ولا
منكتمةٍ عنه، فندمَ عند ذلكَ على جهلِه واعتقادِه فيه سبحانه ما يستحيلُ
ويمتنعُ في صفتِه، وإذا كان ذلكَ كذلكَ زالَ ما قدَّروه وبطلَ ما توهموه.
стр. 559
وأما تعلقهم بقولي: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، وقولُهم كيفَ يُخبرِ عنهم بذلكَ وهُم مشركون، فإنه لا تعلُّق لهم أيضاً فيه من وجوه:
أحدها: أن هذا القولَ حكاية عنهم وخيرٌ عن قولهِم ولم يقل الله إنه هُو
يقولُ يومَ القيامةِ إنهم غيرُ مشركينَ فيكونُ ذلك نقضاً لإخبارِه عنهم أنَّهم
مشركون وإذا كان ذلك كذلكَ بطلَ ما قدَّروه.
وقد يُحتمل أيضا أن يكونوا يُخبرونَ بذلكَ عند أنفسِهم عن ظنّهم
وتوهُمِهم أنهم كانوا غيرَ مشركينَ بالله، فيحلفونَ يومَ القيامة أنهم ما كانوا
عن أنفُسهم في الدنيا مشركينَ وإن تَبيَّن لهم يومَ القيامةِ أنهم كانوا مشركين.
ويُحتمل أيضا أن يكونوا يحلفون يومَ القيامة أنهم ما عَبدوا الأصنامَ في
الدنيا على وجهِ الإشراكِ باللهِ واعتقادِ استحقاقِها للعبادةِ على وجهِ ما يستحقُه الله، وإنما عَبدناها على وجه التقربِ إلى الله، وإن كان نفسُ عبادتِها على هذا الوجهِ شركٌ بالله.
ويمكنُ أيضا أن يكونوا إنّما يقولون هذا القولَ ويحلفونَ بهذه الأيمانِ
يومَ القيامةِ إذا استُديم العذابُ وزفَرتْ بهم جهنم، وأمَّلوا بهذا القولِ والحلفِ
والاستغاثةِ والضجيجِ أن يُخففَ عنهم من عذابهم، فيقولون عندَ تأميل ذلكَ
بالصياح: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) .
و (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) ، و (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) ، و (نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) ، ونحوَ هذا من القولِ
رجاءَ التخفيف، قال الله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) .
стр. 560
أي: كيفَ أخلفت آمالُهم وظنونُهم بهذا القول، وكيف يكذبونَ في قولهم:
(مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، رجاءَ التخفيف، وهو لا ينفَعُهم.
قال الشاعرُ:
كذبتم وبيتُ اللهِ لا تأخذونَها ... مراغمةً ما دامَ للسَّيفِ قائمُ
يعني كذبت آمالكُم، وأخلف ظنكُم وقد قيل: إنَّ معنى كَذبوا على
أنفسهم، أنّهم أوجبوا بقولهم هذا وبكفرِهم أيضاً في الدنيا على العذاب.
كما يقال كُتِبَ عليهم الحج أي: وجَب.
فأمّا قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) .
فإنّه لا اختلافَ ولا تناقُضَ فيه، لأنّه عنى سبحانَه وهو أعلَم ما يُومنُ
أكثرهم بلسانه إلا نفاقاً وهو مشرك بقلبِه، ولذلك قال: (قُل لَم تؤمِنُوا) ، ويمكنُ أن يكونَ أرادَ وما يُؤمنُ أكثرهُم بالله أي ما يصدّق
أكثرُهم باستحقاقِ اللهِ للعبادةِ إلا وهم مشركون مع ذلك، بتصديقِهم
لاستحقاقِ الأصنامِ والملائكة، وكلّما عبدوه العبادة، كما يستحقُها الباري
تعالى، وذلكَ شرك بالله، فلا تناقُضَ في هذا، ويُحتمل أيضا أن يكون أراد
بقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) .
بعد إيمانهم فيكونُ معنى مشركون إلاّ وهم يشركون في الثاني، ويكون الخبرُ خاصاً فيمن عُلم ارتدادهُ بعدَ إسلامه، وهذا أيضا ينفي التناقضَ الذي توهموه إبطالاً ظاهراً.
