Полный текст (758 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وإن أحدث أو قَهْقَهَ بطلت كفعلهما فِي صُلْبِها (١) ، وإن نفخ أو انْتحَب لَا من خشيَة الله (٢) ، أو تنحنح بِلَا حَاجَة فَبَان حرفان بطلت (٣) . الحواشي
(١) أي: إن أحدث أو قهقه بعد أن سلم سهواً بطلت الصلاة، كفعلهما في صلبها، أي: قبل تسليم الصلاة، لكن إن تبسم لم تبطل صلاته.(٢) النحيب - كما في مختار الصحاح -: (رفع الصوت بالبكاء)، فإذا انتحب لا من خشية الله تعالى فبان حرفان فككلام؛ لأنه من جنس كلام الآدميين فتبطل الصلاة؛ لكن قال البهوتي في الكشاف: (وظاهره: لا فرق بين ما غلب صاحبَه، وما لم يغلبه؛ لكن قال في المغني والنهاية: إنه إذا غلب صاحبه لم يضره لكونه غير داخل في وسعه ولم يحكيا فيه خلافا قاله في المبدع)، فالحاصل: أنه إذا غلبه البكاء - سواء من خشية الله تعالى أو لطروء موقف مبك على ذهنه - فلا تبطل الصلاة ولو بان حرفان ولعله مراد من أطلق والله أعلم. (بحث)(٣) كالمتكلم. قوله: فبان حرفان: أي في النفخ والنحيب والنحنحة، أما إذا فعل شيئاً مما ذكر لحاجة، فإن الصلاة لا تبطل به.стр. 107
وَمن ترك ركناً غيرَ التَّحْرِيمَةِ (١) فَذكره بعد شُرُوعهِ فِي قِرَاءَة رَكْعَةٍ أخرى بطلت الْمَتْرُوكُ مِنْهَا وَصَارَت الَّتِي شرع فِي قراءتها مَكَانَهَا (٢) . وَقَبله يعود فيأتي بِهِ وَبِمَا بَعْده (٣) . وَبعد سَلامٍ فكترك رَكْعَةٍ (٤) .
وإن نَهَضَ عَن تشهدٍ أوَّلٍ نَاسِياً لَزِم رُجُوعُه، وَكُرِه إن استتم قَائِماً. الحواشي
(١) شرع الماتن في الحديث عن النقص في الصلاة: فمن ترك التحريمة لم تنعقد صلاته، كمن حج بلا إحرام، فإن حجه لا يصح.(٢) فلو ترك سجدة من الركعة الأولى فلم يذكرها حتى شرع في قراءة الفاتحة، فإن الركعة الأولى تبطل وتصير الثانيةُ مكانَها. ولو رجع إلى السجدة بعد أن شرع في القراءة عمداً بطلت صلاته على المذهب، أما الشيخان السعدي وابن عثيمين فقالا: يلزمه أن يعود إلى الركن الذي تركه ما لم يصل إلى مثله في الركعة التالية.(٣) أي: إذا ذكر الركن المتروك قبل أن يشرع في قراءة فاتحة الركعة التي تلي الركعة المتروك منها الركن، فإنه يعود وجوباً، فيأتي به وبما بعده، فإن لم يعد عالماً عمداً بطلت صلاته.(٤) أي: إذا ذكر الركن المتروك بعد السلام، فكأنه ترك ركعة كاملة، فيأتى بركعة، ويسجد للسهو قبل السلام استحباباً. وهذه مسألة نص عليها الإمامُ أحمد في رواية حرب، وكأن الشيخ منصور استشكلها في شرح المنتهى؛ لأن من سلم عن نقص يستحب له أن يسجد بعد السلام على الصحيح من المذهب كما تقدم، وهذا قد سلم عن نقص.
(تنبيه) يستثنى من هذه المسألة: إذا تذكر بعد طول الفصل عرفاً، أو بعد أن أحدث، أو بعد أن تكلم، فتبطل الصلاة ويلزمه استئنافها.стр. 108
وَحرُم وَبَطلَت إن شرع فِي الْقِرَاءَة لَا إنْ نَسي أو جَهِل (١) . وَيتْبَعُ مأمومٌ (٢) . وَيجب السُّجُودُ لذَلِك مُطلقًا (٣) .
وَيَبْنِي على الْيَقِينِ وَهُوَ الأقلُّ من شَكَّ فِي رُكْنٍ أو عددٍ (٤) . الحواشي
(١) فالقيام عن التشهد الأول له ثلاث صور: ١ - إن ذكره قبل أن يستتم قائماً وجب رجوعه، ٢ - وإن ذكره بعد أن استتم قائماً وقبل أن يشرع في القراءة كُره رجوعه، ٣ - وإن ذكره بعد شروعه في القراءة حرم رجوعه، وتبطل صلاته إن رجع عالماً عمداً؛ لأن القراءة ركن مقصود في نفسه، بخلاف القيام، فإنه مقصود لغيره. وقوله: جهل: أي جهل تحريم الرجوع.
(تتمة) كذلك كل واجب تركه المصلي ناسياً، فإنه يرجع إليه ما لم يتلبس بالركن الذي يليه، فلو ترك تسبيح الركوع لزمه أن يعود ما لم يعتدل قائماً، فإن اعتدل قائماً حرم رجوعه.(٢) أي: يلزم المأموم متابعة الإمام في قيامه (ناسياً) عن التشهد الأول وجلسته حتى لو اعتدل. لكن لو شرع الإمام في القراءة ثم رجع، وجب على المأموم أن يفارقه، وإن علم أنه رجع عالماً متعمداً وتابعه، فإن صلاته باطلة، لكن الإشكال: كيف يعرف أنه عالم متعمد؟(٣) أي: يجب السجود للسهو في كل صور القيام عن نسيان التشهد الأول المتقدمة.(٤) لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم، رواه مسلم. ويأخذ الظن حكم الشك هنا، فيبني فيه على الأقل أيضاً، وإن شك في إتيانه بركن، فكتركه، وإن شك في ترك واجب بعد أن فارق محل ذلك الواجب لم يسجد للسهو - كما في الزاد -.стр. 109
فصل (في صلاةِ التطوع) (١)
آكدُ صَلَاةِ تطوعٍ: كسوفٌ (٢) فاستسقاءٌ (٣) فتراويحٌ (٤) فوترٌ (٥) . الحواشي
(١) التطوع لغة: فعل الطاعة، وشرعاً: طاعة غير واجبة.
(تتمة) يذكر الحنابلة في هذا الموضع مسألة مهمة وهي: ما أفضل ما يُتطوع به بعد الفرائض؟ فأفضل ما يتطوع به على المذهب: ١ - الجهاد في سبيل الله، ٢ - ثم النفقة في الجهاد، ٣ - ثم تَعَلُّمُ وتعليم العلم الشرعي، فجعلوا التعلم والتعليم بمنزلة واحدة، ٤ - ثم الصلاة النافلة، وآكدها: كسوف، فاستسقاء إلى آخر ما ذكره الماتن، ٥ - ثم ما تعدى نفعه من صدقه وعيادة مريض ونحوهما، ٦ - ثم الحج، ٧ - ثم الصوم.(٢) هي أفضل صلاة التطوع؛ لأن النبي ﷺ فعلها وأمر بفعلها حيث قال: «فإذا رأيتموه فقوموا وصلوا» متفق عليه. وصلاة الكسوف سنة مؤكدة على المذهب وليست واجبة، وذهب الشيخ ابن عثيمين إلى وجوب صلاة الكسوف على الأعيان.(٣) لأن النبي ﷺ كان يفعلها تارة ويتركها تارة، بخلاف صلاة الكسوف فلم ينقل أنه تركها.(٤) لأن النبي ﷺ لم يداوم عليها، وإنما صلى بعض الليالي، لكنها أشبهت الفرائض من حيث الاجتماع لها.(٥) لأنه تسن له الجماعة إذا صُلي مع التراويح، بخلاف التراويح، فإنها تسن لها الجماعة مطلقاً، فلهذا كان الوتر دونها في الأفضلية. وينبغي للإنسان ألا يترك الوتر، فقد ذكر الإمام أحمد أن من ترك الوتر رُدت شهادته، وجعله الحنفية واجباً.стр. 110
وَوَقتُه من صَلَاةِ الْعشَاء إلى الفجْر (١) ، وأقلُّه رَكْعَةٌ (٢) ، وأكثرُه إحدى عشرَة، مثنى مثنى (٣) ، ويوترُ بِوَاحِدَةٍ، وأدنى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ بسلامين (٤) ، الحواشي
(١) أي: الفجر الثاني. وقوله: من صلاة العشاء: هكذا في المنتهى والتنقيح والغاية، وقال في الإقناع: (ووقت الوتر بعد صلاة العشاء وسنتها)، قال في الكشاف: (استحباباً؛ ليوالي بين العشاء وسنتها)، فإن أوتر قبل سُنة العشاء صح. (بحث)(٢) لحديث: «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أبو داود وغيره، وقد ثبت الإيتار بركعة عن عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الثلاثة وعائشة ﵃.(٣) أي: يسلم من كل ركعتين.(٤) أي: يصلي ركعتين ويتشهد ويسلم، ثم يصلي ركعة ويتشهد ويسلم، قال في الإقناع: (وهو أفضل، ويستحب أن يتكلم بين الشفع والوتر، ويجوز بسلام واحد). ويجوز سرد الثلاث بتشهد وسلام واحد. وذكر الإقناع والغاية صورة ثالثة وهي: أن يصليها كالمغرب، ولم يذكرها المنتهى، بل ليست هذه الصورة من المذهب كما قرره ابن النجار في شرحه للمنتهى، وعبارة الغاية: (وتجوز كالمغرب، وقيل: لا). (مخالفة)
ويقرأ في الركعة الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(١) ﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ(١) ﴾، وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(١) ﴾.
