← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الخَلقِ في مدة خمسينَ ألفَ سنة، فصار لذلك أسرعُ الحاسبين. وقد رُويَ عن عبدِ الله بنِ عباسٍ أنه قال: قوله: (أَلْفَ سَنَةٍ) يعني به نزولَ جبريل من السماء إلى الأرض، وقوله: (مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) يريد قدرَ نزولِه من العرش إلى الأرض وصعودِه إليه، لأن ما بينَ العرش إلى الأرض أضعافُ ما بينَ السماء إلى الأرض ". وقد يجوز أن يكون عنى بقوله - وهو أعلم - خمسينَ ألفَ سنة، أنّ الناسَ يَلحقَهُم من الشدة والهَول أمر عظيمٌ كما يقول القائل كأنَّ يومَنا هذا سنة. وكانت ليلتي شهراً يعني بذلك ما نالَه فيها من الشدة، فيعبّرُ عن ذلك بالطول. فأمَّا ادعاؤُهم التناقضَ في قوله تعالى: (رَب اَلمشَرِقِ وَاَلْمَغرِبِ) . و (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) ، و (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) . فإنّه باطلٌ من وجوه: أحدها: أنه يمكن أن يكون أراد بالمشرق والمغرب اسمَ الجنس العام لكل مشرقٍ ومغرب، فيكون المشرقُ والمغرب على هذا التأويل هما المشارق والمغارب وهذا نحو قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) . و (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) ، والإنسانُ ونحوُ ذلك مما يُراد به الجنس دون الواحد. وقد يتأوَّل الناسُ ذلك على تأويلٍ صحيحٍ لا تناقضَ فيه، وهو أنه إنما أراد بربِّ المشرق والمغرب اليومَ الذي يستوي فيه الليل والنهار، فتشرقُ الشمسُ فيه في مشرق واحدٍ في ذلك اليوم، وتغربُ في مغربٍ واحدٍ أبداً في ذلك اليوم إلى أن تعودَ إلى الشروق والغروب فيهما لا يعودُ إلى مثلهما إلا بعد حولٍ في ذلك اليوم.

стр. 667

فأمَّا قوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) ، وأنه عنى أطولَ يومٍ في السنة يُشرق فيه في مشرقٍ وتغربُ في مغربٍ ولا تعود إلى مثلها إلا بعدَ سنة، والاَخرُ أقصرُ يومٍ في السنة تشرقُ فيه في مشرقٍ وتغربُ في مغربٍ لا تعودُ إلى مثلها إلا بعدَ سنة، وأما قوله: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) . فإنما أرادَ به مشارقَ أيامِ السنةِ كلها ومغاربَها، لأنها تَطلُع كل يومٍ في مشرقٍ غيرَ المشرق الذي تطلُع فيه في اليومِ الثاني وكذلك غروبَها تغرُبُ كل يومٍ في مغربٍ غيرَ المغربِ الذي غَرُبَت فيه قبله، وعلوُّ الشمس ودنوُّها من العالم. وقربُها وبعدُها وحرُّ الزمان وبردُه واعتداله أحدُ الأدلة على اختلاف مغاربِها ومشارقِها، وهذا واضح في إبطال ما ظنوه من التناقضِ والاختلاف. فأمَّا تعلّقُهم بقوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا) ، و (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) . و (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) ، و (مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) ، وادّعاؤهم الاختلافَ والتناقضَ فيه، فإنه باطل لأنهم لما خرجوا من قبورِهم ورأوا ما كانوا يكذبون من النشور قال بعضهم لبعض إن لبثتم إلا عشراً، ثم استكثر بعضُهم العشر فقال: إن لبثتم إلا يوماً. وقد دلَّ على ذلك قوله: (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا) ، ثم قال: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) . ثم شَكُّوا في اليوم، فقيل لهم: (كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) ، ثم استكثروا ذلك فقالوا: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) . ثم استكثروا ذلك فحَلَفوا ما لبثوا غير ساعة، والاختلافُ في القول والتلوُّن إنّما يكون من الكفار ومكذبي البعث يومَ الحساب، لاختلاف ظنونهم وشدة

стр. 668

ما يمرُّ بهم، وهذا يَلحقُْ الناس مع الأمن والسكون، أعني السكون واختلافِ الظنون، فكيف به مع الحيرة والهول. فأمَّا "تعلُّقهم بالتناقض عندَهم في قوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) ، وأنَّه نقيضُ قوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) ، وقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، ونحوه فإنه باطل، لأنه رُويَ أن الله يسأل الرسلَ - عند زفرة جهنم الرابعة - وغلبة الجزَع والفَزعِ على قلوبهم وزوال الذكر عنهم وشغلهم بأنفسهم، فيقولون عند ذلك: لا علمَ لنا، ثم تَسكُن جهنمُ ويزولُ عنهم الرَّوعُ والفَزع، ويعودُ الذكر والعلمُ فيشهدون عند السكون وزوالِ الرَّوعِ على أممهم، وقد يلحقُ الناسَ ذلك عند شدة الموج وعصوف الرياح وظهور الزلازل، والسواد والصواعق والآيات والأمور المخوفة، فينقطعون بذلك عن التمييز فكيف بهم عند هول يوم القيامة وزفير جهنم ورؤيتها. وأمَّا تعلُّقهم بتناقض قوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) . وقوله: (يَتَسَاءَلُونَ) ، و (يَتَلَاوَمُونَ) ، ونحوه، فقد أجبنا عنه بأنه تاراتٍ ينطقون في بعضها، ولا يَنْطِقون في البعض، ويمكن أيضا أن يكون عنى بذلك أنّهم لا ينطِقون فيه بعذر ولا حجّة، والعربُ تقول واقفت فلانا على جُرْمه، وما صنع، فما تكلم ولا تنفس ولا اعتذر، يعنون بأنه ما تعلق بحجةٍ وعذر، وكذلك يقولونْ: نُوظرَ فلان فيما يقولُه ويدينُ به فما أتى منه بكلمة ولا حرف يرادُ بذلَك كلمة احتجَّ بها وحرفٍ دلَّ به على مذهبه، وإن كان ذلك كذلك سقط ما ظنُّوه.

стр. 669

وكذلك الجوابُ عن قوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) ، يعني عنذ القيامِ من القبور لشدة الروع، فإذا اختلطوا وامتزجوا وطالَ الوقوفُ تكلَّموا وتساءَلوا وتلاوموا، وإذا دخلوا أيضا جهنم تلاعَنوا كما أخبر فقال: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) . وكذلك الجوابُ عن قوله: (اخْسَئُوا فِيهَا) ، يعني في وقتٍ منها ثم يَنْطِقون بعد ذلك من شدة العذاب فيقولون ربّنا أخرجنا منها، وارجعنا نعمل صالحا، وغير ذلك مما حكاه عنهم تعالى، وقد يمكن أن يكون أراد لا يتكلّمون بعذرٍ ولا يحتجون بحجة، وكذلك لا يتساءلون ولا يَنْطِقون بحجة، ولكن بالتلاوُم والتوبيخ والنّدم والتأسُّف على ما كان منهم. فأمَّا تعلُقهم بما ادعوه من التناقض في خَلْق آدمَ من قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ، وقوله في موضع آخر: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ، وقوله في موضع آخر: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) ، وقوله في موضع آخر: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ، وفي موضع آخر: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) . وقولُهم إنَّ هذا غاية التناقضِ والتضاد، فليس الأمر على ما ادّعوه. وذلك أن اللهَ سبحانَه خلقَ آدمَ من تراب أحمرَ وأبيضَ وأسودَ وغيرَ ذلك على ما وردت به التفاسير، فلذلك اختلفت ألوان ذريته، ثم بُلَّ ذلك الترابُ بماء فصارَ طينا ثم صار سُلالة يعني لازقا إذا عُصر ينسلُّ من بين الأصابع، ثم خمّره فأنْتنَ فصار حَمَأ مسنونا فحلق من الحمأة بعد تنقُّل أحوال الطين، فلما صوَّر جسمَه قبل أن ينفخ فيه الروحَ جفَّ ويبسَ فصار صَلْصالاً كالفخار يابسا إذا ضربَ سمعَ له صلصه، ثم نفخ فيه الروحَ فصار إنسانا.

стр. 670

فأمَّا قولُه: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) ، فلم يعن به آدم، وإنما أرادَ به ذريته أول إنسانٍ خُلق منهم، خُلِقَ من نطفةِ آدمَ وحواءَ ثم كل أولادهم من نطفةِ إلا عيسى ابنُ مريم. فأمَّا تعلُّقهم بقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، وأنه نقيضَ قوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) ، لأنهم إذا حلَفوا له أنهم غيرُ مشركين فقد كَتَموه حديثا، وأيُّ حديث، فإنه لا تعلُّق لهم فيه، لأجل أن اللهَ ضَمِن للموحدين غفرانَ ما دونَ الشرك إن شاء، والتجاوزَ عنهم، والجزاءُ على إيمانهم، فلمَّا رأى المشركون الصفحَ عنهم، وذكروا ضمان الله الغفرانَ لهم قال بعضهم لبعض إذا سألنا حَلَفْنا أنا لم نكن مشركين حتى يتجاوز عنا وذلك قوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) ، فلمَّا اجتمعوا قال لهم تعالى: أين شركائيَ قالوا عند ذلك: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، فلمَّا كَتموا الشركَ الذي كانوا عليه في الدنيا ختمَ الله عندَ ذلك على أفواههم وأنطقَ جوارحهم فتشهدُ بالشرك عليهم فيودُّون أن الأرض انشقت بهم، ولم يكتموا الله ما دانوا به من الشرك. ويمكن أيضا أن يعني بقوله: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) ، من شدة الهول والجزع، ثم ابتدأ فقال: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) ، لأنه عالمٌ به ولا يَقْدِرون على كتمان ما هو أعلمُ به منهم، ويمكن أن يكون أراد أنهم يحلفون أنهم ما كانوا عندَ أنفسهم مشركين بالله أي أننا كنا نظن أننا على الحق، وكنَّا غير متعقدينَ للشرك، وذلك أن ما حَلَفوا عليه غيرَ نافعِ لهم ولا مقبولٍ منهم، لأنهم كانوا بصفةِ من يَصحُّ عِلمُهم بباطلهم ويتأتَّى لهم متى أرادوه وقصَدوه.

