Полный текст (758 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الشروق (١) .
وتُدْرَكُ (٢) مَكْتُوبَةٌ بإحرامٍ فِي وَقتِهَا (٣) ، لَكِن يحرم تأخيرُها إلى وَقتٍ لَا يَسعُهَا (٤) ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يتيقنَه، أو يغلِبَ على ظَنّه دُخُولُه إن عجز عَن الْيَقِين، وَيُعِيد إن أَخطَأ (٥) . وَمن صَار أهلا لوُجُوبهَا قبل خُرُوج وَقتهَا الحواشي
(١) لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ السابق: «وقت الفجر ما لم تطلع الشمس». وللفجر وقت واحد على الصحيح من المذهب. وذكر صاحبُ الإقناع للفجر وقتين: وقت اختيار ووقت كراهة، فوقت الاختيار من طلوع الفجر إلى الإسفار، ووقت الكراهة من الإسفار إلى طلوع الشمس. ونسبه الزركشي في شرح الخرقي للقاضي في المجرد وابن عقيل في التذكرة وابن عبدوس، ولم يذكره المنتهى ولا الإنصاف؛ بل تعقب البهوتي الإقناع، وذكر أن مقتضى كلام الأكثر أنه لا يوجد وقت كراهة للفجر، فلذلك لا يكون قوله هنا هو المذهب.(٢) قال ابن النجار في شرحه للمنتهى: ومعنى إدراك الأداء: هو بناء ما خرج منها عن الوقت على تحريمة الأداء في الوقت، ووقوعه موقعه في الصحة والإجزاء، وسواء لعذر أو لغير عذر، انتهى.(٣) كل الصلوات تدرك أداءً بتكبيرة الإحرام في وقتها، كمن كَبَّر للعصر قبل الغروب، أو للجمعة قبل دخول وقت العصر؛ فالقاعدة: أن الإدراك في الوقت يكون دائماً بتكبيرة الإحرام. وكذا إدراك الجماعة يكون أيضاً بتكبيرة الإحرام إلا في صلاة الجمعة، فلا يكون إدراكها إلا بإدراك الركوع.(٤) أي: لا يسع فعل كل الصلاة فيه.(٥) جعلوا هنا غلبةَ الظن في درجة اليقين، بينما في مسائل أخرى جعلوها في درجة الشك، فإذا صلى بغلبة الظن ثم تبين خطؤه صارت نفلا، ولزمه أن يعيد الصلاة في وقتها.стр. 72
بتكبيرةٍ لَزِمته وَمَا يُجمَعُ إليها قبلهَا (١) . وَيجبُ فَوْرًا قَضَاءُ فوائت مُرَتَّباً مَا لم يتَضَرَّر أو ينسَ أو يخش فَوتَ حَاضِرَةٍ أو اخْتِيَارِهَا (٢) . الحواشي
(١) فلو أن صبياً بلغ، أو حائضاً طهرت قبل الغروب بمقدار تكبيرة الإحرام - كخمس ثوان مثلاً - ثم أذن المغرب، وجب عليهما قضاء العصر وما يجمع إليها قبلها - أي الظهر -. فإن لم يوجد ما يجمع إليها قبلها كالفجر، فلا يقضيان إلا الفجر. أما لو أُذن للظهر وأدركت المرأة خمس ثوان ثم أتاها الحيض، قضت الظهر فقط لا العصر. (فرق فقهي)(٢) دليل وجوب الفورية: حديث: «فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه .. وقوله: (ما لم يتضرر): يعود على الفورية، وقوله: (أو ينس): يعود على الترتيب، فلو صلى العصر مثلاً ناسياً أن عليه الظهر حتى فرغ من العصر ثم ذكر الظهر، فعليه أن يصلي الظهر فقط. لكن لو ذكرها وهو في الصلاة، وجب عليه قطعها والإتيان بالظهر ثم العصر؛ لوجوب الترتيب وهذا في حق الإمام، وأما المأموم والمنفرد فيتمها نفلا ثم يستأنف. (فرق فقهي). وقوله: (أو يخش فوت حاضرة أو اختيارها): يعود على الفورية والترتيب. وتلخيص مستثنيات الفورية والترتيب ما يلي:
يستثنى من الفورية ثلاث صور: ١ - إذا حضر لصلاة عيد، فيكره له قضاء الفوائت بموضعها؛ لئلا يقتدى به، ٢ - إذا تضرر في بدنه أو ماله أو معيشة يحتاجها، ٣ - إذا خشي فوت حاضرة أو فوت وقت اختيارها.٤ - إذا كان التأخير لغرض صحيح كانتظار رفقة، أو جماعة لها.
ويستثنى من الترتيب صورتان: ١ - إذا نسي الترتيب بين الفرائض حال قضائها، أو بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من الحاضرة، ٢ - إذا خشي فوت الحاضرة أو فوت وقت اختيارها، فيقدم الحاضرة، فإن قدم الفائتة مع خشية فوت الوقت، صحت مع الإثم.
(تتمة) لا يسقط الترتيب على المذهب بخوف فوات الجماعة إلا في صلاة الجمعة؛ لأنها لا تقضى، وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى سقوط الترتيب إذا خشي فوات الجماعة مطلقاً جمعة أو غيرها.стр. 73
الثَّالِث: سترُ العَوْرَة، وَيجب حَتَّى خَارِجهَا وَفِي خَلوَةٍ وظُلمةٍ بِمَا لَا يصفُ الْبشرَة (١) .
وعورةُ رجلٍ وحرةٍ مُرَاِهَقةٍ وأمةٍ مَا بَين سُرَّةٍ ورُكْبَةٍ، وَابْنِ سبعٍ إلى عشرٍ الفرجانِ، وكلُّ الْحرَّةِ عَورَةٌ إلا وَجهَهَا فِي الصَّلَاةِ (٢) . الحواشي
(١) العورة لغة: النقصان والشيء المستقبح، واصطلاحاً: سوأة الإنسان، وكل ما يستحيى منه. فيجب سترها عن النظر حتى عن نفسه، ويجب سترها حتى خارج الصلاة، وفي خلوة وظلمة. والستر يكون بما لا يصف لون البشرة، ويكون من جميع الجهات إلا الأسفل، فلا يجب ستره.(٢) العورة ثلاثة أقسام: ١ - عورة الرجل، وابن عشر إلى قبيل البلوغ، والأمة، والحرة المراهقة - أي: قاربت البلوغ ولم تبلغ - والمميزة، فعورتهم ما بين السرة والركبة وليستا منها، قالوا: ويستحب استتار الأمة والحرة المراهقة والمميزة كالحرة البالغة. ٢ - عورة ذكر ابن سبع إلى عشر، فعورته الفرجان؛ لأنه دون البالغ. ٣ - عورة الحرة، فهي كلها عورة إلا وجهها فليس بعورة في الصلاة، لكن لا تكشفه عند وجود الرجال الأجانب.стр. 74
وَمن انْكَشَفَ بعضُ عَوْرَتِهِ وفَحُش (١) أو صلى فِي نجسٍ أو غصبٍ ثوباً أو بقْعَةً أعاد، لَا من حُبِس فِي مَحلٍّ نجسٍ أو غصبٍ لَا يُمكنهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ (٢) . الحواشي
(١) الفاحش هنا: ما يفحش عرفاً في النظر، فيوجب إعادة الصلاة، مع تفصيل فيه.(٢) الثياب التي نهي عن الصلاة فيها على - على المذهب -ثلاثة:
١ - الثوب النجس: تجب إعادة الصلاة على من صلى في ثوب نجس ولو ناسيًا أو جاهلًا؛ لأن النجاسة لا يعفى عنها في الصلاة. ولا يجوز أن يصلّي عريانًا مع وجوده، فإن فعل أعاد وجوباً، ويلزمه أن يصلّي فيه لعدم غيره، ويعيد وجوباً.
٢ - ثوب الحرير: إن صلّى فيه عالماً ذاكراً مع وجود غيره أعاد وجوباً، وإن عَدم غيره صلّى فيه وجوباً ولا إعادة.
٣ - الثوب المغصوب: لا يجوز أن يصلّي فيه ولو عدم غيره، بل يلزمه أن يصلّي عرياناً ولا إعادة، فإن صلّى فيه أعاد وجوباً بشرط كونه ذاكراً عالماً أنه مغصوب، وإلا لم يعد.
أما البقاع: فلو صلى في بقعة مغصوبة كدار لم تصح صلاته؛ لأن النهي عندنا يقتضي الفساد والتحريم. ولو صلى في بقعة نجسة لزمه أن يعيد إلا إن حبس في مكان نجس أو مغصوب لا يستطيع الخروج منه، فيلزمه أن يصلي ولا إعادة.стр. 75
الرَّابِع: اجْتِنَابُ نَجَاسَةٍ غيرِ مَعْفُوٍ عَنْهَا (١) فِي بدنٍ وثوبٍ وبقعةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ (٢) .
وَمن جَبَرَ عَظْمَهُ أو خاطَه بِنَجِس وتضرر بقلعه لم يجبْ، وَيتَيَمَّم إن لم يغطِّه اللَّحْمُ (٣) . وَلَا تصح بِلَا عذرٍ فِي مَقْبرَةٍ وخلاءٍ وحمامٍ وأعطانِ إبلٍ، ومجزرةٍ، ومزبلةٍ، وقارعةِ طَرِيقٍ وَلَا فِي أسطحتِهَا (٤) . الحواشي
(١) أما المعفوّ عنها، فلا يجب اجتنابها كالدم اليسير من حيوان طاهر في غير طعام وشراب، ويسير طين شارع تحققت نجاسته، وأثر الاستجمار في محله، والمتقاطر من البول لمن به سلس بعد كمال التحفظ. وذكر الإقناع عدة مسائل متعلقة بالنجاسات التي يعفى عن يسيرها.(٢) والدليل على اشتراط طهارة الثوب: قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر، ٤]. ودليل اشتراط طهارة البدن: حديث: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الدارقطني. ودليل اشتراط طهارة البقعة: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فأمر النبي ﷺ أن يُصب على بوله ذنوبٌ من ماء، متفق عليه. والمراد بالبقعة: مواضع أعضاء السجود، فلا تبطل بكون ما يقابل صدره نجساً مثلاً مع طهارة مواضع السجود.
