وقد تظاهرت الروايات بأنّ المضِل من الجن إبليس، والمضِلّ
من الإنس ابنُ آدم الذي قتل أخاه.
وأما إضلالُ فرعونَ لقومه، فإئما هو الدعوةُ إلى الضلالِ وإلباسُه عليهم
بالشبهات وإشغالهم عن تأمل آيات موسى بقوله: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا)
، ومنه قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَ) ، وبقوله: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) .
يوهم بذلك أنّه قادرٌ على قتله وأن ربّ موسى لا ينفعُه.
ومنه قوله: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) .
يوهمُ بذلك أنّ هذه صفةُ من ينبغي أن يُعبد.
وقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) .
وقوله: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) .
يوهِمُ قومه أنّه ينادي صاحبَ الخضر أو يشغلهم ببناء الصرح عن النظر في آيات موسى وتصديقه، ويتحمل في المدافعة بالأوقات.
ومنه قوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) .
يعني: موسى لأجل لثغةٍ كانت في لسانِه، وعقدة، فعابَه لأجلها بأنه لا يُبينُ عن نفسه، ثم قال: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) .
يوهِم أنّه لو كان عظيمَ الشأنِ لكان مسوَّراً بسوارٍ من ذهب، لأنّه كذى كان شأن العظيم إذا ارتفع منهم، أن يسوّر سوارا من ذهب، فهذا قدرُ طاقةِ فرعونَ ومبلغ ما عندَه في إضلالِه
فأما أن يكون له سلطان على القلوبِ والنفوسِ والإضلالِ بما ينفردُ اللهُ
سبحانَهَ بالقدرةِ عليه من ذلك فمعاذَ الله، وقد قال الله تعالى: (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧) .
ولو أمكنه إضلالُ أحدِ لأضلَّ موسى وقومه.
مع إيثاره لذلك وحرصِه عليه، ولكن ذلك ليس إليه ولا داخل تحت قدرته.
стр. 597
فأمَّا إضلالُ السامري لعبدة العجل، فهذا أيضاً بالدعاء لهم إلى ذلك
وتزيينه، وقوله هذا إلهُكم وإلهُ موسى، وبما صنَعه من قبضةٍ قَبضَها من أثر
الرسول وما سوَّلت له نفسُه، وقد قالَ الله تعالى في قصّة موسى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) .
فبدأ بذكر الفتنة التي بها بدأ، وذلك أن اللهَ بصَّره أثرَ الرسول فقبض منه القبضة وجعل للعجل بعد أن صنع خواراً يخورُ به ويمشي، وليس ذلك تحت قدرة أحدٍ من الخلق ولولا الخوارُ ومشيُه لما عبَده القوم، ولا كان عليهم فيه شبهة.
ورويَ من غير طريقٍ عن ابن عباس: "إن العجل كان يخورُ ويمشي وإن موسى قال: يا رب هذا السامريُّ أمرَهم أن يتَّخذوا العجل، أرأيت الروحَ من نفخَها فيه، قال الرب: أنا، قال: فأنت إذاً أضللتهم وفي رواية أخرى "يا رب علمت أنّ الحليَّ حليُّ آل فرعون، وأنّ السامريَّ صاغ العجل، والخوارُ ممن، فقال مني يا موسى (١) ، فقال: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) .
فأخبر موسى أنّ الفتنة من عند الله، وأنّ اللهَ يهدي من يشاء، ويضل بها من
يشاء ولم يُضف إلى السامريِّ ذلك ولا جعله إليه، وموسى عند القدرية
مجبر مذموم بهذا القول، وإن كانوا يخافون في إظهارِ ذلك من خوف السيف.
فبانَ بهذه الجملة كيفيةُ إضافةِ الله تعالى الإضلالَ تارةً إلى نفسه وتارةً إلى
فرعونَ والسامريِّ وتارةً إلى المجرمين، وتارةً إلى إبليسَ والشياطين، وأنّه لا
تناقضَ في ذلك ولا تنافي إذا كان منزّلاً مرتّباً على ما بيّناه، وبطلَ بذلك ما
قاله الملحدون وتوهّموه.
واعلموا - رحمكم الله - أنّ خلقَ اللهِ الروحَ والخوارَ والمشيَ في العجل.
ودعوةُ السامري وإلباسُ فرعونَ والمجرمينَ لا يكونُ ضلالاً إلا لمن استضرَّ
به وأجاب إليه، وضلَّ عند مشاهدته، وكان ممن قسمَه اللهُ لناره، ولا يجوزُ
стр. 598
أن يكونَ شيء من ذلك إضلالاً لمن خالَفه واعتقدَ بطلانه، ودعا إلى خلافه
وتمسكَ بالحق الذي أمر به، ولذلك لم يكن مضلاً بما خلقه من حياة العجلِ
وخوارِه أحداً ممن لم يعبُده، ولا كان فرعونُ والسامريٌّ والمجرمونَ
والشياطينُ مضلين لأحدٍ من الأنبياءِ والمؤمنينَ والمتمسكينَ بإيمانهم، لما لم
يستضروا بذلك ولا أجابوا إليه، فوجبَ بذلك أن تكون الدعوةُ إلى الضلال
إضلالا لمن أجابَ إليها، دون من خالفها وردها، ولو لم يكن الأمرُ في
ذلك على ما قلناه، وكان على ما قالَه الملحدون في آيات اللهِ وتوهمَتْه
القدريةُ لما أخبرَ الله بعضَ قولنا هذا، وتأويلُنا عن أصفيائه وأنبيائِه
والمتحملينَ لرسالته ومن جعلهم واسطة بينَه وبينَ خَلْقه.
قال الله تعالى في قصة شعيبٍ بعدَ وصفِ سيرته مع قومه: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) .
فأخبر عنه ﵇ باعترافِه بأن الله قد نجاه من ملتهم التي هي الكفر، وقد عُلم أن هذه النجاةَ ليست هي الدعوةُ والبيان، لأنه لو كان ذلك كذلك لكان نجا بدعوته جميعَ قومِ شعيبٍ وسائر الكافرين، ثم قال: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا) ، فأخبر أن عودَه وعودَ كل أحدٍ إلى ملةِ الكفر ودخوله فيها لا يكون إلا بمشيئة الله، وهذا نفسُ ما قلناهُ وأخبرَنا به.
فأخبر تعالى عن موسى بمثل ذلك فقال: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) .
стр. 599
فأخبرَ عنه أنه أضافَ فتنتَهم وضلالَهم إليه، وأنه يُضل بها من يشاء ويهدي بهداه من يشاء، هذا مع المرويّ عنه في التفاسير
ممّا قد بينّاه، ومن قوله: "فممن الخوار، قال: مني يا موسى، قال: إن هي
إلا فتنتك تضل بها من تشاء"، وهذا تصريحٌ منه بمذاهبِ أهل الحق التي
أخبرنا عنها، ومثلُ هذا أيضاً قولُ موسى: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) .
وأخبر تعالى بمثلِ هذا بعينه عن نوع عند ذكر قصته مع قومه وكثرةِ
دعائه لهم فقال تعالى: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) .
فأخبرَ عنه أنه اعتقد وقال إنَّ نصحَهُ غيرُ نافعٍ لهم، إن كان
اللهُ يريدُ أن يغويَهم، ولو لم يجزْ أن يعذبهم الله، وأن يزيدَ غيَّهم وضلالهم
يُضف إرادة ذلك إليه سبحانَه، ويحيلُ عليه ضيق المقاليد بالأمر عليه، ولو
تُتبعَتْ قصصُ الرسلِ وأقاويلُهم لوُجِدت جميعَها شاهدةً بما قلناه، وليس
يجوز أن يكونَ لرسولٍ من الرسل قولٌ ومذهبٌ في القدَر وخلقِ الأفعالِ
والهدى والضلالِ يخالفُ مذهبَ نوح وشعيبٍ وموسى ﵈، لأنّ
ذلك يوجبُ تكذيبَ بعضَ أنبياء الله لبعض، واعتقادُ بعضهم فيه تعالى ما لا
يليقُ به، ولا يجوزُ في صفتِه وقد نزههمُ الله عن ذلك، ورفعَ أقدارهم وعظمَ
بالإيمان والتقدم في العلم به على سائر الخلقِ شأنُهم ومكانُهم.
وكيف لا يكون هذا قولَ الرسلِ ودينهم في الله تعالى، وهم يسمعونه
يقولُ في كتبهم مثلَ الذي قالَه لرسولنا في كتابه، وما هو بمعناه مما حكاه
стр. 600
عنهم وما لم يحكه، واللهُ يقولُ في كتابنا المنزّل على رسوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) .
وقد علمَ كلُّ ذي تحصيلٍ أنّه لا يجوز أن يكونَ أرادَ بهذا الفضل الذي لولاه لاتّبعوا الشيطان، وما زكى منهم من أحد، وكانوا من الخاسرين، هو نفسُ البيانِ والأمر الذي هو على من ضلَّ وخسر واتّبعَ الشيطان، فدل بذلك على أنّ هذا الفضلَ هو الهدايةُ لخلقِ الإيمان وتوسعة الصدور والتوفيق، وجمعَ الهمم والدواعي على إيثاره وفعله وأنّه ليس له مثل هذا الفضل على من كفر وضل، وعلى هذا دلَّ قوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) .
ولو كانت الهدايةُ هي الدعوةُ والبيانُ فقط، لكانت هذه
المنّة بعينها له على أبي جهلٍ وأبي لهب وسائر الكافرين، ولو كانت الكتمانُ
والتصديقُ والطاعةُ والانقيادُ من اختراع المؤمنينَ وخَلْقِهم وتقديرهم دونَ
ربِّ العالمينَ ودونَ رسوله لم يكن لله عليهم منة بالإيمان والتصديق ولا
لرسوله، إذ كان الإيمانُ فعلهم ومن تقديرهم وواقعٌ باختيارهم، وكان من
المحال أن يمُنَّ الله عليهم بفعِلهم وخلقِهم، ولا قدرةَ له عليه عندهم ولا
ملكَ له يتعلقُ عليه، ولا هو ردث له ولا إله له.
وكذلك قو@هـ سبحانه: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً) .
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) .
