يخرجَ فلم يخرج وحُبس بغير مشيئته كان كاذبا في تمدحه بقوله: ما يخرج
فلان إلا أن أشاء وإذا شئت إطلاقه أطلق، فهذه الآيات دالة على صحةِ ما
نقوله ونذهب إليه، وعلى إبطال ظن الملحدة والقدرية.
وأما تعلُّقهم بقوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
وقوله: (فَمَا لَهُم لَا يُؤْمِنُونَ) ، ونحو ذلك، فإنه غير معارضٍ
لإخباره بإضلالهِم والطبعِ على قلوبهم، لأنه إنما وردَ ذلك على مذهب
الترغيب والحث لهم على اكتساب الإيمان، وليس بينَ ترغيبهم وحثهم على
اكتساب الإيمان بالقول وبينَ إضلاله لهم بالفعل تنافي ولا تضاد.
ويمكن أيضا أن يكون إنما قال ذلك على وجه الرد لقول من يقول إنهم
ممنوعون من فعل الإيمان لعجز وآفة، وغير قادرين عليه، ولا على تركه.
وأنّهم مجبرون على الكفر الذي وقعَ منهم، فأخبرَ أنّهم غير ممنوعين ولا
مجبرين، وأنّهم مختارون لترك الإيمان ومؤثرونَ للكفر عليه، وأن ما كان
منهم لم يكن على وجه الجبر والاضطهاد، وذلك غير منافٍ لإخباره
بإضلالِهم، وإن كانوا مختارين ومؤثرين له، فبطل ما توهّموه.
فأمَّا تعلقهم في ذلك بذمِّ العصاة ونهيهم عن المعاصي، وأنَّه لا ينهى
عما قضى وقدَّر وخلقَ وينهى عنه، فإنه باطل لأنه لم ينهَ العصاة عن خلقِ
معاصيهم وإيجادها وتقديرها، لأن ذلك مما لا يصحُّ منهم فعْلُه ولا تركُه ولا
يدخلُ تحت قدرهم، وإنَّما ينهاهم عن اكتساب ما خَلقه وهم على ذلك
قادرون ولما خلقه فيهم مكتسبون، وأثابهم وعاقبهم على اكتسابهم للأفعال
التي هي متعلقة بهم، فالثوابُ على الخلق، والعقاب والذمُ عليه ليس يتوجه
من حيث كان خلقا غير متعلِّق بالمكلف، ولكن من حيث كان كسبا مقدوراً
стр. 632
له ومتعلّقا به على ما قد بيناه وشرحناهُ في الكلام في المخلوقين، وإذا كان
ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به.
فأمَّا تعلق الملحدة والقدريّة بقوله: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) . وقوله: (فَمَا لَهُم لَا يُؤمِنونَ) .
وقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) ، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) .
في أمثال هذه الآيات مما فيه توبيخ لهم على ترك الإيمان واستبطاءه، وقولُ الفريقين فما معنى توبيخَه إياهم واستبطائه لهم مع قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) .
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) .
وقوله: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ، وختم عليها بنفس الكفر المضاد للإيمان
الذي يطالبون به، وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) . ونحوِ
ذلك.
فالجواب عن سائره أنّه أراد تعالى أن يبيّن لهم بذلك أن جميعَ ما ذكروهُ
من الختمِ والطبعِ وتغشيةِ القلوب والأبصار والتفرِقة بينَ المرء وقلبِه، وغير
ذلك مما ذكره ليس بمنعٍ لهم عن فعل الطاعة والقبول ولا عجزٍ عن ذلك.
ولا جهلٍ بما بيّنه لهم من الحق ودلَّهم عليه من الهدى والرشد، ولا مُخرج
لأدلة التوحيد عن كونه أدلةً ولا مضادةً لكمالِ عقلِ الكافر والضالِّ ومخرجةً
صفةً له عن صفةِ من لو استدل على الحق لعرفه، ولو قصده وآثره لقدر عليه
وتأتى منه، ولو حاوَلَه لم يعوزَه ويتعذر عليه فعله، فكأنّه أرادَ تعالى الإخبارَ
عن أن جميعَ ما فعلتُه بالكافرين وخبَّرتُ به من الطبع على قلوبهم غيرُ مخرجٍ
عن اختيار الكفر وإيثاره وكراهية الإيمان واستثقاله، وأنّهم مختارون للكفر
على الإيمان، ومؤثرون لتركِه عليه، وربما تجاوزوا إيثار ذلك إلى حدّ من
стр. 633
التمسك به، يؤدون عليه الحريّة ويقيمون على الذلّ ولا ينزلون عن اعتقاد ما هم عليه وإظهاره برغبة أو برهبة، فلمّا كانوا مع الختمِ والطبعِ وتغشيةِ
القلوب والأبصار قادرين على الكفر الذي دخلوا فيه ومختارين لترك الإيمان
وكارهين لفعله وعلى صفةِ من لو أراد الإيمان لوقع منه ولو كرهَ الكفر لتأتَّى
له تركه والخرٍوج عنه، ولم يكن مع فعل الطبعِ والختمِ عاجزاً عن فعل ما
أُمر به ولا ممنوع منه، ولا مُحالَ بينَه وبينَه ولا مخبول منتقص، ولا ممّن
يتعذر عليه الاستدلالُ على الصواب الذي رغَب فيه وفسادُ الباطل الذي
اختارَ الدخولَ فيه -، بل آلته تامة ومعارفُه كاملة، والأدلةُ المنصوبةُ له
واضحة، صحَّ لأجل ذلك أجمع أن يقال لهم (فَما لَهُمْ لَا يُؤمِنُونَ) ، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى) ، (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا) ونحو هذا، لأنّ لا يظنَّ ظان ويتوهم متوهم أنّهم مجبرون
على الكفر غير قادرين عليه، ولا مختارين لتركِ ما أُمروا به ولا راغبين
عنه، وأنهم ممن لو حاول الإيمانَ والنظرَ في الاستدلال لتعذّرَ منه وامتنعَ
عليه، ومعاذَ اللهِ أن يكونَ ذلك كذلك وأن يكونوا عجزةً أو مُجبرينَ على ما ظنه الملحدة والقدرية، أو أن يكون تكليفُهم لفعل الإيمان وصحيح النظر
والاستدلال، بمثابة تكليف المُقعد القيامَ والأخرس الكلامَ والضرير تنقيطَ
المصاحف وإدراك المرئيات، وتكليفَ الناس عِلم الغيوب ومعرفةَ ما كان
ويكون مع قصد السبيل وعدم الدليل، وكيف يكون ذلك والأدلة على
التوحيد لائحة باهرة موجودة ثابتة، وكمالُ عقل الكافر موجود كائن، ومعه، من كمال العقل والآلة - ما يصل به إلى معرفة الغوامض واستخراج اللطيف والدقائق، وحجاج المحتجين ومغالطة كثير من المؤمنين، والحذق في
الجدال يوالبيان يوم الخصام والإعراب عما في النفس والغلبة والإلباس في
стр. 634
الانتصار لباطله وبمجيئه حق خصمه، وكيف يكون مَن هذه حالُه ممنوعاً من
النظر ومُحالاً بينَه وبينَ صحيحِ الفكر والرؤية.
وإذا كان ذلك كذلك كان جميع ما أخبر الله أنه فعلَه بالكافرين من
الختمِ والطبعِ والإضلال لم يصرفهم إلى حال العجزة الممنوعين والأطفال
المنتقصين، ولا إلى صفة المكرهين المجبرين على فعل ما نُهوا عنه، وكونُهم
غيرُ قادرين عليه، ومؤثرين له على ضده حسن، لأجل ذلك أن يقول لهم:
(فَما لَهُم لَا يُؤمِنُونَ) ، (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ) ، (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) ، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا) ، أي أن ما فعلتُه من
ذلك ليس بعجزٍ عما كُلِّفوه ولا منعَ لهم ولا مبطلَ لكمال عقولهم وآلتهم ولا
رافعٍ لقدرهم على فعل ما دخلوا فيه، وترك ما أمروا به، وهذا بين في إبطال
ما توهمه الفريقان، فإن قالت الملحدة والقدرية: فالإنسان المختوم على
قلبه الذي خُلق في قلبه الكفر وضُد الحق قادر عندكم على الحق وعلى فعل
الإيمان حتى يصح أن يُوبخ على تركه ويستبطىء في تأخره عنه.
قيل لهم: إن نفسَ قدرتهم على الكفر هي قدر على الإيمان وإنّها
تصلح للضدين وتكون قدرةً على الفعلين الخلافين، وإنّما يكتسب بها ما
تؤثر القادرَ على الفعل دون الذي يأباه ويكرهه.
فإن قالوا: فكان يمكنه أن يفعل بقدرة الكفر الإيمان، قيل لهم: أجل
على هذا الجواب، غير أنه اختار الكفر على الإيمان، فتصرف بقدرته في
فعل أحد مقدوريه، وإذا كان ذلك كذلك زال جميع ما تشبعون به وتشنعون.
فإن قالوا: أفيمكنه أن يجمع بقدرته بينَ الإيمان والكفر الذي اكتسبه
وخلق فيه، قيل لهم: لا، كما لا يمكنه عندكم أن يجمع بين الإيمان والكفر
стр. 635
في حال ما وُجد بقدرته أحدهما، وإنما يمكنه أن يفعل بالقدرة على الضدين.
وكل واحدٍ منهما بدلاً من صاحبه، فأمَّا الجمع بينهما، فإنّه باطلٌ ومحالٌ
ممتنعٌ في قدرة كل قادر، وإن كانت قدرةً على الضدين، والجوابُ الآخرُ
يقول: إنَّ القدرة على الكفر غيرَ القدرة على الإيمان، ونقول مع ذلك إن
الكافرَ في حال كُفره قد كان يصح وقوع الإيمان منه، ويتوهم بأن لا يكون
كان الكفر منه، بل كان الإيمان بدلاً منه.
فإن قالوا: أفيصح من الكافر تركُ الكفر الذي خلق فيه؟
قيل لهم: أجل، بأن لا يكون كان خُلقَ فيه فهو عندنا على هذا الجواب، قادرٌ على الإيمان لو آثرهُ واختاره، وكره الكفرَ وأباه.
فإن قالوا فهو عندكم قادرٌ على كره الكفر، قيل لهم: بأن يختار الإيمان.