(تتمة) ذكر البهوتي في حاشيته على المنتهى أنه لا يجب في غير الصلاة اجتناب النجاسة في الأصح، وقد تقدم في الطهارة أنه لا يجب الاستنجاء على من قضى حاجته إلا إن أراد الصلاة.(٣) فإن تضرر بقلعه لم يجب القلع، وإلا وجب، ويتيمم وجوباً إن لم يغطه اللحم، فإن غطاه فلا يجب التيمم ويغسل العضو كغيره من الأعضاء.(٤) لا تصح الصلاة في هذه المواطن تعبداً، فلا يلحق بها غيرها: ١ - المقبرة: وهي مدفن الموتى، ولا بد أن يكون فيها ثلاثة قبور فأكثر وإلا صحت الصلاة، فلا يضر قبر ولا قبران، وفي الإنصاف: (وقيل: يضر، اختاره الشيخ تقي الدين، والفائق. قال في الفروع: وهو أظهر)، ٢ - الخلاء: وهو ما أُعِد لقضاء الحاجة، قال في الإقناع: (فيمنع من الصلاة داخل بابه وموضع الكنيف وغيره سواء). فأما إن كانت غرفة في إحدى جوانبها حش ليس له باب أو مفتوحاً على الغرفة بلا جدران، فالظاهر تعلق النهي بموضع الكنيف؛ لأن الحش هنا تابع، والله أعلم (تحرير)، ٣ - الحمام: يشبه الساونا، وهو موجود في بعض الدول كالمغرب وسوريا، ٤ - أعطان الإبل: وهو المكان الذي تقيم فيه وتأوي إليه لا الذي ترعى فيه، ٥ - المجزرة: وهو المكان المعد للذبح، وهل محل بيع اللحم الذي يسمى الآن ملحمةً مجزرةٌ؟ الظاهر: ليس مجزرة؛ لأنها لم تعد للذبح، بل لتقطيع اللحم وبيعه فقط، والله أعلم (تحرير)، ٦ - المزبلة: وهو مرمى الزبالة، ولو كانت طاهرة، ٧ - قارعة الطريق: لحديث ابن عمر ﵄: «سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله والمقبرة والمزبلة، والمجزرة، والحمام، ومعطن الإبل، ومحجة الطريق» رواه ابن ماجه والترمذي وقال: (ليس إسناده بالقوي) وفي المطلع: (قارعة الطريق: وسطه، وقيل: أعلاه، والمراد به هاهنا: نفس الطريق ووجهه)، وفي شرح المنتهى للبهوتي: (أي: محل قرع الأقدام من الطريق ... سواء فيه سالك أو لا)، وفي الإقناع: (قارعة الطريق: ما كثر سلوكه سواء كان فيه سالك أو لا .. ولا بأس بما علا عن جادة الطريق يمنة أو يسرة نصا)، قلت: وسواء كان الذي يسلكه أناسي، أو سيارات، أو دراجات أو غيرها والله أعلم، ٨ - أسطحة هذه المواطن؛ لأن الهواء تابع للقرار.
(تتمة) يستثنى من ذلك عدة مسائل: ١ - تصح صلاة الجنازة في المقبرة ولو قبل الدفن بلا كراهة، ٢ - تصح صلاة الجمعة والجنازة والعيد في الطريق للضرورة بأن ضاق المسجد أو المصلى واضطُرُّوا للصلاة في الطريق للحاجة، ٣ - تصح الصلاة على الراحلة في الطريق، وستأتي بإذن الله، ٤ - إذا كان هناك عذر -كما لو حبس فيها -، كما ذكر المؤلف.стр. 76
الْخَامِس: اسْتِقْبَالُ الْقبْلَةِ وَلَا تصح بِدُونِهِ إلا لعاجزٍ (١) ومتنفلٍ فِي سفرٍ مُبَاحٍ (٢) . وَفرضُ قريبٍ مِنْهَا إصابةُ عيْنهَا، وبعيد جِهَتِهَا (٣) . وَيعْمل وجوباً الحواشي
(١) كمريض يعجز عن استقبالها، والمربوط والمصلوب لغير القبلة، فيسقط عنهم الاستقبال.(٢) فيستثنى من شرط استقبال المتنفل الراكب - ولو كان هو القائد - والماشي في سفر مباح ولو دون مسافة قصر، لا مكروه ولا محرم.
(تتمة) يلزم الراكب المتنفل في السفر افتتاحُ الصلاةِ إلى القبلة حسب الإمكان، وقبلتُهُ في سائر صلاته جهةُ قصدِهِ، ولو عدلت به السيارةُ أو الدابةُ عن جهة قصده ولم يُعدها لم تصح إلا إن عجز عن إعادتها، ويلزمه أيضا الركوع والسجود إن قدر وإلا أومأ بهما.(٣) قوله: (قريب منها): أي: من الكعبة، وهو من يمكنه مشاهدتها أو وجد من يخبره عن يقين، ففرضه إصابة عينها ببدنه كله. وكذا على المذهب: المشاهد لمسجد النبي ﷺ ، والقريبُ منه، ففرضه إصابة العين؛ لأن قبلته متيقنة لكونه ﷺ لا يقر على خطأ. ولا يضر النزول عن الكعبة أو العلو عنها. وفرض البعيد إصابة جهتها، والبعيد: هو الذي لا يمكنه مشاهدة الكعبة ولم يجد من يخبره عن يقين.стр. 77
بِخَبَر ثِقَةٍ بِيَقِين، وبمحاريبِ الْمُسلمين (١) .
وإن اشتبهت فِي السّفرِ اجْتهد عَارِفٌ بأدلتِها وقَلَّد غَيرُه (٢) .
وإن صلى بِلَا أحدهما مَعَ الْقُدْرَة قضى مُطلقًا (٣) .
السَّادِس: النِّيَّةُ (٤) فَيجب تعْيينُ الحواشي
(١) قوله: بخبر ثقة بيقين: أي: شخص متيقن ليس ظاناً ولا شاكاً، ويعمل وجوباً بمحاريب المسلمين بأن يتجه إلى حيث تتجه، والمحاريب جمع محراب وهو صدر المجلس ومنه سمي محراب المسجد والمحراب: الغرفة قاله في المطلع.(٢) الاجتهاد يكون للعارف بأدلة القبلة، فيجتهد لكل صلاة، أما الذي لا يعرف علامات القبلة ومثله الأعمى، فإنه يقلد وجوبا عارفاً بأدلتها، فإن كان العارفون أكثر من واحد واختلفوا فيلزمه أن يتبع الأوثق عنده.
(تتمة) قوله: في سفر: يدل على أن الاجتهاد في البلد ممنوع، فلا بد أن ينظر إلى محاريب المسلمين، أو يسأل أهلَ البلد. ولو اجتهد أو أخبره ثقة وأخطأ أعاد كل الصلوات.(٣) أي: لو صلى العارف بأدلة القبلة بلا اجتهاد مع قدرته عليه أعاد وجوبا سواء أخطأ أو أصاب، وكذا لو صلى غير المجتهد بلا تقليدِ عالمٍ بأدلة القبلة مع قدرته على تقليده أعاد الصلاة وجوبا أخطأ أو أصاب.(٤) النية: القصد، وشرعاً: عزم القلب على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى. ومحلها: القلب وجوبا. وشروطها: الإسلام والعقل والتمييز، وفي الكشاف: (وكيفيتها: الاعتقاد في القلب، قال في الاختيارات: النية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله قصده ضرورة). وزمنُها: أولُ العبادة أو قبيلها بيسير في الوقت، إلا الصيام فيصح أن ينويه بعد الغروب مع أنه يبدأ من الفجر الثاني.стр. 78
مُعينَةً (١) ، وَسُنَّ (٢) مقارنتُها لتكبيرة إحرامٍ، وَلَا يضر تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا بِيَسِير (٣) .
وَشُرِط نِيَّةُ إمامةٍ وائتمامٍ (٤) ، ولمؤتمٍ انْفِرَادٌ الحواشي
(١) أي: من أراد أن يصلي فعليه أمران: أن ينوي فعل الصلاة، وأن يعين الصلاة إن كانت معينة كظهر وعصر ووتر وتراويح، فإن لم تكن معينة كالنفل المطلق أجزأته نية فعل الصلاة.(٢) وعبارة الإقناع والمنتهى: والأفضل .. الخ، وهذا يدل على أنهم إذا عبروا بالأفضلية، فإنهم يعنون بها السنية، والله أعلم. (تحرير)(٣) المقارنة هنا: أن يأتي بالتكبير عقب النية، وليس المراد: انبساط النية مع تكبيرة الإحرام، قاله البهوتي. ولا يضر تقديم النية على تكبيرة الإحرام بزمن يسير، وهو ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء، ويشترط أن تكون النية بعد دخول الوقت.
(تتمة) يجب استصحاب حكم النية إلى آخر الصلاة بأن لا ينوي قطعها فقط. وتبطل نية الصلاة: بفسخها، وبالتردد في الفسخ، والعزم عليه، لا على فعل محظور.
ولو نوى قطع الصلاة بطلت صلاته، وليس له أن يقلبها نفلاً، بخلاف قطع نية الصوم، فله أن يستأنفه بالنية نفلاً بغير رمضان. (فرق فقهي)
وإن أتى بما يفسد الفرضَ فقط -كمن ترك القيام بلا عذر- انقلب نفلاً.(٤) فيشترط للإمام أن ينوي الإمامة، ويشترط للمأموم أن ينوي الائتمام. ويشترط أن يكون ذلك من أول الصلاة، فلو صلى أحد منفرداً، ثم بعد تكبيرة الإحرام جاء رجل ليدخل معه، لم يصح أن يقلب نيته من منفرد إلى إمام.
(تتمة) مستثنيات هذه المسألة: ١ - إذا ظنَّ - لا إذا شك - مصل حضورَ مأمومٍ فنوى الإمامةَ صح الاقتداء به، وتبطل إن لم يحضر أحد ويدخل معه قبل رفعه من الركوع. ٢ - إذا أحرم إمام الحيّ بمن أحرم بهم نائبه، فعاد النائب مأموماً صحَّ. ٣ - لو سُبق اثنان ببعض الصلاة فنوى أحدهما الائتمام بالآخر صحّ، ولو لم يتفقا على هذا قبل الصلاة، ولو اختلف عدد الركعات التي فاتتهما والله أعلم.стр. 79
لعذرٍ (١) ،
وَتبطل صلَاتُه بِبُطْلَان صَلَاةِ إمامِه لَا عَكسُهُ إن نوى إمامٌ الِانْفِرَادَ (٢) . الحواشي
(١) أي: لعذر يبيح ترك الجماعة كالخوف على الأهل أو المال، وغلبة النعاس، وتطويل الإمام، والمرض، وفوت الرفقة. فإن لم يكن له عذر وانفرد بطلت صلاته بمجرد مفارقته. ومحل إباحة المفارقة لعذر: أن يستفيد بمفارقة إمامه تعجيل لحوقه لحاجته قبل فراغ إمامه من صلاته، فإن كان لا يتميز انفراد المأموم عن إمامه بنوع تعجيل، لم يجز له الانفراد؛ لعدم الفائدة.