وقد عَلمَ الله أنه لا يمكنُ أن يكونَ هذا التحبيبُ للإيمان والتزيينُ له والتكريهُ
للكفر، هو نفس الأمرِ والنهي، والوعد والوعيد، والترغيبِ والترهيب، إذ قد وجدَ ذلك لمن ليس بمحبّ الإيمان ولا كاره للكفر، وكذلك فلا يجوزُ
أن تكونَ الحسنى السابقةُ للمؤمنين هو سبقُ بيانِه إليهم وترغيبِه إياهم، لأن
стр. 601
ذلك أجمع ممّا قد سبقَ للكافرين، وهم غيرُ مبعدين من النار، ولا يجوزُ
أيضاً أن يكون سبقُ الحسنى لهم بمعنى أنّها الجنّة بما كان لأمرِه ونهيه
إياهم، وإنّما سبقت الجنّة إن كانت هي الحسنى بما سبقَ لهم من الهداية
وقسمهم لها دون البيان والأمر والنهي.
وعلى هذا دلّ قوله: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) .
وقوله في مثل هذا: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) .
فأخبَر سبحانَه أن لو أنفق جميع ما في الأرض ما ألّف بينَ قلوبِهم وأنّهم أصبحوا بنعمتِه إخوانا، وأنقذَهم من النار، وامتنَّ بهذا أجمعَ عليهم، وقد عُلم أنّه لا يجوزُ أن يكون هذا التأليف ُ بين قلوبهم والاستنقاذُ لهم هو نفسُ الدعوة والبيان، لأن ذلك أجمعَ موجودٌ في الكافرين لا يوجبُ أن لا يكون اللهُ سبحانَه في هذا التأليف والاستنقاذِ من النعمة إلا ما للرسول، وما لبعضهم على بعض، لأن الدعوة والإقدار قد وجدَ من الرسول ﷺ ومن بعضهم لبعض، فدلَّ ذلك على أنه
إنّما امتنَّ عليهم بما هو وحدَهُ القادرُ عليه، والمختصُّ بالتفضُّل به.
وكيف يكون التأليف ُ بينَ قلوبِهم هو نفسُ الدعوة والإنذار وهو يقولُ
للرسول ﷺ : (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) .
وهو ﵇ على قولهم قد ألّف بينَ قلوبِهم، إن لم يكن التأليفُ بينَ
قلوبهم شيئا سوى الدعوة والإنذار، هذا خلف من القول وبما يتعالى الله
عنه.
стр. 602
ثم أخبر تعالى فيما قدَّمنا ذكره من الآي وغيرها أنه فعلَ بالضالين
والكافرين من ضيقِ الصدور والطبع على القلوب والختم، وجعلِ الأكنة
عليها، والتغشيةِ على الأبصار نقيضَ ما فعلَه بالمؤمنين وأخبرَ عن أوليائِه
وأصفيائِه، ومن هو أعلم باللهِ من جميعِ المُلحدةِ والقدرية أنهم رغبوا في أن
يفعلَ بهم ما فَعلَهُ بالمؤمنين وأن يجمعهم عليه ويُجنبهم ما فعلهُ بالكافرين.
فقال تعالى فيمن أحسن الثناء عليه وأقر بالاقتداء به: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) .
وهذا قولُ من قد علمَ أن جعلَ الغل في قلوبهم من فعلِ الله رب العالمين، ولو لم يجزْ ذلك عليه، وكان فعلُه ظلماً وسفهاَ على ما يقوله المبطلون، لكان ذلك رغبةً إلى الله في أن لا يفعل ما يستحيلُ في صفته وما إذا فعلهُ كان بفعلِه ظالما جائراً سفيها، وكل سائلٍ وراغبٍ إلى اللهِ فيه جاهل به ومستخفٍ مفترٍ عليه، واللهُ تعالى يُجَل عن أن يثني على قومِ هذه سبيلُهم وصفتُهم.
وليس يجوزُ أن يكونَ مرادُهم بقولهم ولا تجعلْ في قلوبنا غلاً للذين
آمنوا أي لا تسمينا غالَّين ومُدْغلين ومنافقين ونحو ذلك، لأنهم لا بد أن
يكونوا إنّما رغبوا إليه في أن لا يسميهم بذلك، إذا فعلوا الغل والنفاقَ
والإدغالَ وإذا لم يفعلوه، فإن كانوا رغبوا إليه في أن لا يسميهم بقُبحِ
أفعالهم وموجبِ صفاتهم، وإن فعلوا ذلك ووقعَ منهم بذلك رغبةً إليه في
السفه والإغراء بمعاصيه وقلبِ اللغة، وإبطالِ الترغيبِ والترهيبِ والكذبِ
في خبرِه، والتسويةِ بين أعدائه وأوليائه، والظلم باهل طاعته إذا لم يفرق في
الأسماء القبيحة بينَهم وبينَ حالَي الإجرام والذنوب، واللهُ سبحانَه لا يثني
على قومِ هذه صفَتُهم، وإن كانوا رغبوا إليه في أن لا يسميهم بذلك إذا لم
стр. 603
يفعل الغل والنفاقَ فكأنهم إنما رغبوا إليه في أن لا يكون عليهم ولا يضيف
إليهم ما لم يكن منهم، ويصفهم بما ليس في صفتهم، وفي أن لا يظلمهم
ولا يجورَ عليهم في ذمًهم بما لم يكن منهم، واللهُ يجل عن هذه الصفةِ وعن
مدحِ قومٍ رغبوا إليه في أن لا يكون على هذه الأوصاف.
وكل هذا يدلُّ على ما قلناه، وعلى إبطال ما قالَه القدريةُ والملحدون
في آيات الله، وكذلك القولُ في كل رغبةٍ وقعت من مؤمنٍ في أن يجعلَه
مؤمنا مصدقا وأن لا يجعله كافراً ولا ضالاً نحو قول إبراهيم: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) ،، ولا يجوز أن يكون معنى
هذه الدعية أن سمينا مُسْلِمَيْنِ إذا أسلمنا أو سمينا بذلك، وإن لم نُسلِم ولا
أن تُبينَ لنا وأمرنا لأحدٍ سبقَ منه هذا الأمرُ وتقدم إليه وإلى غيره من
الكافرين، فالتعلقُ بكل هذا تعليل وتمريض.
وقولُهم بعد ذلك: إن هذه الدعوات من الرُّسل ِ والمؤمنينَ إنما وقعت
على وجه الرغبة فقط، لا معنى لها ولا يجوز على غير ما رغبوا إليه فيه.
وأنها بمثابة قوله لنبئه: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) ، وقد عُلمَ أنه لا يجوز عليه
الحكمُ بغير الحق وإنما ذلك أمر بالرغبة فقط، إنما هو لبسٌ وقصد للتمويه
لأن التأويل في قوله: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) : أي عجل الحكمَ به كله أو
بعضَه، لأنه تعالى له تعجيلُ الحكمِ بالحق وله تأخيره، وليس له عند
المعتزلة تقديمُ جعل الغل للمؤمنين في القلوب ولا تأخيرُ ذلك ولا يصح أن
يقع منه بحال، وهذا يبطلُ تمويهاتِهم بهذه الأباطيل.
стр. 604
وكيفَ لا يجوز على اللهِ ما قلناه وهو تعالى يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) .
وليس يجوز أن تكون هزيمةُ من انهزم وانحرافه بأمر اللهِ وإيجابه، وإنّما أرادَ بذكر إذنه قضاءَه وقدرَه وما قذفَه في قلوبهم، وقد قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
فأخبَر أنّه - جعلَ قلوبَهم قاسيةً وأنّه أغرى بينهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يوم القيامة، وليس هذا من الحكمِ والتسميةِ بسبيل، ولأنّ ذلك لو كان كذلك لكان النبي ﷺ والمؤمنين وكل منتمٍ لهم، وحاكمٍ عليهم يجعلُه إيمانُهم قد أغرى العداوة بيتهم وجعل قلوبَهم قاسية.
وهو ما لا يقولُه أحد.
وقال سبحانَه: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ) ، فأخبرَ بتغطيةِ قلوبِهم وليس ذلك من التسمية بسبيل.
وقال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) .
ولو كان الهدى منه لا يكون إلا بمعنى الدعوة والبيان لم يكن لهذا الامتنان عليهم معنى، ولكان قد هدى بهذا الهدى جميعَ المكلًفين، ولم يكن لقوله: (يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) معنى، وكل هذا يبطلُ ما قالوه.
وقال تعالى في نقيض صفةِ هؤلاء الأنبياء: (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) .
стр. 605
افتَرى أنه فعل بهؤلاء ما فعلَه بمن قال وألَف بينَ قلوبهم، وبمن قال وكنتم على شفا حفرةِ من النّار فأنْقذَكم منها، لولا الجهلُ والعنادُ وقصدُ التمويه والإلباس، فهوكيف يكون ذلك كذلك واللهُ تعالى يقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) .
فأخبر أنّه للخلاف الذي لا يزالون عليه خلَقَهم، وأنه قد حقت كلمته بأن يملأ جهنَّم من الجِنّة والنّاس أجمعين، ولا يجوز أن يكون قولُه ولذلك خلقهم منصرفاَ إلى الرّحمةِ وهو يقول: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) ، ويقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) ، (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) ،، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) ، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) ، فكلُّ هذا يدلُّ على بطلان تأويلهم.
وأمَّا تعلقُ القدريّة في كثيرٍ من إخباره تعالى بإنعامِه على المؤمنين
وتأليفِه بينَ قلوبِهم واستنقاذِهم من جهنَّم وحرمان الكفار ذلك أجمع، بأنّه
إئما أُريد بذلك إعطاؤه تعالى للمؤمنين الألطافَ الداعيةَ لهم إلى فعلِ
الطاعة، والجامعةَ لهمَمِهم عليها، وأنّه ليس له مثلُ هذه النِّعمة والهداية على
الكافرين، فإنّه أيضاً باطل من قولهم، لأنّ اللُّطف عندهم واجب على الله
سبحانَه فِعْلُه بعد تكليفهم وقَبُحَ منه تركُه، كما أنّه يجبُ عليه فعلُ الإقدار
والتمكينُ وفعلُ الثواب والجزاء بعد الطاعة، فمحال منه إذا أن يمتنَّ على
المؤمنين بما هو واجب عليه ولازم له، ولأنه تعالى أيضا عندهم غيرُ قادر
على إعطاء مثل ذلك اللطفِ للكافرين، ولا هو عنده وفي خزائنه وسلطانِه،
стр. 606
لأنه لو كان ملم بفعله بهم لوجبَ بُخْلُهُ عليهم واستفساده لهم، وذلك إخراج له عن الحكمة، فإذا لم يكن عندهم قادراً على التسوية بينَ الكافرين
والمؤمنين فما معنى امتنانَه على المؤمنين، وإخبارَه بتخصيصه لهم بأجرٍ لو
حاولَ فعلُه بالكافرين لم يكن عنده ولا تحتَ قدرته، على أن القولَ بأن
الهدايةَ لطف من فعلِ اللهِ فيهم نقضٌ لقول من قال منهم إنها لا تكون بمعنى
الحكم والتسمية، وجميعُ ما قدَّمناه ونزَلناه يدلُّ على إبطال ما ألبسَ به
الملحدون، وتعلَّقت به القدرية، وتكشفُ عن ترتيب الإضلال من اللهِ ومن
غيره، وترتيبِ الهداية منه وتفضيلها، ويوجبُ تنزيلَ الظواهر التي يوردونها.
