← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1398

ندوة علوم الحديث علوم وآفاق

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢- السعى لنيل ترقية أو درجة فى مكان عمله من خلال الحصول على مثل هذه الشهادة. فإن كانت نية الطالب هى الحصول على الشهادة فلا يختلف اثنان أنها ليست خالصة لوجه الله تعالى ومن ثم يقع الطالب فى براثن الدنيا وزينتها الزائفة من حب المال والجاه. فتشب النفس على السعى للحصول على حطام الدنيا بأى طريقة شاء. المبحث الثالث: المادة العلمية: يلاحظ أن لوائح وقوانين وأنظمة بعض الجامعات والكليات لا تساعد على إيصال العلم الشرعى إلى طلابه على الوجه المطلوب وذلك لأسباب كثيرة. منها: أن بعض الكليات الشرعية تقرر كتابا مختصرا في علوم الحديث وقد رأيت ذلك عند تدريسي مادة علوم الحديث في أكثر من كلية وكان اختصارالكتاب مخلا ومهملا لكثير من مصطلحات علوم الحديث ولتعريفاتها؛ ولعل السبب في ذلك الوقت المقرر لتدريس المادة في الجامعات والكليات ومنها عدم تطبيق كثير من المصطلحات تطبيقا عمليا كالمصافحة والمساواة والموافقة والبدل والشاهد والمتابع والادراج وغيرها فيجد الطالب صعوبة بالغة فى فهمها واستيعاب مضامينها، وقد رأى العبد الضعيف كاتب هذه الأسطر مثالا حيا لذلك فقد ناقشني أحد طلبة العلم من الذين يحكمون على الأحاديث صحة وضعفا؛ فاتضح لي فى نهاية الأمر أن هذا الطالب لم يفهم تلك المصطلحات أثناء الدراسة كالمصافحة والمساواة فلفهم المادة يجب أن تطبق المصطلحات تطبيقا عمليا كل مصطلح على حدة ولا مانع من ذكر مثال واحد فقط للتطبيق العملى:- المصافحة: هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد تلميذ أحد المصنفين؛ وسميت المصافحة لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا. ولتطبيق هذا المصطلح تطبيقا عمليا نرجع إلى كتب المتأخرين كالمشيخات والبرامج والأثبات فعلى سبيل المثال يقول النجيب الحرانى: بعد أن روى حديثا بإسناده: (ومن حيث العدد كأننى سمعته من النسائى وصافحته به) . ...............عبد اللطيف الحرانى

стр. 177

النسائى............أبو شجاع الحرانى محمد بن عبد الله بن يزيد......أبوالحسن بن عبد السلام عبد الله بن يزيد.........أبو محمد بن هزار مرد عثمان بن عمرو.........أبو القاسم بن حبابه سعيد............البغوى إبراهيم............ على بن الجعد ابن الهاد............ شعبة أبو إسحاق............ أبو إسحاق البراء............البراء فإسناد عبد اللطيف الحراني المتكون من أبي شجاع إلى البراء يستوي مع الإسناد المتكون من النسائي إلى البراء في العدد فكأن عبد اللطيف سمع من النسائي وصافحه من حيث العدد فإن طبق مثل هذه الأسانيد تطبيقا عمليا فإنني أرى أن الطالب لا يجد صعوبة فى فهم هذا المصطلح وكثير من كتب المختصرات تكتفي بتعريفات هذه المصطلحات دون ذكر أمثلة تطبيقية ولو أجلت هذه المصطلحات إلى المستويات العليا لكان أفضل المبحث الرابع: أنظمة ولوائح وقوانين بعض الجامعات والكليات: إن أنظمة ولوائح وقوانين الجامعات والكليات لا تناسب بأى حال من الأحوال العلوم الشرعية بدءا من الجلوس فى القاعات الدراسة لسويعات معدودة فى الفصل الدراسى الواحد حيث لا تتعدى الساعات المعتمدة لأى مادة ٣٠ ساعة دراسية ومنها المصطلح فأنى للطالب من فهم المادة فهما جيدا وكيف يتمكن من استيعابها خلال هذه المدة الوجيزة مقارنة بمن يقرأ على شيخ فى حلقته التقليدية؛ فإن قارنا بين الطالب الذي يدرس في الكلية والطالب الذي يدرس في الحلقة التقليدية للشيخ وجدنا أن الطالب الذي يدرس في الكلية يخرج بحصيلة مقدارها ٣٠ ساعة دراسية في مادة علوم الحديث في ٤ سنوات بينما الطالب الذي يدرس على الشيخ في حلقته التقليدية يخرج بحصيلة مقدارها ١٠٠٠ ساعة دراسية في مادة علوم الحديث بمعدل ٥ ساعات في الأسبوع في ٤ سنوات. فهل هناك وجه للمقارنة بين الحلقات التقليدية وبين قاعات الجامعات والكليات؟ الخاتمة: ـ أسأل الله حسنها ـ أسجل فيها بعض المقترحات: ١- زيادة عدد الساعات المعتمدة لمادة الحديث. ٢- تخصيص كتاب من كتب العلماء القدامى للتدريس.

стр. 178

٣- تطبيق المصطلحات الحديثية تطبيقا عمليا وعلى وجه الخصوص دراسة الأسانيد والتخريج. ٤- حث الطلاب على إخلاص النية لله تعالى. ٥- رفع معدل القبول بحيث لا يقبل من كان معدله أقل من ٨٠%. ٦- إقامة الندوات والمؤتمرات بصفة دورية لمعرفة مكامن الخطأ أولا بأول. ٧- حث الطلاب على التمسك بالسنة الشريفة وعلى العمل بما سمعوا. ٨ ـ اجراء مقابلة شخصية لكل طالب يتقدم لأي كلية شرعية لمعرفة خلفيته الشرعية ومدى رغبته في طلب العلم كما هو الحال في بعض الجامعات كجامعة أم القرى بمكة المعظمة.

стр. 179

ضرورة استقرار الضبط الاصطلاحي للإرسال الجلي والخفي من خلال الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين من المحدثين د. نجم عبد الرحمن خلف الأستاذ المشارك بكلية التربية والعلوم الأساسية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا. أولاً: مقدمة البحث: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد: فإن جميع العلوم تطرد وتنمو وتتطور مادام هناك من يتفاعل معها، ويشتغل فيها بحماسة وصدق. وعلوم الحديث وفنونه تسري عليها هذه القاعدة دون شك، فالمتتبع لسير حركة التصنيف والاصطلاح والتعريف لأنواع ومفردات هذا العلم يجد الأمر مطابقا تماما لما قدمناه.

стр. 180

والمتصفح لكتاب» المحدث الفاصل بين الراوي والواعي «للإمام الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ) وكتاب» معرفة علوم الحديث «للإمام الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) ومداخل الإمام أبي بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) كمدخل» السنن الكبرى «و» مدخل معرفة السنن والآثار «و» مدخل دلائل النبوة «وكذا مصنفات الإمام الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) ، في هذا الفن وهي كثيرة مباركة. وكذا المتصفح لكتاب» مقدمة علوم الحديث «للإمام ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) وألفية الإمام العراقي (ت ٨٠٦ هـ) والإمام السيوطي (ت ٩١١ هـ) ، والشروح التي قامت عليها، وعلى رأسها» فتح المغيث «للإمام السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) ، وما تبلور عند الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) في» نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر «وهكذا تتوالى الجهود مرورا بما كتبه الإمام عبد الحي اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ) والإمام جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ) وانتهاء بما أثمرته الدراسات العلمية الحديثة المعمقة على شكل أطاريح لنيل شهادة الدكتوراه من الجامعات المتعددة في البلاد العربية والإسلامية. إن المتصفح لهذه المصنفات وما حوته من برنامج ومناهج، وأساليب وطرائق في الشكل والمضمون يجد بوضوح أن هذا العلم بجميع أنواعه آخذ في التطور والتبلور مع توالي الأجيال المجتهدة في خدمته كل حسب اجتهاده ومقدرته.

стр. 181

والجهد المبارك الذي ابتدأه الإمام الرامهرمزي في الجمع والتهذيب، إنما أقامه على جهد هائل ضخم قد سبقه النبلاء من العلماء في التأسيس له والعمل على إشاعته وإثرائه، كالإمام شعبة (ت ١٧٠ هـ) ، وابن المديني (ت ٢٣٤ هـ) ، وابن معين (ت ٢٣٣ هـ) ، وأحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ، وأبوزرعة (ت ٢٦٤ هـ) ، وأبو حاتم (ت ٢٧٥ هـ) ، والبخاري (ت٢٥٦هـ) ، والترمذي (ت ٢٧٩ هـ) ، والنسائي (ت ٣٠٣ هـ) ، وابن خزيمة (ت ٣١١ هـ) وابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) ، وابن عدي (ت٣٦٥ هـ) ، وقبل هؤلاء ومع هؤلاء وبعد هؤلاء جمهرة جليلة القدر، غزيرة العلم، عظيمة الحماسة بذلت جهدا هائلاً في خدمة الحديث النبوي الشريف وعلوم السنة المباركة بكل صدق وعزيمة وإخلاص. وفي جهود هؤلاء المتقدمين غنيمة باردة حاضرة، ولنا فيها سهم كبير، وتعويل كثير، والحصيف العاقل هو الذي يبدأ من حيث انتهى الناس، فيعمل على التأمل فيما خلفه لنا هؤلاء الأسلاف الكرام، ويحيط به علما وفهما وجمعا، ثم يحاول أن يمضي بهذا العلم بما يفتح الله عليه من زيادة في ضبط أو إضافة لجديد، أو تنبيه على خطأ، أو تطوير في المنهج التنظيمي الشكلي لهذه العلوم فكم ترك المتقدم للمتأخر ثم لابد لها من التطوير في البناء والمضمون بما يتناسب مع تطور العصر، ويتواكب مع أحوال طلبة العلم وغيرهم من المسلمين، حيث إن هذه الواقعية تحتاج إلى برامج تشويقية وتسويقية ودعوية تشد الناس من جديد إلى هذا العلم، وتجمعهم أسوة بمن سلف من كرام أسلافهم، وبهذا تبقى رايته خفاقة مرفوعة، وعلماء السنة اليوم هم المسؤلون مسؤولية مباشرة عن هذا الأمر، وهم المكلفون بتحقيقه، والله المستعان. وهذه الحركة التي ندعو إليها إنما تتلخص في الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين، وهي الصورة المثلى لتحقيق هذه الأمنية.