(تتمة) يجوز الإيتار بركعة كما تقدم، وكذا يجوز بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة، وكلها يمكن أن تصلى على إحدى الصور الثلاث التالية: ١ - أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي ركعة واحدة، وهذا الأفضل فيما لو أوتر بإحدى عشرة ركعة. ٢ - أو يسرد الكل بتشهد واحد وسلام واحد، وهذا الأفضل فيما لو أوتر بخمس أو سبع. ٣ - أو يسرد الكل ويجلس في الركعة قبل الأخيرة، فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي الركعة الأخيرة، ويتشهد ويسلم، وهذا الأفضل فيما لو أوتر بتسع.
وأقل ما أوتر به النبي ﷺ سبع ركعات، كما عند أبي داود عن عائشة ﵂، وذكر الإمام أحمد أن كل ما نقل عن النبي ﷺ أنه صلى ركعة، فلا يعني أنه اقتصر عليها، بل يكون قد صلى قبلها.стр. 111
ويقنتُ (١) بعد الرُّكُوع ندباً (٢) ، فَيَقُول: «اللَّهُمَّ اهدني فِيمَن هديت، وَعَافنِي الحواشي
(١) يسن في المذهب أن يقنت في كل ليلة من السَّنة، خلافاً للشافعية الذين يقولون بالقنوت في النصف الثاني من رمضان، وتوسط الشيخ ابن عثيمين فقال: يسن أن يقنت تارة ويترك تارة، ويكون الترك أكثر من الفعل.
(تتمة) هل يستحب أن يقنت جهراً أم سراً؟
في المنتهى: (جهراً)، وهو يشمل ما إذا كان منفرداً أو إماماً، ولذا قال في الغاية: (ويدعو جهراً ولو منفردا)، وقال في الإقناع: (جهراً إن كان إماماً أو منفرداً نصاً، وقياس المذهب يخير المنفرد في الجهر وعدمه كالقراءة). قال الشيخ منصور في الكشاف: (وظاهر كلام جماعة: أن الجهر يختص بالإمام فقط، قال في الخلاف: وهو أظهر). قلت: والمذهب الجهر للإمام والمنفرد، كما هو مجزوم به في المنتهى، وقدمه الإقناع، والله أعلم. (تحرير)(٢) لحديث أنس ﵁ المتفق عليه، وروي عن الخلفاء الراشدين. فيقنت، ثم يكبر رافعًا يديه ويسجد، أي: يرفع يديه عند إرادته السجود، نص عليه؛ لأن القنوت مقصود في القيام فهو كالقراءة. ويجوز في المذهب أن يقنت قبل الركوع، فيكبر بعد القراءة ويرفع يديه ويقنت.стр. 112
فِيمَن عافيت، وتولني فِيمَن توليت، وَبَارك لي فِيمَا أعطيت، وقني شَرّ مَا قضيت، إنك تقضي وَلَا يقْضى عَلَيْك، إنه لَا يذل من واليت، وَلَا يعز من عاديت، تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت، اللَّهُمَّ إنا نَعُوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عُقُوبَتك، وَبِك مِنْك لَا نحصي ثَنَاءً عَلَيْك أنت كَمَا أثنيت على نَفسك» (١) ،
ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ (٢) ، ويؤمّنُ مأمومٌ (٣) ، وَيجمع إمامٌ الحواشي
(١) اقتصر عليه هنا وفي الزاد، وعندنا - على المذهب - دعاء يقال قبله، وهو: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك .. اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم اهدنا .. الخ»(٢) لأثر عروة ﵁: «أن الأئمة الذين كانوا يصلون بالناس قيام رمضان على عهد عمر كانوا يصلون على النبي ﷺ »، رواه ابن خزيمة وحسنه محقق الروض المربع عبد الله الغصن، وبه قال الألباني للآثار الواردة عن بعض الصحابة ﵃.(٣) أي: يستحب أن يقول المأموم: «آمين» في كل ما يقوله الإمام، وظاهر المذهب أن يقتصر عليه ولا يقول «سبحانك» إذا مجّد الإمامُ الله تعالى، بل حتى في الصلاة على النبي ﷺ . قال الشيشيني في شرح المحرر: (وإطلاق الأصحاب يقتضي أن يؤمن في الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنها دعاء)، وهو مذكور في هامش شرح المنتهى.
(تنبيه) قَيَّدَ ابنُ النجار في شرحه للمنتهى استحباب تأمين المأموم: بما إذا سمع المأموم قنوت الإمام، وإن لم يسمعه دعا، نص عليه، وتبعه البهوتي في شرحيه، وكذا النجدي فقال: (إن سمع وإلا فالظاهر أنه يقنت لنفسه، كما إذا لم يسمع قراءة الإمام فإنه يقرأ). (تحرير)стр. 113
الضَّمِيرَ، وَيمْسَح الدَّاعِي وَجهَه بيدَيْهِ مُطلقًا (١) .
والتَّرَاوِيحُ عشرُون رَكْعَةً (٢) برمضان، تسنُّ وَالوترُ مَعهَا جمَاعَةً (٣) ، ووقتُها بَين سنةِ عشَاءٍ ووترٍ (٤) . الحواشي
(١) أي: يستحب أن يمسح وجهه بيديه إماماً كان أو غيره، في الصلاة أو خارجها؛ لحديث السائب بن يزيد عن أبيه عن جده: «أن الرسول ﷺ كان إذا دعا رفع يديه ومسح بهما وجهه»، رواه أحمد وأبو داود والبيهقي. وفي الرواية الثانية: لا يستحب له أن يمسح، وقد أنكره مالك، وقال البيهقي: (الأَولى أن لا يفعله)، وهو رأي شيخ الإسلام ﵀.(٢) قال النجدي: (هذا الأكمل، لا أنه قيد في سنيتها). وفي الإقناع: (ولا تنقص عنها، ولا بأس بالزيادة)، قلت: والظاهر من نص الإقناع: لم يفعل سنةَ التراويح مَنْ صلى أقل من عشرين، والله أعلم.(٣) وذلك أَولى من أن يصليهما منفرداً، ويسلم من كل اثنتين بنيةٍ أول كل ركعتين.(٤) وهل تصح التراويح قبل سنة العشاء؟ قال البهوتي في الكشاف في ذلك: (صح جزماً، ولكن الأفضل فعلها بعد السنة على المنصوص، هذا حاصل كلام ابن قندس. قلت: وكذا لو صلاها بعد الوتر وقبل الفجر)، ووافقه النجدي في حاشيته على المنتهى. وقال صاحب الغاية: (والأفضل بعد سنتها) (بحث)
(تتمة) من أوتر مع إمامه ثم أراد أن يصلي، فإنه لا ينقض وتره بل يصلي مثنى مثنى، لكن الأَولى لمن له تهجد بعد صلاته مع الإمام أن يأتي بركعة بعد تسليم إمامه.
ويباح التعقيب على المذهب، ولا يسن. والتعقيب: الصلاة جماعة بعد التراويح والوتر والنوم، فيصلون مثنى مثنى.стр. 114
ثمَّ الرَّاتِبَةُ: رَكْعَتَانِ قبل الظّهْر، وركعتان بعْدهَا، وركعتان بعد المغربِ، وركعتان بعد الْعشَاء، وركعتان قبل الفجْرِ وهما آكدُها (١) .
وَتسن صَلَاةُ اللَّيْل بتأكدٍ، وَهِي أفضلُ من صَلَاةِ النَّهَار (٢) .
وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ لقارئٍ ومستمعٍ (٣) ، الحواشي
(١) أي: السنن الرواتب في المذهب عشر ركعات، كما في حديث ابن عمر ﵄: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات ... » الحديث متفق عليه، بخلاف ما جاء عند مسلم عن أم حبيبة ﵂: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة»، الحديث.(٢) أي: نفل الليل المطلق أفضل من نفل النهار المطلق، كما في الحديث: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، رواه مسلم. ونفل الليل المقيد كالوتر، والتراويح.
(تتمة) كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام على المذهب؛ للأحاديث الكثيرة الدالة على ذلك كقوله ﷺ : «أعنّي على نفسك بكثرة السجود»، متفق عليه. والقول الآخر في المذهب: تفضيل طول القيام على كثرة الركوع والسجود؛ للحديث الصريح: «أفضل الصلاة طول القنوت»، رواه مسلم.(٣) الذي يقصد الاستماع، فيسن لهما السجود مع قصر الفصل لا مع طوله.
(تتمة) عدد السجدات في القرآن على المذهب أربع عشرة سجدة في الحج منها اثنتان، وليست منها سجدة سورة (ص) كما في حديث ابن عباس ﵄: «ص ليست من عزائم السجود» رواه البخاري، وهي سجدة شكر، فلو سجد لها في الصلاة بطلت؛ لأنه زاد سجوداً في الصلاة. أما إن صلى خلف إمام فسجد فيها، فإن المعاصرين من الحنابلة اختلفوا في متابعته للإمام في هذه الحالة، والذي يظهر لي: تبطل صلاة المأموم لو تابع إمامه على المذهب، والله أعلم، وعليه أن ينتظر حتى يسجدها إمامه، ثم يتابعه.
وقد يقال بعدم البطلان أخذا من كلام شيخ الإسلام - ذكره في الإنصاف والكشاف -: (لو فعل الإمامُ ما هو محرم عند المأموم دونه مما يسوغ فيه الاجتهاد، صحت صلاته خلفه، وهو المشهور عن أحمد) ذكره في الإنصاف بعد تقرير: ما لو ترك الإمام شرطا أو ركنا يعتقد المأمومُ شرطيتَه أو ركنيتَه دون الإمام، فتصح للمأموم خلفه، ولعل الفعل مثله فيما لو فعل الإمامُ ما يرى مشروعيته دون الإمام، ويتابعه المأموم فيه وتصح صلاته كما هو منصوص شيخ الإسلام السابق، فليحرر.стр. 115
وَيكبرُ إذا سجد (١) وإذا رفع وَيجْلس وَيسلم (٢) . الحواشي
(١) وإذا كان في صلاة وأراد السجود، سن للمصلي أن يرفع يديه - نصا - ويكبر ويسجد في الصلاة، وكذا خارجها؛ لكن قال في الإقناع - بعد أن قرر المذهب -: (وقياس المذهب: لا يرفعهما فيها)، أي: في الصلاة، وهو قول القاضي كما في المغني والشرح.(٢) للحديث: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم». ولا يتشهد قبل التسليم، وقال في الإقناع: (لعل جلوسه ندب)؛ فلو سجد للتلاوة وقام وسلم صحت، وتعقبه البهوتي واستظهر وجوبَه كما مر في الأركان انتهى، قال النجدي عن كلام البهوتي: (وفيه نظر). والأفضل على المذهب أن يسجد عن قيام، أي: إذا كان يقرأ وهو جالس استحب له أن يقوم ليأتي بالسجود من قيام، وهو ما اختاره شيخ الإسلام، فإن سجد وهو جالس فلا بأس؛ لكن له نصف أجر سجود القائم كصلاة النفل، قاله النجدي.стр. 116
وَكره لإمامٍ قرَاءَتها فِي سِرِّيَّة (١) وَسُجُوده لَهَا (٢) ، وعَلى مأمومٍ مُتَابَعَتُه فِي غَيرِهَا (٣) .