وحملِها على ما رتبناه دون ما قالوه.
فأمَّا إضافةُ المعاصي وضروبُ الكفر والضلالِ في آياتٍ كثيرةٍ من كتابه
إلى أنفسِ العصاةِ والكفار، فإنّه أيضا غيرُ منافٍ لإضافةِ إضلالِهم تعالى إلى
نفسِه، لأنه سبحانه إنما أضافَ ذلك إليهم من حيثُ كانوا مكتسبين له
وقادرين عليه، وعلى تركِه، ومن حيثُ كانت هذه المعاصِي صفاتٍ لهم
وحالَّةً فيهم ومتعلّقةً بهم ضرباً من التعلُّق، وأضافَ إضلالَهم إلى نفسهِ تعالى
من حيثُ هو الخالقُ لها والقادرُ على اختراعها دون جميع الخلق، ومن
حيثُ كان سبب اكتسابهم لها وما ورَّطهم فيها من قوله تعالى وإن كان عادلاً
حكيما بذلك أجمع، لأنّ الخلقَ خلقُهُ وهم تحتَ قبضتِه لا اعتراضَ لمخلوقٍ
، في حكمهِ وقضائِه وقدرِه، فهذا التنزيلُ أيضا لا ينافي إضافَةَ المعاصي تارةً
إليهم وتارةً إليه، من جهةِ الخلق قال الله سبحانَه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ، وقال: (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) ، وقال: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) .
وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) .
стр. 607
وقال: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) .
يقول: كيف لا أعلم القولَ وإن أخفيتموه، وأنا الخالقُ
له، في نظائر لهذه الآيات خبر فيها عن خلقِ أفعال العباد.
ثم قال في إضافةِ الأفعال إليهم: (كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) .
وقال: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) ، وقال: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) ، وقال: (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) ، وقال: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) ، (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) .
فأضاف اتباعَ الهوى إليهم، وقال: (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) .
وقال: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) .
وقال: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) ، فأضافَ
جعلَ ذلك إليهم في نظائرَ هذه الآيات يكثرُ تتبعها، أضافَ في جميعها
الاكتساب إليهم، وذلك لا ينافي ما أخبرَ به من خَلْقه لأفعالِهم على ما بيتاه
وَرتبْنَاه.
ثم بيَّن تعالى أن سبب ضَلالَهم بما اكتسبوا مما نهُوا عنه، كان من عنده
ومن قبلِه في آياتٍ كثيرة، كما بيّن أنه خالقٌ لأفعالِهم في آياتٍ كثيرةٍ فقال
تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) ، فأضاف صرْفَ
قلوبِهم إلى نفسِه، وهو سببُ انصرافِهم عن الحقِّ، وقال: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) .
وقال: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) ، وقال: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) .
стр. 608
فأضافَ الإملاءَ والصّرفَ عن آياتِه إلى نفسِه وجعلهُ من أسباب ضلالِهم.
وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) ، فأضافَ تقييضَ الشيطان إلى نفسه، وجعلَ ذلك من أسبابِ ضلالِ
المتبع لغيره، وقال: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) .
فأخبرَ أنّ سببَ هلاكِهم، هو إرادتهُ لذلكَ وتأميرهُ لمن في أهل القرية.
فبيَّنَ تعالى بجميع هذه الآيات وجهَ إضافَةِ الضّلال والإضلالِ إليهم.
ووجهُ إضافَةِ ذلك إليه وأكذبَ من افترى عليه، وقال إنّه غيرُ خالقٍ لأفعال
عبادهِ ولا قادرٍ عليها ولا مالكٍ لها، ومن قال من العبادِ لا يكتسبون شيئاً ولا
يقدرون عليه ولا يتعلق بهم أمر من الأمور وأنّهم كالباب والحجر والجماد.
ومتى تُدُبِّرَتْ هذه الآيات ونزلتْ التنزيلَ الذي وصفناه ورُتبت الترتيبَ الذي
رتّبَه اللهُ تعالى وأرادَه انتفى عنها التناقضَ والاختلاف، وصارَ بعضُها حجّةً
لبعضٍ وشاهدا بصدقه، ومتى جُهلَ ذلك التُبِسَ عليه الأمرُ وضُرب بعضُ
القرآن ببعض، واعتمد تنافيه وتناقضه، وصارَ ذلك ذريعة إلى تعطيلِه
وتلاحُدِه نعوذُ بالله من الحيرةِ والضلال.
فأما تعلقُ الملحدةُ والقدريةُ في معارضةِ ما تلوناهُ من الآي في أنّ الباري
مضِلٌّ لمن شاء من العبادِ بضروبِ الضلالِ الذي ذكرناه بقوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، فإنه من عِناد
الزنادقةِ وجهلِ القدرية وغفلتها، وذلك أن اللهَ سبحانَه عاب هذا القولَ من
قائله وذمّه وفنَّده عليه، فقال في أول القصة: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) ، فعيَّرهم بهذا القول وأخرجَه مخرجَ الذم لهم عليه، ثم قال: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فردّ هذا القول
стр. 609
وأخرجَه مخرجَ الذمِّ الذي عيرهم عليه وأكذبَهم فيه، بقوله لنبيه ﵇: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ثم قال (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، على وجهِ التعييرِ لهم بهذا القول اقتصاراً على شاهد الحالِ ومفهومِ ذمهم وتعييرهم بهذا القول في أول الخطاب، فكأنّه قالَ كل من عند الله فما لهؤلاء القومِ لا يكادونَ يفقهونَ حديثاً، يقولون ما أصابك من حسنةٍ فمن اللهِ وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك، فحذفَ يقولون لأجل دلالةِ الخطابِ ومخرجَ القصدِ والبينةِ والكلام، ويدُلُّ على أنّ هذا هو التأويل أمران:
أحدهما: إجماعُ الأمة على أنّ اللهَ ذمَ قائلَ هذا في النبي ﷺ فلا يجوز أن يذمَّهم بقوله ويُصدقهم فيه ويقولُ مثلَ قولهم ولا جوابَ عن هذا.
والوجهُ الآخرُ: أن اللهَ تعالى قال: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) فهذا يدل على أن الذي يصيبَهم من قبل غيرهم، وأنه ليسَ من اكتسابهم، لأن أهلَ اللغةِ لا يستجيزونَ أن يقول القائلُ منهم: أصابتني سيئة إذا اكتسبت معصية، وإنما يقولون أصبتُ سيئةً أي فعلتها، وكذلك إذا فعلَ الحسنة لا يقول: أصابتني حسنة، وإنما يقول أصبت حسنة، والمصابُ عندهم بالحسنةِ والسيئةِ هو الموجود ذلك به، من فعلِ غيره من نعمةٍ هي حسنة أو بليةٍ وأذِيَّةٍ ونقمة، هي من فعل غيره، فأما استعمال أصابني ذلك في فعل الإنسان نفسه، فذلك محال ممتنع، فبطلَ
بذلك ما قالوه.
فأمَّا القدري فإنّه لا يقول إنَّ الحسنةَ التي هي الطاعةُ وضد السيئةِ من
الله، لأنه لا يقول أنّ اللهَ خلقَ الحسنةَ كما لا يقولُ أنه خلقَ السيئة.
стр. 610
فإن قالوا: أرادَ بقوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) ، أي: فاللهُ أمرَ بها
ودعا إليها ولم يرد أنّه خَلقَها.
قيل لهم: فكذلك أراد بقولهِ: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، أي:
من نفسك الأمرُ بها ودعاؤها إلى فعلِها، ولم يُردْ أنك تَخْلقها كما لم يرد
بإضافةِ الحسنةَ إلى نفسهِ تعالى بأنه خالق لها فإنما أضافَ السيئَة إلى رسوله
على وجهِ ما أضافَ الحسنةَ إلى نفسه، فإن لم يكن أرادَ بإحدى الإضافتين
الخلقَ منه، ولم يرده أيضاً بالأخرى، ولا جوابَ لهم عن هذا.
وقد أجمعَ أهلُ التأويلِ والعلمِ بالقرآن على أن المرادَ بذكر الحسنةِ
والسيئةِ في هذه الآية النّصرُ والغنيمةُ والانصراف والهزيمةُ وذهابُ المالِ
والكراع وغير ذلك من الأموال، وأنها منزَلة في شأن الحرب.
قال اللهُ سبحانَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ (أي هزيمة) قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ (أي نصر من اللهِ) لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) ﴾ .
إلى قوله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ (النصر) يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ (قال الله تعالى) قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) ﴾ .
يقولون ما أصابك من حسنةٍ فمن اللهِ على وجه الذم والتعيير لهم بهذا القول، فأمّا أن يكون عرضَ بذكر هذه الآية لأفعال العباد فليس بقولٍ لأحدٍ من أهل التأويل.
وقد قيل في تأويلُ قوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: ما أصابَكم
من مصيبةٍ فمن أنفسِكم أي: مما اكتسبتم من الخلاف على رسولِ الله ﷺ في
стр. 611
لزوم أماكنكم وانصرافِ الرماةِ منكم يوم أُحدٍ لطَلبَ الغنيمة، وتَركهم الصفَّ حتى أعَقَبكم ذلك السيئة التي هي الهزيمة.