فأمّا قولُه تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) .
فإنه لا تناقضَ بينَه وبينَ إخبارِه بأنهم يكذّبونه، وقد كذَّبوُه في
كثيرٍ من المواضعِ كقولهم: (مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) ،
стр. 561
(إِفْكٌ افْتَرَاهُ) ، و: (إِفْكٌ قَدِيمٌ) ، و: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) ، و: (مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) .
(أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا) ، وأمثالُ ذلكَ مما يطولُ تتبعه.
لأنه تعالى إنما عنى بقوله: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) ، إنهم لا يستطيعون جَحد
حُجتك ومعارضَةِ آياتك، وإقامة برهانٍ على تكذيبك وكذبك، فلمَّا عَجزوا
عن ذلكَ قالَ فإنّهم لا يكذبونَك عندَ الناسِ بحجةٍ تكشف عن تكذبك، ولا
يكذبونَك أيضاً بمعناه، ولم يرد بذلكَ أنهم لا يكذبونه في شيءٍ يخبرهُم بِه.
ولا أنهم لا يقولونَ إنه كاذبٌ ولكنه ﵇ لا يصيرُ بذلك كاذباً، وإنما
يكونُ مكذبا، ومكذبا إذا أقاموا على كذبِه حجة وبرهانا.
فأمَّا قولُه تعالى في قصةِ الملائكةِ والرسل: (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) ، فإنه لا تناقض بينه وبين إخباره عن كونهم كراما كاتبين وعن قوله:
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) ، وكيف يجيء بأنبياءَ
وملائكة للشهادةِ على الأمم، وهُم يقولونَ إنّنا لا علمَ لنا بما هُم عليه، أو
بما كانو عليه، وذلكَ أنه إنما يقول الملائكةُ والرسلُ: إنه لا عِلمَ لنا
بسرائِرهم وما في ضمائرِهم من إخلاص لك ونفاق، أو لا عِلمَ لنا بما
استسروا به من الأعمالِ دونَ أنبيائِهم، ولا علمَ لنا بما حدثَ منهم بعدنا
وبعد مفارقتنا لهم، فأمَّا أن يقولوا لا عِلمَ لنا فيما قد عَلموه ورأوه وشاهَدوه
من أفعالِ الأممِ الظاهرة، فذلكَ محالٌ في صِفتهم فبطلَ بهذا ما قالوه.
وأمَّا قولُه: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، فإنه ليس بمخبر عن إثباتِ قولهم لذلكَ حتى يكونَ نقيضا لإخباره عنهما بأنهما مؤمنان، وإنما هو قولٌ صورتهُ الاستفهام، وإنما يقال لهما ذلك في القيامه على مذهب التقرير لهما، ليسمعَ مدَّعي ذلك عليهما وأنهما
стр. 562
قالاه إنكاراَ لقولهِ وتكذيبِهما له، وليس ذلك على وجهِ الاستفهام لهما ولا
على تحقيقِ الإخبارِ عنهما بقول ذلك ولا على التقريع لهما به، وإنّما هو
على وجهِ ما قُلناه.
وأما قولُه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) ، فإنه لا تناقضَ بينهُ وبينَ إخبارهِ بأنه خَلقَ آدمَ وأسجدَ له
ملائكتهُ قبلَ خلقِ ولدهِ وتصويرِهم، لأنّه تعالى لم يُرد بقولهِ ثم صورناكم ثم
قلنا للملائكة قبل خلقِ ولدهِ وتصويرِهم، لأنّه تعالى لم يرُد به الترتيبَ
والتراخي، وإنما جعلَ ثم ها هُنا بمعنا واوَ الجمع، فكأنه قال: خلقناكم
وصوّرناكم وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وواوُ الجمعِ لا توجبُ الترتيبَ ولا تراخيَ ولا تعقيب، ومثلُ هذا شائع في اللغة، قال الشاعر:
سألتُ ربيعةَ من خيرها ... أبا ثم أمًّا فقالت يزيداَ
يريد أن يزيدَ خيرُهم أبا وأما ولم يرد بثُم ها هنا التراخيَ والترتيب.