(تتمة): يقرأ مأموم فارق إمامه في قيام قبل أن يقرأ، أو يكمل على قراءة إمامه إن كان الإمام قرأ بعض الفاتحة (وهنا صحت الفاتحة من اثنين، وهي من المسائل الحسان)، وبعدها له الركوع في الحال.(٢) إن نوى الإمام الانفراد بعد خروج المأموم. وهذا القيد: (إن نوى الانفراد): هو ما مشى عليه في الإقناع - وتابعه الغاية -، فيفهم منه: أنه إن لم ينو الانفراد واستدام الإمامُ نيةَ الإمامة، فإن صلاته تبطل. ومشى في المنتهى كالتنقيح - وهو المذهب - على أنه: لا يشترط هذا القيد، فلا تبطل صلاة إمام ببطلان صلاة المأموم سواء نوى الانفراد أم لم ينوه. (مخالفة الماتن)
وكذا لو كان مع الإمام أكثر من مأموم وبطلت صلاة أحدهم، لم تبطل صلاة الإمام. ولا يصح الاستخلاف من الإمام لغيره - على المذهب - إلا: لحدوث مرض، أو حدوث خوف، أو حدوث حصر له عن قول واجب كقراءة وتشهد وتكبير ونحوه، فيصح استخلافه ولو كانوا في السجود، ويصح في تلك الحالة أيضاً أن يستخلف مسبوقاً فيصلي بهم، ثم ينتظرونه إلى أن يتم صلاته، ثم يسلم بهم.стр. 80
باب صفة الصلاة (١)
يسن خُرُوجه إليها متطهراً بسكينة ووقار (٢) مَعَ قَول الحواشي
(١) باب «صفة الصلاة» من أهم أبواب الفقه، وقد قال النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» متفق عليه، فيجب على المسلم أن يتعلم صفة الصلاة. وعند الحنابلة كل حركة وكل قول في الصلاة له دليله، فإن ورد في أمر من أمور الصلاة صفات متعددة اختاروا صفة واحدة وجوّزوا الباقي في الغالب، كما ذكره ابن رجب - في القواعد - وغيره، ويرى شيخُ الإسلام ﵀: استحباب الإتيان بكل ما ورد حتى لا تهجر هذه السنن، وهو أولى للحصول على ثوابها كلها، والله أعلم.(٢) أي: يسن خروجه إلى الصلاة متطهراً بسكينة ووقار. والسكينة: الطمأنينة والتأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار هو: الرزانة.стр. 81
مَا ورد (١) ، وَقيامُ إمامٍ فَغيرِ مُقيمٍ إليها عِنْد قَولِ مُقيمٍ: «قد قَامَت الصَّلَاة» (٢) . الحواشي
(١) ومنه: «اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي قبري نوراً ... » وورد في حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل فوقي نورا ومن تحتي نورا وأعطني نورا» رواه مسلم.(٢) فيسن للإمام القيام للصلاة عند قول المقيم: (قد قامت الصلاة)، لحديث ابن أبي أوفى الذي رواه أبو يعلى كما في المطالب العالية، وهو ضعيف. أما المأموم فيقوم عندها كذلك إن رأى الإمام، وإلا فلا يسن له أن يقوم حتى يرى الإمام قد قام أو دخل للصلاة، ودليل ذلك ما رواه مسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت»، وهذا ما مشى عليه في المنتهى، وهو المذهب. وذهب صاحب الإقناع إلى أن المأموم يقوم عند قول المقيم: (قد قامت الصلاة) إذا كان الإمام في المسجد وإن لم يره المأموم، وإن لم يكن الإمام في المسجد ولم يعلم قربه، فلا يقوم حتى يراه، وتابع الموفق في ذلك. قال البهوتي - متعقباً الإقناع -: (وفي الإنصاف، وجزم بمعناه في المنتهى، والصحيح من المذهب: أن المأموم لا يقوم حتى يرى الإمام، وعليه جمهور الأصحاب، وقدمه في الفروع وغيره، وصححه المجد وغيره). (مخالفة الماتن)
(تتمة) قال البهوتي في الكشاف: (والمراد بالقيام إليها: هو التوجه إليها، ليشمل جلوس العاجز عنه. ولا يُحْرِمُ الإمام حتى تفرغ الإقامة، نص عليه).стр. 82
فَيَقُول: «اللهُ أكبر» (١) وهو قائمٌ فِي فرضٍ (٢) رَافعاً يَدَيْهِ إلى حَذْوَ مَنْكِبَيْه (٣) ، ثمَّ يقبضُ بيمناه كوعَ يسراه (٤)
ويجعلُهما تَحتَ الحواشي
(١) فيقولها القادر على النطق، وأما الأخرس والعاجز عن النطق لمرض ومقطوع اللسان فيحرم بقلبه ولا يحرك لسانه، وكذا حكم القراءة وباقي الأذكار والتشهد والتكبير من الصلاة كما في شرح المنتهى.(٢) أما النافلة، فلا يجب القيام فيها.(٣) المنكب: مجمع عظم العضد والكتف. وكيفية التكبير في المذهب: أن يرفع يديه مع ابتداء التكبير وينهي الرفع مع انتهاء التكبير قبل حطهما. وقد جاء في حديث وائل بن حجر ﵁: «أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير»، رواه مسلم. وتكون رؤوس الأصابع في الرفع عند المنكبين، وفي رواية أخرى: إلى فروع الأذنين، وفي أخرى: يخير بين فروع أذنيه ومنكبيه- ومشى عليها في كافي المبتدي -. لكن المذهب أن يأتي بالصفة الأولى ويداوم عليها، أي: رفع رؤوس أصابعه إلى حذو منكبيه، وإنما اختاروها لكثرة رواتها.(٤) تابع الماتنُ الإقناعَ حيث قال: ثم يقبض بكفه الأيمن كوعه الأيسر، انتهى. وفي المنتهى: ثمَّ وضعُ كفِّ يُمنى على كوعِ يُسرى، انتهى؛ ومثله في الغاية. والكوع: العظم الذي يلي أصل الإبهام.
فا? قناع عبر بالقبض، والمنتهى عبر بالوضع. ولعل كلام المنتهى يحمل على ما في ا? قناع، وأن مراد المنتهى: (القبض) أخذاً من كلام شيخ ا? سلام في شرح العمدة حيث قال: (إذا انقضى التكبير، فإنه يرسل يديه، ويضع يده اليمنى فوق اليسرى على الكوع، بأن يقبض الكوع باليمنى)، ففسر الوضع بالقبض بقوله: (بأن يقبض .. الخ)؛ لكن قد يعكر على هذا البحث ما قاله الخلوتي في حاشيته على الإقناع: (قوله: (ثم يقبض): القبض ليس بشرط بدليل الدليل، وفي المنتهى: التعبير بالوضع)، قلت: وكلام الإقناع وشيخ الإسلام مقدم على كلامه والله أعلم. (مخالفة الماتن)стр. 83
سُرته (١) ، وَينظر مَسْجَدَه فِي كل صلَاته (٢) ، ثمَّ يَقُول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك، وَتَعَالَى جَدك، وَلَا إله غَيْرك» (٣) ، الحواشي
(١) لقول علي ﵁: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة، رواه أحمد، وضعفه النووي، وابن الجوزي، والحافظ، والألباني، ، لكن صححه حلاق في تحقيقه للمنتقى لمجد الدين أبي البركات. وقيل: إن وضعهما تحت السرة أدعى لتراص صفوف المصلين، بل يكره في المذهب أن يجعل يديه على صدره، نص عليه الإمام أحمد - كما ذكر صاحب الكشاف - مع أنه رواه في حديث وائل بن حجر، لكن هذا الحديث متكلم فيه، وإن كان الألباني قد صححه، والرواية الأخرى في المذهب: أنه يخير، فله وضعهما فوق السرة أو تحتها.(٢) يستثنى من هذا ما يلي: ١ - في صلاة الخوف ونحوه لحاجة إذا كان العدو في جهة القبلة فينظر للعدو، ٢ - وكذا إذا اشتد الخوف أو كان خائفاً من سيل أو سبع أو فوات وقت الوقوف بعرفة، وما أشبه ذلك ممن يحصل له ضرر إذا نظر موضعَ سجوده، ٣ - وكذا - كما ذكره البهوتي في الكشاف عن المبدِع - في حال إشارته في التشهد ينظر إلى سبابته، ٤ - وصلاته تجاه الكعبة، فإنه ينظر إليها.(٣) وهناك ما هو أصح منه، لكن اختير هذا لما فيه من تمجيد لله . ولا يكره الاستفتاح بغيره مما ورد.стр. 84
ثمَّ يستعيذُ (١) ، ثمَّ يبسملُ سراً (٢) ،
ثمَّ يقرأ الْفَاتِحَةَ مرتبَةً مُتَوَالِيَةً، وفيهَا إحدى عشرة تشديدةً (٣) ، وإذا فرغ قَالَ: «آمين» (٤) ، يَجْهر بهَا إمامٌ ومأمومٌ مَعًا فِي جهرية، وَغَيرُهمَا فِيمَا يُجْهر فِيهِ (٥) .
وَيسن جهرُ إِمَامٍ بِقِرَاءَة صبحٍ وجمعةٍ وَعِيدٍ وكسوفٍ واستسقاءٍ وأُوْلَيي مغربٍ وعشاءٍ، وَيكرهُ لمأموم، وَيُخَير مُنْفَردٌ وَنَحْوُه (٦) . الحواشي
(١) أي: يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.(٢) فلا يجهر بالبسملة. والبسملة في المذهب ليست من الفاتحة، بل هي آية من القرآن فاصلة بين كل سورتين، وهناك أدلة كثيرة على ذلك، ومن أصرحها حديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... » الحديث، رواه مسلم، فلم يذكر البسملة.