قال اللهُ تعالى في قصة أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ (يعني ما أصابكم
يوم أحد) قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا (يعني يوم بدر) قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا (يعني ما أصابكم يوم أحد) قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: عقوبة بما كان من
عصيانكم لأمر الرسول ﷺ للرماة منكم بلزوم مركزهم فلمّا انكشفَ العدوُّ قال الرماةُ أو بعضهم: نخاف أن يجعلَ رسولُ اللهِ لكل قاتل وكل إنسانٍ ما يصيبُه من الغنيمةِ وسَلْبِ من قَتلَهُ ففارقوا مكانَهم واختلَطوا بالمشركين، ودخَلوا رجالاتهم، وأصابَ المشركون فرصة وخللاً في الصف، فَانْثنَوْا عليهم وكان ما كان من هزيمتهم، فالملحد يقدرُ أن هذه الآية نقضٌ لإخبار اللهِ سبحانَه عن نفسهِ بأنه يُضل ويختم على القلوب، والقدريُّ يتوهم أنها معارضة لما يحتج به أهل الحق ونافية لكون السيئات التي هي المعاصي من عند الله، فإن الله سبحانَه ما عرضَ لشيء من ذلك، وإنما تأويلُ السيئةِ الشدةِ والمصيبة.
قال اللهُ سبحانَه: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) ولم يُرد
أصابتكم ذنوب أصبتم مثليها، وقال: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) .
يريدُ من شدّةٍ ونقمةٍ ولم يرد ما أصابكم من مصيبة فبما كسبتم من معصية، فوجب أن يكون التأويل في ذلك على ما وصفناه
وأن لا يكون للملحد والقدري في الآية تعلق.
وقد قيل إن تأويلَ الآية أن القومَ كانوا إذا أصابَهم الجدْبُ والشدة قالوا
هذا من عند محمدِ وبشؤم طائره، وإذا أصابهم الخصبُ والرخاء قالوا هذا
من عند الله وبرَّأوا الرسول منه غضًّا من قدره وتطيُّراَ به، فأنكر الله تعالى
стр. 612
ذلك من قولهم، وقال لرسول اللهِ ﷺ : (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، فالحسنةُ والسيئة ها هنا إنما هما الشَدةُ والرخاء، قال الله تعالى: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ) ، وقال: (وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) يعني الشدةَ والرخاءَ
والنصرَ والهزيمةَ ولم يُرِد الطاعةَ والمعصية.
ومما يدلُّ على ذلك ويشهدُ له إخبارُ اللهِ تعالى عمن سلف من منافقي
الأمم بمثل هذا القول الذي أخبر به عن منافقي أمة محمد ﷺ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ (يعني الخصب) قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ (يعني السنين نقص الثمرات) يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ .
يقولون هذا بشؤم موسى ومن تبعه.
وكذلك كانت قصةُ المنافقينَ مع رسول اللهِ ﷺ إذا أصابَهم نصر ورخاءٌ وإنعام أو هزيمة وشدة وجدب، فعابهم الله على ذلك، كما عابَ قومَ فرعون، وقال لصالح: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ (يعني بالعذاب والنقم قبل العافية) لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) ﴾ .
فكل هذه الآيات والأخبار تدلُّ على أن السيئةَ والحسنةَ ليستا مقصورتين على الطاعةِ والمعصيةِ وتدل على غباوةِ الملحدة والقدرية في تأويل هذه الآية.
وأمَّا تعلقُ الملحد والقدريُّ بقوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) ، وقوله: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) .
وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا) .
فالجوابُ عنه أن القومَ إنما
стр. 613
قالوا ذلك على وجه النفاق واعتقاد خلاف ما يظهرون من هذا القول، وعلى وجه الهزل بالرسول والإنكار لقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) .
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) ، (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) .
ونحو هذا القول، فقالوأ هذا القولَ على وجه الرد والإنكار، كما قالَ سبحانَه في ذمهم بقولهم: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) ، وهذا القولُ حقٌ لمن قالوه معتقدين لصحّته ولكنّهم قالوا ذلك على سبيل التكذيب للرسول، وكما ذمّ المنافقين بقوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) .
فأكذبهم في قولهم، لأنّهم قالوه نفاقا على غير وجه الاعتقاد لصحته، ويدلُّ على ذلك أنّ القومَ كانوا يجحدون الرحمن وينكرونَه ولا يعرفون اللهَ سبحانَه فيكف يصدقون بأنّه لو شاء الرحمن ما عبدوهم.
قال الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) .
وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ، فقالوا هم لما سمعوا ذلك لو شاء اللهُ ما أشركنا ولا آباؤُنا ولا حرمنا من شي، قال اللهُ سبحانه: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) ، فأخبر أنّهم قالوا هذا القولَ على وجهِ التكذيب، وكل هذا ردٌّ على الملحدةِ والقدرية، وكيف يجوزُ أن يعرفَ اللهُ سبحانَهُ ويعرفَ أنه لو يشاء أن يؤمن لآمن من هو كافر ومن هو غير عارف به، هذا جهلٌ ممّن ظنّه وتوهّمه لأنهم لو عرفوا اللهَ وعرفوا أنّه قادرٌ على أن يلطف بهم ويجعلهم مؤمنين لكانوا مصدقين أبرارا، ولم يكونوا كافرين مكذبين ولم يقل الله: ((كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
стр. 614
(وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) أي: تكذبون فكيف يردُّ هذا القولُ على المشركين لو قالوه على وجهِ الإقرار والتصديق وهو سبحانَه يخبرُ بصحَّة ذلك ويدعوا
إليه، ويقول: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) .
ويقول: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) .
ويقول: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) ، في أمثالٍ لهذه الآيات يخبرُ فيها أنه لم يكن ما كان من الكفار إلا بمشيئته، وأنَّه لو شاء أن لا يكون لما كان، فكيف يكذبُ قوما قالوا هذا القولَ واعتقدوا صحته، لولا جهلُ من يتعلقُ بهذا ووغادَتُه من القدرية والملحدة.
ومما يدلُّ أيضاً على أن التأويل َ في ذلك على ما قلناه وإن كان ظاهرا لا
يحتاجُ إلى تأويل عند من تأمل صدور الكلام والقصص، وإعجازها.
ومخارجَ الكلامِ وأسبابِه، أن اللهَ تعالى قال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
، بالتشديد كما كذبَ قومُكَ يا محمد ولو أراد الإخبارَ عن أن
هذا القولَ كذب منهم لقال كذلك كذبَ الذين من قبلهم مخففا من الكذب
ولم يقل كذَّب مشدد من التكذيب، فهذا أيضا دليل واضح من نفسِ التلاوة
على أن القومَ قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسل، ولما ورد من إخبارِ اللهِ
تعالى بما قدمنا ذِكرَه ولم يقولوه على وجه الاعتقاد والتصديق.
فإن قالوا: قد قال اللهُ تعالى عقيبَ قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) .
стр. 615
أي: تكذبون في قولكم لو شاء اللهُ ما أشركنا فقد أكذَبَهم في هذا القول.
قيل لهم: معاذَ اللهِ أن يكون أكذبهم في هذا القول مع اعتقاد صحته
والإيمان به، وكيف يكذبهم فيه وهو قد أخبرَ به على ما قد بيَّناه من قبل.
وإنما عنى تعالى بقوله: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) .
أي:
تكذبون بقولكم إن اللهَ حرَّم هذا وحرَّم السائبةَ علينا والوَصِيلة والحام.
والبحيرة وأنه شرع ذلك لهم، قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ) ، أي: لم يفعل ذلك.
وقال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) ، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فعلى مثل هذا قال: إن أنتم إلا تخرصون في ادعائكم تحريمَ اللهِ سبحانَه ما لم يحرمه فبطل بذلك ما تعلَّقوا به.
فأمَّا ما تعلَّقوا به من قوله: (كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) ، فإنه لا تعلٌّقَ فيه، لأن اللهَ تعالى قال: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا) موضع الوقف وانقطاع الكلام، ثم تبدأ بقوله: (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) ، وذلك أنّ اليهود قالوا: كل الأنبياء من ولد إسحق، فما بالُ هذا من ولد إسماعيل، فحَسدوه إذ لم يكن من أنفسِهم من بين إسرائيلَ وعاندوهُ وأصحابه، وحتى بعثَ
стр. 616
رؤساؤُهم طائفةً منهم يؤمنون بالنبيِّ ﷺ وقالوا لهم آمنوا أوَّل النهار واكفروا آخره فإن سُئلتم عن ذلك فقولوا قد كنّا نظن أنّه النبي الذي بُشرِّنا به فآمنا، فلمَّا رجعنا إلى أحبارِنا وعلمائِنا أخبرونا بأنّه ليس هو الذي بُشَرنا به، فلعلهم إذا فعلتم ذلك أن ينفضَّ جمعُهُ ويكفرَ به أصحابُه، ومتى كان آمن به فأخبر تعالى نبيه ﷺ بذلك والمؤمنينَ فقال: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) .
يعني عن الإيمان بما آمنوا به من تصديق محمد ﷺ ثم قال: (كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) ، أي لأن النبي ﷺ لم يكن من بني أمتهم وأعمامِهم قال اللهُ تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ، أي من بني أمتكم ومن بنبي عمِّكم، وقال: (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) ، أي: لا يُخرجُ بعضكم بعضا.
وقولُه: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، أي لا يقتل بعضكم بعضا، ولم يذكر النفس في هذه المواضع الروحَ والحياة، والنفسَ التي في الجسد، وإنّما أرادَ بالنفس البعض.
ويمكن أن يكون أرادَ بقولِه: (كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) ، أي: أن
قولَهم إن اللهِ أمرنا بتكذيبك وردك إلى دين موسى كذلك يفترونه من عند أنفسِهم ما أنزَلَه الله ولا وقفَ عليه ولا أمرَهم به ولم يُردْ إنني ما خلقتُ تكذيبهم ولا قدَّرته ولا قضيتهُ وإذا كان ذلك كذلك سقط ما ظنه القدرية والملحدون.
وأمّا قولُه تعالى: (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، فإنه
стр. 617
ليس بنقض لإخباره عن إضلالِهم والطبعِ على قلوبِهم والخلقِ والتقديرِ
لأعمالهم، لأن القومَ لم يدَّعوا أنّ الله خَلقَ أفعالَهم وقضى وقذَر أعمالَهم.
