← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1398

ندوة علوم الحديث علوم وآفاق

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (366 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من صعوبات ومشاكل الكتب القديمة غياب المنهجية والتسلسل، وانعدام شكل الكلمات، ووجود تفريعات كثيرة بدون عناوين لها، وإغفال تحرير نصوص الأحاديث من مصادرها، وكثيراً ما تقصر في بيان استدلال أئمة المذاهب الكبرى، أو الرجوع إلى مصادرهم وأحياناً تنقل عبارات بالمعنى فتغير المعنى كما حصل في حديث: فليخط خطاً. قال الخطابي: ضعفه أحمد، وقال الشوكاني: صححه أحمد. وقال الشوكاني أيضاً: صححه البيهقي، بينما قال السيوطي ضعفه البيهقي. والحقيقة أن نص البيهقي ليس صريحاً في تصحيحه ولا في تضعيفه، فإنه قال: لا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى. ٤ ـ مشكلات الامتحانات: لا يوجد بين أيدي الطلاب ولافي كتب الحديث أسئلة نموذجية محلولة بشكل مدروس ومنظم، وهذا يزيد الامتحانات صعوبة، وخاصة عندما لا يحضر مدرس المادة مراقبة الطلاب في امتحانهم، فإن بعض الطلاب قد لا يفهم المطلوب من الأسئلة تماماً. وقد تقتصر الأسئلة على سرد معلومات من الذاكرة فقط، دون أن يكون من بينها ما يساعد على معرفة مقدرة الطالب على التفكير والتحليل والاستنتاج. لذا ينبغي أن يحضر مدرس المادة إلى قاعة الامتحان يوم الامتحان، وأن يحل للطلاب أسئلة نموذجية في أثناء العام الدراسي، وأن ينوع الأسئلة إلى أسئلة حفظ وفهم وتطبيق، واختبار للقدرات العقلية العليا أيضاً تحليلاً وتركيباً وتقويماً، فليكن استفتاح أسئلته متنوعاً: اذكر، عدد، ما شروط؟ قارن، علل، صف، حلل، لماذا؟ كيف توفق وتحل؟ ما رأيك في؟ هل توافق على؟. وليجعل لأسئلة الحفظ والتذكر ٢٥% مثلاً، وللفهم ٢٩% وللتطبيق ٢٥% ولاختبار القدرات العقلية العليا بالتحليل ٧% وبالتقويم ٧% وبالتركيب ٧% مثلاً. (ج) المشكلات التي ترجع إلى الطالب: ١ ـ ضعف مستوى المتوجهين إلى الكليات الشرعية:

стр. 142

يلحظ في لبنان أن المتفوقين في دراستهم الثانوية يتوجهون غالباً إلى دراسة الطب والهندسة والصيدلة وعلوم الحاسوب، وأن الذين يتوجهون إلى الكليات الشرعية لديهم ضعف عام في المستوى الثقافي، وفي علوم اللغة العربية والتعبير، وبعضهم لديه ضعف في المستوى الذهني. ويلحظ عند تصحيح الامتحانات أن بعض الطلاب لا يميزون بين الأصل والفرع فينساقون وراء بعض الفروع ويركزون عليها في دراستهم للامتحان، أو تلفت نظرهم معلومة غريبة قد لا تكون أساسية فيجعلونها محور دراستهم، ويحولون ورقة الإمتحان منبراً للخطابة والإنشاء، كأنهم لا يعرفون أنهم يكتبون في علوم الحديث. ويزيد مستوى الضعف أحياناً وجود بعض الطلبة من غير العرب الذين لا يحسنون اللغة العربية فيكثرون مقاطعة المدرس ليستفسروا عن معاني ألفاظ عربية لم يفهموها. وقد يكون بعض هؤلاء الطلاب قد تسجلوا في الكليات الشرعية للحصول على إقامة البلد فقط والتفرغ للعمل لا لدراسة الشريعة. لذا كان لا بد - للتغلب على هذه المشكلة - من اختيار النجباء المتفوقين في دراستهم الثانوية واستقطابهم - بتأمين ما يلزمهم - وتفريغهم لدراسة الشريعة. ٢ ـ مشكلة الانتساب وعدم التفرغ: إن نظام الانتساب واقع بالرغم من الضعف العام في مستوى المتوجهين إلى الكليات الشرعية، وتضطر معظم الكليات الشرعية إلى قبول المنتسبين بدون أن يتفرغوا، وتجعل دوام الدراسة مسائياً، بعد أن يكون الطلاب قد أنهوا أعمالهم ووظائفهم فيأتي الطالب مرهقاً، وقد يصل إلى صفه متأخراً عن بداية الدرس، وغالباً ما يتغيب عن حضور الدروس لمشاغله العائلية. وهكذا يدرس معظم الطلاب على أنفسهم، بدون الحضور على الشيوخ المختصين. فلا يتشبع الطالب بروح المادة، ولا يعرف الأولويات في المادة، ويقع فيما وقع فيه من درسوا على أنفسهم من غير شيوخ من كثرة التناقضات والعجائب.

стр. 143

ويؤدي الانشغال بالوظائف والأعمال وعدم التفرغ للدرس إلى نقص في المذاكرة وإلى نقص في زيادة العلماء ومخالطتهم، وإلى ضعف في المشاركة الصفية، وكل ذلك يؤدي إلى تشييخ الكتاب بدلاً من الشيخ العالم، وفشو الجهل بين طلبة الكليات الشرعية، وقديماً قالوا: من أعظم البلية تشييخ الصحيفة. إن الكتب عون للمذاكرة، ولا يستغنى بها عن مجالس العلماء والأخذ عنهم، ولقد قال الشافعي ﵁: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام. وقال في ديوانه: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وصحبة أستاذ وطول زمان إن مشكلة عدم التفرغ لطلب العلم هي أعظم مشكلة لمن أراد أن يدرس علوم الحديث، ويزيد هذه المشكلة تعقيداً أن الطالب قد ينجح ويتخرج من الكلية لسبب أو لآخر ثم بدلاً من الالتفات إلى تمكين نفسه في علوم الحديث وتحصيل ما فاته أيام الانتساب إلى الكلية، تراه بعد تخرجه مباشرة، يضاعف من عمله الدنيوي لشراء منزل وأثاث وسيارة، وينصرف للبحث عن زوجة وبناء أسرة، وتمر الأيام والليالي دون مذاكرة لما درسه، ودون تحصيل لما فاته، فيمسح من ذاكرته ما كان فيها وكأنه ما رأى علم الحديث في حياته ولا شاهد شيئاً أو سمع شيئاً من مصطلحاته. إن علم الحديث لا يمكن التمكن فيه بدون التفرغ لتحصيله، إنه علم ينبغي أن لا يترك ساعة. إنه العلم الذي قيل فيه: من أراد أن يتركه ساعة فليتركه الساعة. وأحيل في هذا المقام طلبة الحديث إلى قراءة ما جمعه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في كتابه صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل. (د) المشكلات التي ترجع إلى المدرس والكلية والمجتمع: ١ ـ تدريس مواد الحديث غير المتخصصين بها:

стр. 144

كثيراً ما يسند في لبنان تدريس مواد الحديث كالمصطلح والتخريج وأحاديث الأحكام إلى متخصص في الفقه أو التفسير أو غير ذلك، بسبب قلة المتخصصين في علوم الحديث لتغطية التدريس في جميع الكليات والمعاهد في البلد، ومعلوم أن غير المتخصص لا يمكنه اكتشاف الأخطاء الطباعية، والسقط، والتصحيف في الأسماء والمصطلحات، ولا يخلو كتاب مطبوع من هذه الأمور، فيزداد الطين بلة. وغير المتخصص لا يمكنه زيادة الكتاب إيضاحاً، بل قد يصرف الطلاب عن المقصود الأعظم منه، فإن كان المدرس متخصصاً في الفقه حول حصة الحديث إلى حصة في الفقه، وإن كان متخصصاً في التفسير حولها إلى حصة تفسير، وهكذا حتى لا يشعر الطالب بخصوصية وتميز لعلوم الحديث، فتصير مهمشة في حسابه. ٢ ــ تهميش دور علوم الحديث في الكلية والمجتمع: إن معظم الكليات في لبنان تهمش دور علوم الحديث، وتعتبر هذه المادة ثانوية فتعطى وقتاً قصيراً مثلما تعطى مواد علم النفس والاجتماع والفلسفة. وبسبب عدم كفاية ساعات التدريس المقررة لعلوم الحديث، فإن الطالب لا يكمل دراسة مادة المصطلح كلها، فيترفع إلى صف أعلى يحتاج فيه في هذه المادة ليفهم أحاديث الأحكام، فلا يفهمها كما ينبغي، لعدم استكماله دراسة أصول الحديث. ومن جهة ثانية فإن مدرسي المساجد يهملون تدريس الحديث فيها، وقد يدرسون كل شيء إلا الحديث، وهذا يجعل مادة الحديث الشريف غير شعبية بعكس المواد الفكرية الأخرى التي يكثر الاهتمام فيها في الكليات والمساجد ويكثر عقد الندوات والمؤتمرات لأجلها. ومن تهميش دور علوم الحديث عدم التنسيق بين مدرسي مواد الفقه وتفسير آيات الأحكام وعلوم الحديث، فالموضوعات التي يدرسها الطالب في الحديث يدرسها الطالب في الفقه ويدرسها في تفسير آيات الأحكام. وهكذا تتكرر المادة الواحدة بأسماء مختلفة، مما يؤدي إلى ملل الطالب وعدم قدرته على التمييز بين المواد.