стр. 182

نحن في الغالب الأعم نرقب ونرصد أثر السابق في اللاحق، ونتنبه إلى فضل الأسلاف على من خلفهم، وهذا مهم ومطلوب، ولكنه جانب من الصورة المرادة، والصورة الشاملة الكاملة أن يضم إلى هذا ما أضافه الخلف في كل جيل إلى ما قدمه السلف من جهود. وهو كثير يقتضي الوقفة والتأمل والرصد والمتابعة، وعلى أساس هذه النظرة يكون التطوير والإبداع، ويذهب الهدر والإغفال في هذا البناء العلمي المتواصل. فالأصل ألا ينكرللسلف فضلهم، ولا للخلف جهدهم، وهذا هو الإنصاف المطلوب. وهذه النظرة تحتاج منا إلى بذل الجهود الواسعة في الإحاطة بما كتبه السلف على توالي العصور، مع إحاطة أخرى بما دونه علماء السنة في هذين القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وهو جهد عظيم حري بالجمع والتتبع كما أنه حري بالنظر والتأمل، وبالاستفادة والتوظيف في تطوير هذه المسيرة العلمية المباركة لعلوم الحديث الشريف. وقد قامت في نهاية القرن الرابع عشر الهجري المنصرم ومطالع هذا القرن نهضة علمية واسعة في خدمة علوم السنة النبوية من طبع للكثير من مؤلفاتها، وتحقيق وتوثيق جملة من أهم مصادرها ومراجعها، كما زامنت هذه الحركة جهود علمية لنقد المرويات وفحصها لتمييز الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود. ولا شك أن المتصدين لرصد هذه الحركة العلمية السابقة والمعاصرة في خدمة السنة النبوية من المحدثين النقاد ينبغي أن يضعوا في اعتبارهم ضرورة استصحاب مناهج هؤلاء المنظرين من السلف والخلف من علماء الحديث لئلا يقعوا في الخلط بين مناهجهم المختلفة والتي أدت أحيانا إلى هذا التفاوت الواقع في الصور والنتائج.

стр. 183

وإن من أهم ثمار هذه العملية العلمية إثر الجمع والدرس والفحص الناقد أن نصل إلى توحيد المصطلحات الحديثية ما أمكن لتعين الدارس المعاصر على سرعة الفهم وعدم التشتت وسط سيل من التعريفات والعبارات المختلفة والتي تنتهي بالطالب إلى السآمة والنفور، وتهدر الجهد والطاقة فيما لا جدوى ولا طائل من ورائه. ثانيا: موضوع البحث: وسوف أعالج في هذا البحث المتواضع غياب الاستقرار الاصطلاحي أحيانا لدى المتصدين للكتابة في علوم الحديث من خلال دراسة بعض أنواع علوم الحديث مثل الإرسال والإرسال الخفي وسأحاول تسليط الضوء على ما بينهما من التداخل والتشابك في تعريفات المحدثين حيث تلمس ضياع الفيصل الذي يضع الحدود والضوابط لكل مصطلح بما يميزه عن سواه من المصطلحات، ونقطع هذا السرد المتدفق من التعريفات المتضاربة التي تشتت ذهن الطالب، وتربكه وتساهم في تنفيره. وقد اعتمدت في تسجيل الملاحظات ووضع الحلول على كتب المصطلح والأثر القديمة والمحدثة، وركزت في اختيار الأمثلة وسرد النماذج على كتاب» السنن الكبرى «للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) حيث إني قد خبرته فوجدته قد أكثر من استعمال الحديث المرسل فقد استوعب مراسيل أبي داود وضم إليه ضعفه من المراسيل الأخرى مع التنبيه عليها ونقدها، ثم إن الإمام البيهقي محدث جليل بارع في هذه الصناعة، كما أنه فقيه كبير الشأن جليل القدر لأجل ذلك كان الوصول إلى الحكم الشرعي من النصوص الحديثية هو شغله الشاغل وفق المنهج الحديثي وما يتطلبه من تفنن وبراعة وإتقان، فكان يوازن وينقد ثم يرجح ليبني حكمه الفقهي على أساس ذلك.

стр. 184

ورغم أن الحديث المرسل ((من أجل الأبواب، فإنه أحكام محضة، ويكثر استعماله، بخلاف غيره)) (١) إلا أنه واحد من المصطلحات التي تداخلت تعريفاته، واتسعت إلى حد دخل فيه واختلط به الحديث المعضل، والمعلق، والمنقطع، والمنقطع الخفي، والإرسال الخفي، بحجة أن هذا سائغ في اللغة، وأن جميع هذه الأحاديث يجمعها وقوع الانقطاع فيها وكذا الحال بالنسبة للمنقطع فقد أصابه من الترهل والاتساع ما أضاع ضبط اصطلاحه، وحبك تعريفه، ورسم حدوده عند البعض من المحدثين. وإذا ساغ في الماضي أن تكون الصورة على ما وجدنا للتطور الحاصل في الاصطلاح، فإنه لا يصح أن يبقى الحال على ما هو عليه في وقتنا الحاضر، وقد استقرت العلوم، ووضعت القواعد والضوابط والحدود لكل منها بما يرسم معالمها الدقيقة الحاسمة حيث لا تختلط بغيرها. ثالثاً: تعريف الحديث المرسل (٢) :

стр. 185

استغرق الحافظ ابن حجر سبع صفحات من الكلام المتواصل في نكته على كتاب ابن الصلاح (١) في إطار الحديث عن تعريف المرسل وانتهى من اختلاف تعاريف الأئمة له أنه على أربعة أوجه، ثم ساقها، ثم ساق أقوالا أخرى مما حكاه الفقهاء والأصوليون في تعريفه. ثم انتهى من كل ذلك بقوله في تعريفه تعريفا جامعا مانعا: ((ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ مما سمعه من غيره)) (٢) وهذا يكفي في حسم الأمر، واستقرار الاصطلاح. كما أن الخوض في حكم الحديث المرسل من حيث القبول والرد قضية ذات شجون، وظلت كذلك لوقوع الاختلاف في المناهج والطرائق إلى يومنا هذا. والأمر قد حسم عند المحققين من مئات السنين إلا أنه يحلو لكثير ممن صنف في علوم الحديث أن يعود إلى جميع هذه الآراء المتشابكة والمتعارضة فيسردها على الطلبة الناشئين بطريقة مملة مربكة منفرة. بيد أن حكم الحديث المرسل ليس هو محور حديثنا هنا. وقد عَرَّفَ البيهقي الحديثَ المرسل من حيث الاصطلاح بأنه: ((كل حديث أرسله واحد من التابعين أو الأتباع، فرواه عن النبي ﷺ ، ولم يذكر مَن حمله عنه)) (٣) . ومن هذا التعريف الصريح يتبين لنا أن البيهقي يتوسع في نظرته إلى ((المرسل)) ، ويُعطيه مدى أبعد، شأنه في ذلك شأن جمهور المتقدمين من الفقهاء والأصوليين، وبعض أهل الحديث، إذ يعممون التابعين وغيرهم (٤) . ٢- أنواع الحديث التي تدخل في مسمى المرسل: ومن خلال الاستقراء والتتبع وجدتُ الإمام البيهقي ومن سبقه من الأئمة المتقدمين وبعض من عاصره أو جاء بعده يطلقون المرسل على: حديث التابعي، كبيراً كان أم صغيراً. حديث تُبَّعِ الأتباع. الحديث المنقطع. الحديث غير المرفوع، كالموقوفات.