فإن قيل: أفيَقْدِرُ على اختيار الإيمان وفعله؟
قيل لهم: أجل، إن كره الكفر وآثر الخروج عنه، فليس هو عندنا بمثابة الزمن والمقعد والعاجز، ومن لو حاول القيام بعملٍ لامتنع عليه، وتعذر لعجزه ومنعِ الآفات له من إيثاره بل الكافر مُخَلا عندنا بينَه وبينَ إيثاره واختياره، وممكنٌ من الإيمان إن شاء وأحب وكره الكفر وتجنبه، وهذا الجواب أيضاً يبطل ما توهموه إبطالاً بينا وينبغي في الجملة أن تكون المحاورةُ والمشاجرةُ في الاستطاعة والبدل والعجزِ والمنعِ والفعلِ والتركِ وتشبيه عدم القدرة على الفعل بفقد كمال العقل وعدم الدليل، وبطلان الجوارح والآلات بيننا وبينَ القدرية المعتزلة.
والكلامُ في هذه الأبواب مذكورٌ معروف، واستظهارُ أهل الإثبات
عليهم في هذه المذاهب التي يعتقدون بطلانَها على وجهٍ قد صار معهم فيه
الجِلَّة والأئمة، وحُذاق أهلِ النظر وسائرِ البخارية والقدرية، وأنهم قد بلغوا
بالحذق والتمويه في باطلهم إلى حدَّ ما صاروا به في استهواء الناس أكثرَ من
стр. 636
أهلِ الحق، وصار الحقُّ أكثر شبهةِ المثبتة والبخاريّة مهجوراً، وصار صاحبُه
خائفاً حذراً، وصار حقُّه مغموراً لا يقدر عليه أن يظهره بينَ العامة، وعند
كثير من الخاصّة، ولا في الجوامع والمساجد والثغور والمواسم أمرٌ بَيّنٌ لا
خفاءَ به، وهو من أدل الدليل على كذب القدرية والمعتزلة في تسميتهم
خصومَهم في هذه المذاهب حشوٌ وعامّةٌ ونائبه.
وعلى أتباعِهم عند تضايق الأمر بهم سبيلُ إخوانِهم الملحدة في تسمية
كافة المسلمين والملتين طغامٌ وحشوٌ وعامة، غير موهنٍ لحقِّ المثبة ولا حاط
عند ذي تيقُّظ وتحصيل عن رتبة التدقيق والحذق، وإيراد ما يُذهل القدرية
ويُخرسُ المعتزلة، ويملأُ قلوبَهم وصدورَهم غيظا وخنقا، ويحذرون محه
على نفوسِهم ومهجتهم من تخطُف العامة والدّهماء لهم في قولهم: إنّهم
يخلقون كخلق الله ويصنعون كصُنعه ويَنْفَردون بتقدير أعمالهم وإنشائها دون
ربِّهم ويكون ما يؤثرون ويشاؤون، ولا يكون ما شاء الله مع قول الأمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
فأمّا الملحدون فلا ينبغي أن يقبلَ من مطاعنهم واعتراضاتهم ما يصيرون
به إلى قول بعض المتكلمين من المسلمين، لأنّه إذا صاروا إلى ذلك تركوا
الإلحادَ والطعنَ على النبوة والقرآن، وإنّما يجبُ أن تكون مسائِلهم
واعتراضاتهم أموراً تبطل دين المسلمين جملة، ويقدحُ في سائر مذاهبهم.
لأنّهم لا يقصدوا ذكرَ هذا التناقض والاختلاف الذي يظنّونه في القرآن لإبطال مذهب المثبتة دون مذهب القدريَّة، وإنّما قصدوا الإدخال على الجملة وضمنوا بما أوردوه إبطال القرآن والتوحيد والنبوءة، فإذا صاروا إلى نصرة بعض مذاهب المصلين إلى القبلة فقد عجزوا عما ضمنوه وظهر بغضهم تخلفهم، وكذلك فمتى سالوا عن آية وشيء من القرآن متوهمين - فساده
стр. 637
وتناقضَه فيخرج، ويصح جوابُه على مذاهب بعض الأمة، فقد زالت العهدةُ
ووضح الحق، وبطلت الشبهة، وهكذا يفعل اللهُ سبحانَه بمن ضل وعندَ عن
الحق.
وقد علموا أنّ من الأمّة من يقول إن قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ) ، مراد به أننّا سنذرأ يوم القيامة، وأن قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، على عمومه، وكذلك قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) ، وأن قوله: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ، أي: أنّه للرحمة خلقهم.
وأن قوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) .
أي: من أراد عقابَه بما كان من كفره، وأنّ الفتنة تكون بمعنى العذاب.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) .
يقول عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأنّ جميعَ ما ذكره اللهُ من الختمِ والطبعِ والتغشيةِ والإضلال إنما المقصدُ به الحكمَ والتسميةَ دونَ فعلِ شيءٍ في القلوب، وأن قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) ، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) ، (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) ، إننا لو شئنا أن نُجبرهم ونلجِئهم إلى ذلك، لفعلناه دونَ مشيئةِ ذلك على وجه الطوع والاختيار، وأنه ليس من شيءٍ يتعلّق به المثبتةُ إلا وقد أعدوا له عند أنفسِهم جوابا، وإذا كان ذلك كذلك، فجميع ما يتوهمونه متناقضاً من هذا الباب، فإنّه على خلاف ما توهموه من قولنا وقولِ المخالفين من أهل القبلة، وليس يجب على المسلم في جواب مما يتعلقون به أكثر من تخريجه وتصحيحه على بعض المذاهب والوجوه، وإذا كان ذلك بطل ما قالوه وكان الكلامُ معهم إذا صاروا إلى
стр. 638
اعتقاد ذلك المذهب كلاما في القدر، وزالَ الطعنُ على القرآن والإسلام.
وهذا بيّن في إبطال جميع ما يحاولونه.
فتأملوا رحمكم الله فصولَ الأجوبة لهم على ما نزلناه وبيناه يتضح لكم
جهلهم وتعرفون حيرتَهم وتخليطهم وتعلُّقهم بالأباطيل والتعاليل، وأنهم
كحاطب ليلٍ وكالغريق بما يجد يتعلق وعلى ما وصفهم الله تعالى به من
قوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) .
لأن الأنعامَ ممنوعة من النظرِ والاستدلال والخلو من تصحيح النظر ولطيف الفكر إلى كشف الغامض وحل الملتبس.
والملحدةُ في تركِها النظرَ ومعرفةَ وجوهِ الخطاب وتصاريفَ الكلام.
ومعرفةَ ما يُرادُ به وعليه من مجملٍ ومفسر، وخاصٍ وعام، ومطلقٍ ومقيد.
وناسخٍ ومنسوخ، ومحكمٍ ومتشابه، ومستثنى في تصاريف الكلام، ومنقطعٍ
ومحذوفٍ ومختصر، وكنايةٍ وتصريحٍ وتأكيدٍ وتنبيه، وحقيقةٍ ومجاز، واستعارةٍ وتشبيه، وقصدٍ إلى ضرب مثلٍ وتشبيه، ومستعملٍ على سببٍ حادثٍ وأمرٍ حاصلٍ وجواب شامل، وشخصٍ مخصوصٍ وأمرٍ محصورٍ وعهدٍ متقدم، وعُرفٍ مستقر وعادة في الخطاب، وتعويلٍ على متقدم أو مؤخر من البيان، أو على العُرف وشاهدِ الحال، أو على إناطته وربطِه بدلائل العقول وقضاياها والردِّ إلى المستقر فيها، وبما جاء في الخطاب بلفظ المواجه الحاضر، والمراد به الغائب وبما جاء باللفظ الموضوع للغائب، والمراد به الحاضر، على ما بيناه من قبل، وربَّما ذكر من له الاسمُ فيه وأريدَ غيره وربَّما ذكر الغير وأريد هو، وربَّما وردَ اللفظُ المشتركُ بينَ أمورٍ مختلفةٍ والمرادُ أحدها، وإن كان الظاهر لا يُنبىءُ عنه فلذلك أمرَ الله سبحانه بالتدبر والاعتبار والاستبصار
وجعلَ أهلَ العلم درجات، وفضلهم على ذوي الجهل والنقص.
стр. 639
وليس في شيءٍ مما حكيناه عنهم ونحكيه مستأنفاً إلا ومعناه ثابت
صحيح إذا حُمل على بعض هذه الوجوه، والقرآن لا يبطلُ ولا تستحيلُ
معانيه، ويناقضُ لظن الملحد لذلك وحمله على ما يصنعُه لنفسِه ويقدره
بجهله، أو تجاهله وإلباسه، وإنَّما يصيرُ وضعُه وتوهمُه فاسداً متناقضاً دونَ
التنزيل وكلام رب العالمين.
فكيف يكون ذلك كذلك واللهُ يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
ويقول: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) .
ويقول: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ، ويقول: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، و (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ، و (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) .
في نظائرَ هذه الأخبار الواردة في حفظ القرآن وحياطتِه
وصونه عن مطاعن الملحدين والزائغين وحراسته، وقد بانَ بما قدَّمنا وما
سنذكره من أجوبتهم صدقَ ما خبَّر الله به من حفظ كتابِه وحصولِ الاهتداء
والبيان به.
فأمَّا تعلقهم بقوله تعالى: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) .
وقوله: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) ، وقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) .
إلى نظائر هذه الآيات، فقد قلنا من قبلُ في تأويل هذا التزيين، وأنَّه ليس من تزيين الكافرين والشياطين بسبيل، وأنه ليس هو الدعوةُ إلى ذلك والترغيبُ فيه، وفي النّاس من يحملُ ذلك على أنه إنما أرادَ بالتزيين خلقَ الشهوة وما جُعلَ في الطباع من الميل والتوقِ إلى ذلك، وليس معناه الترغيب فيه والدعاء إليه، فبطل توهم من ظنَّ أن معنى زيَّنا أننا أمرَنا بذلك ودَعْونا إليه ورغبنا فيه.
стр. 640
فأما قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فلو حُملَ
على أنّه خلق لكل أهلِ دين دينَهم وما هم عليه وطريقتَهم، لما أخل ذلك
بصحة القرآنِ ولزومِ التكليف، وحصولِ البيان على ما قد ييّناه من قبل.
ولكن ليس هذا هو القصد، وإنّما أرادَ بالشرعة ما شرَعه لهم وتعبدهم به.
وهذا الجعلُ بمعنى التعبد، وتقدير الأديان وتوظيف الفرائض والعبادات.
وليس من خلق الفعل في شيء فبطل ما قدروه.