стр. 145

وربما يعود تهميش دور علوم الحديث إلى فئة في المجتمع تقول: إن الفقه هو ثمرة علم الحديث، وطالما أننا حصلنا على الثمرة في كل المذاهب الفقهية فلا داعي للتوسع في علوم الحديث. وهذا كلام ضرره أكثر من نفعه، ويؤدي إلى تنافر بين أهل الحديث وبين أهل الفقه، لا بد من توسيع آفاق الطالب بمعرفة أدلة الشريعة، والأنس بغير مذهبه، لأن الدليل الواحد قد يكون له توجيهات متعددة، كإفادة الأمر الوجوب أو السنية، وإفادة النهي التحريم أو الكراهة، وهل العام خصص أو بقي على عمومه؟ وهل المطلق قيد أو بقي على إطلاقه؟ لذا كان من الأهمية بمكان تقديم دور علوم الحديث لتحتل موقعها المناسب، لارتباطها الشديد بالعلوم الأخرى. وإذا لم تأخذ علوم الحديث مكان الصدارة بين بقية العلوم فلن تتقدم العلوم كلها. وكيف يهمش دور الحديث الشريف وعلومه! وهو المبين لكتاب الله ﵎!. توصيات: أولاً: أقترح لترطيب جفاف مادة المصطلح إدخال التطبيقات على الكتب المؤلفة فيها، وتسهيل هذه الكتب باستخدام الوسائل التوضيحية كالمشجرات والدوائر والحلقات. ثانياً: تأليف ثلاثة كتب مختلفة في مصطلح الحديث لمراعاة المرحلة التي يدرسها الطالب. (١) الكتاب الأول للمرحلة الثانوية بحيث لا يحوي كل قوانين المصطلح بل أهمها فقط، مع أمثلة وتطبيقات مبسطة، ولا يكون في الكتاب مسائل خلافية. (٢) الكتاب الثاني للمرحلة الجامعية بحيث يحوي قوانين المصطلح مع أمثلة وتطبيقات أوسع، وبعض المسائل الخلافية، ليعرف الطالب أن هذا العلم مبني على الاجتهاد. (٣) الكتاب الثالث لمرحلة الدراسات العليا بحيث يتوسع الطالب ويتعمق في بحث بعض مسائل المصطلح الخلافية والشائكة ويتعرف إلى مناهج المتقدمين والمتأخرين. ثالثاً: أوصي القيمين على الكليات الشرعية بعدم إسناد مواد الحديث لغير المتخصصين في علوم الحديث.

стр. 146

ـ وتشجيع الطلاب النابهين بشتى الوسائل على التخصص بالمواد الشرعية وخاصة علم الحديث منها، فإن حاجة مجتمعاتنا إلى علماء الحديث أكثر منها إلى الأطباء والمهندسين. ـ وتفريغ الطلاب طوال النهار للدرس من الصباح حتى المساء، وحذف المواد الثانوية من البرامج. ـ أما المنتسبون فلا تقفل الأبواب دونهم، ولكن يدرسون عدداً أكبر من السنوات ويمتحنون حتى يتأهلوا للتخرج مُتَمَكِّنِين. رابعاً: أوصي إخواني الطلبة بأن ينموا في أنفسهم الشعور بالمسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقهم، وأن يعملوا بجد ومثابرة دون ملل، فإن العلوم لا تدرك دفعة واحدة، ولكنها تدرك مسألة مسألة. كما أوصيهم ونفسي بالإخلاص، والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء الدائم أن يفتح لهم بسيدنا محمد ﷺ . سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

стр. 147

الصعوبات التي يواجهها الطلبة في مساق علوم الحديث أسبابها وعلاجها د. عبد العزيز شاكر حمدان الكبيسي أستاذ الحديث المساعد بقسم الدراسات الاسلامية جامعة الإمارات العربية المتحدة مقدمة البحث: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن علوم الحديث من أهم العلوم الإسلامية وأجلها، وأحقها بالتعليم والتعلم، وأولاها بكل اهتمام وعناية، فبها يعرف الحديث الصحيح من السقيم، ومن خلالها نقف على البيان لكتاب الله تعالى وتفصيل آياته، وتوضيح أحكامه. وهي العلوم التي أدت لنا أحاديث النبي ﷺ ، وأسمعتنا منير حروفها، وأرتنا مواقع العبر، وبصرتنا معالم الاقتداء، ومثلت لنا الأسوة الحية في شخصه ﷺ . وهي العلوم التي حرست الدين، وحمت الشريعة من كذب الكاذبين، وافتراء المبطلين، وجهل المسلمين، ولهذا لقيت هذه العلوم عناية فائقة من العلماء في كل عصر من العصور وعلى مدار الاجيال والأزمان، فصنفت فيها المصنفات الكثيرة، وكتبت فيها الدراسات والتحقيقات، وخدمت قواعدها ومبادئها وتواتر الناس على دراستها، ولكن مما يلاحظ أن كثيراً من طلبتنا يعانون صعوبة في فهم تلك القواعد والمبادئ والمصطلحات، ونلمس ضعفا واضحا في استيعابها. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي تلك الصعوبات التي يواجهها طلبتنا في فهم مقررات علوم الحديث؟ وما هي أسباب ضعفهم؟ وما هو السبيل لعلاج تلك الصعوبات؟ وما هي العوامل التي يمكن أن تساعدهم في تجاوزها؟ في هذه الورقة نحاول الإجابة على هذا التساؤل المطروح، داعيا المولى ، أن يوفقنا في تلمس سبيل العلاج، إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. تمهيد في التعريف بعلوم الحديث وثمرتها تعريف علم الحديث دراية: قال عز الدين ابن جماعة: علم الحديث» علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن «.

стр. 148

وبتعبير آخر هو مجموع القواعد والمباحث الحديثية المتعلقة بالإسناد والمتن، أو بالرواي والمروي حيث تقبل أو ترد. وهذا العلم له تسميات عديدة هي:» علم مصطلح الحديث «و» علم الحديث «و» علوم الحديث «و» أصول الحديث «. موضوعه: موضوع علم الحديث دراية يشتمل على الراوي والمروي أو السند والمتن من حيث القبول أو الرد أو التوقف، فهو يبحث في حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وما يتصل بها من أحكام، كما يبحث في حال الرواة وشروطهم، وأنواع المرويات وما يتعلق بها من مسائل وأحكام. ثمرته: تتمثل ثمرة هذا العلم في معرفة المقبول من المردود، وبمعرفة المقبول يعرف الحديث المعمول به الذي يثبت به الحكم الشرعي، أو يفصل به حكم ورد مجملا في القرآن الكريم، أو يفسر به أمر مبهم، وهكذا. وبمعرفة المردود يعرف الحديث الموضوع أو الضعيف الذي لا يعمل به فيترك وينتبه إليه المسلمون فلا يغترون به ولا يحتجون بما جاء فيه، ولا يعملون به، وتتركز ثمرة هذا العلم في الحفاظ على الشريعة الإسلامية، وأحكامها، وأدلتها. المبحث الأول أسباب الصعوبات التي يواجهها الطلبة في مساق علوم الحديث من خلال التتبع والاستقراء لواقع مساق علوم الحديث في جامعاتنا واستطلاع آراء الطلبة يمكننا أن نقسم أسباب الصعوبات التي يواجهها طلبتنا في فهم مقررات مساق علوم الحديث إلى ما يأتي: أولا: أسباب تتعلق بالمنهج. ثانيا: أسباب تتعلق بالمدرس. ثالثا: أسباب تتعلق بالطالب وهو محور العملية التعليمية. رابعا: أسباب أخرى متفرقة. أولا: الأسباب المتعلقة بالمنهج: وتعد هذه الأسباب من العناصر الرئيسة التي يهم في عدم استيعاب طلبتنا الاستيعاب الكامل لمبادئ مصطلح الحديث وقواعده، وهذه الأسباب هي: أـ كثافة المنهج:

стр. 149

حيث وجدت من خلال التجربة العملية في تدريس المساق، كثافة المقررات التي لا يمكن تغطيتها في فصل دراسي واحد، فمن المعلوم أن الفصل الدراسي الواحد في الغالب يشتمل على ستة عشر أسبوعا، وبما يعادل ثمانية وأربعين ساعة. وهي في حقيقتها تعادل أربعين ساعة فقط بعد طرح أوقات الاستراحة منها وإذا ما طرحنا من تلك الأسابيع الستة عشر: أسبوع الامتحانات (امتحان السعي والمنتصف) وأسبوع المراجعة في نهاية الفصل، والذي يتغيب عنه الطلبة في أغلب الأحيان سيتبقى لدينا أربعة عشر أسبوعا متمثلة في (٣٥) ساعة فقط. فيا ترى هل يمكن لتلك الساعات أن تؤدي إلى استيعاب مقررات علوم الحديث؟ وهل باستطاعة تلك الساعات العجاف أن تسهم في تخريج جيل من الطلبة قادر على فهم مصطلح الحديث وقواعده؟ ب -الكتاب الدراسي المقرر: ومما يتعلق بهذا الجانب: عدم ارتباط جزئيات منهج الكتاب وموضوعاته بعضها ببعض من جانب، والإيجاز المخل من جانب آخر. ولو أخذنا على سبيل المثال: الكتاب المقرر في قسمنا بجامعة الإمارات، وهو كتاب (الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث) للشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله تعالى ـ وأصل الكتاب للحافظ ابن كثير. ومن المعروف أن الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ قد اختصر بكتابه هذا» علوم الحديث «لابن الصلاح المشهور بمقدمة ابن الصلاح، وقد جاء اختصاره مخلا في كثير من الأحايين، كما لا يخفى على أهل الاختصاص، وعذره في ذلك أنه قد وضع ذلك لأهل عصره فأراد العلامة أحمد شاكر ﵀ ان يعالج هذا الاختصار، فكتب تعليقاته عليه، وسماها» الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث «ولا شك أن الأسلوب الذي كتب به تعليقاته تلك يختلف عن أسلوب الحافظ ابن كثير. إن كتاب الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - على جلالة قدره، ومكانة صاحبه العلمية التي لا تخفى على كل مختص، لكننا نجد عند الطلبة صعوبات كثيرة في دراسته دراسة منهجية نظامية وذلك بسبب ما يأتي:

стр. 150

١- افتقار الكتاب إلى الترتيب المنهجي، وذلك لكونه مختصرا لكتاب ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - الذي أملى كتابه شيئا فشيئا عندما تولى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية بدمشق، ولهذا لم يحصل ترتيبه على الوجه المناسب، فجاء كتاب الحافظ ابن كثير كأصله. ٢- عدم ذكر الأمثلة التوضيحية لكثير من المصطلحات التي أوردها في كتابه كما هو الحال في الحديث الصحيح، والحسن، والمرفوع والموقوف والمقطوع، والمرسل، والشاذ، والمنكر، والمضطرب، والمدرج. ٣- عدم ذكر الحكم المتعلق بمصطلح ما، وإغفال ذكر مظانه أحيانا كما فعل في الحديث المضطرب. ٤- عدم ذكر التعريف عند الحديث عن نوع ما من أنواع الحديث، مكتفيا بذكر أقسامه أو بعضها، كما فعل في الحديث المقلوب والمسلسل. ٥- صعوبة عبارته. ثانيا: الأسباب المتعلقة بالمدرس: وهذه الأسباب التي تتعلق بالمدرس الذي ينهض بتدريس المساق يمكن إجمالها في عدة نقاط، هي: أـ عدم التخصص: حيث نجد أن بعض المدرسين الذين ينهضون بتدريس علوم الحديث في جامعاتنا ليسوا من المتخصين في هذا المجال، كما هو الحال في بعض الجامعات الإسلامية ولا يخفى أن غير المختص وإن تمكن من إدارة الفصل، لكنه لا يمكن له أن يوصل المادة العلمية إلى أذهان الطلبة كما ينبغي. ب ـ عدم عناية بعض المدرسين بالطلبة الضعفاء، وعدم الحرص على رفع مستواهم للحاق بزملائهم الآخرين. ج ـ تعويد بعض المدرسين الطلبة على الحفظ فقط. د ـ فقدان معاني التشويق والإثارة العلمية في طرح موضوعات المساق من قبل بعض المدرسين. هـ ـ الاقتصار على الجانب النظري في التدريس وإهمال الجانب التطبيقي وعدم الربط بين مناهج المحدثين في تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتوثيق الرواة وتجريحهم بمبادىء مصطلح الحديث وقواعده، مما يفقد الطالب القدرة على أن تكون له الملكة الحديثية التي تمكنه من استيعاب موضوعات المساق وتذوقها. ثالثا: الأسباب المتعلقة بالطالب: وهذه الأسباب هي:

стр. 151

أ - طريقة الاستذكار الخاطئة من قبل بعض الطلبة. ب- كثرة غياب بعض الطلبة عن حضور المحاضرا ت الدراسية للمساق. ج -كثافة المواد الدراسية التي يقوم الطالب او الطالبة في التسجيل فيها، مما ينعكس ذلك سلبا على القدرة في الاستيعاب بسبب الإرهاق. وزحمة الجدول الدراسي وكثافته في اليوم الواحد. د -عدم متابعة الطالب أو الطالبة لشرح المدرس في الفصل الدراسي، والتشاغل عن المحاضرة، ولا سيما في الفصول ذات الكثافة الطلابية الكبيرة. رابعا: أسباب أخرى متفرقة: ومن أهمها: كثافة الفصول الدراسية: حيث نلاحظ كثرة أعداد الطلبة المسجلين في الشعبة الواحدة، حيث يصل عددهم ما بين أربعين إلى خمسين طالبا أو طالبة. ولا شك أن هذه الكثافة في الفصل الواحد تؤدي إلى عدم تمكن بعض الطلبة من استيعاب الموضوعات من جهة، وعدم تمكن مدرس المساق من إيصال المادة العلمية إلى جميع الطلبة من جهة أخرى وبخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار تفاوت الطلبة في قدراتهم الاستيعابية، وطاقاتهم العلمية. المبحث الثاني مقترحات وتوصيات لعلاج تلك الصعوبات وبعد أن وضعنا النقاط على الحروف، والحروف على السطور، ووقفنا معا على أسباب الصعوبات التي يواجهها الطلبة في فهم مقررات مساق علوم الحديث، أضع بين يديكم مجموعة من التوصيات والمقترحات التي يمكن أن تسهم في علاجها، وهي: أولا: الدعوة إلى الاستفادة من تقنيات التعليم المعاصر، وأدوات الثورة المعلوماتية الهائلة التي نشهدها اليوم، وتفعيل عملية التعلم من خلالها، وتسخير ذلك في تدريس مساق علوم الحديث، وتطوير طرق التدريس في ضوء هذه المتغيرات التقنية، والانتفاع من وسائل الإيضاح الحديثة. ثانيا: طرح مساق علوم الحديث على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) وتضمين موقع المساق الوصلات التي تمكن الطالب من الوصول الى المواقع الحديثية الموجودة على الشبكة.

стр. 152

ثالثا: استخدام البرمجيات المختصة في علوم الحديث، والاستعانة بها في التدريس، فضلا عن البحث، وتوجيه الطلبة الى الاستفادة منها، وتزويدهم بمهارات التعامل مع المعلومات والمعرفة المتطورة. رابعا: التركيز على غرس حب القواعد الحديثية في نفوس الطلبة، وذلك من خلال بيان الفضل الكبير، والأجر العميم في تعلم هذه القواعد، وكونها تسهم في الحصول على الميراث النبوي الكريم والتشرف بحمل لقب الوراثة لرسول الله ﷺ . خامسا: ضرورة العمل على ربط منهج المحدثين النقاد في تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتوثيق الرواة وتجريحهم بمبادئ مصطلح الحديث وقواعده وعدم الاقتصار على الجانب النظري في هذا الميدان. سادسا: طرح مساق علوم الحديث في فصلين دراسيين متتاليين تحت مسمى: علوم الحديث (١) وعلوم الحديث (٢) ، وذلك لتمكين الطلبة من استيعاب المقررات الكثيرة المطلوبة في هذا المساق. سابعا: خفض كثافة الفصول الدراسية ليتمكن الطلبة من المشاركة في الحصة الدراسية، والتفاعل معها، وأخذ حظهم من الأسئلة والمناقشة. ثامنا: دعوة الأساتذة الذين ينهضون بتدريس مساق علوم الحديث إلى اتباع الأساليب المشوقة، واصطحاب الإثارة العلمية في طرق تدريسهم، وغرس معاني التذوق الحديثي في نفوس الطلبة. تاسعا: وضع كتاب دراسي يقوم على استيعاب جميع أبحاث المصطلح بشكل يناسب مستوى الطلبة الدراسي، ويمكنهم من فهم المصطلحات الحديثية واستيعابها وذلك من خلال منهجية تقوم على البدء بتعريف المصطلح أولا، ثم ذكر أمثلة توضحه، ثم بيان أقسامه إن كان له أقسام، ثم العروج على بيان حكمه، ثم بيان المصنفات التي صنفت فيه، وهكذا.

стр. 153

وهذا ما فعله - على سبيل المثال لا الحصر - الدكتور محمود الطحان في كتابه (تيسير مصطلح الحديث) حيث قام بتقسيم كل بحث الى فقرات مرقمة متسلسلة مبتدئا بتعريفه، ثم بمثاله، ثم بأقسامه، وهكذا حتى يختتمه بذكر أشهر المصنفات فيه. متبعا أسلوبا علميا واضحا لا تعقيد فيه ولا غموض، وعبارة سهلة قريبة إلى الأفهام. ولكن مما يؤخذ على هذا الكتاب أن مؤلفه - على الرغم من إعادة طبعه للكتاب مرات كثيرة - لم يعد النظر فيه منذ عام ١٩٨٥م، ولم يفكر ببيان المصنفات التي طبعت منذ تلك الفترة وحتى يومنا هذا. عاشرا: الحرص على ربط جزيئات المنهج بعضها بالبعض الأخر. حادي عشر: دعوة المدرسين المختصين في تدريس المساق إلى توعية الطلبة بالطريقة المثلى لدراسة مبادئ مصطلح الحديث وقواعده. ثاني عشر: الدعوة إلى الاهتمام بالطلبة الضعفاء، وتوجيه الأسئلة المناسبة لمستواهم، وتشجيعهم على المشاركة في الحصة الدراسية. ثالث عشر: توجيه الطلبة إلى الرجوع إلى المكتبة الحديثية والاستفادة منها وعدم الاقتصار على الكتاب الدراسي المقرر فقط. وفي نهاية المطاف أقول: إن مما لا شك أن دعم العملية التعليمية والبناء العلمي السليم يكون دائما على أسس العقيدة والأخلاق، وأن العمل ما لم يكن رائده الإخلاص، ومستودعه الغزارة العلمية، ومحبة نفع الآخرين، لم يثمر نفعا وقبولا بين رواده ومستقبليه، نسأل الله تعالى أن يعين الجميع على تحقيق هذه المعاني، وتطبيقها، إنه نعم المولى ونعم النصير. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين

стр. 154

صعوبة فهم علوم الحديث الأسباب والعلاج د. صالح يوسف معتوق الأستاذ المشارك في الحديث وعلومه في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي. مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. فإن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، ولولاها لأشكل علينا فهم كثير من النصوص القرآنية، وبها تمت النعمة، وكملت الشريعة الإلهية. وإذا كان القرآن الكريم قد تكفل الله تعالى بحفظه؛ فوصل إلينا بطرق لا يتطرق إليها أدنى شك أو شبهة، فإن حفظ السنة النبوية من الدخيل قد وُكل إلى الأمة التي وفقها الله تعالى إلى ذلك، ففتح على علمائها-بعد أن رأى إخلاصهم وجهودهم- أبواباً من علوم توثيق الأخبار والمرويات ودراسة الأسانيد والمتون، فتم جمع السنة وتدوينها، ودونت الضوابط والقواعد التي اتبعت في قبول الأخبار وردها مما لم يكن معروفاً عند أرقى الحضارات آنذاك، وأُطلق على هذا العلم اسم علوم الحديث أو مصطلحه، وبات هذا العلم مفخرة يباهي بها علماء المسلمين جميع الأمم. وبعد تدوين السنة وعلومها في مصنفات، باتت جهود العلماء منصبة على إيصال هذه الكتب إلى الأجيال التالية، وعلى التنقيح والضبط والتقعيد والتمحيص، وأضحى كل جيل يحمل مشاعل هذا العلم إلى من يليه، وقد يضيف لبنة جديدة، أو يدعم رأياً ويصوبه، أو يضعفه ويرده.