стр. 186

الحديث المعضل وهو مذهب الزيدية كما قال الشوكاني كما سيأتي تفصيله قريبا. وبيان ذلك فيما يلي: ١- مرسل التابعي سواء أكان كبيراً أم صغيراً: وهو المشهور عند المحدثين في استعمال المرسل، كما قَدَّمنا آنفا. مِنْ ذلك قوله - بعد أنْ ساق حديث حِبان بن أبي جَبَلَة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل أحد أحق بماله من والده، وولده، والناس أجمعين)) . قال البيهقي: ((هذا مرسل، حِبان بن أبي جَبَلَة القرشي من التابعين)) (١) . وهذا النوع كثير عند البيهقي، وذلك كمرسلات سعيد بن المسيب، وأبي العالية، والحسن البصري، وابن شهاب الزهري، وعطاء بن أبي رباح، وغير ذلك. وعلى هذا المعنى في تعريف الإرسال هو الذي استقر عليه المتأخرون (٢) . ٢- مرسل أتباع التابعين (٣) : وهذا النوع داخل في تعريف البيهقي للحديث المرسل تصريحاً، فإنه قال: ((كل حديث أرسله واحد من التابعين، أو الأتباع)) (٤) . وشواهده كثيرة في ((السنن الكبرى)) . من ذلك قوله - بعد أنْ ساق حديث» وجوب العشر «من طريق سليمان بن موسى، عن أبي سيارة المتقي مرفوعاً -: ((قال البخاري: هذا حديث مرسل، وسليمان بن موسى لم يدرك أحداً من أصحاب النبي ﷺ وليس في زكاة العسل شئ يصح)) . وكذلك قوله: ((وهذا مرسل، إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة)) (٥) .

стр. 187

وقوله: ((هذا مرسل، لم يسمعه يحيى - أي ابن أبي كثير- عن أنس، إنما سمعه عن رجل من أهل البصرة، يقال له: عمرو بن زينب، ويقال: ابن زينب عن أنس)) (١) . ٣- اطلاق الإرسال على الحديث المنقطع: إنَّ النوع الثاني ((مرسل أتباع التابعين)) هو من المنقطع، ولكننا أفردنا هذا النوع الثالث بالذكر، وإن كان في حقيقته كالثاني لتنصيص البيهقي على استعمال لفظ الإرسال في المنقطع. وقد وقع هذا للإمام البيهقي، كما وقع للمتأخرين عموماً. فإنهم عَرَّفوا المرسل بأنه: ((كل ما لا يتصل، سواء أكان يُعْزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره)) (٢) . وقال النووي: ((والصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء، الخطيب، وابن عبد البر، وغيرهما من المحدثين: أنَّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أيَّ وجه كان انقطاعه)) (٣) . وبهذا يزول الاستغراب الذي يرتسم في ذهن الباحث وهو يرى صنيع البيهقي في استعمال اصطلاح (المرسل) في موضع (المنقطع) ، و (المنقطع) في موضع (المرسل) مِمَّا يجعل القارئ - غير المحيط بهذه الدقيقة - يلاحظ أنَّ هناك اضطراباً كبيرا لدى البيهقي في كتابه ((السنن الكبرى)) (٤) . ومثال ذلك، قوله: ((وفيه إرسال بينه - أي ابن جريج -وبين عبد الكريم)) (٥) . - وقوله: ((هذا مرسل ابن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء)) (٦) . - ومن ذلك قوله: ((وهذا مرسل، شعيب بن يسار لم يدرك عمر)) (٧) ثم ساق الدليل على ذلك. -وقوله أيضاً: ((إلاّ أنه مرسل، ربيعة لم يدرك أبا سعيد - أي الخُدْري-)) (٨) - وقوله: ((إسحاق بن يحيى لم يدرك عُبَادة بن الصَّامت، فهو مرسل)) (٩) .

стр. 188

والأمثلة والشواهد في ذلك كثيرة (١) . ٤- إطلاق (المرسل) على غير المرفوع من الآثار: وهذا يؤكد منهج البيهقي في نظرته إلى» المرسل «و» المنقطع «وما بينهما من عموم وخصوص، ويجلى رأيه في ذلك، فإنه قد استعمل مصطلح الإرسال في غير المرفوع، كما استعمل المنقطع في موضع المرسل أحياناً، والمرسل في موضع المنقطع أحياناً أخرى، فهذه الأوصاف جميعاً تصدق على كل ما لا يتصل إسناده. قال ابن الصلاح: ((وهذا المذهب أقرب صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الحافظ أبوبكر الخطيب في» كفايته)) (٢) . ومثال إطلاق الإرسال على غير المرفوع عند البيهقي، قوله: (هذا مرسل موقوف) (٣) ، وقد قال ذلك عقب قول ابن عباس، وذلك لأن في السند انقطاعاً. وساق قولاً لابن مسعود من طريق المَسْعُودي عن القاسم بن عبد الرحمن عنه، ثم قال: ((مرسل، وهو موقوف على عبد الله بن مسعود)) (٤) . وفي باب (النهي عن التغالي في المهور) ساق قول عمر من طريق بكر، ثم ساق له شاهداً من طريق الشَّعْبي عن عمر من قوله، ثم قال: ((هذا مرسل جيد)) (٥) . وليس ثَمَّةَ اعتراض يَرِدُ على البيهقي في إطلاق المرسل على غير المرفوع، باعتبار أنه عَامَل المرسلَ معاملة المنقطع، وجعل كليهما شاملين لكل ما لا يتصل إسناده، وذلك لأنَّ المنقطع شامل لكل ما لا يتصل إسناده، سواء أكان يُعزى إلى النبي ﷺ أم إلى غيره. قال ابن عبد البَر الأندلسي: ((المنقطع عندي: كل ما لا يتصل، سواء كان يُعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره)) (٦) . ٥- اطلاق المرسل على الحديث المعضل:

стр. 189

قال الشوكاني في حقيقة المرسل: ((أنه ما سقط من إسناده راوٍ أو أكثر من أي موضع، فعلى هذا المرسل، والمنقطع، والمعضل واحد، وهو مذهب الزَّيدْية)) (١) . رابعاً: حقيقة المرسل، وموقف المحدثين من إطلاقه على المنقطع وغيره: سبق أن قدَّمنا أن جمهور المحدثين يطلقون المرسل على ما رواه التابعي عن النبي ﷺ أما صنيع البقية الباقية من المحدثين فإنهم يطلقونه على هذا النحو، ويطلقونه على المنقطع أيضاً. وقد وجدت البيهقي ينتهج هذا المنهج، وينحو منحاه، فهو أحياناً يستعمل الاصطلاح الشائع لدى المحدثين، وأحياناً أخرى كثيرة يتوسع فيه، فيطلق المرسل على المنقطع وغيره. قال النووي - بعد أنْ ساق أقوال المحدثين في تعريف المرسل -: ((والمشهور في الفقه والأصول أنَّ الكل مرسل، وبه قطع الخطيب، وهذا اختلاف في الاصطلاح والعبارة)) (٢) .

стр. 190

قال السخاوي:)) وممن أطلق المرسل على المنقطع من أئمتنا أبوزرعة (١) ، وأبو حاتم (٢) ، ثم الدارقطني، ثم البيهقي، بل صَرَّحَ البخاري في حديث إبراهيم بن يزيد النخعي، عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل، لكون إبراهيم لم يسمع من أبي سعيد، وكذا صَرَّحَ هو وأبو داود في حديث لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، بأنه مرسل، لكونه لم يدرك ابن مسعود، والترمذي (٣) في حديث لابن سيرين، عن حكيم بن حزام، بأنه مرسل، وإنما رواه ابن سيرين عن يوسف بن ماهك، عن حكيم، وهو الذي مشى عليه أبوداود في) مراسيله (٤) (، في آخرين (٥) ((. انتهى كلام السخاوي. وممن ألفيته يصنع ذلك من الأئمة، زيادة على من ذكر السخاوي: الإمام ابن خزيمة، فقد صَرَّحَ بذلك في حديث عطاء، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة مرفوعاً. قال البيهقي: ((قال أبوبكر بن خُزَيْمَة: هذا حديث مرسل، بين أبي الخليل وبين أبي قتادة رجل)) (٦) . ومن الشواهد الأخرى التي وجدتها في (السنن الكبرى) خلال استقرائي للحديث المرسل فيها، زيادة على ما ذكره السخاوي: ما صَرَّحَ به البخاري في ((حديث وجوب العشر)) ، إذ قال: ((هذا حديث مرسل، وسليمان بن موسى لم يدرك أحدا من أصحاب النبي ﷺ ، وليس في زكاة العسل شئ يصح)) (٧) . كما أنه أطلق الإرسال على رواية شعيب بن يسار عن عمر بن الخطاب، لأن شعيباً لم يدرك عمر (٨) .