وأما تعلُّقهم بقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، فإن حُملَ ذلك على أنه خلقَ عداوةَ بعضهم لم يُخرجَهم ذلك عن
التكليف إلى يوم القيامة، وإمكان النظرِ والاستدلال وتأتِّيه وقيامِ الحجَّة
عليهم، ولزومِها لهم على ما بيناه من قبل، وإن حُمل على أنّ معنى ذلك أننا
ألقينا بينَ ضروبِ أهل الكفر التعادي على كفرهم، وتبري بعضهم من بعض، لم يكن ذلك عند أحدٍ قبيحا ولا ظلما، فكأنه ألقى في قلوب اليهود عداوةَ
النصارى على القول بالتثليث، وذلك عداوةٌ لباطل، وألقى في قلوب النصارى عداوةَ اليهود والمجوس على شتمِ المسيح وتكذيبه والقول بالنور والظلمةِ وذلك عداوةٌ لباطل، فكأنَّه على هذا الفرق ألقى بينَ أهل الباطل. الذين ذمهم على التعادي على باطنهم ولم يُلقِ على قلوب "المبطلين عداوةً للحق وأهله، وإذا كان الكلام محتملاً لذلك بطل ما توهّموه وزالَ التناقض الذي قدروه.
فأمَّا تعلّقهم بقوله كلعالى: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) .
فإن حملناه على أنه خلقَهم للنار والضلال فذلك صحيح على ما قلناه.
ويمكن أيضا أن تجاب الملحدة أن يقال: إنما عنى بقوله: (لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) على عاقبة الفعلِ وإنهم سيزدادون في الآخرة.
وكذلك قوله: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) أي سيزيدهم عذابا بما كان من
стр. 641
رجسهم وأمرِهم بذلك، كما قال: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، على عاقبة أمره، وما يؤول به الحال إليه، ولم يلتقطوه
وقتَ أخذه إلا ليكون لهم حبيبا وأنيسا.
وأمَّا تعلق الملحدين بقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ، وقولهم فما ذنبُ الساحرِ إن كان بإذن الله فعل، ما أبيح له وأمرَ به، فإنّه ليس على ما قدره، ولم يرد بقوله: بإذن الله، بأمرِ اللهِ وإطلاقِه وإباحَته له فعلَ السحرِ الذي قد اتُفق على أنه قد نهاه عنه، وإنما أراد بإذن الله أي أنّ الله خلقَ ذلك السحرَ وقدره قبيحا باطلا كما يقالُ جاء
المطر بإذن الله، وماتَ زيد ومرِضَ وصحَّ بإذن الله أي: بخلق الله ذلك
وتقديره وإيجاده، وليس ذلك بمعنى قوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) ، وما جرى مجراه، ويمكن أيضا أن يكون أراد بالإذن
ها هنا أن الضررَ الذي يكون عند فعل الساحر، والألمَ ليس من كسبِه وفعلِه، ولكن الله هو الذي يخلقه، ويضُر المسحور به بجري العادة، ويمكن أيضاً
أن يكون بإذن الله أي بعلم اللهِ وسابق ما كتَبهُ عليه في اللوح المحفوظ فيعترُ
عن ذلك بالإذن.
ويمكن أن يكون أراد بالإذن أنّ تركَ الساحرَ وسحره، وتركَ إماتتَه
وإعدامَه وإبطالَ لسانَه وجوارحَه، وغيرَ ذلك ممّا يمنَعه من السحرِ لم يكن
إلا بإذن الله، فكأنه قال: لو شئت أن أمنعهم بهذه الأمور من السحر لمنعتهم
ولكن تركتهم، وذلك بإذني، ويمكن أن يكون أراد بالإذن خلق الشخص
المسحور ممن يقبل الألم ويستضر به كلٌّ يإذن الله وإيجاده له كذلك.
ويحتمل أيضا غير هذا من الوجوه، فبطل قولُهم أنّ الإذنَ لا يكون إلا بمعنى
الإباحة والإطلاق.
стр. 642
وأما تعلقهم بقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فإنه لم يخرج على الشك والارتياب بما جاءهم به، وكيف يكون
ذلك كذلك وهو يخبرهم بأنه الحق، ويحذرهم بالنار من مخالفته، وإنما
عنى وهو أعلمُ ولكنّه على مذهب التوبيخ والتنبيه لهم والتعريض بأنَّهم هم
المبطلون كما يقول القائل لمن يلاحُّه ويشاجره: إما أن نكون جميعا مبطلين
أو محقين، وإني وإياك لعلى حق أو في ضلال، يعني بذلك أن أحدنا محق
أو أنّنا على أحد الأمرين إذا قال الرجل لمن يشير عليه بترك ما هما جميعاً
فيه إلى غيره إني وإيّاك لعلى هدىً أو ضلال، يريد أنّنا على هذا فلا يفارِقَه
في خطأٍ ومهلكة، فلا يخالف في الخلاص من ذلك، وقد قيل إن معنى الآية
الكريمة أنّنا لعلى هدىً وإنكم لعلى ضلالٍ فحذف تكرار ذكرهم، وأو هاهنا
بمعنى الواو كما قيل:
جاء الخلافة أو كانت له قدراً
أي: وكانت له قدراً.
فأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) ، وأن ذلك شك وإحالةٌ على ما هو وهمٌ فيه إلى الله، فإنه باطل، لأنه إنّما
ورد ذلك على وجه المتاركة والزجر لهم عما هم عليه، كما يقول الرجل
للرجل: مجلس الحكم بيننا ثم يحكم بيننا بالحق، ليس على وجه الشك في
حقه ولكن على وجه المتاركةِ وقطعِ المزايدة والتحذير من الحكم عليه بباطله.
فأما تعلُّقهم بقوله: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) ، وأنّ ذلك
شكّ منه ونقضٌ لما وعدَ وتوعَّد به، فإنه بعدٌ وتخليط منهم، لأنه لم يعنِ
ذلك، وإنَّما أراد ما أدري ما أتعبَّدُ به ويُفرضُ عليّ وعليكم من الوظائف
والعبادات واتباع شريعةِ من سلفَ أو استئناف سواهُ وتبعيةُ ما قد شرعُ لي أو
نسخُه وتغيُره، ولم يرد أنني لا أدري هل يثابُ المؤمنون ويجازى الكافرون
أم لا؟
стр. 643
وقد قيل: إنه كانت له ﵇ ذنوب خافَ منها قبلَ أن يقالَ له
وينزَل عليه: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، فقال لما
خاف من ذلك: وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم معاشر المذنبين من غفران
لي ولكم أو عقابٍ أو مجازاة، وليس هذا من الشك في دينه ونبوته بسبيل.
وأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) ، ونحو ذلك وأنه نقيضٌ
لقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) .
وذلك أنه لا جواب لما سألوا عنه من ماهية الروح وصفتها
إلا ما قال لهم، فكأنم ظنوا أن الروحَ جسم محسوس، وشخص مدرك وشيء
متمثل متجسد، ذو طعم وهيئة ومُحسة ورطوبة ويبوسة فقال "ويسألونك عن الروح يعني أهي صورة أم صغيرة أم كبيرة أم حلوة أم حامضة، أم رطبة أو يابسة أو بيضاء أو سوداء، فقال: قل الروح من أمر ربي، أنها جنسٌ يخالفُ جميعَ هذه الأجناس المدركات وذواتِ الصور والهيئات والصفات التي
سألتم عنها، وكذلك سبيل الجواب عن نعت كل شيء لا يُدرك بالحواس.
وعن ماهيته في أن هذا جوابُه.
ولو قال قائل: خبِّرونا عن الحياة ما هي وما صفة الغمَ والشرور واللذة
والألم، أمتحرك هو أم ساكن، أم أسود أم أبيض، أم صغير أم كبير، مربعٌ
أو مسدس، لوجب أن يكون هذا هو جوابُه، فيقول: هذه الأجناسُ التي
سألت عنها من الحياة والحزن والسرور شيء من خلق الله، وأمور من فعله
لا يعلمها إلا هو، أي لا يتأتَّى فعلُها وجعلُها على صفاتِها إلا له، وليس فيها
ذو هيئة وشكلٍ وطعمٍ ورائحةٍ يخبِرُك عنه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما
توهموه من قصور القرآن والرسول عن الجواب عن الروح، وهم يعنون
стр. 644
بالسؤال هل الروحُ حيٌّ أم لا، وهل تبقى أم لا، وهل الروحاني روحاني
بمعنىً أو بنفسه، وإنَّما سألوا عن ماهية الروح ونعتِه كأنهم يعنون صورتَها
وهيئتَها، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما قدَّروه.
وأما تعلّقهم بقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) ، فإنّه تعلّق باطل، لأنهم لم يسألوه ما جنسُ الأهلة، ولم تطلعُ وتغرب، وكيف سَيرُها، وما جنسُ الزمانِ ومعناه، وإنَّما أرادوا لم
٥٥٥١، وُضعت الأهقة، ولماذا خُلقت، فقال: (هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) أي: لهذا خُلقت ووضعت، لأجل ديونهم ومُدَدِ أعمالِهم وأجورهم، ومعرفة أوقاتِ حجهم وصيامِهم ووظائفِ دينهم، وقولُ من زعم أنّهم سألوا عن كيفية الأهلة الغامضة جهلٌ منه، ولو سألوا عن ذلك وهم يعنون بالكيفية جنسَ الهلالِ وطبيعتَه أو تقلُّبه وحركتَه، وعن جنسِ الوقتِ نفسِه وجنسِ التقدير، لأخبرهم بجميع ذلك.
فأما تعلّقهم بقوله: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) .
(وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) ، وأنه نقيض لقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) .
وأنّ ذلك إخبار بأنه قد خلق الأزواج كلها من أنفسهم
ومن أشياء أخر لا يعلمون، فإنّه أيضاً مما لا تعلق لهم فيه، لأنه لا يمكن أن
يكون إنّما أراد بقوله: (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) أي: أنّه لم يكن شيئا مذكوراً
ومدركاً وشيئاً عاملاً مكلفاً وشيئاً فطناً حاسا بل كان طينا جماداً إن كان عنى
آدمَ ﵇، أو نطفةً وماءَ مهيناً إن كان أراد المخلوق من ولده، وقولُ
المسلمين إنّه خلق الإنسان لا من شيء صحيح، وليس بنقيض لهذا الكلام.
لأنّه أرادَ أصولَ الأزواج وأوّل الحيوانات وعناصرَ الأشياء وليس الماءُ
стр. 645
والهواء والترابُ والنارُ التي هي عند الفلاسفة أصولُ الأشياء التي هي قديمة
لم تزل، ومنها تنمو الأشياء وتزيد، وإليها تنحل وتَفْسد، وإذا كان ذلك
كذلك بطل ما قالوه، وقد يقول القائل لمن يسمعُ كلامَهُ ويدرِكَهُ ويشاهدُ
فِعلَه ويحسه: ما قلت شيئاً وما صنعتَ شيئاً، أي: ما صنعتَ شيئاً نافعاً.
وما قلت شيئاً مفيداً محصّلاً، وليس يعني بذلك كونَه ووجودَه، وهذا يزيلُ
توهمهم ويقطعُ مادة أشغالهم.
فأما تعلّقهم بقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) .
وأنه نقيضُ لقوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) .