стр. 671

فأمَّا تعلُّقهم في قوله تعالى في قصةِ موسى: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) ، فإنه أرادَ المصدقين بأن أحداً لا يراك في الدنيا، لأنّه قال: (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) يعني من سؤاله الرؤية، والقصةُ تشهد بذلك، والتوبةُ ها هنا الرجوعُ عن المسألة فقط، لا على أن ذلك ذنبٌ قبيحٌ تجب التوبة منه، والندمُ عليه الذي هو الإقلاع عن الذنب، وقولُه في قصةِ السحرة: (أَن كُنَّاَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) ، يعني المصدقين بموسى ونبوته، وما جاء به، وقولُه في قصة محمد صلَّى الله عليه: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، يعني أنه أوَّلُ المسلمين من أهل مكة، فلا تناقضَ في ذلك ولا تضاد. فأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) . وأنه نقيضُ قوله: (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) . فإنّه غيرُ متناقضٍ لأنه عنى - وهو أعلم - أدخِلوا آلَ فرعون أشد العذاب الذي هو عذابُ الدخول من الباب الذي يدخلون منه إلى جهنم، وقوله: (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) يعني بالمسخ لهم خنازير ولم يعذب بذلك في الدنيا أحداً غيرهم، وقوله في المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ، فيمكن أن يكون آلُ فرعونَ والمنافقون جميعا في أشد العذاب بأن يدخلوا جميعا من بابٍ واحدٍ ويحصلوا في درك جهنم، فما الذي يمنع من ذلك، وقد يمكن أن يكون الدركُ الأسفلُ فيه مراتبُ وطبقاتٍ من العذاب آلُ فرعونَ في أشده، والمنافقون في قريبٍ منه، وقولُه: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) ، و (غِسْلِينٍ) ، و (شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) . (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) ،

стр. 672

فإنه غير متضادِ لأنه طعامُ أهل طبقاتِ جهنم وأحوالُهم مختلفة وكذلك الحميمُ والغِسلينُ لأهل طبقتين، وقد يجوز أن يكون الغِسلين من الحميم والضريع من شجرة الزقوم فلا يكون في ذلك تناقضا ولا تنافيا. فأمَّا تعلُّقهم بقوله: (وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) . وأنَّه نقيضُ قوله: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) ، فإنه غيرُ متناقضٍ لأنه أراد لا ناصرَ لهم من دون الله، ومنه قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ) . وقوله: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) ، فلأنهم اتّخذوا مواليا عَبدوهم وعَنوهم وقلَّدوهم، فلمَّا حُشروا وراءهم خَذَلوهم وتبرَّءوا منهم. ولم ينفعوهم، فقال الله: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) فلا تناقضَ في ذلك، فأمَّا تعلُّقهم بقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) . وأنّه مخالف لقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) ، فإنه ليس على ما ظنّوه لأن الولاية الأولة ولايةُ الدين والنُّصْرةِ والمحبةِ في الله، والولايةُ الثانيةُ ولايةُ المواريث، لأن الله كان حَكَم في بَدء الإسلام بقطع المواريث بينَ من لم يهاجروا جميعا، فإن مات مسلم غيرُ مهاجرٍ رُدَّ مالُه على من هاجرَ من المسلمين دونَ أهلِه وأقارِبه حثاَ وحضّا على الهجرة، فلمَّا كَثر الإسلامُ واستقل الناس واستغنى المهاجرون وأَثرَوْا ردَّ الله المواريثَ بينَ الأهلِ هاجروا أو لم يهاجروا، فسقطَ بذلك ما قدروه من التناقض. فأما تعلقهم بقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ، وأنّه نقيضَ قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . فإنه باطل لأنه أرادَ أنَّها لا تدْركه في الدنيا، وقوله (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يومئذ يومئذ هو يومُ القيامة، فلا تناقضَ في ذلك

стр. 673

ولا اختلاف، وقد بينا الكلامَ في الآيتين وجميعَ ما يمكن أن يُقال فيهما في الكلام في الأصول بما يُغني الناظرَ فيه إن شاء الله. فأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، (وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) ، و (سَمِيعًا بَصِيرًا) ، وأنه نقيض قوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، لأن قولَه "كان" موضوع لما مضى وبادَ وانقضى، وقولُه (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ونحوه يقتضي وجودَه في هذا الوقت، وكونَه عالما وعلى هذه الأوصاف، وذلك مختلف متضاد، فإنه لا تعلُّق لهم فيه، لأن لفظة كان موضوعة لما مضى وسبَق وتقدَّم، وقد يكون ما هذه سبيلُه باقيا وقد يكون معدوما منقضيا، لأن الجالسَ في مكانِه قد يقول: كنت جالسا من أولِ النهار، وكنت ذاكراً لما تجارَيْناه عندَ لقاء زيد، وهو لا يعني بذلك أنه كان جالسا وقام ذاكرا ثم نسيَ وذهبَ ذكره، وإنَّما يعني تقدم جلوسِه وذكْره، وكذلك لو قال كانت الشمسُ منذُ أولِ الدهر، وكانت السماء يومَ ابتدىءَ العالَم. ونحو هذا لم يُوجَب بذلك اللفظ تَقضيهما، وعَدمِهما بعد الكون السابق. وإنما يوجِب بذلك سَبْقَهما وتقادمَ وجودِهما ونفيَ حدوثهما في هذا الوقت. وكذلك قوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، و (قَوِيًّا عَزِيزًا) ، و (سَمِيعًا بَصِيرًا) ، أنه لم يزل على هذه الأوصاف وأنّه لم يستحدثها ولم يتجدد له وليس يوجِب ذلك عدَمه بعد تقدمه وخروجِه عن هذه الصفات بعد ثبوتها. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه. وقد يقال كان زيد موجوداً، وكان مرضُه شديداً، وكان مالُه كثيراً ويعني بذلك أنه كان وعُدم وتُقضى بلفظة "كان " التي تفيد التقدمَ وسبقَ ما جَرى في وصفه، ثم قد تقدم الدليلُ على عدمه، وقد لا يكون معدوماً.

стр. 674

فأمَّا تعلّقهم بقوله: (نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) ، (لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ) ، ونحوه، وأنه نقيضُ قوله: (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) ، فإنّه باطل لأنه عنى بالأول أنّه عالم وأنه سميع بصير لا تخفى عليه الأوصافُ والمرئياتُ ولا تُسترُ عنه بعضُ المعلومات، وأراد بالثاني نظرَ التعطُفِ والرحمة، من قولهم فلان لا ينظرُ لنفسه وعيلته، يرادُ أنه لا يتعطف عليهم ولا يرحمهم، وليس هو مِنْ نظَر الرؤيةِ في شيء. وأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ، وأنه نقيضُ قوله: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) ، لأن الآثمَ والكفورَ ممن أغفلَ قلبَهما عن ذكره وفي الآية الأولى تخيير له في أن لا يُطيعَ الآثمَ إن شاء أو الكفورَ فإنه باطل، لأن أو في هذا الموضع بمعنى الواو، لا بمعنى التخيير، وهو مثلُ قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) ، يعني ويزيدون، ومنه قولهم: ما أكرَه أن يأكلَ طعامي أو يَلبسَ ثيابي أو يتبسطَ في ملكي، ويركبَ مركوبي وليس هو ها هنا واوَ تخييرٍ وإنّما يريد أنه لا يكره أن يأكلَ أو يلبسَ ويركَب وقد مضى في هذا من قبل ونحوه ما فيه مَقْنَع. وأمَّا قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، فإنما يريد التقرير على ذلك ليكذبهم وتقوى الحجّة عليهم، وليس يعني به السؤال والاستخبار، وكذلك قولُه: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) ، إنما هو تقوية لإظهار ما يريد فيها من الأعجوبة، وقد قيل إن عيسى ﵇ لم يعلم ما أحدثوا بعده من الكفر بعبادته، فقال له ذلك ليقول لا، فيعلمِه أنَّهم قد عبدوه بعده.

стр. 675

فأمَّا تعلقهم بقوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) . وأنه نقيضُ قوله وأمرِه بالسجود لأنه تفنيدٌ له على أن لم يسجد، وهو قد أخبرَ في هذه الآية أنه قد أمره أن لا يسجد فكيف يلومه على أن لا يسجد. فإنه باطل لأنه إنما عنى أن لا يسجدَ أن يسجُد، لأنهم يقولون ما منعك ألا تجيبني وتتبعني إذا خفت، يريدون ما منعك أن تجيبني وتتبعني فيدخلون لا وإلا زائداً في الكلام، قال الشاعر: وما ألومُ البِيضَ الا تَسْخَرا ... إذا رأَيْنَ الشُمْطَ القَفَندَرا يعني: لا ألومهن إن يسخرنَ إذا رأينَ الشيْبَ. وأمَّا تعلُّق المُلحِدةِ والقَدَرية بقوله تعالى: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) ، (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) ، و (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) ، و (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، وأن ذلك أجمعُ على زعم الملحدة خاصةَ نقيضَ قوله: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) ، وقوله: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) ، فإنه باطل لا تعلق فيه لأن الآيات الأولة كلها وردت لنفي الخلق والإبداع وإكذاب من قال إنه أو بعضُ من يعبُده يخلقُ ويبتدعُ ويخترعُ وهو بمثابة قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) ، و (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) ونحو هما مما نُفيَ به إلهٌ غير الله، وليس يجب إذا وصلَ قوله: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، بقوله: (يَززُقُكُمْ) ، أن يكون إنما نفى بذلك خالقا غيرَ الله يرزْق على ما تزعمُ القدريَّة كما لا يجبُ إذا وصلَ قولُه: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ) بقوله: (يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) ، أن يكون إنما نفى إلها غير الله يأتي بليل، ولم ينفِ إلها لا يأتي بليل، لأن هذا ليس بقولٍ لمسلمٍ أنه

стр. 676

امتدحَ بنفي إلهٍ معه كما امتدحَ بنفي خالقٍ وغيره معه على كل وجه، فلذلك قال: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) ، ولو كانوا يخلقون أجناسا وأعيانا من الأعراض لقالوا هذه الأشياءُ كلها من خَلْق الله وهذه كلها كخَلْق اللهِ ومثله، فوجبَ أن يكون كل ما قدموه من نفي خالق غير الله على النفي والمدح على الحقيقة. فأما قوله: ((وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) ، فإنما يعني به أنكم تختلقون كذبا، لأن الخلقَ يكون بمعنى الاختلاقِ الذي هو الكذب، ومنه قولهم: حديث مخلوق يعنون مختلق متكذب وقوله: (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) ، إنما هو حكاية عن قول الكفار في القرآن، وإنَّما عنوا به أنّه من كَذب الأولين، وقوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، إنما يعني به - وهو أعلم - أحسنُ المصورين تصويراً وأحسنُ المقدِّرين تقديراً، لأن الخَلْق يكون بمعنى التصوير والتقدير، وكذلك التأويلُ في قوله: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) يعني تُصوِّر وتُقدِّر، والتصويرُ والتقديرُ قد يُوصَفُ به الخَلْقُ كما يُوصَفُ به الخالق، وليس التقديرُ والتصويرُ من الإبداعِ والإنشاءِ في شيء، فإنّما نفى خالقاً غيره مبدعا منشئاً، ولم يَنْفِ مصوِّراً ومقدِّراً غيره، وليس معنى المصوِّر أنه خلقَ الصورة والتصوير، ولا معنى المقدِّر أنه خَلَق الفِكْر والتقدير، وإنما معناه أنّ له تقديراً وتصويراً. وهل هو خالق لما هو له من ذلك أو غير خالقٍ له، معتبرٌ بالدليل. قال الحجاج: أني لا أهِمُّ إلا أمضيتُ ... ولا أخلقُ إلا فَرَيتُ يعنىٍ: أقدِرُ إلا أمضيتُ، وهذا التقدير فكر وروية وطلب للعلم بصوابِ العاقبة، وهذا غير جائزٍ على الله سبحانه.

