← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(إِفْكٌ افْتَرَاهُ) ، و: (إِفْكٌ قَدِيمٌ) ، و: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) ، و: (مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) . (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا) ، وأمثالُ ذلكَ مما يطولُ تتبعه. لأنه تعالى إنما عنى بقوله: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) ، إنهم لا يستطيعون جَحد حُجتك ومعارضَةِ آياتك، وإقامة برهانٍ على تكذيبك وكذبك، فلمَّا عَجزوا عن ذلكَ قالَ فإنّهم لا يكذبونَك عندَ الناسِ بحجةٍ تكشف عن تكذبك، ولا يكذبونَك أيضاً بمعناه، ولم يرد بذلكَ أنهم لا يكذبونه في شيءٍ يخبرهُم بِه. ولا أنهم لا يقولونَ إنه كاذبٌ ولكنه ﵇ لا يصيرُ بذلك كاذباً، وإنما يكونُ مكذبا، ومكذبا إذا أقاموا على كذبِه حجة وبرهانا. فأمَّا قولُه تعالى في قصةِ الملائكةِ والرسل: (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) ، فإنه لا تناقض بينه وبين إخباره عن كونهم كراما كاتبين وعن قوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) ، وكيف يجيء بأنبياءَ وملائكة للشهادةِ على الأمم، وهُم يقولونَ إنّنا لا علمَ لنا بما هُم عليه، أو بما كانو عليه، وذلكَ أنه إنما يقول الملائكةُ والرسلُ: إنه لا عِلمَ لنا بسرائِرهم وما في ضمائرِهم من إخلاص لك ونفاق، أو لا عِلمَ لنا بما استسروا به من الأعمالِ دونَ أنبيائِهم، ولا علمَ لنا بما حدثَ منهم بعدنا وبعد مفارقتنا لهم، فأمَّا أن يقولوا لا عِلمَ لنا فيما قد عَلموه ورأوه وشاهَدوه من أفعالِ الأممِ الظاهرة، فذلكَ محالٌ في صِفتهم فبطلَ بهذا ما قالوه. وأمَّا قولُه: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، فإنه ليس بمخبر عن إثباتِ قولهم لذلكَ حتى يكونَ نقيضا لإخباره عنهما بأنهما مؤمنان، وإنما هو قولٌ صورتهُ الاستفهام، وإنما يقال لهما ذلك في القيامه على مذهب التقرير لهما، ليسمعَ مدَّعي ذلك عليهما وأنهما

стр. 562

قالاه إنكاراَ لقولهِ وتكذيبِهما له، وليس ذلك على وجهِ الاستفهام لهما ولا على تحقيقِ الإخبارِ عنهما بقول ذلك ولا على التقريع لهما به، وإنّما هو على وجهِ ما قُلناه. وأما قولُه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) ، فإنه لا تناقضَ بينهُ وبينَ إخبارهِ بأنه خَلقَ آدمَ وأسجدَ له ملائكتهُ قبلَ خلقِ ولدهِ وتصويرِهم، لأنّه تعالى لم يُرد بقولهِ ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة قبل خلقِ ولدهِ وتصويرِهم، لأنّه تعالى لم يرُد به الترتيبَ والتراخي، وإنما جعلَ ثم ها هُنا بمعنا واوَ الجمع، فكأنه قال: خلقناكم وصوّرناكم وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وواوُ الجمعِ لا توجبُ الترتيبَ ولا تراخيَ ولا تعقيب، ومثلُ هذا شائع في اللغة، قال الشاعر: سألتُ ربيعةَ من خيرها ... أبا ثم أمًّا فقالت يزيداَ يريد أن يزيدَ خيرُهم أبا وأما ولم يرد بثُم ها هنا التراخيَ والترتيب. وإنما أرادَ سألتُ ربيعةَ مَن خيرها أبا وأمَّا، وهذا يبطل ما قدروه. ويمكن أيضا أن تكون ثمَّ إنما جاءت لنَسَقِ خبرِ على خبرِ كأنّه هو الذي أخبرك أنه خلقكم وأخبَركم أنه صوركم، وأخبرَكم أنه أسجدَ الملائكةَ لآدمَ وأمرها بذلك، وهذا الأمر بالإسجاد هو المتقدم، وقد وقعَ في الخبر متأخرا، وذلك شائع في اللغةِ والعربُ تقول: فلان جواد كريم طريف ثم شريفُ الوالدين، ولا يعني بذلك أن شرفَ والدَيه يكون بعدَ هذه الصفات. بل هو متقدم، وإن تأخَّرَ في الذكرِ والخبر. وكذلكَ الجوابُ عن قولهِ تعالى: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) . وهو شهيد على ما يفعلون

стр. 563

قبلَ أن يرجعوا إليه، وإن تأخر في الذكر، وثم ها هنا بمعنى الواوِ على ما ذكرناه أو بمعنى مع، كاته قال وهو مع ذلك شهيا على ما يفعلون ثم صورناكم، وقلنا مع ذلك للملائكة اسجدُوا لآدم، وإذا جُعلتْ ثمَّ بمعنى مع أو بمعنى الواو بطل تَوهُمُهُم وما حاوَلوا به الطعنَ في القرآن. فأما قولهُ في إخباره عن صالح: (فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) . وليس يُنقَضُ لإخباره عن ثوابِ الرسلِ ورفعِ درجتِهم ومنازلِهم بغيرِهم على ردائتِهم وتكذيبِهم، لأنه لم يُرِد بقولهِ: فما تزيدونني غير تخسيرٍ لكم. وضلالٍ وشر لاحق بكم دوني، وكذلك قولُه: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) . ليس بتحسرٍ من الله، لأن التحسيرَ لا يجوزُ عليه، ولكن يا حسرةً لهم في تخلفهم عن إجابة الرسل، وكذلك يقول القائل منَّا لمن يَعِظُهُ ويرشدُه إذا طغى ولم يقْبل: ما تريدُ بي إلا شرّاً ووبالا، يعني بذلك شراً ووبالاَ عليكَ دوني فكذلكَ تأويلُ الآية وهذا يُبطل كيدَهم وإلباسَهم إبطالاً ظاهراً بيِّنا. ْوأما قولُه تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) ، فإنه لا منافاةَ أيضا بينَه وبينَ قوله: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) . لأنه تعالى لم يرد بالآية الثانية نفيَ الموازنَةِ ونفيَ الموازين، وإنما أرادَ أحدَ أمرين: إما أن يكونَ أراد أننا لا نقيمُ لهم مع أمرهم قدراً ولا جاها ولا نخلِطُهم بأهلِ الجاهِ والأقدارِ عندنا كما يقال: فلان لا وزنَ له عندَ فلانٍ يعني بذلك أنه لا قَدْرَ له، وليس يعني أنه لا يزن شيئا وأنه لا ثِقل له، ولا يمكنُ وزنُه. أو أن يكونَ أراد أننا لا نقيمُ لهم يوم القيامةِ وزنا مستقيما ينفعهم، إذا كانت

стр. 564

أعمالهم باطلة وطاعاتُهم معدومة، مُحْبَطَةً فموازينُهم يومئذٍ خفيفةٌ شائلةٌ لا حسنة ولا طاعةَ تردها وتقوّمها، فلا نقيم وزنا إلا ناقصا متفاوتاً. فأما تعلُّقُهم بقولي تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) . وقولهم مَثَّلَ الخلقَ بالحَرَمِ والثبتَ من الأماثلِ والأفاضلِ كعبد اللهِ بن الزبير. ومن جرى مجراه، وهذا تكذيبٌ للخَبَر، فإنه لا تعلُقَ لهم فيه، لأنّ هذا القولَ خرجَ مخرجَ الخبرِ والمرادُ بهِ الأمرُ بأمانِ منْ دخلَ البيت، وأنْ لا يُقْتَلْ ولم يُرِدْ الإخبارَ عن أن كل داخلٍ إليه آمن، وعلى مثلِ هذا خرجَ قولُ الرسول: "من ألقى سلاحه فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمن. ومن دخلَ الكعبةَ فهو آمن "، إنَّما قصدَ بِه الأمرَ بأمانِ من ألقى سلاحه. ودخلَ هذه المواضع، ولم يُرد بذلكَ الخبر، ومثلُ هذا قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، وهو يعني بذلك الأمرَ لهم بالتربُّصِ دونَ الخبرِ عن تربصِ كل مطلقةٍ لأنها قد تعصي اللهَ ولا تتربص، وكذلك قال: (ومن دخله كان آمنا) أي: أمِّنوا من دخله وهو على صفةِ من يحبُّ أن يؤمَّن، فمن لم يفعلْ ذلكَ عصى وخالف، ومتى جُعل هذا القولُ أمراً بطلَ تمويههم. وقد يمكنُ أيضاً أن يكون أرادَ بقوله: ومن دخله كان آمناً عام الفتح. وقد قال الرسول صلّى اللهُ عليه: "من ألقى سلاحَه كان آمناً ومن دخلَ دارَ أبي سفيانَ كان آمناً ومن اعتصمَ بالكعبةِ كان آمناً ومن أغلقَ بابَه كان آمنا". فلا يُناقضُ عدمُ الأمنِ في غيرِ ذلكَ الوقت وجودَه فيه. ويُحتملُ أن يكونَ أرادَ أنّ كل من دخلَ البلدَ الحرامَ الذي هو مكةُ كلُّها كان آمنا في بعضِ الأوقاتِ دونَ بعض جميعها، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما توهموا به.