وأنّ هذه صفة معصي غير مطاع، فإنّه جهل منهم لأن الرسولَ المطاعَ هو جبريلُ في قولِ كثيرٍ من المسلمين، هو مطاع في السماء وعند الملائكة ولم يُرد به إجابة محمدٍ ﷺ إلى جميع ما يلتمِسُه.
ويحتمل أن يكون الرسول هو محمد ﷺ ويكونَ معنى قوله: (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) عند المؤمنين به وعند خزنَة الجنَّة، وليس يُعقل من قول مطاعٍ أن الله هو الذي يطيعه، وإنما يُعقلُ من ذلك أنه إنما يطيعُه من يأمره وينهاه ممن أجابه وعرفَ حقه ونبوته، فبطلَ ما قالوه.
فأما تعلهم بقوله في قصة نوح ومحمد ﵉ وقوله: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) .
وقوله في قصة محمد مثلَ ذلك، وأنه نقيضُ قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) .
فإنه ليس على ما ظنوه، لأن نوحا ومحمداً - صلى الله عليهما وسلم - إنما نفيا عن أنفسِهما إدراكَ الغيوبِ من غير توقيف وإخبارٍ على وجه ما يدركه الله سبحانه
стр. 646
من العلم بمعلوماته الغائبة من غير اضطرارٍ ولا استدلالٍ ولا خبر، فإذا
اطلعا على ذلك صارا يَعلمانه من جهة الوحي والتوقيف، وإذا كان ذلك
كذلك بطل ما قالوه.
ويحتمل أن يكون قولُه: (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ)
قطعُ الكلام واستئنافا لذكر الرسول وقصتِه وتأييده وحفظِه وغير ذلك، وإذا
كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
فأما تعلق الملحدة بقوله: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) ، وذكر فيها من صحافِ الذهب والفضة والولدان وغير ذلك
من تعظيم شأن نعيمها وإيصال لذاتها وسرورها وأنه منقوص بوصفه لها
بأنّ فيها أنهاراً من ماءٍ غير آسن، وأنهاراً من لبن لم يتغيّر طعمُه، وأنهاراً من
خمر لذةٍ للشاربين، وقولهم أن اللبنَ والخمرَ ليس مما يُستلذ، واللبنُ خاصةً
لا يطلبُه ويشتهيه إلا جائعٌ مضرور، وأن الموضع الموصوف بأنّ فيه ماءً غير
آسنٍ لا يكون إلا جدباً قحطا غير مخصب فإنه باطل، لأن الخمرَ عند كل
أحدٍ مستلذ مشتهى، ولذلك حُرِّمت ومُنعت كسائر اللذات، وما تدعوه إليه النفوس والطباع، وذكرُه الأنهار إنّما هو إخبار عن كثرته، وأنَّه غير محصورٍ ولا مغيّرٍ مقترٍ محدود.
فأمّا ذكره اللبن فإنه صحيح، لأن العربَ تلذُّ اللبنَ وتشتهيه وتؤثره على
الماء وتختارُه عليه، وتجعلُه بمثابة الطعامِ والشراب، وليس بعد الماء شرابٌ
مفطور مخلوق من غير صنعةٍ ولا مزاج، وشربُ غيره من كل مائعٍ سواه.
فإنه لا يلذُّ بشربه إلا بصنعةٍ ومزاجٍ وتعديل، وكذلك ذِكْره العسل، لأنه مما
يلذُّ ويحب.
стр. 647
فأما قولهم: إنه قلَّ ما يؤكلُ ويشربُ عسلاً صرفا حتى يُمزج ويعالج.
فإنه كذب، لأن كثيراً من الناس يشتهيه صرفا، ولعله يُمزج لمزاجته
ممزوجا، واللهُ سبحانه إنما ذكرَ لهم الأشربة في الجنَّة من هذه الأجناس.
ليدلهم على أن هناك لبن وعسل وخمر وماء وأنواعُ ما تدعو إليه الأنفس، لا
لكي يدل بذلك على أنه مثلُ طعمِ الذي في الدنيا وصفتُه لا يفوقه ويزيدُ
عليه، وكذلك إنما وصف الماءُ بأنه في أنهارٍ وأنه غير آسنٍ ولا متغير، لأن
القومَ الذين خوطبوا بذلك إنما كانوا يشربون من العيون الضيقة والآبار النزة
وربما كان الماء لقلته آسناً متغيراً، فعرَّفهم أنه هناك غيرُ قليلٍ ولا محصور
مغيرٍ مقترٍ محدود، فبانَ بذلك بطلانُ ما قالوه، وكذلك قوله: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) ، (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) ، وغير ذلك إنما أوردَه لكي يعرِّفهم أنواع ما في جنانه، ولم يذكره لكي يعرِّفهم أنه على
صفات ما في الجنَّة من الثمار واللحوم، على صفات ما تقع عليه هذه
الأسماء والنعوت في الدنيا من غير تحصيل مزية ولا زيادة حسن وطيبٍ
ولذة، وما لا يقدر جميع من على وجه الأرض على تركيب طعامٍ وشراب
يبلغ لذته، وإن صنعوه وعالَجوه بكل مزاج وتركيب، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه.
فأمَّا تعلّقهم بقوله: (رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ) ، وإنّ ذلك نقيضٌ لوصفه أنهارَ الخمر، لأن الختمَ يقتضي العزّة والقلة.
وقولهم: ولم خَتَمه الخشية الغارة واللصوص؟ ونحوَ ذلك من الجهالات.
فإنه حمقٌ وبلَه وتلاعب من الملحدة، لأن معنى (خِتَامُهُ مِسْكٌ) أي منقطعه
يوجدُ عنده طعمُ المسك من رائحته وهو من أجمل الشراب، ولو كان الختام
هو الختم والطابع لم يدل ذلك على القلة ولكان على التشريف لأولياء الله
стр. 648
والكرامة، ولذلك يتخذ الملوك خزائن الشراب ويضعونَ عليها الخواتيمَ
والأقفالَ ويغطون الآنية بفاخر الثياب، ويتهادونَ الأشرِبة مختومةً مضمونة.
وإن أرسلوها مع أُمَنائِهم وأولادِهم إلى أخصِّ الناس بهم مع أمان السمِّ
والإدغال ومزاج الشراب ما يؤذي شاربه، وكل هذا على وجه التكرمة
والإعظام فبطل بذلك ما قالوه.
***************
يتلوه إن شاء الله في الورقة التي تليها بعد البياض الذي يلي هذه
الصفحة فإن قالوا: مزاجها كافوراً وزنجبيلاً فإنه غير مفسدٍ لطعم الشراب.
والحمد لله ربّ العالمين.
فرغ منه كاتِبُه حامداً اللهَ تعالى ومصليا على رسوله سيدنا محمدٍ النبي، وآله الطاهرين وسلامِه وحسبُنا الله ونعمَ الوكيل.
فصل (١) :
стр. 649
فصل
ربِّ أنعمتَ فزِدْ
فإن قالوا: مزاجها كافوراً وزنجبيلاً، فإنه غير مفسد لطعم الشراب لأن
مِنَ الناس من يعجبُه الشراب عند مقطعه شيء من لذع الزنجبيل والكافور
وطعمهما وريحهما، ويميل إلى شدة برد الشراب، ولعله تعالى أراد طعمَ
الكافور وريحه وبَردهِ، أو برده خاصةً وكل ذلك محبوبٌ مشتهىً عند أكثر
الناس.
ويمكن أيضا أن يكون عنى تعالى أن بردَ ذلك الشراب ونفاذَ عَمَله في
اللذّة وطعمَه وريحَه اللذين هما له، كنفاذ برد الكافور والزنجبيل وطعمه
وريحه، من غير أن يكون معنى ذلك الشرابِ في الطعم والريح معناهما.
وقد يقول القائل: إن له لساناً أحدَّ من السيف، وشرابا مثل شُعل النيران.
وأن ريح هذا تيّمٌ كريحِ المسك والكافور ولا يَعني بذلك تساوي معنى ما
ذكره وما شبَّهَه، وإنما يعني نفاذَ عَمَله ورائحته، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
فأمّا قوله: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) ، وأن ذلك ليس
تعظيما في الزينة، ولا من زينة الرجال، فإنه كَذِبٌ، لأن العسجدَ من أفضل
الزينة، وإنما كُرِه للرجال لموضع التشبيه بالنساء، ولعله أن يكون لأجل ما
يُلْحَقُ البلواء والخيلاء، وصار ذلك مستهجنا في الدنيا لموضع التعبُّد
والعادة، وفي عامة النّاس وأوساطهم، فأمّا ملوك العرب والعجم والروم
стр. 650
فهم إلى اليوم يتسوَّرن ويلْبِسون الأطواق والإسْوِرة والتيجان، ويبالَغُ في
ذلك ويتنوَّقُ فيه ويرصِّعُه، ولكن ذلك لعظمائها دون صغارها وسفاسفها.
وأهلُ الجنَّةِ في أجل رتبةٍ وأرفعَ منزلةٍ وأيسرهم نعيماً في الجنَّة، وإن لم يكن
في نعيمها يسيراً أعظم من سائرِ نعيم ملوك الدنيا، فزال ما قالوه.
فأمَّا تعلُّقهم ُ بقوله: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) .
وإن ذلك نقصٌ منه، لتعظيم شأن ما فيها لأجل أن السنْدس هو البزيون -
زعموا، والإستبراقُ غليظُ الديباج، فإنه لا تعلُّق فيه، لأنه إن كان السنْدس
هو البزيون، فإن لهم من الفرش ما هو على نمط البزيون وصفته، ومخالف
لجنسه في كَوْنه وهَيْئَته ولينه، ولعلمه أن يكونَ ألينَ من كل سُنْدسٍ من
مِرْعَزيِّ الأوبار وألينِ الأصواف، وما لا يقدر البشرُ أبدا على إيجاد مثله ولا
يَنْتهون إليه، فأمّا الإسْتَبرق فإنّه إن كان غليظَ الديباج فإنه من الحُسنِ
والهيئة، وجميل المنظر ولين الملمس، بحيث يقصُرُ عنه وصفُ الواصفين.
وليس كل الناس ترغب في ضعيفِ الديباج ورقيقِه، بل الدهماءُ منهم ترغبُ
في متينه وغليظِه، لأنه أجل ولذلك عظُمَ الروميّ والملكيّ على التستُريّ وما
جرى مجراه، فكيف بغليظه إذا كان بصفة ما قلناه؟! وكلُّ هذا تلاعب منهم
وتخالعٌ واستهواءٌ للعامة من أتباعهم، والأوغادِ من معظِّميهم وشيعتهم.
ومن أدل الأمور على ضيق الأمر بهم، وعدم المطاعن على شيءٍ من كتاب
الله.