стр. 677

وقال الشاعر: ولأنتَ تَفْري ما خَلَقتُ وبعض الـ ... قومِ يَخلُق ثم لا يُفري يعني بذلك تقدر ما تمضيه وتنفذه، ومنهم من يقدر ويفكر ولا يمضي لتردده وتشكُكه أو تهيبه ورهبته، وذلك أيضاً غير جائز على الله سبحانه. وقال آخر: ولا نِيطَ بأيدي الخالقينَ ولا ... أيدي الخوالِقِ إلا جَيِّدُ الأدَمِ يريدُ بأيدي المقدرين والمصورين، وهذا التقدير الذي معناه التصوير للشيء يجوز على الخَلق وعلى الخالق سبحانه، فقوله: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ) يعني تصوِّر، وقوله: (أَحسَنُ اَلخالِقِينَ) ، يريد أحسنُ المصوِّرين تصويراَ، فصارَ التقديرُ ضربين: أحدهما فِكرٌ وروية واستخراجُ صواب العاقبة وذلك ممتنع على الله سبحانه. والآخر التصوير، وذلك جائز على الله سبحانه، وتصويرُ الله تعالى لما يصوره خلق له سبحانه، وموجود بالأجسام المصوَّرة وهو تأليفها وجعلها على مقدارِ ما، وصورة مخصوصة، وتصويرُ العباد إنّما هي حركاتُه أيديهم وآلتِهم وقبْضِها وبسطِها في الجهات وفعلُ ألاعتمادات التي يفعلُ الله عندَها تقطيعَ الأجسام وتوصيلها وتألفها على وجوه مخصوصة بجوي العادة وتلك الحركاتُ والاعتمادات موجودة بأنفسهم " وفي مجالِ قدرهم وليس من تقطيع الأجسام وتوصيلها واختراع تأليفها في شيء، والعباد مكتسبون لما يوجد بهم من هذه الحركات والاعتمادت التي توصف وتسمى تقديراً

стр. 678

وتصويراً وغيرُ خالقين لها ولا مُبْدعين لأعيانها، وقد بينا هذا وفصَّلناه في الكلام في المخلوق بما يغني الناظرُ فيه إن شاء الله. فأما تعلُّقهم بقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) ، وأنَّه نقيضُ قوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، وقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، ونحو ذلك فإنه باطل، لأنه لم يُرد بقوله: (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) المقرِّين بالولد، ولا أراد بقوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) ، الشك في ذلك والارتيابَ به وإنما هو على معنى قول العرب إن أنكرها يقول فإني أنكر ما يقول وتقولون، واللهِ إن كان لِفلان عندي حقا، وواللهِ إن كان لِفلان ولد أي: والله مالَه عندي حقا ومالَه ولداً، فإنْ هاهنا ليسَ للشك ولا للشرط على الحقيقة، وقوله تعالى: (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) فإنما يعني به الآبقين الغِضابَ له من ذلك. قال الشاعر: متى يُشادوا الوصلَ تُصرَمُ حَبْله ... ويَعبُدْ عليه لا مَحالةَ ظالمُ يعني بذلك أنه يأنَفُ ويُتكذب عليه. وقد قيلَ إن العابدَ يكون بمعنى الجاحد، تقول العرب: عَبَدني حقِّي أي جحدني، والأول أولى. فأمَّا تعلُّق المُلْحدة بقوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) . وقوله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) ، وقوله عن أهل النار: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) ، فإن ذلك أجمع نقيضُ قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) ، لأنه أوجبَ بذلك الويلَ للمصلين وهو قد أمرهم بها ودعاهم إليها، ومدحَهم عليها، فإنه من الباطل الضعيف، لأنه قد وصل

стр. 679

قولَه: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) بما يدل على أنّهم مذمومون بصلاةٍ فعلوها على غير وجه ما أُمِروا بها، لأنه قال بعد ذلك: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) . فكأنَّه ذمهم على الصلاة المفعولة في غير وقتها، وذمّهم بالسهو عن أدائِها في وقتها، إما بالتغافُلِ عن ذلك أو بالاشتغال عنها بالتجارة واللهو وغير ذلك، ومؤخر الصلاة عن أوقاتها عاصٍ مذموم. وقوله: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) يمكن أيضا أن يكون ذماً للمصلين للرياء والنفاق لا لله تعالى، والمصلي على هذا الوجه منافقٌ مذموم، ويمكن أن يكون أراد بقوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) لغير الله تعالى من الجن والنيران أو الشمس أو الملائكة أو الكواكب الذين هم عن الصلاة لله سبحانه ساهون تاركون لها، وقوله: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) أي: يمنعون أداء الزكوات وحقوق الأموال، فأيُّ تناقضٍ في ذلك، لولا الجهلُ والعناد، وقوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) إنما هو إخبارٌ من الكفار عندَ سؤال الخزنة لهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) فقالوا: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) . فقالوا: إنما عُوقبنا على هذا أجمع، وذلك أحدُ الأدلة على أن الكفار مخاطبون بالشرائع والأحكام بشريطة تقديم فعلِ التوحيدِ والإيمان بالله ثم تعقيبُه بالصلاة وما يترتبُ بعدها من العبادات، ولو لم يكونوا بالصلاة مأمورين لم يكونوا على تركها معاقبين، وقد تكلمنا على ذلك وعلى ما يمكن أن يتعلق به في هذا التأويل في أصول الفقه بما يُقْنع من تأمله إن شاء الله، فمن ظن أن ذلك نقيضَ قوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ) ، وكان يأمر أهله بالصلاة، وأمُر أهلك بالصلاة، فقد أبعدَ وضلَّ ضلالاً بعيداً، والناسُ أبداً يقولون ويلٌ للمصلين لغير وجه الله تعالى

стр. 680

وللمصلي رياءً ونفاقا، ولقبول الوصايا وأخذ الودائع والحيل على أموال الناس ولذلك تمثلوا: ذيباً ترأه مصلِّيا فإذا بَصُرتَ به ركع ... يدعو وجُلُّ دعائِه ما للفريسة لا تقع وكذلك قال: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) ، فترى أنه ذمهم على الصلاة أم على فعلها بالكسل وغير نيةٍ ولا على وجه العبادة والقربة؟ ! وأمَّا تعلقهم بقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) . وأنه نقيضُ قوله: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) ، فإنه باطلٌ لا تعلُّق به لأن القاسطَ غيرُ المُقسط، لأنه بالميم العادلُ المنصف، فإذا قلنا فلانٌ مقسطٌ أردنا به أنه عادل منصف، والقاسط بلا ميمٍ في الاسم إنّما هو اسمُ الجائرِ الظالم وهو حَطَبُ جهنم، فهذا مما يشتبه لفظُه ويتقاربُ ومعناه مختلف، وإنَّما هو كقولهم هجد وتهجد، فهجدَ بلا تاء معناه نام ورقد. وتهجد بالتاء بمعنى قام لله وسهر. فأمَّا قولُه تعالى: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) ، وقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) ، فمعناه متفقٌ لأن الواصبَ هو الدائمُ الثابت الباقي، فقوله: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) يعني باقياً دائمأ، والدينُ خيرُ محمود وقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) يعني مقيم دائم غير أنه لا خيرَ لهم فيه ولا فرج. أما تعلقهم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ، وأنه نقيضُ قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ، فإنه لا تناقضَ فيه من وجوه: أولها: أن العمومَ لا صيغةَ له بمقولةِ الذنوبِ جميعا ولو وصله بقوله كلّها وسائرها وقليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها، لم يكن ذلك أجمعُ مفيداً

стр. 681

للعموم الذي هو استغراقُ جنس ما وقعَ عليه الاسم، لما قد ييّناه في الفقه وغيره من الكلام في التوكيد. والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: (يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) أنه يغفرها بالتوبة منها والندم عليها والعزم على تركِ معاودةِ أمثالها، وقد دخل في ذلك الكفرُ والشركُ وما دونهما وتولى تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ، يعني أنّه يغفرُ ما دونَ الشرك بغير توبةٍ تفضلاً منه، ولا يغفرُ الشركَ بغير توبة، ولا يتفضلُ على المشرك بذلك فخالفَ بين المشرك والموحد في هذا الباب، وهذا أيضا ينفي ما ظنوه من التناقض والاختلاف. والوجه الآخر: آنه أرادَ على قول قومٍ أنه يغفر الذنوب جميعاً التي هى صغائرُ إذا وقعت مجانبةً للكبائر، فلذلك قال، (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ، فهذه الآية عندهم مفسرة لذلك ومثبتة لمعناها، وإذا كان ذلك كذلك سقطَ ما توهموه. وأمَّا قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) ، وقولُهم إن هذا تناقص، لأنه لا يجوز أن يأتي على ما هو إنسان حين لا يكون فيه شيئا وهو مع ذلك إنسان، فإنه ياطل لأنه أرادَ - وهو أعلم - أحدُ معنيين: أحدهما: أنه أتى عليه وهو معدوم حين لم يكن فيه إنسانا ولا شيئاً بل كان عدما متلاشيا، وقولُه، (عَلَى الْإِنْسَانِ) إنما يعني: هل أتى على الإنسان أي على مَنْ صارَ إنسانا بعد أن لم يكن شيئا ولا إنسانا. والوجهُ الآخر: أنه أرأدَ ذلك أنه قد أتى على آدم ﵇ حين وهو مصوَّرٌ من طين، لم يكن شيئا حياً عاقلاً مذكعوراً بالحياة والتمييز والتحصيل