стр. 155

وكان كلما تقدم الزمن قل عدد العلماء الذين نذروا أنفسهم لهذا العلم، إلى أن أصبح في القرن الرابع عشر الهجري (١) يعتبر من نوافل العلوم، ولا يدرس إلا دراسة سطحية تقتصر على حفظ التعريفات، وانصرف الطلبة بل العلماء أيضاً إلى الاشتغال بعلم الفقه، لحاجة الناس إليه في النوازل المستجدة، وطمعاً في منصب القضاء، وشاع عند هؤلاء المتأخرين مقولة: (إن علم الحديث نضج واحترق) . وأدت هذه المقولة إلى عزوف الطلبة عن دراسة علم لا مجال للنبوغ فيه، أو الزيادة عليه. وفي النصف الثاني من القرن السابق عادت مظاهر الاهتمام بتدريس هذا العلم، فأنشئت كليات تدرس علوم السنة وعلوم القرآن وعلوم العقيدة، وعُرفت باسم كليات أصول الدين، وافتتحت في مرحلة الدراسات العليا تخصصات في كل علمٍ من العلوم المذكورة، وتخرج منها أناسٌ حملوا شهادات عالية (ماجستير ودكتوراة) في السنة وعلومها، وقاموا بتدريسها للطلبة في الكليات الشرعية بعد أن كان يقوم بذلك أي متخصص في علوم الشريعة عموماً، واعتبر هذا العلم علماً ضرورياً، ومتطلباً رئيساً لكل طالب جامعي في الدراسات الإسلامية، ينبغي أن يكون فيه متخصصون يتابعون مسيرة السابقين ويبنون عليها، وكان من نتائج هذا الاهتمام بروز أعلام ارتبطت أسماؤهم بجهودهم في خدمة علوم السنة تدريساً وتصنيفاً.

стр. 156

وبالرغم من هذه الجهود المشكورة في إعادة إحياء هذا العلم، إلا أنه ظهرت مشكلات في تدريسه، فإن كثيراً من الطلبة لم يفهموه، ولم يدركوا أهميته بالنسبة للعلوم الأخرى فدرسوه للنجاح فقط، وأُهمل ونُسي بعد ذلك، وشكا الطلبة من صعوبة هذا العلم، وعدم تمكنهم من استيعابه، واختلطت عليهم مفاهيمه وموضوعاته، وتناقل الطلبة هذه المشكلات، وورثوا لأخلافهم أن النجاح في هذا العلم يعتمد على حفظ المصطلحات لا على الفهم والاستنباط. ومن المشكلات التي رافقت إحياء هذا العلم أيضاً ظهور فوضى في تصحيح الأحاديث وردها، واقتحامُ باب الاجتهاد في الحكم على الأحاديث من قِبل من لا أهلية له من المصنفين والمؤلفين الذين أعادوا دراسة ما اتفق السابقون على قبوله أو رده، فصححوا بعض ما رده الأئمة الأولون، وردوا بعض ما قبلوه، وولج هذا الميدان من لم يقرأ سوى كتاب واحد، أو بضعة كتب؛ ولم يفهم مرادها، ولم يدرك مراميها، وغابت عنه دقائق هذا العلم وتحقيقات العلماء وتمحيصاتهم، فأصبح قراء هذه المصنفات في ضياع وحيرة بسبب هذه الفوضى. ولا يجوز أن نرى هذه الصعوبات تواجه الطلبة ونقف مكتوفي الأيدي من غير أن نبذل جهوداً في إزالتها، ونبحث عن وسائل تساعدهم على استيعاب علوم الحديث، ونخلص الناس من تجرؤ من هب ودب على إصدار حكمه على الأحاديث، وعلى استباحة حِمى السنة بحجة مخالفتها للعقل من قِبل كل ناعق. لذا كان من الأهمية بمكان عقد لقاءات وندوات ومؤتمرات، وإجراء حوارات ومناقشات، للدفاع عن السنة وعلومها، والذود عن حياضها، ولابد من إعداد بحوث ومقالات من قِبل أهل الاختصاص تضع حلولاً للمشكلات التي يعانى منها. وآمل أن تكون هذه الندوة نواة لندوات ومؤتمرات تالية، وأن تكون النتائج والتوصيات التي ستصدر عنها محققة للأهداف المتوخاة إن شاء الله تعالى. وبادئ ذي بدء أود أن أطرح بعض الأسئلة: ١- هل مقرر علوم الحديث ومصطلحه صعب أم لا؟ ٢- وهل هو أصعب من سائر العلوم؟

стр. 157

٣- وهل صعوبة علم ما أمر مريب؟ ٤- وهل يفترض في كل علم أن يكون سهلاً للجميع؟ ٥- وهل هذه الشكوى حديثة أم قديمة؟ ٦- وما أسباب هذه الصعوبة؟ ٧- وما الحلول المناسبة لهذه المشكلات؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في الصفحات التالية بإذن الله تعالى. هل مقرر علوم الحديث صعب؟ إن مقرر علوم الحديث يضم في طياته موضوعات متعددة، وهذه الموضوعات ليست على درجة واحدة من السهولة أو الصعوبة، وتكمن الصعوبة في استيعاب هذه الموضوعات-كلها أو جلها- كونها في فصل دراسي واحد أو في فصلين. وطبيعة هذا العلم تتطلب من دارسه حضور الذهن دائماً مع الذكاء والانتباه، إنه يتطلب مستوى عالياً-نوعاً ما- من الطلبة، كما في علوم الطب والصيدلة ونحوهما من العلوم التي يشترط في قبول طلبتها نسبة عالية من النجاح في الثانوية العامة. وبما أن صعوبة هذا العلم أو عدمها أمر يقرره الطالب المتحمل لهذا العلم فقد رأيت أن أشرك طلبتي (١) (١١٢ طالباً) بالإجابة عن هذه الأسئلة: ١- هل تجد صعوبة في فهم هذا العلم؟ ٢- ما أسباب الصعوبة في رأيك؟ ٣- ما اقتراحاتك لتذليل هذه الصعوبة؟ فكانت نتيجة الجواب عن السؤال الأول على النحو الآتي: أ- ٨٠ ثمانون طالباً أجابوا بـ (نعم) ،أي بنسبة ٧١.٥%،ونصف هؤلاء ذكروا أنهم وجدوا صعوبة كبيرة في فهمه. ب- ٣٢ اثنان وثلاثون طالباً أجابوا بـ (لا) ،أي بنسبة ٢٨.٥%،ومنهم (عشرة طلاب) قالوا (إنهم يجدون متعة في دراسة هذا العلم) ومنهم (عشرة آخرون) وجدوا صعوبة في البداية وبعد فترة سهل الأمر عليهم (٢) .

стр. 158

ومن واقع تدريسي لهذا العلم لاحظت أن جل الطلبة الذين وصلوا إلى مرحلة التخرج نسوا مبادئ هذا العلم، فلا يميزون المرفوع من الموقوف والمقطوع، ولا يفرقون بين المنقطع والمقطوع والمرسل، ولا بين الحديث الغريب وغريب الحديث وغير ذلك، وحالُ الدارسين والخريجين وقالُهم يشهد بأن هذا العلم صعب الفهم والاستيعاب. ولكن هل هذا العلم أصعب من سائر العلوم؟ رأيي المتواضع في هذا الموضوع أن مقرر علوم الحديث وإن كان صعباً يتطلب مستوى معيناً من الطلبة إلا أنه ليس بأصعب العلوم، فهو ليس أصعب من مقرر أصول الفقه، ولا من مقرر النحو، وإن الشكوى من تدني مستوى الطلبة في علم النحو وعدم استيعابهم له مريرة، بالرغم من أن الطالب يدرس هذا العلم في جميع المراحل الدراسية. هل صعوبة العلم أمر معيب؟ إن صعوبة علم ما لا تعيبه ولا تنقص من قدره وأهميته، وإن لكل علم طبيعته التي تناسب بعض المستويات العقلية دون بعض، وكما أن البشر ليسوا على درجة واحدة من الذكاء أو الغباء؛ فكذلك العلوم فيها السهل، وفيها المتوسط، وفيها الصعب. وبما أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يتفاوت أفراد المجتمع في نسبة الذكاء والإدراك والوعي اقتضت أيضاً أن تتفاوت مستويات العلوم، ليجد كل فرد ما يناسب مستواه العقلي، فلا يبغي أحدٌ على أحد، فليس من الحكمة أن تكون جميع العلوم سهلة، كما لا تستقيم الحياة البشرية إذا كان جميع البشر متساوين في الفهم والإدراك. إن العيب ليس في صعوبة هذا العلم، بل العيب كل العيب في أن يُفتح باب التسجيل فيه لجميع المستويات العقلية. وتخيل فيما لو سمح بدراسة الطب مثلاً لكل من نال درجة النجاح في الثانوية العامة، ألن يؤثر ذلك سلباً على مستوى التدريس عموماً؟ وألن تكون هناك شكوى من تعسر هذا العلم على أفهام الطلبة؟ وألا يؤدي وجود هؤلاء إلى تأثير سلبي على الطلبة المتفوقين؟ وهل يعاب علم الطب إذا شكى الطلبة من صعوبته؟. هل الشكوى من صعوبة هذا العلم حديثة أم قديمة؟

стр. 159

ينبغي أن نعلم أن الشكوى من جدية هذا العلم وصعوبته، وقلة من يتأهل له، وانشغال الطلبة بقشوره وظواهره دون الغوص في أعماقه ليست جديدة وليدة هذا العصر، بل قديمة جداً، فإننا نقرأ في مقدمة كتاب علوم الحديث لابن الصلاح (١) المتوفى ٦٤٣هـ كلاماً يشهد لذلك قال: ((إن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم، ويُعنى به محققو العلماء وكَمَلَتُهُم ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسَفِلَتُهم. وهو من أكثر العلوم تولجاً في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء. ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيماً، عظيمةً جموع طلبته، رفيعةً مقادير حفاظه وحملته، وكان علومه بحياتهم حية، وأفنان فنونه ببقائهم غضة، ومغانيه بأهله آهلة، فلم يزالوا في انقراض ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العدد، ضعيفةُ العُدَد، لا تُعنى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلاً، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلاً، مطَّرِحين علومه التي بها جل قدره، مباعدين معارفه التي بها فُخِّم أمره)) . وفي القرن الذي يليه شكا الإمام الذهبي ﵀ المتوفى سنة ٧٤٨هـ من كسل طلبة الحديث، وعدم بذلهم الجهد اللازم للتأهل في هذا العلم، كما شكا من تجرئ غير المتأهلين له على ولوج ميادينه وأبوابه، فقال في كتابه القيم تذكرة الحفاظ (٢) ينصح طلبة الحديث: ((.... ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نَقَلة الأخبار ويجرحهم جهبذاً إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ، والفهم مع التقوى، والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان، وإلا تفعل:

стр. 160

فدعْ عنك الكتابة لست منها ولو سوَّدت وجهك بالمدادِ قال الله : ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ . فإن آنست يا هذا من نفسك فهماً، وصدقاً، وديناً، وورعاً، وإلا فلا تتعنَّ (١) ، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مُخلِّطٌ مُخبِّطٌ مُهْمِلٌ لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البَهْرج، ويَنْكُبُ (٢) الزَغَل، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فقد نصحتك. فعلم الحديث صَلِفٌ (٣) ، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب ((. وقال في موضع آخر يتأسف على ما آل إليه أمر هذا العلم (٤) : ((فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بها أعداء الحديث والسنة، ويسخرون منهم)) .