قال شيخ الإسلام في القواعد النورانية: (هي - أي: البسملة - آية من كتاب الله في أول كل سورة كتبت في أولها، وليست من السورة، وهذا هو المنصوص عن أحمد في غير موضع، ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ذلك، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره، وهو أوسط الأقوال وأعدلها).(٣) لحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، رواه البخاري، فإن أخل بتشديدة واحدة ولم يأت بها لزمه إعادتها.(٤) لحديث أبي هريرة ﵁: «كان النبي ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال آمين»، رواه الدارقطني وحسنه.(٥) يسكت الإمام بعد الفاتحة سكتة لطيفة، ثم يقول: آمين، يجهر بها هو والمأموم معاً. وقوله: (وغيرهما): أي غير الإمام والمأموم، وهو المنفرد، فيجهر بآمين فيما يجهر به من القراءة تبعاً للقراءة، والعكس بالعكس.(٦) كالمسبوق، فيخير بين الجهر والإخفات، حتى فيما يسن فيه الجهر. أما المأموم، فيكره أن يجهر بأذكار الصلاة مطلقاً.
(تتمة) بعد أن يقرأ الإمام الفاتحة يسن أن يسكت بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، مع أنه لا يجب على المأموم قراءة الفاتحة على المذهب؛ لكن يتحملها الإمام عنه.стр. 85
ثمَّ يقرأ بعْدهَا سُورَةً فِي الصُّبْح من طوال الْمفصل، وَالْمغْرب من قصاره وَالْبَاقِي من أوساطه (١) .
ثمَّ يرْكَع مكبراً رَافعاً يَدَيْهِ (٢) ، ثمَّ يضعُهُما على رُكْبَتَيْهِ (٣)
مفرجتي الأصابع الحواشي
(١) طوال المفصل: من سورة (ق) إلى سورة (المرسلات)، وأوساطه: من سورة (النبأ) إلى سورة (الليل)، وقصاره: من سورة (الضحى) إلى سورة (الناس).(٢) ويبدأ التكبيرَ مع بداية الانحناء، ثم يرفع يديه - على صفة رفعه عند الإحرام - إلى أن يصل إلى الركوع.(٣) ملقماً كل يد ركبة كما في الإقناع.
(تتمة) بعض الأئمة يبدأ تكبيره في الركوع وينهيه في الركوع، وبعضهم يكبر قبل أن يركع، وبعضهم بعد أن يركع، وكل هؤلاء صلاتهم باطلة على المذهب؛ إذ يجب أن يكون التكبير في الانتقال فقط، فإذا أكمل التكبير في الركوع أو في السجود أو في القيام فإن صلاته باطلة؛ إذ ليس هناك فعل دون ذكر إلا ما يستثنى. والدليل حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين، وفيه: «يكبر حين يركع، ثم يكبر حين يرفع ... » الحديث، فقوله: «حين»: أي أثناء الفعل، لا قبله ولا بعده. وقال بعض العلماء: لا تبطل الصلاة بذلك إن أتى ببعض الذكر أثناء الانتقال لمشقة التحرز من هذا، وهو اختيار المجد أبي البركات وابن عثيمين؛ لكن المسألة خطيرة، فيكفي أن يكون من العلماء من يقول ببطلان الصلاة.стр. 86
وَيُسَوِّي ظَهرَه (١) وَيَقُول: «سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم» ثَلَاثًا، وَهُوَ أدنى الْكَمَال (٢) .
ثمَّ يرفع رأسَه وَيَديه مَعه (٣)
قائلا: الحواشي
(١) أي: يجعل رأسه مستوياً مع ظهره.
(تتمة) المجزئ من الركوع: الانحناء بحيث يتمكن المصلي الذي هو وسط في الخلقة مس ركبتيه بيديه؛ لأنه لا يسمى راكعا بدون ذلك، وقدر الانحناء من غير الوسط -كطويل اليدين وقصيرهما- فينحني حتى يكون بحيث لو كان من أوساط الناس لأمكنه مس ركبتيه بيديه. وقدر الركوع المجزئ من قاعد: مقابلة وجهه بانحنائه ما قدام ركبتيه من أرض أقل مقابلة؛ لأنه ما دام قاعدا معتدلا لا ينظر قدام ركبتيه من الأرض.(٢) والأفضل عدم الزيادة عليها، فلا يقول: «سبحان ربي العظيم وبحمده»، وإن زاد فلا بأس. والواجب قول «سبحان ربي العظيم» مرة واحدة، وأدنى الكمال ثلاث، وأعلاه عشر للإمام. وأما المنفرد: فيرجع في عدد تسبيحه إلى العرف، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (أي المتعارف في موضعه)، قلت: وتحتاج لبيان، ثم رأيت كلام السفاريني في كشف اللثام شرح عمدة الأحكام، وهو قوله: (ولا حد لكثرة المنفرد، والمراد: أنه لا يتقيد بعدد مخصوص؛ بل بحسب نشاط الشخص ورغبته، لا أنه يتمادى فيه حتى يخرج الوقت، أو يضر بنفسه، أو نحو عياله)، وقال في تصحيح الفروع: (قلت: الصواب أن ذلك بحسب الصلاة، فإن أطال في القيام أطال في الركوع بحسبه، وإن قصر قصر فيه بحسبه.)(٣) على صفة رفعه في تكبيرة الإحرام.
(تتمة) المواضع التي يسن فيها رفع اليدين في الصلاة خمسة: ١ - عند تكبيرة الإحرام، ٢ - وعند الركوع، ٣ - وعند الرفع منه، ٤ - وإذا أراد أن يسجد للتلاوة ولو في الصلاة، ٥ - وإذا أراد السجود إثر قنوته بعد الركوع.стр. 87
«سمع الله لمن حمده» (١) ، وَبعد انتصابه: «رَبنَا وَلَك الْحَمد ملْءَ السَّمَاءِ (٢) وملءَ الأَرْضِ وملءَ مَا شِئْت من شَيْءٍ بعد»، ومأموم: «رَبنَا وَلَك الْحَمدُ» فَقَط (٣) .
ثمَّ يكبر (٤) وَيسْجد على الأعضاءِ السَّبْعَة فَيَضَع رُكْبَتَيْهِ ثمَّ يَدَيْهِ ثمَّ جَبهتَه وأنفَه (٥) . الحواشي
(١) يقوله أثناء رفعه، ويكمله قبل أن يستتم قائماً.(٢) تابع الماتنُ المنتهى، ومثله في الغاية. أما الإقناع ففيه: «السماوات» على الجمع، وكلاهما ثابت، قال البهوتي في شرح المنتهى: المعروف في الأخبار: «السماوات»، ولكن قال الإمام وأكثر الأصحاب بالإفراد - وهو المذهب -؛ لأنه هو الذي ورد في حديث ابن أبي أوفى. (مخالفة الماتن)(٣) أي: فإن استتم قائماً قال الإمام والمنفرد: «ربنا ولك الحمد»، وأما المأموم فيقول في أثناء الرفع: «ربنا ولك الحمد»، فإذا استتم قائماً سكت.
(تتمة) على المذهب: يخير المصلي بعد الرفع من الركوع بين إرسال يديه ووضع اليمنى على اليسرى.(٤) ولا يرفع يديه.(٥) لحديث: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين» متفق عليه. والمذهب وضع الركبتين قبل اليدين في الهوي إلى السجود لحديث وائل بن حجر ﵁: «رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه»، رواه الأربعة والدارمي، وحسنه محقق سنن الدارمي الشيخ حسين سليم أسد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، لكن الألباني ضعفه وصحح حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه»، رواه الأربعة. وحديث أبي هريرة ﵁ يميل إليه المحدثون في الغالب، وقد قال ابن حجر في البلوغ: هو أقوى من حديث وائل، لكنّ ابن القيم ذكر أن فيه قلباً، والكلام فيه كثير، والله أعلم.стр. 88
وَسن كَونُه على أطرافِ أصابعِهِ (١) ، ومجافاةُ عَضُدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ، وبطَنهِ عَن فَخذيهِ (٢) ، وتفرقةُ رُكْبَتَيْهِ (٣) وَيَقُول: «سُبْحَانَ رَبِّي الأعلى» ثَلَاثًا، وَهُوَ الحواشي
(١) وتكون مفرقة إن لم يكن في رجليه نعل أو خف، وتكون موجهة إلى القبلة، ويجوز على ظهور قدميه.
(تتمة) يضع يديه حذو منكبيه في سجوده.(٢) وكذا يجافي فخذيه عن ساقيه ما لم يؤذ جاره، فإن حصل إيذاء حرم.(٣) هكذا في المنتهى، وزاد في الإقناع: ورجليه، وكذا زادها البهوتي في الروض المربع، فالمذهب التفرقة بين القدمين في السجود، خلافاً للشيخ ابن عثيمين الذي يقول بضمهما لحديث عائشة ﵂ قالت: فوقعت يدي على بطن قدميه ﷺ وهو في المسجد وهما منصوبتان، رواه مسلم. وتعقبه الشيخ بكر أبو زيد في رسالة لطيفة بعنوان: «لا جديد في أحكام الصلاة» وذكر أن الأصل في الصلاة المباعدة والمجافاة بين الأعضاء، والحديث ليس بصريح؛ لاحتمال أنهما كانتا متفرقتين متقاربتين وتكون اليد عليهما. وقول صاحب المتن: (مجافاة): أي مباعدة.стр. 89
أدنى الْكَمَال (١) .
ثمَّ يرفع مكبراً وَيجْلس مفترشاً (٢) وَيَقُول: «رَبِّي اغْفِر لي» ثَلَاثًا، وَهُوَ أكملُه، وَيسْجدُ الثَّانِيَةَ كَذَلِك (٣) .