стр. 682

ثم نفخت فيه الروح، فصار حيا عالما مذكوراً بالخيرة مخاطبا، والعربُ تقول: كم أتى عليك من دهرٍ وزمانٍ لم تكن فيه شيئا تعني بذلك أنّك لم تكن مقدَّراً فيها إنسانا يُذْكر، وممن يُفكر فيك وتَخْطرُ على بال، وإن كان قد كان شخصا ماثلاً وشيئا ثابتا. فأمَّا تعلقهم بقولي: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) . و (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) ، وأمثاله، فإنّما عنى به سبحانه أنّهم من شدةِ الخوف والفَزَع بمثابة السكران والثَّمِل وما هم مع ذلك بسكارى، أي هم عقلاءُ عالمون بما يَنَالُهم، والعربُ تقول: فلان قد أسْكَره الجوعُ والعطش، وأسْكَره المالُ والغمر، أي: جعله بمثابة السكران وإن كان عاقلاً مميزاً، وقولُه: (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) ، أي: كأنهم ينظُرون إليك. وهم لا يَنْظُرون، يعني به أمثلة العيون من الأصنام وضَرْبُه مثلاً لمن يَسْمع ولا يَعْقل ولا يَنْتفع ويُبْصر ولا يَسْتدلُّ، ولا يَعْتبر على ما قلناه من قبل. وأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) . وقوله: (تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) ، وأن ذلك متناقضٌ لأنّ الجان صغيرُ الحيات والثعبانُ كبيرُها، فإنه باطلٌ لأنه قال: (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) ثم قال: (تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) ، فقال: كانت مع كِبرَها وعِظَمها تهتزُ وتُسْرع في المشي والتلوي والتثني اهتزازَ الجانّ الصغير، وهذا غايةُ الهَول من منظرِها وإظهار الآية والأعجوبة فيها، ولم يقل فإذا هي جانٌ فيكون ذلك نقيضَ قوله، فإذا هي ثعبان مبين، وإنما قال (تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) فبطلَ ما ظنوه. فأمَّا تعلُّقهم بقوله تعالى: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) ، وقولهم: كيف أدخلَ "قَبلَ" مرتين وما معنى هذا الكلام، فإنّه أيضا لا تعلُّق فيه، لأنه يجوز أن تكون (قبل" الثاني لغير ما وردَ

стр. 683

له "قبل" الأول، لأنه قال: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) ، يعني قبلَ إنزالِ العذابِ عليهم، وما أنزلَه فيكون (قبل) ها هنا قبل إنزال العذاب عليهم وما أنزله، فتكون قبل ها هنا قبل إنزال، ثم قال: من قبله، أي من قبل رُؤْيتِه، والنظَر إليه، فيكون "قبل" الثاني وارد بغير ما وَردَ له الأول، فالأول قبلَ إنزالِ ما أُنزل و "قبل" الثاني قبلَ النظَر، وقد يجوز أيضا أن يكون ذِكْرُ قبل مرتين على وجه التأكيد وعلى مثال قولهم: عجل عجل، واضْرِب اضْرِب، والأسَد الأسَد، ونحوه قال الشاعر: يَرمْي بها من فَوقِ فَوقِ وماؤُه ... من تحتِ تحتِ شُربه يتغلغلُ فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) ، وقولهم: هذا قول دهريةِ جحدة، فكيف يُقرُّون بالحياة بعدَ الموت، وهم يستجهلون معتقِدِ ذلك فإنه لا تعلُّق أيضا فيه من وجهين: أحدهما: أنهم قالوا ذلك على وجه التقديم بما هو مؤخر عندهم فكأنهم قالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نحيا ونموت، فقالوا مكان ذلك نموت ونحيا، كما تقول العربُ شربتُ وأكلت، والأكلُ قبلَ الشرب، يعنون أكلتُ وشربت، وكذلك قولهم: نروحُ ونغدوا، والغدُوُّ قبلَ الرواح. والوجهُ الآخر: أنَّهم لم يريدوا بذلك أنفسَهم فقط، بل عَنَوا به جِنْسَ الناس، فقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت، ويحيا قوم بعدنا من نَسْلنا. ويموتُ أولئك ويجيءُ بعدَهُم آخرون، وأن أهلَ الدنيا لا يَنْفكُون من موتِ وحياة، ولا حياةَ ولا موتَ في دارِ غيرها فأكَذْبَهمُ اللهُ تعالى في ذلك. وقال: إن ذلك ظن منهم وتوهمم وأخبرَ به في غير موضعٍ فبطل ما قدروه.

стр. 684

فأمَّا تعلقهم بقوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) . وقالوا وأنتم تقولون إنه كله مبارك وشفاء، فالجواب إن "مِن" ها هنا صلة قكأنه قاله ويُنزل القرآن شفاء،. فأَدخلَ مِن زائدة وهو كقوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) ، وقولُهم: فلان في صحَّةٍ من عَقْله، يعنون في صحة عقله، وقولهم: عيِّن من هذا الثوبِ قميصا ومن الفضة خاتما، يعنون جميعا دون البعض وكقولهم: خاتم من حديد، وثوب من خز، وأدخلوا من رائدةَ في الكلام. فأمَّا تعلقهم بقوله تعالى: (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) . وقولهم: كيف يكون من رَحِمه عاصما من أمر الله، فالجواب عنه: لا معصومَ عن أمرِ الله إلا من رَحِم فأقام عاصم مقامَ معصوم، وقد يمكن أيضا أن يكون أراد لا عاصمَ اليومَ من أمْر اللهِ إلا من رَحِم بأن جَعل له شفاعةَ ودُعاءً مقبولاَ، في دَفْع العذاب فيكون بدعائه ورغبته عاصما من أمر الله وعذابه. فأمَّا تعلقهم بقوله تعالى: (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) ، فإه نقيضُ قوله: (خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) ، فكيف ينظرُ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ من يكون بَصرُه حديدا؟ فالجواب عنه: أنه أرادَ - وهو أعلم - فبَصَرُك اليومَ حيديد علمك بعلمك وتيقنك وذكرك له بعد أَنَّ كنت فيه شاكا أو جاحداً. وقولُه: (خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) يعني به الذلةَ والخوفَ والعستكانةَ والاستسلامَ لعذابِ الله، ولا تناقض في ذلك بحمد الله ومنِّه. واعترضوا أيضا قوله تعالى (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) ، وقوله (يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) . قالوا والمجيء والإتيان حركة وزوال وذلك عندهم محال في صفته، فالجواب عن ذلك عند بعض

стр. 685

الأمة إنه يجيء ويأتي بغير زوالٍ ولا انتقالٍ ولا تكييف بل يجبُ تسليمُ ذلك على ما رُوي وجاء به القرآن. والجواب الآخر: أنه يَفْعل معنىً يُسميه مجيئا وإتياناً فيقال: جاء الله بمعنى أنه فعلَ فعلاً كأنّه جائيا، كما يقال أحسنَ الله، وأنعم وتفضلَ على معنى أنه فعل فعلاً استوجبَ به هذه الأشياء. ويمكن أن يكون أراد بذلك إتيان أمْرِه وحُكمِه والأهوالِ الشديدةِ التي توعهم بها وحذرهم من نزولها ويكون ذلك نظيرا لقوله : (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) ، ولا خلافَ في أن معنى هذه الآية أن أمْره وحُكْمَه إياهم وعقوبته ونكالَه، وكذلك قوله:، (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) . وأما قولهم: وما معنى ظُلل الغمام، وأيُّ مدخل للغمام في هذا الوعيد والتحذير، وأيُّ ضررٍ عليهم بكونه آتيا في غَمَام، فإنه باطل لأن الظُلل ها هنا الأهوالُ وشدةُ الحساب، وهو على نحو قوله : (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ) أي: في عظم السحائب وبما خَلَق من غمَّها وكَرْبها، ويجوز أن يكون الظلل والغَمَامُ بعينه ويجعلَ اللهُ ما يَنالُهم من كونه إذا أظلهم وغمّهم به دليلاً على حضور وقت المحاسبة والمسائلةِ وهولِ يقاسونه ويخافون من ذلك. واعترضوا أيضا فى القدح في الرسل وأخبار القرآن بقوله عن إبراهيم ﵇: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، وقالوا وهذا يوجب شكه واضطراب قلبه ومعرفته، وذلك نقيض قوله ووصفِه لهم بأنهم مصطفَون ومهتدَون وخلافَ أمره بالاقتداء بهم في قوله -: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) .

стр. 686

والجوابُ عن ذلك أمور منها: أنَّه قال ليطمئنَ قلبي على معنى أنني أزداد إيمانا بك، ويمكن أن يكون أراد ليطمئن قلبي لإجابتك لي إلى ذلك. ولتكون آيةً لي وحجةً على قومي، لأن في تَرْك الإجابةِ توهم لانحطاط قَدْره، ويمكن أن يكون أراد بقوله: ليطمئن قلبي أي لأعْلَم ذلك ضرورةً ومشاهدة، وإن كنتُ عالماً به من جهة النظر والاستدلال فإن الخواطرَ تزولُ مع المشاهدة وهي قائمة طارقة مع عدم الضرورة وإن كان إبراهيمُ وغيره من ، النبيين والصديقين يدفع العارض منها بحجج الله القاهرة وأدلته الباهرة. فإن قالوا: فقد سال موسى ﵇ مثل ذلك في قوله: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) ، فلم يجبه وقال: لن تراني، يقال لهم: قد يجوز أن تكون إجابةُ إبراهيمَ إلى ما سأل من مصالحِه أو مصالحِ بعض أمته. وأن تكون إجابة موسى إلى ما سأل عنه ليس من مصالحه ومصالح أحد من قومه، ويجوز أن يُمْنعَ موسى لأنه أراد منعَه، وأجاب إبراهيم لأنه أراد إجابتَه، ولو منعهُما جميعا أو أجابهما لكان ذلك جائزاً، على أن إبراهيم لم يسل إزالة المِحنة جملة، وإنَّما سألَ إزالةَ المِحنة بالنظر في إثبات القدرةِ على إحياء الموتى فقط، وموسى سأل رؤيةَ الله ببصره، وفي ذلك زوالُ المِحنة والتكليف جملة، فبطل ما اعترضوا به. قالوا: ومن الإحالة في القرآن قولُه: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، قالوا: فكيف يكون المقتول حيا، فرحا مع موته ونقضِ بُنْيتِه وتقطُع أوصالِه ومشاهدته على حالهِ، وما ظنوه من الإحالة في هذا باطل لأن أكثر الأمة تقول: إن اللهَ يحييهم في قبورهم وينعمَ أرواحَهم في أجسامهم أو بعضهم، فمنهم من يقول: إن ذلك حالَهم دائما ومنهم من يقول: يكون