стр. 191

وبهذا أيضاً صَرَّحَ أبوداود السَّجستاني، فإنه قال في حديث إبراهيم التيمي، عن عائشة: ((هذا مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة)) (١) . بل توسع أبوداود في ذلك، فأطلق المرسل على المبهمات، وتابعه عليه الإمام النووي، وهو خلاف ما عليه أكثر الأئمة. قال السخاوي: ((وممن أخرج المبهمات في المراسيل، أبو داود، وكذا أطلق النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلاً، وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثرون من علماء الرواية)) (٢) . وممن أطلق المرسل على المنقطع الإمام الدارقطني، فقد صَرَّحَ في حديث عامر الشّعبي، عن عمر بن الخطاب، فقال: ((هذا مرسل، عامر لم يدرك عمر)) (٣) . وممن تابعهم في ذلك من الأئمة المتأخرين الحافظ العلائي الكيكلدي في كتابه الحافل» جامع التحصيل بأحكام المراسيل «، فقد تكلم فيه على أنواع الحديث المنقطع، ثم أورد أسماء المدلسين، ثم الأسانيد المنقطعة. قال ابن تيمية:)) وكذلك ما يسقط من إسناده رجل، فمنهم من يخصه باسم المنقطع، ومنهم من يدرجه في اسم المرسل، كما أن فيهم من يسمي كل مرسل منقطعاً، وهذا كله سائغ في اللغة (٤) ((. قلت: وهل كُل ما هو سائغ في اللغة يسوغ استعماله في المصطلح؟! فما فائدة علم المصطلح؟

стр. 192

إنما وضع هذا العلم لتضبط مفرداته ضبطا دقيقا، وتحصر وتقصر وفق حدود تمنع الاشتراك وتدفع التداخل وإذا ساغ سرد جميع هذه التعريفات وتسجيلها بتفاصيلها في مرحلة الدراسات العليا لمعرفة التدرج العلمي لقواعد المصطلح ودراسة مناهج أصحابه فإنه لا يجوز ولا يقبل بحال في المرحلة الجامعية، ولا في المصنفات التي تكتب لعموم المثقفين والمختصين بغير علم الحديث، بل الأصل أن تعرف المصطلحات الحديثية تعريفا نهائيا قطعيا يحسم الخلاف والتردد وفق ما استقر عليه الاصطلاح ومشى عليه جمهور المحدثين. خامساً: ضبط تعريف المرسل الخفي: وهو نوع مهم، عميق المسالك، لم يتكلم فيه قديماً وحديثاً إلّا نقاد الحديث وجهابذته (١) . تعريف المرسل الخفي: وقد اختلفت آراء العلماء في تعريف (المرسل الخفي) اختلافا كثيرا (٢) ورجح الإمام السخاوي تعريف ابن حجر له، فقال: ((بل هو على المعتمد في تعريفه، حسبما أشار إليه شيخنا - ويعني ابن حجر العسقلاني -: الانقطاع في أي موضع كان من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، وكذا لو التقيا ولم يقع بينهما سماع، فهو انقطاع مخصوص، يندرج في تعريف من لم يتقيد في المرسل بسقط خاص ... )) (٣) . وقد رأيت أن أنتهج لنفسي منهجا اصطلاحيا جديدا يلتقي مع مناهج المتقدمين في الفحوى، قصدت فيه الدقة الزائدة في الاصطلاح والعبارة، وغرضي من ذلك أن أضبط الاصطلاح ضبطا موافقا لمسماه، ومطابقا لفحواه فجعلت (المرسل الخفي) مقصورا على رواية التابعي عن الصحابي الذي عاصره، ولم يسمع منه، أو لم يعاصره، وروى عنه. فإن الذي استقر عليه الحفاظ - سيما في أزمنتنا المتأخرة - استعمال صيغة (الإرسال) في الحديث الذي سقط منه الصحابي. قال الإمام طه بن محمد البيقوني:

стр. 193

وَمُرْسَلٌ منْهُ الصَّحابيُّ سَقَط ......وَقُلْ غَرِيبٌ ما رَوى رَاوٍ فَقَطْ (١) ولهذا أحببت أن أقصر لفظ (الإرسال) الظاهر في الحديث الذي سقط منه الصحابي فحسب، وهذا أمر ثابت ومسلم عند الحفاظ في (المرسل) العادي. أما في (المرسل الخفي) فقد اختلفوا فيه اختلافا واسعا، وصرفوه على أوجه بعيدة عن أصل لفظه الاصطلاحي، ولا يمنع توسع المتقدمين في استعمال (الإرسال) بمعنى الانقطاع عموما -في أي موضع في السند- أن نضبط تعريف (المرسل الخفي) أسوة (بالمرسل) الظاهر الذي استقر الاصطلاح في إطلاقه على الحديث الذي سقط منه الصحابي، فما دام هناك إرسال فثم صحابي ساقط. وعلى هذا يكون الإرسال -عندي- قسمين: أولهما: الإرسال الظاهر المعروف بسقوط الصحابي من سند الحديث سقوطا حقيقيا عينيا، ويقوم التابعي برفع الحديث إلى النيي ﷺ . ثانيهما: (المرسل الخفي) وهو الحديث الذي يكون الصحابي مصرحا به في الإسناد، ويرويه عنه التابعي بصيغة» العنعنة «ولم يسمع منه هذه الرواية سواء أسمع منه أم لم يسمع، فيكون الصحابي هنا في حكم الساقط، ويكون الحديث مشتملا على (الإرسال الخفي) ، وذلك لعدم توفر السماع عند من روى عنه، فالصحابي هنا ثابت لفظا، وساقط حكما، ولما كان مدار الانقطاع على الصحابي، استحسنا تسميته بالمرسل لاختصاصه به، ولما كان ظاهره الاتصال -وهو في حقيقته منقطع- ناسب أن أسميه (بالخفي) ، وعليه يكون اصطلاحنا الذي أطلقناه بخصوص هذه الحالة من الإرسال الباطن لا غبار عليه (٢) إن شاء الله تعالى، والحمد لله.

стр. 194

وأما الانقطاع في غير هذا الموضع من السند فله اصطلاحه وتعريفه الذي يميزه عن غيره من الأنواع ويمكن أن يكون -وفق ما قدمنا- منقطع ظاهر ومنقطع خفي، ومعضل ظاهر ومعضل خفي، والله أعلم وصلى الله على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله، وصحبه والحمد لله رب العالمين. فهرس المصادر والمراجع * البيقوني: محمد طه: * المنظومة البيقونية، (انظر: التعليقات الأثرية لعلي حسن) . * البيهقي: أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ) : -دلائل النبوة، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥م. وهناك طبعة أخرى بتحقيق السيد أحمد صقر طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الجمهورية العربية المتحدة ١٣٨٩ هـ / ١٩٧٠م. وقد ميزت بين الطبعتين بأن ذكرت طبعة المجلس الأعلى كلما اقتبست منها، وتركت الأخرى غفلا. - السنن الكبرى، دار المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند، الطبعة الأولى سنة ١٣٤٣ هـ. * ابن تيمية: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم (ت ٧٢٨ هـ) : - مجموع الفتاوى، جمعها ورتبها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ومساعده ابنه محمد بن محمد بن عبد الرحمن مكتبة المعارف، الرباط، الطبعة الثانية، سنة ١٩٨١م. * ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) : - المراسيل، مكتبة المثنى ببغداد، تحقيق شكر الله نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢م. * ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي (ت ٨٥٢ هـ) - تحقيق د. ربيع بن هادي المدخلي، المجلس العلمي لاحياء التراث، المدينة المنورة الطبعة الأولى سنة ١٩٨٤م. * السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد (ت ٩٠٢ هـ) :

стр. 195

- فتح المغيث شرح ألفية الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٣ هـ /١٩٨٣م في ثلاث مجلدات، وطبعة أخرى بتحقيق الشيخ سليمان ربيع في مجلد واحد، طبعت بمصر، وقد اعتمدت أصلا على الطبعة الأولى، وميزت بينهما بذكر طبعة مصر كلما أحلت عليها أو اقتبست منها. * السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ) : - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩م، طبعة أخرى، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطبف، مكتبة القاهرة بمصر سنة ١٣٧٩ هـ / ١٩٥٩م وقد فرقت بينهما بالتنبيه على طبعة القاهرة. * ابن الصلاح: أبو عمر وعثمان بن عبد الرحمن (ت ٦٤٣ هـ) : - علوم الحديث، تحقيق د. نور الدين عتر. دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤م. * الصنعاني: محمد بن إسماعيل الأمير (ت ١١٨٢ هـ) : - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار ضياء التراث، الطبعة الأولى سنة ١٣٦٦ هـ. * ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله (ت ٤٦٣ هـ) : - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد، وزارة الأوقاف بالمغرب. * د. عتر: نور الدين: - الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ / ١٩٧٠م. - منهج النقد في علوم الحديث، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة ١٤٠١ هـ / ١٩٨١م. * د. عجاج الخطيب: محمد عجاج الخطيب: - أصول الحديث علومه ومصطلحه، دار الفكر، الطبعة الثانية سنة ١٩٧١م. * علي حسن علي عبد الحميد: - التعليقات الأثرية على المنظومة البيقونية، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ /١٩٨٢م. * ابن كثير: عماد الدين إسماعيل بن عمر (ت ٧٧٤ هـ) : - الباعث الحثيث شرح مختصر علوم الحديث، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٣ هـ. * النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف (ت ٦٧٦ هـ) :

стр. 196

- تقريب الإرشاد مختصر علوم الحديث لابن الصلاح، مكتبة الحلبوني، دمشق.