فينفي اللهُ سبحانَه ذلك عن نفسِه بقوله: (وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، وإنما ادعوا
أن التوراة أنزلَها الله محرفةً ومبدَّلة على ما أوهموا سفَلَتهم وعامّتهم وأوغادِ
النّاس، وإنّما ادّعوا ذلك بعد أن حرَّفوا التوراة وغيَّروها، وغيَّروا وصفَ
الرسولِ وذِكرَ البشارة به في التوراة فقال اللهُ تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ (يعني: التوراة واللَّي الكذب، ومنه قولُه تعالى: (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) ، ثم قال: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ (كما يدَّعون) وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ .
أي: لم ينزِّل اللهُ عليهم الكتاب بذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما
ظنه الملحدةُ والقدريَّةُ من التعلقِ بهذه الآية.
فأمّا قولُه تعالى: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) ، وأنه أيضا لا معارضةَ بينَه وبينَ إخباره عن إضلالهم، وتوليه لخلق أعمالهم، لأنه تعالى إنَّما قصدَ بذلك البراءةَ من العهود التي كانت بينَ رسول اللهِ ﷺ وبينَ المشركين، ولم يعرضْ لذكرِ شركِهم ومعاصيهم، فقال اللهُ تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) ، إلى قوله (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) .
فكلُّ هذا يدلُّ على أنّ البراءةَ من اللهِ ورسوله إنّما هي براءةٌ من العهود وإنفاذِ الرسولِ لسورة براءة، والقصَّةُ في ذلك مشهورة، وأنَّه قال: "لا يؤدِّي عني إلا رجلٌ منِّي " يعني عليّا ﵇.
فَحَمْلُ الآية على التبرِّي من شركِهم ومعاصيهم جهل وغباوة أو عناد
وإلباسٌ على الضعفاء، ولو كانت براءةُ اللَّهِ فيهم براءة من خلقِ أفعالهم
стр. 618
لكانت براءةُ الرسول منهم براءةً من خلق أعمالِهم، وذلك جهل ممن صار
إليه، ولو كانت براءةُ اللهِ من المشركين براءةً من خلقِ أعمالِهم لكانت أيضا
براءةً من خلق ذواتهم، لأنّ البراءةَ براءبلا منهم دون شركِهم، لأن اللهَ سبحانَه لم يعرض لذكره، وإنَّما ذكرهم بأعيانِهم، ولو كانت براءَته من المشركين براءةً من خلقِ أعمالِهم لكانت ولايتُه للمؤمنين وقولُه: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) ، توليا لخلقِ أعمالَهم وإيجادِ طاعاتهم، ولما لم يجب
ذلك بطل ما قالوه.
فأما قولُه تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) ، فإنه أيضاً لا معارضةَ بينَه وبينَ إخباره عن خلقٍ كثيرٍ منهم ومعاصيهم المتفاوتة
القبيحة، وتوليه لإضلالِهم والختمِ والطبعِ على قلوبهم، لأنه إنما عنى بخلقِ
الرحمنِ في هذه الآية السماء، يدلُ على ذلك أنه ابتدأ وقال: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) ، يعني في السماء، ثم
قال: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) ، يعني هل ترى في السماوات
من صدوعٍ وشوقٍ وخللٍ وقد علم أن الكفرَ لا يرجع البصرُ فيه وإليه، ولا
يجوزُ أن يكونَ فيه فطور وشقوق، فثبت أنّه إنما نفى التفاوتَ عن السماواتِ
من المخلوقات، ولم يعرض في هذه الآية لذكر المعاصي وغيرها من أفعال
العباد فبانَ بذلك سقوطُ ما ظنّه الملحدة والقدرية.
ويمكن أيضا أن يكون إنما نفى التفاوتَ عن جميع ما خلقَ من حيثُ لم
يقع شيء منه وغيره متفاوتاً على إرادته، وبخلاف ما قَصده، ولا قَصدَ أن
يكون شيئاً منه قبيحاً فوقعَ حسناً، وحسناً فوقع قبيحاً بخلافِ القَصدِ بالكفر، وإن كان متفاوتاً على مكتسبه من حيثُ قَصدَ كونَه حسنا ديناً فوقع قبيحا
فاسداً، فإنه غيرُ متفاوتٍ على الله لأنه منافي خلقهِ على ما قَصدَه وأراده
стр. 619
من القبيح وخلاف للحسن، فوجبَ بذلكَ بطلانُ ما قالوه، وهذا كما يقول: إن رميَ الكافرَ للمؤمنِ وإصابتَه له غير متفاوتٍ عليه، من حيثُ كان إصابةً
لما قَصدَه ولتأتيه على ما أراده وإن كان متفاوتا عليه من حيثُ قصدهُ حسنا
دينا فكان قبيحا فاسداً، فإذاً ليس في جميع خلق اللهِ ما هو متفاوتٌ على اللهِ
تعالى، وإن كان منه المتفاوتُ على غيرهِ لتأتيه بخلاف قَصده وإرادَته.
وأما قولُه تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) ، فإنه لا معارضة بينَه وبينَ إخباره عن إضلال الكُفار وخلقِ أعمالهم والختمِ على
قلوبهم، لأنه لم يقل الذي حسَّن فيكون معناهُ جعلُ الشيء حسنا، وإنَّما قال
الذي أحسن يعني يحسنُ كيف يخلقُ ويعلمُ ذلك، وهذا كما يقولُ: إن الكافر قد أحسنَ الرميَ إذا أصابَ نبيا ومؤمنا فقتلهما، ولا نقولُ إن رميه حسن، ولا أنه محسن في فعله، وإنما نعني بقولنا أحسن الرميَ أي علم ذلك
وأحسنه، على أنه يمكن أن يكونَ أراد بقوله: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) من
خلال المعاصي التي نهى عنها، والعمومُ عندنا لا صيغة له، وهذا كقوله:
(اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) .
(وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) ، (يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) ، أي: بعض الأشياء فكذلك قوله: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ، معناه بعضَ الأشياء إن كان من حَسُنَ يحسن، وإن كان من أحسنَ يُحْسِن فهو على العموم في جميع ما خلقه، لأنه عالمٌ بجميع خلقه.
وأما قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا) .
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) ، وإنما المعنى في
ذلك أنه خلقَهما بقوله كونا، وقولُه الحق، وقوله: وما بينهما باطلاً، أي ما
стр. 620
خلقناهما ونحنْ لا نريدُ إثابةَ "المنيبين الطائعين وعقوبةَ المجرمين العاصين
قال الله تعالى: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) .
ويحتملُ أيضًا أن يكون أرادَ أنني ما خلقتُ ذلك وليس لي خلقُه
وإحداثُه وما خلقتُه إلا ولي ذلك وأنا مالك لذلك وفاعل لما لي فعله وعادل
به، وهو سبحانَه على ما أخبر به من صفةِ مُلْكه وقدرَته وتصرُّفه من حيثُ له
ذلك، لا معقبَ لحكمِه ولا اعتراضَ لمخلوق عليه، ولذلك قال: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) .
فأما تعلُّقُ الملحدة والقدرية بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ، فإنه لا تعارض بينَه وبينَ قوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) .
وقوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) ، وذلك أنه أراد
تعالى بعضَ الإنسِ وبعضَ الجنِّ، وهم الذي قسمَهُم للجنة، وعُلمَ وقوعَ
العبادةِ منهم دونَ الكفَّار الذين قَسمَهُم للنار، وقد أجمعَ المسلمونَ على
خصوص الآية، لأنه لم يردْ بها الأطفالَ من الجنِّ والإنس ولا المجانين
المستنقصين ولعلهم مثل عدد العقلاء البالغين، فكذلك لم يردْ الكفار الذين
أخبرَ أنّ الضلالةَ حقت عليهم وأنّه خلقهم لناره.
فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون إنّما أرادَ بقوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) أي: سيذرأ لها في الميعاد خلقا من الجن والإنس.
قيل لهم: هذا صرفُ الكلام عن ظاهره يغير حجة، فإن ساغ لكم هذه
الدعوى ساغ لنا أن نقولَ إنّما أرادَ بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، أي: ما أخلُقهم في الآخرة إلا ليعبدون، وذلك يقع
стр. 621
منهم أجمعين في الآخرة اضطراراً فيكون وما خلقنا بمعنى وما يخلق في
المستقبل كما قال: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، يعني عاقبةُ أمرِه وهم إنما التقطوه ليكون لهم حبيباً، وكذلك
قولُ الشاعر:
أموالُنا لذوي الميراثِ نَجْمَعُها ... ودُورنا لخرابِ الدَّهرِ نبنيِها
يريدُ أن ذلك عاقبةُ أمرِها، ولم يردْ أن المالَ يجمعُ للوارث، وأن الدور
تُبنى لخرابِها وكذلك قولُه: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) ، أي ما يكونُ خمراً ويؤولُ حالُه إلى ذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما ظنّه
الملحدون من تعارض، وما ظنّه القدريّة من التأويل.
ومما يدلُّ على ذلك أيضاً أنّ أهلَ التأويل قالوا: إنَّ قوله (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .
أي لكي يعبدون، وكلُّ كي من اللهِ تعالى فهي نافذةٌ واجبة، وإن كانت غيرَ
نافذةٍ ولا واجبةٌ من المخلوقين في جميع الأحوال قال تعالى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) .
وقد يسَّر به وأنذر ونفذَ الأمرُ فيها كما أخبر، وقال تعالى: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) ، وقد قدر ذلك.
وكذلك قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) .
وقد كان وتمَّ وقامت حجةُ النذارةِ به، في أمثال لهذه الآيات كثيرةٍ قد تم
وانبرمَ فيها خبرُ كي، لأنها من الله تعالى واجبةٌ نافذة، فلو كان الله أرادَ أنه
خلقَ جميعَ الإنس والجنِ لعبادتهم له، ولم يمتنع أحد منهم من عبادته، ولكنه تعالى أرادَ البعضَ منهم دون الكل.
стр. 622
ويمكنُ أيضا أن يكونَ أرادَ بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) .