стр. 687

ذلك عند المسائلة في القبر، وبعد فراق منكرٍ ونكيرٍ له، وكذلك قولُهم عذاب الكافرين، وقد بيّن هذا الكلام ما ورد فيه من الأخبار في باب عذاب القبر ونعيمه، وهذا ليس بمستحيلٍ من جهة العقل والحياة، وعند أهل الحق لا يَحْتاجُ إلى بُنْيَةٍ وبلّةٍ ورطوبة، فبطل ما توهموه، ومن الناس من يقول: أراد بقوله: أحياء، الإخبارُ عن عاقبة أمرهم وما يؤول إليه حالُهم من النعيم بثواب الآخرة وفرَحِهم بذلك، كما يقال: ما مات من ذِكْرُه باقي، وما ماتَ من خلَّف مثلَ فلان من الولد بل هو حيٌّ، وكما يقال للمظلوم المقهور: أنت الغالبُ الرابحُ وظالمك هو الخاسر، يراد بذلك أن عاقبتك الربحَ والنصرَ وعاقبتُه الخُسْرانُ والنقص، وكما يقال: ما مات فلان ما بقي ذِكْرُه وأثرُ إحسانه وكُتبَ ذِكْرُه وبيانُه. قال الشاعر: فقلتُ والدمعُ من حُزْنٍ ومن فَرحٍ ... في اليوم قد أخذَ الخدَين مُنْسجمه ألم تَمُت يا شقيقُ الجودِ من زَمَنٍ ... فقال لي لم يَمُت مَنْ لم يَمُت كَرمُه قال وعلى هذا قال رجل للنعمان بنِ مقرّنٍ وقد كتبَ إلى عمرَ بن الخطاب كتابا يقول له فيه: "وقد يَرى الشاهدُ ما لا يَرى الغائب"، فقال له الرجل ألِعُمَر تقول هذا، بل هو والله الشاهد، وأنت الغائب، يريد بذلك أن فَهْمه أحضَره، ومعرفَته أكبرُ فهو أمثلُ لذلك من حالك، وإن كنت حاضراً، فأمَّا القَطْع على أنه لا بد من بلاءِ الشهداءِ وتقطُعُ أوْصالِهم، فإنه لا طريقْ إليه. بل الروايات بخلاف ذلك على ما يَرْويه أهلُ البصرة في طلحةِ بنِ عبيدِ الله. وأن عائشةً بنتَه لما أخرجته من موضع النْز وقد رأتْه في اليوم يشتكي ذلك ويخبر بتأذَيه فوقعت المسحاة على إصبعٍ له فدمت.

стр. 688

وروى جابرُ بنُ عبد الله قال: "لما أراد معارية أن يجري العينَ التي عند قبور الشهداء أمرَ مناديا فنادى - في المدينة من كان له قتيل فليخرج إليه، قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطابا يَنْثنون وأصابت المسحاةُ إصبعَ رجلٍ منهم فانقطرت دما" فقال الحسنُ البصري وقد سَمع ذلك - ألا ينكر بعد هذا منكِر. قالوا: ومن الإحالة أيضا قولُه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) . وفي الناس خلق يُقْتَلون، وفي الأنْفُس بهائِم تذبح والمقتول ليس بميتٍ ولا ذائق للموت، فيقال لهم: إن كان الأمرُ على ما ذكرتم من أنّ المقتولَ لا موتَ فيه، فإنّما أراد بذلك كل نفسٍ ماتت حتفَ أنفِها ولم تقتل فيكون قولاً مخصوصا وبمثابة قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) و (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) ، ولم يُرد أنفسَ الأطفال والبهائم والمتنقصين فزال ما ظننتم. والصحيحُ أن المقتول ميت وأن الله يميتُه، ويرفعُ بالموت ما فيه من الحياة، لأنه مع نقض البِنْيةَ محتملُ الحياةِ والموتِ ولا يجوز ارتفاعُ الموتِ إلا بضده من الحياة وإلآ آلَ ذلك إلى جواز تعرِّي الجواهر من جميع المتضادات من الأكوان وغيرها من الأعراض، وذلك باطل محال لما قدمناه في غير هذا الكتاب، وقد يجوزُ أن يقولَ قائل أرادَ بذكر ذوق الموت مُفارقَة الحياة، فعبَّر عن ذلكِ بذكر الموت كما يجوز بقوله ذائقةُ الموت، والموت لا يُذَاقُ ولا يجوز ذلك عليه، ولكنه هو من مجاز الكلام فسقط ما قالوه. قالوا: ومما ورد ولا معنى له قولَه : (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) ، والظل لا يكون إلا ظليلاً، وهذا باطل لأن من الظل ما، هو ظل، تَتَخرَّقه السماءُ ثم الرياح، والسافي المؤذي فيكون ظلاً وليس بظليل،

стр. 689

وأراد وهو أعلم بقوله ظليلاَ أنّه ظل لا يتخرَّقه شيء من ذلك وأن أهله على سلامةِ من جميعه. وقالوا: ومن الإحالة في الكلام قولُه: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) ، فكأنَّه يُحبُّ من المظلوم أن يجهرَ بالسوء. وهذا متناقض جدا - زعموا - فيقال لهم: ليس ذلك على ما توهمتم، ومعنى هذه اللفظة الذي هو لفظ الاستثناء لكن لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول ولكن من ظُلمَ فله أن يُخبرَ بظلمِ من ظلمَهُ ودخول الضرر عليه، ولا يجب الكشفُ عن عورات الناس وزلاتهم وكثرةُ التتبع لهم والتجسسُ عليهم. وقال بعضهم: قولُه إلا من ظُلِمَ فإنّه يحل له أن يدعو اللهَ على ظالمه ويستكفَّه شرَّه، ويرغبُ إليه في منعه من ظلمه، وقد قال قومٌ قولُه: لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول كلام تام، ثم ابتدأ فقال: إلا من ظُلمَ فإن له أن ينتصرَ ويمنعَ الظلمَ ويدفَعَه فبطل بذلك ما قالوه. قالوا: ومن هذا قولُه تعالى أيضا: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) ، قالوا: ونحن نجد خلقا يموتون ولا يؤمنون به، فيقال لهم: إنّما عنى بقوله: قبلَ موته، قبلَ موت المسيح ﵇، ولم يرد أن كلَّ مَن هو من أهل الكتاب يؤمن بالمسيح قبلَ موته أن يموت وتُضربَ عنقه، فإن من قُتل ولم يؤمن به فقد مات ولم يؤمن، فليست الهاء راجعةَ على المكلَّف من أهل الكتاب، وإنّما أراد أن أهلَ العصر الذي ينزل فيه عيسى من السماء من أهل الكتاب، يؤمنون به عندَ نزوله ويعرفون صدقه. قالوا: ومن هذا حكايتُه عن اليهود لعنهم الله أنّهم قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ، واليهودُ لم تقل ذلك، ولا ذهب إليه أحد من أسلافهم ولا أخلافهم.

стр. 690

والجوابُ عن هذا أن المذكور في تأويل هذه الآية أن أسلافَهم قالوا لنا قربة ومحبة منه كقرب الولد من والده ومحبَّةُ الوالد لولده، ولم يقولوا إنهم أبناءُ الله على مثل قول النصارى لعنهم الله في المسيح إنه ابنَ الله وقنوم من أقانيمه، وقد يقول القائل: أنا ابنك وأخوك، أي: خيرٌ لك ومكاني منك مكانُ أخيك وأبيك، وتقول: أنت ابني وولدي أي: مكانك مني ولطيف منزلتك عندي ومنَي كمنزلة ولدي وأقرب الناس إليَّ، ومثلُ هذا غيرُ منكرٍ في مجاز الكلام، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلَّقوا به. قالوا: ومن الإحالة الواردة في القرآن قولُه: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) ، قالوا وقد رُوي أنَّهم كانوا عسكراً كثيراً ومحال في مستقر العادات والضرورات أن يتيه العالَمُ الكثيرُ في قطعةٍ من الأرض اتسعت أو ضاقت أربعين سنة لا يهتدون إلى الخروج منها. فيقال لهم، خرقُ هذه العادة من آيات موسى ﵇ وكان زمنُ خرق العادات، فإذا أراد اللهُ تَيْهَهُم والانتقامَ منهم بذلك مَحى الآثار َ وأبطلَ العلاماتِ وخالفَ بينَ الآراء وطمسَ على القلوب وألقى في القلوب الشكوكَ في غير المحجة، فتاهَ الخلقُ عندَ ذلك، وانخرقَت بما يفعله العادة، وكان ذلك من حُجَج النبوة فزال ما قلتم. وقد تأول قوم الآية َ على أنه لم يرد بالتيه أربعينَ سنةً ضلالهم وذهابَهم عن الطرق، إنَّما عنى بذلك، أنه فرض عليهم الجولان في تلك الأرض أربعينَ سنةً وحَبَسهم فيها وحزم عليهم الخروجَ عنها عقوبةً لهم على ما سلف من خلافهم وإجرامهم، فشبَّه مقامهم ودورانهم في تلك الأرض أربعينَ سنةً بحال الذين يتيهون في الأرض، وهذا إن صحَّ الخبرُ عنه فليس ببعيدٍ في التأويل، فبطل ما توهموه.