стр. 197

ضرورة الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين في مجال علوم الحديث د. حمزة عبد الله المليباري كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وتركهم على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. اللهم صل وسلم وبارك على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم اجعلنا ممن يتبعهم بإحسان. أما بعد: فموضوع مداخلتي في هذه الندوة: ((ضرورة الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين في علوم الحديث دون خلط بين مناهجهم المختلفة)) . تعد علوم الحديث من أهم مقررات كلية الشريعة، وكانت تدرس في بعض الكليات في أكثر من مستوى، إلى جانب دورات علمية خاصة تعقد لتدريسها في مناسبات شتى، وكان إقبال الطلبة على دراسة هذا العلم بتزايد مستمر، ومع هذا الاهتمام البالغ بتدريس علوم الحديث من جهات مختلفة منذ سنوات عديدة فإننا نلمس في الساحة العلمية شيئا يدعونا إلى أهمية المراجعة في أسلوب تدريس علوم الحديث، والتباحث في مدى فاعلية هذا الأسلوب، وتحديد الخلل في ذلك. ماذا يجري في الساحة العلمية؟

стр. 198

من تتبع الأبحاث والدراسات التي تغص بها الأسواق اليوم في مجال السنة وعلومها، وتأمل فيها بإمعان وإنصاف، بعيدا عن التعصب والتقديس، وجد كثيرا منها غير منضبطة بقواعد علوم الحديث؛ إذ يتعامل فيها أصحابها مع نصوص المحدثين النقاد ومصطلحاتهم العلمية بصورة غير منهجية، ويحملونها على غير محملها، فيطلقون ما هو مقيد، أو يقيدون ما كان مطلقا، ومن هنا وقع في تلك الأبحاث خلط وازدواجية بين مناهج مختلفة، سواء أكان ذلك في تنظير القواعد أو ترجيح المسائل، حتى أصبحت ظاهرة التعقيب على نقاد الحديث أمرا مألوفا لدى المعاصرين لا لخطأ اكتشفوه، ولا لوهم وجدوه، بل غرورا بما لديهم من تصورات سطحية حول مبادئ علوم الحديث فيطلقون القاعدة التي تكون لها استثناءات يجب أخذها بعين الاعتبار، كقولهم تعقيبا على الحديث الذي أعله النقاد بتفرد راويه: ((لا يضر تفرده لأنه ثقة)) أو ((زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح)) . وقولهم فيما صححه النقاد: ((هذا إسناد منقطع لعنعنة المدلس، وهو في الطبقة الثالثة من التدليس)) . وقولهم في الحديث الذي ثبت انقطاعه: ((الإسناد متصل لوجود معاصرة بين الرواة)) أو ((هذا الراوي من الطبقة الثانية من التدليس فعنعنته مقبولة ومحمولة على الاتصال)) . وقال أحد الباحثين - وهو في معرض رده على الإمام أبي حاتم -: ((لو درس أبو حاتم أو غيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها، والحمد لله إني طبقت قواعد المحدثين)) . وقال باحث آخر، وهو يعقب على حديث أعله الإمام ابن المديني: ((هكذا تعل الحديث يا ابن المديني!)) . وغير ذلك من التعقيب بما لا يخفى على الطلبة المبتدئين، فضلا عن المحدثين النقاد.

стр. 199

أما تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتحسينها فعندهم على طريقة سهلة لم تكن مألوفة لدى النقاد من قبل، وهي النظر في ترجمة رواة الحديث من خلال كتب التراجم، لا سيما كتاب التقريب للحافظ ابن حجر؛ فإذا وجدوا الرواة كلهم ثقات صححوا الحديث، حتى وإن أعله النقاد، وإن كان فيهم صدوق أصبح الحديث حسنا لذاته، وإن كان فيهم ضعيف فالحديث ضعيف، وإذا جاء من طريق آخر فحسن لغيره، وهكذا يطلقون الحكم فيما هو مقيد، ويقيدون فيما من شأنه الإطلاق. وبهذا النوع الجديد من الدراسات يكون الباحث المعاصر قد ألغى - من غير أن يشعر - كثيرا من مصطلحات الحديث، لا سيما الشاذ والمعلول والمنكر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أننا نشاهد بعض الكتاب والأساتذة الجامعيين يسيئون فهمهم لمنهج المحدثين النقاد في تصحيح الحديث وتعليله، ويتهمونهم بقلة الفقه، وكثرة النظر في الشكليات وظواهر السند، وأنهم لا يجدون حرجا أمام طلبتهم في إنكار بعض الأحاديث التي اتفق العلماء على صحتها طوال القرون الماضية، وحجتهم في ذلك أن تلك الأحاديث تتعارض مع ما فهموا من القرآن أو أنها لم تخضع لعقولهم. والجدير بالذكر أن هؤلاء الباحثين والكتاب والأساتذة جميعا قد درسوا في الماضي كتب المصطلح ضمن مقررات الجامعة أو مقررات المعهد أو غيرها. هذه الظاهرة لا يشك عالم منصف غيور على السنة النبوية في خطورة نتائجها على المدى البعيد. إلى متى يقف الغيورون على السنة مكتوفي الأيدي - وهم يشاهدون هذه الظاهرة الخطيرة تنتشر في أوساط الباحثين المبتدئين-؟ وكيف يحلو لهم التساهل في مواجهتها، والبحث عن سبل علاجها؟. هنا يجب علينا أن نتساءل: ما قيمة تدريسنا لمقررات الحديث وعلومه في الجامعات والمعاهد إذا لم يعالج ذلك الخلل، ويصلح الفساد، ويصحح المفاهيم؟ كم يبذل في تدريس هذه المقررات من جهد ووقت ومال؟ كيف انتشرت اليوم هذه الظاهرة الخطيرة بين الباحثين؟ ماذا يستفيد الطلبة من هذه المقررات؟

стр. 200

هل الهدف من تدريس كتب المصطلح مجرد التعرف على المصطلحات دون فقه لما تتضمنه من القضايا الجوهرية؟ أم الهدف من ذلك هو التعرف على منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف، وفقه مصطلحاتهم النقدية؟. في الواقع إن كتب المصطلح إذ تجمع نصوص النقاد ومصطلحاتهم العلمية وتشرح مضامينها فإنها تقدم من خلال ذلك منهج المحدثين النقاد في نقد الأحاديث، ومنهج المتأخرين في حفظ دواوينها من التحريف والتصحيف والانتحال، لذلك فإن مرجع الخلل في تعامل كثير من الباحثين مع السنة النبوية هو عدم استيعابهم لقواعد علوم الحديث، وله أسباب عدة، لعل الأساتذة المشاركين في هذه الندوة قد أشاروا إليها في ضوء تجاربهم، كل حسب رأيه واجتهاده. غير أني أود أن أركز هنا على بعض أهم الأسباب التي تقف وراء صعوبة هذا المقرر، وهو: ١ - عدم ترتيب المصطلحات وموضوعاتها ترتيبا موضوعيا. ٢ - عدم استخدام الأمثلة الواقعية التي يعيشها الطالب. ٣ - الخلط بين جهود المحدثين المتقدمين والمتأخرين في علوم الحديث ومناهجهم المختلفة في تطبيقها، وتفسير مصطلحات النقاد بما تعارف عليه المتأخرون، أو تفسير نصوص المتأخرين بما اصطلح عليه المتقدمون، لذا آثرت أن يكون بحثي تحت عنوان» ضرورة الاستفادة من جهود المحدثين النقاد المتقدمين والمتأخرين في مجال علم الحديث «. مصدر الخلل: إن الكتب والمصطلحات تعد أوعية العلوم في كل زمان ومكان، وعن طريقها تنتقل العلوم من جيل إلى جيل، وبقدر الاحتفاظ بأصالتها، وبقدر الدقة في عزوها إلى أصحابها المبدعين، وحفظها بعيدا عن التغيير والتبديل، تبقى العلوم حية وجلية تعطي أكلها كل حين بإذن ربها.

стр. 201

كما تشكل هذه الكتب والمصطلحات مرآة ناصعة تعكس جهود أصحابها في مجال العلم والثقافة والإبداع، ومدى تخصصهم في الموضوع الذي تناولوه، وطبيعة تكوينهم وتفكيرهم واهتمامهم وما يتصل بمحيطهم العلمي عموما. لذلك يكون ما تركوه للأجيال من الانتاج العلمي مصدرا رئيسا لتدوين تاريخهم في جميع مجالات العلم والإبداع. وبقدر إدراك الباحث أو الدارس لهذه الحقيقة، تتحقق الفائدة العلمية المرجوة من دراسة تلك الكتب والمصطلحات، وإلا سيكون تحصيله العلمي عقيما لا يساعده على الاستنتاج والنهوض بما يقتضيه محيطه العلمي من الإصلاح والإبداع والتجديد في العلوم وطرق تدريسها. التفاوت المعرفي بين الأئمة وبعض نماذجه: أذكر هنا على سبيل المثال لمزيد من التوضيح مجالين واسعين يبرز فيهما تفاوت معرفي ومنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في خدمة الحديث وعلومه، وآثار هذا التفاوت في كتب المصطلح عموما، وهما: ١ - طريقة نقل الحديث. ٢ - الحكم على الحديث. أما المجال الأول فإذا كان المتقدمون يعتمدون الأسانيد والرواية المباشرة في نقل الأحاديث حديثا حديثا، فإن المتأخرين اعتمدوا الكتب والدواوين، بعد أن أخذت الأحاديث تستقر في بطونها، وأصبح الإسناد الذي تداوله المتقدمون في عصور الرواية غير مألوف في عمل المتأخرين، بل اكتفوا من الإسناد بقدر ما يكفل لهم حفظ تلك الكتب وحمايتها من وقوع تحريف وتصحيف وانتحال، حتى إذا استخدم أحدهم إسنادا في رواية حديث بخلاف العرف العلمي السائد في عصره، وحتى في أواخر عصر الرواية، فإن هذه الرواية لم تعد مما يعول عليه، وإنما يكون إسناد المتقدمين المثبت في كتبهم هو المعتمد في ذلك أولا وأخيرا، وهذا ليس عيبا في عمل المتأخرين ولا طعنا فيهم ولا تقليلا من شأنهم، بل ذلك الذي نهضوا به في سبيل حماية السنة هو الواجب عليهم.