وَسُجُودُ شكرٍ عِنْد تجدّدِ نِعَمٍ (٤) واندفاعِ نقمٍ (٥) ، وَتبطل بِهِ صَلَاةُ غيرِ جَاهِلٍ (٦) وناسٍ وَهُوَ كسجودِ تِلَاوَةٍ (٧) . الحواشي
(١) أي: يكره له قراءة آية سجدة في صلاة سرية؛ لأنه إن سجد أشكل فعله على المأمومين، وإن لم يسجد يكون قد ترك سُنة.(٢) أي: يكره سجوده لها إن قرأها.(٣) أي: يجب - لأن «على» تفيد الوجوب - على المأموم متابعته في غير الحالة المتقدمة؛ لأن المأموم في السرية ليس بقارئ ولا مستمع.(٤) فيسن إن تجددت نعمة لا للنعم السابقة؛ فإن الإنسان يتقلب في نِعم الله تعالى إلى أن يموت.(٥) سواءً كان ما تجدد من النعم أو اندفع من النقم عاماً كانتصار المسلمين، أو خاصاً كأن يُرزق المرء بولد.(٦) أي: جاهل بحكم سجود الشكر في الصلاة، فلا تبطل صلاته به.(٧) وسجود التلاوة على المذهب صلاةٌ، فمما يشترط له: الوضوء، واستقبال القبلة، وأن يكون القارئ يصلح إماماً للمستمع، فلا يسجد رجلٌ لتلاوة امرأة مثلاً وألحق ابن عبد الهادي ما لو قرأ آية السجدة الساهي والنائم والطير فلا يسجد المستمع لأن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا أئمة إلا الساهي (زينة العرائس ١/ ٣٣١)، ويسجد البالغ لتلاوة صبي لصحة إمامته في النفل، وسجود التلاوة نفل. ويحرم سجود التلاوة في أوقات النهي.
(تتمة) سجود التلاوة له ثلاثة أركان، فلا تسقط سهواً ولا عمداً: السجود على الأعضاء السبعة، والرفع منه، والتسليمة الأولى. وله ثلاث واجبات تسقط سهواً لا عمداً: تكبيرة الانحطاط، وتكبيرة الرفع، وتسبيحة السجود. كذا قرره النجدي.стр. 117
وأوقاتُ النَّهْي خَمْسَةٌ (١) : من طُلُوع فجرٍ ثَانٍ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ (٢) ، وَمن صَلَاةِ الْعَصر إلى الْغُرُوب (٣) ، وَعند طُلُوعهَا إلى ارتفاعها قدر رمح (٤) ، وَعند قِيَامهَا (٥) حَتَّى تَزُول، وَعند غُرُوبهَا حَتَّى يتم. فَيحرمُ ابْتِدَاءُ نفلٍ فِيهَا الحواشي
(١) على التفصيل.(٢) فتحرم الصلاة فيها، وتستثنى: صلاة الفجر وسنتها، ومن فاتته سنةُ الفجر قضاها بعد خروج وقت النهي للحديث: «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر»، رواه أحمد وأبو داود.(٣) للحديث: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس»، متفق عليه، فيدخل وقت النهي بعد صلاة العصر (تامة) ولو جمعت مع الظهر تقديماً.(٤) والمراد: قدر رمح في رأي العين، والرمح كالسهم الطويل المحدد من أعلى، وهو معروف. فإذا رأيت الشمس مرتفعة عن الأرض قدر رمح جازت الصلاة، وهذا الوقت مقدر بست عشرة دقيقة تقريباً، وقيل: أقل. والله أعلم.(٥) أي: من قيام الشمس في كبد السماء، وقبله يخرج وقت الضحى. ويرى ابن عثيمين أن وقت النهي قبل الظهر بعشر دقائق، وهو الأحوط، والله أعلم.стр. 118
الحواشي
(١) عالماً كان أو جاهلاً أو ناسياً، ولا تصح الصلاة.
(تتمة) من أحرم بالصلاة قبل وقت النهي ثم دخل عليه وقت النهي وهو في الصلاة: قال ابن النجار في المنتهى: (ويحرم إيقاع تطوع بصلاة أو إيقاع بعضه - بغير سنة فجر قبلها - في وقت من الأوقات الخمسة، حتى صلاة على قبر وغائب. ولا ينعقد التطوع إن ابتدأه فيها، ولو جاهلاً)، قال البهوتي في شرح المنتهى: (وظاهره أنه لا يبطل تطوع ابتدأه قبله بدخوله، لكن يأثم بإتمامه).
وقال الحجاوي في الإقناع: (ويحرم التطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة، وإيقاع بعضه فيها، كأن شرع في التطوع، فدخل وقت النهي فيها)، قال البهوتي في الكشاف: (فيحرم عليه الاستدامة؛ لعموم ما تقدم من الأدلة، وقال ابن تميم: وظاهر الخرقي أن إتمام النفل في وقت النهي لا بأس به ولا يقطعه، بل يخففه).
وقال الكرمي في الغاية: (فيحرم إيقاع تطوع أو بعضه في هذه الأوقات، حتى صلاة على قبر وغائب، ولا يقطعها إن دخل وقت نهي وهو فيها، قاله الزركشي. ويتجه: جلوسه فوراً ليتشهد ويسلم)، قال الرحيباني في مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى: (وهذا الاتجاه مبني على قول الزركشي وظاهر الخرقي، والمذهب: أنه يأثم باستدامته، كما تقدم).
واتجاه الشيخ مرعي مخالف لما استظهره البهوتي في شرح المنتهى وقطع به في الكشاف ونصره الرحيباني من حرمة الاستدامة والإثم، وهذا هو المذهب. قال المرداوي في الإنصاف: (فعلى المذهب لو شرع في التطوع المطلق فدخل وقت النهي وهو فيها حرم على الصحيح من المذهب، قدمه في الفروع). (مخالفة)стр. 119
فرضٍ (١) ، وَفعلُ رَكْعَتي طوافٍ (٢) ، وَسنةُ فجرٍ أداءً قبلهَا (٣) ، وَصَلَاةُ جَنَازَةٍ بعد فجر وعصر (٤) . الحواشي
(١) شرع في ذكر ما يستثنى من تحريم الصلاة في وقت النهي، فذكر أولاً قضاء الفرض.(٢) للحديث: «يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار»، رواه الترمذي.(٣) فمن لم يتمكن من أدائها قبل الفريضة حرم عليه قضاؤها بعدها حتى يخرج وقت النهي.(٤) فتصح صلاة الجنازة بعد طلوع الفجر وبعد صلاة العصر، وذلك لطول المدة. لكنها تحرم أثناء طلوع الشمس وأثناء غروبها.
(تتمة) ومما يستثنى أيضاً من تحريم الصلاة في وقت النهي: ١ - فعل الصلاة المنذورة، وهي كالفرائض، ٢ - وإعادة الجماعة التي أقيمت وهو في المسجد، لا إن أقيمت وهو خارجه، ٣ - وسنة الظهر لمن جمع الظهر والعصر، فله أن يصليها بعد صلاة العصر، ٤ - وتحية المسجد حال خطبة الجمعة وقت الزوال فقط لا قبلها ولا بعدها، وهي ثمان مستثنيات مذكورة في المتن والحاشية هنا.
ولكثرة هذه الاستثناءات رجح الشيخ ابن عثيمين جواز فعل ذوات الأسباب في وقت النهي.стр. 120
فصل (في صلاة الجماعة)
تجب الْجَمَاعَةُ (١)
للخمس الحواشي
(١) وجوباً عينياً، إلا في الجمعة والعيد، فالجماعة شرط فيهما.
(تتمة) الأدلة على وجوب صلاة الجماعة كثيرة: منها حديث: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلِّي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» متفق عليه، والله قد أوجب صلاة الجماعة في حال الخوف والقتال، فوجوبها في حال الأمن أولى. لكن تصح صلاة الفذ، ويأثم إن كان غير معذور. أما صلاة الجماعة في المسجد فسُنة، فيجوز إقامة الجماعة في كل مكان، لكن الأفضل أن تكون في المسجد، ومما يدل على عدم وجوب الصلاة في المسجد: ما رواه البخاري عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحشت ساقه - أو كتفه - وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة له درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسا وهم قيام) قال ابن رجب في فتح الباري: (وفي الحديث: دليل على أن المريض الذي يشق عليه حضور المسجد له الصلاة في بيته، مع قرب بيته من المسجد، وفيه: أن المريض يصلي بمن دخل عليه للعيادة جماعة؛ لتحصيل فضل الجماعة، وقد يستدل بذلك على أن شهود المسجد للجماعة غير واجب على الأعيان، كما هو رواية عن أحمد؛ فإنه ﷺ لم يأمرهم بإعادة صلاتهم في المسجد، بل اكتفى منهم بصلاتهم معه في مشربته.)стр. 121
المؤدّاةِ (١) على الرِّجَالِ الأحرارِ القادرين (٢) ، وَحرُم أن يَؤُم قبل راتب إلا بِإِذْنِهِ أو عذره أو عدم كَرَاهَته (٣) .