стр. 691

فأمَّا قولُه تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) ، وأمثال ذلك فليس بواردٍ على الإيجاب، وهو نظيرُ قول الرجل لمن يخاطبه: كُلْ من هذا الطعام لعلك تشبع، نحوَ قولِ السيد لعبده: أطعني لعلك تَسْلمُ من ذمِّي، وتنالُ ما تُحبُّ من جهتي، وهذا ترغيب منه، لو أراد الشك لم يكن من عنى في طاعته ولكن إدخالَ لعل في الكلام أرقُ وألطف وأدعى إلى المراد وأجمعُ للهِمَّة على الطاعة. وأما اعتراضُهم على قوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) . وقد يُدعى فلان يجيب فإنه باطل من وجوهٍ أقربُها: أنه أراد بقوله: أجيبُ إن شئتُ أن أُجيب، ففيه إضمار، ويمكن أن يكون أراد أجيبُ إن كان في معلومي أني أجيب، ويحتملُ أن يكون أرادَ بقوله: أجيب إن كانت إجابة المسألة مصلحةً للسائل، فإذا لم يُجبه عُلمَ أنه لم تكن مصلحةً له، ويكون قد شرط في إجابة الدعاء أن تكون مصلحةً للمكلف، فمن أجيب بذلك كان من مصالحه، ومن لم يُجب فليس ذلك بصلاح في دين ولا دنيا، وليس يعترض هذا الجوابَ سؤالُ من قال لنا فهو لا بد أن يفعل الأصلح، سأل ذلك أم لم يسأله، لأن هذا قولُ القدرية، ويجوز عندنا أن لا يفعلَ بالعبد ما هو الأصلحُ له ويكون قد حَكَم أنه لا يجيب دعوة داعٍ إلا بأن تكون إجابته من مصالحه. ويمكن أن يكون أراد: أجيبُ دعوة الداعي من قبيلٍ دون قبيل وفريقٍ دون فريق، ولم يُرد جميع من يُسمَّى داعيا، ومن يكون منه دعاءٌ وإن اعترض في ذلك فلا نقض عليه بالعلم، لأن اللهَ لا بد أن يكون عالما بما يفعله، ولا بد أن يفعله، وما لا يفعله ولا بد أن لا يفعله، ويقال لهم: فما معنى الدعاء إذا كان لا يفعلُ مع سَبْقِ العِلْم بأنه لا يفعلُ ولا بد أن يفعلَ مع

стр. 692

سَبْقه بأن يفعل، سأل السائل أم لم يسأل، ولا جوابَ لهم عن ذلك، إلا نحو ما قلناه، وإذا كان الطاعن بذلك منجِّما مثبتا لأحكام النجوم، قيل له، فما معنى السعيُ والكدحُ من المنجم، والاضطرابُ في طلب الكسب والمعاش. لماذا كانت النجوم والطوالع توجبُ حصولَ المطلوب، فلا بُد من حصوله. وإن كانت لا تُوجبُه فلا بُدَّ من عدَمه، وعدم الانتفاع بِتَمنِّيه والسعي له، ولا جوابَ عن ذلك. واعترضوا أيضا على قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ، وقالوا: وما معنى هذه الشهادةُ من الله ، وأي فائدةٍ وحجةٍ فيها على التوحيد وهي شهادة منه لنفسه؟ والجوابُ عن ذلك أن هذه الشهادةَ تنزيه منه لنفسه وتعظيم له سبحانه وتعالى عمّا يقول المشركون المتخذون معه إلها غيره. وشيء آخر وهو أنَّه يجوزُ أن يكون معنى شهادتِه لنفسه بذلك هو ما أظهَره من إتقان صُنْعه وعجيبِ تَدْبيره في كل حادثٍ وإلزامه إمارة الصُّنْع والالتجاء إلى صانعٍ صَنَعه ومدبر دبَّره لتقومَ دلالةُ أفعالِه على وحدانيته مقامَ الشهادَةِ بذلك، كما يقال: أفعال زيدٍ تشهدُ بعدالته وتُقاه، وأفعالُ فلانٍ تشهدُ بفجورِه وفسوقِه، يعني بذلك أنَّها تَدلُّ دلالةَ الشهادة عليه وله بذلك، ومعنى شهادةُ الملائكة وأُولي العلم له بذلك، هو إيضاحُهم لهذه الأدلّة والتنبيه عليها والدعاءُ إلى النظر فيها، فيكون تنبيههم قائما مقامَ الشهادة به، فبطل ما ظنوه. قالوا: ومما لا معنى له، ومن الإحالة في القول قولُه تعالى في قصة عيسى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ، قالوا: وما الفائدة في أن يُرفع إليه أو إلى ملائكته ميتا، وكيفَ يَرفعه إليه حيا أو ميتا

стр. 693

وليس هو في مكانِ ولا تحويه الأقطار، فيقال لهم: هذا من المقدم المؤخر فكأنّه قال: إتي رافِعُك إليَّ ومتوفيك، والواو لا توجبُ الترتيب، وإنما توجبُ الجمعَ بينَ المذكورين، وقد قال قوم إنه أرادَ برفعه رفعَ درجته وتعظيمَ شأنه وتبليغه المنزلة التي مَن بلغها عَظُمت منزلته. قالوا: وقولُه إليَّ، أي: إلى موضع كرامتي ومواضع أوليائي وهو بمثابة قولِ إبراهيم: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) ، أي: إلى حيثُ أولياؤهُ وحيث يُعبد ويُذْكر. وقال أكثر الأمة: أراد بقوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) أنّه رفَعهُ إلى السماء حيا. وأنه لا يموتُ حتى ينزلَ فيصلِّي خلفَ المهدي، ويكون داعيا إلى شريعة نبينا ﵇ ومؤكداً لها غير داعٍ إلى شريعته، فأمَّا قولُه: (متوفيك) فقال أكثرُهم: مميتك بعد رفعك وإنزالك من السماء، وقال قوم: متوفيك بمعنى قبضتك إليَّ لا بمعنى الموت، قالوا: والتوفي القبض ولذلك قيل توفي زيد إذا قُبِض، فبطل طعنُهم بما ذكروه (١) . وقالوا: ومن الإحالة في الكلام قولُه : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) . قالوا: وليس في العالم مكلَّف ولا غيرُ مكلَّف يَذْكُر أخْذَ مثلِ هذا الإقرار عليه، وإشهادَ اللهِ نفسَه على ذلك، ولو كان ذلك حقا وأمراً مأخوذاً عيناً لوجبَ عِلْمنا به وذِكْرنا له؟ وهذا باطل من تعلقهم من وجوه: أحدها: أنه لا يجبُ ذِكْرُنا لأخذ الإقرار علينا، وإن كنا إذ ذاك عالمين به، لأن اللهَ سبحانه أنسانا ذلك فأذهب ذِكرَه وحفظَه عن قلوبنا وَفَعَل من

стр. 694

ذلك ما شاء، وقد يَنسى الإنسانُ أشياءَ كثيرةً كان رآها وسمِعها، وأموراً كانت منه ومن غيره إذا تطاوَلَ بها الدهر، وإذا كان ذلك كذلك لم يُنْكَر ما ذَكَره تعالى وأخبرَ به من أخذِه الإقرارَ عليهم بالربوبية على أنه لو كانت العادةُ جاريةً بأن مثلَ هذا لا يُنسى في وقتنا وعادتنا لم يَجبْ أن يكون مثلَه لا تنساهُ الذرية، لأن العادةَ المتقررةَ في وقتٍ من الأوقات لا يجبُ أن تكونَ مقررةً مستمرةً أبدَ الدهر وفي سالفه، ولا يجبُ أن تكون العادةُ لقومٍ عادةً لغيرهم إلا فيما ساوى اللهُ فيه بينَ أحوال الناس على اختلافهم، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب أن تكون عادةُ الذرية أن لا يَنْسى ما كان من إقرارها وأخذه عليها وشهادةُ أنفسهم عليهم. فإن قالوا: فأنتم خاصةً تذهبون إلى أنهم اسْتُخرجوا من ظهر آدم عليه السلام كأمثال الذرِّ صِغَراً مستضعفين، ومَنْ هذه حالُه لا يصح كمالُ عقله وتمامُ فكرته ووقوعُ النظرِ منه، لأن العقلَ والنظرَ يحتاجُ إلى بُنيةٍ وبلّةٍ وذاك متعذر في الذرَّة، فبطلَ ما قلتم. يقال لهم: العلمُ والأقدارُ والكلامُ والنظر، والاستدلالُ لا يحتاجُ شيءٌ منه ولا من غيره من الصفات إلى بُنيةٍ وبلَّة على ما بيناه في غير هذا الكتاب. فبطل ما قالوه، على أنه إن احتاج إلى ذلك فلا يَمنع أن تُبنى الذرَّةُ وما في قدرها بُنيةً تحتملُ العلمَ كما بُنيتْ بنيةً تحتملُ الحياةَ والإدراكَ والإحساس. ونحن نجد الذرَّةَ والنملَ والبعوضَ حيا مُدْركا مُلهماً لأمور ادخار الأقوات وحفظِها وإظهارها ونفي ما يزيلُ العفنَ والفسادَ عنها إلى غير ذلك من عجيب أفعالها، فيجوز أيضا إكمالُ عقل الذرة وما هو أصغرُ منها. فإن قالوا: فيجوز أن يَنْطقَ ويُسال ويجيب، قيل كل ذلك صحيح في المقدور، وإن لم تجريه عادة، فإن قالوا: فيجوز أن تَقْدِر الذرةُ على حمل

стр. 695

الجبال والأرضين والسموات كما يجوز ما قلتم، يقال لهم: المحدثات بأسرها ما عَظُم جِرْمه وما صَغُر من مَلَكٍ وإنسانٍ وشيطانٍ لا يصح أن يفعلَ في المحمول حملاً وأكوانا تتحرك وترتفع بها، وإنما يفعلُ الحملُ في نفسِه وهو حركاته واعتماداته التي يفعلُ الله عندَها ارتفاعَ الأجسام المرفوعه، ولو سكَن الخردلةَ عند اجتهاد جبريلَ في دفْعها لم ترتفع، ولو رَفعَ الجبالَ الثقال عند محاولة الطفلِ والبعوضِ لرفعها لارتفعت، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ هذا التعجب ووجبَ إثباتُ الخبرِ باستخراجِ الذرةِ وأخذ الإقرار عليهم. وإكمالِ عقولهم ونظرِهم. وقد قال قومٌ: إنهم إذ ذاك كانوا ملهَمين ومضطرين إلى المعرفة والإقرار. والأولى أن يكونوا مُكْتسبين لذلك، لأن الكلامَ خارجٌ مَخرجَ الاحتجاج عليهم في الآخرة بما كان من إقرارهم وإشهادهم أنفسهم عليهم، وقد قال سبحانه: (شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ، فأخبرَ أنهم يُخبرون بغفلتهم عن ذلك ونسيانهم له وقال: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) ، فالآية كلها تدل وتشهدُ بما يذهبُ إليه أهلُ الحق ودهماء الأمة. فإن قالوا: فقد قال اللهُ : (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) ، فإذا لم يلعموا وهم أطفالٌ كاملوا البُنية والحواس كانوا عن العلم والأمور والتوحيد إذا كانوا كالذرِّ مستخرجين من صلبِ آدم أولى. يقال لهم: لا حجة فيما تعلَّقتم به، لأنه لا يمتنعُ أن يمنعَهم من العلم إذا كانوا أطفالاَ ويعطيهم ذلك إذا كانوا كالذرِّ، وقد أعطى اللهُ عزَ وجل