стр. 202

هذه بعض النصوص تدل على ذلك بجلاء؛ يقول الإمام البيهقي - وهو في أواخر عصر الرواية الذي تعود فيه العلماء على الأسانيد والروايات المباشرة -: ((توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووُجِّه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها. قال البيهقي: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفا لنبينا المصطفى ﷺ . والله أعلم)) (١) . ولما جاء عصر ابن الصلاح تجلى فيه ما ذكره البيهقي بصورة أوضح وأوسع، وقال في مقدمته: ((أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، وكان عليه من تقدم)) . ((ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود آل آخرا إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها، فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده، وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخط غير متهم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه)) (٢) .

стр. 203

لذلك فكتاب رياض الصالحين للإمام النووي - مثلا - لا يعد مصدرا أصيلا في الحديث، لأنه مجرد أحاديث مختارة من كتب المتقدمين، ولا يعد ذلك طعنا في الإمام النووي، أما كتاب المسند للإمام أحمد - مثلا - فإنه يعد أصيلا في الحديث ويعتمد في التخريج، وهذا التفاوت يكون طبيعيا إذا تأملنا ما ورد في سياق كلام البيهقي، وتكمن فائدة الفصل بينهما في ضرورة توثيق المعلومات وتحقيقها، وذلك بإعادة النظر فيما يشكل مصدرا مساعدا، ومقارنته مع مصدره الأصيل؛ ومن لا يفرق بينهما يجهل أهمية عرض الفرع على الأصل، بل يجعلهما أصلا، وبالتالي لا ينتبه إلى آثار ذلك في تكوينه وتفكيره. الآثار المترتبة على هذا التفاوت المنهجي بين الأئمة: هذا التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في طريقة نقل الحديث وروايته أدى إلى استخدام المتأخرين مصطلحات جديدة، أو توسيع معانيها بحيث يتناسب مع أعرافهم العلمية في طريقة التلقي والتحمل؛ فمصطلح المسند (بكسر النون) و (الحاكم) و (طباق السماعات) ، و (الحافظ) ، و (المحدث) ، و (الحجة) تعد أمثلة لذلك. أما المسنِد - بكسر النون - فمصطلح جديد لم يطلق في عصر الرواية، والمصطلح المشهور سابقا في عصر الرواية هو ((الراوي)) ، ولم يطلق مصطلح ((المسنِد)) إلا في عصر ما بعد الرواية، ليكون معناه من يروي الحديث بإسناده في الوقت الذي انقطع فيه الإسناد والرواية المباشرة، يقال: ((فلان مسنِد)) إذا كان متميزا برواية الأحاديث في عصر ما بعد الرواية، دون أن يطلق عليه (راوي الحديث) ، وذلك للفصل بين عصرين مختلفين: ((عصر الرواية)) و ((عصر ما بعد الرواية)) . وكذلك مصطلح (الحاكم) جعله المحدثون في عصر ما بعد الرواية لقبا للمحدث الذي أحاط علما بجميع الأحاديث حتى لا يفوته منها إلا اليسير. وهذا المصطلح ليس له وجود في لغة المحدثين النقاد، لا سيما صيغ الجرح والتعديل.

стр. 204

أما (المحدث) فمصطلح قديم، لكن تغير معناه في عصر ما بعد الرواية، وصار المحدث لقبا خاصا بمن اشتغل بالحديث رواية ودراية، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه، وقيل: ((المحدث من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية)) ، وقيل غير ذلك من المعاني، غير أن ذلك كله يفيد معنى واحدا مختلفا تماما عن معنى مصطلح (المحدث) في عصر الرواية، وهو كل من يهتم بالأحاديث سماعا ورواية وكتابة - سواء أكانت له دراية أم لا، سواء كان متقنا ضابطا لما يرويه أم لا - ويتجلى ذلك من خلال تتبع ألفاظ الجرح والتعديل. كذلك كل من مصطلحي (الحافظ) و (الحجة) ، فقد استحدث معناهما حسب العرف الجديد في عصر ما بعد الرواية؛ فصار معنى (الحافظ) من توسع في الحديث وفنونه، بحيث يكون ما يعرفه من الأحاديث وعللها أكثر مما لا يعرفه. وقيل غير ذلك من المعاني، لكن لم يكن مصطلح (الحافظ) في عصر الرواية معهودا بشيء مما ذكر من المعاني، بل يطلق على الثقة والضعيف، والمحدث والناقد، ودون تحديد عدد الأحاديث التي ينبغي حفظها لِيُعَدَّ الراوي حافظا. كما أن كلمة (الحجة) أصبحت في عصر ما بعد الرواية لقبا خاصا بالحافظ الذي وعى أكثر من مائة ألف، وأصبح ما يحيط به ثلاث مائة ألف حديث مسندة، وأما في عصر الرواية فلم يشترط فيه ذلك، فكل من كان متميزا بالإتقان والضبط وندرة الخطأ فيما يرويه يعد حجة، سواء أحفظ ذلك العدد من الأحاديث أم لا، وسواء أكان فقيها أم لا، وسواء اعتمد على الحفظ أم على الكتاب. وتعد كلمة (الثقة) مرادفة لكلمة (الحجة) .

стр. 205

كذلك المصطلحات التي تشكل نقاطا جوهرية في مسائل علوم الحديث تغيرت في استعمال المتأخرين؛ كالصحيح، والحسن، والمعلول، والشاذ، والمنكر، والمحفوظ، والمعروف، وغيرها، فإنهم ربطوا معانيها بأحوال الرواة؛ فالصحيح عندهم لا يطلق إلا على مرويات الثقات أو الصدوق، والمعلول والشاذ مقيدان أيضا بها، والمنكر لا يطلق إلا فيما رواه الضعيف مخالفا للثقة، بينما المحدثون النقاد في عصر الرواية لم يتقيدوا بذلك؛ بل كانوا يطلقونها على مرويات الثقات والضعفاء في حالة ما إذا أصابوا فيها. وهذه الأمور من أهم فوائد ربط منهج المحدثين بمبادئ مصطلحات الحديث وتعريفاتها. وأما القواعد التي تتصل بضبط الكتب وكتابتها وروايتها، ومقابلة النسخة الفرعية بالأصل، وحلقات السماع والطباق، وما استخدِم فيها من المصطلحات فلم تظهر بصورتها الكاملة إلا في عصر ما بعد الرواية. أما المجال الثاني للتفاوت المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين - وهو الحكم على الحديث- فإذا كان المتأخرون عموما يعتمدون الأسانيد وأحوال رواتها في الحكم على الحديث، ويفصلون بينهما، ويجعلون الأحكام تابعة لأحوال الرواة، فإن المتقدمين النقاد يعتمدون فيه على مدى خلو الحديث من شذوذ وعلة، وإذا حال الأمر دون معرفة ذلك يكون ظاهر السند وأحوال الرواة هو المعول عليه في التصحيح والتضعيف. يقول ابن دقيق العيد واصفا منهج الفقهاء والأصوليين المتأخرين: ((ومداره (يعني الصحيح) بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قرر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندا)) (١) .

стр. 206

كما بينه أيضا في شرح الإلمام: ((إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريقا غير طريق الآخر، فإن الذي تقتضيه قواعد الأصول والفقه أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالرواية، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه، فمتى حصل ذلك، وجاز ألا يكون غلطا، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة، لم يترك حديثه)) . وقال الصنعاني معقبا عليه: ((وهو صريح في اختلاف الاصطلاحين في مسمى الصحيح من الحديث كما قررناه)) (١) . وهذا التباين المنهجي في التصحيح والتضعيف متفق عليه بين الأئمة. لذلك فإن معظم المتأخرين ممن تكلم في الحديث كان يقول: ((إسناده صحيح)) ،وقلما يقول: ((حديث صحيح)) ، بخلاف النقاد القدامى، فإنهم يقولون: ((حديث صحيح)) وبين القولين فرق واضح، إذ معنى الأول: رواته ثقات، وظاهر السند متصل، ومعنى الثاني أن الراوي لم يخطئ في نقل الحديث عمن فوقه. وأنت إذا تتبعت كتاب (الأحاديث المختارة) للحافظ المقدسي - على سبيل المثال - وجدته لا يكاد يصحح الحديث إلا بقوله: (إسناد صحيح) ، ولا يقول (حديث صحيح) . والباحث المعاصر لا يفرق بينهما، ويجعل تصحيح المتأخرين مثل تصحيح المتقدمين النقاد، بل يرد به على النقاد لغروره بظاهر السند.