فأمَّا تعلقهم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) ، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ،
стр. 651
ونحو هذا، وأن ذلك منقوضٌ بقوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) ، ولا جُرْمَ - زعموا - للجلود التي لم تكن
عليهم في الدنيا، ولم تصحبهم، وتكون من جملتهم وقتَ المعصية، فعقابُ
جلودهم وإيلامها على ذنبٍ لم يكن منها ولا هي من جُمْلته وقتَ
اقترافهما: ظلم وعدوان، فإنه باطل لا تعلق فيه من وجوه:
أحدُها: أن الأمرَ في هذا ليس على ما يدَّعونه عند أهل الحق من أن
إيلامَ الحي على غير جُرمٍ ولا لعرض ظلم، وإنَّما يكون ذلك ظلماً ممن
ليس له فِعله، ومن نُهيَ عنه وتجاوز ما حُدَّ له وتصرَّف في مِلْكِ غيره.
والذي هو أمْلكُ بالمخلوقات منه، واللهُ تعالى ليس هذه سبيلَ إيلامه لما آلمه
من خلقه، وقد أتلفَ الأطفالَ في الدنيا وأباحَ إيلامَ الحيوان وذبحَه وسلخَه
وأكلَه، وكدَّه وحملَ الأثقال عليه لغير ذنبٍ ولا لغرض، كان مصير
البهائم إليه بجزاءٍ وثواب وعذاب، وذلك حَسَن وعدلٌ منه.
والجواب الآخر: إنما أراد بقوله: غيرها أنَّها كلما نضجت واحترقت
فصارت حُمَماً أُعيدت حينئذٍ رطبةً مؤتلفةً محتمِلةً للألم والعقوبة، فقيل
غيرها أي أُعيدت كالذي كانت، وعلى صفتها التي صارت بالاحتراق إليها.
كما يقول جاءني زيد اليوم بغير الوجه الذي فارقني به بالأمس، أي: بغير
صفة الوجه التي كان عليها، وكذلك قولُهم: زيد هذا الذي عرفناه وأنت غير الذي كنَّا نعرفك، يعنون تغايُرَ صفاتِه دون ذاتِه.
ويمكن أيضاً أن يُقال: إن العذابَ إنقا هو على الأرواح دون الخَلْق.
فإذا عَظُمت جلودهم وأُنضِجَت آلمت أرْواحَهم، وهي المُعاقَبَةُ دون الجلود،
стр. 652
فإذا أمكنَ تخريج هذا على بعض مذاهب المسلمين، فقد خابت آمالُهم
وانقطعَ رجاؤُهم وزالَ إشغابهم، وصحَّ أن القرآن هدىَ ونورٌ منزلٌ من عند
حكيمِ عليم.
وأمَّا تعهفُقهم بقوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) ، وأنه نَقَضَ ذلكَ قولَه: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) ، لأن هذا تصريحٌ بأنه خَشِيَ الناسَ
ولم يَخْشَ اللهَ أو كاد أن لا يخشاه، وهو نقيض الخبر الأول، فإنه مما لا
تعلُّق لهم فيه من وجوه:
أحدها: أن في الناس مَنْ يحملُ هذا على أن اللهَ سبحانَه حكى قولَ
رسوله لزيدِ بنِ حارثة، وأنّه كان يعظُه بمثل هذا الكلام، وبقوله: (وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) ، كأن الرسول ﷺ قال لزيد: وتخفي في نفسكَ ما اللهُ مبْديه، وقال له: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) ، وليس هذا بعتاب للنبي صلّى الله عَليه ومثلُ هذا التأويل سائغ غير بعيد.
والوجه الآخر: أنّه قد كان أوحِيَ إلى النبي صلى اللهُ عَليه أن امرأةَ
زيدِ تكون زوجةً لك فكَتَم هذا ولم يُخبِر به زيداَ ولا غيره، مخافةَ أن يتسرع
زيدٌ إلى طلاقها إذا عَلِمَ رغبةَ الرسول فيها، وأن يقولَ عند ذلك المنافقون
أمَرهُ بطلاقِها، وفرَّق بينَه وبينَها، ثم تَزوجها، ويجعلون ذلك وصمةَ ومطعناَ
وذريعةَ إلى الغَميزة عليه والقَدْحِ في فضلِه، فيجب لذلك الإخبار بما أنزل
اللهُ عليه فأخبر به خَشْيةَ ما ذكرناه فقال: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)
أي: لا تخف في إظهار ذلك، فإنهم لن يضروك بشيءِ خِفْته.
стр. 653
وقوله -: (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) أمرٌ له بأن يخشى اللهَ وبينه على أنه أحقُّ
وأولى أن يُخشى،، وذلك لا يدل على مخالفة المأمور إلى ضده وارتكابه
لترَكه أو العزم على ذلك، فبطل التعلق بهذا الموضع.
ويحتمل أيضا: أن يكون كرِه إظهارَ ذلك لئلا يقول المنافقون: قد حرَّم
الله على أمته حلائلُ أبنائهم، وزيد ابنه، وقد تبنَّاه، ثم تزوَّج بحليلته، فقال: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) ، أي ليس زيد
ابنَهُ. بنوةً تَمْنع من تزويج امرأتِه، فقال: قل لهم هذا ولا تخشاهم، فإنّ اللهَ
أحقُّ أن تخشاه، وليس ذلك بركوب لمأثم.
ثم إنه لو سُلّم أن الرسول صلى اللهُ عَليه كان راغبا فيها ومؤثرا، لطلاقها
لكي يتزوجها إذا فورقت واعتدَّت: وحلَّت للأزواج، وأنه خافَ أن يظهرَ ذلك الموضعَ للقالية التي قدمناها والقذفِ له لم يكن ذلك - ذنبا منَ ذنوبه، وخشيةُ الناس وتركَه لخشية الله، لأن ميلَ الطباع وشهوات النفوس والرغبة في النساء والوقوع في حبائلهن، وتعلق القلوب بهن إذا خرج عن التكليف
والاكتساب لم يكن صاحبُه ملوما مذموما إذا عزم العازم، على التزويج بمن
يُوثره إذا حلَّت للأزواج، لتسكين طَبْعه وإحمام نَفْسه ودفْعِ الوسوسة.
والحوم حولَ الحمى ومكابدة الألم ومدافَعة، النفس وطلب الاشتغال عن
ذلك بطاعة الله، فإنّه بهذا الحزم والقصد مطيع لله، فكأنه قال له ﵇
"لا تحْفْ الناس في كشف هذه الحال لهم بأنها مطلقة مباحه، واعلم أن الله
أحق أن تخشاه، ويُخْبِر بالمباح المطْلَقِ لك من دينه وفي شريعته، وإذا كان
ذلكْ كذلك بانَ أنه لا عيبَ على الرسول ولا عار، وأنه غير مواقع بذلك
دنبا ولا عصيانا ولا تارك لخشية اللهِ تعالى، وبطل ما قَدَّروه وززالَ ما
توهموه.
стр. 654
فأمَّا قولهم: إنه لا معنى لقوله في أم الكتاب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
لأنه قد أفاد بالرحمن ما أفاده بالرحيم، ولا لقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لأنه إن كان حَمِدَ نفسَه فأيُّ فائدةٍ في حمدِه لنفسه، وإن كان أرادَ الأمرَ بحمده فألاَ قال: قولوا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فإنه تعلُّقٌ باطلٌ وليس الأمرُ فيه على ما توهموه، لأن في قوله: (بِسْمِ اللَّهِ) إضمارَ كلام مقدر قد حُذِف لأنه قد عُرِفَ أن القصدَ به بسم الله أفتتحُ أو أبتدءُ أو أستعيذ أو أستنْصِرُ ونحوُ ذلك، ولكن لما كثُر استعمال ذلك وما يقوم مقامَهُ في فواتح الكُتب والخطب والرسائل وعُرف الغرضُ فيه ومقصِدُ
العرب بقولهم في مبادىء كتبهم: "باسمك اللهم" حُذِف ذكرُ الابتداء أو
الافتتاح أو الاستعاذة وما يُقدر في هذا الكلام مما تتمُّ به فائدة، لأنه إن لم
يقدَّرْ ذلك لم يكن للقول: "بسم الله " معنىً ولا خبر فتنعقد به الفائدة، وهذا
يسْقط ما توهموه.
فأمَّا قوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فإن ابنَ عباسٍ قال في تأويله:
"إنهما اسمان دقيقان أحدهما أدقُّ من الآخر صاحبه، فالرحمن الدقيق والرحيم
العاطف على خَلْقه بالرزق والإنعام، وهما اسمان مشتقان من الرحمة.
وقد يجوز أن يكون إنما كرر الاسم باللفظين، لأن في أحدهما من
المبالغة ما ليس في الآخر، لأن رحمان من أبنية المبالغة على وزن قولك
شبعان وغضبان وملآن إذا امتلأ غضبا وشبعا، فقال: "الرحيم" وهو اسمٌ
مشترك بيَنه وبينَ غيره لأنك تقول: الله رحيم، وزيد رحيم، ومولىً رحيم.
ثم قال: "الرحمن " على وجه المبالغة، لأن رحمته وَسِعَت كل شيءٍ ولأن
عنده من الرحمة ما ليس عند خَلْقه ثم قال: "الرحيم" على وجه المبالغة
أيضا، فإنه بمعنى العاطف الرقيق على خَلْقه بالرزق والإنعام، وإن كانت
стр. 655
الرِّقةُ منتفيةً عنه تعالى فوجب أن يكون إنما كرر الاسم المشتق من الصفة
الواحدة بلفظين لمعنيين متزايدين مختلفين على ما بيناه من قبل.
وقد قيل إنه إنّما كرر قولَه: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) على وجه
التوكيد وتمكين المعنى المقصود وأنَّه بمنزلةِ قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) ، وقوله: (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) ، و (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) ، وكل هذا على وجه التوكيد، على أنه قد قيل إن قولَه: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) أي: غشي قومَ موسى منه مثلُ ما غشي قومَ
فرعون فسَلِم قومُ موسى من مثلِ ما هلكَ به قومَ فرعون، وقيل: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) أي: غشيهم قدرٌ منه دون جميعه، وقيل إنه أراد أنه أظلم منه قدرُما جعل ما تحته يَبَسا فمشوا فيه.