стр. 696

عيسى ابنَ مريمَ النطقَ وهو صبي ساعة ولدِ، وأعطى يحيى بنَ زكريا الحُكمَ صبيا، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما اعترضوا به. وقد قال قوم من مدعي الأمَّة إنه ليس معنى الآيةِ ما طعنَ به الملحدون ولا صحَّ الحديثُ باستخراجِ الذرية، بل ظاهرُ الآيةِ يوجبُ أخذَ الإقرارِ من بني آدمَ في كل حين يبلغونَ فيه حدَّ التكليف، لأنّه قال: َ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ) ، ولم يقل من آدمَ وقالَ من ظهورهم، ولم يقلْ من ظهره، وقال ذريّاتهم ولم يقل ذريَته، قالوا: فهذا يوجبُ أن يكونَ الإقرارُ مأخوذاً على ذرية آدمَ في كل حينٍ (حيْنَ) بلوغهم حدَّ التكليف. قالوا: وكذلك قال: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) ، ولم يقل أبونا، وكنّا ذرية من بعدهم، يقول: إنني لو أمتُّهم أطفالاً لقالوا: إنّما أشرك آباؤُنا وكنا نحن أطفالاً لم نبلغ حدَّ التكليف وتلقِّي الدعوة، فأراد اللهُ تعالى الإخبارَ بأنه بلَّغهم حدَّ من أشرك من آبائهم قبلَ شركهم، وإذا كان ذلك كذلك فقد زالَ طعْنُ الملحدين عن أصحاب هذا الجواب. والجوابُ الأولُ هو الحق لأنّ اللهَ تعالى قد أخبرَ عن الذُريةِ أنها أقرَّت بالربوبية، وقالت بلى، ونحن نعلمُ أن كثيراً من بني آدمَ المكلفين لم يقولوا عند التكليف: بلى أنت ربنا، ولا أقرُّوا بذلك، وأنهم ماتوا وهم كفَّارٌ جاحدون مكذبون فبطل الجوابُ الثاني. فإن قالوا: لم يُردْ بقوله: (قَالُوا بَلَى) ، القولَ المسموعَ وكذلك قولُه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) ، ليس هو من القول المسموع وإنَّما أرادَ أنه ألزمَهم آثارَ الصنعةِ والحدوثِ والالتجاء إلى صانعٍ صَنَعهم فعبَّر عن ذلك بقوله:

стр. 697

(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) يريد إلزامي لكم صفات المربوبين، وقوله: بلى، أي لم يمتنعوا من أمارات الحدث، ولم يستطيعوا الانفكاك منها فأقامَ لزومَها لهم مقامَ قولهم لم يطيقو وصدَّقوا بلى. وقولُه: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) معناه ما أوجده في أنفسهم وأراهم إياه بعد النسيان والقوة من، تغير الحالات والزيادة والنقصان والكبرِ والهرمِ بعدَ الشبابِ والقوّةِ من الخبر إلى غير ذلك. يقال لهم: كل هذا الذي قلتموه إن ساغَ استعماله في اللغة فإنّه مجازٌ واتساع وليسَ بحقيقةٍ ولا وجهَ للعدولِ بالكلامِ عن ظاهرِه في إخباره عن قوله لهم وجوابُهم ببلى بغير حجة ِ ولا دليلِ بل الواجبُ التمسُّكُ بظاهر الكلام، فإن قيل: الذي يدلُّ على ذلك استحالةُ نطقِ الذرِّ وعلْمُه فقد بيّنَّا فساد ذلك بما يُغني عن ردِّه، فدعواهم لذلك باطل. فإن قالوا: فقد قال من بنى آدمَ وأنتم تقولون من آدَم، يقالُ لهم: الخبرُ الثابتُ عن الرسول ﷺ أنه: استخرجها من آدمَ - فيجب إثباته، وذلك لا يُنافي قولَه من بني آدم، لأنه استخرجها من آدم ﵇ كما ورد به الخبر، ثم استخرج بعضهم من بعض، فاستخرج من المستخرج ذريةً، ومن الذرية ذريةً أخرى إلى آخرهم،، وأحصاهم وعدَّهم عدًّا، وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ الاستخراجُ من صلب آدمَ بالخبر والاستخراج من الذرية المستخرجة عنه بالقرآن،، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالته القدريّة وما تعلقت به الملحدة وبالله. التوفيق قالوا: ومما لا معنى له أيضا قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) . قالوا: فأيُّ فائدةِ في تمثييل الكافر بالكلب في هذأ المعنى، وليس الأمرُ على ما توهموه لأجل أنْ

стр. 698

اللهَ ضربَ هذا المثلَ للكافر الذي إن وعُظَ وزجِرَ نفرَ وكفر، وإن تُركَ أو رُفق به استكبر وكفرَ فهو مع العظة والتذكرة ضالّ مُعرض، ومع الترك ضال معرض، وكذلك الكلبُ حالُه تخالفُ سائرَ الحيوان لأن كلَّ ما يلهثُ من الحيوان فإنما يلهثُ لمرضِ وتعبِ وكلالِ وعارضِ يزولُ اللهثُ بزواله، والكلبُ يلهث في جميع حالته في صحته ومرضه وراحته وكلاله وريه وعطشه، فلا مثالَ لمن ذكرَ الله حالَه من الكفار من جميع الحيوان إلا الكلب، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه. قالوا: ومن هذا أيضا قولُه تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) . قالوا: فكيف أمرَه بأن يقول: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ، وهو يملكُ تصرُفَهُ وجميعَ أفعاله، ويتصرَّفُ فيها بإرادته وما معنى قولُه: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ، وقد استكثر من الخير من لا يعلمُ الغيب. يقالُ لهم: ليس الأمر على ما توهمتم لأن النبى ﵇ وغيره لا يملكُ لنفسه نفعا ولا ضرًّا، وإنما مالكُ نفعِه وضرِّه الله الخالقُ لعين النفع والضرِّ القادرُ على إيجادهما، والخلقُ لا يَقْدرون على ذلك ولا يتصرفون فيما يريدون أو يكرهون إلا بأن يشاء اللهُ تصرُّفهم. وفي هذه الآية دلالة بينة واضحة على أنَّ اللهَ خالقُ أفعالِ عباده وما يضرُّهم منها وما ينفعهم، فإنه مالك لها وقادر عليها وموجه لها إذا وُجدت. وهي مقدورة له، لأن مالكَ الشيء والقادرَ عليه فاعل له إذا وجَدَ مقدورَه ومملوكَه، وليس يكون فاعلاَ لمقدورِه إلا لوجوده فقط.

стр. 699

وأمَّا التعلُّقُ بقوله: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) فمعناه - والله أعلم - أنني لو كنتُ أعلمُ الغيبَ لكنتُ إلهاً قديما. والقديمُ لا ينالُه السوءُ ولا يلحقهُ نقصٌ ولا تغيير. ويمكن أن يكونَ أراد أنني لو كنتُ أعلمُ الغيب لنجوتُ من الحوادثِ والنوازل أو اعتددتُ لكل أمرٍ عتادَه وما يدفعُه ويُزيله. ويُحتمل أيضا أن يكون أراد أنني لو كنتُ أعلمُ أجلي ووقتَ موتي وقربه لأكثرتُ الطاعةَ لله والجهادَ في سبيله، وإنما أؤخرُ بعضَ ذلك لإخفاء وقت أجلي، وليس يمتنعُ أن يستكثرَ من الخير من لا يعلمُ الغيبَ على غلبة ظنه وقوة حَدْسِه أو الاحتياطَ والتحرُّر، وإن صحَّ أن يستكثرَ من الخير من قد علمَ حالَه واطلع على ما يكونُ منه فلا تناقضَ في هذا. وقد قيل إن السوءَ المذكور ها هنا هو الخبالُ والجنون، ومنه قولُه تعالى: (إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) ، قيل: بخبالٍ وجنونٍ نسبوه إليه فكأنَّه قال: لو كنتُ أعلمُ الغيبَ ما مسَّني من المرض والنوم والآفات المستغرَقة القاطعة عن التمييز وما يجري مجرى السوء الذي هو الخبال. قالوا: ومن هذا أيضا قولُه: (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، وكيف يجعلُه مع الظالمينَ وهو قد نهاه عن الظلم وعن الكون مع الظالمين، يقالُ لهم: قد بينَّا الكلامَ في هذا في باب خلق الأفعال والتعديل والتجويز بما يُغني الناظرَ فيه. وقد يجوزُ أن يجعله الله مع الظالمين بأن يُضلَّه ولا يلطُفَ له ويحرِمَه التوفيق، وذلك عدلٌ منه وصوابٌ في حكمته، وإنما أمره بأن يرغب إليه في التثبيت على الإيمان وأن لا يزيغَ قلبُه بجواز وقوعِ ذلك منه تعالى.

стр. 700

ولا وجهَ لجواب القدَرية عن هذا، فإنه أقرَّ له بالدعاء ليزيد في ثوابِه. لا أنه يجوز أن يجعله مع الظالمين، لأن الله لا يأمر برغبة لا معنى عنها وبأن نرغب إليه في أن لا يفعلَ ما إذا فعله به، كان سفيها عند القدرية، فإنْ كان رغب إليه في أن لا يضله ولا يخلقَ ضلاله فتلك عندهم رغبة باطلة. وإن كان يرغبُ إليه في أن لا يجازيه على ظُلمه وأن يحكم بثوابه ولا يحكم بعقابه، فذلك أيضا سؤال باطل لا وجهَ له فبطلَ جوابُ القدريَّة ِ عن الآية قالوا: ومن الأخبار الباطلة في القرآن قوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) ، وكيف لا يكون بينهم أنساب مع ثبوت أنسابهم، وكون بعضهم ابنُ بعض وأباه وأخاه وأمَّه، وكيف لا يتساءلون مع قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) . وقد قدَّمنا الجوابَ عن هذا، وقُلنا إنهم لا يتساءلون تارةً ويتساءلون أخرى، ويمكن أن يكون أراد لا يتساءلون ساعةَ النفخِ في الصور وانتشارهم من القبور، فإذا نُفخ فيه أخرى قاموا ينظرون، وأقبل بعضُهم على بعضهم يتساءلون وقالُو (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) ، ويسألون إذ ذاك عما هم فيه، وقد رُوي أن النبي ﷺ قال لعائشةَ ﵂، وقد سألَتْة عن هذه الآية (هي ثلاثُ مواطن يذهلُ الناسُ فيها: وقتُ إلقاء كتاب كل إنسان: إليه، ووقتُ نصبِ الموازينِ وعند الجوازِ على جسر جهنمَ". فهذه الثلاثُ مواطنَ لا معارفَ فيهنّ لأحد، ولا يتساءلون.