أي إلا للأمر بعبادتي والتكليف لذلك، وقد كانوا مأمورين وعلى صفة ما
أرادَ منهم من كونهم مكلفين مأمورين بالطاعة والإيمان، ولم يردْ أنه خلقهم
لكي تقعَ العبادةُ منهم أبدا، وفي كل وقت، وإنما أرادَ أنهم يكونون مأمورين
بذلك في سائرِ الأوقات، أعني أوقاتَ السلامةِ من الجنون والآفات.
والأحوال المانعة الصادة عن التكليف، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما قاله
الملحدة والقدرية.
فأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) ، فلا معارضةَ بينَه وبينَ إخبارِه بأنه أضل الكافرينَ من ثمودَ
وغيرهم، لأنه يمكنُ أن يكون أرادَ بقوله: هديناهُم أرشدناهم وبينَّا لهم.
فاستحبوا العمى على الهدى، أي فلم ينقادوا لما بُيِّن لهم، وذلك لا ينفي أن
يكون قد خلق استحبابهم العمى على الهُدى وضلالهم عن الحق، لأن خلقه
لضلالهم لا ينافي بيانَه للحق لهم من طريق القول والخبر، وذكرِ الأدلة
ومراقيها فكأنه إنما أرادَ بالهداية ها هنا الإرشادَ بالقول والدلالة، ويكون إنما
سُمِّيَ البيانُ والإرشادُ بالقول هداية على معنى أننا بينا لهم بالقول بيانا لو
قبلوهُ وانتفعوا به، لكانَ هداية لهم، ولم يُرد بذلك أن القولَ هداية لهم، وإن
لم يقبلوه وينتفعوا به، وتقديرُ الكلامِ: وأما ثمودُ فهديناهم وآتيناهم من
القولِ والبينات ما لو قبلوه وصاروا إليه لكان هداية لهم، فلا منافاةَ إذاً بينَ
هذه الهدايةِ وبين إضلاله لهم بخلقِ الضلالِ وتضييقِ الصدور.
ويُحتملُ أن يكون أراد بقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) ، الإخبارَ عن قومٍ خلق هدايتَهُم، وإيمانَهم ثم استحبوا العمى بعد
ذلك على الهدى، بالردة عن الإيمان، وذلك لا ينقضُ بعضُه بعضا، لأننا
стр. 623
نقولُ: إن اللهَ خلقَ هدايةَ كل مهتدي في المعلوم أنه يرتد ويرجعُ بعد هدايته
وخلقَ رجوعه عن ذلك، وليس في قوله فاستحئوا ما يدلُّ على أنه غيرُ خالقٍ
لاستحبابهم وضلالهم.
ويُحتمل أيضا أن يكونَ إنما أراد بقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) ، فهدينا
فريقا منهم وهم المؤمنون ويكون قوله: (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) مقصوداً به الكافرين منهم دون الذين لم يستحبوا لأنهم كانوا فريقين مؤمنون
وكافرون، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) .
فيمكن أن يكون الذين هداهم المؤمنون، والذين استحبوا العمى على الهدى هم الكافرون، فيكون قولُه: هديناهُم على الخصوص، وكذلك قوله: فاستحبوا، فبانَ بهذا أنه لا اعتراضَ لملحد ولا لقدَريٍّ بهذه الآية علينا ولا تعلق.
وأمَّا تعلقهم بقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) ، وقوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) ، وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) ، وأنه أيضاً لا تعلق لملحد فيه ولا لقدري، بل هذه الآياتُ كلّها شاهدة على فساد قول القدريّة، وذلك أنه لا تعارضَ بين قوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وبينَ إخباره عن إضلاله لكل ضال على سبيل الابتداء والجزاء، لأنه يُحتمل أن يكونَ أراد أنهم لما زاغُوا زيغا أولاً أزاغَ الله قلوبهم زيغا ثانيا هو أشدُّ من الأول، وإعماء لهم أكثرَ من الأول لأنه تعالى حكم أنه لا يزيغُها ذلك الزيغَ الشديد إلا بعد زيغٍ أول هو دونَه، وأن يجعلَ ذلك جزاءً لهم وعقوبة على الزيغ
стр. 624
الأول، وإن كان هو الخالق، لأن الجزاءَ عليه لم يقع من حيث الخلق.
ولكن من حيثُ اكتسبوه على ما بيَّنَّاه في كتاب "خلق الأفعال"، وكذلك
قوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) ، كأنّه ضلال عظيم مخصوص حكمَ تعالى بأنه لا يضل به إلا بعدَ خلقه بضرب من الضلال دونَه في الفاسقين، فإذا فسقوا بالضلالة الأولة، أضلهم بالضلال الثاني الذي هو أعظمُ وأضرُّ من الأول، وكذلك قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) ، إنّما هو متوجه إلى ضلال مخصوص، فكأنه
قال: وما كان الله ليُضل قوما بذلك الضرب من الضلال حتى يُبين لهم ما
يتقون ثم يعصون في البيان الأول، يُضلهم بالإضلال العظيم الثاني على
سبيل العقوبة والانتقام، وإن كان قد قيل في تأويلِ الآية وجه آخر، وليسَ
بينَ إخباره بأنَّه لا يضل بضربِ من الضلال إلا قوماَ فسقوا وضلوا وزاغوا عن الحق، وبينَ إخبارِه بأن كلّ ضلالِ ابتداءَ فهو المضلُّ به تناقضٌ ولا منافاة
وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه.
فأمَّا القدريَّة فإن جميعَ هذه الآيات عليهم لأنهم فريقان، فريق زعمَ أن
الله لا يُضِل أحدا بفعلِ شيءٍ فيه، وإنَّما يُضِل بمعنى الحُكمِ والتسمية
بالضلال، وهو عندهم يضل بالحكمِ والتسمية على طريقِ الابتداء، وعلى
غير وجه الابتداء، لأنه لا يجوز عندهم أن لا يُسمي أحداً بضلالة ضالا إلا
حتى يكون منه ضلالا قبل ذلك وزيغُ قلب، لأنه يسمى بالضلال والزيغِ
الأول، وإن لم يكن قبلَ ضلالِه ضلال ولا زيغ، فلا حجة لهم في هذه
الآيات.
ولو جازَ أن لا يسمي الله بالضلال إلا من كان فيه فسق وضلال تقدم
لجاز أيضا أن لا يسمى الفسقَ والضلال الثاني إلا من كان منه ضلال أول،
стр. 625
وما الفرق بينَ أن لا يسمى بضربٍ من الضلال وبينَ أن لا يسمّى بشيء منه.
ولجازَ أيضاً أن لا يُسمّى بالهُدى والطاعة من ابتدأ بالهُدى والطاعة، وأن لا
يُسمّى بذلك إلا من كان منه هدىً وطاعات قبل ذلك، وهذا عندهم ظلم
وتخليط وخروج عن مقتضى اللغة والاشتقاق، وإيجاب الأحكام فبانَ أنّه لا
تعلق لهذا الفريق بهذا الباب.
والفريق الثاني: منهم من خلّط على أصله ولم يحقق، يتسرعُ إلى القول
بأن الله يضلُ على وجه الجزاء على إضلال سلفٍ وزيغٍ مقدر، ولذلك قال:
(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) .
فيقال لهم: قد قدرتم بأن الله يضل ويخلقُ الضّلال في الضالين على
وجه الجزاء فكأنه عندكم يفعل القبيح والجهلَ والذهابَ عن الحق على وجهِ
الجزاءِ والانتقام، وهذا ترك لقولكم إنّه لا يفعلُ الكفر إلا كافر، ولا يفعلُ
القبيحَ إلا سفيه ولا يفعلُ العصيانَ والشر إلا عاصٍ شرير، فإذا جاز أن
يفعلَ الله ذلكَ أجمعَ على وجه الجزاء، وإن لم يكن سفيها ولا عابثا ولا
موصوفا بهذه الأفعال الواقعة منه فما أنكرتم أن يفعل ذلك ابتداءً وإن لم يكن
سفيها شريراً، ولم يوصف بشيءِ من أسماء هذه الأفعال، وهذا تركُ قولهم.
ويقال لهم: وكيف جاز عندكم أن يضل من كان منه ضلال متقدم، ولم
يجب عليه نقله عن ذلك الضلال ورده عنه وإرشادُه إلى الحق، وهذا بدأه
بالضلال كابتدائه وفعل ما هو عندهم مذموم فاعلُه في الشاهد، وممن وقع
منه.
فإن قالوا: إنما أرادَ بالضلال الواقع منه على سبيل الجزاء الحُكم
والتسمية بالضلال، تركوا قولَهم ولحقوا بالفريق الأوّل وكُلّشموا بما كُلِّموا به من قبل.
стр. 626
قيل لهم: فكان الله عندكم لا يسمّي الفاسقَ العاصي بمعصيته
وفسقه حتى يتقدم منه فسق وعصيان قبل ذلك، فإن كان قالوا: أجل.
قيل لهم: فإذا جاز أن لا يسميهم بالفسق والعصيان الأول وإن كان كالثاني ومن جنسِه ويكون ذلك عدلاً وصوابا منه، فلم لا يجوز أن لا يسميهم أيضاً
بالفسق والعصيان الثاني؟! ، ويكون ذلك عدلا وصواباً منه، ولم لا يجوز أن
لا يسمى العبدُ بطاعته وإيمانه الأول المبتدأ ويسميه بمثل ذلك إذا وقع منه
ثانياً، وهذا جهل منهم وتخليطٌ، فبانَ بذلك أن هذه الآيات بأن تكون على
القدرية أولى، وأنه لا مغمزَ ولا مطعنَ لملحد فيها.
وقد فسَّر الناسُ قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) على أنّه لم يكن الله ليضلَّ المؤمنين بعد أن آمنوا
واهتَدوا، ويتركَ أن يبينَ لهم ما يجبُ أن يتمونه ويحذرونه من استغفارهم
للمشركين، وذلك أنّ المؤمنين كانوا يستغفرون للمشركين، وأن النبى ﷺ أراد أن يستغفر للمشركين، لأبيه أو لبعضِ عمومته، فأنزل اللهُ تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) ، فقال النبي ﷺ : "إن إبراهيمَ استغفر لأبيه "، وقال المسلمون: "إن استغفر النبي لأبيه أو لعمه استغفرنا لآبائنا وأمهاتنا"، فنهاهم الله عن ذلك، ولو تركهم وذلك مع حُكمِه بأنّه لا يغفرُ ولا يحل الاستغفارُ لهم لكان ذلك ضلالاً منهم وذهابا عن الحق الذي هو حكم اللهِ ودينه، فلم يدعهم الله وذلك وأن يضلوا
بفعل ما يظنونه جائزأ سائغاَ فانزل جل ذكره: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) ، إلى قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) ، فإنما أرادَ بهذا الإضلالِ تركَ البيان للمؤمنين ما يجبُ أن يبن
стр. 627
لهم، ولم يردْ خلقَ الضلال فيهم على وجه الابتداء والجزاء، فبانَ أنه لا
تعلق لملحدٍ ولا لقدري في ذلك.
وأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ، وإن هذا نقض لإخباره أنه خلق المعاصي وقدرها، وأضل أهلَ الضلال، وختَم على قلوبهم، فإنه ليس الأمرُ فيه على ما توهّمه الملحدون والقدرية في هذا الباب، وذلك أنه إنما أراد بهذا القضاء الأمرَ بعبادته والوصية بذلك، وذُكرَ أن عبدَ الله بنَ مسعودٍ كان يقرأ "ووصى ربُّك ألا تعبدوا إلا إياه"، وأنه كذلك مثبتٌ في مصحفه، وهذه الوصية عامةٌ للكافرين والمؤمنين، وذلك لا ينقضُ أن يكون قد قضى معاصيه والكفر به على معنى الخلق لذلك، والإعلام لكونه، والكتابة له، والقضاءُ يكون بمعنى الأمر وهو قوله (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ، أي: أمرَ ربك، ويكون بمعنى
الخلق والإيجاد، نحوَ قوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) .
أي: خلقَهن، ونحو قوله: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ) ، يريد خلقنا موتَه، وقد قيل القضاءُ نفسُه بمعنى الموتِ
ومنه قولُهم: نزلَ به قضاءُ الله، وقضى فلان نحبَه إذا مات، ويكون القضاءُ
بمعنى الإعلام والإخبار قال الله تعالى: (وَقَضَتنَآ اكَ بَنِىَ (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) .
أي: أعلمناهم وأخبرناهم في الكتاب كقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) إنما يعني به أنه أمرَ بذلك، وهذا لا ينفي قضاءه للكفر، والخلافُ على معنى التقدير والخلقِ والإيجاد فبطلَ توهمهم وتوهُّمُ القدريِّ لانتفاعه بهذه الآية.
وأما تعلُّقهم بقوله: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) ، فإنه أيضا لا معارضةَ بينَه وبينَ إضافة ذلك إلى الله تعالى وبينَ
стр. 628
إخباره بانّه خلقَ الوكزة وما كان عندها، وذلك أنه إنّما أراد بقوله: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) أنه يأمر به الشيطان ويُزيِّنُه ويدعو إليه ولم يرد أنّ الوكزة من خلق الشيطان وفعلِه وتقديرِه، وكيف يقول ذلك وهذا جهل ممن صار إليه وقاله، وليس مذهب لأحد، وليس يجبُ إذاً نسبةُ ذلك إلى الشيطان، على أنّه من دينه وما يدعو إليه، أن يكون ذلك منافيا لإضافة خلقه وتقديره إلى الله، فثبتَ أنّه لا حجّة لملحدِ ولا لقدريٍّ في التعلُّق بهذه الآية.
فأمّا تعلُّقُ الملحدة والقدريّة بقوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ، وقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) .
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ، الآية.
فإنّه لا تعلُّق لهم أيضًا فيه، لأنه أراد بالآيتين المتقدمتين أنّه لا يحبُّ الفسادَ
لأهل الصَّلاح ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولم يرد أنّه لا يرضاه لأحدِ
من خلقه ولا يحبُّه من أحدٍ منهم، وكيف يكون ذلك كذلك وهو يقول:
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) ، ويقول: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) ، ويقول: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) ، فدلت هذه الأخبار على أنّه لم يرض لعباده المؤمنين الكفر، ولا يحب منهم الفساد، وإن كان قد أحبَّ ذلك ورضيَهُ لأهل الكفر والفساد، ومن نحو هذا قولُه: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) ، وقوله: (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) ، وقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) ، وكل هذا على الخصوص دون العموم، وكذلك حكمُ الآيتين.
ويمكن أيضاً أن يكون إنما أراد واللهُ لا يحب الفساد أن يكون صلاحا
ودينا مشروعا، ولا يرضى لعباده الكفر أن يكون دينا لهم وشرعاً مأذونا فيه، وأنّه رضيَ أن يكون قبيحا مذموما فسقط بذلك ما قالوه.
стр. 629
ويحتمل أيضاً أن يكون أراد بالرضا والمحبة الاجتباء والتفضيلَ
والاصطفاء، فقال: لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر أي لا
يصطفيهما ويفضلهما، لأن المحبةَ والرضى عند كثير من الناس اصطفاء
وتفضيل، وذلك منفي عن الكفر والفساد، لأن اللهَ سبحانَه قد حقَّرهما
وذمهما، وقال أصحابُ هذا الجواب: وإطلاقُ المحبة والرضى يوهمُ الأمرَ
بهما ويدينُ العباد بفعلهما، وذلك باطل.
فأمَّا قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) فإنّما ذمهم
بمحبتهم أن يكون ما قيل في أمِّ المؤمنين حقًّا وصدقا، فاللهُ سبحانَه لم يحبَّ
أن يكون ما أُشيعَ من الفاحشة حقًّا وصدقاً على ما أشيع، وأن يكون إنما
ذمهم على هذه الإرادة لكونها قبيحة منهياً عنها، لأنهم قد نُهوا عن إشاعة
الفاحشةِ في المؤمنين والتخرُّص عليهم والأراجيف بهم، ونُهوا عن محبة
إشاعة الفاحشة في المؤمنين، فنفسُ الإشاعة ونفسُ الإرادة لذلك معصيتان
قبيحتان، وإرادةُ اللهِ لذلك ليست بقبيحةٍ ولا معصية، فلم يجب أن يكون
مذموما بإرادته المعصية أن تكون قبيحةً فاسدةً ممن عُلِمَ وقوعُها منه، إذا لم
يكن منهيا عن إرادته لذلك كما يجب أن يكون مطيعاً لإرادته للطاعة من
العباد إذا لم يكن مأموراً بإرادته للطاعة، وإن كانت إرادتنا نحن للطاعة طاعةً
من حيثُ أُمرنا بها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّمه القَدَريةُ والملحِدةُ
من حصول طائلٍ ونفعٍ لهم في التعلُّق بهذه الآيات.
فأمَّا تعلُّق الفريقين بقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، وقوله: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) .
و (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) ، فإنه لا تعلق لهم في ذلك، لأجل أن الأمَّة متفقة وجميعُ أهل اللغة والتفسير على أنّ المرادَ بقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)
стр. 630
إنما أخرج على وجه الزجر والتهديد، وعلى نحو
قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، ولم يرد به التخيير لهم بين الكفر
والإيمان، ولا الإخبارُ عن كونهم مخيرين في ذلك، ورد المشيئة إليهم.
وقد رويَ عن ابن عباس أنه قال: "فمن شاء الله له الإيمان فليؤمن بمشيئته.
ومن شاء الله له الكفر فليكفر بمشيئته ".
فأمَّا قوله: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) ، (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) ، فإنه غير معارضِ لإخبارِه بأن الأشياءَ كلها كائنة بإرادتِه، ومشيئته.
لأنه قد خبر في آياتٍ أخر أن هذه المشيئة التي ذكرها وأثبتها لهم لا تكون
وتوجد أو يشاء لهم كونَ ما أرادوه، ولا أن يشاءَ لهم أن يسوءَ ذلك الشيء
فقال سبحانه: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .
لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
فأخبرَ أنّهم لا يشاؤون شيئا إلا أن يُشاءَ لهم أن يشاؤوه، وقد يُشاءُ مشيئَتُهم للشيء وإن لم يُشاؤوا ما شَاؤوه بأن يكون شائيا لتمنيهم لذلك الشيء، وإن لم يكن متمنيا لهم، وقال سبحانه: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، فنص لهم على أنهم لا يشاؤون الاستقامة
حتى يشاءَ لهم، وفي ضمن هاتين الآيتين أنني إذا شئت لكم أن تشاؤوا
الإيمان شِئتموه لا محالة، وإلا فلا وجهَ لتمدحَه بقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، وقوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، ولأنهم إذا شاؤوا الاستقامة على ما يقول المعتزلة فلم يشاؤوا ما شاء لهم أن يشاؤوا لم يكن لقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) معنى، لأنه قد شاءَ اللهُ عندهم أن يشاؤوا ذلك، فلا يشأه، والمعقول من قول القائل: ما يُطلق فلان من محبسه إلا أن أشاء، أي: إذا شئتُ أن يُطلقَ أُطلقَ لا محالة، وأنّ كونَه في الحبسِ لا يكون إلا بمشيئته، وإلا فإذا شاء أن
стр. 631
يخرجَ فلم يخرج وحُبس بغير مشيئته كان كاذبا في تمدحه بقوله: ما يخرج
فلان إلا أن أشاء وإذا شئت إطلاقه أطلق، فهذه الآيات دالة على صحةِ ما
نقوله ونذهب إليه، وعلى إبطال ظن الملحدة والقدرية.
وأما تعلُّقهم بقوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
وقوله: (فَمَا لَهُم لَا يُؤْمِنُونَ) ، ونحو ذلك، فإنه غير معارضٍ
لإخباره بإضلالهِم والطبعِ على قلوبهم، لأنه إنما وردَ ذلك على مذهب
الترغيب والحث لهم على اكتساب الإيمان، وليس بينَ ترغيبهم وحثهم على
اكتساب الإيمان بالقول وبينَ إضلاله لهم بالفعل تنافي ولا تضاد.
ويمكن أيضا أن يكون إنما قال ذلك على وجه الرد لقول من يقول إنهم
ممنوعون من فعل الإيمان لعجز وآفة، وغير قادرين عليه، ولا على تركه.
وأنّهم مجبرون على الكفر الذي وقعَ منهم، فأخبرَ أنّهم غير ممنوعين ولا
مجبرين، وأنّهم مختارون لترك الإيمان ومؤثرونَ للكفر عليه، وأن ما كان
منهم لم يكن على وجه الجبر والاضطهاد، وذلك غير منافٍ لإخباره
بإضلالِهم، وإن كانوا مختارين ومؤثرين له، فبطل ما توهّموه.