وإنما أرادَ سألتُ ربيعةَ مَن خيرها أبا وأمَّا، وهذا يبطل ما قدروه.
ويمكن أيضا أن تكون ثمَّ إنما جاءت لنَسَقِ خبرِ على خبرِ كأنّه هو الذي
أخبرك أنه خلقكم وأخبَركم أنه صوركم، وأخبرَكم أنه أسجدَ الملائكةَ لآدمَ
وأمرها بذلك، وهذا الأمر بالإسجاد هو المتقدم، وقد وقعَ في الخبر
متأخرا، وذلك شائع في اللغةِ والعربُ تقول: فلان جواد كريم طريف ثم
شريفُ الوالدين، ولا يعني بذلك أن شرفَ والدَيه يكون بعدَ هذه الصفات.
بل هو متقدم، وإن تأخَّرَ في الذكرِ والخبر.
وكذلكَ الجوابُ عن قولهِ تعالى: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) .
وهو شهيد على ما يفعلون
стр. 563
قبلَ أن يرجعوا إليه، وإن تأخر في الذكر، وثم ها هنا بمعنى الواوِ على ما
ذكرناه أو بمعنى مع، كاته قال وهو مع ذلك شهيا على ما يفعلون ثم
صورناكم، وقلنا مع ذلك للملائكة اسجدُوا لآدم، وإذا جُعلتْ ثمَّ بمعنى مع
أو بمعنى الواو بطل تَوهُمُهُم وما حاوَلوا به الطعنَ في القرآن.
فأما قولهُ في إخباره عن صالح: (فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) .
وليس يُنقَضُ لإخباره عن ثوابِ الرسلِ ورفعِ درجتِهم ومنازلِهم بغيرِهم على
ردائتِهم وتكذيبِهم، لأنه لم يُرِد بقولهِ: فما تزيدونني غير تخسيرٍ لكم.
وضلالٍ وشر لاحق بكم دوني، وكذلك قولُه: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) .
ليس بتحسرٍ من الله، لأن التحسيرَ لا يجوزُ عليه، ولكن يا حسرةً لهم في تخلفهم عن إجابة الرسل، وكذلك يقول القائل منَّا لمن يَعِظُهُ ويرشدُه إذا طغى ولم يقْبل: ما تريدُ بي إلا شرّاً ووبالا، يعني بذلك شراً ووبالاَ عليكَ دوني فكذلكَ تأويلُ الآية وهذا يُبطل كيدَهم وإلباسَهم إبطالاً ظاهراً بيِّنا.
ْوأما قولُه تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) ، فإنه لا منافاةَ أيضا بينَه وبينَ قوله: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) .
لأنه تعالى لم يرد بالآية الثانية نفيَ الموازنَةِ ونفيَ الموازين، وإنما
أرادَ أحدَ أمرين:
إما أن يكونَ أراد أننا لا نقيمُ لهم مع أمرهم قدراً ولا جاها ولا نخلِطُهم
بأهلِ الجاهِ والأقدارِ عندنا كما يقال: فلان لا وزنَ له عندَ فلانٍ يعني بذلك
أنه لا قَدْرَ له، وليس يعني أنه لا يزن شيئا وأنه لا ثِقل له، ولا يمكنُ وزنُه.
أو أن يكونَ أراد أننا لا نقيمُ لهم يوم القيامةِ وزنا مستقيما ينفعهم، إذا كانت
стр. 564
أعمالهم باطلة وطاعاتُهم معدومة، مُحْبَطَةً فموازينُهم يومئذٍ خفيفةٌ شائلةٌ لا
حسنة ولا طاعةَ تردها وتقوّمها، فلا نقيم وزنا إلا ناقصا متفاوتاً.
فأما تعلُّقُهم بقولي تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) .
وقولهم مَثَّلَ الخلقَ بالحَرَمِ والثبتَ من الأماثلِ والأفاضلِ كعبد اللهِ بن الزبير.