стр. 565

فأمَّا قولُه: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) ، إنه لا تناقضَ بينَه وبينَ إخبارهِ عنهم بالضجيج، والاستغاثةِ وعضِ الأناملِ والتأسف، والحسرةِ وشكوى العذابِ والآلام، لأنّه لم يُقل إنهم يصبرونَ على نارِ جهنَّم، فيكونُ ذلكَ نقيضاً لإخبارِه عنهم بالضجيجِ والاستغاثة، وإنما قال: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) ، يقولُ: فإن يصبروا أو يجزَعوا لا ينفعهم ذلك فإن النارَ مثوىً لهم. ويمكن أن يكون إنما أرادَ بقوله: فإن يصبروا على آلهتهم والعبادةِ لها ومداومةِ تعظيمها، فالنارُ مثوىً لهم، وإن ينتقلوا عن ذلك ويرجِعوا عنها يَسْلموا، لأنّ اللهَ سبحانه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا) ، فقال في جوابِ ذلك: فإن يصبروا فالنار مثوىً بهم يعني ما قالوا إنهم صَبروا عليه. فأمّا قولُه تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) . فإنه أيضاً غيرُ منافٍ لإخبارِه عن إرسالهِ بالآيات. وقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) ، وإخبارِه عن انفراقِ البحرِ وقلبِ العصا حية، وإبراءِ الأكمهِ والأبرص، وإحياءِ الموتى، وغيرِ ذلك، من ناقةِ صالحٍ وطوفانِ نوح، لأنّه يُحتملُ أن يكون عنى تعالى وما منعنا أن نرسلَ بالآياتِ المهلكةِ المُصطَلمةِ إلا أن كذبَ بها الأولون، فكأنه قالَ حُكمُنا بإرسالها على من كذَّب بها من الأولين، وليس من حُكمِنا أن نرسلَ بها على من كذّبَ بها من أمةِ محمدٍ صلى اللهُ عليه. ويمكن أن يكونَ إنما أرادَ وما منعنا أن نرسلَ بالآيات التي طلبَهَا اليهودُ وقومُ محمدِ ﵇ إلا أننا قد حكمنا أنّنا إذا أرسلنا بها وكُذبت عجلنا

стр. 566

العقابَ واصطلمنا، فقال حُكْمنَا بذلك منعُنا من أن نرسلَ بها في هذه الأمَّةِ وهذه الآيات ِ نحوَ قوله: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ) ، وقوله: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) . ونحو ذلك. ويمكنُ أيضا أن يكون تأويل قولهِ وما منعنا أن نرسلَ بالآيات إلا أن كذبَ بها الأولونَ، وتكون إلا ساقطةَ وعلى وجهِ الزيادةِ في الكلام، فكأنّه قال: ما منعنا أن نُرسلَ بالآيات تكذيبُ من كذبَ بها من الأولين، بل نُرسل بها وإن كُذبتَ فيما سلف، ومثلُه قول الشاعر: وكل أخِ مفارِقُه أخوهُ ... لَعَمروُ أبيكَ إلا الفَرقدانِ أي: والفَرقَدان، فدخل إلا زيادةَ في الكلام، وهذا يبطلُ أيضا ما ظنوا الانتفاعَ به. وأمَّا قولُه تعالى: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) ، فإنّه لا منافاةَ بينَه وبينَ إخبارِه بأنه آتى محمدا ﷺ الفرقانَ وأنزلَه عليه، ليكونَ للعالمين نذيرا، لأنّ أكثرَ ما فيه أن يكونَ آتاهُهما جَميعا الفرقان، وأنزل عليهما، وهذا غيرُ متناقضِ ولا متضادِ لو كان المرادُ بالفرقانِ كتابَ محمدِ صلى اللهُ عليه، وكيفَ وليسَ ذلكَ هو المراد، فيحتمل أن يكونَ أراد بفرقانِ موسى آياتِه التي فرقَ بها البحرَ وفرقَ بها بينَه وبينَ فرعونَ والسحرة، فتكونُ تلك الآيات فرقانا بين الحقِ والباطل، والنبي والمتنبي. ويُحتمل أيضًا أن

стр. 567

يكونَ أرادَ بذكرِ الفرقانِ انفراقَ البحرِ دونَ كتابٍ أنزله سماهُ فرقانا، لأنه قال: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) . ويُحتملُ أيضا أن يكونَ آتى موسى كتابَه وكتابا كان قَبلَه اسمُه فرقانٌ كاسم كتابنا، ويُحتملُ أيضا أن يكونَ أرادَ بالآيةِ أننا آتينا موسى ذكرَ القرآنِ الذي أنزلناهُ عليكَ وأوحينَا بذكرِه إليه ليُصدقَ ويوصي بتصديقِ من يُنزَل عليه ويثبتونَه، ليكون ذلك حجةً على قومه، وعلى وجهِ الحجةِ للنبي صلى اللهُ عليه في دفعِ ذلكَ عن موسى. ويمكنُ أيضا أن يكونَ عنى بالآيةِ وإذ آتينا موسى الكتاب وآتيناكم الفرقان فحذف وآتيناكم على مذهبِ الاختصارِ والاكتفاءِ بشاهدِ الكلام. وإخراجِ القول على المعنى، كما قال الشاعر: تراهُ كان اللهَ يجَدعُ أنفَه ... وعينيه إنَ مولاهُ بانَ له وفرُ أي ويُعميَ عينيه، فَحَذَفَ واختصَر، وإذا كان ذلك كذلكَ سقطَ ما تعلقوا به من التأويل. فأمَّا قولُه: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) ، فإنه لا منافاةَ بينَه وبينَ إخبارِه عن قولهم في الدنيا، لأنه يمكنُ أن يكونوا يحَيون في قبورِهم ويُعذبون بعذابٍ دونَ عذابِ الآخرة، ثم يقالُ لهم في الآخرةِ أدخلوا أشد العذاب، ووقتُ عذابِهم في القبرِ غير وقتِ موتهم في الدنيا. ويمكنُ أن يكونَ أرادَ نقلَهم في جهنمَ من طبقةٍ إلى طبقةٍ أسفلَ منها إلى ما هو أشد منه، فقال لهم: أدخلوا آلَ فرعونَ عذابا أشد مما كنتُم فيه. ويجوزُ أن يكونَ أشد العذابِ هو نفسُ العذابِ بجهنمَ الذي وُعدوا به، فقيل لهم أدخلوا أشد العذاب، وهو الذي كنتم توعدونَ به، كما يقال القائل:

стр. 568

أدخلوا فلاناً المسجى والمُطْبقَ ثم يقال أدخلوه إلى أضيقِ محبس، ويكون الأضيقُ هو السجن، والمُطْبقُ الذي ذكرَه من قبلُ فلا تنافي بينَ هذا الكلامِ وبين شيءٍ من كلامِ اللهِ سبحانَه، وقيل معناهُ أنهم بعُرضِها أي: قاربَوا دخولَها كما يقال فلان بعُرضِ هُلكَةٍ أي: قد قارَبها وقيلَ أعمالُهم أعمالُ من يستحقُ أبداً المقامَ على الذُلِ ونحوُ ذلك، فكأنهم يغدونَ ويرجعونَ إليها بأعمالِهم كما يقولُ القائل: غُدو فلانٌ يغدوا ويروحُ إلى النارِ أي من غدوٍ ورواحٍ على أعمالِ أهلِ النار. فأمَّا قولُه تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) . فإنه لا مناةَ بينَه وبينَ قولهِ: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) . وقوله في المرسَلين: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) . ونحوه من إعذار الرسل، لأنه أراد بقوله: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) ، سؤالَ استخبارٍ واستفهامٍ لإحصائِها وتقدمِ العلمِ بها والكتابةِ لها، وأرادَ بقوله: (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) ، مسألةَ تقريرٍ للحجةِ على الكافرِ ليستَمعوا قولَ الرسلِ وشهادتَهم عليهم بالأداءِ إليهم. ويمكنُ أن يكونَ سؤالُ الرسلِ سؤالَ تخصيصٍ لهم وأمرٍ بإقامةِ الشهادةِ على الأمم، كقولِ القائل: هذا يقوم، وهذا يضربُ زيداً أي افْعل ذلكَ كما أمرت، وقد يكونُ السؤالُ سؤالَ تقريعٍ بالعجزِ كقولك: هل تعلمُ من الغيبِ شَيئا، وهل تستطيعُ أن تتكلَّم، وقد يكونُ السؤالُ سؤالَ توبيخٍ وتفنيدٍ مواقفةٍ على تركِ الواجب، كقولِ الشاعر: ألم أكُ جاركم فتَركتمُوني ... لِكَلبي في دياركُم عَواء يريدُ التوبيخَ لهم بتضييعِ جارِهم وقلةِ حفاظِهم.

стр. 569

فأمّا قولُه تعالى في قصةِ النتي صلّى اللهُ عليه وأمرِه له بأن يقول: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ، فإنّه غيرُ مناقضِ لإخبارِه عنه بأنّه يتلقى وخُبِّرِ عما كان ويكونُ وعن أمورِ السموات، لأن ذلك إنّما يعلمُه ويدركهُ بتوقيفِ جبريلَ له، وليسَ ذلكَ من الغيبِ في شيء، وإنما - العالمُ بالغيب من عَلمَه بغيرِ خبرٍ وتوقيف، وحجةِ ودليلِ وضرورةِ وطباع، وهو اللهُ تعالى. ويُحتمل أيضًا أن يكون تأويلُ ذلك أنّني لا أعلمُ وقتَ مولي فأسكثرُ من فعلِ الطاعاتِ والبِر، وهو وإن عَلم بعضَ الغيوبِ بالوحي إليه فغيرُ عالمٍ بجميعها، ويجوزُ أيضًا أن يكونَ معنى الآية ِ إن أهلَ مكةَ لما قالوا للرسولِ ألاَ يُخبرُكَ ربك بالبيعِ الرخيص فتشتريه فتربحَ فيه، ويُخبركَ بالأرضِ التي تُريدُ "أنْ تجدبَ فترحلَ عنها إلى الخَصبة، فأنزل اللهُ قُل: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ، أي: لا أعلمُ هَذا ولا يجبُ أن أعلَمَه، ولا يجبُ على اللهِ إعلامي إياه، لأن لهُ امتحانَ قلبي ونفسي بما شاء. فأما قولهُ في قصةِ إبراهيم: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) ، فإنّه ليسَ بنقيضِ، لإخبارِه بأنه (لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ، مُنقاد، لأنّه أرادَ وهو أعلمُ بقولهِ أي تكلمنا وتسألُنا في قومِ لوط، ولم يُرد أنَّه يناظِرُنا ويخاصِمُنا، ويرومُ إبطالَ قولنا وإخبارنا وأمرنا وهذا كما يقولُه السيدُ منا لعبدِه، ومن يجبُ عليه - طاعتهُ إذا سأله في الأمرِ: أنتَ تجادلني في هذا وتحاجني، أي: تلحُّ