وَمن كبّر قبل تَسْلِيمَة الإمام الأولى أدرَكَ الْجَمَاعَة (٤) ، وَمن أدركه رَاكِعاً أدرَكَ الرَّكْعَة، بِشَرْط إدراكه رَاكِعاً، وَعدمِ شكه فِيهِ، وتحريمتِهِ قَائِماً (٥) ، الحواشي
(١) دون المقضيات، فلا تجب لها الجماعة.(٢) على حضور الجماعة، فلا تجب الجماعة على النساء والعبيد وأهل الأعذار.(٣) أي: يحرم أن يؤم قبل الإمام الراتب إلا في ثلاثة أحوال: ١ - أن يأذن بذلك، ٢ - أن يكون له عذر، وقد علم الجماعة عذره، ٣ - أن يعلموا أنه لا يكره ذلك.
أما الحكم الوضعي: فلا تصح الصلاة إن أمّ شخص قبل الإمام الراتب - في غير ما استثني - للحديث: «لا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه»، رواه مسلم، والإمام سلطان في مسجده.(٤) ولو لم يجلس المأموم المسبوق، فيبني عليها ولا يجدد إحراماً، فإن كبر بعد التسليمة الأولى لم يدرك الجماعة، وإن كبر أثناء التسليمة الأولى فالظاهر أنه أدرك الجماعة مع التردد، فلتحرر.(٥) تدرك الركعة بثلاثة شروط: ١ - أن يدرك المأمومُ الإمامَ وهو راكع، ٢ - ألا يشك المأموم في إدراك إمامه راكعاً، فإن شك لم يعتد بالركعة وسجد للسهو، ٣ - أن يكبر للإحرام وهو قائم، فإن كبر وهو هاوٍ للركوع لم تنعقد صلاته. والدليل حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة»، رواه أبو داود. وإنّما يدرك المأموم الركعة إذا اجتمع مع إمامه في الركوع، بحيث يصل المأموم إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عنه.стр. 122
وَتسن ثَانِيَةٌ للرُّكُوع (١) ،
وَمَا أدرَكَ مَعَه آخرها، وَمَا يَقْضِيه أولها (٢) . الحواشي
(١) أي: إن كبر للإحرام من أدرك الإمام راكعاً، فإن تكبيرة الركوع في حقه مسنونة، وإن نوى بتكبيرةٍ واحدةٍ التحريمةَ وتكبيرةَ الركوع لم تنعقد صلاته، وقد تقدم أن تكبيرات الصلاة واجبة إلا تكبيرة الإحرام فركن، وإلا تكبيرة الركوع في حق من أدرك إمامه راكعاً فمسنونة.
(تتمة) سُنَّ دخول المأموم مع الإمام في أي حال أدركه، وينحط بلا تكبير نصاً، ويقوم مسبوق - لقضاء ما فاته - بتكبير نصاً؛ لوجوبه لكل انتقال يعتد به المصلي، وهذا منه.(٢) أي: ما أدركه المسبوق مع الإمام يعتبر آخر صلاته، والذي يقضيه هو أولها. فإذا سلم الإمام قام وأتى بالركعة الأولى، فيستفتح ويقرأ سورة بعد الفاتحة. والدليل ما رواه الإمام أحمد والنسائي: «وما فاتكم فاقضوا»، ولمسلم: «فصلِّ ما أدركت، واقضِ ما سبقك». وهذا هو المذهب، وبهذا القول تكون صلاة المسبوق أكمل وأتم؛ لأنه سيأتي بسنة القراءة بعد الفاتحة، بخلاف من قال: إن ما أدركه المسبوق مع الإمام أول صلاته؛ فإنَّ المسبوق إذا قام فلن يأتي بسورة بعد الفاتحة والله أعلم.
(تتمة) يستثنى على المذهب ثلاثة أشياء ليست آخر صلاته: (الأول): لو أدرك المسبوق مع إمامه ركعة من رباعية أو مغرب، فإنه يتشهد التشهد الأول بعد ركعة أخرى؛ لئلا يغير هيئة الصلاة، (الثاني): إذا جلس للتشهد الأخير مع الإمام، فإن المسبوق يكرر التشهد الأول ندباً حتى يسلم إمامه التسليمتين ما لم يكن محلاً لتشهده الأول، فالواجب منه المرة الأولى، (الثالث): يتورك المسبوق في التشهد الأخير للإمام، ويتورك أيضاً فيما يقضيه.стр. 123
ويتحمل عَن مأمومٍ قِرَاءَةٍ (١) ، وَسُجُودَ سَهْوٍ (٢) ، وتلاوةً (٣) ، وسترةً (٤) ، وَدُعَاءَ قنوتٍ (٥) ، وتشهداً أول إذا سُبق بِرَكْعَة (٦) ،
لَكِن يسن أن يقرأ فِي الحواشي
(١) يتحمل الإمام عن المأموم ثمانية أشياء: (الأول): قراءة الفاتحة؛ لحديث أبي هريرة: «من كان له إمام فقراءته له قراءة»، رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني، وضعفه البوصيري وابن حجر.(٢) (الثاني) إذا سها المأموم في صلاته، فإن إمامه يتحمله عنه، فلا يجب عليه أن يسجد للسهو، وليس المراد أن الإمام يسجد للسهو بسببه. وهذا في حق من دخل مع الإمام من أول الصلاة، أما من سُبق بركعة فأكثر وسها وهو مع إمامه أو وحده بعد مفارقة إمامه، فإنه يسجد للسهو.(٣) (الثالث) سجود التلاوة: ويدخل فيه صورتان: ١ - إذا قرأ المأمومُ آية سجدة، فإن الإمام يتحملها عنه بحيث لا يطالب المأموم بتلك السُّنة؛ ٢ - وإذا قرأ الإمام آية سجدة في صلاة سرية وسجد فيها خُيّر المأموم، فإن شاء سجد وإن شاء لم يسجد، وفي الإقناع وشرحه: (والأولى السجود؛ متابعةً للإمام)، وقطع به في الغاية ومطالب أولي النهى.(٤) (الرابع) السترة: فإن كان للإمام سترة، فسترته سترة لمن خلفه.(٥) (الخامس) دعاء القنوت: ويستحب للمأموم أن يؤمّن على دعاء قنوت الإمام إن كان يسمعه، فإن كان لا يسمعه، فإنه يدعو لنفسه.(٦) (السادس) التشهد الأول إذا سُبق المأموم بركعة في رباعية: فمن دخل مع الإمام في الركعة الثانية من رباعية، فإنّ الإمام إذا فرغ من الركعة الثالثة وقام للرابعة كان ذلك موضع التشهد الأول للمأموم، لكنه لا يجلس له، بل يتابع إمامه ويتحمل عنه التشهد الأول.
(تتمة) اقتصر الماتن على ما ذكره المنتهى هنا، وزاد الإقناع والغاية: (السابع) قول «سمع الله لمن حمده»، و (الثامن) قول «ملء السماء وملء الأرض ... ».стр. 124
سكتاته (١) وسرية (٢) وإذا لم يسمعهُ لبعد لَا طرش (٣) . الحواشي
(١) أي: يسن أن يقرأ المأموم الفاتحة وسورة حيث شُرعت في سكتات إمامه مطلقاً، حتى لو سكت لتنفس، فإذا جهر الإمام بالقراءة سن له أن ينصت، فإذا سكت الإمام أكمل قراءة الفاتحة، ونص في الإقناع على كراهة القراءة والإمام يقرأ.
(تتمة) أما استفتاح المأموم والتعوذ، فإنه يستفتح ويتعوذ ولو في حال جهر الإمام على ظاهر المنتهى، وتبعه في الغاية، وهو الذي شرح به شيخ الإسلام في شرح العمدة (٢/ ٧٤٤) واستدل له من السنة، وذهب في الإقناع - تبعاً للتنقيح - إلى أنه لا يستفتح ولا يتعوذ إلا في سكتات الإمام كالقراءة، ولعل المذهب ما في الإقناع. والله أعلم. (مخالفة)
(تتمة) يستحب للإمام ثلاث سكتات: (الأولى) قبل الفاتحة في الركعة الأولى فقط، (الثانية) بعد الفاتحة في كل ركعة، وتسن السكتة هنا بقدر الفاتحة ليتمكن المأموم من قراءتها (الثالثة) بعد فراغ القراءة ليتمكن المأموم من قراءة السورة فيها.(٢) أي: يسن للمأموم أن يقرأ في الصلاة السرية كالظهر، ولا يجب عليه. وكذا يسن للمأموم أن يقرأ في الركعات التي يُسِرُّ فيها الإمامُ كالثالثة والرابعة من العشاء.(٣) الطرش: هو الصمم أي: الذي لا يسمع. فيسن للمأموم أن يقرأ الفاتحة إذا لم يسمع الإمام لبعده عنه لا لطرش، فإن كان أطرش فلا يسن له أن يقرأ الفاتحة. وظاهر المتن - كزاد المستقنع - لا يسن أن يقرأ مطلقاً، والمذهب: يسن للأطرش أن يقرأ إن لم يشغل من بجانبه، فإن أشغل من بجانبه ترك القراءة وجوباً في اتجاه للغاية، ووافقاه. (مخالفة الماتن)стр. 125
وَسُنَّ لَهُ التَّخْفِيفُ مَعَ الإتمامِ (١) ، وَتَطْوِيلُ الأولى على الثَّانِيَة (٢) ، وانتظارُ دَاخلٍ مَا لم يشق (٣) . الحواشي
(١) أي: يسن للإمام التخفيف للحديث: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف» رواه الجماعة. وقوله: مع الإتمام: أي بأن يأتي بالسنن، ولذلك يقول الفقهاء: تُكره سرعة تمنع المأموم من فعل ما يسن، وإنما يسن التخفيف ما لم يؤثر المأمومُ التطويلَ، فإن آثره استحب، كما في الإقناع، وزاد في المبدع: (وعددهم منحصر) ذكره في الكشاف.(٢) أي: يسن تطويل الركعة الأولى على الثانية لحديث أبي قتادة ﵁ عند مسلم: «وكان يطول الركعة الأولى». ويستثنى من ذلك صورتان: (الصورة الأولى) إذا كانت الثانيةُ أطولَ من الأولى بيسير كما في صلاة الجمعة والعيدين، فيقرأ في الأولى بـ «سبح» وفي الثانية بـ «الغاشية». (الصورة الثانية) في الوجه الثاني من صلاة الخوف حيث يكون العدو في غير جهة القبلة ويقسم الإمام المقاتلين طائفتين، فتكون الركعة الثانية - بالنسبة للإمام - أطول من الأولى؛ لانتظار الطائفة التي تأتي لتأتمّ به.(٣) فإذا كانت الجماعةُ يسيرةً ولا يشق الانتظار على المأمومين ولا على بعضهم، استحب للإمام انتظارُ الداخلِ في الركوع والسجود وغيرهما، وإذا كان يشق عليهم أو على بعضهم فيكره؛ لأنَّ حرمة المأموم الذي معه في الصلاة أعظم من حرمة الداخل، فلا يشق على من معه لنفع الداخل. قال الكرمي في الغاية: (وانتظارُ داخل مطلقاً في ركوع وغيره بنية تقرب لا تودد إن لم يشق على مأموم فيكره، وكذا - أي يكره انتظار داخل - لو كثرت جماعة؛ لأنه يبعد أن لا يكون فيهم من يشق عليه).стр. 126
فصل (في أحكام الإمامة)
الأقرأ الْعَالمُ فقهَ صلَاتِه أولى من الأفقه (١) . الحواشي
(١) للحديث: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، متفق عليه. والأقرأ في المذهب: هو الأجود قراءة لا الأكثر حفظاً. والمراد بجودة القراءة: معرفة التجويد ومخارج الحروف. وقوله: العالم فقه صلاته: أي: صفة الصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها ... فالأقرأ العالم فقه صلاته أولى بالإمامة من الأفقه فقط، والمراد: الفقيه الذي لا يجيد القراءة.