стр. 701

فأمَّا قولُه: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) يعني فلا يتعارفون في هذه المواطن أنسابَهم، وعلى هذا دلَّ قوله: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) ، ويحتملُ أن يكون أرادَ بقوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) ، فلا أنسابَ بينهم نافعةَ لهم، ولا أنساب بينهم يتراحمون ويتعاطفون بها كتعاطف ذوي الأنساب بعضُهم على بعضِ في الدنيا، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما توهّموه. قالوا: ومن هذا أيضا قولُه تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) ، وقد عُلِمَ أن أكثر الأديان التي يوفيها أهلها ليست بحقّ، وهذا أيضا باطل من توهّمهم، لأنّه لم يُردْ تعالى بالدين ها هنا الدينونةَ بالمذاهب والتديَنَ بالأقوال وإنما - أرادَ الحسابَ والجزِاء، من قولهم: كما تدين تُدان، أي كما تَفعلْ يُفعَل بك، ومنه: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، يعني يومَ الجزاء والحساب، ومنه قولُه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ، أي: الحسابُ الصحيح، وفي قول: (يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ) دليل على ذلك، لأنّه إنما يوفَى العالمينَ جزاءَ اكتسابهم من ثوابِ أو عقاب. قالوا: ومما لا معنى له قولُه تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) ، وكيف يكونُ الله هو الرامي والرسولُ لم يرم، وهو الرامي على الحقيقة، فيثبتُ الرميَ لمن لم يكن منه وينفيه عمن وقعَ منه؟ يقال لهم: إنّما أراد بذلك - والله أعلم - أنني أنا المقدرُ لكَ على الرميِ والموفقُ لله فيه، والتبليغُ برميكَ ما لم تظنَ أنّك تبلُغُه بها، فأضاف الرميَ إلى نفسه على هذا التأويل، ونفاه عن نبيه على معنى نفي إقداره لنفسه وتوفيقه لها وبلوغه بالرمية ما قيضه الله من هزيمة العسكر يومَ بدر وذلك أن النبي ﷺ -

стр. 702

حينَ حَميَ الوطيسُ في ذلك اليوم قبضَ قبضةً من ترابِ وحثاه في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فانهزمَ القومُ بإذن الله، ولم يقدِرْ النبي عليه السلام أن يبلغَ رميته تلك ما بلغَ، وإن القومَ ينهزمونَ ونظيرُ هذا قولُ الرجلِ لغيره: ما أنت عمِلتَ ما عملتَ، ولا أنت كلمتني ولقيتني بهذا، وإنما فلان فعلَه بي، وأنا فعلتُه بنفسي إذا كان قد أرشدَ إلى ذلك ومكن منه وأعانَ عليه، ومهَّدَ أسبابَه لماذا كان ذلك كذلك سقطَ ما توهموه سقوطا بينا ظاهراَ. قالوا: وممّا وردَ في القرآن من الإحالة قولُه: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) . قال الملحدون: وفي هذه الآية إحالة من وجوه. أحدها: قولُه أنه خلقَ كل دابة من ماء، وليس الأمرُ كذلك لأن منها ما خُلِقَ من البيضِ والترابِ دونَ النطفِ والماء الدافق، فبطلَ أن تكونَ كل دابة من ماء. ومنها حصرُه مشيَ جميعها على بطنِها أو على رجلين أو على أربع، وليس الأمرُ كذلك، لأن فيها كثيراَ يمشي على أكثر من أربع كالعنكبوت وكرخان الأذن والسرطان وغير ذلك فلا وجه لحصره المشيَ على قدْرِ ما ذكره. ومنها أنه لا فائدةَ في ذكر هذا وإعلامِنا إيَّاه لأننا قد علمنا أن الدواب تمشي كذلك، وأي فائدةِ في ذكره إلا الحشوُ به والتشاغلُ بما لا معنى له. قالوا على أنه قال فمنهم، وهذا كناية عن العقلاء، وقولُه: كل دابة يدخلُ فيها ما يعقلُ وما لايعقل؟. يقالُ لهم: جميعُ ما ذكرتم لا يوجبُ القدحَ في القرآن. فأمَّا قولَه: (كُلَّ دَابَّةٍ) ، فإن لفظة كل ليست موضوعة للاستغراق والعموم بل هي معرضة للعموم والخصوص، وكذلك جميع وسائرُ وأيُّ ومَن، وكل لفظِ يَدَّعي

стр. 703

القائلون بالعموم أنه موضوع هو محتمل للعموم والخصوص، وقد بينا ذلك في أصول الفقه وغيره بما يُغني الناظرَ فيه، فبطلَ تعلّقُهم بالعمومِ ولو ثبتَ أيضا لجازَ تخصيصه بدليلِ فإذا علمنا أن منه ما لم يُخلق من ماء قُلنا أرادَ بقوله كل دابة ذكرها، وكل ما يمشي على بطنه أو على رجلين أو على أربع دونَ ما عدا ذلك، على أنَّه لم يقلْ من ماءٍ دافق، وإنما قال من ماء، وكل دابةٍ مخلوقةٍ مما فيه صُورٌ من البِلَّةِ والرُّطوبة، فإن الأصولَ عند كثيرٍ منهم الماءُ والأرضُ والهواءُ والنارُ هذه هي أصولُ الأشياء التي منها تنمو، أو إليها تنحل وتفسدُ فكل دابةٍ مركبة من أصلٍ فيه بلَّة ورطوبة وجزء من المائية فبطلَ ما قالوه. فأمَّا قولُهم فمنهم فإنْ ابتدأ فقال كل دابةٍ وهو لفظ يصلُحُ تناولُه للناس وغيرهم، ويجبُ عند قومٍ تناولُه لذلك، ثم فصَّلَ وذكرَ الناس منهم فقال منهم: فكنى عنهم كناية العقلاء وقال على بطنه يريدُ الحيّةَ وما يجري مجراها، والعربُ تقول: لا يكون المشيُ إلا لما له قوائم يمشي بها المعتمدُ عليها. ولكنها مع ذلك إذا خلَطَت ما لا يمشي مع الماشي وُصِفَ الجميعُ بأنه يمشي كما يقول: أكلتُ خبزاً ولبناً، والخبزُ هو الذي يُقال أنه يؤكلُ واللبنُ يُشربُ فيقولون أكلتَ خبزاً ولبنا لجمعهم لهما في الذكر، ولا يقولون: أكلتُ لبنا فكذلك يقولون: الحيَّةُ والإنسانُ يمشيان ولا يقولون الحيَّةُ تمشي وكذلك العربُ تُعبِّرُ عمّا لا يَعقلُ إذا ذكِرَ مع العاقلِ في اللفظ الموضوعِ لما يَعقل فيقولون: الرجلُ وإبِلُه مُقْبلون، ولا يقولون ذلك في الإبل وحدها، ويقولون في الإنسان وغيره هذان مُقْبلان، وهذان الشخصان مُقْبلان، ولا يقولون ذلك في اثنين لا عاقَل فيهما، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.

стр. 704

فأمَّا قولهم إنه حصر مشيَ جميعِ الدوابِ على أربعِ وفيها ما يمشي على أكثرَ من ذلك، فإنه باطل لأنّه لم يحصُرْ ذلكَ ولا قال لا شيءَ من الدواب. وإن كل الدوابِّ تمشي على أربع، وإنَّما قال فمنه من يمشي كذا، ومنه من يمشي كذا، ومنهم من يمشي كذا، ولا شك أن منهم من يمشي على ما ذكر فهذا لا ينقُضُ أن يكون منهم من يمشي على أكثر من ذلك ولا كونُ من يمشي على أكثرَ من أربعِ قوائمَ ناِقضا بمشي ما يمشي على أربعٍ وأقل منها. وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما قالوه. على أنه قد قال كثير من الملحدين إنَّ كل حيوانٍ إذا سعى ومشى فإنه لا يمشي إلا على أربع من قوائمه، ويكونُ معتمداً عليها في أربع جهاتٍ لا على أكثرَ منها، فإن كان ذلك كما قالوه، فما يمشي حيوان وإن زادت قوائمهُ على أربعٍ على أكثرَ من أربعٍ منها، وبطلَ ما قالوه. وأمَّا قولُهم فلا معنى لذكرِ ذلكَ إذا عُلِمَ قبلَ خبَره، فإنه باطل لأن معنى ذلك إخبارُهم بقدرته على إقدارهم على المشي مع اختلاف آلةِ المشي، وأنه لو شاءَ أن يجعلها كلها تمشي على بطونها أو على قوائمَ تعتمدُ عليها لفعلَ ذلك، فكأنّه يقول: انظروا أفليس في الحيوان ما يمشي كذلك لجنسِه أبر إيجاب خِلقَته أو لصورته، وإنما ذلك بتقدير العزيز العليم الذي يعطي القدرةَ على المشي على وجهٍ واحدٍ تُقطَعُ به المسافةُ مع اختلاف الآلة، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه. قالوا: ومن هذا أيضا قوله : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) .

стр. 705

قالوا: وفي هذه الآية ضروب من الإحالة. فمنها لومُه للنبي عون وعتابُه له على أخذه الفداء، وقولُه إن ذلك ليس له مَنْعُ قولكم بأنه معصوم في الأداء عن الله ووضعِ الشرعِ وإخباره تعالى بأنه مصطفىً معصوم. ومنها تغليظ في العتاب له ولهم بقوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ، وهذا نمن منه على عصيانِ رسوله وعصيانِ متَبعيه على رأيه، وإنهم خالفوا بما صَنَعوا من ذلك حُكمَه ومرادَه، واتَبعوا عرَضَ الدنيا مؤثرينَ له على ثوابِ الآخرة. ومنها الزيادةُ في بيانِ اقترافه وإياهم الذنبَ في أخذِ الفداء بقوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، وهذا تعظيم منه لشأن معصيتهم وقُبْح تجرُّمهم. ومنها أنه قال عقيبَ ذلك: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) ، قال: وكيف يأكلونه حلالاَ طيبا وهم قد خالفوا فيما أخذوه وعدَلوا عن نُصرة الدين إلى أخذِ عرَضِ من الدنيا يسيرِ فشتانَ بينَ الإخبارِ عن أكلهم له حَلَالًا طَيِّبًا وبينَ الإخبار عن قَصْدِهم به تحصيلَ عرَضِ الدنيا والإعراض عني ثواب الآخرة. ليوافِقَه أمرَه في الإثخان في القتل، قالوا: وهذا كله متناقضٌ جدًّا؟. فيقال لهم: لاتعلُّقَ لكم في شيءِ مما ذكرتم. فأمَّا قولُ الله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) فليسى بعتابِ للنبيِّ ﷺ والله أعلم، ولا لوم منه له على ذلك لخطإٍ
следующие страницы →