стр. 570

في المسألةِ والطلب، ويُحتمل أن يكونَ أرادَ بقوله يجادِلُنا في قومِ لوط، أي: يجادلُ رسُلَنا من الملائكةِ الذينَ أخبروه بأنهم جاؤوا بعذابِهم واصطلامِهم. ويُحتمل أن يكونَ ذلكَ الجدالُ ليسَ بمنازعةٍ ومناظرةٍ إنّما هو سؤال لهم وبحثٌ عن قصتِهم كقولهِ: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) . ونحوَ ذلك مما باحَثَهم عنه وفيه. فأمَّا قولُه تعالى: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) ، فإنّه ليس بنقضٍ لقولهِ: (فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ) ، و: (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) ، لأنه لم يُرد بالخبوِ السكونَ والهدوء، وإنما أرادَ كُلما أرادتْ وقاربتْ أن تخبوا زدناها سعيراً، ويَحتمل أن يكونَ أرادَ كلما قدروا أنها تَخبوا وتَهدأ زدناهُم سعيراً، بخلافِ ظنهم. ويمكنُ أن يكونَ أرادَ أن الخبوَ هو نفسُ الزيادةِ في السعير، فكأنه قالَ خبتْ ازدادَ حرُّها وتضرُّمُها وتلَظِّيها، وازدادَ كذلكَ عذابُهم وألمهُم، فيكونُ ذلكَ خبراً عن نفسِ خُبُّوهَا هو نفسُ الزيادةِ في سعيرها الذي به يزيد ألَمهمَ ونحو هذا قولُ الشاعر: فقلتُ أطعِمني عُميرُ تمراً ... وكان تمراً كُمَّثرةً وزنداً فجعل نفسَ الكُمثرةَ والزندَ تمراً. فأمَّا قولُه تعالى: (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) ، وهو أكبرُ الحيات. فلا منافاة بينَه وبينَ قوله: (تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) ، لأن الجان هو الصغير من الحيّات، - زعموا - لأن التأويل أنه رآها في خفة حركَتها وسرعَتها وتلوِّيها، وتلفُفها كأنها الجانُ الصغيرُ في خِفته وسرعَته، وهذا من

стр. 571

أحسنِ التشبيه، ويمكنُ أن يكون أراد بقوله كأنها جان، كانها من الجن في هول منظرِها، وقبحِهَا وبشاعَتِها والهَلعَ والترويعِ برؤيتها. فأمَّا قولُه: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) ، فإنه أيضا غيرُ منافِ لإخبار اللهِ عنه بتصديقِه وسكونِ قلبِه، لأن تلكَ الخيفةَ طباعية بشرية غيرُ كسبيةِ اختيارية، وليست من الشك في قوله: (خُذْهَا وَلَا تَخَفْ) . في شيءِ ولا من جنسِه ولكنها خيفة بشرية، ويمكن أن يكون أوجسَ خيفةَ في غير الوقت الذي قال له فيها لا تخف، إما قبل أن يقولَ لهُ ذلك إلى أن قال خذها ولا تخف، أو بعد ذلك الوقت، لأنه لم يقلْ لا تخافُ أبداَ فلا تعلقَ لهم في ذلك، ويمكنُ أن يكون تأويلُ الآية أنه خاف أن يُفتَتَنُ قومُه ويظنونَ أن ما أتى به سحر كقول السحرة فقال له: لا تخف إنك أنت الأعلى، أي إن آيتك تنكشفُ عن صدقِكَ وتزيلُ كل ريبِ من قلوب أتباعِك المؤمنينَ فيكونَ كذلك أعلى بالحجة والبراهين. فأمَّا قولُه تعالى: (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) ، فإنه غير متناقض. لأنه لم يُرد أنه يكون غيرَ ميتِ ولا حي وإنما عنى وهو أعلم أن حياتَه لا تنعدمُ فيستريحُ من العذاب وإدراك الآلام، ولا يحيى حياةَ طيبةَ يسلَم فيها من العذاب وإدراك الآلام. قال الشاعر: ألا مَنْ لِنفسِ لا تموتُ فينقَضي قَضاها ... ولا تَحيَا حَياةَ لها طَعمُ ولم يُردِ أنَّها غيرُ حيةِ ولا ميتة، وإنَّما أرادَ المعنى الذي وصفناه. وأما قوله تعالى: (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) ، فإنه ليس بخبرِ باطلِ على ما توهموه، لأن الغيظَ لا يُسمع، لأنه قد يمكنُ أن يخلق لهم في

стр. 572

الآخرة إدراكُ النفسِ للغيظِ ووجودِه في أسماعِهم، ويُسمى سَماعاً للغيظ. وكذلكَ القولُ عندنا في جوازِ سماعِ كل موجودٍ ورؤيتِه من أفعالِ الجوارِح. وأفعالِ القلوب، وأمّا تعلقهم بأنّها جمادٌ لا تَغْتَاظُ فيُسمعُ غيظُها أو لا يُسمعُ فباطل، لأنّه إنّما كَنَّى بذكرِ الغيظِ عن تَسعُّرِها وشدةِ لهيِبها. وقد يمكنُ أن يُحييها اللهُ على يُبسها، ويخلقَ فيها غيظا على أهلِها، لأن الحياةَ لا تحتاجُ إلى بينةٍ ولا بلّة، ولا يُضادها اليبوسةُ والحرارة. بل لا تحتاجُ إلا إلى محلها فقط، وقد بينّا ذلك في الكلامِ في الأصولِ بما يُغني عن تأمّلِه، ويَحتمل أن يكونَ أرادَ سَمعُوا لها زفيراً وتلهُّباً، وعلموا عند ذلكَ تغيظَها، واستدلُوا على العلم بالتغيُّظِ والزفيرِ واللهيبِ المسموع،. وسُميَ العلمُ بالتغُّيظِ سَماعا له. فأمّا قولهُ تعالى: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) ، فإنه غيرُ متناقضٍ من حيثُ كان السيئاتُ لا تُبدَّلُ حسناتٍ أبداً، لأنّه تعالى لم يعْنِ هذا، وإنما أرادَ وهو أعلمُ أنني أبدلُ عذابهم وجزاءَ سيئاتِهم حسناتٍ في نعيمٍ ورحمةٍ بما أحدثوهُ وجدَّدوه من الإنابةِ والتوبة، فلا تعلُّق لَهم في الآية. فأمَّا قولهُ تعالى: (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) . فإنه لا اختلافَ فيه ولا تناقضَ لأنّه لم يكن يعنِ بذلك أنَّها بحيث يجوز أن يراها، ويمكنُ ذلك فيها مع قوله: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) ، والعادةُ على ما هي عليه في رؤيةِ اللهِ وامتناعِ رويةِ الكائنِ فيما هذه سبيله، وإنَّما أرادَ بقوله لم يَكَد يَراها، لم يُرد أن يراها أي: لأنّه لا يطمعُ في ذلك ولا يَرجوه، فكان معنى يريد. قال الأفْوه الأودي: فإن تجتمعَ أوتادٌ وأعمدةٌ ... وساكن بلغوا الأمرَ الذي كادوا

стр. 573

أي: الأمرَ الذي أرادو، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما ظنُّوه. فأما قولُه تعالى: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) ، فتأويلُه أكادُ أدْنيها آتي بها على وجه التقريبِ كذلك، والتهديد، ثم قال: أخفيها لتُجْزيَ كلُّ نفسٍ بما تَسعى، قال الشاعر: هَمَمتُ ولم أفعلْ وكِدْتُ ولَيتني ... تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلهُ فأمَّا قولُه تعالى: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) ، فليسَ فيه نقضٌ لذم من في النارِ ولعنهم، وإنما أرادَ بورِكَ موسى المقاربُ للنارِ التي رآها. كما يقال: فلانٌ في النارِ وفي الماءِ إذا قاربَ ذلك، وإن لم يكن فيه، وكما يقولُ القائل: إذا بلغت المحِولَ ومطربلَ فأنت في بغداد، على وجه التقريب لذلك، فيقال إن اللهَ سبحانَه باركَ بهذه الآيةِ على من في النار. فأمَّا قولُه تعالى: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) ، فإنّه ليس بنقيضٍ لقوله: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) ،: وقوله في المؤمنين: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، ونحوُ ذلك، لأنّه إنّما عنى بقوله: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) ، مثلُ ما يُجازي به الكفور، أي لا يعاقبَ في النارِ بعقابِ الكُفرِ إلا كافر، ويحتملُ أن يكونَ عنى وهل نُجازي بما جُوزوا به من تغييرِ النّعمِ أو إنزالِ الخَسف والنقم إلا الكفور. فأمّا قولُه تعالى: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) ، فإنه غيرُ منافٍ لإخباره عن عصمةِ اللهِ ووفاءِ ربّهُ وتصديقَه، وإنَّما أراد بل جازيتُهم على تعجبهم منكْ وممّا جئت به ويَسخرون أي وهم في تماديهم، ويُمكن أن يكونَ ذلكَ على معنى الأمرِ كأنّه قال: قُل يا محمدُ بل عجبتَ ويسخرونَ على وجهه، على جهةِ الخطابِ لمن تعجبُ مما ينزلُ بهم.