(تتمة) ترتيب الأولوية في الإمامة: الأَولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه؛ لجمعه بين المرتبتين في القراءة والفقه، ثم يليه الأجود قراءة الفقيه، ثم يليه الأجود قراءة وإن لم يكن فقيهاً إن كان يعرف فقه صلاته حافظًا للفاتحة، ثم يليه الأكثر قرآناً الفقيه، ثم يليه قارئ أي: حافظ لما يجب في الصلاة أفقه، ثم يليه قارئ فقيه، ثم قارئ عالم فقه صلاته، ثم قارئ لا يعلم فقه صلاته، بل يأتي بها عادة، فتصح إمامته، ثم إن استووا في عدم القراءة قدم أفقه وأعلم بأحكام الصلاة؛ لمزية الفقه.стр. 127
وَلَا تصح خلف فَاسقٍ (١) إلا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ تعذرَا خلف غَيرِه (٢) ، وَلَا إمامةُ من حَدثهُ دَائِم (٣) ، وأُمِّيٍّ وَهُوَ: مَنْ لَا يحسن الْفَاتِحَة أو يدغم فِيهَا حرفاً لَا يدغم أو يلحن فِيهَا لحناً يحِيل المعنى إلا بِمثلِهِ (٤) ،
وَكَذَا من بِهِ الحواشي
(١) مطلقاً، سواءً كان فاسقاً من جهة الاعتقاد كالرافضي، أو من جهة الأفعال كالزاني. والفاسق: من أتى كبيرة أو داوم على صغيرة. والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة. والدليل على عدم صحة إمامة الفاسق حديث جابر عند ابن ماجه - وإن كان فيه ضعف -: «ولا يؤمّن فاجر مؤمناً».(٢) أي: تعذرت الجمعة والعيد خلف غير هذا الفاسق، فيصحان خلفه للعذر؛ لكن هل يكون ذلك حتى لو لم يؤم في الجمعة أو العيد إلا رافضي؟ فيه تردد، فليحرر.(٣) فمن حدثه دائم كمن به سلس بول، أو ريح، أو به دم لا يرقأ، لا يصح أن يؤم إلا مثله.(٤) الأمّي لغة: من لا يحسن الكتابة. أما في الاصطلاح فيشمل ما يلي: ١ - من لا يحسن الفاتحة، أي: لا يحفظها. ٢ - ومن يدغم فيها حرفاً لا يُدغم، كإدغام هاء «الله» في راء «ربّ»، فلا تصح صلاته إلا بمثله. ٣ - من يبدل منها حرفاً لا يُبدل، وهو الألثغ. ويستثنى: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاءٍ عجزاً - كما قرره البهوتي في حاشيته على المنتهى، وتبعه النجدي، بخلاف غير العاجز -، فتصح إمامته ولو بغير مثله، ويفهم من كلامهما أنه لو كان غير عاجز عن إصلاحه ونطق الضاد في الكلمتين ظاءً لم تصح صلاته لا لنفسه ولا لغيره. ٤ - ومن يلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى - عجزاً عن إصلاحه - أي: يغير المعنى كضم تاء «أنعمت»، فإن لحن لحناً لا يحيل المعنى فليس بأميّ. واللحن - كما قال الجوهري -: الخطأ في الإعراب.
(تنبيه) إن تعمد غيرُ الأمي شيئاً من الأمور الأربعة المتقدمة، أو زاد الأميُّ على فرض القراءة لم تصح صلاته، كما قرره في المنتهى وغيره.
فلا تصح إمامة أحدهم إلا بمثله. وقول الماتن: إلا بمثله: يعود على من حدثه دائم والأمي.стр. 128
سَلسُ بَوْلٍ (١) ، وعاجزٍ عَن رُكُوع وَسُجُودٍ أو عَن قعُودٍ وَنَحْوهَا (٢) أو اجتنابِ نَجَاسَة أو اسْتِقْبَالٍ (٣) ، وَلَا عَاجزٍ عَن قيام بِقَادِرٍ إلا راتِباً رُجيَ زَوَالُ علتِه (٤) ، وَلَا مُمَيّزٍ لبالغ فِي فرض (٥) ، وَلَا امرأةٍ لرجال وخَنَاثَا (٦) ،
وَلَا الحواشي
(١) أي: لا تصح إمامة من حدثه دائم كسلس البول والريح إلا بمثله.(٢) فلا تصح إمامة عاجزٍ عن ركن إلا بمثله.(٣) فلا تصح إمامة عاجزٍ عن شرط من شروط الصلاة إلا بمثله.(٤) فلا تصح إمامة عاجزٍ عن القيام بقادر على القيام، إلا في صورة واحدة وهي: أن يكون إماماً راتباً بمسجد، ويشترط أن يرُجى زوال علته؛ لئلا يفضي إلى ترك القيام وصلاتهم قعوداً على الدوام، فإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس لزمهم أن يتموا الصلاة خلفه قياماً، وإن ابتدأ بهم الصلاة قاعداً سن لهم أن يصلوا خلفه قعوداً، ويجوز لهم القيام، والأدلة على هذا من السنة كثيرة.(٥) وتصح إمامته له في النفل.(٦) لاحتمال كون هذا الخنثى رجلاً، فلا تصح صلاته خلف امرأة في فرض أو نفل، والدليل حديث: «ولا تؤمّن امرأة رجلاً». وقال المرداوي في الإنصاف: (وعنه تصح في التراويح، نص عليه، وهو الأشهر عند المتقدمين)، وقدمه في التنقيح، وتابعه في المنتهى حيث قال: (إلا عند أكثر المتقدمين إن كانا - أي: المرأة والخنثى - قارئين والرجالُ أُمِّيون، فتصح إمامتهما بهم في تراويح فقط، ويقفان خلفهم) انتهى. ثم قال في التنقيح: (وعنه: لا تصح، اختاره أكثر المتأخرين، وهو أظهر). ولم يذكر في الإقناع هذا الاستثناء؛ لكن ذكره البهوتي بقوله في الكشاف: (وعنه تصح في التراويح إذا كانا قارئين والرجال أميون، ... وذهب إليه أكثر المتقدمين)، وأما الغاية فتابع الإقناع فقال: (ولا إمامة امرأة وخنثى برجال أو خناثى مطلقاً)، ولعل المذهب ما في المنتهى مع التردد، والله أعلم .. (مخالفة الماتن)стр. 129
خلف مُحدثٍ أو نجسٍ، فَإن جهلا حَتَّى انْقَضتْ صحت لمأموم (١) ، وَتكره الحواشي
(١) من نسي نجاسة على بدنه ثم ذكرها بعد الصلاة، فإن صلاته لا تصح على المذهب؛ لأن اجتناب النجاسة شرط لا يسقط بجهل أو نسيان. فإذا صلى رجل خلف محدث أو من به نجاسة وجهلا ذلك إلى أن انقضت الصلاة، فإن صلاة المأموم صحيحة وصلاة الإمام باطلة. أما لو علم أحدهما قبل الصلاة أو أثناءها بحدث الإمام أو النجاسة التي عليه، فإن صلاتهما باطلة. وقوله: صحت لمأموم: قال النجدي في حاشيته على المنتهى: (إن كان قرأ الفاتحة؛ لأنه إنّما يتحملها عنه مع صحة إمامته، كما صرح به ابن قندس في حواشي الفروع)، وخالف في هذا الغاية حيث قال: (ولو لم يقرأ الفاتحة)، ومثله البهوتي في حواشي الإقناع قال: (دفعاً للمشقة والحرج)، ووافقهم الشطي، ولعله هو المذهب، والله أعلم. (خلاف المتأخرين)
ويستثنى: في جمعة إذا كانوا أربعين بالإمام، فإنها لا تصح إذا كان الإمام أو أحد المأمومين محدثاً أو نجساً، فيعيد الكل؛ لفقد شرط العدد.
وأصل المسألة - بدون المستثنى منها - من الصور المستثناة من قاعدة: (تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه).стр. 130
إمامةُ لَحَّان وفَأْفَاء وَنَحْوِه (١) .