стр. 161

وشكا أيضاً-مما نشكو منه نحن اليوم- من تطاول البعض على أئمة المحدثين وجهابذتهم، وتنقصه منهم فقال (١) : (( ... فبالله عليك يا شيخ، ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشَّزْر، ولا تَرْمُقنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا، حاشا وكلا!! فما فيمن سَمَّيتُ أحد ولله الحمد إلا وهو بصير بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسِبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: من أحمد؟ وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟ هؤلاء محدثون ولا يدرون ما الفقه وما أصوله؟ ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله بالدليل، ولا هم من فقهاء الملة. اسكت بحلم، أو انطق بعلم، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء، ولكنَّ نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث. فلا نحن ولا أنت. وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه. ومن تكلم بالجاه وبالجهل أو بالشر والبأو فأعرضْ عنه، وذره في غَيِّه، فعقباه إلى وبال. نسأل الله العفو والسلامة)) . وقال في سير أعلام النبلاء (٢) : ((فقد عم البلاء، وشمِلت الغفلة، ودخل الدَّخَل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتب على الفقهاء وأهل الكلام)) . أ. هـ. وإذا قلنا إن علم الحديث صعب بطبيعته، يتطلب مستوى معيناً من الفهم؛ فإننا لا ندعو بذلك إلى الاستكانة لهذه الصعوبة، وعدم البحث والتنقيب عن طرق ووسائل تُيَسِّر فهمه، وتوضح غوامضه لطلبته، وتذلل لهم الصعوبات التي يواجهونها. بل إننا نطالب بالاستفادة من وسائل التعليم الحديثة وأساليبه بما يتلاءم مع علومنا.

стр. 162

وقبل البحث عن وسائل تذليل الصعوبات يجدر بنا أن نقف وقفة نحدد فيها الأسباب والعوائق التي تحول بين الطلبة وبين فهمهم واستيعابهم هذا العلم. الأسباب والعوائق: إن أسباب ارتياح الطالب لعلم ما وحبه له، أو نفوره منه وبغضه له، ترجع إلى واحد من أربعة عناصر تتكون منها العملية التعليمية، وهي: ١- أسباب تتعلق بالطالب. ٢- أسباب تتعلق بالمدرس. ٣- أسباب تتعلق بطبيعة العلم. ٤- أسباب تتعلق بالكتاب المقرر. ومن خلال الإجابات التي تلقيتها من الطلبة وجدت إجاباتهم تدور حول ما يلي (١) : أ- ما يتعلق بالطالب: ١- جدة هذا العلم وجهلهم السابق به (ذكره أكثر الطلبة) . ٢- الإهمال، وعدم التحضير والمذاكرة إلا ليلة الامتحان. ٣- عدم الاستفسار من الأستاذ عما هو غامض بسبب الخجل. ٤- وَهْمٌ وخوفٌ حصل للطالب بسبب ما سمعه عن صعوبة هذا المقرر من زملائه السابقين. ٥- كثرة الغياب، أو التأخير عن حضور المحاضرات. ب- ما يتعلق بالأستاذ: ١- عدم القدرة على توصيل المعلومة بشكل يتناسب مع مستوى الطلبة. ٢- عدم ربط الجديد بالقديم. ٣- جدية المدرس الزائدة. ج- ما يتعلق بالمقرر: ١- طول المنهاج، وكثرة الموضوعات وتداخلها (ذكره أكثر الطلبة) . ٢- تشابه التعاريف ودقتها، بحيث لو نقصت كلمة منها لاختل المعنى المراد. ٣- كثرة أسماء الرواة، وغرابتها، وصعوبة ضبطها. د-ما يتعلق بالكتاب: ١- صعوبة عباراته، ودقة صياغته. ٢- عدم ترتيب موضوعاته وفق المنهاج المقرر. تلك مجمل الأسباب التي ذكرها الطلبة، وهي أسباب ينبغي أن تحمل على محمل الجد، لأنهم أول المعنيين بهذا الأمر، وهم أعرف من غيرهم بما يواجهونه من عوائق. أسباب أخرى: أريد أن أضيف أسباباً وعوائق أخرى، توصلت إليها من خلال تجربتي في تدريس هذا العلم، ومما سمعته من زملائي، أو من طلبة آخرين، وهي:

стр. 163

١- لا يزال بعض الأساتذة الأفاضل يدرس على الطريقة القديمة في الجلوس على الكرسي طول الوقت، يقرأ من الكتاب-أو يقرأ عليه- ويشرح عباراته، ولا يستخدم أي وسيلة إيضاحية كضرب الأمثلة، أو استخدام السبورة. ٢- إن بعض من يدرس هذا المقرر ليس من أهل الاختصاص الدقيق، وإنما كلف به تكملة لنصابه. ٣- عدم ضرب الأمثلة الواقعية المعاصرة للتمثيل لبعض أنواع علوم الحديث، كالمتواتر أو المنقطع أو الغريب، وصيغ التحمل والأداء وغيرها، فإن الأمثلة إذا كانت كلها قديمة جداً لا ترتبط بواقع الطالب وعصره فسيصعب عليه تصورها وإدراكها إلا عن طريق الحفظ بلا فهم، وإذا ما ربطت بأمثلة واقعية انطبعت في ذهنه ومخيلته، وسهل عليه فهمها وإدراكها. ٤- عدم تأقلم الطالب مع المرحلة العلمية الجديدة (الجامعية) فما زال مرتبطاً ذهنياّ بالمرحلة الثانوية ونظامها. ٥- عدم تطبيق مفردات هذا العلم عند دراسة مقرر شرح الحديث الشريف، فلا يُهتم ببيان اتصال الأسانيد وانقطاعها، ولا بصيغ الرواية والتفرقة بينها ونحو ذلك، مما يُشعر الطالب بأن هذا العالم لا صلة له ولا نسب بدراسة الحديث، فكيف بالعلوم الشرعية الأخرى؟!. ٦- اتباعنا لنظم التعليم الغربية في تدريس علوم الدين الإسلامي عموماً، وعلوم الحديث خصوصاً، بتحديد عدد من الساعات تدرس فيها جميع موضوعات هذا العلم، ويعتبر الطالب بعدها مؤهلاً لأداء ما تعلمه، من غير النظر إلى ملائمة تلك النظم إلى طبيعة هذه العلوم. وأعتقد أن هذا السبب من أكبر العوامل التي حالت بين هذا العلم وبين فهم الطلبة له. وبعد أن ذكرنا أسباب صعوبة فهم هذا العلم عند الطلبة، آن الأوان للشروع في بيان الحلول المقترحة لتذليل هذه الصعوبات، وجعل هذا العلم ميسراً لهم. الحلول المقترحة:

стр. 164

سأبدأ -بعون الله تعالى- بإيراد الحلول التي اقترحها الطلبة (١) ، ثم أردف ذلك ببيان حلول إضافية من خلال تجربتي التدريسية، وسأوزع هذه الحلول على عناصر العملية التعليمية الأربعة: أ- ما يتعلق بالطالب: ١- التحضير قبل الدرس، والمذاكرة بعده. ٢- الإكثار من الأسئلة الاستيضاحية، وعدم الخجل من ذلك. ٣- الحرص على الحضور في أول الوقت. ب- ما يتعلق بالأستاذ: ١- ترغيب الطلبة بهذا العلم ببيان أهميته وثوابه وفضله، وإيراد قصص من جهود السابقين في طلبه، إزالة للملل والجمود. ٢- ألا ينتقل إلى شرح الموضوع الجديد قبل التأكد من فهم الطلبة للموضوع السابق. ٣- الإكثار من توجيه الأسئلة للطلبة للتأكد من فهمهم، وتدريبُهم على الإجابات السليمة. ٤- الاهتمام بالطلبة الضعفاء وإشراكهم في المناقشات والحوارات، وعدم التركيز على المجتهدين. ٥- إعطاء دروس تقوية. ج- ما يتعلق بالمقرر: ١- تقليل كمية الموضوعات المقررة (هذا رأي أكثر الطلبة) . ٢- إعادة صياغة التعريفات بألفاظ مألوفة. ٣- تقسيم موضوعات هذا العلم على عدة فصول دراسية. د- ما يتعلق بالكتاب: ١- أن يكون ملخصاً ومختصراً. ٢- أن يكون مرتباً وفق الموضوعات المقررة. ٣- أن يؤلف كتاب يتضمن شرح الأستاذ وإيضاحاته بحيث يتمكن الطالب من الاستغناء عن الأستاذ. تلكم مجمل اقتراحات الطلبة لتذليل صعوبة فهمهم علوم الحديث، وهي اقتراحات وجيهة، وإن كان بعضها يتعذر تطبيقه في ظل مناهج التدريس الحالية. وأرى أن تلك الأسئلة التي أجاب عنها الطلبة لو وُجهت إلى طلبة في جامعة أخرى لما اختلفت الإجابات عنها كثيراً، لأن الهم واحد، والشكوى واحدة، ومستوى الطلبة متقارب، فعلى القائمين بتدريس هذا العلم أن يتجاوبوا مع هذه المقترحات ما أمكن نفعاً للطلبة. مقترحات أخرى:

стр. 165

إني إذ أتفق مع الطلبة في كثير مما أوردوه إلا أن لي رأياً في هذه القضية ليس مخالفاً لهم بل مكمل، ويمثل عدة اقتراحات: أولاً: ينبغي لأستاذ المقرر أن يبين للطلبة -مراراً وتكراراً-أن القواعد والضوابط التي وضعها علماء الحديث لقبول الحديث أو ردِّه يمكن الإفادة منها في الواقع العملي، ويمكن أن تتخذ منهجاً لقبول أو رد أي خبر يقرأ أو يسمع من وسيلة إعلامية، وأن من يتقن هذا العلم تصبح لديه ملكة في تمحيص الأخبار، فلا تنطلي عليه الشائعات ولا الأكاذيب ولا المبالغات، ويستطيع أن يميز قيمة الخبر الذي اتفقت عليه وسائل الإعلام من الخبر المختلف فيه، ونوعية هذا الاختلاف، ومن الخبر الذي انفردت به إحداها. أمثلة: وصل إلينا خبر دخول القوات الأمريكية إلى أفغانستان بطريق التواتر، فقد نقله جمع من الإعلاميين تحيل العادة اتفاقهم على الكذب، لأنهم يعملون لدى وكالات أنباء أو وسائل إعلامية متعددة، مختلفة المشارب، ومتضاربة المصالح، وهذا الخبر اعتمد على الحس وهو المشاهدة، لا على الاستنباط والاجتهاد، فلا يرفض قبول هذا الخبر أحد. وفي بعض الأحيان تنفرد وسيلة إعلامية بنشر خبر دون غيرها، فإذا كان السامع يثق في هذه الوسيلة ولم يجرب عليها الكذب، ويعتقد صدق مراسلها وثقته وأمانته فإنه سيتقبل هذا الخبر. فيكون مثالاً للحديث الغريب الصحيح. وإذا كان السامع لا يثق بهذه الوسيلة واعتاد منها كثرة الخطأ، أو لا يثق بمراسلها فلن يصدق هذا الخبر. ويكون هذا مثالاً للغريب الضعيف، وقس على ذلك. ونستفيد من باب الاتصال والانقطاع فيما إذا نقل المراسل خبراً شاهده أو سمعه بنفسه، أو عبر مصدر آخر، فإذا أغفل مصدره فالإسناد منقطع ويزعزع ثقة المتلقي بالوسيلة، وإذا ذكر مصدره فالإسناد متصل، وتتوقف صحته على مصداقية المصدر.

стр. 166

ويمكن أن يمثل للحديث الذي ظاهره الصحة وفيه علة قادحة بالإنسان الذي لا يظهر عليه أي أثر للمرض ولا يشعر بذلك، لكنه مصاب بمرض لا يتم اكتشافه إلا بعد مراجعة طبيب حاذق، وهذا الطبيب لا يكتشف العلة إلا بعد إجراء فحوصات مخبرية، وصور إشعاعية، أو صوتية ونحو ذلك. ومن العلامات التي تشكك في صحة الخبر أن تنفرد به وسيلة إعلامية ويكون لها مصلحة في بثه، أو يكون لمصلحة الحزب أو الجهة التي تنتمي إليها، أو لإيقاع فتنة في بلد يخالفها سياسياً أو قومياً أو عقائدياً ونحو ذلك مما يدخل في باب الجرح والتعديل. وقس على ذلك أمثلة كثيرة يمكن أن تتنزل عليها مصطلحات المحدثين. فمن يتقن قواعد علوم الحديث في قبول الأخبار النبوية وردها يستفيد منها في قبول سائر الأخبار. ثانياً: أ- تبين لي بالتجربة أن إعادة شرح الدرس مرة أخرى في المحاضرة التالية، أو تخصيص محاضرة في كل أسبوعين لإعادة ما سبق أفاد الطلبة كثيراً، ورسخ المعلومات في أذهانهم، وتأكد لي فائدة هذا التكرار حين وجدت أحد طلابي يفهم جيداً، ويسأل أسئلة تنم عن فهمٍ وإدراك، فسألته عن سبب ذلك، فأخبرني بأنه سبق له دراسة هذا العلم في جامعة أخرى. إلا أنني لم أواصل التجربة مع طلابي؛ خشية عدم إنهاء الموضوعات المقررة، وهو أمر يحاسب عليه المدرس. ب- إن رسم شجرة الأسانيد على السبورة، وبيان مواضع الانقطاع بأنواعه، أو التفرد، والعزة، والتواتر، والمتابعات والشواهد، والنكارة، والشذوذ، والعلل ساعد كثيراً في تصور الطالب لمعاني المصطلحات، وهو أمر لا يحتاج إلى وقت إضافي كسابقه. وإن تعذر تطبيق ذلك في بعض الأوقات لا ينبغي أن يدعونا ذلك إلى تركه بالكلية، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

стр. 167

ج-تدريب الطلبة على كتابة الأحاديث بأسانيدها المتصلة بأنفسهم، وماذا يحذفون ليكون السند منقطعاً أو معضلاً أو مرسلاً أو معلقاً أو موقوفاً أو مقطوعاً، ويعطون أحاديث بأسانيدها يبينون فيها المتابعة التامة والقاصرة والشواهد، ويبينون صيغ الأداء ودلالاتها، ونحو ذلك. ثالثاً: ينبغي التكرار أمام الطلبة-ليرسخ في أذهانهم-أن عملية الحكم على الأسانيد ليست بالأمر السهل، وأن دراستهم هذه لا تؤهلهم له، فبيان درجة الحديث ليست بمعرفة اتصال السند وعدالة الراوي وضبطه فقط (وهو أمر ظاهر قد يتمكن البعض من إثبات وجوده) بل لابد من فقد الشذوذ والعلة، وهذا أمر متعذر لا على الطلبة بل علينا نحن الأساتذة، ولا يعرف ذلك إلا من أحاط بمجمل السنة وأسانيدها، ومواقع رجالها من الأسانيد، وعدالتهم، وضبطهم، ومعرفة شيوخهم الذين هم أوثق من غيرهم فيهم، وعكسه، وغيرها من أسباب الترجيح بين الرواة والمرويات. فبتكرار هذه المفاهيم نأمن عدم تجرؤ الطلبة على اقتحام باب ليسوا أهلاً له، من غير أن يروا في أنفسهم نقصاً أو عيباً، فإن أساتذتهم يعترفون بذلك أيضاً. رابعاً: تأليف كتاب في علوم الحديث حسب الوحدات الموضوعية المتقاربة، ثم ترتب موضوعات المنهاج المقرر تبعاً له، تكثر فيه الأمثلة، وترسم فيه شجرة الأسانيد التي توضح كل نوعٍ من المصطلحات وتميزه. ولست مع بعض الطلبة الذين اقترحوا تأليف كتاب مختصر، إذ الاختصار يؤدي إلى الغموض، ولكني مع البسط الذي يجلّي الغموض، ويحل المشكلات. خامساً: إنشاء كليات خاصة بعلوم السنة (وهو موجود في بعض الجامعات) يدرس الطالب فيها هذا العلم فصولاً عديدة، وألا يقل معدل الطالب في الثانوية العامة على ٨٠%.

стр. 168

سادساً: إن كثيراً من الآراء ترى أن الحل يكمن بزيادة عدد الساعات، وإني إذ أتفق معها، إلا أني أرى عدم إمكانية التنفيذ كما نرجو، لاصطدامه بمقررات العلوم الأخرى فأصحابها يشكون -أيضاً- من قلة ساعاتها، وكثرة موضوعاتها فلن يمدونا بشيء، وأهل كل علمٍ يتشبثون بما لديهم من ساعات ويطالبون بالمزيد. كما لا يجوز أن نحل مشكلتنا على حساب المقررات الأخرى، فتنتقل المشكلة من علم إلى آخر فنقع في حلقة مفرغة. تلك مجمل الحلول لإزالة صعوبة فهم علوم الحديث عند الطلبة، وهي حلول موجهة إلى عناصر العملية التعليمية الأربعة المؤلفة من الطالب، والأستاذ، والمنهاج المقرر، والكتاب المقرر، وإذا تمت الإصلاحات فيها فلن نسمع-بإذن الله تعالى- بعد ذلك بشكوى الطلبة من صعوبة هذا العلم، ولا بتبرمهم وضجرهم منه. ولكن هل الظروف الحالية لنظام التدريس الجامعي تساعد على تطبيق جميع هذه الحلول؟ إني أشك في إمكانية تحقيق ذلك. وسبب هذا الشك أننا - نحن الأساتذة المتخصصين - محكومون في تدريسنا لعلوم الدين الإسلامي عموماً بنظام التعليم الغربي الذي يطبق في جامعاتنا، وهذا النظام مقيد بسنوات محدودة، وساعات معدودة، يمنح الطالب بعد إنجازها شهادة تفيد أنه صار أهلاً لتدريس هذه العلوم، أو للتصدي للإفتاء، أو الدعوة إلى الله تعالى، مع يقيننا أن جملة هؤلاء ليسوا أهلاً لما رُشحوا له، لقلة حصيلتهم العلمية، وتدني مستواهم العام. إن هذا النظام لم يؤد إلى تدني مستوى الطلبة في علوم الحديث فقط، بل أدى إلى ضعف عام في جل علوم الشريعة كالفقه وأصوله، والتفسير والتوحيد وعلوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة واللغة، كما أدى هذا النظام إلى أن تبوأ سدة الفتوى والإرشاد والتعليم أناس يحتاجون إلى توجيه وإرشاد، وإلى أن تجرأ للاجتهاد في النوازل، والترجيح بين أقوال الفقهاء والمفسرين وعلماء العقيدة من لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد والترجيح.