стр. 574

فأمَّا قولُه: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) ، فإنه غير منافٍ لقوله: (مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) ، لأنه أحوال وتارات، فتارة منه تُقدر بألفِ سنة، وتارة بخمسين ألفَ سنة، ويمكن أن يكونَ أرادَ أن الملكَ يعرجُ من الأرضِ إلى حيثُ يخرجُ من السمواتِ ما مقدارهُ من سنّي غيرِه ألفَ سنةٍ من أيامِ الدنيا، فلا تناقُضَ إذاً في هذا. وأمَّا تولُه: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) ، لم يرد أنهُ جعلَها في الكواكب، وإنَّما عنى وهو أعلم، وجعلَ القمرَ معَهُن نوراً فجعلَ فيهن مكاناً معَهن. نافا تو لُه: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا) ، فليسَ بخبرٍ على أنها أحياء مكلفة، وإنما قَصْدهُ تعالى تعظيمُ شأنِ حملِ الأمانة، وأن كل أحدٍ يضعفُ عنها، وإن عَظُمَ خَلقْه، ويضعفُ عن أن يطيقها، قالوا: وذلك نحوَ قول العربِ عَرضْتُ الحملَ على البعيرِ فأبى أن يحمله، أي أنه صغير لا يَقوى على الحمولةِ لصغره وضعفهِ. وقيِلَ إنه أراد بذلك أنه تعالى عرضَها على أهل السمواتِ والأرضِ والجبالِ فأبوا أن يحملوها لِثقلها، والقصورِ عن القيامِ بحقها، كما قال (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، يريدُ: أهلَ القرية، وأصحابَ العير، وقولهُ: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ) ، يعني: الكَفور بجهلهِ بحقِ اللهِ فيها، واستحقارهِ لها فبطلَ ما قالوه أن تجيءَ السمواتُ والأرضُ ويعرضُ عليهن القيامَ بحقَ اللهِ فيما فرضَه، والخروجَ من جميعهِ فأبينَ ذلكَ واعترفنَ بالعجزِ عنه فلا إحالةَ في هذا ولا تناقضَ من كل وجه. فأمَّا قولُه: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) ، وأنَّه ليسَ بنقيضٍ لإخبارهِ أنه هُو وحَدَه كان الرسول، لأنه يمكن أن يكذبو لمَّا كذبوه صاروا

стр. 575

بذلك إلى تكذيبِ من كانَ قبلَ نوع لما بُشروا بنوع ووصُّوا بتصديقهِ وقبولُ قوله، فيصيرُ المكذبُ لهُ مكذبا لمن كان قبلَه، وكذلك هم مكذبونَ لمن بعدَ نوح من الرسل، الذين يخبرونَ بنبوته ومكذبون لمن كان قبلَهُ منهم ممن خبر بذلك، ويمكن أن يكونَ منهم من قَد أدركَ أنبياءَ قبلَ نوح، فكذبهم، أو من اتصلت بهم دعوةُ الرسلِ وحججهُم فكذبهم، وأرسلَ نوحا فكذَّبه أيضا. ويمكن أن يكون معنى قوله: لما كذَّبُوا الرسلَ أي كذبوه، فكذبوا الملائكةَ التي كانت تنزلُ بالوحيِ عليه، وإذا كان ذلك كذلك اضمحل إلباسُهم. فأمَّا قولهُ: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) ، فليس بخبرِ عن باطلٍ لرؤيتنا النجم غيرَ هاوٍ ورؤيةِ ذلكَ وقتَ مَبعث النبي صلّى اللهُ عَليه، لأنّه قد قيلَ إنّ النجومَ قُرْبَ مبعث النبي صلّى الله عَليه كَثرُ انقضاضها وراعَ ذلك قريشا والعرب، وسألوا بعض الكهانِ عن ذلك فقال: إن كانت النجومُ العوامل تنقضُ فهي القيامة، يعني البروجَ الإثنا عشرَ والطوالعَ السبعة، وإن لم تكن هي فيسظهرُ أمر عظيم، فظهرَ بعثُ النبي صلَّى الله عَليه وآياته، فلمّا كَذبت قريش قال اللهُ سبحانَه: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) . أي: هو الذي دلَّ انقضاضُ النجومِ على أمرِه، فلا إحالةَ في هذا ولا اختلاف.

стр. 576

فصلٌ من هذا الباب فأمّا دعوى الملحدةِ تناقضَ ما ورد من آي القرآنِ في الهُدى والضلالِ وخلقِ الأفعالِ والقضاء، وتقديرِ الأعمالِ وتكليفِ ما لا يطاقُ وما يُكثر ابنُ الروانديُّ وأضرابُه من هذا الباب وتَضلُّ به القدرية والمعتزلةُ ومن تابعَهم من التعلقِ بهذه الآياتِ في حملهم لها على غيرِ تأويلِه وما قصَدَهُ اللهُ لها، إمّا للجهلِ بذلك أو لقَصدِ العنادِ وإيثارِ التمويه والإلباس، فإنه لا تعلُّقَ للفريقينِ في شيءٍ منه، ونحنُ نبيِّنُ ذلك بياناً يوقفُ على الواضحةِ إن شاءَ الله. قال الملحدون: وممّا وردَ متنافيا متناقضاً من آي القرآن تناقضاً لا خفاءَ به على أحدٍ قولُه: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) ، وقولُه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) ، وقال: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) ، في أمثالِ هذه الآيات ممّا فيها ذكرُ إضلال الله لمن أضلَّه ونحوِ قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ، وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) ، وقوله: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) ، بعدَ قوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) . وقوله: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) ، وقال: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ، وقال: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ، وقوله: " (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) ، وقال: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)

стр. 577

وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) . وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) ، وقوله: (مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) ، وقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . وقال في هزيمة المؤمنينَ يومَ أحد: (وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) ، في نظائرِ هذه الآيات مما أخبرَ فيها أنه تعالى تَولى إضلالَهُم والختمَ على قلوبِهم، وتغشيةَ أبصارِهم وجعلَ الأكنةَ على قلوبِهم. قالوا: ثم نقضَ ذلك أجمع بأن خبر في آياتٍ كثيرةٍ أنهم هم المضلون لأنفسهم والخاتمون عليها وتبرّيه من معاصيهِم وإضلالِهم، ونُقضَ ذلك أيضاً بأن أضافَ إضلالَهم مرةً إلى آلهتهِم ومرةً إلى الشيطان، ومرةً إلى فرعونَ والسامري ومرةً إلى الشياطين، وكل هذا متهافتٌ متناقضٌ لا شبهةَ في تناقُضه بزعمِهم. فأمَّا نقضُه لذلك بإضافتِه إليهم فكثير، منه قولهُ سبحانه: (كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) ، وقولُه: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) وقولُه: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) . وقولُه: (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ) ، فأضاف ذلك إليهم - دونه، وقولُه: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . وقولُه: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) . فأضافَ ذلك إليهم وقال: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .

стр. 578

(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) ، و: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . يعني عما يَفعلون، فأضافَ أفعالَهمُ إليهم، كما أضافَ فعلَ نفسِه إليه تعالى، وقولُه: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) ، فأضافَ الاتباعَ إليهم. وقولُه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) ، فأضاف ما عُوقبوا عليه إليهم دونَه. وقولُه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) ، فأضافَ الزيغَ الأولَ إليهم، وجعل الثانيَ عقوبة، وقولُه: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) . وقولُه: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) . وقال: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) ، فاستبطأهم استبطاءَ من يَعْلَمُ أن الفعلَ لَهم ومنهم وبأيديهم. وكذلك قولُه: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ) . وقولُه: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى) .

стр. 579

فصل وأمَّا نقضُه ما قدَّمناه - زعموا - بنفيه ذلكَ عن نفسه وبيَّنَ كثيراَ منه قولُه: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) . وقولُه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ،، وقولُه في ذمه الكفار بقولهم: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) ، وقولُه: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) ، فأفَهم بهذا القولِ الذي أخبرَ به عن نفسِه في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) . وقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) ، في أمثال هذا ما خبر فيه بمثلِ قولِ المشركينَ الذي ذمهم وعيرهم به. وقولُه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) . وقولُه: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) ، وقولُه: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) . وقولُه: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) . وهو قد أخبرَ فيما سلفَ أنه يسألَهُم عن فِعلهِ ويعذبَهُم على قضائِه وقدَره. وذلكَ هو الظلمُ بعينه. فأمَّا نقضُ ما أخبرَ به من تَوليه لإضلالِهم بإضافتِه ذلك إلى غيره من المجرمينَ والشياطينَ وغيرهم فظاهر كثير، منه قوله: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) . وقولُه: (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) . وقولُه: (رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) . وقوله: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) . وقولُه: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) . وقولُه: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) .

стр. 580

وقوله: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) . فأضاف ذلك إلى الشيطان. وقولُه: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) ، ثمّ نقضَ قولُه: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) ، بقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) . وقوله: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) . وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ، فذمَّ من أحبَّ ذلك بما خبرنا به يريد ذلك أجمع، وهذا زعموا تناقضٌ ظاهر لا يأتي من قبلِ حكيم عليم سميعٍ بصير. قالوا ثم أخرج نفسَه والشياطينَ عن أن يكونَ لهم في الإضلال صنعٌ وسلطان بقوله: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) . و (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) . وقوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، وقوله: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) . وبذمه لهم على هذه الأفعال، ولو كانت من عنده أو من عند قادَتِهم أو من عند الشياطين لما ذمَّهم على ذلك، ولكان ذمُ من بقيَ من قبلِه أولى. وكيف يقول: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى) . (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا) ، وهو يقول: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ، (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) . ويقول: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) ، وكيفَ يسمعُ أو يخنعُ ويستجيبُ من خُتمَ على قلبِه وبصَرِه وسمعِه، وحيلَ بينَه وبينَ قلبِه ورشدِه. واعلموا رحمكم اللهُ أنه لا تنافيَ ولا تناقضَ في شيءٍ مما تلاه الملحدونَ وتعلَّقوا به.، ولا حجَّةَ فيه ولا شبهةَ لقدري يحاولُ بما يتلوه من ذلك إبطالَ