ثمَّ ينْهض مكبراً مُعْتَمدًا على رُكْبَتَيْهِ بيدَيْهِ (٤) ، فَإن شقّ فبالأرض (٥) فيأتي بِمِثْلِهَا (٦) غيرَ النِّيَّةِ والتحريمةِ والاستفتاحِ (٧) والتعوذِ إن كَانَ تعوذ (٨) . الحواشي
(١) والواجب قول «سبحان ربي الأعلى» مرة واحدة، وأدنى الكمال ثلاث، وأعلاه عشر للإمام، وأما المنفرد فيرجع فيه إلى العرف وتقدم كلام السفاريني في تسبيح الركوع.(٢) فيجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، وتكون أطراف أصابعها إلى القبلة لحديثي أبي حميد وعائشة ﵃، ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع.(٣) أي: كالأولى في الهيئة والتكبير والتسبيح.(٤) فلا يعتمد على الأرض إن لم توجد مشقة، ويرفع رأسه ثم يديه ثم ركبتيه، عكس الهوي للسجود.(٥) أي: يعتمد على الأرض.(٦) أي: بمثل الركعة الأولى.(٧) ولو لم يأت بالاستفتاح في الأولى سهواً أو عمداً، فلا يأت به في الثانية لفوات محله، وسيأتي: أن ما يدركه المسبوق مع إمامه آخر صلاته، وأنه إذا سلم إمامه قام واستفتح.(٨) في الركعة الأولى.стр. 90
ثمَّ يجلس مفترشاً (١) ، وَسن وضعُ يَدَيْهِ على فَخذيهِ وَقبضُ الْخِنْصِر والْبِنْصِرِ من يمناه، وتحليقُ إبهامَها مَعَ الْوُسْطَى، وإشارتُه بسبابتها (٢) فِي تشهدٍ وَدُعَاءٍ عِنْد ذكر الله مُطلقًا (٣) ، وَبسطُ الْيُسْرَى (٤) .
ثمَّ يتَشَهَّدُ (٥) فَيَقُول: «التَّحِيَّات لله، والصلوات والطيبات، السَّلَام عَلَيْك أيها النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين (٦) ، الحواشي
(١) لحديث أبي حميد ﵁.(٢) في الإقناع: (ولا يشير بغيرها ولو عدمت السبابة)، ولا يشير أيضاً بسبابة اليسرى، كما في شرح المنتهى.(٣) المراد بالإشارة: رفع الأصبع السبابة، كما قاله الشيخ منصور في شرح المنتهى. وترفع الأصبع في التشهد أربع مرات عند التلفظ باسم الله تعالى، وتلك المواضع هي: الأول: التحيات لله، الثاني: ورحمة الله، الثالث: وعلى عباد الله، الرابع: أشهد أن لا إله إلا الله، ويلحق بها أيضاً: (اللهم)، كما قرره ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى.
(تنبيه) المذهب: يكون رفع السبابة في تشهده ودعائه في صلاة وغيرها عند ذكر الله تعالى، ومن غير تحريك يعني: أنه لا يوالي حركتها عند الإشارة؛ لأنه يشبه العبث، قاله ابن النجار في شرحه للمنتهى. وفي الإقناع وشرحه في خطبة الجمعة: (ولا بأس أن يشير بأصبعه في دعائه في الخطبة).(٤) أي: على فخذه.(٥) وجوباً، وسراً استحباباً، وكذا في تسبيح ركوع، وسجود، وقول (رب اغفر لي).(٦) في شرح المنتهى وغيره: (الصالح: القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده، أو الإكثار من العمل الصالح بحيث لا يعرف منه غيره، ويدخل فيه النساء، ومن لم يشاركه في صلاته)، أسأل الله تعالى أن يدخلني في هذه الدعوات المباركات وكل من يقرأ، آمين.стр. 91
أشْهَد أن لَا إله إلا الله، وأشهد أن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله.» (١)
ثمَّ ينْهضُ فِي مغرب ورباعية مكبراً، وَيُصلي الْبَاقِي كَذَلِك سراً مُقْتَصراً على الْفَاتِحَة، ثمَّ يجلس متوركاً (٢) فيأتي بالتشهد الأول ثمَّ يَقُول: «اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٣) .
وَسن أن يتَعَوَّذَ (٤) فَيَقُول: «أعوذ بِاللَّه من عَذَاب جَهَنَّم، وَمن عَذَاب الحواشي
(١) وهذا تشهد ابن مسعود ﵁، وإنما اختاروه لأنه جاء أن النبي ﷺ أمره أن يعلمه الناس، ولأن هذا التشهد متفق عليه، بخلاف غيره مما روي.(٢) لحديث أبي حميد ﵁، وفيه: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته»، رواه البخاري.(٣) لحديث كعب بن عجرة ﵁. وإنما اختاروا هذه الصيغة؛ لأنها متفق عليها، وقد ذكر هذه الصلاة المنتهى، وزاد: (أو كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، والأُولى أَولى)، انتهى كلامه وهذه رواها الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(تنبيه) يجب الترتيب بين التشهد والصلاة؛ فيقدم التشهد ثم الصلاة، وإلا فلا يعتد بالصلاة لفوات الترتيب بينهما، كما في شرح المنتهى.(٤) بعد التشهد، لحديث أبي هريرة ﵁: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير ... » متفق عليه.стр. 92
الْقَبْر، وَمن فتْنَة الْمحيا وَالْمَمَات، وَمن فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من المأثم والمغرم (١) .»
وَتبطلُ بِدُعَاء بأمر الدُّنْيَا (٢) .
ثمَّ يَقُول عَن يَمِينه ثمَّ عَن يسَاره: «السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله»، مُرَتباً مُعَرَّفاً، وجوباً (٣) .
وامرأة كَرجل (٤) ، لَكِن تجمع الحواشي
(١) وزيادة: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) وليست موجودة في المغني والشرح الكبير والإنصاف والتنقيح والمنتهى، إنما هي في الإقناع وتابعه الغاية، وهي في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ " أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم " فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: (إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف).(٢) أي: تبطل الصلاة إن دعا في سجوده مثلاً، أو بعد تشهده بحوائج دنياه وملاذها مما لم يرد في الكتاب والسنة ولا عن الصحابة والسلف كسؤال الوظيفة أو الجارية الحسناء، وكذا تبطل لو أتى بكاف الخطاب لغير الله تعالى، ولغير رسوله ﷺ .(٣) فلا يجزئ قوله: «سلام» بدل «السلام». ويبدأ التسليم مع بداية الالتفات، لكن الالتفات سنة وليس بواجب.(٤) حتى في رفع اليدين.стр. 93
نَفسهَا (١) وتجلس متربعة أو مسدلة رِجْلَيْهَا عَن يَمِينهَا وَهُوَ أفضل (٢) .
وَكره فِيهَا التِفَاتٌ وَنَحْوُه بِلَا حَاجَة (٣) ، وإقعاءٌ (٤) ،
وافتراش ذِرَاعَيْهِ الحواشي
(١) في نحو ركوع وسجود، فلا يسن لها التجافي.(٢) أي: من جلوسها متربعة. وقوله: (مسدلة): أي: تقعد على الأرض، وتخرج رجليها من جانبها الأيمن.
(تتمة) الأذكار بعد الصلاة: بعد أن ينتهي من الصلاة يأتي بالأذكار المعروفة سراً - على ما صوبه المرداوي في تصحيح الفروع -، خلافاً لما نقله صاحب الإقناع عن شيخ الإسلام من استحباب الجهر بها. ويكون التسبيح باليد، ويأتي بالتسبيح والتحميد والتكبير معاً، فيقول: «سبحان الله والحمد لله والله أكبر» ثلاثاً وثلاثين.(٣) ذكر هنا بعضَ ما يكره في الصلاة: ومنها: كراهة الالتفات بلا حاجة بالوجه أو الصدر أو بهما جميعاً. فإن احتاج إلى الالتفات، فلا كراهة كالأم تخاف على طفلها الرضيع أن يسقط، فلا يكره التفاتها. فإن استدبر القبلة، أو استدار بكل جسمه عن القبلة بطلت صلاته، ما لم يكن في الكعبة؛ لأن كل جهاتها قبلة، وكذا في صلاة شدة الخوف.(٤) وصفة الإقعاء في المذهب: أن يفرُش قدميه ويجلس على عقبيه، وقد ذُكِرت في المنتهى والإقناع والمقنع والمغني، قال في الإنصاف: (هي الصحيح من المذهب)، وزاد في المنتهى - وتابعه الغاية - صفةً أخرى مكروهة وهي مثل الأُولى إلا أنه يكون فيها: (جالساً بين عقبيه على أليتيه ناصباً قدميه) وأصلها في المحرر كما في الإنصاف، وذكرها في المبدع أيضا.
ويفرُش - في المطلع -: بضم الراء على المشهور، وذكر القاضي عياض في المشارق كسر الراء، ولم يحكِ الضم، انتهى. وقال ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى: ومعنى فرَشها: جعل ظهرَها مما يلي الأرض، انتهى، يوسف. ويعني بـ «يوسف»: الفتوحي حفيد ابن النجار صاحب المنتهى، ذكره الشيخ عبد الله المقدسي في شرح دليل الطالب.
وفسَّر الشيخ عثمان النجدي الإقعاءَ - في شرح عمدة الطالب - بكلام الشِّيْشِيني في شرح المحرر، قال: (الإقعاء المكروه في الصلاة: أن يجعل أصابع قدميه في الأرض، ويكون عقباه قائمين، وأليتاه على عقبيه، أو بينهما وهذا عام في جميع جلسات الصلاة، انتهى. وهذا يوضح قول المنتهى وغيره في تفسير الإقعاء: بأن يفرش قدميه، ويجلس على عقبيه، أو بينهما ناصباً قدميه. فقوله: (يفرش قدميه) أي: أصابع قدميه)، انتهى من الهداية (٢/ ١٠٢).
وتفسير الشيخ النجدي قولَهم (يفرش): أي: أصابع قدميه فيه نظر! بل لم أر لهم الافتراش إلا بدون نصب أصابع القدم كما في الجلسة بين السجدتين، قالوا - كما في الإقناع -: (يجلس مفترشاً: بأن يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب يمناه)، انتهى. فَفَرْشُ الرِّجْلِ: أن يجعل ظهرها - بما فيها ظهور الأصابع - مما يلي الأرض، كما تقدم. وأما نصب أصابع الرجل، فيعبرون عنه بالنصب، والله أعلم.
ثم رأيت تعقبَ الشيخِ العنقري في حاشيته على الروض للشيخ عثمان، قال: (وما حمل عليه عثمان عبارة المنتهى خلافُ ظاهرها؛ لقوله: (يفرش قدميه)، فكيف يُحمل على فرش أصابعهما).