стр. 207

من هنا جاء في كتب المصطلح بيان هذه النقطة المهمة للغاية لكيلا يقع لدينا خلط بين أسلوب المتقدمين النقاد وبين أسلوب المتأخرين عموما في التصحيح والتضعيف والمصطلحات التي يستخدمونها في ذلك؛ يقول ابن الصلاح: قولهم حديث صحيح الإسناد أو حسن، دون قولهم: هذا حديث صحيح أو حديث حسن، لأنه قد يقال هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح لكونه شاذا أو معللا، غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله إنه صحيح الإسناد ولم يذكر له علة ولم يقدح فيه فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر (١) . يفيد هذا النص وجود خلاف بين القولين: (حديث صحيح) ، و (إسناده صحيح) ، وإذا تتبعنا كتب السابقين وجدنا النقاد المتقدمين يتعودون على اللفظ الأول، والمتأخرين على الثاني. وبالتالي فإن التمييز بين القولين في المعنى، وحمل كل منهما على محمله الحقيقي هو عين الإنصاف، وأما غير ذلك فيعد انحرافا خطيرا يجب على العلماء إصلاحه.

стр. 208

من بين أنواع علوم الحديث ما هو أكثر تأثرا بمستجدات عصر ما بعد الرواية، وهو الجرح والتعديل وطرق التحمل والأداء، لذا تجد هذين النوعين في كتب المصطلح مدخلا واسعا لدخول علماء الفقه والأصول، بل تلحظ المتأخرين يميلون إلى ترجيح بعض أقوالهم، وذلك نظرا لكون هذين الموضوعين مما تناولوه وانشغلوا به نظريا وعمليا. أما الجرح والتعديل فمن باب مسألة الشهادة التي انشغل المتأخرون من الفقهاء وأئمة الأصول بتحرير ما يتصل بعدالة الشاهد وما يضرها من خلل سلوكي وعقدي، وأما طرق التحمل والأداء فمن خلال تطبيقهم لها في نظمهم التعليمية التي تطورت في عصرهم، حتى وقع لهم فيها تساهل في تطبيق شروط النقاد في أسانيد الكتب كما سبق ذلك عن الإمام البيهقي وغيره. وفي ضوء هذا الواقع فإن كتب الحديث والمصطلح، تحمل في طياتها جهود المحدثين في مجال علوم الحديث، مع تحديد دقيق لأطوار هذه الجهود المرحلية، وعوامل تطورها وتجددها، وآثارها في تكوينهم وتفكيرهم وانشغالاتهم العلمية، لكن يتوقف معرفة ذلك كله على دراسة تحليلية ومنهجية لتلك الكتب والمصطلحات، بعيدا عن العواطف وظواهر التقديس التي يتقيد بها كثير من الباحثين في هذا العصر؛ إما لضيق وقتهم بسبب الانشغال بأمور أخرى، أو لاقتناعهم بأن هذا العلم قد نضج واحترق ولم يترك السابق للاحقه شيئا، أو لأنهم لم يستوعبوا علوم الحديث كما ينبغي، بحيث يتخيل إليهم أن كل ما تضمه كتب المصطلح من القضايا مسلمة لدى المحدثين النقاد. من خلال قراءة منهجية لكتب المتقدمين والمتأخرين في مجال الحديث وعلومه تتبين الأمور الآتية: ١ - أن المتأخرين أبدعوا في حفظ كتب المتقدمين ودواوينهم، وحمايتها من جميع أنواع التحريف والتصحيف والانتحال، وأما المتقدمون فانصبت عنايتهم على رواية الحديث، وأبدع نقادهم في جانب النقد وكشف أخطاء الرواة وأوهامهم. وأن الجميع قاموا بحفظ السنة والذب عنها، كل حسب مستجدات عصره.

стр. 209

٢ - ظهرت بعض المصطلحات في عصر المتأخرين، وتغيرت معاني بعضها. وعليه فلا ينبغي الخلط بين المناهج، بل لا بد من حمل كل مصطلح على منهج قائله. ٣ - أسفرت جهود المتأخرين عن ظهور منهج علمي رائع في تحقيق المخطوطات وضبطها وتصحيحها، كما أسفرت جهود المتقدمين عن منهج علمي عظيم في نقد المرويات. ونحن في هذه المرحلة الزمنية بحاجة ملحة إلى معرفة هذين المنهجين. أما ما تعاني منه الساحة العلمية اليوم من عدم الانضباط بقواعد المحدثين النقاد في النقد، وقواعد المتأخرين في تحقيق التراث فسببه الرئيس الخلط بين جهود هؤلاء الأئمة، واعتبار المتأخرين مصادر أصيلة فيما أبدع فيه المتقدمون، وحمل نصوص بعضهم ومصطلحاته على ما قصده غيره، وإذا أردنا خدمة السنة النبوية وعلومها فإنه لا ينبغي أن نضيع الأوقات في الاهتمام بالسطحيات والشكليات التي لا تزيدنا إلا بعدا عن الحقيقة وتعقيدا في المنهج وغموضا في الفهم، بل يجب علينا التباحث حول حقيقة أسباب الخلل والتقصير، ولذا أقترح ما يأتي (والله تعالى الموفق) : الحل المقترح: إن كان بحثي مرتكزا على بيان الخلط بين مناهج مختلفة ومصادر أصيلة ومساعدة في فهم مصطلحات الحديث وقواعد علوم الحديث لكونه من أهم أسباب وقوع الخلل في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل، فإني لا أقتصر هنا على ذكر ما يتصل بذلك فحسب بل أقترح ما يكون حلا شاملا. وإذ أشكر السابقين والمعاصرين، وأقدر جهودهم في سبل تسهيل علوم الحديث على الطلبة المبتدئين، دون استثناء أحد منهم، فإني لا أعتقد أن هذه المجهودات كانت متكاملة وصالحة في كل الأعراف العلمية التي تتغير وتتطور بتغير الزمن، لذلك أقترح ما يأتي، دون أن أقصد بذلك طعنا ولا تقليلا من شأنهم. وفيما يأتي ذكر المواصفات التي ينبغي أن يتضمنها الكتاب المقرر في علوم الحديث.

стр. 210

أولا: وضع تمهيد أو مدخل لتوعية الطلاب بأهمية التعرف على مصادر علوم الحديث الأصيلة وتمييزها عن المصادر المساعدة لها، وضرورة اعتماد الأصيل عند الاختلاف. بهذا نتجنب منهج التبرير الذي كثيرا ما يأتي استجابة للأهواء، وهو بالتأكيد منهج لا يتناسب مع البحث العلمي في العلوم الإسلامية. ثانيا: ترتيب المصطلحات حسب وحداتها الموضوعية. ثالثا: استخدام الأمثلة الواقعية لشرح مواضيع علوم الحديث ومصطلحاتها. رابعا: ضرورة العمل على ربط منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف والجرح والتعديل بمبادئ مصطلح الحديث. خامسا: التركيز على بلورة منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل كما ينبغي التركيز على عنايتهم بالجوانب الفقهية. بهذا نستطيع الاستفادة مما تركه لنا الأئمة المتقدمون والمتأخرون؛ نستفيد من المتقدمين منهجهم في نقد المنقولات، ومن المتأخرين منهجهم في تحقيق التراث. وتفاصيل هذه النقاط كالآتي: أما النقطة الأولى فينبغي التركيز على توعية الطلاب بأهمية التعرف على المصادر الأصيلة التي انبثقت منها قواعد علوم الحديث، والمصادر المساعدة الفرعية التي يتمثل دورها في جمع ما تناثر في المصادر الأصيلة، إلى جانب نصوص الفقهاء وعلماء الأصول, لا سيما في مباحث الجرح والتعديل وطرق التحمل والأداء، وذلك ليتم الترجيح بالرجوع إلى المصدر الأصيل حين وقوع خلاف أو غموض أو شبهة حول مصطلح من المصطلحات. إن كانت هذه النقطة قد تفهم من بعض كتب المصطلح بعد دراسة مقارنة وقراءة تحليلية، بعيدا عن القراءة العاطفية والتقديسية، فإن المؤلفين المعاصرين لم يولوها اهتماما ولم يتطرقوا إلى إبرازها من خلال وضع عنوان مستقل لها، بل كان أسلوبهم في كتب المصطلح يخلط بين مصادرها الأصيلة والمساعدة، لذا نرى بعض الباحثين في معرض الرد على النقاد الذين يعدون مصادر أصيلة في علوم الحديث يقول:

стр. 211

((زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح)) . يقول باحث آخر: ((لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة وحتى الإمام البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها، وإني بحمد الله طبقت منهج المحدثين)) يقصد بالمنهج الذي طبقه هو ما تقرر في كتب المصطلح. أما النقطة الثانية - وهي ترتيب المصطلحات حسب وحداتها الموضوعية - فيمكن توزيع أنواع علوم الحديث جميعها تحت أربع وحدات موضوعية رئيسة، وهي كما يلي: ١- علم الرواية. ٢- قواعد التصحيح والتعليل. ٣- علم الجرح والتعديل. ٤- فقه الحديث. فبتنسيق أنواع علوم الحديث على هذا النمط، من غير تفريق بين المصطلحات التي تشترك في المعنى والحكم، أو ذكر بعضها في موضع، وآخر في موضع قد يكونان متباعدين، كما هو الحال في كتب المصطلح عموما، فإن كثيرا من العقد والشبه التي تكتنف هذا العلم تتبدد تلقائيا، ويصبح منهج المحدثين في نقد الأحاديث واضح المعالم لدى الجميع. الوحدة الأولى: تحوي هذه الوحدة ـ وهي علم الرواية ـ المسائل التالية: معرفة آداب المحدث، ومعرفة آداب طالب الحديث، وطرق تحمل الحديث، وكتابة الحديث، وضبط الكتاب، ورواية الحديث وشروطها، ومعرفة علو الإسناد ونزوله. مع لفت الانتباه إلى ما استحدث فيها في عصر ما بعد الرواية من مصطلح وحكم. وتحتل هذه الوحدة مكانة رفيعة عند المحدثين وغيرهم من أهل العلم، وذلك لأن نظمهم في التعليم قائمة على مراعاة أنواعها، وظهور التأليف مبكرا ومستقلا في هذه الوحدة من وحدات علوم الحديث - مثل كتاب الرامهرمزي (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) - دليل واضح على مدى اهتمامهم بهذا الجانب التربوي.