وأمَّا قولهُ تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فإنّ فيه فائدة، وهو قول يحتمل أن يُراد
به الخبرَ بأن الحمدَ لله، وإذا أُريدَ به ذلك فمعناه أن المستحقَّ للحمد والشكر
هو الله المنعم على جميع الخلق، ولكل نعمةٍ أنعمَ بها أحد على أحدٍ فأخبرهم
بذلك أنّه هو تعالى مستوجبَ الحمد، ويُحتَمل أن يكون أمراً، ومعناه إذا كان أمراً مضمراً وإن كان محذوفا، أي: قولوا الحمدُ لله، ومثلُ ذلك قولُ الشاعر:
وقفتُ يوما به أُسائِلُهُ ... والدمعُ مني الحثيثُ يَستَبِقُ
يا رَبْعُ أنَّى بقولهم سَلكوا ... بأي وجهٍ تراهمُ افترقوا
يريدُ: أقولُ يا ربُع، فحُذِف، ومثلُ هذا كثير فبَطل ما توهموه.
فأمَّا تعلُّقهم بقوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) .
وبقوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، و (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) .
و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، وقولُهم: ما فائدةُ القول، إن كان
стр. 656
مدحا فهو قبيح، وإن لم يكن مدحا فما فائدته، فإنه لا تعلقَ فيه، لأنّنا
نقول: هو مدح وإن لم يكن قبيحا لثلاثِ أوجه:
أحدها: أنّه امتدح لغير اجتلاب منفعه ولا دَفْعِ مضرة، وليس كذلك
سبيل مادحُ نَفْسه منّا، ولذلك قَبحُ أن يمدح نفسه.
والوجه الآخر: أنه إنما يَقْبُح المدحُ منّا بكل صفةٍ لأنه لا بد أن يلحقنا
نقص فيها، والباري على غاية الكمال والتناهي في أوصافه.
والثالثة: أنه إنما قَبُح أن نمدحَ أنفسنا، لأنّ غيرنا هو الجاعل لنا، واللهُ
سبحانَه لم يجعله جاعل على ما هو به من الصفات، فحسن منه لذلك مدحُ
نفسه.
وقد يجوز أن يكون قال ذلك ليعلِّمنا كيف نَمْدَحه ونثْني عليه لا ليمدحَ
هو نَفسَه، ويجوز أيضا أن يكون قال ذلك الكلامَ في معنى التكرار وفوائده.
فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .
وقولُهم: إن الموات والجماد والأعراضُ لا يجوز أن تسبح، فإنه لا تعلُّقَ فيه لأنّه إنّما أراد بذلك وإن من شيءٍ ناطقٌ حي إلاّ يسبح بحمدِه، ولم يرد كل ما يقع عليه اسم شيء، وقد يجوز أن يكون أرادَ وإن من شيءٍ ناطق مؤمنٍ مصدّقٍ إلا يسبح بحمده، لأن الكافر والمجنونَ والطفلَ أحياءٌ ناطقون غيرُ مسبحين له، وقد قيل إنّه أراد بالتسبيح في هذه
الآية الإخبارُ عن فاقَتِه وحاجَتِه إلى مدبرٍ يدبره ومقيمٍ يقيمه، فكأنَّه قال: لو
كان كل مخلوقٍ يعرف نفسَه وخالقَه لسبّح بحمد خالقه، واعترف بربوبيّته
لموضع حاجته وافتقاره إليه.
стр. 657
وأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) .
وقوله: (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) .
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ، وقوله: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) ، وقوله: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) ، فإنه لا تعلُقَ لهم في شيءٍ منه، ولا إحالةَ فيه بوجه.
وذلك أن قولَه: (لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا) أي: لو أنزلناه على جبلٍ
يعقله ويسمعه لانقضَّ وتصدَّع على ما هو عليه من عظمةٍ وصلابة، ولو كان
ممن يعقل على وجه التقدير، ويمكن أن يكون أراد أنّنا لو عقلنا الجبلَ
وأَسْمَعناه القرآن لانقضَّ وتصدَّعَ من خشية الله.
فأما ما أخبرَ به من سجود الشمسِ والقمرِ والجبالِ والشجر وغير ذلك.
وتسبيحِ هذه الأشياء فإنما أراد به - وهو أعلمُ - الإخبارَ عن ذُلِّها وتواضُعِها، والذلُّ والتواضعُ الحاصلُ فيها إنما هو فقرُها وحاجتُها إلى صانع يصنعُها.
ومُدَبر يدبرها ويقيمُ ذواتِها، ولولاه لم تكن، وكذلك قولُه: (يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) أي: أنّ فيه آثارُ الصنعةِ ودلائلُ الفاقةِ والحاجة، فسُميَ بذلك
هبوطا وخضوعا وسُجوداً وتسبيحا على هذا التأويل، ولم يُردْ السجودَ
بالجبهةِ والتسبيح الذي هو النطق، قال جرير:
لما أتى خبرُ الزُبيرِ تَضعْضَعتْ ... سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشعُ
وقال ابنُ أحمر الشاعر:
وعرفتُ من شُرُفات مَسْجِدها ... حَجَرين طالَ عليهما العصرُ
بكيا الخلاءَ فقلتُ إذ بَكَيا ... ما بعدَ مثلِ بكاكُما صبرُ
стр. 658
والحجارةُ لا تبكي ولا تخشعُ إلا على التمثيلِ والتقديرِ والإخبارِ عن
عِظَم الأمر وأنه مما تُهَدُّ الجبالَ وتبكي له على وجه التعظيم للشأن.
وقال آخر:
ساجدُ المنْخَرِ لا يَرْفَعه ... خاشعُ الطرفِ أصمُّ المستمعْ
ولم يُرِد سجودَ الجبهة.
وقال أميةُ:
سبحانَ مَن سبَّحت طيرُ الفَلاةِ له ... والريحُ والرعدُ والأنعامُ والكفرُ
يعني بالكفرِ مواضع الرهبان، وهي الصوامع، وقال أيضا:
هو الذي سخَّرَ الأرواحَ ينشُرُها ... ويسجدُ النجمُ للرحمنِ والقمرُ
وإنما أراد بذلك ما قدَّمناه من الفاقة والحاجة إلى الصانع الحكيم.
ويمكن أيضا أن يكون إنما أراد بقوله: (يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) .
وقوله: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) ، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ) ، أي: لو رأى ذلك المسخَّر المتدبَّر بحالِه وحاجته إلى صانعٍ يقيمه لسجدَ لله ولسبَّحه ولهبطَ عندَ التأمل والفكرِ من خشية الله الخالق، كذلك لما في ذلك من أوضح الأدلة والبراهين، قال الشاعر:
أما النهارُ ففي قيدٍ وسلسلةٍ ... والليلُ في جوفٍ منحوتٍ من الساجِ
يعني بذلك أن مَنْ في النّهار وفي الليل على هذه الصفة واللفظ لِليْل
والنهار والمراد به غيرهما.
стр. 659
قال الطرماح:
وأخو الهُمومِ إذا الهمومُ تحضّرتْ ... جَنحَ الظلامُ وسادهُ لا ترقدُ
فجعل الوسادةَ لا ترقد، يريد أن من عليها لا يرقدُ لطِرْق الهموم قلْبَه
وفكْرَه، فكذلك إنما ذَكَر اللهُ تعالى هذه الأشياء ووصفَها بهذه الصفة، وهو
يريدُ بذلك الوصفُ لغيرها الذي يشاهدُها ويعتبرُ بها، ويُفكرُ في خَلْقها.
وهذا أيضا ليس ببعيد، وإذا كان ذلك كذلك سقطَ ما توهموه من سقوط
معنى هذا الكلام وحصول الإحالة فيه.
وقد ذكروا أن مما لا معنى له في القرآن قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ، قالوا: وقد عَلِمَ كل سامعِ لهذا الكلام أنه لا معنى لقوله: بَلِّغْ (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ) ، وأي فائدةِ في أن يُقال لمن لم يبلغ الرسالة:
اعْلمُ أنّك إن لم تبلغ فما بلغت.
يقال لهم: في هذا أجوبه:
أحدها: أنه إنما أرادَ بقوله تعالى - وهو أعلمُ - (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) أي لم تبلغ كل ما أُرسلتَ به على كمالِه وتمامِه وترك الكتمان والطيِّ
لشيءً منه، ولم يردْ بقوله: (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) في الشيء الذي لم يبلِّغه
بعينه، فإن ذلك أمر معلوم على ما وصفتم، وإذا كان ذكر الرسالة مجملاَ
معرَّضا لأن يُرادَ به كل الرسالة على الاستيفاء لها والاستيعاب، وأنَّه يُعنى به
البعضُ منها دون جميعها كان حملُ الآية على هذا التأويل صحيحا ممكنا.
وأن يكون إنما حث على تبليغ الرسالة في شيءِ بعينه أوْحيَ إليه، قيل له فيه
стр. 660
إن لم تفعل ذلك فما تحمَّلت عن الله سبحانه كل ما أمرك به ولا أديْتَ جميع
رسالاته، وهذا واضح من التأويل وبالله التأييد.
وجواب آخر وهو: أنه يمكن أن يكون المرادُ بقوله تعالى: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) أي: فما تستحق ثواباً ولا جزاءاً على أداء ما أديته منها
إذا أخلَلتَ بأداء شيءٍ من جميعها، كما يقول السيد لعبده والمستأجر
لأجيره: ابنِ داري هذه وعلِّي شُرَفَهَا وإن لم تُعل الشُرف منها فما عملت
شيئا ولا ثوابَ لك على عملك، وهو ليس يعني بقوله: فما عملت إلا
إسقاطَ الاعتقاد بما عملَه، وهذا أيضا بيّن في جوابِ ما تعلقوا به.
وجواب آخر هو: أنه يُحْتمل أن يكون المراد بقوله: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) هو المراد بقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) أي: تبلغه تبليغا شائعا ذائعا
مكشوفا تقوم به الحجَّة، وينقطعُ به العذر، ويؤَثر في النفس التأثيرَ الذي يقع
معه العلمُ بصحته ولذلك قال: "اصدع" لأنه عَنى به شدة البلاغ وكشفه على وجهٍ يُؤثَر تأثيرَ الصدع في الزجاج وغيره مما يتصدعُ وينكسر، فكأنه
سبحانَه قال له: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) بلاغا ظاهراً، وأراد بقوله: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) ، أي: إن لم تُظهر، وأديته خفيًّا مكتوماً فما بلغت البلاغ الذي قيل لك بلًغه وهذا أيضا واضح في إسقاط ما تعلقوا به.
وقد طعنوا أيضا في القرآن وفي تصديق الرسول صلى اللهُ عَليه بقوله:
(وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) ، قالوا: وقد قُتل فيه الخلقُ من عبدِ الله
ابنِ الزبير وغيره، ولعل الخوفَ والقتلَ فيه وفي المسجد في كثير من
الأوقات كان أكثر وأظهر منه في غيره، فهذا كذبٌ لا محاله - زعموا - وهذا
стр. 661
باطل لا تعلُّق لهم فيه، لأنه لم يردْ بذلك الإخبارَ عن حصول الأمر، وإنَّما
هو كلام صورتهُ الخبر، والمرادُ به الأمرُ كأنه قال تعالى: ليكن من دخله آمناً
غيرَ مخوف، وهو جاري مجرى قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، وصيغته الخبر، والمرادُ به ليتربصن المطلقاتُ بأنفسهن
ثلاثةَ قروء، وقد لا يفعلنَ ذلك ويعصينَ بترك التربص، لأن هذا القولَ ليس
بخبرٍ عن حصول ذلك منهن، وإنما هو أمرٌ وردَ بصيغة الخبر فزال ما
توهموه.