стр. 581

إضلالِ اللهِ الضالينَ بالختمِ والطبعِ والتغشية، وتقليبِ القلوبِ والأبصارِ والتفرقةِ بينَ المرءِ وقَلبِه. ونحنُ نكشفُ ذلكَ كشفا يُزيلُ ما حاوَلوهُ من الإلباسِ والتمويهِ ويجلِّي غماءَ الشبهةِ بإذن اللهِ عن ذي الجهلِ والنقصِ منهم. فأولُ ما يجبُ أن نثبته في هذا الفصلِ الفرقُ بينَ الإضلالِ والضلال. فنقول: إنَّ الضلالَ هو الذهابُ عن الحقِّ، وضدّه الهُدى وتصورُ الأمورِ على غير ما هيَ به، وهو من فعلِ النفس، والخبرُ عن ذلك باللسان عبارةٌ عن الضلال الذي في القلب، ومن فعلِ النفسِ وهو أيضاً في نفسِه ضلال. لأنّه خبرٌ باطلٌ وقولٌ كذبٌ وضدّ الحقِّ والصدق، والذي هو الخبرُ عن الشيء على ما هو به، وهو محرَّمٌ على المخبرِ به إذا شرحَ بالكفر صدراً ولم يكن معتقداً به، كما أنّ اعتقادَ الباطلِ معصيةٌ محرَّمةٌ على معتقدها، فقد استوى العقدُ والقولُ الذين ليسا بحق وهما ضدُّ الهدى، والصوابُ في أنّهما ضلالات وذهابات عن الحق أحدهُما عقد والآخرُ قول وخبر، والضلالُ الذي هذه صفَتُه لا يكون إلا لضال به، ومِن ضال يوصَفُ به، ويتعلَّقُ بقدرته إذا كان منتهيا عنه ومأموراً بتركه، هذا أصلُ الضلال، ومنه سُمِّيَ الضلالُ عن الطريق المحجّة إذا عدلَ عنها للجهل بها ضالاّ عن الطريق، ومنه الضلالُ عن الرأي الذي هو الذهابُ عن صوابِه، ومنه الضلالُ عن الحق الذي هو العدول، ومنه سُمّيت الضالّة ضالّة. وقد قيل: إن الضلالَ عن الحق الذي هو بمعنى العذاب، واستشهد قائلُ ذلك بقوله: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) . يعني: في عذابٍ وسُعُر وليس هذا باستشهاد صحيح، لأنه يحتملُ أن يكون عن أنّ المجرمين في الدنيا في ضلال عن الحقِّ وفي سُعُرِ في الآخرة، أو في ضلالٍ في الدنيا

стр. 582

عن الحق، وسُعُر هو نفسُ ضلالِهم عن الحق، وإنَّما سَمى أعمالَهم سُعُراً على معنى أنّه يستحقُ بها الكونَ في السعير، كما قال: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) ، يعني على عملِ أهل النار فلا حجّة في الآية، وعلى أنه لو كان الأمرُ على ما ذكَروه لصارَ تقديرُ الكلام إن المجرمينَ في عذابٍ لأن السعيرَ نفسَه عذاب، وهو يُغني عن ذكرِ العذاب، وهذا مستثقل مستغثٌ من الكلام، فوجب أن يكون قولُه: في ضلالٍ يعني ذهابٍ عن الحق، وفي سُعُر من أعمالِهم هذه، أو سيكونُ في سُعُرٍ يوم القيامة، وعلى أنه سَمى العذابَ ضلالاً فعلى معنى أنَّه ذاهب بصاحِبه عن الثواب واللذات، فهو راجع إلى الذهاب عن الجنَّة على وجه الشبه بالذهاب عن الحق، والأمرُ المقصود الذي فيه السلامةُ والنجاة. وقيلَ إن الضلالَ يكونُ بمعنى الهلاكِ بدلالةِ قوله: (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) ، أي: هلكنا، وقد يمكنُ أيضا أن يكونَ ضلالُهم في الأرضِ ذهاب عن مواضعَ مقصودةٍ فيها المصالحُ والرشادُ وإن سُلِّم أن الضلالَ بمعنى الهلاكِ والبِلى في القبور، فذلك غير ضار ولا نافعٍ للملحد ولا لقدريٍّ على ما سنُبينه إن شاء الله. وقيل إن الضلالَ يكونُ بمعنى الغفلة، ومنه قولُه: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) . وقولُه: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) . أي: تَغفلُ إحداهما، ووجدكَ غافلاً على النبوة، فهداكَ إليها وشرف قدرك بها، وهذا أيضا عائد إلى معنى الذهاب عن الشيء وذلك أن غفلةَ إحداهما التي خِيفت إنما هو ذهابُها عن ذكرِ الحق وإقامة الشهادة عليه بحسب الصواب، وما يجب في التحفل والأداء، والذهابُ عن ذلك بالغفلة ذهاب عن الحق، كما أن الذهابَ عنه بالقصدِ والاعتماد ذهاب عن الحق، غير أن إحداهُما معتمد، والآخرُ غيرُ معتمد.

стр. 583

وقوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) أي غيرَ عارفٍ بشريعةٍ بعينها قامت بها الحجة لحصولِ الفترةِ والذهابِ عن العلم، فذلك ذهابٌ عن أمرٍ من الصواب، الواجبُ على من علمَه وقامت الحجَّة عليه به وإن لم يُكلّفه عليه السلام مع الفترة، وليس كل ضلالٍ مذموما بنفس الاسم وبكونه ضلالاً. وإنما المذمومُ من ذلك ما حظرَه الله ونهى عنه، ولذلك نقولُ قد ضلّ زيدٌ عن الرأي، وذهبَ عليه رُشدَه وإن لم يُقصد بذلك ذمه، بل الإخبارُ عن ذهابِه عمّا قصَده فقط، وربَّما كان قَصْدَه التذكير على المؤمنين. فأمَّا قوله: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) ، فليس فيه دلالةٌ على أنّه كان من الغافلين عما فعله، بل لا ينكرُ عندنا أن يقعَ منه الذنبُ على وجه العمدِ وإن كان مغفوراً، ويمكنُ أن يكونَ وقع عن غفلةٍ وسهو، أعني القتلَ ولكن ليس حجة ذلك قوله: وأنا من الضالين بل شيء آخر إن دل على ذلك، وكل شيءٍ يُسمّى ضلالاً فإن هذا أصلَه وهو مأخوذ منه ومشبَّه به. فأمَّا الإضلالُ فإنه غيرُ الضلالِ وهو متعلق بالمضل للضالِّ دون الضال بقدرته، وإن قيل أحيانا زيد قد أضل نفسَه بكفره وخلافِه عن الحق، فعلى وجه التشبيه بإضلال غيره له، والإضلالُ الحقيقي الذي هذه الأسماءُ اسمٌ له قولُنا إغواءٌ وتزيينٌ للباطل وتقبيحُ الحق، إنما هو الحيلولة بين المرءِ وقلبِه وإزاغةُ القلوب عن الحق، وخلقِ الباطل فيها الذي هو اعتقادُ غير الحق وقولنا ختَم وطبعَ وغشاوة وصمٌ وعُميٌ وسدًّا إنَّما هو عبارة عن هذا الاسم من المفعول في القلوب والمضاد لاعتقاد الحق والصواب، واللهُ هو المنفردُ بخلقِ ذلك في قسمه لنا به، وعدلٌ عليه في حُكْمِه وقضائِه. والمتفردُ بالقدرة على تقليبِ القلوب والحيلولةِ بينَ أصحابِها وبينها. والقدرةِ على خلقِ ضد الحق فيها لا يُشرِكُه في القدرة على إغواء القلوب

стр. 584

وتصويرِ الأمور بخير ما هي به، والخلوصُ إلى الطبعِ والختم، ملكٌ مقربٌ ولا نبى مرسل، ولا شيطان متقول، ولا أحدٌ من خلق الله، هذا هو حقيقة الإضلال. وقد يُسمى الدعاءُ إلى الباطل والتزيينُ له، والتحمّلُ في اعتقادِه والوسوسة المخيلةُ لكونه حقاً إضلالا لمن قبل ذلك، وأجاب إليه. واستُصير به وإغواء الشيطان ووسوستُه إضلالاً لمن قَبلَ دون من لم يقبله. وكذلك دعاؤه إلى الضلال ودعاء سائر أئمة الكفر إليه إضلالا لمن قبل ذلك، واستُصير به، وكذلك سحرُ السحرة وفعلُ السمامري الذي هو صياغة العجل إضلالاً وإغواءً لمن قبلَ ذلك واستصير به دون من خالفه، وبعد عنه، وقد يسمّى تسميتُه الضال ومن ليس بضال والحكم عليه باسم الضلال إضلالا، وإن لم يكن إضلالاً على الحقيقة، ولكن على وجه التشبيه له بفعلِ الضلالِ في الغيرِ وبما يستصير به المفعول فيه، قال النجاشي: ما زال يهدي قومَهُ ويُضلنا ... حقاً وينسبنا إلى الكفار ولسوفَ يعلمُ حينَ يلقى ربَّه ... منْ شرُّنا وأحقُّنا بالنّار يعني ما زالَ يسمّينا ضالين ويحكمُ لنا بذلك ويُسمي قومَه مهتدين. وقال آخر: وما زالَ شرفُ الراحِ حتى أشرني ... صديقي وحتى سائني بعض ذلك يعني: تسميةُ صديقَه وجليسَه له شريراً دون خلقِ الشرّ فيه، وهذا إن جازَ استعمالُه فمجاز وعلى وجه الاستعارة والتشبيه بالإضلال الذي هو نفسُ الذهاب عن الحق، وكان الخبرَ بذلك قد صارَ بمثابةِ من فعلَ ذلك فيه إذا كان عند المسمى قضيّةُ ما سماه به، كما إن من خلق به الضلالُ ضالّ عندَ

стр. 585

من خُلقَ الضلالُ في قلبِه، وتسميةُ المسمى المخبرُ بذلك على وجهِ التشبيه بفاعل الضلال في القلوب. ويمكن أن يكونَ لما كان الحكمُ والتسميةُ للغير بالضلال يضرُّ بالمسمى ويغمه ويُصوّره عند الناس قبحُ حالِه، كما أن وجودَ الضلال في قلبه يغمه ويضمرُّه ويُهلكه أجريَ على التسمية لهذه الوصمةِ والمضرة اسمُ ضلالٍ للقلب الذي هو الذهابُ عن الحق. والضلالُ في الحقيقة، هو ضد الهدى الذي يوجد في محلِّه ويعاقبه. قال الله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) ، وقال: (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) . وأمثال لهذه الآيات فيها تحقيقُ الضلالةِ التي هي ضد الهدى والذهابُ عن الحقّ والصواب. قال لبيدُ بنُ الربيعة: مَن هداهُ سُبُلَ الخيرِ اهتدى ... نَعِمَ البالُ ومن شاء أضل ولم يُردْ بالهدى الذي به ينعَمُ بالُ المهتدي، الحكمَ والتسميةَ ولا بالضلال، التسميةُ به، بل أراد شرحَ الصدورِ وتضييق القلوب. فأمَّا الهدى فهو ضدُّ الضلال وهو معرفة القلب بوجوب كل واجبٍ وتصديقِه بذلك، واعتقادِ الأمورِ على ما هي به، والإخبارُ عن ذلك باللسان هدىً أيضاً، لأنه خبرُ حق وصدق، ونقيضُ ما صُوِّرَ به، والهدايةُ التي هي الإرشاد من الله خلقُ الهُدى في القلوب وشرحُ الصدورِ وتوسعَتِها وإقرارِها بالحق وتسهيله وتيسيرُه عليها وفعلُ الألطافِ الجامعةِ لهم على فعل الطاعات،