стр. 169

وفي ذلك يقول أبو بكر الشنتريني - من علماء القرن السادس الهجري-: (ولقد رأيت جماعة من الفقهاء المتقدمين الذين لم يبلغوا درجة المجتهدين قد تكلموا في مسائل من الفقه فأخطأوا فيها، وليس ذلك لقصور أفهامهم، ولا لقلة محفوظاتهم، ولكن لضعفهم في هذا العلم - يعني النحو - وعدم استقلالهم به) (١) . ويقول الشيخ محمد أبو زهرة -رحمه الله تعالى - (٢) : (يجب ألا يتقاصر علم المجتهد عن معرفة أسرارها (اللغة) في الجملة، وذلك لأن الأحكام التي يتصدى المجتهد لاستنباطها وعاؤها أدق الكتب وأبلغها، ولابد لمن يستخرج الأحكام من أن يكون عليماً بأسرار البلاغة، ليتسامى إلى إدراك ما اشتمل عليه من أحكام، وإنه على قدر فهم الباحث في الشريعة لأسرار البيان العربي ودقائقه تكون قدرته على استنباط الأحكام من النصوص)

стр. 170

وتولى تدريس اللغة العربية من لا يتقن قراءة نصف صفحة قراءة سليمة خالية من الأخطاء، فالمرض استشرى، والبلاء عم، بسبب هذه المناهج، وفي ذلك يقول الدكتور محمود الطناحي -رحمه الله تعالى- (١) : (وهاهي نُذُر الفتنة قد أطلت برأسها، فلن يستطيع أحد مهما غلا في تقدير كليته أو معهده أن يزعم أن طالباً متخرجاً في هذا المعهد، أو تلك الكلية يستطيع الآن أن يقرأ سطراً من كتاب سيبويه، فضلاً عن أن يفهمه، أو يحل رموزه، وإذا لم يستطع خريج كلية تعنى باللغة العربية وآدابها أن يقرأ سيبويه، فمن ذا الذي يقرؤه؟ وإذا لم يقرأه في سني دراسته فمتى يقرؤه) . فالعلاج الناجع ينبغي أن يكون شاملاً ليس فقط لعناصر العملية التعليمية، بل لأنظمة التعليم أيضاً، وألا يقتصر العلاج على حل مشكلة علم واحد وإهمال بقية العلوم المرتبطة به، فإن العلوم الشرعية والعربية كالجسد الواحد لايجوز علاج عضوٍ من أعضائه على حساب سائر الأعضاء. إن الحلول التي ذُكرت أولاً حلول جزئية، لا تعالج المشكلة جذرياً، وينبغي أن نطمح وننشد إصلاحاً عاماً. لقد آن الأوان-أيها الإخوة-لإعادة رسم خطط ومناهج التعليم الجامعية في التخصصات الشرعية والعربية بما يتلاءم مع طبيعتها، وعدم إخضاعها لأنظمة التعليم الغربية الغريبة عنها، فيخصص لكل علم الساعات التي تؤهل الطالب لحمله وتدريسه حقيقة، ولو أدى هذا التخطيط إلى زيادة عدد السنوات في المرحلة الجامعية، فهذا ليس بدعاً فهناك تخصصات علمية تزيد عدد سنواتها على أربع، فلماذا لم يلزم أهل هذه التخصصات بسنوات أربع؟ والجواب أن طبيعة هذه العلوم ودقتها لا تكفيها تلك المدة لتأهيل الطالب، وكذلك العلوم الشرعية ينبغي للمختصين وحدهم أن يحددوا عدد السنوات التي تؤهل الطالب من غير ممارسة أي ضغط عليهم.

стр. 171

كما ينبغي للمختصين في هذه العلوم -دون سواهم- أن يحددوا فيما إذا كان الأنفع والأجدى أن تتم الدراسة وفق نظام سنوي، أو فصلي، أو نظام ساعات معتمدة، وإذا كان النظام الأخير قد أثبت نجاحه في بعض العلوم فلا يلزم منه صلاحية تطبيقه على سائر العلوم ونجاحه فيها. ولن يتم إصلاحٌ في ظل النظام التعليمي الحالي، البعيد عن طبيعة علومنا، الذي يدرس فيه علم عظيم ساعات معدودة، لأنه لا يمكننا تأهيل إنسان عالم مستوعب لعلوم الحديث في ساعتين أو ثلاث، بل سيبقى هذا العلم غامضاً، وغير مفهوم له، وعلى من يروم التفوق الاعتماد على نفسه في دراسته على علماء متخصصين خارج أسوار الجامعة. إن مطالبتنا بفهم الطالب واستيعابه هذا العلم في الوضع الحالي كمطالبتنا لإنسان درس علم النحو في بضع ساعات أن يكون نحوياً، مدركاً لموضوعات هذا العلم ومباحثه ودقائقه، مطبقاً له في نطقه وكتاباته!! إن تحقيق هذا المطلب متعذر إن لم يكن مستحيلاً، ويكون مثلنا كمثل القائل: تسألني أم الوليد جملاً ...... يمشي رويداً ويكون أولاً هذه رؤيتي للحل الشامل، وهو إن كان بعيد المنال حالياًَ، إلا أنه يجب علينا ألا نغفله، وأن نسعى إليه ونطمح له، وننادي به، حتى يتم تحقيقه ولو بعد حين. وهي رؤية للعبد الضعيف فإن أصبت فمن الله تعالى، وله الحمد والشكر والمنة على ما وفق وألهم. وإن أخطأت فمني ومن الشيطان - أعاذنا الله منه - وحسبي أن موقفي لم يكن سلبياً إزاء هذه المشاكل، بل أدليت بدلوي، وبذلت جهدي - وهو جهد المقل - وفي ذلك أجر - إن شاء الله تعالى -. ولن يكون العلاج والحلول عند شخص واحد مهما علا قدره، فلا بد من تضافر الجهود، ومناقشة الآراء ودراستها وتمحيصها؛ لنخرج بحلول ناجعة تنسب إلى مجموعة -لا إلى فرد واحد- من أهل الاختصاص والخبرة، فإن رأي الجماعة أقرب إلى الصواب، ويد الله على الجماعة.

стр. 172

أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعاً ويلهمنا الصواب، ويجنبنا الزلل في أقوالنا وأعمالنا وكتاباتنا ومناقشاتنا، وأن يبارك في هذه الندوة وكل من شارك فيها أو ساهم في دعمها، وأن يجعلها الفاتحة لندوات ومؤتمرات أخرى، تعمل في هذا الاتجاه وتيسر للطلبة علوم الحديث وعلوم الشريعة عموماً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 173

أين تكمن الصعوبة في فهم المصطلح ؟ د. محمد أحمد القرشي وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف الإمارات العربية المتحدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين البشير النذير والسراج المنير سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، فإن أكثر ما يتألم به الإنسان عندما يضع المعروف عند غير أهله؛ كما في المثل (زرع أترجة وعند الحصاد وجد حنظلا) وهو حال كثير ممن يحسب على العلم من الأساتذة فيجد بعد برهة من الزمن أن ما بذله من جهد فى سبيل إيصال العلم قد ذهب سدى سيما فى عصرنا الحاضر الذى كثرت فيه الملاهى والمشاغل والأهم من ذلك عدم وجود النية الخالصة والرغبة الصادقة عند الطالب فى تلقى العلم الشرعى ومنه الحديث الشريف وعلومه. فينتهى الأمر فى كثير من الأحيان فى آخر المطاف كما ذلك التائه الذى ضل السبيل فسأل سائلا؛ فقال له: أترى ذلك الجمل الذى بقرب الجبل؟ قال وأين الجبل؟ هذا ما يجده كثير ممن قام بتدريس (مصطلح الحديث) يسأل الأستاذ الطالب عن إسناد الحديث فيقول: أى حديث؟ وعلى هذا فقس. السؤال المطروح هنا، أين تكمن الصعوبة فى فهم المادة؟ وهل المادة صعبة جدا حتى يستصعبها كثير من طلاب العلم خاصة طلاب الجامعات والكليات؟ من السبب فى ذلك؟ هل هو الأستاذ؟ أو الطالب؟ أو المادة العلمية؟ أو الجميع، الأستاذ والطالب بالإضافة إلى المادة العلمية؟ أم أن هناك سببا آخر؟ أقول وبالله التوفيق إضافة إلى العناصر الثلاثة هناك عنصر آخر لم يكن فى أسلافنا ولعله السبب الأهم فيما يجده كثيرمن طلاب العلم من الصعوبة فى فهم المادة ألا وهو أنظمة وقوانين ولوائح بعض الجامعات والكليات وقبل ذلك مناهج التعليم الدراسية وأقصد بذلك المناهج المدرسية وأيضا مقررات بعض الجامعات والكليات.

стр. 174

كما هو معلوم أن العلماء المصنفين وضعوا شروطا (آداب) للأستاذ وأُخر للتلميذ وهذه الشروط (الآداب) لابد أن تتوافر فى الأستاذ والتلميذ فإن اختل شرط واحد اختلت الشروط الأخرى وعندئذ تنزع البركة من العلم ودخل الجميع فى متاهات ومشكلات علمية ثم يبدأ القيل والقال وكثرة السؤال عن السبب فى ذلك. وندوتنا هذه ما كانت لتُنظم ولا لتُعقد إلا بسبب مخالفة هذه الشروط، خاصة من قبل الطالب فكانت النتيجة التى نراها بحسرة وندامة. وإنى إذ أقدم هذاالبحث المتواضع لأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعله فى ميزان من جلست فى حلقاتهم على الركب من المشايخ الكرام، الأحياء منهم والأموات، إنه سميع مجيب. وقد اشتمل هذا البحث المتواضع بعد هذه المقدمة على أربعة مباحث وخاتمة. المبحث الأول:- الشيخ الأستاذ: وضع العلماء المصنفون شروطا وقواعد (الآداب) للأستاذ لتكون نبراسا لهم ولطالب العلم ومن هذه الشروط والقواعد (الآداب) :- ١- تصحيح النيه كما قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى..) فيجب أن تكون نية الأستاذ خالصة لله تعالى لا تشوبها أى شائبة وذلك بأن ينوى نشر العلم وبث الفوائد الشرعية. ٢- قبل الجلوس فى حلقة العلم يصلى ركعتي الإستخارة. ٣- أن يستقبل القبلة عند جلوسه فى حلقة العلم إن إمكن. ٤- تطهير القلب من أعراض الدنيا وحطامها كحب المنصب والسيادة والسمعة والرياء والجدال والحسد والغيبة والنميمة وقول الزور، والكذب والتنافس على المال والجاه. ٥- الإبتعاد عن مواضع الشبهات. ٦- التحلي بالأخلاق الفاضلة وحسن السمت وما كان عليه السلف الصالح، والظهور بالمظهر الحسن من اللبس والتطيب وتسريح اللحية، والإستياك والجلوس بوقار وهيبة والتلطف مع الجلساء وتوقير الأفاضل بالسن والشرف والصلاح ويتقى المزاح وكثرة الضحك.