وَسن وقُوفُ الْمَأْمُومين خلف الإمام (٢) ، وَالوَاحدُ عَن يَمِينه وجوباً (٣) ، والمرأةُ خَلفَه (٤) ، وَمن صلى عَن يسَارِ الإمام مَعَ خُلوِّ يَمِينه أو فَذًّا رَكْعَةً لم تصح صلَاتُه (٥) . الحواشي
(١) كتمتام - وهو الذي يكرر التاء -، ومن لا يفصح ببعض الحروف، واللّحّان: كثير اللحن، والمراد: اللحن الذي لا يحيل المعنى. وقوله: وفأفاء: أي من يكرر الفاء كثيراً.
(تتمة) ولا يصح فرض خلف نفل، ولا خلف فرض مغاير له في الاسم، وتصح مقضية خلف حاضرة وعكسها حيث تساوتا في الاسم كظهر أداءً خلف ظهر قضاءً.(٢) لفعل النبي ﷺ مع أصحابه ﵃. ويستثنى من ذلك صورتان: ١ - العراة، فيكون إمامهم وسطهم وجوباً. ٢ - والنساء: فتكون من تؤمهن وسطهن ندباً.(٣) فلا تصح عن يساره؛ لأن النبي ﷺ أدار ابن عباس خلف ظهره لما وقف عن يساره وجعله عن يمينه، رواه مسلم، ولا يفعل هذه الأفعال الكثيرة إلا لكون الصلاة عن يساره لا تصح.(٤) إذا صلى بامرأة واحدة، فإنها تقف خلفه. والحكم هنا مبهم في المنتهى والإقناع والغاية، ولعله من باب الندب، والله أعلم، ثم رأيتُ في نسخة للمؤلف بأنه استحبابا.(٥) أي: من صلى ركعة فأكثر عن يسار الإمام مع خُلو يمينه لم تصح صلاته، وكذا لا تصح صلاة الرجل الفذ خلف الإمام أو خلف الصف. والدليل في ذلك السنة في نصين: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وأمر ﷺ رجلاً صلى خلف الصف بإعادة الصلاة، رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه.стр. 131
وإذا جَمعهمَا مَسْجِدٌ صحت القدْوَةُ مُطلقًا (١) بِشَرْط العلم بانتقالات الإمام (٢) وإلا شُرط رُؤْيَةُ الامامِ أو مَنْ وَرَاءه أيضاً وَلَو فِي بَعْضهَا (٣) .
وَكره علوُّ إمامٍ على مأموم ذِرَاعاً فأكثرَ (٤) ، وَصلَاتُه فِي محراب يمْنَع الحواشي
(١) أي: سواء رأى الإمامَ أو المأمومين أو بعض من وراءه أو لم يرهم، إذا كان يسمع التكبير.(٢) ويحصل ذلك بأحد اثنين: ١ - بسماع التكبير، ٢ - أو برؤية الإمام أو من وراءه.(٣) أي: وإن لم يجمعهما مسجد بأن كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه، شُرط رؤية الإمام أو من وراءه ولو في بعض الصلاة، فإن لم ير الإمام أو من وراءه لم يصح الاقتداء ولو سمع التكبير. والظاهر: أنه يجزئ إذا رأى المأمومُ الذي هو خارج المسجد المأمومَ الذي وراء الإمام ولو كان خارج المسجد، فكل مأمومٍ أمامَ المأمومِ الذي خارج المسجد هو وراء الإمام، وإلا فيصعب أن يرى المأمومين الذين هم وراء الإمام في المسجد كما في المسجد الحرام الآن، والله أعلم.(٤) لحديث حذيفة: «إذا أمّ الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم»، رواه أبو داود والبيهقي. أما علوه عليه أقل من ذراع فلا يكره. ولا يكره علو المأموم على إمامه وإن كان كثيراً كما هو الحال في المسجد الحرام.стр. 132
مشاهدتَه (١) ، وتطوعُه مَوضِعَ المَكْتُوبَة (٢) ، وإطالتُه الِاسْتِقْبَالَ بعد السَّلَامِ (٣) ، ووقوفُ مأمومٍ بَين سَوَارٍ تقطع الصُّفُوفَ عرفاً (٤) إلا لحَاجَةٍ فِي الكل (٥) ، وَحُضُورُ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ لمن رَائِحَتُه كريهةٌ من بصل أو غَيره (٦) . الحواشي
(١) ولو على بعض المأمومين، روي ذلك عن ابن مسعود وغيره، واستثنى صاحب الإقناع - كالماتن هنا - من الكراهةِ: الحاجةَ حيث قال: (إلا من حاجة كضيق المسجد)، وقال البهوتي في الكشاف: (وكثرة الجمع، فلا يكره؛ لدعاء الحاجة إليه).(٢) أي: يكره أن يتطوع الإمام بالصلاة في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة. والدليل حديث المغيرة ﵁: «لا يصلين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه»، رواه مسلم وأحمد. وأما المأموم، فقال في الإقناع: (وترك المأموم للتطوع موضع المكتوبة أولى).(٣) أي: يكره إطالة الإمام استقبال القبلة بعد السلام، وهذا إذا لم يكن هناك نساء، وإلا استحب انتظاره قليلاً حتى ينصرفن.(٤) قدَّر بعضهم عرضها بمقدار مقام ثلاثة رجال، كما ذكره البهوتي في كشّاف القناع.(٥) أي: كل ما تقدم من المكروهات: من كراهة علو الإمام إلى كراهة الوقوف بين السواري، فإن كان ثَم حاجة فلا كراهة.(٦) ولو لغير صلاة، والدليل حديث: «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا» رواه مسلم، وحديث: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». وقوله: (أو غيره): كثوم وكراث وفجل .. ويقاس عليه الدخان وكل ما له رائحة كريهة، وكذا من رائحة جسمه كريهة، فيكره حضوره ولو لم يكن أحد بالمسجد، ويكره له أيضا حضور الجماعة ولو في غير مسجد، أو في غير صلاة.стр. 133
ويُعذر بترك جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ: مَرِيضٌ (١) ، ومدافعُ أحدِ الأخبثين (٢) ، وَمَنْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاج إليه (٣) ، وخائفٌ ضيَاعَ مَالِه (٤) ، أو موتَ قَرِيبه (٥) ، أو الحواشي
(١) وضابط المرض الذي يصح عذراً لترك الجمعة والجماعة: هو الذي إذا فعل المريض معه العبادة زاد المرض أو تأخر البرء.
(تتمة) ويعذر الخائف من حدوث المرض كمن خاف إن خرج في ريح باردة أن يمرض.
ويستثنى: ١ - إذا كان المريض أو الخائف حدوث مرض في المسجد، فتجب عليهما الجماعة، ٢ - يلزم المريض - ومن باب أولى الخائف حدوث المرض - الإتيان للجمعة دون الجماعة بشرطين: الأول: أن يمكنه إتيانها بلا ضرر، والثاني: أن يكون راكباً أو محمولاً.(٢) للحديث: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، رواه مسلم.(٣) ليس مجرد اشتهاء الطعام، بل يكون محتاجاً إليه. وقوله: بحضرة طعام: قال النجدي في حاشيته على المنتهى: (ليس الحضور قيداً، بل حيث كان تائقاً)، وذلك أن ذهنه يكون مشغولاً به ولو لم يكن حاضراً، ولعل كلامه محمول على من يُعمل له الطعام وهو ينتظره، أو يعمله هو، أو يسير في تحصيله، أما من كان محتاجاً للطعام وهو غير موجود عنده، فلا وجه لعذره عن صلاة الجمعة والجماعة، والله أعلم.(٤) كما لو وجدت عنده أنعام ولا حافظ لها غيرُه، ويخشى إن حضر الجماعة أن تضيع، وكذا من كان حارس أمن في شركة وغيرها.(٥) أي: يخشى بحضوره جمعة أو جماعة موت قريبه أو رفيقه أيضاً في غيبته عنه، وليس ثَم شخص يبقى مع ذلك القريب أو الرفيق، فيعذر بذلك.стр. 134
ضَرَراً من سُلْطَان (١) ، أو مطرٍ وَنَحْوِه (٢) ،
أو مُلَازمَةَ غَرِيمٍ وَلَا وَفَاءَ لَهُ (٣) ، أو فَوتَ رفقته (٤) وَنَحْوُهم (٥) . الحواشي
(١) والمراد: السلطان الظالم، كما في الإقناع.(٢) كالوَحل والثلج، فيعذر من تأذى بذلك بترك الجمعة والجماعة ..(٣) فيخشى إن خرج إلى الجمعة أو الجماعة أن يأتيه غريمه - وهو الدائن الذي أقرضه - ويلازمه في حال كونه لا وفاء له، فإن كان له وفاء وماطل، فلا يعذر.(٤) كأن يخشى إن صلى في المسجد مع الجماعة أن تفوته الرحلة أو أن تذهب رفقته، فيعذر بشرط كون السفر مباحاً.(٥) كمن يخشى إن انتظر صلاةَ الجماعة أن يغلبه النوم فتفوته الصلاة ويفوته الوقت، فيعذر عن حضور صلاة الجمعة والجماعة. والأعذار في المذهب كثيرة جداً.стр. 135
فصل (في صلاة أهل الأعذار) (١)
يُصَلِّي المَرِيضُ قَائِماً (٢) ، فإنْ لم يَسْتَطع فقاعداً (٣) ، فإن لم يسْتَطعْ الحواشي
(١) سيتناول الماتن أحكام صلاة أهل الأعذار، وهم: المريض والمسافر والخائف ومن يلحق بهم.(٢) لحديث عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: «صلّ قائماً ... » الحديث، رواه البخاري. فيجب على المريض القادر على القيام أن يصلي قائماً ولو مستنداً، ولو أن يستأجر من يسنده، كذلك لو لم يستطع أن يقف إلا كهيئة الراكع لزمه، وهذه مسألة يتساهل فيها الكثير، فيصلون على الكراسي مع وجوب القيام عليهم إن كانوا قادرين عليه.(٣) أي: فإن لم يستطع أن يصلي قائماً، أو استطاع لكن بمشقة شديدة لضرر من زيادة مرض أو تأخر برء ونحوه كما لو كان القيام يوهنه، فإنه يصلي قاعداً. والسُّنة - كما في المنتهى والإقناع - أن يجلس متربعاً فيما يقابل القيام، ويثني رجليه فيما يقابل الركوع والسجود، وكيف قعد جاز. أما الشيخ ابن عثيمين، فاستحب في الركوع أن يجلس متربعاً؛ لأن غير المريض يكون فيه قائماً، لكن المذهب ما تقدم. والتربع جلسة معروفة دليلها حديث عائشة ﵂: رأيت رسول لله ﷺ يصلي متربعاً، رواه النسائي.стр. 136
فعلى جنبٍ، والأيمنُ أفضلُ (١) ، وَكُرِه مُسْتَلْقِياً مَعَ قدرتِه على جَنْبٍ وإلا تعين (٢) . ويومئ بركوعٍ وَسُجُودٍ ويجعلُه أخفضَ (٣) ،
فإن عَجَزَ أَوْمَأ بطرْفِه وَنوى بِقَلْبِه كَأَسيرٍ خَائِفٍ (٤) ، فإنْ عَجَزَ فبقلبِه مستحضرَ القَوْلِ وَالْفِعْلِ (٥) .