стр. 586

وقد تكونُ الهدايةُ بمعنى الدعاء إلى الشيء، ولا تُسمى الدعوةُ إلى الحق هدايةً إليه إلا لمن قَبِلَها وانتفع بها. قال القطامي: ماذا هُداكَ لتسليمٍ على دمنٍ ... بالغمر غيَّرهُن الأعصرُ الأولُ يريد بقوله (ماذا هُداك) : ماذا دعاك إلى الهدى إذ اهتديت لتسليمٍ على دمنٍ بالغمر غيّرهن الأعصُر الأول وبعثك على ذلك. وقد تكونُ الهدايةُ بمعنى التوفيقِ وشرح الصدر وتسهيلِ القولِ الحقِّ على ما بيَّنَّاه من قبل، وهيَ الهدايةُ الحقيقية المقصودَة بقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، أي: إنك لا توفقُ من أحببت، ولم يرد أنك لا تأمره بالهدى وتدعوه إليه، وهي المرادُ بقوله: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ) ، والمعتمد في الرغبة إلى الله في الهداية في الرغبة، لأن الدعوةَ قد حصلت لكل، ولأنه قد ضل كثيرٌ ممن دُعيَ إلى الحق، فدلَّ ذلك على أن الهدى المرغوب فيه والذي لا يضلُّ صاحِبُه، ولا يهدي به النبي ﵇ من أحب هدايته هو التوفيقُ وشرحُ الصدور الذي قدمناه. قال الحُطيئة: تحنَّن عليَّ هداكَ المليكُ ... فإن لكل مقامٍ مقالاً يريد: وققك المليكُ للحق، وشرحَ صدرَكَ به ولم يرد دعوته إلى ذلك، لأنها قد سلفت ووُجِدت. وقد تكونُ الهدايةُ إلى الشيء بمعنى التقديم إليه، ومنه قولهم: قد أقبلت هوادي الخيل أي: مقدماتُها، ويقالُ هوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمُها.

стр. 587

قال الشاعر: إذا لم يخْتزِن للبيت لحما غريضا ... من هَوادي الوَحش جاعوا يعني: تدخرُ لهم من أوائل ما يتقذم إلى الوحش. وقال الأعشى: إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدرُ القناةِ أطاعَ الأميرا يعني أوائل القناةِ ومواضعُ الأسِنِّة منها، والعصا تُسمى الهادية إما لأنها تتقدم المتوكىء عليها، أو لأنها من شدة تهديه بحسّه بها وتوقيه الوِهَاد والتِلاع، وما في سُبُله من الأذى، وما يريدُ معرفته. وأمّا قولُ من زَعمَ أنّ الهداية تكونُ بمعنى الزيادة، واعتلَّ لذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) ، فإنه تعلق باطل، لأن قولَه زادَهم هدى، إنما يريد بزيادتهم رشادا وتبصرا، واتخاذا للهداية في قلوبِهم في مستقبلِ أزمانِهم وأعمارِهم، وليس يبينُ معنى الهدايةِ بجعله زيادةَ على هدىَ كان قبله، وكما أنَّه قال قائل لمَّا علِموا زِدْناهُم علما إلى عِلْمِهم، ولم يكن في ذلك إخبار عن خاصيةِ العلمِ وحدَه، وحقيقتُه المحيطةُ به، فكذلك ذكرُ الهدايةِ والزيادةِ فيهما لا ينبىءُ عن معناها. وقد قيلَ إن الهدى ثوابَ الجنَّة، واحتُج لذلك بقوله: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) . يعني: أنه يهديهم إلى طريق الجنة، وهذا أيضا إن صح فعلى وجهِ تشبيهِ الثوابِ في نفعِه بهدى القلبِ واستبصارِه في الانتفاعِ به، واستدفاع الضرر، هذه جملة في معنى

стр. 588

الهداية والهدى والإضلال والضلالُ كافية، اذا كانت هذه الجملةُ ثابتةً وجَب أن يُكشفَ بعد ذلك بأنه لا تناقضَ في إضافة إضلالِ كل ضال من العُصاةِ بالكفر وغيره إلى نفسه، وبينَ إضافَتِه إلى الفراعنة والمردَةِ مرّة وإلى الشياطين وإلى فرعونَ والسامريَ وكلّ داعٍ إلى ضلالةٍ وإنّ القرآنَ يشهدُ بعضَه لبعض، ويصدق بعضَه بعضاً. فنقول: إنَّ الهدايةَ التي أضافَها اللهُ تعالى إلى نفسِه وأخبرَ بها لا يُشرِكه فيها ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا أحدٌ من خَلقهِ، وهي شرحُ الصدورِ وتطهيرُ القلوب، وخلقُ الإيمان والتصديقِ فيها وتسهيلِه عليها، وخلقُ الألطافِ الجامعةِ الدواعي والهِمم على فعله من القدرة على فِعله، والأسباب المسهّلة له، وغير ذلك ممّا لا يَقْدِرُ عليه أحد من خلقِه، فهذا الضربُ من الهدايةِ لم يُضفه اللهُ تعالى إلى الملائكةِ ولا إلى أنبيائِه ولا إلى أحدٍ من خلقه، إذ لم يكن ذلك من أفعالِهم ولا مما يدخلُ تحت قُدَرهم، وإنّما معنى الهداية التي يضيفُها الله تعالى ورسولُه والمسلمون مرةَ إلى الأنبياءِ ومرةَ إلى الأئمة والعلماء، إنّما هي الدعوةُ إلى الإيمان وشهادَةِ الحق والإرشاد إليها، بذكره الأدلة والتنبيه على موضع الحجّة والتزيين لذلك والتقبيح لتركه، والتحذيرِ والوعيد عن التخلف عنه وتجنبه، وكثرةُ الحثّ والحضّ على فعله، والإخبارُ بما عليه من جزيل الثوابِ وبما في تركه من أليم العقاب، إلى غير ذلك. وجملةُ هذه الهداية المضافة إلى غير الله من سائرِ أوليائه، إنما هي معنى الدعوة إلى الإيمان والتزيين له والإرشاد إليه والتنبيه على مواضع الهدايةِ عليه، والترغيب في فعله والتحذير من تركه، فأمَّا أن يكونَ لأحدِ منهم سلطان على فعلٍ في القلوبِ وشرحِ الصدور وخلقِ القدر والألطاف وتقليب القلوبِ والأبصار وصرفِها والحيلولة بين المرءِ وقلبِه، فإن ذلك غيرُ

стр. 589

جائزٍ على قول أحدٍ من الأمّة، وممّا قد قامت الأدلّة على بطلانِه وكذب كلّ من ادّعى ذلك لنفسه من الخلق أو لغيره من الخلق، ولو كان إلى الأنبياء والمؤمنين هدايةُ الخلق بما يهديهم إليه سبحانَه به ليهدوا الناسَ أجمعين ومن آثروا إيمانَه وكَرِهوا إضلاله. وكيف يكونُ ذلك كذلك واللهُ تعالى يقولُ لرسوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) . وقال له: أفتراه إنّك لا تأمرُ من أحببت ولا تَدعوه إلى كلمةِ الحقّ ولا تزينُ له الصواب، ولا ترغبُ وترهّبُ مع إخباره عنه بأنّه موضعٌ لرسالته، والأداء عنه، هذا ممّا لا يقولُه مسلمٌ ولا ملحدٌ لأن الكلّ قد اتّفقوا على أنّه ﵇ بين وأنذرَ وحذّر، وإنّما قال له: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) ، أي ليس إليك هدايَتُه بشرحِ - الصدرِ وتوسعته وتطهير القلب، وخلقُ الإيمان فيه وتسهيله عليه ولذلك روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "بُعثتُ داعياً ومبلغا، وليسَ إليَّ من الهدى شيء، وخُلقَ إبليس مزيّناً وليسَ له من الإضلال شيء" (١) . وقد ورد القرآنُ بتصديق هذا في قوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) . وقوله: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) . وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) . وقوله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) . وقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) . في أمثال هذا ممّا خبر فيه أن الهدايةَ إليه وحدَهُ وليسَ يجوزُ أن يكونَ إليه وحدَهُ ما هو مشترك بينه وبينَ خلقِه.

стр. 590

واعلموا - رحمكم الله - أن دعوة الرسول لا تكونُ هدايةً لأحدٍ ولا توصَفُ بذلك حتى يقارِنها قبولُ المدعو وانتفاعُهُ بها، ومتى عريَتْ من ذلك لم تكن هدايةً له، فلذلك لا يجوزُ أن يقال إن الرسولَ قد هدى أبا جهلٍ وأبا لهب وسائرَ من كفرَ به من قريش، ولم ينتفع بدعوته لأنه إذا لم ينتفع المكلف بالدعوة لم تكن من أسبابِ هدايته، وصارت ضرراً عليه ووبالاً وطريقا إلى عقابه، لأنه لو لم تكن الدعوةُ لم يستوجب العقاب، فهي إذن ضرر مع عدم القبولِ والانتفاع، قال : (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) . وقال: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) ، وقال: (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) . فبيَّن بذلك أجمع وأمثاله من الأخبار أن الدعوةَ هدايةٌ لمن قبلها وانتفعَ بها دون من ردها واستضرَّ بورودِها، فبانَ بهذه الجملةِ أنه لا منافاةَ بينَ إضافةِ اللهِ سبحانَه الهدايةَ إليه، وبينَ إضافةِ الهدايةِ إلى رسُله وملائكته والمؤمنين إذا كان من أضافه إلى نفسِه من ذلك غير ما أضافَه إلى خلقه. على أن الهدايةَ التي أضافها إليهم إنما هي الدعوةُ والتزيينُ والإرشادُ والتنبيهُ والترغيبُ والتحذيرُ، وعلى ذلك يدلُّ قولُه: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ، وقوله: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) . وكل هذا ممّا قد هدى الله سبحانَه المؤمنينَ به على وجهين: أحدهما: أن نفس دعوةَ الرسلِ وترغيبهم وترهيبَهم وإرشادهم من فعلِ اللهِ تعالى وخلقه وترتيبِه وتدبيرِه، فهو أيضا هادٍ بذلك للمنتفعِ بالدعوة حسبَ هدايةِ المكتسبِ له من الرُّسل، ولا يجوزُ أن يكونَ الباري الهادي بهذه الهداية المكتسبِ لها دون خالقها الذي صارت نفسا حادثةً موجودةً به دون المكتسبِ لها، فوجبَ لذلك أن يكون لا تناقضَ بينَ إضافةِ الهدايةِ الواحدةِ