وأَولى مما ذكره النجدي، ما ذكره ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى: قال: (قوله - أي صاحب المنتهى -: (ناصباً قدميه) صوابه: فخذيه، كما في تفسير أبي عبيد المذكور هنا، أو ساقيه كما في المصباح، فتأمل)، انتهى. (بحث)стр. 94
سَاجِداً (١) ، وعبث (٢) ، وتخصر (٣) ، وفرقعة أصابع وتشبيكها (٤) ، وَكَونه حاقناً وَنَحْوه (٥) ، وتائقاً لطعام الحواشي
(١) أي: حال كونه ساجداً، قال في المبدع: (أي: يمدهما على الأرض ملصقا لهما به) ودليل الكراهة قوله ﷺ : «ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب»، رواه الترمذي.(٢) كعبثه بثيابه ولحيته.(٣) وهو أن يضع يده على خاصرته، فيكره لحديث عائشة: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل متخصراً»، متفق عليه. والخاصرة: هي العظم المستدق فوق الوَرِكَين، وقيل: ما بين رأس الوَرِك وأسفل الأضلاع، وهما خاصرتان. والوَرِك: بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز: بكسر الواو وسكون الراء على وزن وِزْر، وهو: ما فوق الفخذ من الإنسان، كما في المطلع.(٤) فرقعة الأصابع: غمزها حتى يخرج منها صوت. وتشبيكها: إدخال بعضها في بعض، وهو مكروه من حين خروج المصلي من بيته، وتزداد الكراهة إذا دخل المسجد، وتشتد إذا دخل في الصلاة كما فصله هكذا في الإقناع، وتنتهي الكراهة بالصلاة، وهناك تشبيك مستحب، وهو في الوضوء لتخليل أصابع اليدين، قاله في الغاية. (فرق فقهي)(٥) كالحاقب. والحاقن: محتبس البول، والحاقب: محتبس الغائط. فيكره أن يبتدئ الصلاة وهو كذلك للحديث: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، ولأنه يشغله عن الصلاة. أما إذا صار حاقناً في أثناء الصلاة، فلا تكره استدامة الصلاة إذن.стр. 95
وَنَحْوه (١) .
وإذا نابه شَيْءٌ (٢) سَبَّحَ رجلٌ، وصَفَّقَتْ امرأةٌ بِبَطن كفها على ظهر الأخرى (٣) ، ويزيل بصاقاً وَنَحْوَهُ الحواشي
(١) أي: مشتاقاً - كما ذكره النجدي - للطعام. وقوله: ونحوه: أي: كالشراب والجماع.
وفي المنتهى ضابط لهذه الأمور، فقال: (ويكره ابتداؤها فيما - أي: في حال - يمنع كمالَها كحَر و .. الخ).
(تنبيه) كراهية ابتداء الصلاة مع وجود هذه الأمور مقيدة بما إذا لم يضق الوقت - ولو المختار - عن فعل كل الصلاة فيه، فإن ضاق تعين فعلها، وحرم الاشتغال بغيرها.
(تتمة) في الإقناع: (ومن أتى بالصلاة على وجه مكروه، استحب أن يأتي بها على وجه غير مكروه ما دام وقتها باقياً)، قال البهوتي: (وظاهره: ولو منفرداً).(٢) أي: إذا عَرَضَ لمصلٍّ أمرٌ، كاستئذان عليه، أو سهو إمامه عن واجب، أو بفعل في غير محله: فيسبح بمستأذن استحباباً، وبالإمام وجوباً، نص عليه ابن النجار في المعونة، والبهوتي في شرح المنتهى.(٣) ويجوز في المذهب التنبيه: بالتهليل والتكبير، ولا تبطل الصلاة بذلك. وكذلك يجوز التنبيه بالقراءة بشرط أن يقصد القرآن كما في الغاية اتجاها في كتاب الأيمان، كقوله لإمام سهى عن الركوع: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(٤٣) ﴾ [البقرة، ٤٣]، أو التنبيه بـ: ﴿فَاسْجُدُوا﴾ [النجم، ٦٢].стр. 96
بِثَوْبِهِ (١) ، وَيُبَاح فِي غيرِ مَسْجِدٍ عَن يسَارِه (٢) وَيكرهُ أمامَه وَيَمِينه (٣) . الحواشي
(١) إذا كان الإنسان في المسجد أزال بثوبه البصاق ونحوه كالنخامة والمخاط.(٢) وفي المنتهى وشرحه: (وفي ثوب أَولى؛ لئلا يؤذي به).(٣) للنهي الوارد.стр. 97
فصل (في أركانها (١) وواجباتها)
وَجُمْلَة أركانها أربعة عشر:
القيامُ (٢) ،
والتحريمةُ (٣) ، الحواشي
(١) الركن لغة: جانب الشيء الأقوى، واصطلاحاً: ما كان في الصلاة ولا يسقط عمداً ولا جهلاً ولا سهواً.(٢) على القادر في الفرض، ولو فرض كفاية كصلاة جنازة، لا في النفل، والدليل قوله ﷺ : «صل قائماً». وحد القيام في الهيئة: ما لم يصر راكعاً، وحد القيام في الزمن: فعلى ما فصله في الإقناع حيث قال: (والركن منه الانتصاب بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة في الركعة الأولى، وفيما بعدها بقدر قراءة الفاتحة فقط. وإن أدرك المأموم الإمام في الركوع، فبقدر التحريمة).
(تتمة) يستثنى من القيام: ١ - الخائف، ٢ - والعريان الذي لا يجد سترة، فيصلي جالساً ندباً، وينضم، ٣ - والمريض الذي يمكنه القيام لكن لا تمكن مداواته قائماً، ٤ - والذي يصلي خلف إمام الحي الراتب الذي يرجى زوال علته، وسيأتي إن شاء الله، ٥ - والعاجز عن القيام، كمن حبس في مكان لا يمكن القيام فيه لقِصَر سَقْفٍ مثلاً.(٣) للحديث: «وتحريمها التكبير»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.стр. 98
والفاتحةُ (١) ، وَالرُّكُوعُ (٢) ، والاعتدالُ عَنهُ (٣) ، وَالسُّجُودُ (٤) ، والاعتدالُ عَنهُ (٥) ، وَالْجُلُوسُ بَين السَّجْدَتَيْنِ (٦) ، والطمأنينةُ (٧) ، الحواشي
(١) هي ركن في كل ركعة على الإمام والمنفرد. أما المأموم، فيتحملها عنه الإمام في الصلاة الجهرية والسرية، لكن يستحب له أن يقرأها.(٢) وهو ركن إجماعاً، لحديث: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً»، متفق عليه.(٣) الاعتدال - كما في المطلع -: الاستقامة، وهو ركن لحديث المسيء في صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً». ويستثنى من ركنية الركوع والرفع منه: ما بعد الركوع الأول من كل ركعة في صلاة الكسوف، فإنه سنة، ولو أدرك إمامه في الركوع الثاني من الركعة في الكسوف، لا يعتبر مدركاً لتلك الركعة على المذهب.(٤) وهو ركن إجماعاً.(٥) هكذا في الإقناع، أما صاحب المنتهى فقال: (الرفع عنه).(٦) للحديث: «ثم ارفع حتى تطمئن جالساً» متفق عليه.(٧) الطمأنينة هي: السكون وإن قلّ في كل ركن فعلي، فيشترط أن يسكن فيه ولو قليلاً، هذا ما قطع به في المنتهى والتنقيح، وقال ابن النجار في المعونة: (وهذا المذهب). أما في الإقناع فقال: (بقدر الذكر الواجب لذاكِرِه، ولناسيه بقدر أدنى سكون، وكذا لمأموم بعد انتصابه من الركوع؛ لأنه لا ذكر فيه). وهو ضابط جيد وذكر بعضه شيخ الإسلام في القواعد النورانية قال: (ولهذا قال طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح الواجب عندهم وهو تسبيحة)، لكن الشيخ منصور تعقب الحجاوي في الكشاف فقال: (هذه التفرقة لم أجدها في الفروع ولا المبدع ولا الإنصاف ولا غيرها مما وقفت عليه، وفيها نظر؛ لأن الركن لا يختلف بالذاكر والناسي، بل في كلام الإنصاف ما يخالفها ... )، .والحاصل أن الطمأنينة في المذهب: هي السكون وإن قلّ في كل ركن فعلي، كما تقدم. (مخالفة)стр. 99
وَالتَّشَهُّدُ الأخيرُ (١) ، وجَلْسَتُهُ (٢) ، وَالصَّلَاةُ على النَّبِي ﵇ (٣) ، والتسليمتان (٤) ، الحواشي
(١) لقوله ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله ... »، متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁، والكمال أن يتشهد به.(٢) أي: جلسة التشهد الأخير.(٣) في التشهد الأخير. والركن منه: «اللهم صلّ على محمد»، لكن الأكمل أن يأتي بالصيغة الواردة في حديث كعب بن عجرة ﵁، وتقدمت في صفة الصلاة.(٤) لحديث: «وتحليلها التسليم». وقوله: (والتسليمتان): أي هما ركن، فلا تجزئ واحدة في فرض ولا نفل، وهو المذهب، لكن تجزئ تسليمة واحدة في صلاة الجنازة وسجدتي التلاوة والشكر، وتابع الماتن هنا المنتهى والتنقيح.
(تتمة) كون التسليمتين ركن نص عليه في المنتهى، وهو المذهب، قال البهوتي في شرحه على المنتهى: (وظاهر كلامه أن النفل كالفرض)، وقال في الكشاف: (وظاهر ما قدمه في المبدع وغيره: أن النفل كالفرض، وهو ظاهر ما قطع به في المنتهى)، وقال أيضاً في حواشي الإقناع: (ظاهر ما قدمه في الفروع، والمبدع، وتصحيح الفروع، وغيرها، أن الصحيح: لا فرق بين الفرض والنفل).
واقتصر في الإقناع والغاية والمقنع على إجزاء التسليمة الواحدة في النفل، وحكاه الموفق ابن قدامة إجماعًا، قال الحجاوي في الإقناع: (التسليمتان إلا في صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر، وإلّا نافلة فتجزئ واحدة على ما اختاره جمع، منهم المجد. قال في المغني والشرح: لا خلاف أنه يخرج من النفل بتسليمة واحدة، قال القاضي: رواية واحدة) لكن قال شيخ الإسلام في القواعد النورانية: (والمختار في المشهور عن أحمد أن الصلاة الكاملة المشتملة على قيام وركوع وسجود يسلم منها تسليمتان، وأما الصلاة بركن واحد كصلاة الجنازة وسجود التلاوة وسجود الشكر، فالمختار فيها تسليمة واحدة كما جاءت أكثر الآثار بذلك، فالخروج من الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد، ومن الركن الفعلي المفرد بالتسليم المفرد). (مخالفة الماتن)стр. 100
وَالتَّرْتِيبُ (١) .