وَلَا يسْقط فعلُهَا مَا دَامَ الْعقلُ ثَابتاً (٦) ، فَإِن طَرَأَ عجزٌ أو قدرَةٌ فِي الحواشي
(١) ويستقبل القبلة. وقوله: لم يستطع: وكذا لو شق عليه.(٢) أي: يكره (حكم تكليفي) أن يصلي مستلقياً إن قدر على الصلاة على جنبه الأيمن أو الأيسر، لكن صلاته صحيحة (حكم وضعي). فإن لم يستطع أن يصلي على أحد جنبيه تعين عليه أن يصلي مستلقياً على ظهره جاعلاً رجليه إلى القبلة، فإن لم تكن كذلك لم تصح صلاته.(٣) أي: من الركوع، وجوباً؛ ليتميز عن السجود .. وقوله: يومئ: أي يشير برأسه للركوع، وتقدم أن حد الركوع المجزئ من القاعد: مقابلة وجهه ما قدام ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، وبذلك يجب عليه أن يومئ برأسه للسجود أكثر من ذلك، والله أعلم.(٤) أي: خائف من أن يقتله عدوه أو يتعرض له بسوء إن رآه يصلي. وقوله: أومأ بطرفه: أي أشار بعينه، والظاهر: أن يشير بعينه بأن يخفض بصره ويرفعه للركوع والسجود، ولم يذكروا هنا اشتراط أن يكون السجود أخفض من الركوع، وقال الشيخ ابن عثيمين الإشارة بالعين: (يكون بالتغميض)، والله أعلم.(٥) أي: فإن عجز عن الإيماء بعينه صلى بقلبه مستحضراً الفعل كالركوع والسجود والجلسة. وكذلك القول إن عجز عنه بلسانه، وإلا حرك لسانه بالذكر.(٦) بحيث يعقل وجوب الصلاة وكيفيتها، وهذا قول الجمهور، خلافاً للشيخ تقي الدين فاختار سقوطها عن المريض العاجز عن الإيماء برأسه، ولا يلزمه الإيماء بطرفه كما فب الاختيارات.стр. 137
أثنائها انْتقل وَبنى (١) . الحواشي
(١) أي: يمضي في صلاته ولا يستأنفها من أولها، فمن ابتدأ صلاته قائماً ثم عجز عن القيام انتقل إلى القعود، وكذا لو صلى قاعداً ثم طرأت عليه القوة على القيام وجب عليه أن يكمل صلاته قائماً.стр. 138
فصل (في القصر والجمع وصلاة الخوف)
وَيسن (١) قصرُ (٢) الرّبَاعِيّة (٣) فِي سفرٍ طَوِيلٍ (٤) الحواشي
(١) تابع الماتن زاد المستقنع في تعبيره بالسنية على قصر الصلاة، بينما عبَّر المنتهى والإقناع والغاية بقولهم: (فله قصر رباعية) مع قولهم (والقصر أفضل من الإتمام)، وإذا عبر الأصحاب بالأفضلية فإنهم يعنون بها السنية، والله أعلم. (بحث وتحرير)(٢) ويباح إتمامه الصلاة، فلا يكره، بخلاف الصوم، فإنه يكره للمسافر؛ للنهي الصريح عنه في السفر. (فرق فقهي)(٣) يشترط لصحة قصر الصلاة شروط: (الشرط الأول) كون الصلاة رباعية.(٤) (الشرط الثاني) كون ذلك في سفر طويل: وهو الذي يبلغ ستة عشر فرسخاً تقريباً لا تحديداً، سواء قطع تلك المسافة براً أو بحراً أو جواً. ويشترط قطع هذه المسافة في الذهاب، فلا تحسب منها مسافة الرجوع. ويقدر كثير من أهل العلم في عصرنا هذه المسافة بـ ٨٠ كم، والأقرب أنها على المذهب تساوي على الأقل: ١٣٨ كم.
(تتمة) هذا تعليق كتبته في مسافة القصر عند الحنابلة بعد قراءة بحث الشيخ عبدالله الجبرين فيها: رجع الشيخ عبد الله الجبرين عن رأيه في مسافة القصر في تعليقه على عمدة الفقه، وقد كان رأيه الأول اعتبار العرف، فرجع عنه إلى رأي الجمهور، وأنه محدد بأربعة برد، وقد استدل على اختياره الجديد بثلاثة عشر دليلاً، ومنها إجماعاتٌ، وذلك في بحث له «حد سفر القصر» في مجلة الجمعية الفقهية السعودية (العدد السابع عشر للأربع الأشهر ا? خيرة من شوال إلى محرم ١٤٣٥ هـ).
وقد قرر أن المسافة - نقلاً عن كثير من المعاصرين - تتراوح ما بين ٧٢ كم إلى ٨٤ كم، وقرر أن الأربعة برد = ستة عشر فرسخاً، والفرسخ = ٣ أميال، فحاصل ذلك إذن: ٤٨ ميلاً، وهذا كله موافق للمذهب. ثم قدَّر أن الميل = ٣٥٠٠ ذراع نقلاً عن ابن عبد البر ﵀ وغيره، ولم يأت عن الحنابلة بشيء البتة.
والمذهب عندنا - كما في الفروع وا? نصاف وا? قناع والمنتهى والغاية -: أن الميل =٦٠٠٠ ذراع، وأقل ما وقفت عليه في مقدار الذراع أنه = ٤٨ سم، فإذا ضربناها في ٦٠٠٠ ذراع، أي: ٦٠٠٠ × ٠.٤٨ = ٢٨٨٠ متراً، ثم نضرب هذا الناتج في عدد ا? ميال أي: ٤٨ ميلاً، فالناتج = ١٣٨٢٤٠ متراً، ونحولها إلى الكيلومتر بقسمتها على ١٠٠٠، والناتج = ١٣٨.٢٤ كم تقريباً، أي: مائة وثمانية وثلاثون كيلو متر ومائتان وأربعون متراً؛ فهذه إذن هي مسافة القصر، ولم أر، ولم أقف الآن على أحد يقول بهذه المسافة. وهذا الناتج مبني على كون الذراع يساوي ٤٨ سم، وقيل أكثر من ذلك. (بحث)стр. 139
مُبَاحٍ (١) ، وَيَقْضِي صَلَاةَ سفرٍ فِي حَضَرٍ الحواشي
(١) (الشرط الثالث) كون السفر مباحاً، ولو سفر نزهة. أما السفر المحرم والمكروه فلا يباح فيهما القصر.
(تتمة) يزاد على الشروط التي ذكرها الماتن: (الشرط الرابع) أن يقصد محلاً معيناً: فلا قصر لهائم ولا تائه، (الشرط الخامس) أن ينوي السفر: أي: ينوي قطع المسافة، وزوجة وجندي تبع لزوج وأمير في سفر ونيته كما في المنتهى، قلت: ولعله: والأولاد أيضا الذين مع أبيهم ولم أقف عليه منصوصا والله أعلم (تحرير)، (الشرط السادس) أن يفارق البلد الذي هو فيه وملحقاته، فلا يجوز القصر وهو في بلده.стр. 140
وَعَكسُه تَامَّةً (١) .
وَمن نوى إقامةً مُطلقَةً بموضع (٢) أو أكثر من أربعة أيام (٣) أو ائتمّ الحواشي
(١) وجوباً، ومن هنا شرع الماتن في ذكر الصور التي لا يباح فيها قصر الصلاة، وهي إحدى وعشرون صورة ذكر الماتن منها خمساً فقط: (الصورة الأولى) قضاء صلاة سفر ذكرها وهو في الحضر، فيقضيها تامة تغليباً للحضر. (الصورة الثانية) قضاء صلاة حضر ذكرها وهو في السفر، فيقضيها تامة تغليباً للحضر أيضاً.(٢) (الصورة الثالثة) أن ينوي إقامة غير مقيدة بزمن، فيتم؛ لانقطاع السفر المبيح للقصر.(٣) (الصورة الرابعة) إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، ومثله في الزاد، والأَولى عبارة الإقناع والمنتهى: أكثر من عشرين صلاة. وقد جاء في حديث ابن عباس ﵄: أقمنا مع الرسول ﷺ بمكة عشراً نقصر الصلاة، متفق عليه. لكن النبي ﷺ لما قدم مكة في الحج لم يبق في مكان واحد أكثر من عشرين صلاة، فمكث أولاً من صبيحة اليوم الرابع - بعد الفجر - إلى اليوم الثامن، ثم انطلق بعد أن صلى الفجر إلى منى، فبات بها تلك الليلة، ثم ذهب إلى عرفة، فهذه ستة أيام، وهكذا إلى تمام العشر. وهناك أدلة كثيرة جداً تؤيد هذا الرأي.стр. 141
بمقيم أتم (١) ، وإن حبس ظلماً أو لم ينْو إقامةً قصر أبداً (٢) .