стр. 591

إليهم تارةً وإليه أخرى، لأنها مضافةً إليه تعالى من جهة الخلق والاختراع. ومضافةً إليهم من جهة التصرف والاكتساب، وقد شرحنا هذه الفصول. وكيف يكونُ عدلاً واحداً لعدلين وهدايةً لمهديين، ووجه الاشتقاق من خلقِ الهدايةِ والعدلِ واكتسابِها وطريقِ تعلقهما وإضافتِهما في "شرح اللمع " وغيره مما يغني الناظرَ فيه إن شاء الله. والوجهُ الآخرُ: أن الله تعالى قد هدى كل قابلٍ للإيمان بمثلِ هدايةِ الرسلِ في الدعوةِ والإرشادِ والتزينِ والترغيبِ والترهيب، فصارت هذه الهدايةُ مشتركةً ومضافةً إلى الله تعالى وإلى أوليائه، ومعنى الاشتراك فيها أن المضافَ إلى الله سبحانَه منها كالمضاف إلى رسوله وأوليائه، والضربُ الأوّل هو الذي انفرد الله تعالى به، ولم يضفه إلى أحد من خلقه، وهو الذي عناه بقوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) . وقوله: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) ، وقوله: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) ، فلم يضف من ذلك شيئا إلى رسله ولا إلى أحدٍ من خلقه. فبانَ بهذا أنّه لا تناقضَ في إضافاتِ الهدايةِ مرةً إلى الله سبحانَه، ومرةً إلى رسوله، ومرةً إلى المؤمنين والملائكة إذا نزلت بحسب ما بيَّنَّاه ورتبناه. فأمّا إضافتُهُ الإضلالَ مزةً أخرى إلى نفسِه تعالى ومزةً إلى الشياطين ومزةً إلى المجرمين ومرةً إلى السامري وإلى فرعون وغيره من الكفّار، فإنه لا تناقضَ أيضاً في ذلك ولا تنافي، وذلك أن الإضلالَ الذي أضافه الله إلى نفسِه هو الذي لا يدخلُ تحت قُدرة أحدٍ من خلقه من جميع الفراعنةِ والشياطين والمجرمين، وهو الطبعُ على القلوب، وجعلُ الأكنة عليها والختمَ والإعماء،

стр. 592

وما ذكره من المد في الطغيان والوقر في الآذان، وتقليب الأفئدة والأبصار. والحول بين المرء وقلبه وتضييق صدره وما يعقبُه من النِّفاق في قلوب أعدائه الأشرار، وكل هذا مما ينفردَ اللهُ بالقُدرة عليه، وكذلك خلقُ نفس الكُفر والإضلالِ والإقدار عليه والتمكينِ منه، مما ليسَ لكافرٍ ولا لشيطانٍ ماردٍ سلطان ولا قدرةٌ على خلقه في القلوب فما أضافَ الله تعالى شيئاً من ذلك إلى أحد من خلقِه بل قال: "ختَمنا" و "طبَعنا" و "جعَلنا على أبصارِهم غشاوة". "نقلبُ أفئدتهم وأبصارَهُم "، و"أعقَبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يَلقونَه ". و"جعَلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ". فلم يُضِفْ تعالى شيئا من ذلك إلى أحد من الشياطين أو المجرمين أو فرعون أو السامري، إذ ما كان ذلك من صفاتهم ولا مما يدخلُ تحت قدرهم. وأما الإضلالُ الذي أضافَه الله تعالى إلى الكفّارِ والمجرمينَ فهو الدعوة إلى الضلال، وتزيينه وإيرادُ الشبهةِ فيه، وليس ذلك من خلق شيء في القلوب بسبيل، وأما الإضلالُ المضافُ إلى فرعونَ والسامري خاصة ومن جرى مجراهم فهو إلباسُهم في الدين ومكرُهم بأهله، وحِيَلُهم التي نَصَبوها لإيقاع الشُبَه في الحق، وليس ذلك من خلقِ الضلال في القلوب في شيء. وأمّا الإضلالُ المضاف إلى إبليس والشياطين فقد يكونُ أيضاً بمعنى الدعوة إلى الضلال، ويكون الوسوسةُ في الصدور، وحديثُ النفسِ بما جعلَ لهم من السلطان على هذه الوَسوَسة وعلى سلوكِ بني آدم وختومِه على قلوبهم، فهذا مما يختص به الشياطين دون سائر الخلق، وكل هذه التفاسير في الإضلال التي نزلناها قد وردَ بها الأخبارُ والقرآنُ على ما سنذكر جملة منه، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن من إضافةِ الإضلال إلى نفسِه تعالى

стр. 593

وإلى جميع من ذكرَ من خلقه منافاةٌ ولا مناقضةٌ على ما يظئه الملحدون ومن تابعهم من القدريَّة والمتحيرين في مذاهبِهم من أهل الملَّة، فبان بهذه الجملةِ أن اللهَ تعالى لم يجعلْ إلى أحد من خلقه إضلالَ أحد، وإن جعلَ له القدرةَ على هذه الأسباب التي ذكرناها، ولو قدرَ إبليسُ والشياطينُ والمجرمون على إضلالِ أحدٍ من الناس، وكان ذلك إليهم وفي أيديهم لأضلّوا الأنبياءَ وسائرَ المؤمنين، وكل من آثروا إضلالَه وحاوَلوا الإلباسَ عليه في دينه. ولما لم يكن ذلك كذلك، ثبتَ أن الإضلالَ الذي أضافه تعالى إلى نفسِه لم يجعلْ لأحدٍ من خلقه إليه سبيلاً، ولا عليه سلطانا. وكذلك قال رسولُ الله ﷺ : "وخُلقَ إبليسُ مزيناً وليس له من الضلالة شيءٌ ". وقد قال اللهُ تصديقا لهذه الرواية ولما قلناه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) ، وقال: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) . وقال: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) ، فأخبرَ أن القُرناء إنما إليهم التزيين فقط، وأنّهم إنما ضلوا بما حق عليهم من القول والقسمة لجهنم. قال الله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) ، ثم قال: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) . وقال: (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) . وقال: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) . فبيَّنَ بذلكَ وأمثالَه أنّ الضال من أضلّه الله، وأنه لا هاديَ له وأنّ المهتدي من هداه وأنه لا مضل له فهذا تنزيل يزيلُ الريبَ والشبهةَ ويبطلُ ما يلبِّسُ به القدرية والملحدة، وقد أخبرَ سبحانَه أن الإضلالَ منه ما وصفناهُ من الطبعِ

стр. 594

الختمِ على القلوب وتغشيةِ الأبصارِ وتقليبِ القلوب والحَوْلِ بينَ المرء وقلبه. وغير ذلك مما عددناه، وخبر تعالى أن إضلالَ الشياطين إنما هي الوسوسةُ والتزيين والتسويلُ للنّفس، ووعدُ الشرِّ، وأمثال ذلك. قال الله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) . وقال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) فأخبرَ أنه يُوَسوِسُ في صدور الناس، وقال: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) . وقال: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) . وقال: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) . والشيطان يضلُّ على وجهين: أحدهما: الدعوةُ إلى الضلال والوعدُ والتزيينُ للباطل. والآخر: الوسوسة، وقد وردَ عن الرسول تصديقُ ذلكَ والإقرارُ به. فروى عبدُ الله بنُ مسعودٍ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن للشيطان لمةً بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمّه الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمةُ الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنه من الله وليحمدِ الله، ومن وجدَ الأخرى فليتعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم، ثمّ قرأ ﵇: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) . وروى أنسُ بن مالكٍ عن النبي ﵊ أنه قال: "إن الشيطانَ واضع خطمَه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسيَ الله التقمَ قلبَه "، ورويَ عن عبد الله بن عباسٍ أنه قال: (إنما سُميَ الشيطانُ

стр. 595

الوسواسُ الخناسُ لأنه خاتمٌ على القلب، فإذا ذُكر الله خنس، وإذا لم يُذكر وسوس ". في رواياتِ كثيرةِ في هذا المعنى، من نحو قوله: "إن الشيطانَ ليجري من ابن آدم مجرى الدم". وقوله: "ما منكم من أحدٍ إلا وله شيطان، قالوا ولا أنت يا رسول الله، قال ولا أنا، ولكن الله يعينني عليه " وفي روايةِ أخرى: "ولكن أعان الله عليه" وأمثال هذا، فهذا القدرُ من الإضلالِ هو الذي إلى الشيطان، وهذه الوسوسةُ هي تزيين وحديث وكلام خفي لا يسمعه الموسوس له، ثم يعتقده إن لم يُعصَم ويوفق ويعان، وليست شيئا يفعلها الشيطانُ في قلب ابن آدمَ لأنّه لا قدرةَ له، ولا لأحدٍ من الخلق على أن يفعلَ شيئا في غير محل قدرته من قلبِ آدميِ وغيره من الأماكن والمحال. وأمَّا إضلالُ المجرمين، فقد أخبرَ اللهُ تعالى، أنه هو دعاؤهم إلى الضلال وإلباسُهم في الدين في غير موضعٍ من كتابه، قال تعالى: (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) . يعني: الذين نصبوا الأصنامَ وعبَدوها وسنَّوا ذلك ودعَوا إليه، وقال تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) . يريدون من قدم لنا الدعوة إلى ذلك وأمر به، وقالوا: (رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) .