стр. 175

٧- أن يفتح الأستاذ مجلسه بتحميد الله وبالصلاة على نبيه ﷺ وآله وأصحابه ويترضى عن أئمة المسلمين ويختمه أيضا بالتحميد والصلاة مع الدعاء للمسلمين. لذلك فإن الإخلال بهذه القواعد سيؤثر بلاريب تأثيرا كبيرا على طالب العلم فتنزع البركة من العلم أولا؛ ثم يجد الطالب صعوبة فى فهم المادة فيجب على الأستاذ أن يعض على هذه القواعد بالنواجذ ويطبقها بحذافيرها وهذا ما رأيته فى كثير من مشايخي وغيرهم من المشايخ ولله الحمد. المبحث الثانى:- الطالب: فكما وضع أصحاب الشأن قواعد وشروطا (آداب) للأستاذ وضعوا قواعد وشروطا (آداب) للطالب ليتمكن من فهم العلم وحفظه؛ منها:- ١- إخلاص النيه لله تعالى فى طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به ونشره. ٢- الإبتعاد عن أى مطلب دنيوى من خلال العلم من جاه ومنصب ومال وغير ذلك. ٣- أن يطهر قلبه من غش ودنس وغل وحسد وسوء نية وخلق. ٤- أن يتخلق بالخلق الفاضلة كالتواضع والظهور بالمظهر الحسن من لبس وطيب وغيرهما. ٥- أن يعمل بما سمعه من أستاذه. ٦- أن يوقر أستاذه ولا يضجره. ٧- ألا يستحي من السؤال. ٨- ألا يتكبر ولا يحتقر غيره من أقرانه أو من هم دونه في العلم أو السن. ٩- أن يترك العشرة السئية كأصحاب سوء وجهل. ١٠- أن يحفظ بصره من النظر إلى المحرمات ويبتعد عن سائر المعاصى. ١١- أن يكون مطعمه ومشربه حلالا. ويبدو للعبد الفقير كاتب هذه الأسطر أن المشكلة تكمن فى الغالب في طلاب العلم الذين يلتحقون ببعض الجامعات والكليات لا لنيل العلم الشرعى على وجه الخصوص بل لنيل الشهادة الجامعية والتى تسمى بالإجازة وذلك لأسباب عديدة:- ١- يلاحظ أن أكثر الجامعات والكليات الشرعية تقبل الطالب المتقدم للإلتحاق بها دون أن تحدد النسبة المئوية للنجاح (المعدل) للقبول كما هو الحال فى الكليات الأخرى وإن حددت فبنسبة ضئيلة لا تتعدى الستين في المئة.

стр. 176

٢- السعى لنيل ترقية أو درجة فى مكان عمله من خلال الحصول على مثل هذه الشهادة. فإن كانت نية الطالب هى الحصول على الشهادة فلا يختلف اثنان أنها ليست خالصة لوجه الله تعالى ومن ثم يقع الطالب فى براثن الدنيا وزينتها الزائفة من حب المال والجاه. فتشب النفس على السعى للحصول على حطام الدنيا بأى طريقة شاء. المبحث الثالث: المادة العلمية: يلاحظ أن لوائح وقوانين وأنظمة بعض الجامعات والكليات لا تساعد على إيصال العلم الشرعى إلى طلابه على الوجه المطلوب وذلك لأسباب كثيرة. منها: أن بعض الكليات الشرعية تقرر كتابا مختصرا في علوم الحديث وقد رأيت ذلك عند تدريسي مادة علوم الحديث في أكثر من كلية وكان اختصارالكتاب مخلا ومهملا لكثير من مصطلحات علوم الحديث ولتعريفاتها؛ ولعل السبب في ذلك الوقت المقرر لتدريس المادة في الجامعات والكليات ومنها عدم تطبيق كثير من المصطلحات تطبيقا عمليا كالمصافحة والمساواة والموافقة والبدل والشاهد والمتابع والادراج وغيرها فيجد الطالب صعوبة بالغة فى فهمها واستيعاب مضامينها، وقد رأى العبد الضعيف كاتب هذه الأسطر مثالا حيا لذلك فقد ناقشني أحد طلبة العلم من الذين يحكمون على الأحاديث صحة وضعفا؛ فاتضح لي فى نهاية الأمر أن هذا الطالب لم يفهم تلك المصطلحات أثناء الدراسة كالمصافحة والمساواة فلفهم المادة يجب أن تطبق المصطلحات تطبيقا عمليا كل مصطلح على حدة ولا مانع من ذكر مثال واحد فقط للتطبيق العملى:- المصافحة: هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد تلميذ أحد المصنفين؛ وسميت المصافحة لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا. ولتطبيق هذا المصطلح تطبيقا عمليا نرجع إلى كتب المتأخرين كالمشيخات والبرامج والأثبات فعلى سبيل المثال يقول النجيب الحرانى: بعد أن روى حديثا بإسناده: (ومن حيث العدد كأننى سمعته من النسائى وصافحته به) . ...............عبد اللطيف الحرانى

стр. 177

النسائى............أبو شجاع الحرانى محمد بن عبد الله بن يزيد......أبوالحسن بن عبد السلام عبد الله بن يزيد.........أبو محمد بن هزار مرد عثمان بن عمرو.........أبو القاسم بن حبابه سعيد............البغوى إبراهيم............ على بن الجعد ابن الهاد............ شعبة أبو إسحاق............ أبو إسحاق البراء............البراء فإسناد عبد اللطيف الحراني المتكون من أبي شجاع إلى البراء يستوي مع الإسناد المتكون من النسائي إلى البراء في العدد فكأن عبد اللطيف سمع من النسائي وصافحه من حيث العدد فإن طبق مثل هذه الأسانيد تطبيقا عمليا فإنني أرى أن الطالب لا يجد صعوبة فى فهم هذا المصطلح وكثير من كتب المختصرات تكتفي بتعريفات هذه المصطلحات دون ذكر أمثلة تطبيقية ولو أجلت هذه المصطلحات إلى المستويات العليا لكان أفضل المبحث الرابع: أنظمة ولوائح وقوانين بعض الجامعات والكليات: إن أنظمة ولوائح وقوانين الجامعات والكليات لا تناسب بأى حال من الأحوال العلوم الشرعية بدءا من الجلوس فى القاعات الدراسة لسويعات معدودة فى الفصل الدراسى الواحد حيث لا تتعدى الساعات المعتمدة لأى مادة ٣٠ ساعة دراسية ومنها المصطلح فأنى للطالب من فهم المادة فهما جيدا وكيف يتمكن من استيعابها خلال هذه المدة الوجيزة مقارنة بمن يقرأ على شيخ فى حلقته التقليدية؛ فإن قارنا بين الطالب الذي يدرس في الكلية والطالب الذي يدرس في الحلقة التقليدية للشيخ وجدنا أن الطالب الذي يدرس في الكلية يخرج بحصيلة مقدارها ٣٠ ساعة دراسية في مادة علوم الحديث في ٤ سنوات بينما الطالب الذي يدرس على الشيخ في حلقته التقليدية يخرج بحصيلة مقدارها ١٠٠٠ ساعة دراسية في مادة علوم الحديث بمعدل ٥ ساعات في الأسبوع في ٤ سنوات. فهل هناك وجه للمقارنة بين الحلقات التقليدية وبين قاعات الجامعات والكليات؟ الخاتمة: ـ أسأل الله حسنها ـ أسجل فيها بعض المقترحات: ١- زيادة عدد الساعات المعتمدة لمادة الحديث. ٢- تخصيص كتاب من كتب العلماء القدامى للتدريس.

стр. 178

٣- تطبيق المصطلحات الحديثية تطبيقا عمليا وعلى وجه الخصوص دراسة الأسانيد والتخريج. ٤- حث الطلاب على إخلاص النية لله تعالى. ٥- رفع معدل القبول بحيث لا يقبل من كان معدله أقل من ٨٠%. ٦- إقامة الندوات والمؤتمرات بصفة دورية لمعرفة مكامن الخطأ أولا بأول. ٧- حث الطلاب على التمسك بالسنة الشريفة وعلى العمل بما سمعوا. ٨ ـ اجراء مقابلة شخصية لكل طالب يتقدم لأي كلية شرعية لمعرفة خلفيته الشرعية ومدى رغبته في طلب العلم كما هو الحال في بعض الجامعات كجامعة أم القرى بمكة المعظمة.

стр. 179

ضرورة استقرار الضبط الاصطلاحي للإرسال الجلي والخفي من خلال الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين من المحدثين د. نجم عبد الرحمن خلف الأستاذ المشارك بكلية التربية والعلوم الأساسية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا. أولاً: مقدمة البحث: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد: فإن جميع العلوم تطرد وتنمو وتتطور مادام هناك من يتفاعل معها، ويشتغل فيها بحماسة وصدق. وعلوم الحديث وفنونه تسري عليها هذه القاعدة دون شك، فالمتتبع لسير حركة التصنيف والاصطلاح والتعريف لأنواع ومفردات هذا العلم يجد الأمر مطابقا تماما لما قدمناه.

стр. 180

والمتصفح لكتاب» المحدث الفاصل بين الراوي والواعي «للإمام الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ) وكتاب» معرفة علوم الحديث «للإمام الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) ومداخل الإمام أبي بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) كمدخل» السنن الكبرى «و» مدخل معرفة السنن والآثار «و» مدخل دلائل النبوة «وكذا مصنفات الإمام الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) ، في هذا الفن وهي كثيرة مباركة. وكذا المتصفح لكتاب» مقدمة علوم الحديث «للإمام ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) وألفية الإمام العراقي (ت ٨٠٦ هـ) والإمام السيوطي (ت ٩١١ هـ) ، والشروح التي قامت عليها، وعلى رأسها» فتح المغيث «للإمام السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) ، وما تبلور عند الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) في» نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر «وهكذا تتوالى الجهود مرورا بما كتبه الإمام عبد الحي اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ) والإمام جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ) وانتهاء بما أثمرته الدراسات العلمية الحديثة المعمقة على شكل أطاريح لنيل شهادة الدكتوراه من الجامعات المتعددة في البلاد العربية والإسلامية. إن المتصفح لهذه المصنفات وما حوته من برنامج ومناهج، وأساليب وطرائق في الشكل والمضمون يجد بوضوح أن هذا العلم بجميع أنواعه آخذ في التطور والتبلور مع توالي الأجيال المجتهدة في خدمته كل حسب اجتهاده ومقدرته.
следующие страницы →