وَيُبَاح (٣) لَهُ الْجمع بَين الظهرين والعشائين بِوَقْت إحداهما (٤) ، ولمريض وَنَحْوه يلْحقهُ بِتَرْكِهِ مشقةٌ (٥) ، وَبَين العشائين فَقَط لمطرٍ وَنَحْوه يَبُل الحواشي
(١) (الصورة الخامسة) إذا ائتم بمقيم، ولو لم يدرك معه إلا تكبيرة الإحرام قبل أن يسلم التسليمة الأولى، فيلزمه أن يتم. وقد ورد عن ابن عباس ﵄: أنه إذا ائتم المسافر بمقيم فإنه يتم، وقال: تلك السُّنة، رواه أحمد.
(تنبيه) كل صلاة لزمه إتمامها ولم يفعل، فهي باطلة.(٢) أي: إذا حبس المسافرُ ظلماً، أو أقام المسافر بمكان ولم ينو إقامةً تقطع حكم السفر - وهي أكثر من عشرين صلاة -، فإنه يقصر أبداً أي: بلا تحديد لأيام حتى يعود لبلده؛ لأنه ﷺ أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة، رواه أحمد وأبو داود والترمذي.(٣) حكم الجمع في المذهب: مباح وليس مسنوناً، للخلاف المشهور فيه، بل يقولون: أنّ تركه أفضل. ويستثنى من ذلك: جمعيْ عرفة ومزدلفة، فالأفضل في عرفة التقديم وفي مزدلفة التأخير.(٤) يباح الجمع بين الظهرين والعشائين على المذهب في ثمان حالات ذكر الماتن منها حالتين فقط: (الحالة الأولى) يباح الجمع للمسافر الذي يباح له القصر، والذي يظهر: أنه لو سافر بعد دخول وقت الأولى من المجموعتين كالظهر مثلاً لم يكن له أن يقصرها؛ لدخول وقتها عليه وهو في الحضر، ولا يجوز أن يصليها تامة مجموعة للعصر المقصورة، والله أعلم. (تحرير)(٥) (الحالة الثانية) المريض الذي يلحقه بسبب ترك الجمع مشقة وزاد في الإقناع كالتنقيح: وضعف.
(تتمة) (الحالة الثالثة) المرضع؛ لمشقة كثرة نجاسة، و (الحالة الرابعة) المستحاضة ونحوها، و (الحالة الخامسة) العاجز عن الطهارة لكل صلاة، و (الحالة السادسة) العاجز عن معرفة الوقت كأعمى ونحوه، و (الحالة السابعة والثامنة): العذر والشغل الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة.стр. 142
الثَّوْبَ وتوجد مَعَه مشقةٌ (١) ،
ولوحلٍ وريحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَةٍ لَا بَارِدَةٍ فَقَط إلا بليلةٍ مظْلمَةٍ (٢) ،
والأفضلُ فعلُ الأرفق من تَقْدِيمٍ الحواشي
(١) يجوز على المذهب الجمع بين العشائين دون الظهرين في ست حالات فقط: (الأولى) المطر، ويشترط: أن يبل المطرُ الثياب، وتوجد معه مشقة للوصول إلى المسجد.
(تتمة) لم يصح حديث عن النبي ﷺ أنه جمع بين العشاءين في المطر، لكن ورد في حديث ابن عباس: جمع رسول الله ﷺ في غير سفر ولا مطر ولا مرض، متفق عليه؛ قال شيخ الإسلام وغيره: هذا يدل على أنهم كانوا يجمعون في المطر.
قوله: ونحوه: (الثانية) كثلج، (الثالثة) وبرَد، و (الرابعة) جليد.(٢) فيباح الجمع بين العشاءين: (الخامسة) لوحل، و (السادسة) لريح شديدة باردة. أما الريح الباردة غير الشديدة، فلا يباح فيها الجمع إلا في الليلة المظلمة، أي: التي يكون فيها الظلام دامساً غير مقمرة.
(تنبيه) لم يخالف الماتن هنا المذهب، خلافاً لما يفهم من كلام صاحب كشف المخدرات تبعاً للبهوتي في كشاف القناع. وخلاصة القول: أن المنتهى والإقناع ذكرا صورتين للجمع حال الريح: ١ - الأولى: ذكراها في فصل ما يبيح ترك الجمعة والجماعة، وهي: لو كانت ريحاً باردة في ليلة مظلمة، فتلحق بهذا الفصل؛ لأن الأعذار التي تبيح تركَ الجمعة والجماعة تبيح أيضاً الجمعَ بين العشاءين. ٢ - الثانية: يذكرها المنتهى والإقناع هنا، وهي: الريح الباردة الشديدة، وإن لم تكن الليلة مظلمة؛ فتبين أن المصنف لم يخالف المذهب هنا.
(تتمة) قالوا: يجوز الجمع في الأحوال الستة حتى لو صلى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط - وهو الطريق المسقوف الذي يمتنع أن يأتيه المطر أو غيره من فوقه - ولمقيم بالمسجد ولو لم ينله إلا اليسير، قالوا: لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها كالسفر، انتهى من الكشاف. والظاهر: أن المرأة لا يشملها هذا الحكم؛ لأنها ليست ممن تجب عليها الجماعة مطلقاً فليحرر، والذي يظهر أيضاً: أن كل مسجد له حكم مستقل، فمتى وجد أحد الأسباب الستة المتقدمة لمسجد وجماعته، جاز لهم الجمع ولمن هو في مثل حالتهم، لا لغيرهم، والله أعلم. (تحرير)стр. 143
أو تأخيرٍ (١) ، وَكُرِه فعلُه فِي بَيتِه وَنَحْوِه بِلَا عذرٍ (٢) . الحواشي
(١) أي: الأفضلُ فعلُ الأيسر للمصلي من تقديم الجمع في وقت الصلاة الأولى أو تأخيره إلى وقت الصلاة الثانية، سواء كان الجمع للسفر أو للمطر أو لغيرهما.(٢) أي: يكره فعل الجمع في البيت ونحوه كالمكان الذي يختلي فيه بلا عذر، وفي نسخة (بلا ضرورة).
(تنبيه) عبارة الماتن هنا فيها نظر! سواء بلفظ (بلا عذر) أو بلفظ (بلا ضرورة) كما في نسخة؛ لأن الأصل عدم جواز الجمع في البيت وغيره بلا عذر، وبلا ضرورة، بل تقدم أن الأفضل ترك الجمع في الحالات التي يباح فيها، فكيف بغيرها؟ وقد ذكر ابن جامع في كتابه «الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات»: أن المؤلف خالف المذهب في هذه المسألة، ويجوز على المذهب للرجل الذي تخلف لعذر - لا للمرأة - أن يجمع في بيته إذا جمع الناس في المساجد بلا كراهة، لكن إذا وجد أحد الأسباب الستة المتقدمة. (مخالفة الماتن)стр. 144
وَيبْطل جمعُ تَقْدِيمٍ براتبةٍ بَينهمَا، وتفريقٍ بأكثر من وضوءٍ خَفِيف وإقامةٍ (١) . الحواشي
(١) شروط جمع التقديم: (الشرط الأول) الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالتفريق اليسير على المذهب كوضوء خفيف وإقامة صلاة. أما الأذكار التي تلي الصلاة الأُولى، فالظاهر مما تقدم - أي تقريرهم أن الموالاة لا تنقطع بوضوء خفيف وإقامة - أن قول أذكار الصلاة لا تقطع الموالاة بين المجموعتين، وقد قال لي شيخنا خالد المشيقح حفظه الله عن الشيخ ابن عثيمين ﵀ الاقتصار على الأذكار الخفيفة: فيسبح عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، ويقرأ آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين.
ولو لم يتمكن من قول الأذكار التي بعد الصلاة الأولى، فهل تتداخل مع أذكار الصلاة الثانية؟ أقول: يتوجه التداخل بالنية قياساً على تداخل العقيقة والأضحية بشاة واحدة، والفريضة مع نية تحية المسجد، والله أعلم. (تحتاج لتحرير)
(تتمة) (الشرط الثاني) أن ينوي الجمع عند إحرام الصلاة الأولى. (الشرط الثالث) أن يوجد العذر المبيح للجمع عند افتتاحهما وسلام الأولى. (الشرط الرابع) أن يستمر العذر المبيح للجمع - في غير المطر ونحوه - إلى فراغ الثانية، أما في جمع المطر ونحوه، فلا يشترط أن يستمر العذر إلى فراغ الثانية. (الشرط الخامس) أن يرتب بين المجموعتين، ولا يسقط الترتيب بالنسيان بخلاف الترتيب بين الفوائت، وهو ما مشى عليه المنتهى والغاية. ومشى في الإقناع على أن الترتيب يسقط هنا بالنسيان كالترتيب الذي بين الفوائت، والمذهب ما في المنتهى. (مخالفة)
مسألة: يجوز للمسافر أن يجمع جمع تقديم وهو يعلم أنه يدخل البلد قبل دخول وقت الثانية.
ويشترط لجمع التأخير ثلاثة شروط:
(الشرط الأول) الترتيب، و (الشرط الثاني) نية الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق وقتها عنها، و (الشرط الثالث) بقاء العذر إلى دخول وقت الثانية.стр. 145
وَتجوز صَلَاةُ الْخَوْف بأي صفة صحت عَن النَّبِي ﷺ ، وَصحت من سِتَّة أوجه (١) ، وَسن فِيهَا حملُ سلَاحٍ غيرِ مُثْقِلٍ (٢) . الحواشي
(١) وهناك وجه سابع مختلف فيه.(٢) لئلا يعيق حركته.
(تتمة) صلاة الخوف قسمان:
(القسم الأول) ما كانت في القتال وتمكن المسلمون من فعلها جماعة، فشرط صحتها: أ- كون القتال مباحاً؛ ب- أن يخاف المسلمون هجوم العدو، وهذه هي التي لها ستة أوجه.
(القسم الثاني) صلاة شدة الخوف بأن يتواصل الضرب والطعن والكر والفر ولا يتمكن المقاتلون من الصلاة جماعة، فيصلون رجالاً وركباناً لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة، ٢٣٩]. ويلحق الحنابلة بذلك من خاف من سيل أو سبع أو خاف فوات الوقوف بعرفة، فله أن يصلي على هذه الصفة ويومئ بالركوع والسجود، ولا يلزمه استقبال القبلة.следующие страницы →