стр. 596

وقد تظاهرت الروايات بأنّ المضِل من الجن إبليس، والمضِلّ من الإنس ابنُ آدم الذي قتل أخاه. وأما إضلالُ فرعونَ لقومه، فإئما هو الدعوةُ إلى الضلالِ وإلباسُه عليهم بالشبهات وإشغالهم عن تأمل آيات موسى بقوله: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا) ، ومنه قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَ) ، وبقوله: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) . يوهم بذلك أنّه قادرٌ على قتله وأن ربّ موسى لا ينفعُه. ومنه قوله: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) . يوهمُ بذلك أنّ هذه صفةُ من ينبغي أن يُعبد. وقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) . وقوله: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) . يوهِمُ قومه أنّه ينادي صاحبَ الخضر أو يشغلهم ببناء الصرح عن النظر في آيات موسى وتصديقه، ويتحمل في المدافعة بالأوقات. ومنه قوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) . يعني: موسى لأجل لثغةٍ كانت في لسانِه، وعقدة، فعابَه لأجلها بأنه لا يُبينُ عن نفسه، ثم قال: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) . يوهِم أنّه لو كان عظيمَ الشأنِ لكان مسوَّراً بسوارٍ من ذهب، لأنّه كذى كان شأن العظيم إذا ارتفع منهم، أن يسوّر سوارا من ذهب، فهذا قدرُ طاقةِ فرعونَ ومبلغ ما عندَه في إضلالِه فأما أن يكون له سلطان على القلوبِ والنفوسِ والإضلالِ بما ينفردُ اللهُ سبحانَهَ بالقدرةِ عليه من ذلك فمعاذَ الله، وقد قال الله تعالى: (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧) . ولو أمكنه إضلالُ أحدِ لأضلَّ موسى وقومه. مع إيثاره لذلك وحرصِه عليه، ولكن ذلك ليس إليه ولا داخل تحت قدرته.

стр. 597

فأمَّا إضلالُ السامري لعبدة العجل، فهذا أيضاً بالدعاء لهم إلى ذلك وتزيينه، وقوله هذا إلهُكم وإلهُ موسى، وبما صنَعه من قبضةٍ قَبضَها من أثر الرسول وما سوَّلت له نفسُه، وقد قالَ الله تعالى في قصّة موسى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) . فبدأ بذكر الفتنة التي بها بدأ، وذلك أن اللهَ بصَّره أثرَ الرسول فقبض منه القبضة وجعل للعجل بعد أن صنع خواراً يخورُ به ويمشي، وليس ذلك تحت قدرة أحدٍ من الخلق ولولا الخوارُ ومشيُه لما عبَده القوم، ولا كان عليهم فيه شبهة. ورويَ من غير طريقٍ عن ابن عباس: "إن العجل كان يخورُ ويمشي وإن موسى قال: يا رب هذا السامريُّ أمرَهم أن يتَّخذوا العجل، أرأيت الروحَ من نفخَها فيه، قال الرب: أنا، قال: فأنت إذاً أضللتهم وفي رواية أخرى "يا رب علمت أنّ الحليَّ حليُّ آل فرعون، وأنّ السامريَّ صاغ العجل، والخوارُ ممن، فقال مني يا موسى (١) ، فقال: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) . فأخبر موسى أنّ الفتنة من عند الله، وأنّ اللهَ يهدي من يشاء، ويضل بها من يشاء ولم يُضف إلى السامريِّ ذلك ولا جعله إليه، وموسى عند القدرية مجبر مذموم بهذا القول، وإن كانوا يخافون في إظهارِ ذلك من خوف السيف. فبانَ بهذه الجملة كيفيةُ إضافةِ الله تعالى الإضلالَ تارةً إلى نفسه وتارةً إلى فرعونَ والسامريِّ وتارةً إلى المجرمين، وتارةً إلى إبليسَ والشياطين، وأنّه لا تناقضَ في ذلك ولا تنافي إذا كان منزّلاً مرتّباً على ما بيّناه، وبطلَ بذلك ما قاله الملحدون وتوهّموه. واعلموا - رحمكم الله - أنّ خلقَ اللهِ الروحَ والخوارَ والمشيَ في العجل. ودعوةُ السامري وإلباسُ فرعونَ والمجرمينَ لا يكونُ ضلالاً إلا لمن استضرَّ به وأجاب إليه، وضلَّ عند مشاهدته، وكان ممن قسمَه اللهُ لناره، ولا يجوزُ

стр. 598

أن يكونَ شيء من ذلك إضلالاً لمن خالَفه واعتقدَ بطلانه، ودعا إلى خلافه وتمسكَ بالحق الذي أمر به، ولذلك لم يكن مضلاً بما خلقه من حياة العجلِ وخوارِه أحداً ممن لم يعبُده، ولا كان فرعونُ والسامريٌّ والمجرمونَ والشياطينُ مضلين لأحدٍ من الأنبياءِ والمؤمنينَ والمتمسكينَ بإيمانهم، لما لم يستضروا بذلك ولا أجابوا إليه، فوجبَ بذلك أن تكون الدعوةُ إلى الضلال إضلالا لمن أجابَ إليها، دون من خالفها وردها، ولو لم يكن الأمرُ في ذلك على ما قلناه، وكان على ما قالَه الملحدون في آيات اللهِ وتوهمَتْه القدريةُ لما أخبرَ الله بعضَ قولنا هذا، وتأويلُنا عن أصفيائه وأنبيائِه والمتحملينَ لرسالته ومن جعلهم واسطة بينَه وبينَ خَلْقه. قال الله تعالى في قصة شعيبٍ بعدَ وصفِ سيرته مع قومه: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) . فأخبر عنه ﵇ باعترافِه بأن الله قد نجاه من ملتهم التي هي الكفر، وقد عُلم أن هذه النجاةَ ليست هي الدعوةُ والبيان، لأنه لو كان ذلك كذلك لكان نجا بدعوته جميعَ قومِ شعيبٍ وسائر الكافرين، ثم قال: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا) ، فأخبر أن عودَه وعودَ كل أحدٍ إلى ملةِ الكفر ودخوله فيها لا يكون إلا بمشيئة الله، وهذا نفسُ ما قلناهُ وأخبرَنا به. فأخبر تعالى عن موسى بمثل ذلك فقال: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) .

стр. 599

فأخبرَ عنه أنه أضافَ فتنتَهم وضلالَهم إليه، وأنه يُضل بها من يشاء ويهدي بهداه من يشاء، هذا مع المرويّ عنه في التفاسير ممّا قد بينّاه، ومن قوله: "فممن الخوار، قال: مني يا موسى، قال: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء"، وهذا تصريحٌ منه بمذاهبِ أهل الحق التي أخبرنا عنها، ومثلُ هذا أيضاً قولُ موسى: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) . وأخبر تعالى بمثلِ هذا بعينه عن نوع عند ذكر قصته مع قومه وكثرةِ دعائه لهم فقال تعالى: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) . فأخبرَ عنه أنه اعتقد وقال إنَّ نصحَهُ غيرُ نافعٍ لهم، إن كان اللهُ يريدُ أن يغويَهم، ولو لم يجزْ أن يعذبهم الله، وأن يزيدَ غيَّهم وضلالهم يُضف إرادة ذلك إليه سبحانَه، ويحيلُ عليه ضيق المقاليد بالأمر عليه، ولو تُتبعَتْ قصصُ الرسلِ وأقاويلُهم لوُجِدت جميعَها شاهدةً بما قلناه، وليس يجوز أن يكونَ لرسولٍ من الرسل قولٌ ومذهبٌ في القدَر وخلقِ الأفعالِ والهدى والضلالِ يخالفُ مذهبَ نوح وشعيبٍ وموسى ﵈، لأنّ ذلك يوجبُ تكذيبَ بعضَ أنبياء الله لبعض، واعتقادُ بعضهم فيه تعالى ما لا يليقُ به، ولا يجوزُ في صفتِه وقد نزههمُ الله عن ذلك، ورفعَ أقدارهم وعظمَ بالإيمان والتقدم في العلم به على سائر الخلقِ شأنُهم ومكانُهم. وكيف لا يكون هذا قولَ الرسلِ ودينهم في الله تعالى، وهم يسمعونه يقولُ في كتبهم مثلَ الذي قالَه لرسولنا في كتابه، وما هو بمعناه مما حكاه

стр. 600

عنهم وما لم يحكه، واللهُ يقولُ في كتابنا المنزّل على رسوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) . وقد علمَ كلُّ ذي تحصيلٍ أنّه لا يجوز أن يكونَ أرادَ بهذا الفضل الذي لولاه لاتّبعوا الشيطان، وما زكى منهم من أحد، وكانوا من الخاسرين، هو نفسُ البيانِ والأمر الذي هو على من ضلَّ وخسر واتّبعَ الشيطان، فدل بذلك على أنّ هذا الفضلَ هو الهدايةُ لخلقِ الإيمان وتوسعة الصدور والتوفيق، وجمعَ الهمم والدواعي على إيثاره وفعله وأنّه ليس له مثل هذا الفضل على من كفر وضل، وعلى هذا دلَّ قوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) . ولو كانت الهدايةُ هي الدعوةُ والبيانُ فقط، لكانت هذه المنّة بعينها له على أبي جهلٍ وأبي لهب وسائر الكافرين، ولو كانت الكتمانُ والتصديقُ والطاعةُ والانقيادُ من اختراع المؤمنينَ وخَلْقِهم وتقديرهم دونَ ربِّ العالمينَ ودونَ رسوله لم يكن لله عليهم منة بالإيمان والتصديق ولا لرسوله، إذ كان الإيمانُ فعلهم ومن تقديرهم وواقعٌ باختيارهم، وكان من المحال أن يمُنَّ الله عليهم بفعِلهم وخلقِهم، ولا قدرةَ له عليه عندهم ولا ملكَ له يتعلقُ عليه، ولا هو ردث له ولا إله له. وكذلك قو@هـ سبحانه: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً) . وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) . وقد عَلمَ الله أنه لا يمكنُ أن يكونَ هذا التحبيبُ للإيمان والتزيينُ له والتكريهُ للكفر، هو نفس الأمرِ والنهي، والوعد والوعيد، والترغيبِ والترهيب، إذ قد وجدَ ذلك لمن ليس بمحبّ الإيمان ولا كاره للكفر، وكذلك فلا يجوزُ أن تكونَ الحسنى السابقةُ للمؤمنين هو سبقُ بيانِه إليهم وترغيبِه إياهم، لأن
следующие страницы →