وقد يمكن أن يكون خبراً عن الأمان من عذاب الآخرة وسوء النكال إذا
دخلَهُ خائفا لله وخاشعا له ونادماً على تفريطه ومتقرباً بذلك إلى وجههِ تعالى
بعد المهاجرة من دارهِ وبلده، ولم يردْ أنّه آمنٌ من ظُلم الخلق، أو من إقامة
ما يجبُ عليه من قصاصٍ وقَوَدٍ وحد، وقد يمكن إن كان خبراً عن حصول
الأمرِ أن يكون أرادَ به وقتاً مخصوصاً وعامَا مخصوصاً وناساً مخصوصين.
فيكون صيغته العمومَ والمراد به الخصوصَ إن ثبتَ للعموم صيغة.
فأمّا طعنهم في القرآن بقوله: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) .
وإن في هذا مدحاً لهم على الظن للقاء ربّهم.
والظنُّ - زعموا - شكّ وضدُّ اليقين، وهم بذمّهم لأجل ظنِّهم لذلك وشكهم فيه وترك العلم به أولى بالمدح.
والجواب عنه: أنه أراد تعالى بذكر الظن ها هنا اليقين، لأنّ الظن يكون
بمعنى اليقين، ومنه قولُه تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) ، يريد تيقنوا ذلك وتحققُوه، ومنه أيضاً قولُه: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) .
يريدُ تتيقن المفاقرة، وترى وتشاهدُ العذابَ غير أنه لما ذكر رؤيةَ المؤمنين لربِّهم باسم النظر ثم ذكر
стр. 662
رُؤيةَ الكافرين للعذاب وما يقع به النكال عبَّر عن رؤيتهم بذلك بغير اسم
النظر فقال: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) ، أي: ترى العذابَ وما يقع به
وتتيقنه، وقول من قال: إن الظن لا يكون بالوجه باطل، لأنه إذا كان بمعنى
اليقين ورؤية البصر كان واقعا بالعين التي في الوجه.
قال الشاعر:
فقلت لهم ظنوا بألْفَيْ مُدَججٍ ... سُراتُهُم في الفارسيِّ المُسرَّدِ
أراد أن أيْقِنوا بذلك واعْلَموه.
وقد طعنوا أيضا في القرآن بقوله سبحانه: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) ، قالوا: وهذا نقضٌ ظاهرٌ
وإبطالٌ للمعنى المقصودِ بالكلام، لأنه استثنى بقوله: (إِلَّا قَلِيلًا) بعضَ من
أخبر بفضله عليه وعصمته له التي لأجلها نَجى من سلِمَ من اتباع الشيطان.
وإذا جُعِل فضلُه عليهم هو المانعَ لهم من اتباع الشيطان، فكيف يتَبعه قليلٌ
ممن تفضل عليه ورحِمَه، وإن جاز أن يتَبع بعضُ مَن عليه فضْلُه ورحمتُه
للشيطان، فلِمَ لا يجوز اتباعُ جميع من تفضل عليه ورحمه الشيطان، وهذا
هو الإحالةُ والإفسادُ لمعنى الكلام، والإفسادُ لمعنى الكلام، وإثباتُ التفضل
والامتنان.
فيقال: الاستثناء في هذا الموضع بقوله: (إِلَّا قَلِيلًا) لم يرجع إلى
أقرب المذكور إليه في الآية، إنما رجَعَ إلى المذكور المتقدم قَبْلَ الذي يليه.
لأن الله سبحانه قال: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) .
ثم عقبه بقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)
стр. 663
فقولُه (إِلَّا قَلِيلًا) إما أن يكون اسْتُثنيَ من قوله (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إلا قليلاً لا يستنبطون ولا يعلمون لتركهم الاستنباط، أو لمقاربة معنى استنباطهم من إفسادٍ له باستثقال الحق، أو تخليطٍ فيه بتقديمٍ
أو تأخير وطلب الغَلَبة، وما جرى مجرى ذلك، فكأنَّه قال: لعَلِمه الذين
يستنبطونَه منهم إلا قليل لا يستنبطون فلا يعلمون، أو إلا قليلاً يستنبطون
استنباطا فاسداً فلا يعلمون.
أو أن يكون استُثنيَ من قوله: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) إلا قليلاَ منهم إذا جاءهم ذلك لا يدفعونه، فيردُّ الاستثناء فيه إلى
المذكور المتقدم، والاستثناءُ في الكلام ربما رجعَ إلى أقرب المذكور وهو
الذي يليه، وربَّما رجعَ إلى جميع الجملة المقدَّم ذكرُها، وربَّما رجع إلى
أبعد المذكور منها إذا وَسِعَه، وإنَّما يجب إيقافُه على حكم الدليل لموضع
الاحتمال لردة إلى كل شيءٍ من ذلك، وقد بيّنا ذلك وأوضحناه في كتاب
"جامع الأبواب والأدلة"، واستقصينا القولَ في الأصول الشرعية وفي غيره
من أصول الفقه بما يُغني الناظرَ فيه إن شاء الله.
فأمَّا تعلُّقهم بقوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) ، وأن هذا نقيضُ ما وصَفَ به سائر رسله من
أنّهم أعلمُ الخَلْق به، وأعرفُهم بصدقه وصفاته، وأنهم مختارون ومصطفَون
على علمِ على العالمين، فإنه لا تعلق لهم فيه من وجوه.
أولها: أنّ هذا القولَ ليس بخبرٍ عن حصول شكه ﵇ فيما أُنزل
عليه وإنّما هو تقريرٌ له وتنبية أنه منزل على غيره أيضًا، وقد يقول القائل لمن
يعلمُ أنه لا شكّ عنده في الأمر، ولا ريبَ: فإن كنتَ في شك مما أنزله
وأخْبَر به فسل غيري وسل الناس عنه، وسيما إذا كان يريدُ بذلك إظهارُ
стр. 664
صدقه بحضرة من يُنكر ذلك ويدفعه، وربَّما قال له ذلك في الأمر الشائع
الذائع ليجعل له طريقاً إلى سؤال الناس وإخبارهم بما عندهم من العلم في
ذلك الأمر ليزول ذلك الشك ويقوى سلطانُ الحجَّة، وتبطل الشبهة.
والقومُ أعني قريشا، ومن خالفَ الرسولَ كانوا يقولون له فيما نقلوه إفك
افتراه، وإفك مفترًى ومحدَّث ومجنون، وإن هذا إلا خلق الأولين، وشاعر
مجنون، فقال له: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) ، ليجعل له ذريعةً إلى ذلك، ومطالبةُ علمائهم مثلُ عبدُ الله بنُ سلام وغيره بما في كتابهم من ذلك تصديقاً لقوله أننا قد أبنَّا بذلك مَنْ كان قبلك، ولم يقُل إنك شاكٌّ فيما أنزل عليك.
ويُوضح هذا أيضا أن القائلَ قد يقول لمن يعلم بتيقنه ظلمُ زيد وجهلُه
وتخليطُه وأنه لا شك في ذلك: إن كنت في شك من ظُلم زيدٍ فعامِلْه لتنظر.
وإن كنتَ في شكٍ من تخليط فلانٍ وخبطه فقاوله وناظره، وإن كنت في شك
من هوْلِ البحر فاركبه، وإن كنت في شك من جود فلانٍ أو بُخله فمن يعرفُ حالَهُ فسلهُ والتمس منه لتعلم ردّه أو إجابَته، في أمثال هذا مما قد ظهر
استعمالُه بينهم، فعلى هذا الوجه ورد قولُه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) .
وقد يمكن أن يكون النبي ﷺ ظن أن بعض ما أُنزل إليه من العبادات أو بعض ما قصً عليه قد أُنزل على موسى، وأحب الله أن يقطعَ شكه في ذلك فقال: فإن كنت في شك مما أُنزلَ إليك في أنه منزل على موسى ومن كان قبلك فسَلْهم عن ذلك ليخبروك عنه، فيزولَ شكُّكَ، وقد يكونُ من مصالحه ومصالح أمته أو بعضها الأمرُ بسؤال أهل الكتاب عما يشكُ ﵇ في أنَه منزَل عليهم، وربَّما كان ذلك تقويةً ليقين غيره إذا عَرَفَه، فلم يُرد بذلك الشكً في أنَه من عند الله، وإنما أرأدَ الشكُ في أنه منزل على غيره أم لا (١) .
стр. 665
وقد يجوز أيضا أّن يكون أُتزل عليه جملةً قصةٍ وعبادةً مجمَلةً أخرَ عنه
بيانها إلى وقت الحاجة،. وقد بيّن تفصيلَها وشرح تلكَ القصة في كتابِ
موسى، فقال له: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) يعني في شك من تفصيلِه، فارجع في ذلك إلى أهل الكتاب فإنني قد أنزلتُ تفصيلَ ذلك عليهم، وليس هذا من الشك في أن ما أُنزلَ عليه منزل من عند الله بسبيل.
وقد يجوز أن يكون أراد بقوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) أي إن كان قومك أو
بعضُهم في شك فسل أهل الكتاب ليخبروهم بمثل ما تخبرهم به فيؤمنُ عند
ذلك من كان إخبارهم إياه به لطفا له، فيكون ذاكراً للنبي صلى الله عَليه
والمرادُ به غيره، وعلى نحو هذا ورد قولَه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) .
الخطاب له في الظاهر والمرادُ به غيره الشاكُّ فزال بذلك ما قَدَحوا به (١) .
فأمَّا تعلُّقُهم بقوله : (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ)
وأنه مناقض لقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) ، فإنه باطل لأنه أراد بقوله ألفَ سنة، أن جبريلَ ينزل من السماء ويصعدُ إليها في
يوم، ومقدار سَيْره مسيرِةُ ألفِ سنةٍ من سني خمسمائة البشر في الدنيا، لأن ما بيننا وبينها مسيرةُ خمسمائة عام، فلذلك قال تعالى وهو أعلمُ: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) ، يعني مقدارَ سيركم له لو سرتموه ألف سنة، وقولُه: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) فإنما أرادَ به - وهو أعلمُ - يومَ القيامّة، وأن اللهَ سبحانه يحاسبُ جميعَ الخلق فيه، ومقدار حساب جميع الخلق لو تولاه غيرُ الله خمسينَ ألفَ سنة من أيام الدنيا، لذلك قال في آخر الكلام: (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) ، لأنه يحاسب في ذلك اليّومِ وحدَه قدر زمنٍ تحاسبُ
стр. 666
الخَلقِ في مدة خمسينَ ألفَ سنة، فصار لذلك أسرعُ الحاسبين.