وواجباتها (٢) ثَمَانِيَة:
التَّكْبِيرُ غيرَ التَّحْرِيمَةِ (٣) ، الحواشي
(١) بين الأركان، لحديث المسيء في صلاته حيث رتب فيه الرسول ﷺ بين الأركان.(٢) الواجب في الصلاة: ما كان في الصلاة، وتبطل الصلاة بتركه عمداً، ويسقط سهواً وجهلاً، ويجبر بسجود السهو.(٣) ويستثنى: ١ - تكبيرة الإحرام، فإنها ركن، ٢ - وكذا يستثنى المسبوق الذي أدرك إمامه راكعاً وكبر للإحرام، فإن تكبيرة الركوع في حقه سنة، لكن لو دخل ذلك المسبوق وكبر تكبيرة واحدة ناوياً بها الإحرام والركوع لم تنعقد صلاته.стр. 101
والتسميعُ (١) ، والتحميدُ (٢) ،
وتسبيحُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (٣) ، وَقَولُ: «رب اغْفِر لي» (٤) مرّةً مرّةً (٥) ، وَالتَّشَهُّدُ الأولُ (٦) ، وجَلْسَتُهُ (٧) . الحواشي
(١) أي: قول «سمع الله لمن حمده»، فهو واجب على الإمام والمنفرد لا المأموم.(٢) أي: قول «ربنا ولك الحمد»، وهو واجب على الجميع: الإمام والمنفرد والمأموم.
(تتمة) للتحميد أربع صيغ وردت في السنة: «ربنا لك الحمد» - بدون واو -، «ربنا ولك الحمد» - بإثباتها، وهي أفضل -، «اللهم ربنا لك الحمد» - بدون واو، وهي أفضل -، و «اللهم ربنا ولك الحمد» - بإثباتها -، وهذا كله على المذهب.
ومحل ما تقدم من تكبير الانتقال، والتسميع، وكذا التحميد لمأموم، بين ابتداء انتقال وانتهائه، فلو شرع فيه قبل شروعه في الانتقال، أو أكمله بعد انتهائه لم يجزئه؛ لأنه في غير محله.(٣) للحديث: «لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ(٩٦) ﴾ [الواقعة، ٩٦]، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(١) ﴾ [الأعلى، ١]، قال: اجعلوها في سجودكم»، رواه أبو داود، وحسنه النووي، والأمر يقتضي الوجوب.(٤) حال كونه جالساً بين السجدتين، فيأتي بكل ذكر في محله.(٥) أي: الواجب فيه وفي تسبيح الركوع والسجود: الإتيان به مرة واحدة.(٦) ودليله هو الأصل في الواجبات من حيث سقوطها بالسهو وانجبارها بالسجود. لكن يستثنى: من قام إمامه سهواً إلى الركعة الثالثة، فيتابعه المأموم ويسقط عنه التشهد وجلسته.(٧) أي: جلسة التشهد الأول، فهي واجبة.стр. 102
وَمَا عدا ذَلِك (١) والشروطَ: سُنةٌ (٢) ، فالركنُ وَالشّرطُ لَا يسقطان سَهواً وجهلا، وَيسْقط الْوَاجِبُ بهما (٣) . الحواشي
(١) أي: الأركان والواجبات.(٢) وهي سنن أقوال وأفعال، وهي كثيرة كما في الإقناع، منها قراءة ما تيسر من القرآن بعد الفاتحة، والجهر، والزيادة على المرة في التسبيح ...(٣) أي: بالجهل والسهو، ويجبر بسجود السهو.стр. 103
فصل (في سجود السهو) (١)
ويشرع (٢) سُجُودُ السَّهْوِ لزِيَادَةٍ وَنقصٍ وَشكٍ (٣) ، لَا فِي عمد (٤) .
وَهُوَ وَاجِبٌ لما تبطل بتعمده (٥) وَسنةٌ لإتيانٍ بقولٍ مَشْرُوعٍ فِي غير الحواشي
(١) السهو في الشيء - كما في النهاية -: تركه من غير علم، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم. وهو اصطلاحاً - كما عرفه الشيخ ابن عثيمين في رسالة سجود السهو -: (عبارة عن سجدتين يسجدهما المصلي لجبر الخلل الحاصل في صلاته من أجل السهو).(٢) المشروعية: تشمل الوجوب والسنية.(٣) والدليل على مشروعيته في الزيادة والنقص حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا: «إذا زاد الرجل في صلاته أو نقص فليسجد سجدتين»، رواه مسلم. أما في الشك، فالدليل حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك، وليبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى تماماً - أي: أربعاً - كانتا ترغيماً للشيطان»، رواه مسلم.(٤) فلا يشرع ولا يسن سجود السهو إذا فعل أو قال شيئاً عمداً، بطلت صلاته أو لم تبطل.(٥) سجود السهو في المذهب له ثلاثة أحكام: واجب، وسنة، ومباح.
الحكم الأول: (واجب) قال الماتن: واجب لما تبطل الصلاة بتعمده: أي: كل فعل تبطل الصلاة بتعمده، فإنه إن فعله سهواً وجب أن يسجد للسهو. وقد وافق في هذا زاد المستقنع، لكنّ هذه العبارة ليست على إطلاقها، فلو أكل متعمداً مثلاً بطلت صلاته، لكن الأكل الكثير سهواً يبطلها أيضاً، فلذلك حَصَرَ دليلُ الطالب ما يجب له سجود السهو في خمس صور: ١ - إذا زاد - سهوا - فعلاً من جنس الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً ولو قدر جلسة الاستراحة، ٢ - وإذا سلم قبل إتمامها سهواً، ٣ - وإذا لحن - سهواً أو جهلاً - لحناً يحيل المعنى، أي: يغيّر المعنى، ٤ - وإذا ترك واجباً سهواً كالتسبيح، ٥ - وإذا شك في زيادة وقت فعلها، وهذا حصر جيد أتى به من استقراء الإقناع والمنتهى.стр. 104
مَحَله سَهواً، وَلَا تبطل بتعمده (١) ،
ومباحٌ لترك سنة (٢) . الحواشي
(١) الحكم الثاني: (سنة) فيسن سجود السهو في حالتين:
١ - ما ذكره المصنف بقوله: لإتيان بقول مشروع في غير محله سهواً: كما لو قرأ في ركوعه أو سبّح في قيامه، فإن تعمد فعله لم تبطل صلاته، كما لا يسن له سجود. ويستثنى من ذلك: السلام، فلو أتى به في غير محله، فإنه يخرج من الصلاة، ويلزمه أن يعود.
٢ - وصورة لم يذكرها المؤلف: لو نوى المسافر قَصْرَ الصلاة فأتمها سهواً، فيسن له أن يسجد للسهو، ولا تبطل الصلاة بتعمد ذلك، كما لا يسن لهذا التعمد سجود.(٢) الحكم الثالث: (مباح) إذا ترك سنة من سنن الصلاة قولية كانت أو فعلية أبيح له أن يسجد للسهو، ولا يسن. وقد ذكر السعدي ﵀: أنه لا يسجد إلا إذا ترك سنة من عادته أن يأتي بها، كمن عادته أن يسبح ثلاثاً، فيسجد للسهو إن سبح واحدة، قلت: وهو قيد حسن.стр. 105
وَمحله قبلَ السَّلَام ندباً إلا إذا سلم عَن نقصِ رَكْعَةٍ فأكثر فبعده ندباً (١) .
وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت (٢) ، وسهواً فإنْ ذَكَرَ قَرِيباً أتمها وَسجد (٣) . الحواشي
(١) فالأفضل الإتيان بسجود السهو قبل السلام مطلقاً، ويجوز الإتيان به بعد السلام. ويستثنى من ذلك: صورة واحدة، وهي إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر، فمحله بعد السلام ندباً. وقد تابع المصنف في هذا عبارة الإنصاف والإقناع، أما في المنتهى: فيسن كونه بعد السلام إذا كان عن نقص مطلقاً، سواءً كان عن نقص ركعة أو أقل أو أكثر، كما في التنقيح والغاية، وهذا هو المذهب، والله أعلم. (مخالفة الماتن)
(تتمة) لا تبطل الصلاة بترك سجود السهو المسنون. وتبطل بتعمد ترك سجود السهو الواجب الذي أفضليته قبل السلام، لا إن ترك الذي أفضليته بعد السلام - وإن كان يأثم بتركه -، كما ذكر صاحب الزاد، وهو ضابط جيد.
أما الشيخ ابن عثيمين، فجعل صور سجود السهو أربعاً - وهو رواية في المذهب -: إن سجد عن زيادة فبعد السلام، وإن كان عن نقص فقبل السلام، وإن كان عن غالب ظن فبعد السلام، وإن كان عن شك فقبل السلام. ولهذا القول أدلة تعضده وأدلة تخالفه، وقد أوجب شيخ الإسلام ابن تيمية العمل بهذه الحالات الأربع كما وردت.(٢) لأنه تكلم فيها.(٣) لحديث ذي اليدين المشهور. وقوله: قريباً: أي: عرفاً، ولو شرع في صلاة أخرى - وتقطع ليعود للصلاة الأولى - أو خرج من المسجد.