ومن جرى مجراه، وهذا تكذيبٌ للخَبَر، فإنه لا تعلُقَ لهم فيه، لأنّ هذا
القولَ خرجَ مخرجَ الخبرِ والمرادُ بهِ الأمرُ بأمانِ منْ دخلَ البيت، وأنْ لا يُقْتَلْ
ولم يُرِدْ الإخبارَ عن أن كل داخلٍ إليه آمن، وعلى مثلِ هذا خرجَ قولُ
الرسول: "من ألقى سلاحه فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمن.
ومن دخلَ الكعبةَ فهو آمن "، إنَّما قصدَ بِه الأمرَ بأمانِ من ألقى سلاحه.
ودخلَ هذه المواضع، ولم يُرد بذلكَ الخبر، ومثلُ هذا قوله تعالى:
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، وهو يعني بذلك
الأمرَ لهم بالتربُّصِ دونَ الخبرِ عن تربصِ كل مطلقةٍ لأنها قد تعصي اللهَ ولا
تتربص، وكذلك قال: (ومن دخله كان آمنا) أي: أمِّنوا من دخله وهو على صفةِ من يحبُّ أن يؤمَّن، فمن لم يفعلْ ذلكَ عصى وخالف، ومتى جُعل هذا القولُ أمراً بطلَ تمويههم.
وقد يمكنُ أيضاً أن يكون أرادَ بقوله: ومن دخله كان آمناً عام الفتح.
وقد قال الرسول صلّى اللهُ عليه: "من ألقى سلاحَه كان آمناً ومن دخلَ دارَ
أبي سفيانَ كان آمناً ومن اعتصمَ بالكعبةِ كان آمناً ومن أغلقَ بابَه كان آمنا".
فلا يُناقضُ عدمُ الأمنِ في غيرِ ذلكَ الوقت وجودَه فيه.
ويُحتملُ أن يكونَ أرادَ أنّ كل من دخلَ البلدَ الحرامَ الذي هو مكةُ كلُّها
كان آمنا في بعضِ الأوقاتِ دونَ بعض جميعها، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما
توهموا به.
стр. 565
فأمَّا قولُه: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) ، إنه لا تناقضَ بينَه وبينَ إخبارهِ عنهم بالضجيج، والاستغاثةِ وعضِ الأناملِ والتأسف، والحسرةِ وشكوى العذابِ والآلام، لأنّه لم يُقل إنهم يصبرونَ على نارِ جهنَّم، فيكونُ ذلكَ نقيضاً لإخبارِه عنهم بالضجيجِ والاستغاثة، وإنما قال: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) ، يقولُ: فإن يصبروا أو يجزَعوا لا ينفعهم ذلك فإن
النارَ مثوىً لهم.
ويمكن أن يكون إنما أرادَ بقوله: فإن يصبروا على آلهتهم والعبادةِ لها
ومداومةِ تعظيمها، فالنارُ مثوىً لهم، وإن ينتقلوا عن ذلك ويرجِعوا عنها
يَسْلموا، لأنّ اللهَ سبحانه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا) ، فقال في جوابِ ذلك: فإن
يصبروا فالنار مثوىً بهم يعني ما قالوا إنهم صَبروا عليه.
فأمّا قولُه تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) .
فإنه أيضاً غيرُ منافٍ لإخبارِه عن إرسالهِ بالآيات.
وقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) ، وإخبارِه عن انفراقِ
البحرِ وقلبِ العصا حية، وإبراءِ الأكمهِ والأبرص، وإحياءِ الموتى، وغيرِ
ذلك، من ناقةِ صالحٍ وطوفانِ نوح، لأنّه يُحتملُ أن يكون عنى تعالى وما
منعنا أن نرسلَ بالآياتِ المهلكةِ المُصطَلمةِ إلا أن كذبَ بها الأولون، فكأنه
قالَ حُكمُنا بإرسالها على من كذَّب بها من الأولين، وليس من حُكمِنا أن
نرسلَ بها على من كذّبَ بها من أمةِ محمدٍ صلى اللهُ عليه.
ويمكن أن يكونَ إنما أرادَ وما منعنا أن نرسلَ بالآيات التي طلبَهَا اليهودُ
وقومُ محمدِ ﵇ إلا أننا قد حكمنا أنّنا إذا أرسلنا بها وكُذبت عجلنا
следующие страницы →