وقد رُويَ عن عبدِ الله بنِ عباسٍ أنه قال: قوله: (أَلْفَ سَنَةٍ) يعني به نزولَ جبريل من السماء إلى الأرض، وقوله: (مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) يريد قدرَ نزولِه من العرش إلى الأرض وصعودِه إليه، لأن ما بينَ العرش إلى الأرض أضعافُ ما بينَ السماء إلى الأرض ".
وقد يجوز أن يكون عنى بقوله - وهو أعلم - خمسينَ ألفَ سنة، أنّ الناسَ
يَلحقَهُم من الشدة والهَول أمر عظيمٌ كما يقول القائل كأنَّ يومَنا هذا سنة.
وكانت ليلتي شهراً يعني بذلك ما نالَه فيها من الشدة، فيعبّرُ عن ذلك بالطول.
فأمَّا ادعاؤُهم التناقضَ في قوله تعالى: (رَب اَلمشَرِقِ وَاَلْمَغرِبِ) .
و (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) ، و (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) .
فإنّه باطلٌ من وجوه:
أحدها: أنه يمكن أن يكون أراد بالمشرق والمغرب اسمَ الجنس العام
لكل مشرقٍ ومغرب، فيكون المشرقُ والمغرب على هذا التأويل هما
المشارق والمغارب وهذا نحو قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) .
و (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) ، والإنسانُ ونحوُ ذلك مما يُراد به الجنس
دون الواحد.
وقد يتأوَّل الناسُ ذلك على تأويلٍ صحيحٍ لا تناقضَ فيه، وهو أنه إنما
أراد بربِّ المشرق والمغرب اليومَ الذي يستوي فيه الليل والنهار، فتشرقُ
الشمسُ فيه في مشرق واحدٍ في ذلك اليوم، وتغربُ في مغربٍ واحدٍ أبداً في
ذلك اليوم إلى أن تعودَ إلى الشروق والغروب فيهما لا يعودُ إلى مثلهما إلا
بعد حولٍ في ذلك اليوم.
стр. 667
فأمَّا قوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) ، وأنه عنى أطولَ يومٍ
في السنة يُشرق فيه في مشرقٍ وتغربُ في مغربٍ ولا تعود إلى مثلها إلا
بعدَ سنة، والاَخرُ أقصرُ يومٍ في السنة تشرقُ فيه في مشرقٍ وتغربُ في مغربٍ
لا تعودُ إلى مثلها إلا بعدَ سنة، وأما قوله: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) .
فإنما أرادَ به مشارقَ أيامِ السنةِ كلها ومغاربَها، لأنها تَطلُع كل يومٍ في مشرقٍ
غيرَ المشرق الذي تطلُع فيه في اليومِ الثاني وكذلك غروبَها تغرُبُ كل يومٍ في
مغربٍ غيرَ المغربِ الذي غَرُبَت فيه قبله، وعلوُّ الشمس ودنوُّها من العالم.
وقربُها وبعدُها وحرُّ الزمان وبردُه واعتداله أحدُ الأدلة على اختلاف مغاربِها
ومشارقِها، وهذا واضح في إبطال ما ظنوه من التناقضِ والاختلاف.
فأمَّا تعلّقُهم بقوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا) ، و (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) .
و (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) ، و (مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) ، وادّعاؤهم الاختلافَ والتناقضَ فيه، فإنه باطل لأنهم لما خرجوا من قبورِهم ورأوا ما كانوا يكذبون من النشور قال بعضهم لبعض إن لبثتم إلا عشراً، ثم استكثر بعضُهم العشر فقال: إن لبثتم إلا يوماً.
وقد دلَّ على ذلك قوله: (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا) ، ثم
قال: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) .
ثم شَكُّوا في اليوم، فقيل لهم: (كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) ، ثم استكثروا ذلك فقالوا: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) .
ثم استكثروا ذلك فحَلَفوا ما لبثوا غير ساعة، والاختلافُ في القول والتلوُّن
إنّما يكون من الكفار ومكذبي البعث يومَ الحساب، لاختلاف ظنونهم وشدة
стр. 668
ما يمرُّ بهم، وهذا يَلحقُْ الناس مع الأمن والسكون، أعني السكون واختلافِ
الظنون، فكيف به مع الحيرة والهول.
فأمَّا "تعلُّقهم بالتناقض عندَهم في قوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) ، وأنَّه نقيضُ قوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) ، وقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، ونحوه فإنه باطل، لأنه رُويَ أن الله يسأل الرسلَ - عند زفرة جهنم الرابعة - وغلبة الجزَع والفَزعِ على قلوبهم وزوال الذكر عنهم وشغلهم بأنفسهم، فيقولون عند ذلك: لا علمَ لنا، ثم تَسكُن جهنمُ ويزولُ عنهم الرَّوعُ والفَزع، ويعودُ الذكر والعلمُ فيشهدون عند السكون وزوالِ الرَّوعِ على أممهم، وقد يلحقُ الناسَ ذلك عند شدة الموج وعصوف الرياح وظهور الزلازل، والسواد والصواعق والآيات والأمور المخوفة، فينقطعون بذلك عن التمييز فكيف بهم عند هول يوم القيامة وزفير جهنم ورؤيتها.
وأمَّا تعلُّقهم بتناقض قوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) .
وقوله: (يَتَسَاءَلُونَ) ، و (يَتَلَاوَمُونَ) ، ونحوه، فقد أجبنا عنه بأنه تاراتٍ ينطقون في بعضها، ولا يَنْطِقون في البعض، ويمكن أيضا أن يكون عنى بذلك أنّهم لا ينطِقون فيه بعذر ولا حجّة، والعربُ تقول واقفت فلانا على جُرْمه، وما صنع، فما تكلم ولا تنفس ولا اعتذر، يعنون بأنه ما تعلق بحجةٍ وعذر، وكذلك يقولونْ: نُوظرَ فلان فيما يقولُه ويدينُ به فما أتى منه بكلمة ولا حرف يرادُ بذلَك كلمة احتجَّ بها وحرفٍ دلَّ به على مذهبه، وإن كان ذلك كذلك سقط ما ظنُّوه.
стр. 669
وكذلك الجوابُ عن قوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) ، يعني عنذ القيامِ من القبور لشدة الروع، فإذا اختلطوا وامتزجوا وطالَ الوقوفُ تكلَّموا وتساءَلوا وتلاوموا، وإذا دخلوا أيضا جهنم
تلاعَنوا كما أخبر فقال: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) .
وكذلك الجوابُ عن قوله: (اخْسَئُوا فِيهَا) ، يعني في وقتٍ منها ثم يَنْطِقون بعد ذلك من شدة العذاب فيقولون ربّنا أخرجنا منها، وارجعنا نعمل صالحا، وغير ذلك مما حكاه عنهم تعالى، وقد يمكن أن يكون أراد لا يتكلّمون بعذرٍ ولا يحتجون بحجة، وكذلك لا يتساءلون ولا يَنْطِقون بحجة، ولكن بالتلاوُم والتوبيخ والنّدم والتأسُّف على ما كان منهم.
فأمَّا تعلُقهم بما ادعوه من التناقض في خَلْق آدمَ من قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ، وقوله في موضع آخر: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ، وقوله في موضع آخر: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) ، وقوله في موضع آخر: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ، وفي موضع
آخر: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) .
وقولُهم إنَّ هذا غاية التناقضِ والتضاد، فليس الأمر على ما ادّعوه.
وذلك أن اللهَ سبحانَه خلقَ آدمَ من تراب أحمرَ وأبيضَ وأسودَ وغيرَ ذلك على
ما وردت به التفاسير، فلذلك اختلفت ألوان ذريته، ثم بُلَّ ذلك الترابُ بماء
فصارَ طينا ثم صار سُلالة يعني لازقا إذا عُصر ينسلُّ من بين الأصابع، ثم
خمّره فأنْتنَ فصار حَمَأ مسنونا فحلق من الحمأة بعد تنقُّل أحوال الطين، فلما
صوَّر جسمَه قبل أن ينفخ فيه الروحَ جفَّ ويبسَ فصار صَلْصالاً كالفخار يابسا إذا ضربَ سمعَ له صلصه، ثم نفخ فيه الروحَ فصار إنسانا.
стр. 670
فأمَّا قولُه: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) ، فلم يعن به آدم، وإنما
أرادَ به ذريته أول إنسانٍ خُلق منهم، خُلِقَ من نطفةِ آدمَ وحواءَ ثم كل
أولادهم من نطفةِ إلا عيسى ابنُ مريم.
فأمَّا تعلُّقهم بقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، وأنه نقيضَ
قوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) ، لأنهم إذا حلَفوا له أنهم غيرُ
مشركين فقد كَتَموه حديثا، وأيُّ حديث، فإنه لا تعلُّق لهم فيه، لأجل أن اللهَ ضَمِن للموحدين غفرانَ ما دونَ الشرك إن شاء، والتجاوزَ عنهم، والجزاءُ على إيمانهم، فلمَّا رأى المشركون الصفحَ عنهم، وذكروا ضمان الله الغفرانَ لهم قال بعضهم لبعض إذا سألنا حَلَفْنا أنا لم نكن مشركين حتى يتجاوز عنا وذلك قوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) ، فلمَّا اجتمعوا قال لهم تعالى: أين شركائيَ قالوا عند ذلك: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، فلمَّا كَتموا الشركَ الذي كانوا عليه في الدنيا ختمَ الله عندَ ذلك على أفواههم وأنطقَ جوارحهم فتشهدُ بالشرك عليهم فيودُّون أن الأرض انشقت بهم، ولم يكتموا الله ما دانوا به من الشرك.
ويمكن أيضا أن يعني بقوله: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) ، من شدة الهول والجزع، ثم ابتدأ فقال:
(وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) ، لأنه عالمٌ به ولا يَقْدِرون على كتمان ما
هو أعلمُ به منهم، ويمكن أن يكون أراد أنهم يحلفون أنهم ما كانوا عندَ
أنفسهم مشركين بالله أي أننا كنا نظن أننا على الحق، وكنَّا غير متعقدينَ
للشرك، وذلك أن ما حَلَفوا عليه غيرَ نافعِ لهم ولا مقبولٍ منهم، لأنهم كانوا
بصفةِ من يَصحُّ عِلمُهم بباطلهم ويتأتَّى لهم متى أرادوه وقصَدوه.