стр. 212

وإن كان كثير من مواضيع هذه الوحدة ـ مثل طرق التحمل والأداء وكتابة الحديث وضبط الكتاب ومعرفة علو الإسناد ونزوله ـ يغلب عليها الجانب التاريخي، ولا يوجد في دراستها اليوم كبير فائدة إذا نظرنا في مدى إمكانية تطبيقها في نظمنا في التعليم، لكنها تلقي أضواء كاشفة على كثير من الحيثيات التي يعتمد عليها نقاد الحديث في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل، ومن هذه الجهة تظهر الأهمية الكبيرة في دراستها االيوم ضمن مادة علوم الحديث. الوحدة الثانية: تحوي هذه الوحدة ـ وهي قواعد التصحيح والتضعيف ـ الأنواع الآتية: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمدلَّس، والمرسل، والمنقطع، والمعلق، والمعضل، وزيادة الثقة، والعلة، والشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب، والموضوع. إذا نظرنا في منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل، القائم أساسا على مدى موافقة الراوي للواقع ومخالفته له وتفرده بما له أصل أو بما ليس له أصل، بعبارة أخرى: على مدى خلو الحديث من شذوذ وعلة (١) وجدنا هذه الأنواع تنقسم إلى ثلاثة موضوعات على الشكل الآتي: ١ ـ الحديث الذي ثبتت صحته. ٢ ـ الحديث الذي ثبت خطؤه. ٣ ـ الحديث الذي لم يثبت فيه هذا ولا ذاك. وفيما يلي بيان ذلك: أما الموضوع الأول فيطلق عليه عادة مصطلح ((صحيح)) ، وقد يطلق عليه مصطلح ((حسن)) (٢) ، بينما يصطلح عليه بعضهم كلمة ((حسن صحيح)) .

стр. 213

وأما الموضوع الثاني فيطلق عليه: (ضعيف) ، (معلول) ، (شاذ) ، (منكر) ، (مقلوب) ، (مدرج) ، (مصحف) ، (مضطرب) ، (موضوع) . وإلى جانبها ألفاظ صريحة يستعملها النقاد كثيرا؛ وهي: (حديث غريب) ، (غير محفوظ) ، (باطل) ، (وهم) ، (خطأ) (تفرد به فلان) ، (لا يشبه حديث فلان) (لا يجيء) وغيرها من العبارات الصريحة التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء وغيرها. والموضوع الثالث يقال فيه: (ضعيف (١) ، (مرسل) ، (مدلس) ، (منقطع) ، (معضل) ، (معلق) وإذا تقوى نوع من هذه الأنواع بعواضد بالشروط التي سيأتي ذكرها، ولم يصل إلى حد شعور الناقد بأنه ثابت، يقال: (حسن) ، (جيد) ، (لا بأس به) ، وقد يطلق عليه أيضا (صحيح) تجوُّزا، ولا يريد به الموضوع الأول (٢) . وجه تقسيم هذه الأنواع تقسيما ثلاثيا: لقد قسمنا هذه المصطلحات على ثلاثة أقسام - كما رأيت آنفا -، وذلك حسب شعور النقاد تجاه الحديث. وإلا ففي الواقع لا ينقسم الحديث سوى قسمين: صحيح وخطأ. لكن لن يكون بمقدور الناقد أن يعرف دوما ماذا في الواقع، خطأ أو صواب، لأنه قد لا يتوافر لديه من المعلومات ما يساعده على معرفة ذلك؛ فإذا علم الناقد صحة الحديث يعبر عن ذلك بما يدل عليه من الألفاظ، وإذا علم خطأه يعبر عنه بما يدل عليه من العبارات، وإذا لم يعلم هذا ولا ذاك فتعبيره عن ذلك يكون بقدر شعوره تجاه الحديث. وعليه فإن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى شعور الناقد، وأما في واقع الأمر فلا يكون له إلا قسمان: خطأ، وصواب.

стр. 214

وإذا رجعنا إلى أنفسنا نجد هذا التقسيم واقعيا، إذ الخبر الذي نسمعه لا يكون في الواقع إلا صوابا، أو خطأ، لكن ليس بمقدورنا أن نعرف هذا الواقع دائما، وبالتالي ينقسم هذا الخبر بالنسبة إلى شعور المخاطب إلى تلك الأقسام الثلاثة؛ لأنه قد يعرف أن الخبر صواب، أو أنه خطأ، أو لا يعرف شيئا، وإن كان يتنوع ما يعبر به المخاطب عما يجول في خلده تجاه الخبر الذي سمعه، بيد أنه لا يخرج عن قسم من هذه الأقسام. وإذا كان الموضوع الأول يضم جميع المسائل المتعلقة بمعرفة صحة الحديث وثبوته، فإن الموضوع الثاني باعتباره مقابل الأول يشمل جميع الأنواع التي تكون لها صلة بمعرفة الخطأ في الحديث ـ سواء أكان الراوي متعمدا في خطئه أم غير متعمد ـ والأنواع هي: العلة، والشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب، والموضوع. غير أن نوع (الموضوع) يجب أن يذكر في باب خاص، لكون راويه كذابا ووضاعا. ويلحق به ما رواه المتروك بسبب فسقه، لأنه مثل الوضاع في عدم جواز الرواية عنه. ومن الجدير بالذكر أن مصطلح (العلة) أو (المعلول) يشكل موضوعا عاما يندرج تحته بقية الأنواع المذكورة، وليس نوعا قسيما، وهي: الشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب. وأما الموضوع الثالث فيمثل درجة متوسطة بين هذين الموضوعين، وعريضة، إذ يجذبها أحيانا أحد الطرفين: الصحيح أو المعلول، بقدر ما تتوافر في الحديث من العواضد الخارجية، غير أنه لا يرتقي إلى الصحيح، كما لا ينزل إلى الضعيف الذي تبين خطؤه. ومن هنا قد يكون موقف النقاد تجاه الحديث الذي يندرج تحت هذا النوع مضطربا، كما اضطرب المتأخرون في تحديد معنى مصطلح (الحسن) الذي يكون أساسه هذه الدرجة المتوسطة. والعنوان الذي يطابق هذا الموضوع هو» الضعيف المنجبر «، ويشمل الأنواع التالية:

стр. 215

المرسل، والمعلق، والمدلس، والمنقطع، والمعضل، وما رواه الضعيف غير المتروك بشرط أن لا يظهر للناقد ما يدل على صحته ولا خطئه، وأما إذا تقوى نوع من هذه الأنواع بالوجوه التي سيأتي تفصيلها فيقال عنه (حسن) وتستعمل فيه ألفاظ أخرى، مثل (جيد) و (لا بأس به) و (صالح) و (مقبول) . وبقي لنا تصنيف مسألة زيادة الثقة، فإن زيادة الثقة من حيث كونها مسألة لا تشكل نوعا خاصا مستقلا عن مسائل الصحيح والحسن والمعلول، ولا خارجة من حدودها؛ إما أن تكون صحيحة، أو حسنة، أو معلولة، ويكون كل ذلك تبعا لدلالة القرائن المحتفة بها. وأما من حيث كونها كلمة اصطلاحية فتظل نوعا يحتاج إلى تعريف، ولتوضيح ذلك سنخصص لها فصلا خاصا. الوحدة الثالثة: تضم الوحدة الثالثة ـ وهي علم الجرح والتعديل ـ ما يلي: رواة الحديث، وطبقاتهم، والصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، وشروط قبول الرواية: العدالة، والضبط، وما يختل به كل من العدالة والضبط، والبدعة وأثرها في العدالة، والجهالة، وأثرها في رد الحديث، والكذب، وأثره في العدالة، وصيغ الجرح والتعديل، وتعارض الجرح والتعديل، وأسباب ذلك، وعلماء الجرح والتعديل، ومصادر هذا العلم. وتجدر الإشارة إلى أن علم الجرح والتعديل من أهم النتائج التي تمخض عنها جهد المحدثين في نقد الأحاديث، تصحيحا وتعليلا. الوحدة الرابعة: تضم الوحدة الرابعة ما يلي: معرفة الناسخ والمنسوخ في الحديث، ومشكل الحديث ومحكمه، وغريب الحديث، ومعرفة مناسبة الحديث وأسباب وروده. وهذه المسائل التي طبقها المحدثون لمعرفة فقه الحديث ينبغي أن ندمجها في مفردات علوم الحديث، حتى يترسخ في ذهن الطالب مدى اهتمام المحدثين النقاد بالجوانب الفقهية للأحاديث، وهي التي تطورت فيما بعد حتى استقلت بعلم أصول الفقه.
следующие страницы →