(تتمة) قدم في الإقناع - ومشى عليه في زاد المستقنع -: أنه لو سلم سهواً ثم تكلم لمصلحة الصلاة يسيراً فلا تبطل الصلاة، وهذه مخالفة للمذهب؛ لأن الكلام يبطل الصلاة في المذهب ولو كان يسيراً، ولو كان لمصلحتها، لحديث: «إن هذه صلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، رواه مسلم. (مخالفة)стр. 106
وإن أحدث أو قَهْقَهَ بطلت كفعلهما فِي صُلْبِها (١) ، وإن نفخ أو انْتحَب لَا من خشيَة الله (٢) ، أو تنحنح بِلَا حَاجَة فَبَان حرفان بطلت (٣) . الحواشي
(١) أي: إن أحدث أو قهقه بعد أن سلم سهواً بطلت الصلاة، كفعلهما في صلبها، أي: قبل تسليم الصلاة، لكن إن تبسم لم تبطل صلاته.(٢) النحيب - كما في مختار الصحاح -: (رفع الصوت بالبكاء)، فإذا انتحب لا من خشية الله تعالى فبان حرفان فككلام؛ لأنه من جنس كلام الآدميين فتبطل الصلاة؛ لكن قال البهوتي في الكشاف: (وظاهره: لا فرق بين ما غلب صاحبَه، وما لم يغلبه؛ لكن قال في المغني والنهاية: إنه إذا غلب صاحبه لم يضره لكونه غير داخل في وسعه ولم يحكيا فيه خلافا قاله في المبدع)، فالحاصل: أنه إذا غلبه البكاء - سواء من خشية الله تعالى أو لطروء موقف مبك على ذهنه - فلا تبطل الصلاة ولو بان حرفان ولعله مراد من أطلق والله أعلم. (بحث)(٣) كالمتكلم. قوله: فبان حرفان: أي في النفخ والنحيب والنحنحة، أما إذا فعل شيئاً مما ذكر لحاجة، فإن الصلاة لا تبطل به.стр. 107
وَمن ترك ركناً غيرَ التَّحْرِيمَةِ (١) فَذكره بعد شُرُوعهِ فِي قِرَاءَة رَكْعَةٍ أخرى بطلت الْمَتْرُوكُ مِنْهَا وَصَارَت الَّتِي شرع فِي قراءتها مَكَانَهَا (٢) . وَقَبله يعود فيأتي بِهِ وَبِمَا بَعْده (٣) . وَبعد سَلامٍ فكترك رَكْعَةٍ (٤) .
وإن نَهَضَ عَن تشهدٍ أوَّلٍ نَاسِياً لَزِم رُجُوعُه، وَكُرِه إن استتم قَائِماً. الحواشي
(١) شرع الماتن في الحديث عن النقص في الصلاة: فمن ترك التحريمة لم تنعقد صلاته، كمن حج بلا إحرام، فإن حجه لا يصح.(٢) فلو ترك سجدة من الركعة الأولى فلم يذكرها حتى شرع في قراءة الفاتحة، فإن الركعة الأولى تبطل وتصير الثانيةُ مكانَها. ولو رجع إلى السجدة بعد أن شرع في القراءة عمداً بطلت صلاته على المذهب، أما الشيخان السعدي وابن عثيمين فقالا: يلزمه أن يعود إلى الركن الذي تركه ما لم يصل إلى مثله في الركعة التالية.(٣) أي: إذا ذكر الركن المتروك قبل أن يشرع في قراءة فاتحة الركعة التي تلي الركعة المتروك منها الركن، فإنه يعود وجوباً، فيأتي به وبما بعده، فإن لم يعد عالماً عمداً بطلت صلاته.(٤) أي: إذا ذكر الركن المتروك بعد السلام، فكأنه ترك ركعة كاملة، فيأتى بركعة، ويسجد للسهو قبل السلام استحباباً. وهذه مسألة نص عليها الإمامُ أحمد في رواية حرب، وكأن الشيخ منصور استشكلها في شرح المنتهى؛ لأن من سلم عن نقص يستحب له أن يسجد بعد السلام على الصحيح من المذهب كما تقدم، وهذا قد سلم عن نقص.
(تنبيه) يستثنى من هذه المسألة: إذا تذكر بعد طول الفصل عرفاً، أو بعد أن أحدث، أو بعد أن تكلم، فتبطل الصلاة ويلزمه استئنافها.стр. 108
وَحرُم وَبَطلَت إن شرع فِي الْقِرَاءَة لَا إنْ نَسي أو جَهِل (١) . وَيتْبَعُ مأمومٌ (٢) . وَيجب السُّجُودُ لذَلِك مُطلقًا (٣) .
وَيَبْنِي على الْيَقِينِ وَهُوَ الأقلُّ من شَكَّ فِي رُكْنٍ أو عددٍ (٤) . الحواشي
(١) فالقيام عن التشهد الأول له ثلاث صور: ١ - إن ذكره قبل أن يستتم قائماً وجب رجوعه، ٢ - وإن ذكره بعد أن استتم قائماً وقبل أن يشرع في القراءة كُره رجوعه، ٣ - وإن ذكره بعد شروعه في القراءة حرم رجوعه، وتبطل صلاته إن رجع عالماً عمداً؛ لأن القراءة ركن مقصود في نفسه، بخلاف القيام، فإنه مقصود لغيره. وقوله: جهل: أي جهل تحريم الرجوع.
(تتمة) كذلك كل واجب تركه المصلي ناسياً، فإنه يرجع إليه ما لم يتلبس بالركن الذي يليه، فلو ترك تسبيح الركوع لزمه أن يعود ما لم يعتدل قائماً، فإن اعتدل قائماً حرم رجوعه.(٢) أي: يلزم المأموم متابعة الإمام في قيامه (ناسياً) عن التشهد الأول وجلسته حتى لو اعتدل. لكن لو شرع الإمام في القراءة ثم رجع، وجب على المأموم أن يفارقه، وإن علم أنه رجع عالماً متعمداً وتابعه، فإن صلاته باطلة، لكن الإشكال: كيف يعرف أنه عالم متعمد؟(٣) أي: يجب السجود للسهو في كل صور القيام عن نسيان التشهد الأول المتقدمة.(٤) لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم، رواه مسلم. ويأخذ الظن حكم الشك هنا، فيبني فيه على الأقل أيضاً، وإن شك في إتيانه بركن، فكتركه، وإن شك في ترك واجب بعد أن فارق محل ذلك الواجب لم يسجد للسهو - كما في الزاد -.стр. 109
فصل (في صلاةِ التطوع) (١)
آكدُ صَلَاةِ تطوعٍ: كسوفٌ (٢) فاستسقاءٌ (٣) فتراويحٌ (٤) فوترٌ (٥) . الحواشي
(١) التطوع لغة: فعل الطاعة، وشرعاً: طاعة غير واجبة.
(تتمة) يذكر الحنابلة في هذا الموضع مسألة مهمة وهي: ما أفضل ما يُتطوع به بعد الفرائض؟ فأفضل ما يتطوع به على المذهب: ١ - الجهاد في سبيل الله، ٢ - ثم النفقة في الجهاد، ٣ - ثم تَعَلُّمُ وتعليم العلم الشرعي، فجعلوا التعلم والتعليم بمنزلة واحدة، ٤ - ثم الصلاة النافلة، وآكدها: كسوف، فاستسقاء إلى آخر ما ذكره الماتن، ٥ - ثم ما تعدى نفعه من صدقه وعيادة مريض ونحوهما، ٦ - ثم الحج، ٧ - ثم الصوم.(٢) هي أفضل صلاة التطوع؛ لأن النبي ﷺ فعلها وأمر بفعلها حيث قال: «فإذا رأيتموه فقوموا وصلوا» متفق عليه. وصلاة الكسوف سنة مؤكدة على المذهب وليست واجبة، وذهب الشيخ ابن عثيمين إلى وجوب صلاة الكسوف على الأعيان.(٣) لأن النبي ﷺ كان يفعلها تارة ويتركها تارة، بخلاف صلاة الكسوف فلم ينقل أنه تركها.(٤) لأن النبي ﷺ لم يداوم عليها، وإنما صلى بعض الليالي، لكنها أشبهت الفرائض من حيث الاجتماع لها.(٥) لأنه تسن له الجماعة إذا صُلي مع التراويح، بخلاف التراويح، فإنها تسن لها الجماعة مطلقاً، فلهذا كان الوتر دونها في الأفضلية. وينبغي للإنسان ألا يترك الوتر، فقد ذكر الإمام أحمد أن من ترك الوتر رُدت شهادته، وجعله الحنفية واجباً.стр. 110
وَوَقتُه من صَلَاةِ الْعشَاء إلى الفجْر (١) ، وأقلُّه رَكْعَةٌ (٢) ، وأكثرُه إحدى عشرَة، مثنى مثنى (٣) ، ويوترُ بِوَاحِدَةٍ، وأدنى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ بسلامين (٤) ، الحواشي
(١) أي: الفجر الثاني. وقوله: من صلاة العشاء: هكذا في المنتهى والتنقيح والغاية، وقال في الإقناع: (ووقت الوتر بعد صلاة العشاء وسنتها)، قال في الكشاف: (استحباباً؛ ليوالي بين العشاء وسنتها)، فإن أوتر قبل سُنة العشاء صح. (بحث)(٢) لحديث: «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أبو داود وغيره، وقد ثبت الإيتار بركعة عن عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الثلاثة وعائشة ﵃.(٣) أي: يسلم من كل ركعتين.(٤) أي: يصلي ركعتين ويتشهد ويسلم، ثم يصلي ركعة ويتشهد ويسلم، قال في الإقناع: (وهو أفضل، ويستحب أن يتكلم بين الشفع والوتر، ويجوز بسلام واحد). ويجوز سرد الثلاث بتشهد وسلام واحد. وذكر الإقناع والغاية صورة ثالثة وهي: أن يصليها كالمغرب، ولم يذكرها المنتهى، بل ليست هذه الصورة من المذهب كما قرره ابن النجار في شرحه للمنتهى، وعبارة الغاية: (وتجوز كالمغرب، وقيل: لا). (مخالفة)
ويقرأ في الركعة الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(١) ﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ(١) ﴾، وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(١) ﴾.
(تتمة) يجوز الإيتار بركعة كما تقدم، وكذا يجوز بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة، وكلها يمكن أن تصلى على إحدى الصور الثلاث التالية: ١ - أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي ركعة واحدة، وهذا الأفضل فيما لو أوتر بإحدى عشرة ركعة. ٢ - أو يسرد الكل بتشهد واحد وسلام واحد، وهذا الأفضل فيما لو أوتر بخمس أو سبع. ٣ - أو يسرد الكل ويجلس في الركعة قبل الأخيرة، فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي الركعة الأخيرة، ويتشهد ويسلم، وهذا الأفضل فيما لو أوتر بتسع.
وأقل ما أوتر به النبي ﷺ سبع ركعات، كما عند أبي داود عن عائشة ﵂، وذكر الإمام أحمد أن كل ما نقل عن النبي ﷺ أنه صلى ركعة، فلا يعني أنه اقتصر عليها، بل يكون قد صلى قبلها.следующие страницы →