فأمَّا تعلقهم في ذلك بذمِّ العصاة ونهيهم عن المعاصي، وأنَّه لا ينهى
عما قضى وقدَّر وخلقَ وينهى عنه، فإنه باطل لأنه لم ينهَ العصاة عن خلقِ
معاصيهم وإيجادها وتقديرها، لأن ذلك مما لا يصحُّ منهم فعْلُه ولا تركُه ولا
يدخلُ تحت قدرهم، وإنَّما ينهاهم عن اكتساب ما خَلقه وهم على ذلك
قادرون ولما خلقه فيهم مكتسبون، وأثابهم وعاقبهم على اكتسابهم للأفعال
التي هي متعلقة بهم، فالثوابُ على الخلق، والعقاب والذمُ عليه ليس يتوجه
من حيث كان خلقا غير متعلِّق بالمكلف، ولكن من حيث كان كسبا مقدوراً
стр. 632
له ومتعلّقا به على ما قد بيناه وشرحناهُ في الكلام في المخلوقين، وإذا كان
ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به.
فأمَّا تعلق الملحدة والقدريّة بقوله: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) . وقوله: (فَمَا لَهُم لَا يُؤمِنونَ) .
وقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) ، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) .
في أمثال هذه الآيات مما فيه توبيخ لهم على ترك الإيمان واستبطاءه، وقولُ الفريقين فما معنى توبيخَه إياهم واستبطائه لهم مع قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) .
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) .
وقوله: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ، وختم عليها بنفس الكفر المضاد للإيمان
الذي يطالبون به، وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) . ونحوِ
ذلك.
فالجواب عن سائره أنّه أراد تعالى أن يبيّن لهم بذلك أن جميعَ ما ذكروهُ
من الختمِ والطبعِ وتغشيةِ القلوب والأبصار والتفرِقة بينَ المرء وقلبِه، وغير
ذلك مما ذكره ليس بمنعٍ لهم عن فعل الطاعة والقبول ولا عجزٍ عن ذلك.
ولا جهلٍ بما بيّنه لهم من الحق ودلَّهم عليه من الهدى والرشد، ولا مُخرج
لأدلة التوحيد عن كونه أدلةً ولا مضادةً لكمالِ عقلِ الكافر والضالِّ ومخرجةً
صفةً له عن صفةِ من لو استدل على الحق لعرفه، ولو قصده وآثره لقدر عليه
وتأتى منه، ولو حاوَلَه لم يعوزَه ويتعذر عليه فعله، فكأنّه أرادَ تعالى الإخبارَ
عن أن جميعَ ما فعلتُه بالكافرين وخبَّرتُ به من الطبع على قلوبهم غيرُ مخرجٍ
عن اختيار الكفر وإيثاره وكراهية الإيمان واستثقاله، وأنّهم مختارون للكفر
على الإيمان، ومؤثرون لتركِه عليه، وربما تجاوزوا إيثار ذلك إلى حدّ من
стр. 633
التمسك به، يؤدون عليه الحريّة ويقيمون على الذلّ ولا ينزلون عن اعتقاد ما هم عليه وإظهاره برغبة أو برهبة، فلمّا كانوا مع الختمِ والطبعِ وتغشيةِ
القلوب والأبصار قادرين على الكفر الذي دخلوا فيه ومختارين لترك الإيمان
وكارهين لفعله وعلى صفةِ من لو أراد الإيمان لوقع منه ولو كرهَ الكفر لتأتَّى
له تركه والخرٍوج عنه، ولم يكن مع فعل الطبعِ والختمِ عاجزاً عن فعل ما
أُمر به ولا ممنوع منه، ولا مُحالَ بينَه وبينَه ولا مخبول منتقص، ولا ممّن
يتعذر عليه الاستدلالُ على الصواب الذي رغَب فيه وفسادُ الباطل الذي
اختارَ الدخولَ فيه -، بل آلته تامة ومعارفُه كاملة، والأدلةُ المنصوبةُ له
واضحة، صحَّ لأجل ذلك أجمع أن يقال لهم (فَما لَهُمْ لَا يُؤمِنُونَ) ، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى) ، (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا) ونحو هذا، لأنّ لا يظنَّ ظان ويتوهم متوهم أنّهم مجبرون
على الكفر غير قادرين عليه، ولا مختارين لتركِ ما أُمروا به ولا راغبين
عنه، وأنهم ممن لو حاول الإيمانَ والنظرَ في الاستدلال لتعذّرَ منه وامتنعَ
عليه، ومعاذَ اللهِ أن يكونَ ذلك كذلك وأن يكونوا عجزةً أو مُجبرينَ على ما ظنه الملحدة والقدرية، أو أن يكون تكليفُهم لفعل الإيمان وصحيح النظر
والاستدلال، بمثابة تكليف المُقعد القيامَ والأخرس الكلامَ والضرير تنقيطَ
المصاحف وإدراك المرئيات، وتكليفَ الناس عِلم الغيوب ومعرفةَ ما كان
ويكون مع قصد السبيل وعدم الدليل، وكيف يكون ذلك والأدلة على
التوحيد لائحة باهرة موجودة ثابتة، وكمالُ عقل الكافر موجود كائن، ومعه، من كمال العقل والآلة - ما يصل به إلى معرفة الغوامض واستخراج اللطيف والدقائق، وحجاج المحتجين ومغالطة كثير من المؤمنين، والحذق في
الجدال يوالبيان يوم الخصام والإعراب عما في النفس والغلبة والإلباس في
стр. 634
الانتصار لباطله وبمجيئه حق خصمه، وكيف يكون مَن هذه حالُه ممنوعاً من
النظر ومُحالاً بينَه وبينَ صحيحِ الفكر والرؤية.
وإذا كان ذلك كذلك كان جميع ما أخبر الله أنه فعلَه بالكافرين من
الختمِ والطبعِ والإضلال لم يصرفهم إلى حال العجزة الممنوعين والأطفال
المنتقصين، ولا إلى صفة المكرهين المجبرين على فعل ما نُهوا عنه، وكونُهم
غيرُ قادرين عليه، ومؤثرين له على ضده حسن، لأجل ذلك أن يقول لهم:
(فَما لَهُم لَا يُؤمِنُونَ) ، (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ) ، (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) ، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا) ، أي أن ما فعلتُه من
ذلك ليس بعجزٍ عما كُلِّفوه ولا منعَ لهم ولا مبطلَ لكمال عقولهم وآلتهم ولا
رافعٍ لقدرهم على فعل ما دخلوا فيه، وترك ما أمروا به، وهذا بين في إبطال
ما توهمه الفريقان، فإن قالت الملحدة والقدرية: فالإنسان المختوم على
قلبه الذي خُلق في قلبه الكفر وضُد الحق قادر عندكم على الحق وعلى فعل
الإيمان حتى يصح أن يُوبخ على تركه ويستبطىء في تأخره عنه.
قيل لهم: إن نفسَ قدرتهم على الكفر هي قدر على الإيمان وإنّها
تصلح للضدين وتكون قدرةً على الفعلين الخلافين، وإنّما يكتسب بها ما
تؤثر القادرَ على الفعل دون الذي يأباه ويكرهه.
فإن قالوا: فكان يمكنه أن يفعل بقدرة الكفر الإيمان، قيل لهم: أجل
على هذا الجواب، غير أنه اختار الكفر على الإيمان، فتصرف بقدرته في
فعل أحد مقدوريه، وإذا كان ذلك كذلك زال جميع ما تشبعون به وتشنعون.
فإن قالوا: أفيمكنه أن يجمع بقدرته بينَ الإيمان والكفر الذي اكتسبه
وخلق فيه، قيل لهم: لا، كما لا يمكنه عندكم أن يجمع بين الإيمان والكفر
стр. 635
في حال ما وُجد بقدرته أحدهما، وإنما يمكنه أن يفعل بالقدرة على الضدين.
وكل واحدٍ منهما بدلاً من صاحبه، فأمَّا الجمع بينهما، فإنّه باطلٌ ومحالٌ
ممتنعٌ في قدرة كل قادر، وإن كانت قدرةً على الضدين، والجوابُ الآخرُ
يقول: إنَّ القدرة على الكفر غيرَ القدرة على الإيمان، ونقول مع ذلك إن
الكافرَ في حال كُفره قد كان يصح وقوع الإيمان منه، ويتوهم بأن لا يكون
كان الكفر منه، بل كان الإيمان بدلاً منه.
فإن قالوا: أفيصح من الكافر تركُ الكفر الذي خلق فيه؟
قيل لهم: أجل، بأن لا يكون كان خُلقَ فيه فهو عندنا على هذا الجواب، قادرٌ على الإيمان لو آثرهُ واختاره، وكره الكفرَ وأباه.
فإن قالوا فهو عندكم قادرٌ على كره الكفر، قيل لهم: بأن يختار الإيمان.
فإن قيل: أفيَقْدِرُ على اختيار الإيمان وفعله؟
قيل لهم: أجل، إن كره الكفر وآثر الخروج عنه، فليس هو عندنا بمثابة الزمن والمقعد والعاجز، ومن لو حاول القيام بعملٍ لامتنع عليه، وتعذر لعجزه ومنعِ الآفات له من إيثاره بل الكافر مُخَلا عندنا بينَه وبينَ إيثاره واختياره، وممكنٌ من الإيمان إن شاء وأحب وكره الكفر وتجنبه، وهذا الجواب أيضاً يبطل ما توهموه إبطالاً بينا وينبغي في الجملة أن تكون المحاورةُ والمشاجرةُ في الاستطاعة والبدل والعجزِ والمنعِ والفعلِ والتركِ وتشبيه عدم القدرة على الفعل بفقد كمال العقل وعدم الدليل، وبطلان الجوارح والآلات بيننا وبينَ القدرية المعتزلة.
والكلامُ في هذه الأبواب مذكورٌ معروف، واستظهارُ أهل الإثبات
عليهم في هذه المذاهب التي يعتقدون بطلانَها على وجهٍ قد صار معهم فيه
الجِلَّة والأئمة، وحُذاق أهلِ النظر وسائرِ البخارية والقدرية، وأنهم قد بلغوا
بالحذق والتمويه في باطلهم إلى حدَّ ما صاروا به في استهواء الناس أكثرَ من